← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قربان، والظاهر عدم ثبوت هذا الشرط أصلا فَإِنْ كَذَّبُوكَ فيما جئتهم به. فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤوا بمثل ما جئت به، والجملة جواب للشرط لكن باعتبار لازمها الذي دل عليه المقام فإنه لتسليته ﷺ من تكذيب قومه واليهود له، واقتصر مجاهد على الثاني كأنه قيل فإن: كذبوك فلا تحزن وتسل، وجعل بعضهم الجواب محذوفا وهذا تعليلا له ومثله كثير في الكلام. وقال عصام الملة: لا حاجة إلى التأويل، والقول بالحذف إذ المعنى إن يكذبوك فتكذيبك تكذيب رسل من قبلك حيث أخبروا ببعثتك، وفي ذلك كمال توبيخهم وتوضيح صدقه صلى الله تعالى عليه وسلم وتسلية له ليس فوقها تسلية، ونظر فيه بأن التسلية، على ما ذهب إليه الجمهور- أتم إذ عليه تكون المشاركة بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين إخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام في تكذيب المكذبين شفاها وصريحا، وعلى الثاني لا شركة إلا في التكذيب لكنه بالنسبة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم شفاهي وصريح، وبالنسبة إلى المرسلين ليس كذلك، ولا شك لذي ذوق أن الأول أبلغ في التسلية، وعليه يجوز في مِنْ أن تتعلق- بكذب- وأن تتعلق بمحذوف وقع صفة- لرسل- أي كائنة من قبلك. وعلى الثاني يتعين الثاني ويشعر بالأول الذي عليه الجمهور وصف الرسل بقوله سبحانه: جاؤُ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحات الباهرات وَالزُّبُرِ جمع زبور كالرسول والرسل وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته قاله الزجاج، وقيل: الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ أي الموضح أو الواضح المستنير. أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه القرآن، ومعنى مجيء الرسل به مجيئهم بما اشتمل عليه من أصول الدين على ما يشير إليه قوله تعالى فيه: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] على وجه، وعن قتادة أن المراد به الزبر والشيء يضاعف بالاعتبار وهو واحد، وقيل: المراد به التوراة، والإنجيل. والزبور وهو في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء هو والحكمة متعاطفين في عامة المواقع، ووجه إفراد الكتاب بناء على القول الأول ظاهر، ولعل وجه إفراده بناء على القول الثاني والثالث، وإن أريد منه الجنس الصادق بالواحد والمتعدد الرمز إلى أن الكتب السماوية وإن تعدّدت فهي من بعض الحيثيات كشيء واحد. وقرأ ابن عامر- وبالزبر- بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات بأن يراد بها المعجزات غير الكتب لأن إعادة العامل تقتضي المغايرة ولولاها لجاز أن يكون من عطف الخاص على العام. ومن الغريب القول بأن المراد بالبينات الحروف باعتبار أسمائها كألف ولام، وبالزبر الحروف باعتبار مسمياتها ورسمها كأب، وبالكتاب الحروف المجتمعة المتلفظ بها كلمة وكلاما. وادعى أهل هذا القول: إن لكل من ذلك معاني وأسرارا لا يعقلها إلا العالمون فهم يبحثون عن الكلمة باعتبار لفظها وباعتبار كل حرف من حروفها المرسومة وباعتبار اسم كل حرف منها الذي هو عبارة عن ثلاثة حروف، ولا يخفى أن هذا اصطلاح لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه. والظاهر من تتبع الآثار الصحيحة أنه لم يثبت فيه عن الشارع الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم شيء ودون إثبات ذلك الموت الأحمر كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي نازل بها لا محالة فكأنها ذائقته وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب، وفيه تأكيد للتسلية له صلى الله تعالى عليه وسلم لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الهموم والأشجان الدنيوية.

стр. 912

وفي الخبر «أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل إلا وكثره» وكذا العلم بأن وراء هذه الدار دارا أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء ويرى كل منهما جزاء عمله، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جدا، وهل تدخل الملائكة في هذا العموم؟ قولان، والجمهور على دخولهم. فعن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: ٢٦] قالت الملائكة: مات أهل الأرض فلما نزل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧] قالت الملائكة: متنا. ووقوع الموت للأنفس في هذه النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه إلا أن الحكماء بنوا ذلك على أن هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيتين. ثم إن الحرارة تؤثر في تحليل الرطوبة، فإذا قلت الرطوبة ضعفت الحرارة ولا تزال هذه الحال مستمرة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفي الحرارة الغريزية ويحصل الموت، ومن هنا قالوا: إن الأرواح المجردة لا تموت ولا يتصور موتها إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك والمدار عندهم على حرارة الكاف ورطوبة النون، ولعلهم يفرقون بين موت وموت، وقد استدل بالآية على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن لأن الذائق لا بد أن يكون باقيا حال حصول المذوق فتدبر، وقرأ اليزيدي ذائِقَةُ الْمَوْتِ بالتنوين ونصب الموت على الأصل وقرأ الأعمش ذائِقَةُ الْمَوْتِ بطرح التنوين مع النصب كما في قوله: فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر لله إلا قليلا وعلى القراءات الثلاث كُلُّ نَفْسٍ مبتدأ وجاز ذلك وإن كان نكرة لما فيه من العموم، وذائِقَةُ الخبر، وأنث على معنى كُلُّ لأن كُلُّ نَفْسٍ نفوس ولو ذكر في غير القرآن على لفظ كُلُّ جاز. وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ أي تعطون أجزية أعمالكم وافية تامة يَوْمَ الْقِيامَةِ أي وقت قيامكم من القبور، فالقيامة مصدر والوحدة لقيامهم دفعة واحدة، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم من خير أو شر تصل إليهم قبل ذلك اليوم، ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» ، وقيل: النكتة في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا، ولعل من ينكر عذاب القبر تتعين عنده هذه النكتة. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ أي بعد يومئذ عن نار جهنم، وأصل الزحزحة تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة، وقد أريد هنا المعنى اللازم وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ أي سعد ونجا قاله ابن عباس، وأصل الفوز الظفر بالبغية، وبعض الناس قدر له هنا متعلقا أي فاز بالنجاة، ونيل المراد، ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد، وفي الخبر «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية» . وأخرج أحمد، ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتي إليه» وذكر دخول الجنة بعد البعد عن النار لأنه لا يلزم من البعد عنها دخول الجنة كما هو ظاهر. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي لذاتها وشهواتها وزينتها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ المتاع ما يتمتع به وينتفع به مما يباع ويشترى وقد شبهها سبحانه بذلك المتاع الذي يدلس به على المستام ويغير حتى يشتريه إشارة إلى غاية رداءتها عند

стр. 913

من أمعن النظر فيها: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق وعن قتادة هي متاع متروك أو شكت والله أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله تعالى إن استطعتم ولا قوة إلا بالله، وعن علي كرم الله تعالى وجهه هي لين مسها قاتل سمها، وقيل: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور، وذكر بعضهم أن هذا التشبيه بالنسبة لمن آثرها على الآخرة، وأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ، وفي الخبر «نعم المال الصالح للرجل الصالح» ، والغرور مصدر أو جمع غار لَتُبْلَوُنَّ جواب قسم محذوف أي والله لتختبرن، والمراد لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأفعال الحسنة ولا يصح حمل الابتلاء على حقيقته لأنه محال على علام الغيوب كما مر، والخطاب للمؤمنين أو لهم معه ﷺ ، وإنما أخبرهم سبحانه بما سيقع ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبر والثبات فإن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء، والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ولتحقيق معنى الابتلاء لهذا التهوين أتى بالتأكيد، وقد يقال: أتي به لتحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعداد، وعلى أي وجه فالجملة مسوقة لتسلية أولياء الله تعالى عما سيلقونه من جهة أعدائه سبحانه إثر تسليتهم عما وقع منهم، وقيل: إنما سيقت لبيان أن الدنيا دار محنة وابتلاء، وإنها إنما زويت عن المؤمنين ليصبروا فيؤجروا إثر بيان أنها مَتاعُ الْغُرُورِ، ولعل الأول أولى كما لا يخفى، والواو المضمومة ضمير الرفع ولام الكلمة محذوفة لعلة تصريفية، وإنما حركت هذه الواو دفعا للثقل الحاصل من التقاء الساكنين وكان ذلك بالضم ليدل على المحذوف في الجملة ولم تقلب الواو ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها لعروض ذلك فِي أَمْوالِكُمْ بالفرائض فيها والجوائح، واقتصر بعض على الثاني مدعيا أن الأول الممثل في كلامهم بالإنفاق المأمور به في سبيل الله تعالى، والزكاة لا يليق نظمه في سلك الابتلاء لما أنه من باب الأضعاف لا من قبيل الإتلاف، وفيه نظر تقدم في البقرة الإشارة إليه، وعن الحسن الاقتصار على الأول. والأولى القول بالعموم وفي أَنْفُسِكُمْ بالقتل والجراح، والأسر والأمراض وفقد الأقارب وسائر ما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد، وقدم الأموال على الأنفس للترقي إلى الأشرف. أو لأن الرزايا في الأموال أكثر من الرزايا في الأنفس وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى. والتعبير عنهم بذلك إما للإشعار بمدار الشقاق والإيذان بأن ما يسمعونه منهم مستند على زعمهم إلى الكتاب. وإما للإشارة إلى عظم صدور ذلك المسموع منهم. وشدة وقعه على الأسماع حيث إنه كلام صدر ممن لا يتوقع صدوره منه لوجود زاجر عنه معه. وهو إيتاؤه الكتاب كما قيل: والتصريح بالقليلة إما لتأكيد الإشعار وتقوية المدار وإما للمبالغة في أمر الزاجر عن صدور ذلك المسموع من أولئك المسمعين وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم كفار العرب أَذىً كَثِيراً كالطعن في الدين وتخطئة من آمن والافتراء على الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم والتشبيب بنساء المؤمنين وَإِنْ تَصْبِرُوا على تلك الشدائد عند ورودها وَتَتَّقُوا أي تتمسكوا بتقوى الله تعالى وطاعته والتبتل إليه بالكلية والإعراض عما سواه بالمرة بحيث يستوي عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه فَإِنَّ ذلِكَ إشارة إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى. وما فيه من معنى البعد إما لكونه غير مذكور صريحا على ما قيل، أو للإيذان بعلو درجة هذين الأمرين وبعد منزلتهما. وتوحيد حرف الخطاب إما باعتبار كل واحد من المخاطبين اعتناء بشأن المخاطب به، وإما لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه من غير خصوصية أحوال المخاطبين مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي الأمور التي ينبغي أن يعزمها كل

стр. 914

أحد لما فيه من كمال المزية والشرف والعز، أو مما عزمه الله تعالى وأوجبه على عباده، وعلى كلا التقديرين فالعزم مصدر بمعنى المعزوم وهو مأخوذ من قولهم عزمت الأمر- كما نقله الراغب- والأشهر عزمت على الأمر، ودعوى أنه لم يسمع سواه غير مسموعة كدعوى عدم صحة نسبة العزم إليه تعالى لأنه توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله وهو محال عليه تعالى، ومما يؤيد صحة النسبة أنه قرئ «فإذا عزمت» بضم التاء وهو حينئذ بمعنى الإرادة والإيجاب، ومنه قول أم عطية رضي الله تعالى عنها: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وما في حديث آخر يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة، وقولهم: عزمات الله تعالى- كما نقله الأزهري- ومن هذا الباب قول الفقهاء: ترك الصلاة زمن الحيض عزيمة، والجملة تعليل لجواب واقع موقعه كأنه قيل: «وإن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم» أو فقد أحسنتم، أو نحوهما فَإِنَّ ذلِكَ إلخ، وجوز أن يكون ذلِكَ إشارة إلى صبر المخاطبين وتقواهم فحينئذ تكون الجملة بنفسها جواب الشرط، وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى، وزعم بعضهم أن هذا الأمر الذي أشارت إليه الآية كان قبل نزول آية القتال وبنزولها نسخ ذلك، وصحح عدم النسخ وأن الأمر بما ذكر كان من باب المداراة التي لا تنافي الأمر بالقتال، وسبب نزول هذه الآية في قول ما تقدمت الإشارة إليه، وأخرج الواحدي عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله ﷺ ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله ابن أبيّ- وذلك قبل أن يسلم عبد الله فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشي المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، وقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون فلم يزل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب- يريد عبد الله بن أبيّ- قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول الله اعف عنه واصفح فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله تعالى بالحق الذي نزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله تعالى ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق فغص بذلك فعفا عنه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى الآية. وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون ومنهم المشركون ومنهم اليهود فأراد النبي ﷺ أن يستصلحهم كلهم فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشدّ الأذى فأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله تعالى وَلَتَسْمَعُنَّ الآية. وفي رواية أخرى عن الزهري أن كعبا هذا كان يهجو النبي ﷺ ويشبب بنساء المؤمنين فقال ﷺ : من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله فخرج هو ورضيعه أبو نائلة مع جماعة فقتلوه غيلة وأتوا برأسه إلى النبي ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلي ثم إنه سبحانه بين بعض أذيات أهل الكتاب بقوله عز قائلا وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ والمراد بهم إما أحبار اليهود خاصة- وإليه ذهب ابن جبير- وهو المروي عن ابن عباس من طريق عكرمة وإما ما يشملهم وأحبار النصارى- وهو المروي عنه من طريق علقمة- وإنما ذكروا بعنوان إيتاء الكتاب

стр. 915

مبالغة في تقبيح حالهم، وقيل: رمزا إلى أن أخذ الميثاق كان في كتابهم الذي أوتوه، وروى سعيد بن جبير ان أصحاب عبد الله يقرؤون وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم- لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ جواب ميثاق لتضمنه معنى القسم، والضمير للكتاب أي بالله لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوة محمد صلى الله تعالى عليه ولم وهو المقصود بالحكاية، وظاهر كلام السدي وابن جبير أن الضمير لمحمد ﷺ وإن لم يصرح باسمه الشريف ﵊. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ليبيننه بياء الغيبة، وقد قرر علماء العربية أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول: استحلفته ليقومنّ، الثاني أن تأتي بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له فتقول: استحلفته لتقومن كأنك قلت: قلت له: لتقومن، الثالث أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول: استحلفته لأقومنّ، ومنه قوله تعالى: تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [النمل: ٤٩] بالنون والياء والتاء، ولو كان تقاسموا أمرا لم يجىء فيه الياء التحتية لأنه ليس بغائب قاله بعض المحققين وَلا تَكْتُمُونَهُ عطف على الجواب وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا، وقال أبو البقاء: اكتفاء بالتوكيد في الفعل الأول. وجوز أن يكون حالا من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدأ بعد الواو أي وأنتم لا تكتمونه وإما على رأي من يجوز دخول الواو على المضارع المنفي عند وقوعه حالا أي لتظهرنه غير كاتمين، والنهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان للمبالغة في إيجاب المأمور به- كما ذهب اليه غير واحد- أو لأن المراد بالبيان المأمور به ذكر الآيات الناطقة بنبوته ﷺ وبالكتمان المنهي عنه إلغاء التأويلات الزائغة والشبهات الباطلة كما قيل. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه كان يفسر لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ بقوله لتتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل، وأمر النهي بعد الأمر على هذا ظاهر أيضا، ولعل الكلام عليه أفيد. وقرأ ابن كثير ومن معه ولا يكتمونه بالياء كما في سابقه فَنَبَذُوهُ أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ ولم يراعوه ولم يلتفتوا اليه أصلا فإن النبذ وراء الظهر تمثيل واستعارة لترك الاعتداد وعدم الالتفات وعكسه جعل الشيء نصب العين ومقابلها وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه، وقيل: الضمير للعهد والأول أولى، والمعنى أخذوا بدله ثَمَناً قَلِيلًا من حطام الدنيا الفانية وأغراضها الفاسدة فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن فيما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف، وقيل: ما مصدرية فاعل بئس والمخصوص محذوف أي بئس شراؤهم هذا الشراء لأستحقاقهم به العذاب الأليم، واستدل بالآية على وجوب إظهار العلم وحرمة كتمان شيء من أمور الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارهم واستجذاب لمبارهم ونحو ذلك، وفي الخبر «من سئل عن علم فكتمه ألجم بالجام من نار» ، وروى الثعلبي بإسناده عن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني، وإما أن أحدثك؟ فقال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عيينة عن نجم الخراز قال: سمعت علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه يقول: ما أخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا، قال: فحدثني أربعين حديثا، وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا هذه الآية. وأخرج ابن سعد عن الحسن لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون

стр. 916

عنه، ويؤيد الاستدلال بالآية على ما ذكر ما أخرجه ابن جرير عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيهم عبد الله بن مسعود فقال: إن كعبا يقرئكم السلام ويبشركم أن هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلخ ليست فيكم، فقال له عبد الله: وأنت فأقرئه السلام إنها نزلت وهو يهودي وأراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن كعبا لم يعرف ما أشارت اليه وإن نزلت في أهل الكتاب لا تَحْسَبَنَّ خطاب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب أي لا تظنن. الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما فعلوا، وبه قرأ أبي، وقرئ «بما آتوا» و «بما أتوا» وروي الثاني عن علي كرم الله تعالى وجهه وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا أي أن يحمدهم الناس، وقيل: المسلمون، وقيل: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بِما لَمْ يَفْعَلُوا قال ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم من طريق العوفي: هم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق وحرفوا الكلام عن مواضعه وفرحوا بذلك وأحبوا أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا من الصلاة والصيام، وفي رواية البخاري وغيره عنه «أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بِما أَتَوْا من كتمان ما سألهم عنه» ، وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنهم يَفْرَحُونَ بكتمانهم صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التي نطق بها كتابهم وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بأنهم متبعون دين إبراهيم ﵇، فعلى هذا يكون الموصول عبارة عن المذكورين سابقا الذين أخذ ميثاقكم، وقد وضع موضع ضميرهم، وسيقت الجملة لبيان ما يستتبع أعمالهم المحكية من العذاب إثر بيان قباحتها، وفي ذلك من التسلية أيضا ما لا يخفى، وقد أدمج فيها بيان بعض آخر من شنائعهم وفضائحهم وهو إصرارهم على القبيح وفرحهم بذلك ومحبتهم لأن يوصفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلة وأخرج سبحانه ذلك مخرج المعلوم إيذانا بشهرة اتصافهم به، وقيل: إن الموصول عبارة عن أناس منافقين وهم طائفة معهودون من المذكورين وغيرهم، وأيد ذلك بما أخرجه الشيخان والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فنزلت هذه الآية، وروي مثل ذلك عن رافع بن خديج وزيد بن ثابت. وغيرهما، وقيل: المراد بهؤلاء المنافقون كافة، وقد كان أكثرهم من اليهود. وادعى بعضهم أنه الأنسب بما في حيز الصلة لشهرة أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار الإيمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألف منزل، وكانوا يظهرون محبة المؤمنين وهم في الغاية القاصية من العداوة، ولا يخفى عليك أنه وإن سلم كونه أنسب إلا أنه لم يوجد فيما نعلم من الآثار الصحيحة ما يؤيده، ومن هنا يعلم بعد القول بأن الأولى إجزاء الموصول على عمومه شاملا لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من الفضائل منتظما للمعهودين انتظاما أوليا على أنه قد اعترض بأن انتظام المعهودين مطلقا فضلا عن كونه أوليا غير مسلم إلا إذا عمم ما في بِما أَتَوْا بحيث يشمل الحسنات الحقيقية وغيرها. أما إذا خص بالحسنات كما يوهمه ظاهر هذا القول فلا يسلم الانتظام لأن أولئك الفرحين لم يأتوا بحسنة في نفس الأمر ليفرحوا بها فرح إعجاب كما لا يخفى، ولعل الأمر في هذا سهل، نعم يزيده بعدا ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الشعب من طريق حميد بن عبد الرحمن أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل

стр. 917

معذبا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلى آخر الآيتين فإنه لو كان الأولى إجراء الموصول على عمومه لأجراه حبر الأمة وترجمان القرآن، وأزال الإشكال يتقييد الفرح بفرح الإعجاب كما فعل صاحب هذا القول ولا يلزم من كلام الحبر على هذا عدم حرمة الفرح فرح إعجاب وحب الحمد بما لم يفعل بالمرة بل قصارى ما يلزم منه كلام الحبر على هذا عدم حرمة الفرح فرح إعجاب وحب الحمد بما لم يفعل بالمرة بل قصارى ما يلزم منه عدم كون ذلك مفاد الآية كما قيل وهو لا يستلزم عدم كونه مفاد شيء أصلا ليكون ذلك قولا بعدم الحرمة، كيف وكثير من النصوص ناطق بحرمة ذلك حتى عده البعض من الكبائر؟! فليفهم وأيّا ما كان فالموصول مفعول أول لتحسبن وقوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد له والعرب كما قال الزجاج إذا أطالت القصة تعيد حسبت وما أشبهها إعلاما بأن الذي جرى متصل بالأول وتوكيد له، فتقول: لا تظنن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا فيفيد لا تظنن توكيدا وتوضيحا، والفاء زائدة كما في قوله: فإذا هلكت «فعند» ذلك فاجزعي والمفعول الثاني في قوله سبحانه: بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ أي متلبسين بنجاة منه على أن المفازة مصدر ميمي بمعنى الفوز، والتاء ليست للوحدة لبناء المصدر عليه، ومِنَ الْعَذابِ متعلق به، وجوز أن تكون المفازة اسم مكان أي محل فوز ونجاة، وأن يستعار من المفازة للقفر وحينئذ يكون من العذاب صفة له لأن اسم المكان لا يعمل ولا بد من تقدير المتعلق خاصا أي منجية مِنَ الْعَذابِ وتقديره عاما- أي بمفازة كائنة من العذاب- غير صحيح لأن المفازة ليست من العذاب، واعترض بأن تقديره خاصا مع كونه خلاف الأصل تعسف مستغنى عنه، وقرئ بضم الباء الموحدة في الفعلين على أن الخطاب شامل للمؤمنين أيضا، وبياء الغيبة وفتح الباء فيهما على أن الفعل له ﵊ أو لكل من يأتي منه الحسبان ومفعولاه في القراءتين كما ذكر من قبل. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالياء وفتح الباء في الفعل الأول، وبالياء وضم الباء في الفعل الثاني على أن فاعل «لا يحسبن الذين» بعده ومفعولاه محذوفان يدل عليهما مفعولا مؤكده وفاعل مؤكده ضمير الموصول ومفعولاه ضميرهم، وبمفازة أي «لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا» فلا «يحسبن» أنفسهم بِمَفازَةٍ. ويجوز أن يكون المفعول الأول- للا يحسبن- محذوفا والمفعول الثاني مذكورا أي أعني بِمَفازَةٍ أن «لا يحسبن الذين يفرحون» أنفسهم فائزين، وقوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ مؤكد والفاء زائدة كما مر وأن يكون كلا مفعولي «لا يحسبن» مذكورا، الأول ضميرهم المتصل بالفعل الثاني، والثاني «بمفازة» وهو مبني على جعل التأكيد هو الفعل والفاعل فقط على ما هو الأنسب إذ ليس المذكور سابقا سواهما. ورد بأن فيه اتصال ضمير المفعول بغير عامله أو فاعله المتصل بعامله ولم يقل به أحد من النحاة وإن كان فيه تحاش عن الحذف في هذا الباب، وفيه نظر إذ قد صرح كثير بجواز ذلك، وقد أفردت هذه المسألة بالتدوين، وجوز أيضا أن يكون الفعل الأول مسندا إلى ضمير النبي ﷺ أو كل حاسب والمفعول الأول الموصول، والمفعول الثاني محذوفا لدلالة مفعول الفعل الثاني عليه والفعل الثاني مسندا إلى ضمير الموصول والفاء للعطف لظهور تفرع عدم حسبانهم على عدم حسبانه ﵊ أو عدم حسبان كل حاسب ومفعولاه الضمير المنصوب وبِمَفازَةٍ تصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور على ما قال شيخ الإسلام للتنبيه على بطلان آرائهم الركيكة وقطع أطماعهم الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من

стр. 918

عذاب الآخرة كما نجوا به من المؤاخذة الدنيوية وعليه كان مبنى فرحهم، وأما نهيه ﷺ فللتعريض بحسبانهم المذكور لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته ﷺ . وأنت تعلم أن تعليل التصدير بما ذكر على تقدير إجراء الموصول على عمومه على ما مر غير ظاهر إلا أن يقال بالتغليب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بيان لثبوت فرد من العذاب لا غاية له في المدة والشدة إثر ما أشير إليه من عدم نجاتهم من مطلق العذاب ويلوح بذلك الجملة الاسمية والتنكير التفخيمي والوصف. وجوز أن يكون هذا إشارة إلى العذاب الأخروي ويحمل نفي النجاة من العذاب فيما تقدم على نفي العذاب العاجل وهو كونهم مذمومين مردودين فيما بين الناس لأن لباس الزور لا يبقى وينكشف حال صاحبه ويفتضح. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تقرير لما قبله حيث أفاد أن لله وحده السلطان القاهر في جميع العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار إيجادا وإعداما إحياء وإماتة ومن هو كذلك فهو مالك أمرهم لا راد له عما أراد بهم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تقرير إثر تقرير والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة مع الإشعار بمناط الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية والرمز إلى استقلال كل من الجملتين بالتقرير، وقيل: مجموع الجملتين مسوق لرد قول اليهود السابق إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وضعف بالبعد- ولو قيل- وفيه ردّ لهان الأمر. هذا (ومن باب الإشارة في الآيات) وَلا يَحْزُنْكَ لتوقع الضرر، أو لشدة الغيرة الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ لحجابهم الأصلي وظلمتهم الذاتية إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً فإن ساحة الكبرياء مقدسة عن هجوم ظلال الضلال، أو المراد لن يضروك أيها المظهر الأعظم إلا أنه تعالى أقام نفسه تعالى مقام نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي الآية إشارة إلى الفرق والجمع يُرِيدُ اللَّهُ إظهارا لصفة قهره أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم حجابهم ونظرهم إلى الأغيار إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ وأخذوه بالإيمان بدله لقبح استعدادهم وسوء اختيارهم الغير المجعول لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً «لكن يضرون أنفسهم لحرمانها تجلي الجمال وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ لكونهم غدوا بذلك مظهر الجلال وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ ونزيد في مددهم خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ينتفعون به في القرب إلينا إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً بسبب ذلك لازديادهم حجابا على حجاب وبعدا على بعد وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ لفرط بعدهم عن منبع العز ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من ظاهر الإسلام وتصديق اللسان حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ من صفات النفس وحظوظ الشيطان ودواعي الهوى مِنَ الطَّيِّبِ وهو صفات القلب كالاخلاص واليقين والمكاشفة ومشاهدة الروح ومناغاة السر ومسامراته وذلك بوقوع الفتن والمصائب بينكم وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أي غيب وجودكم من الحقائق الكامنة فيكم بلا واسطة الرسول للبعد وعدم المناسبة وانتفاء استعداد التلقي منه سبحانه وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على ذلك ويهديكم إلى ما غاب عنكم من كنوز وجودكم وأسراره للجنسية التي بينكم وبينه فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ بالتصديق والتمسك بالشريعة ليمكنكم التلقي منهم وَإِنْ تُؤْمِنُوا بعد ذلك الإيمان الحقيقي الحاصل بالسلوك والمتابعة في الطريقة وَتَتَّقُوا الحجب والموانع فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ من كشف الحقيقة، وقد يقال: إن لله تعالى غيوبا غيب الظاهر وغيب الباطن وغيب الغيب وسر الغيب وغيب السر، فغيب الظاهر هو ما أخبر به سبحانه عن أمر الآخرة، وغيب الباطن هو غيب المقدورات المكنونة عن قلوب الأغيار، وغيب الغيب هو سر الصفات في الأفعال، وسر الغيب هو نور الذات في الصفة، وغيب السر هو غيب القدم وسر الحقيقة والاطلاع بالواسطة على ما عدا الأخير واقع للسالكين على حسب مراتبهم، وأما الاطلاع على الأخير فغير واقع لأحد أصلا فإن الأزلية منزهة عن

стр. 919

الإدراك وخاصة بنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك المعنى رؤيته بنعت الكشف له وابتسام صباح الأزل في وجهه لا بنعت الإحاطة والإدراك وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من المال أو العلم أو القدرة أو النفس فلا ينفقونه في سبيل الله على المستحقين، أو المستعدين، أو الأنبياء والصديقين في الذب عنهم، أو في الفناء في الله تعالى هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ لاحتجابهم به سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ويلزمون وباله ويبقى ذلك حسرة في قلوبهم عند هلاكهم على ما يشير قوله تعالى: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقد ذكر بعض العارفين أن من أعظم أنواع البخل كتم الأسرار عن أهلها وعدم إظهار مواهب الله تعالى على المريدين وإبقائهم في مهامه الطريق مع التمكن من إرشادهم ويقال: إن مبنى الطريق على السخاء وإن السخاء بالمال وصف المريدين، والسخاء بالنفس وصف المحبين، وبالروح وصف العارفين. وقال ابن عطاء: السخاء النفس والسر والروح والكل، ومن بخل في طريق الحق بماله حجب وبقي معه، ومن نظر إلى الغير حرم فوائد الحق وسواطع أنوار القرب لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وهم اليهود حيث سمعوا الاستقراض ولم يفهموا سره فوقعوا فيما وقعوا وقالوا ما قالوا وهذا القول إنما يجر إليه الطغيان وغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى على النفس الأمارة فتطلب حينئذ الارتداء برداء الربوبية، ومن هنا تقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] أحيانا مع حجابها وبعدها عن الحضرة الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قيل: إنه روي أن أنبياء بني إسرائيل كانت معجزتهم أن يأتوا بقربان فيدعوا الله تعالى فتأتي نار من السماء فتأكله وتأويله أن يأتوا بنفوسهم يتقربون بها إلى الله تعالى ويدعون بالزهد والعبادة فتأتي نار العشق من سماء الروح فتأكله وتفنيه في الوحدة وبعد ذلك تصح نبوتهم وتظهر فلما سمع بذلك عوام بني إسرائيل اعتقدوا ظاهره الممكن في عالم القدرة فاقترحوا على كل نبي تلك الآية إلى أن جاء نبينا ﷺ فاقترحوا عليه ونقل الله تعالى ذلك لنا ورده عليهم، وأولى من هذا في باب التأويل أن يهود صفات النفس البهيمية والشيطانية قالوا لرسول الخاطر الرحماني والإلهام الرباني لا ننقاد لك حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ هو الدنيا وما فيها تجعلها نسيكة لله فتأكلها نار المحبة قُلْ يا وارد الحق قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي أي واردات الحق بِالْبَيِّناتِ بالحجج الباهرة وَبِالَّذِي قُلْتُمْ وهو جعل الدنيا وما فيها قربانا فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ أي غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم تبقوا أثرا لتلك الواردات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنكم تؤمنون لمن يأتيكم بذلك فَإِنْ كَذَّبُوكَ خطاب للرسول الأعظم ﷺ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ للعوام وَالزُّبُرِ للمتوسطين وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ للخواص، ويحتمل أن يكون الأول إشارة إلى توحيد الأفعال والثاني إلى توحيد الصفات، والثالث إلى توحيد الذات المشار إليه بقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولهذا أتى بالكتاب مفردا ووصفه بالمنير، وجوز أن يكون الخطاب للوارد الرحماني والرسل إشارة إلى الواردات المختلفة المتنوعة كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ حكم شامل لجميع الأنفس مجردة كانت أو بسيطة بحمل الموت على ما يشمل الموت الطبيعي والفناء في الله تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ على اختلافها يوم القيامة فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ أي نار الحجاب أو ما يعمها والنار المعروفة وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ المتنوعة إلى ما قدمناه غير مرة، أو الجنة بالمعنى الأعم فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ولذاتها الفانية إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ لأنها الحجاب الأعظم لمن نظر إليها من حيث هي لَتُبْلَوُنَّ لتختبرن في أموالكم بإيجاب إنفاقها مع ميلكم إليها وأنفسكم بتعريضها لما يكاد يجر إلى إتلافها مع حبكم لها. وقال بعض العارفين: إن الله تعالى أظهر النفس وزينها بكسوة الربوبية وملأها باللطف والقهر وكساها زينة الملك

стр. 920

من الأموال ابتلاء وامتحانا فمن نظر إلى نفسه بعين زينة الربوبية فنيت نفسه فيها ونطق لسان الربوبية منه وصار كشجرة موسى ﵇ حيث نطق الحق منها وذلك مثل الحلاج القائل: أنا الحق، ومن نظر إلى زينة الأموال التي هي زينة الملك صار حاله كحال سليمان ﵇ حيث كان ينظر إلى عظم جلال المولى من خلال تلك الزينة، ومن نظر إلى نفسه من حيث إنها نفسه واغتر بالسراب ولم يحقق بالذوق ما عنده صار حاله كحال فرعون إذ نادى أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] ، ومن نظر إلى خضرة الدنيا وحسا كأس شهواتها وسكر بها صار كبلعام فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف: ١٧٦] وهذا وجه الابتلاء بالأموال والأنفس، وأي ابتلاء أعظم من رؤية الملك ورؤية الربوبية في الكون الذي هو محل الالتباس وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهم أهل مقام الجمع وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم أهل الكثرة أَذىً كَثِيراً لنطقهم بما يخالف مشربكم والخطاب للمتوسطين من السالكين فإنهم ينكرون على أهل مقام الجمع وعلى أهل الكثرة جميعا ما داموا غير واصلين إلى توحيد الذات وغير كارعين من بحار الفرق بعد الجمع وَإِنْ تَصْبِرُوا على مجاهدة أنفسكم وَتَتَّقُوا النظر إلى الأغيار فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي من الأمور المطلوبة التي تجرّ إلى المقصود والفوز بالمطلوب وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ الظاهر هنا عدم صحة إرادة المعنى الذي أريد مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آنفا ومن حمله عليه تكلف جدا فلعله باق على ظاهره، أو أنه إشارة إلى العلماء مطلقا وضمير فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ إلخ راجع إليهم باعتبار البعض فتدبر لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي يعجبون بما فعلوا من طاعة ويحجبون برؤيته وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا أي يحمدهم الناس فهم محجوبون بغرض الحمد والثناء من الناس، أو أن يكونوا محمودين عند الله بِما لَمْ يَفْعَلُوا بل فعله الله تعالى على أيديهم إذ لا فعل حقيقة إلا لله تعالى فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهو عذاب الحرمان والحجاب.

стр. 921

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليس لأحد فيهما شيء وهو المتصرف فيهما وفيما اشتملتا عليه فكيف يعجب من ظهر على يده فعل بما ظهر وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يقدر سواه على فعل ما حتى يحجب برؤيته إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تأكيد لما قبله وإقامة دليل عليه ولذا لم يعطف، وأتى بكلمة إن اعتناء بتحقق مضمون الجملة أي إن في إيجادهما وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب والبدائع وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي تعاقبها ومجيء كل منهما خلف الآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين لسباحتها في بحر قدرته سبحانه حسب إرادته، وخبر الخرزتين خارج عن سلك القبول وبفرض نظمه فيه مؤول، وثقب التأويل واسع وكون ذلك تابعا لحركة السموات وسكون الأرض- كما قاله مولانا شيخ الإسلام- مخالف لما ذهب إليه جمهور أهل السنة من المحدثين وغيرهم من سكون السموات وتحرك النجوم أنفسها بتقدير الله تعالى العليم، وما ذهب إليه هو مذهب الحكماء المشهور بين الناس، وقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره ما يخالفه أيضا حيث قال: إن الله سبحانه جعل هذه السموات ساكنة وخلق فيها نجوما تسبح بها وجعل لها في سباحتها حركان مقدرة لا تزيد ولا تنقص وجعلها تسير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخرق الهواء المماس لها فيحدث بسيرها أصوات ونغمات مطربة لكون سيرها على وزن معلوم فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات السماوية وجعل أصحاب علم الهيئة للأفلاك ترتيبا ممكنا في حكم العقل وجعلوا الكواكب في الأفلاك كالشامات على سطح الجسم وكل ما قالوه يعطيه ميزان حركاتها وإن الله تعالى لو فعل ذلك كما ذكروه لكان السير السير بعينه، ولذلك يصيبون في علم الكسوفات ونحوه، وقالوا: إن السموات كالأكر وإن الأرض في جوفها وذلك كله ترتيب وضعي يجوز في الإمكان غيره وهم مصيبون في الأوزان مخطئون في أن الأمر كما رتبوه فليس الأمر إلا على ما ذكرناه شهودا انتهى. ويؤيد دعوى أنه يجوز في الإمكان غيره ما ذهب إليه أصحاب الزيج الجديد من أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها وأقاموا على ذلك الأدلة والبراهين بزعمهم وبنوا عليه الكسوف والخسوف ونحوهما ولم يتخلف شيء من ذلك فهذا يشعر بأنه لا قطع فيما ذهب اليه أصحاب الهيئة، ويحتمل أن يراد باختلاف الليل والنهار تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة، أو في اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة إما في الطول والقصر فإن البلاد القريبة من قطب الشمال أيامها الصيفية أطول وليالها الصيفية أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها، وإما في أنفسهما فإن كرية الأرض تقتضي أن يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلا، وفي مقابله نهارا وفي بعضها صباحا وفي بعضها ظهرا أو عصرا أو غير ذلك، وهذا مما لا شبهة فيه عند كثير من الناس، وذكره شيخ الإسلام أيضا- وليس بالبعيد- بل اختلاف الأوقات في الأماكن مشاهد محسوس لا يختلف فيه اثنان إلا أن في كرية الأرض اختلافا، فقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أن الله تعالى بعد أن خلق الفلك المكوكب في جوف الفلك الأطلس خلق الأرض سبع طبقات وجعل كل أرض أصغر من الأخرى ليكون على كل أرض قبة سماء فلما تم خلقها

стр. 922

وقدر فيها أقواتها واكتسى الهواء صورة البخار الذي هو الدخان فتق ذلك الدخان سبع سموات طباقا وأجساما شفافة وجعلها على الأرضين كالقباب على كل أرض سماء أطرافها عليها نصف كرة وكرة الأرض لها كالبساط فهي مدحية دحاها من أجل السماء أن تكون عليها وجعل في كل سماء من هذه واحدة من الجواري على الترتيب المعروف انتهى، والقلب يميل إلى الكرية والله لا يستحي من الحق، وما ذهب إليه الشيخ الأكبر قدس سره أمر شهودي وفيه الموافق والمخالف لما ذهب إليه معظم المحدثين. وأكثر علماء الدين. والذي قطع به بعض المحققين أنه لم يجىء في الأحاديث الصحيحة المرفوعة ما يفصل أمر السموات والأرض أتم تفصيل إذ ليست المسألة من المهمات في نظر الشارع صلى الله تعالى عليه وسلم والمهم في نظره منها واضح لا مرية فيه، وسبحان من لا يتعاصى قدرته شيء، والليل واحد بمعنى جمع وواحدة ليلة مثل تمرة وتمر وقد جمع على ليال فزادوا فيها الياء على غير قياس، ونظيره أهل وأهال، ويقال: كان الأصل فيها ليلاة فحذفت لأن تصغيرها لييلية كذا في الصحاح، وصحح غير واحد أنه مفرد ولا يحفظ له جمع، وأن القول بأنه جمع والليالي جمع جمع غير مرضي فافهم، وقد تقدم الكلام مستوفى في الليل والنهار، ووجه تقديم الأول على الثاني. لَآياتٍ أي دلالات على وحدة الله تعالى وكمال علمه وقدرته، وهو اسم إن وقد دخله اللام لتأخره عن خبرها والتنوين فيه للتفخيم كما وكيفا أي آيات كثيرة عظيمة، وجمع القلة هنا قائم مقام جمع الكثرة، قيل: وفي ذلك رمز إلى أن الآيات الظاهرة وإن كانت كثيرة في نفسها إلا أنها قليلة في جنب ما خفي منها في خزائن العلم ومكامن الغيب ولم يظهر بعد لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الحسّ والوهم، ومنه خبر «أن الله تعالى منع مني بني مدلج لصلتهم الرحم وطعنهم في ألباب الإبل» أي خالص إبلهم وكرائمها، ويقال: لبّ يلب كعض يعض إذا صار لبيبا وهي لغة أهل الحجاز وأهل نجد يقولون: لب يلب كفر يفر ويقال: لبب الرجل بالكسر يلب الفتح إذا صار ذا لب، وحكي لبب بالضم وهو نادر لا نظير له في المضاعف. ووجه دلالة المذكورات على وحدته تعالى أنها تدل على وجود الصانع لتغيرها المستلزم لحدوثها واستنادها إلى مؤثر قديم ومتى دلت على ذلك لزم منه الوحدة، ووجه دلالتها على ما بعد أنها في غاية الإتقان ونهاية الإحكام لمن تأمل فيها وتفكر في ظاهرها وخافيها وذلك يستدعي كمال العلم والقدرة كما لا يخفى، وللمتكلمين في الاستدلال على وجود الصانع بمثل هذه المذكورات طريقان: أحدهما طريق التغير، والثاني طريق الإمكان، والأكثرون على ترجيح الثاني، والبحث مفصل في موضعه. وإنما اقتصر سبحانه هنا على هذه الثلاثة بعد ما زاده في البقرة لأن الآيات على كثرتها منحصرة في السماوية والأرضية والمركبة منهما، فأشار إلى الأولين بخلق السموات والأرض، وإلى الثالثة باختلاف الليل والنهار لأنهما من دوران الشمس على الأرض، أو لأنهما بواسطة مفيض بحسب الظاهر وهو الجرم العلوي وقابل للإفاضة وهو الجرم السفلي القابل للظلمة والضياء قاله بعضهم وقال ناصر الدين: لعل ذلك لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه الثلاثة متعرضة لجملة أنواعه فإنه إنما يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها، أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، واعترض بأنه مبني على مذهب الحكماء في إثبات الهيولى والصورة والأوضاع الفلكية فلا يناسب تخريج كتاب الله تعالى عليه، ولعل الأولى من هذا وذاك ما قاله شيخ الإسلام في عدم التعرض لما ذكر في تلك السورة من أن المقصود هاهنا بيان استبداده تعالى بما ذكر من الملك والقدرة، والثلاثة المذكورة معظم الشواهد الدالة على ذلك فاكتفي بها، وأما هناك فقد قصد في ضمن بيان اختصاصه تعالى بالألوهية

стр. 923

بيان اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة فنظمت دلائل الفضل والرحمة في سلك دلائل التوحيد فإن ما فصل هناك من آيات رحمته تعالى كما أنه من آيات ألوهيته ووحدته. ومما يؤيد كون المذكورات معظم الشواهد الدالة على التوحيد ما أخرجه الطبراني وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس أنه قال أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى فأتوا النبي ﷺ ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فدعا ربه فنزلت: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ وأخرج ابن حبان في صحيحه وابن عساكر وغيرهما عن عطاء قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول صلى الله تعالى عليه وسلم قالت: وأي شأنه لم يكن عجبا!؟ إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سألت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا ولم لا أفعل وقد أنزل الله تعالى علي في هذه الليلة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله سبحانه: فَقِنا عَذابَ النَّارِ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم على ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه إذا قام من الليل تسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ الآية. وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: بتّ عند خالتي ميمونة فنام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ في موضع جرّ على أنه نعت لِأُولِي ويجوز أن يكون في موضع رفع على المدح، وجعله مبتدأ والخبر محذوف تقديره يقولون «ربنا آمنا» بعيد لما فيه من تفكيك النظم، ويزيده بعدا ما أخرجه الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ينادي مناد يوم القيامة أين أولو الألباب؟ قالوا: أي أولي الألباب تريد؟ قال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً إلخ عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم ادخلوها خالدين» والظاهر أن المراد من الذكر الذكر باللسان لكن مع حضور القلب إذ لا تمدح بالذكر بدونه بل أجمعوا على أنه لا ثواب لذاكر غافل، وإليه ذهب كثير، وعد ابن جريج قراءة القرآن ذكرا فلا تكره للمضطجع القادر، نعم نص بعض الشافعية على كراهتها له إذا غطى رأسه للنوم وقال بعض المحققين: المراد به ذكره تعالى مطلقا كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال، وسواء قارنه ذكر اللسان أو لا، والمعنى عليه الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته، وعليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وعروة بن الزبير وجماعة رضي الله تعالى عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم: أما قال الله تعالى يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها وليس مرادهم به تفسيرها وتحقيق مصداقها على التعيين وإلا لاضطجعوا وذكروا أيضا ليتم التفسير وتحقيق المصداق. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في الآية أنه قال: إنما هذا في

стр. 924

الصلاة إذا لم تستطع قائما فقاعدا وإن لم تستطع قاعدا فعلى جنب، وكذلك أمر ﷺ عمران بن حصين، وكانت به بواسير. كما أخرجه البخاري عنه وبهذا الخبر أحج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن المريض يصلي مضطجعا على جنبه الأيمن مستقبلا بمقادم بدنه ولا يجوز له أن يستلقي على ظهره على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وجعل الآية حجة على ذلك بناء على أنه لما حصر أمر الذاكر في الهيئات المذكورة دل على أن غيرها ليس من هيئته والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غير هيئته محل تأمل، وتخصيص ابن مسعود الذكر بالصلاة لا ينتهض حجة على أنه بعيد من سياق النظم الجليل وسباقه. والقيام والقعود جمع قائم وقاعد- كنيام ورقود- جمع نائم وراقد، وانتصابهما على الحالية من ضمير الفاعل في يَذْكُرُونَ ويحتمل أن يكونا مصدرين مؤولين بقائمين وقاعدين لتتأتى الحالية، وقوله تعالى: وَعَلى جُنُوبِهِمْ متعلق بمحذوف معطوف على الحال أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين، وجوز أن يقدر المتعلق المعطوف خاصا أي ومضطجعين على جنوبهم، والمراد من ذكر هذه الأحوال الإشارة إلى الدوام وانفهامه منها عرفا مما لا شبهة فيه وليس المراد الدوام الحقيقي لاستحالته بل في غالب أحوالهم، وبعضهم يأخذ الدوام من المضارع الدال على الاستمرار وكيفما كان فالمراد يذكرون الله تعالى كثيرا وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عطف على يَذْكُرُونَ وعطفه على الأحوال السابقة غير ظاهر وتقديم الذكر في تلك الحالات على التفكر لما أن فيهما الاعتراف بالعبودية، والعبد مركب من النفس الباطنة والبدن الظاهر، وفي الأول إشارة إلى عبودية الثاني، وفي الثاني إشارة إلى عبودية الأول لأن التفكر إنما يكون بالقلب والروح، وفي بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللطف، وقيل: قدم الأول لأنه إشارة إلى النظر في الأنفس وأخر الثاني لأنه إشارة إلى النظر في الآفاق، ولا شبهة في تقدم الأول على الثاني، وصرح مولانا شيخ الإسلام بأن هذا بيان للتفكر في أفعاله تعالى، وما تقدم بيان للتفكر في ذاته تعالى على الإطلاق، والذي عليه أئمة التفسير أنه سبحانه إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته جل شأنه وعز سلطانه، وقد ورد هذا النهي في غير ما حديث، فقد أخرج أبو الشيخ والأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: «خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتفكرون فقال: لا تفكروا في الله تعالى ولكن تفكروا فيما خلق» وعن عمرو بن مرة قال: «مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في الله تعالى» ، وعن ابن عباس تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى- إلى غير ذلك- ففي كون الأول بيانا للتفكر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظر على أن بعض الفضلاء ذكر في تفسيره أن التفكر في الله سبحانه محال لما أنه يستدعي الإحاطة بمن هو بكل شيء محيط فتدبر، وقيل: قدم الذكر على الدوام على التفكير للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر الله تعالى وهدايته فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما شرع له، وأن العقل المخالف للشرع لبس الضلال ولا نتيجة لفكره إلا الضلال، والخلق- إما بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي يتفكرون فيما خلق في السموات والأرض أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو بطريق الحلول فيهما، أو على أنها بيانية أي في المخلوق الذي هو السموات والأرض، وإما باق على مصدريته أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من عجائب المصنوعات ودقائق الأسرار ولطائف الحكم ويستدلون بذلك على الصانع ووحدته الذاتية وأنه الملك القاهر والعالم القادر والحكيم المتقن إلى غير ذلك من صفات الكمال، ويجرّهم

стр. 925

ذلك إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وتحقيق المعاد وثبوت الجزاء، ولشرافة هذه الثمرة الحاصلة من التفكر مع كونه من الأعمال المخصوصة بالقلب البعيدة عن مظان الرياء كان من أفضل العبادات، وقد أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء مثله، وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا مثله، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة» ، وعنه أيضا مرفوعا بينما رجل مستلق ينظر إلى النجوم وإلى السماء فقال والله إني لأعلم إن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله تعالى له فغفر له، وأخرج ابن المنذر عن عون قال: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن قيس قال: سمعت غير واحد- لا اثنين ولا ثلاثة- من أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان- أو نور الإيمان- التفكر، واقتصر سبحانه على ذكر التفكر فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولم يتعرض جل شأنه لإدراج اختلاف الليل والنهار في ذلك السلك مع ذكره فيما سلف- وشرف التفكر فيه أيضا كما يقتضيه التعليل، وظاهر ما أخرجه الديلمي عن أنس مرفوعا تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة- إما للايذان بظهور اندراج ذلك فيما ذكر لما أن الاختلاف من الأحوال التابعة لأحوال السموات والأرض على ما أشير اليه، وإما للاشعار بمسارعة المذكورين إلى الحكم بالنتيجة لمجرد تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعض آخر منها في إثبات المطلوب. رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا الإشارة إلى السموات والأرض لما أنهما باعتبار تعلق الخلق بهما في معنى المخلوق، أو إلى الخلق على تقدير كونه بمعنى المخلوق، وقيل: إليهما باعتبار المتفكر فيه وعلى كل فأمر الأفراد والتذكير واضح والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة للإشارة إلى أنها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتني بكمال تمييزها استعظاما لها، ونظير ذلك قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩] والباطل العبث وهو ما لا فائدة فيه مطلقا أو ما لا فائدة فيه يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة، وقيل: الذاهب الزائل الذي لا يكون له قوة وصلابة ولا يخفى أنه قول لا قوة له ولا صلابة، وهو إما صفة لمصدر محذوف أي خلقا باطلا، أو حال من المفعول. والمعنى ربنا ما خلقت هذا المخلوق، أو المتفكر فيه العظيم الشأن عاريا عن الحكمة خاليا عن المصلحة كما ينبئ عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه العادمين من جناح النظر قداماه وخوافيه بل خلقته مشتملا على حكم جليلة منتظما لمصالح عظيمة تقف الأفكار حسرى دون الإحاطة بها وتكل أقدام الأذهان دون الوقوف عليها بأسرها، ومن جملتها أن يكون مدارا لمعايش العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما نطقت به كتبك وجاءت به رسلك. والجملة بتمامها في حيز النصب بقول مقدر أي يقولون «ربنا» إلخ، وجملة القول حال من المستكن في يَتَفَكَّرُونَ أي يتفكرون في ذلك قائلين رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا، وإلى هذا ذهب عامة المفسرين. واعترض بأن النظم الكريم لا يساعده لما أن «ما» في حيز الصلة وما هو قيد له حقه أن يكون من مبادئ الحكم الذي أجري على الموصول ودواعي ثبوته له كذكرهم لله تعالى في عامة أوقاتهم وتفكرهم في خلق السموات والأرض فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآيات والاستدلال بها على المطلوب، ولا ريب أن قولهم ذلك ليس من مبادئ الاستدلال المذكور بل من نتائجها المترتبة عليه فاعتباره قيدا لما في حيز الصلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل، فاللائق أن تكون جملة القول استئنافا مبينا لنتيجة التفكر ومدلول الآيات ناشئا مما سبق فإن النفس عند سماع تخصيص

стр. 926

الآيات المنصوبة في خلق العالم- بأولي الألباب- ثم وصفهم بذكر الله تعالى والتفكر في مجال تلك الآيات تبقى مترقبة لما يظهر منهم من آثارها وأحكامها كأنه قيل: فماذا يكون عند تفكرهم في ذلك وما يترتب عليه من نتيجة؟ فقيل يقولون كيت وكيت مما ينبئ عن وقوفهم على سر الخلق المؤدي إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وهذا على تقدير كون الموصول موصولا نعتا، لِأُولِي وأما على تقدير كونه مفصولا منصوبا أو مرفوعا على المدح مثلا فتأتي الحالية من ذلك إذ لا اشتباه في أن قولهم هذا من مبادى مدحهم ومحاسن مناقبهم ويكون في إبراز هذا القول في معرض الحال إشعار بمقارنته لتفكرهم من غير تردد وتلعثم في ذلك انتهى، وهو كلام تلوح عليه أمارات التحقيق ومخايل التدقيق. والقول بأن الحالية تجتمع مع كون القول المذكور من النتائج لا يخفى ما فيه، ثم كون هذا القول من نتائج التفكر مما لا يكاد ينكره ذو فكر، وتوضيح ذلك- على رأي- أن القوم لما تفكروا في مخلوقاته سبحانه ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم والأرض وما عليها من البحار والجبال والمعادن عرفوا أن لها ربا وصانعا فقالوا: رَبَّنا ثم لما اعترفوا في أن في كل من ذلك حكما ومقاصد وفوائد لا تحيط بتفاصيل الأفكار قالوا: ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ثم لما تأملوا وقاسوا أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها رأوا أنه لا بدّ وأن يكون الصانع منزها عن مشابهة شيء منها، فإذن هو ليس بجسم ولا عرض ولا في حيز ولا بمفتقر «ولا، ولا ... » فقالوا: سُبْحانَكَ أي تنزيها لك مما لا يليق بك، ثم لما استغرقوا في بحار العظمة والجلال وبلغوا هذا المبلغ الأعظم وتحققوا أن من قدر على ما ذكر من الإنشاء بلا مثال يحتذيه أو قانون ينتحيه واتصف بالقدرة الشاملة والحكمة الكاملة كان على إعادة من نطقت الكتب السماوية بإعادته أقدر، وإن ذلك ليس إلا لحكمة باهرة هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم المنوط بأعمالهم القلبية والقابلية طلبوا النجاة مما يحيق بالمقصرين ويليق بالمخلين فقالوا: فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي فوفقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة، ومن هنا قيل: إن الفاء لترتب الدعاء بالاستعاذة من النار على ما دل عليه رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا من وجوب الطاعة واجتناب المعصية كأنه قيل: فنحن نطيعك فَقِنا عَذابَ النَّارِ التي هي جزاء من عصاك، وسُبْحانَكَ مصدر منصوب بفعل محذوف، والجملة معترضة لتقوية الكلام وتأكيده، ولا ينافي ذلك كونها مؤكدة لنفي العبث عن خلقه. وبعضهم قال بهذا التأكيد ولم يقل بالاعتراض، وجعل ما بعد الفاء مترتبا على التنزيه المدلول عليه «بسبحانك» وادعى أنه أظهر لاندراج تنزهه تعالى عن ردّ سؤال الخاضعين الملتجئين إليه فيه، ولا يخفى تفرع المسألة على التنزيه عن خيبة رجاء الراجين، وقيل: إنه جواب شرط مقدر وإن التقدير إذا نزهناك أو وحدناك فَقِنا عَذابَ النَّارِ الذي هو جزاء الذين لم ينزهوا أو لم يوحدوا، واستدل الطبرسي بالآية على أن الكفر والضلال والقبائح ليست خلقا لله تعالى لأن هذه الأشياء كلها باطلة بالإجماع وقد نفى الله سبحانه ذلك حكاية عن أولي الألباب الذين رضي قولهم بأنه لا باطل فيما خلقه سبحانه فيجب بذلك القطع بأن القبائح كلها ليست مضافة إليه عز شأنه ومنفية عنه خلقا وإيجادا- وفيه نظر- لأن الأشياء كلها سواء من حيث إنها خلق الله تعالى ومشتملة على المصالح والحكم كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠] وتفاوتها إنما هو باعتبار نسبة بعضها إلى بعض وكون بعضها متعلق الأمر والبعض الآخر متعلق النهي مثلا لا باعتبار كون البعض مشتملا على الحكمة والبعض الآخر عاريا عنها، فالقبائح من حيث إنها خلق الله تعالى ليست باطلة لأن الباطل كما علمت هو ما لا فائدة فيه مطلقا، أو ما لا فائدة فيه يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة وهي ليست كذلك لاشتمالها في أنفسها على الحكم والفوائد الجمة التي لا يبعد

стр. 927

قصد الله تعالى لها مع غناه الذاتي عنها ولا يشترط كون تلك الفوائد لمن صدرت على يده وإلا لزم خلو كثير من مخلوقاته تعالى عن الفوائد، وتسميتها قبائح إنما هي باعتبار كونها متعلق النهي لحكمة أيضا وهو لا يستدعي كونها خالية عن الحكمة بل قصارى ذلك إنه يستلزم عدم رضاه سبحانه بها شرعا المستدعي ذلك للعقاب عليها بسبب أن إفاضتها كانت حسب الاستعداد الأزلي فدعوى- أن هذه الأشياء كلها باطلة- كدعوى الإجماع على ذلك وكأن القائل لم يفهم معنى الباطل فقال ما قال، واستدل بها بعضهم أيضا على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وهو مبني ظاهرا على أن الباطل العبث بالمعنى الثالث، وقد علمت أن معنى العبث ليس محصورا فيه وبفرض الحصر لا بأس بهذا القول على ما ذهب كثير من المحققين لكن مع القول بالغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما أشرنا إليه في البقرة، واحتج حكماء الإسلام بها على أنه خلق الأفلاك والكواكب وأودع فيها قوى مخصوصة وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح في هذا العالم لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع فقط لأن كل ذرة من ذرات الماء والهواء يشاركها في ذلك فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص، وناقشها المتكلمون في ذلك بأنه يجوز أن تكون الفلكيات أسبابا عادية للأرضيات لا حقيقية وأن التأثير عندها لا بها ويكفي ذلك فائدة لخلقها. وأنت تعلم أن القول بإيداع القوى في الفلكيات بل وفي جميع الأسباب مع القول بأنها مؤثرة بإذن الله تعالى مما لا بأس به بل هو المذهب المنصور الذي درج عليه سلف الأمة وحققناه فيما قبل وهو لا ينافي استناد الكل إلى مسبب ولا يزاحم جريان الأمور كلها بقضائه وقدره تعالى شأنه، نعم القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى ضلال واعتقاده كفر، وعلى ذلك يخرج ما وقع في الخبر «من قال: أمطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله تعالى مؤمن بالكوكب» ، ومن قال: أمطرنا بفضل الله تعالى فهو مؤمن بالله تعالى كافر بالكوكب فليحفظ رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ مبالغة في استدعاء الوقاية من النار وبيان لسببه، وصدرت الجملة بالنداء مبالغة في التضرع إلى معود الإحسان كما يشعر به لفظ الرب، وعن ابن عباس أنه كان يقول: اسم الله تعالى الأكبر رب رب، والتأكيد بأن الإظهار كمال اليقين بمضمون الجملة، والإيذان بشدّة الخوف ووضع الظاهر موضع الضمير للتهويل، وذكر الإدخال في مورد العذاب لتعيين كيفيته وتبيين غاية فظاعته والإخزاء- كما قال الواحدي- جاء لمعان متقاربة فعن الزجاج يقال: أخزى الله تعالى العدو أي أبعده، وقيل: أهانه، وقيل: فضحه، وقيل: أهلكه، ونقل هذا عن المفضل، وقيل: أحله محلا وأوقفه موقفا يستحى منه. وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو بانقطاع حجة أو بوقوع في بلاء، والمراد فقد أخزيته خزيا لا غاية وراءه، ومن القواعد المقررة أنه إذا جعل الجزاء أمرا ظاهر اللزوم للشرط سواء كان اللزوم بالعموم والخصوص كما في قولهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، أو بالاستلزام كما في هذه الآية يحمل على أعظم أفراده وأخصها لتربية الفائدة، ولهذا قيد الخزي بما قيد، واحتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وذلك لأنه رتب فيها العذاب الروحاني وهو الإخزاء بناء على أنه الإهانة والتخجيل على الجسماني الذي هو إدخال النار، وجعل الثاني شرطا والأول جزاء، والمراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قيد له فيشعر بأنه أقوى وأفظع وإلا لعكس- كما قال الإمام الرازي- وأيضا المفهوم من قوله تعالى: فَقِنا عَذابَ النَّارِ طلب الوقاية منه، وقوله سبحانه: رَبَّنا إلخ دليل عليه فكأنه طلب الوقاية من المذكور لترتب الخزي عليه فيدل على أنه غاية يخاف منه- كما قاله بعض المحققين- واحتج بها المعتزلة على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن لأنه إذا أدخله الله تعالى النار

стр. 928

فقد أخزاه والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: ٨] وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مخزيا أن لا يكون غيره وهو مؤمن كذلك، وأيضا الآية ليست عامة لقوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم: ٧١] فتحمل على من أدخل النار للخلود وهم الكفار، وهو المروي عن أنس وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جرير. وأيضا يمكن أن يقال: إن كل من يدخلها مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبة أهل الكبائر منهم الخروج، وقوله تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي إلخ نفي الخزي فيه على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهو نفي الخزي المخلد، وأيضا يحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل والإهلاك والمثبت هو الأول والمنفي هو الثاني، وحينئذ لا يلزم التنافي، واحتجت المرجئة بها على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨] وقوله سبحانه: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: ٩] والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ إلخ والمدخل في النار مخزي لهذه الآية، وأجيب بمنع المقدمات بأسرها أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمنا وإن كان قبل مؤمنا، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئية الموضوع كما تقرر آنفا وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي ليس لكل منهم ناصر ينصره مما هو فيه، والجملة تذييل لإظهار فظاعة حالهم، وفيه تأكيد للاستدعاء ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم، وتمسكت المعتزلة بنفي الأنصار على نفي الشفاعة لسائر المدخلين، وأجيب بأن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] ، وقيل: نفي الناصر لا يمنع نفي الشفيع لأن النصر دفع بقوة والشفاعة تخليص بخضوع وتضرع وله وجه، والقول: بأن العرف لا يساعده غير متجه. وقال في الكشف: الظاهر من الآية أن من دخل النار لا ناصر له من دخولها أما إنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول فلا، وذلك لأنه عام في نفي الأفراد مهمل بحسب الأوقات، والظاهر التقييد بما يطلب النصر أولا لأجله كمن أخذ يعاقب فقلت: ما له من ناصر لم يفهم منه أن العقاب لا ينتهي بنفسه وأنه بعد العقاب لم يشفع بل فهم منه لم يمنعه أحد مما حل به، ثم إن سلم التساوي لم يدل على النفي وأجاب غير واحد على تقدير عموم الظالم، وعدم الفرق بين النصر والشفاعة بأن الأدلة الدالة على الشفاعة- وهي أكثر من أن تحصى- مخصصة للعموم، وقد تقدم ما ينفعك هنا رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ على معنى القول أيضا وهو كما قال شيخ الإسلام: حكاية لدعاء آخر مبني على تأملهم في الدليل السمعي بعد حكاية دعائهم السابق المبني على تفكرهم في الأدلة القطعية، ولا يخفى أن ذلك التفكر مستدع في الجملة لهذا القول، وفي تصدير مقدمة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولاهم وعدم غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة والابتهال إلى معوّد الإحسان والإفضال، وفي التأكيد إيذان بصدور ذلك عنهم بفور الرغبة ومزيد العناية وكمال النشاط، والمراد بالمنادى رسول الله ﷺ وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج- واختاره الجبائي وغيره. وقيل: المراد به القرآن، وهو المحكي عن محمد بن كعب القرظي وقتادة، واختاره الطبري معللا ذلك بأنه ليس يسمع كل واحد النبي ﷺ ولا يراه، والقرآن ظاهر باق على ممر الأيام والدهور يسمعه من أدرك عصر نزوله ومن لم يدرك، ولأهل القول الأول أن يقولوا: من بلغه بعثة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ودعوته جاز له أن يقول: سَمِعْنا مُنادِياً وإن كان فيه ضرب من التجوز، وأيضا المراد بالنداء الدعاء ونسبته إليه صلى الله تعالى عليه وسلم أشهر وأظهر، فقد قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل: ١٢٥] أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف: ١٠٨] وَداعِياً

стр. 929

إِلَى اللَّهِ [الأحزاب: ٤٦] وهي إليه ﵊ حقيقة، وإلى القرآن على حد قوله: تناديك أجداث وهن صموت ... وسكانها تحت التراب سكوت والتنوين في المنادى للتفخيم وإيثاره على الداعي للإشارة إلى كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى القريب والبعيد لما فيه من الإيذان برفع الصوت، وقد كان شأنه الرفيع ﷺ في الخطب ذلك الرفع حقيقة، ففي الخبر كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ولما كان النداء مخصوصا بما يؤدي له ومنتهيا إليه تعدي باللام وإلى تارة، وتارة فاللام في للإيمان على ظاهرها ولا حاجة إلى جعلها بمعنى إلى أو الباء، ولا إلى جعلها بمعنى العلة- كما ذهب إليه البعض- وجملة يُنادِي في موضع المفعول الثاني- لسمع- على ما ذهب إليه الأخفش وكثير من النحاة من تعدي- سمع- هذه إلى مفعولين ولا حذف في الكلام، وذهب الجمهور إلى أنها لا تتعدى إلا إلى واحد، واختاره ابن الحاجب قال في أماليه: وقد يتوهم أن السماع متعد إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال، أما المعنى فلتوقفه على مسموع، وأما الاستعمال فلقولهم: سمعت زيدا يقول ذلك وسمعته قائلا، قوله تعالى: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [الشعراء: ٧٢] ولا وجه له لأنه يكفي في تعلقه المسموع دون المسموع منه، وإنما المسموع منه كالمشموم منه فكما أن الشم لا يتعدى إلا إلى واحد فكذلك السماع فهو مما حذف فيه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للعلم به ويذكر بعده حال تبينه ويقدر في «يسمعونكم إذ تدعون» يسمعون أصواتكم انتهى، والزمخشري جعل المسموع صفة بعد النكرة وحالا بعد المعرفة وهو الظاهر، وادعى بعض المحققين أن الأوفق فيما جعله حالا أو وصفا أن يجعل بدلا بتأويل الفعل بالمصدر على ما يراه بعض النحاة لكنه قليل في الاستعمال فلذا أوثرت الوصفية أو الحالية. وزعم بعضهم أن السماع إذا وقع على غير الصوت فلا بدّ أن يذكر بعده فعل مضارع يدل على الصوت ولا يجوز غيره- وهو غير صحيح- لوقوع الظرف واسم الفاعل كما سمعته، وفي تعليق السماع بالذات مبالغة في تحقيقه، والإيذان بوقوعه بلا واسطة عند صدور المسموع عن المتكلم، وفي إطلاق المنادي أولا حيث قال سبحانه: مُنادِياً ولم يذكر ما دعى له، ثم قوله عز شأنه بعد: يُنادِي لِلْإِيمانِ ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادي والمنادى له، ولو قيل من أول الأمر مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ لم يكن بهذه المثابة، وحذف المفعول الصريح- لينادي- إيذانا بالعموم أي ينادي كل واحد أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي أن آمنوا به على أن أَنْ تفسيرية، أو بأن آمنوا- على أنها مصدرية، وعلى الأول فآمنوا تفسير لينادي لأن نداءه عين قوله: آمِنُوا والتقدير يُنادِي لِلْإِيمانِ أي يقول: آمِنُوا وليس تفسيرا للإيمان كما توهم، وعلى الثاني يكون- بأن آمنوا- متعلقا ب يُنادِي لأنه المنادى به وليس بدلا من الإيمان- كما زعمه البعض- ومن المحققين من اقتصر على احتمال المصدرية لما أن كثيرا من النحاة يأبى التفسيرية لما فيها من التكلف، ومن اختارها قال: إن المصدرية تستدعي التأويل بالمصدر وهو مفوّت لمعنى الطلب المقصود من الكلام. وأجيب بأنه يقدر الطلب في التأويل إذا كانت داخلة على الأمر وكذا يقدر ما يناسب الماضي والمستقبل إذا كانت داخلة عليهما، ولا ينبغي أن يجعل الحاصل من الكل بمجرد معنى المصدر لئلا يفوت المقصود من الأمر وأخويه، وفي التعرض لعنوان الربوبية إشارة إلى بعض الأدلة عليه ورمز إلى نعمته جل وعلا على المخاطبين ليذكروها فيسارعوا إلى امتثال الأمر، وفي إطلاق الإيمان ثم تقييده تفخيم لشأنه فَآمَنَّا عطف على سَمِعْنا والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة، والمعنى فآمنا بربنا لما دعينا إلى ذلك، قال أبو منصور: فيه دليل على بطلان الاستثناء في الإيمان ولا يخفى بعده رَبَّنا تكرير- كما قيل-

стр. 930

للتضرع وإظهار لكمال الخضوع وعرض للاعتراف بربوبيته تعالى مع الإيمان به فَاغْفِرْ لَنا مرتب على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته كما تدل عليه الفاء أي فاستر لنا ذُنُوبَنا أي كبائرنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا أي صغائرنا، وقيل: المراد من الذنوب ما تقدم من المعاصي، ومن السيئات ما تأخر منها، وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية، والثاني ما أتى به من الجهل بذلك، والأول هو التفسير المأثور عن ابن عباس. وأيد بأنه المناسب للغة لأن الذنب مأخوذ من الذنب بمعنى الذيل، فاستعمل فيما تستوخم عاقبته وهو الكبيرة لما يعقبها من الإثم العظيم، ولذلك تسمى تبعة اعتبارا بما يتبعها من العقاب كما صرح به الراغب، وأما السيئة فمن السوء وهو المستقبح ولذلك تقابل بالحسنة فتكون أخف، وتأييده بأن الغفران مختص بفعل الله تعالى والتكفير قد يستعمل في فعل العبد- كما يقال: كفر عن يمينه- وهو يقتضي أن يكون الثاني أخف من الأول على تحمل ما فيه إنما يقتضي مجرد الأخفية، وأما كون الأول الكبائر والثاني الصغائر بالمعنى المراد فلا يجوز يراد بالأول والثاني ما ذكر في القول الثالث، فإن الأخفية وعدمها فيه مما لا سترة عليه كما لا يخفى، ثم المفهوم من كثير من عبارات اللغويين عدم الفرق بين الغفران والتكفير بل صرح بعضهم بأن معناهما واحد. وقيل: في التكفير معنى زائد وهو التغطية للأمن من الفضيحة، وقيل: إنه كثيرا ما يعتبر فيه معنى الإذهاب والإزالة ولهذا يعدى بعن والغفران ليس كذلك، وفي ذكر لَنا وعَنَّا في الآية مع أنه لو قيل: فاغفر ذنوبنا وكفر سيئاتنا لأفاد المقصود إيماء إلى وفور الرغبة في هذين الأمرين، وادعى بعضهم أن الدعاء الأول متضمن للدعاء بتوفيق الله تعالى للتوبة لأنه السبب لمغفرة الكبائر وأن الدعاء الثاني متضمن لطلب التوفيق منه سبحانه للاجتناب عن الكبائر لأنه السبب لتكفير الصغائر، وأنت تعلم أن المغفرة غير مشروطة بالتوبة عند الأشاعرة. وأن بعضهم احتج بهذه الآية على ذلك حيث إنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب كذا قيل، وسيأتي تحقيق ما فيه فتدبر وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مخصوصين بالانخراط في سلكهم والعدّ من زمرتهم ولا مجال لكون المعية زمانية إذ منهم من مات قبل، ومن يموت بعد، وفي طلبهم التوفي وإسنادهم له إلى الله تعالى إشعار بأنهم يحبون لقاء الله تعالى ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه. والأبرار جمع برّ كأرباب جمع رب، وقيل: جمع بارّ كأصحاب جمع صاحب، وضعف بأن فاعلا لا يجمع على أفعال، وأصحاب جمع صحب بالسكون، أو صحب بالكسر مخفف صاحب بحذف الألف. وبعض أهل العربية أثبته وجعله نادرا، ونكتة قولهم مع الْأَبْرارِ دون أبرار التذلل، وأن المراد لسنا بأبرار فاسلكنا معهم واجعلنا من أتباعهم، وفي الكشف إن في ذلك هضما للنفس وحسن أدب مع إدماج مبالغة لأنه من باب- هو من العلماء- بدل عالم رَبَّنا وَآتِنا أي بعد التوفي ما وَعَدْتَنا أي به أو إياه، والمراد بذلك الثواب عَلى رُسُلِكَ إما متعلق بالوعد، أو بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف وعلى التقديرين في الكلام مضاف محذوف والتقدير على التقدير الأول، وعدتنا على تصديق أو امتثال رسلك وهو كما يقال- وعد الله تعالى الجنة على الطاعة، وعلى الثاني وعدتنا وعدا كائنا على ألسنة رسلك، ويجوز أن يتعلق الجار على تقدير الألسنة بالوعد أيضا فتخف مؤنة الحذف وتعلقه- بآتنا- كما جوزه أبو البقاء خلاف الظاهر. وبعض المحققين جوز التعلق بكون مقيد هو حال من ما أي منزلا أو محمولا عَلى رُسُلِكَ. واعترضه أبو حيان بأن القاعدة أن متعلق الظرف إذا كان كونا مقيدا لا يجوز حذفه وإنما يحذف إذا كان كونا مطلقا، وأيضا الظرف هنا حال وهو إذا وقع حالا أو خبرا أو صفة يتعلق بكون مطلق لا مقيد، وأجيب بمنع انحصار

стр. 931

التعلق في كون مطلق بل يجوز التعلق به أو بمقيد، ويجوز حذفه إذا كان عليه دليل ولا يخفى متانة الجواب، وأن إنكار أبي حيان ليس بشيء إلا أن تقدير كون مقيد فيما نحن فيه تعسف مستغنى عنه. وزعم بعضهم جواز كون عَلى بمعنى مع، وأنه متعلق- بآتنا- ولا حذف لشيء أصلا والمراد- آتنا مع رسلك وشاركهم معنا في أجرنا- فإن الدال على الخير كفاعله، وفائدة طلب تشريكهم معهم أداء حقهم وتكثير فضيلتهم ببركة مشاركتهم ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الجليل عليه بل ولا كلام أحد من فصحاء العرب، وتكرير النداء لما مرّ غير مرة وجمع الرسل مع أن المنادي هو واحد الآحاد ﷺ وحده لما أن دعوته ولا سيما على منبر التوحيد، وما أجمع عليه الكل من الشرائع منطوية على دعوة الكل فتصديقه ﷺ تصديق لهم ﵈، وكذا الموعود على لسانه ﵊ من الثواب موعود على لسانهم وإيثار الجمع على الأول لإظهار الرغبة في تيار فضل الله تعالى إذ من المعلوم أن الثواب على تصديق رسل أعظم من الثواب على تصديق رسول واحد، وعلى الثاني لإظهار كمال الثقة بإنجار الموعود بناء على كثرة الشهود وتأخير هذا الدعاء بناء على ما ذكرنا في تفسير الموصول، ويكاد يكون مقطوعا به ظاهرا لأن الأمر أخروي. وأما إذا فسر بالنصر على الأعداء- كما قيل- فتأخيره عما قبله إما لأنه من باب التحلية والآخر من باب التخلية والتحلية متأخرة عن التخلية، وإما لأن الأول مما يترتب على تحققه النجاة في العقبى وعلى عدمه الهلاك فيها والثاني ليس كذلك- كما لا يخفى- فيكون دونه فلهذا أخر عنه، وأيد كون المراد النصر لا الثواب الأخروي تعقيب ذلك بقوله تعالى: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ لأن طلب الثواب يغني عن هذا الدعاء لأن الثواب متى حصل كان الخزي عنهم بمراحل، وهذا بخلاف ما إذا كان المراد من الأول الدعاء بالنصر في الدنيا فإن عدم الإغناء عليه ظاهر بل في الجمع بين الدعاءين حينئذ لطافة إذ مآل الأول لا تُخْزِنا في الدنيا بغلبة العدو علينا فكأنهم قالوا: لا تخزنا في الدنيا ولا تخزنا في الآخرة، وغايروا في التعبير فعبروا في طلب كل من الأمرين بعبارة للاختلاف بين المطلوبين أنفسهما، وأجيب بأن فائدة التعقيب على ذلك التقدير الإشارة إلى أنهم طلبوا ثوابا كاملا لم يتقدمه خزي ووقوع في بلاء وكأنهم لما طلبوا ما هو المتمنى الأعظم وغاية ما يرجوه الراجون في ذلك اليوم الأيوم، وهو الثواب التفتوا إلى طلب ما يعظم به أمره ويرتفع به في ذلك لموقف قدره وهو ترك العذاب بالمرة، وفي الجمع بين الأمرين على هذا من اللطف ما لا يخفى، وأيضا يحتمل أن يقال: إنهم طلبوا الثواب أولا باعتبار أنه يندفع به العذاب الجسماني، ثم طلبوا دفع العذاب الروحاني بناء على أن الخزي الإهانة والتخجيل، فيكون في الكلام ترق من الأدنى إلى الأعلى كأنهم قالوا: ربنا ادفع عنا العذاب الجسماني وادفع عنا ما هو أشدّ منه وهو العذاب الروحاني، وإن أنت أبيت هذا وذاك وادعيت التلازم بين الثواب وترك الخزي فلنا أن نقول: إن القوم لمزيد حرصهم وفرط رغبتهم في النجاة في ذلك اليوم الذي تظهر فيه الأهوال وتشيب فيه الأطفال لم يكتفوا بأحد الدعاءين وإن استلزم الآخر بل جمعوا بينهما ليكون ذلك من الإلحاح- والله تعالى يحب الملحين في الدعاء- فهو أقرب إلى الإجابة، وقدموا الأول لأنه أوفق بما قبله صيغة، ومن الناس من يؤول هذا الدعاء بأنه طلب العصمة عما يقتضي الإخزاء، وجعل ختم الأدعية ليكون ختامها مسكا لأن المطلوب فيه أمر عظيم، والظرف متعلق بما عنده معنى ولفظا ويجب ذلك قطعا إن كان الكلام مؤولا، أو كان الموصول عبارة عن النصر، ويترجح- بل يكاد يجب أيضا- إذا كان الموصول عبارة عن الثواب واحتمال أنه مما تنازع فيه آتِنا وَلا تُخْزِنا على ذلك التقدير هو كما ترى إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ تذييل لتحقيق ما نظموا في سلك الدعاء، وقيل: متعلق بما قبل الأخير اللازم له، وإليه يشير كلام الأجهوري، والْمِيعادَ مصدر ميمي بمعنى

стр. 932

الوعد، وقيده الكثير هنا بالإثابة والإجابة. وهو الظاهر، وأما تفسيره بالبعث بعد الموت- كما روي عن ابن عباس- فصحيح لأنه ميعاد الناس للجزاء، وقد يرجع إلى الأول وترك العطف في هذه الأدعية المفتتحة بالنداء بعنوان الربوبية للإيذان باستقلال المطالب وعلو شأنها، وقد أشرنا إلى سر تكرار النداء بذلك الاسم، وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ قال مرة: يا رب فأجابه الله تعالى لبيك يا موسى فعجب موسى ﵇ من ذلك فقال: يا رب أهذا لي خاصة؟ فقال: لا ولكن لكل من يدعوني بالربوبية، وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه من أحزنه أمر فقال: ربنا ربنا خمس مرات نجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد- وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: «ما من عبد يقول يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله تعالى إليه. فذكر للحسن فقال: أما تقرأ القرآن رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً إلخ «فإن قلت» إن وعد الله تعالى واجب الوقوع لاستحالة الخلف في وعده سبحانه إجماعا فكيف طلب القوم ما هو واقع لا محالة؟ «قلت» أجيب بأن وعد الله تعالى لهم ليس بحسب ذواتهم بل بحسب أعمالهم، فالمقصود من الدعاء التوفيق للأعمال التي يصيرون بها أهلا لحصول الموعود، أو المقصود مجرد الاستكانة والتذلل لله تعالى بدليل قولهم: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ وبهذا يلتئم التذييل أتم التئام، واختار هذا الجبائي وعلي بن عيسى، أو الدعاء تعبدي لقوله سبحانه: ادْعُونِي [غافر: ٦٠] فلا يضر كونه متعلقا بواجب الوقوع، وما يستحيل خلافه، ومن ذلك رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء: ١١٢] وقيل: إن الموعود به هو النصر لا غير، والقوم قد علموا ذلك لكنهم لم يوقت لهم في الوعد ليعلموه فرغبوا إلى الله تعالى في تعجيل ذلك لما فيه من السرور بالظفر، فالموعود غير مسؤول والمسئول غير موعود، فلا إشكال- وإلى هذا ذهب الطبري- وقال: إن الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واستبطؤوا النصر على أعدائهم بعد أن وعدوا به وقالوا: لا صبر لنا على أناتك وحلمك، وقوي بما بعد من الآيات وكلام أبي القاسم البلخي يشير إلى هذا أيضا وفيه كلام يعلم مما قدمنا، وقيل: ليس هناك دعاء حقيقة بل الكلام مخرّج مخرج المسألة- والمراد منه الخبر- ولا يخفى أنه بمعزل عن التحقيق، ويزيده وهنا على وهن قوله سبحانه فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ الاستجابة الإجابة، ونقل عن الفراء أن الإجابة تطلق على الجواب ولو بالرد، والاستجابة الجواب بحصول المراد لأن زيادة السين تدل عليه إذ هو لطلب الجواب، والمطلوب ما يوافق المراد لا ما يخالفه وتتعدى باللام وهو الشائع، وقد تتعدى بنفسها كما في قوله: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وهذا كما قال الشهاب وغيره: في التعدية إلى الداعي وأما إلى الدعاء فشائع بدون اللام مثل استجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قيل: إن هذا البيت على حذف مضاف أي لم يستحب دعاءه، والفاء للعطف وما بعده معطوف إما على الاستئناف المقدر في قوله سبحانه: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ولا ضير في اختلافهما صيغة لما أن صيغة المستقبل هناك للدلالة على الاستمرار المناسب لمقام الدعاء، وصيغة الماضي هنا للإيذان بتحقيق الاستجابة وتقررها، ويجوز أن يكون معطوفا على مقدر ينساق إليه الذهن أي دعوا بهذه الأدعية فَاسْتَجابَ لَهُمْ إلخ، وإن قدر ذلك القول المقدر حالا فهو عطف على يَتَفَكَّرُونَ باعتبار مقارنته لما وقع حالا من فاعله أعني قوله سبحانه: رَبَّنا إلخ، فإن الاستجابة مترتبة على دعواتهم لا على مجرد تفكرهم، وحيث كانت من أوصافهم الجميلة المترتبة على أعمالهم بالآخرة واستحقت الانتظام في سلك محاسنهم المعدودة في أثناء مدحهم وأما على كون الموصول نعتا لأولي الألباب فلا مساغ لهذا العطف لما عرفت سابقا. وقد أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام. والمشهور العطف على المنساق إلى الذهن وهو المنساق إليه الذهن، وفي ذكر الرب هنا مضافا ما لا يخفى من اللطف. وأخرج الترمذي

стр. 933

والحاكم وخلق كثير عن أم سلمة قال: قلت: يا رسول الله لا أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى فَاسْتَجابَ لَهُمْ إلى آخر الآية، فقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا. ولعل المراد أنها نزلت تتمة لما قبلها. وأخرج ابن مردويه عنها أنها قالت: آخر آية نزلت هذه الآية فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ أي بأني، وهكذا قرأ أبي، واختلف في تخريجه فخرجه العلامة شيخ الإسلام على أن الباء للسببية كأنه قيل: فَاسْتَجابَ لَهُمْ بسبب أنه لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ منهم أي سنته السنية مستمرة على ذلك وجعل التكلم في أَنِّي والخطاب في مِنْكُمْ من باب الالتفات، النكتة الخاصة فيه إظهار كمال الاعتناء بشأن الاستجابة وتشريف الداعين بشرف الخطاب والتعرض لبيان السبب لتأكيد الاستجابة، والإشعار بأن مدارها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجرد الدعاء. وقال بعض المحققين: إنها صلة لمحذوف وقع حالا إما من فاعل فَاسْتَجابَ أو من الضمير المجرور في لَهُمْ والتقدير مخاطبا لهم بأني، أو مخاطبين بأني إلخ، وقيل: إنها متعلقة باستجاب لأن فيها معنى القول- وهو مذهب الكوفيين- ويؤيد القولين أنه قرئ «إني» بكسر الهمزة وفيها يتعين إرادة القول وموقعه الحال أي قائلا إني أو مقولا لهم «إني» إلخ، وتوافق القراءتين خير من تخالفهما، وهذا التوافق ظاهر على ما ذهب إليه البعض وصاحب القيل وإن اختلف فيهما شدة وضعفا، وأما على ما ذكره العلامة فالظهور لا يكاد يظهر على أنه في نفسه غير ظاهر كما لا يخفى، وقرئ «لا أضيّع» بالتشديد، وفي التعرض لوعد العاملين على العموم مع الرمز إلى وعيد المعرضين غاية اللطف بحال هؤلاء الداعين لا سيما وقد عبر هناك عن ترك الإثابة بالإضاعة مع أنه ليس بإضاعة حقيقة إذ الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها إضاعتها ولكن عبر بذلك تأكيدا لأمر الإثابة حتى كأنها واجبة عليه تعالى- كذا قيل- والمشهور أن الإضاعة في الأصل الإهلاك ومثلها التضييع ويقال: ضاع يضيع ضيعة وضياعا بالفتح إذ هلك، واستعملت هنا بمعنى الإبطال أي لا أبطل عمل عامل كائن منكم مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بيان لعامل، وتأكيد لعمومه إما على معنى شخص عامل أو على التغليب. وجوّز أن يكون بدلا من منكم بدل الشيء من الشيء إذ هما لعين واحدة، وأن يكون حالا من الضمير المستكن فيه وقوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ مبتدأ وخبر، ومِنْ إما ابتدائية بتقدير مضاف أي من أصل بعض، أو بدونه لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، وإما اتصالية والاتصال إما بحسب اتحاد الأصل، أو المراد به الاتصال في الاختلاط، أو التعاون، أو الاتحاد في الدين حتى كأن كل واحد من الآخر لما بينهما من أخوة الإسلام، والجملة مستأنفة معترضة مبينة لسبب انتظام النساء في سلك الدخول مع الرجال في الوعد. وجوز أن تكون حالا أو صفة، وقوله تعالى: فَالَّذِينَ هاجَرُوا ضرب تفصيل لما أجمل في العمل وتعداد لبعض أحاسن أفراده مع المدح والتعظيم. وأصل المهاجرة من الهجرة وهو الترك وأكثر ما تستعمل في المهاجرة من أرض إلى أرض أي ترك الأولى للثانية مطلقا. أو للدين على ما هو الشائع في استعمال الشرع، والمتبادر في الآية هو هذا المعنى وعليه يكون قوله تعالى: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ عطف تفسير مع الإشارة إلى أن تلك المهاجرة كانت عن قسر واضطرار لأن المشركين آذوهم وظلموهم حتى اضطروا إلى الخروج، ويحتمل أن يكون المراد هاجروا الشرك وتركوه وحينئذ يكون وَأُخْرِجُوا إلخ تأسيسا وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي بسبب طاعتي وعبادتي وديني وذلك سبيل الله تعالى، والمراد

стр. 934

من الإيذاء هو أعم من أن يكون بالإخراج من الديار، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من قبل المشركين وَقاتَلُوا أي الكفار في سبيل الله تعالى وَقُتِلُوا استشهدوا في القتال. وقرأ حمزة والكسائي بالعكس، ولا إشكال فيها لأن الواو لا توجب ترتيبا، وقدم القتل لفضله بالشهادة هذا إذا كان القتل والمقاتلة من شخص واحد، أما إذا كان المراد قتل بعض وقاتل بعض آخر ولم يضعفوا بقتل إخوانهم فاعتبار الترتيب فيها أيضا لا يضر، وصحح هذه الإرادة أن المعنى ليس على اتصاف كل فرد من أفراد الموصول المذكور بكل واحد مما ذكر في حيز الصلة بل على اتصاف الكل بالكل في الجملة سواء كان ذلك باتصاف كل فرد من الموصول بواحد من الأوصاف المذكورة، أو باثنين منها، أو بأكثر فحينئذ يتأتى ما ذكر إما بطريق التوزيع أي منهم الذين قتلوا ومنهم الذين قاتلوا، أو بطريق حذف بعض الموصولات من البين- كما هو رأي الكوفيين- أي والذين قتلوا والذين قاتلوا، ويؤيد كون المعنى على اتصاف الكل بالكل في الجملة أنه لو كان المعنى على اتصاف كل فرد بالكل لكان قد أضيع عمل من اتصف بالبعض مع أن الأمر ليس كذلك، والقول- بأن المراد قتلوا وقد قاتلوا فقد مضمرة، والجملة حالية- مما لا ينبغي أن يخرج عليه الكلام الجليل. وقرأ ابن كثير وابن عامر «قتلوا» بالتشديد للتكثير لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ جواب قسم محذوف أي والله لأكفرن، والجملة القسمية خبر للمبتدأ الذي هو الموصول. وزعم ثعلب أن الجملة لا تقع خبرا ووجهه أن الخبر له محل وجواب القسم لا محل له- وهو الثاني- فإما أن يقال: إن له محلا من جهة الخبرية ولا محل له من جهة الجوابية. أو الذي لا محل له الجواب والخبر مجموع القسم وجوابه. ولا يضر كون الجملة إنشائية لتأويلها بالخبر، أو بتقدير قول كما هو معروف في أمثاله والتكفير في الأصل الستر كما أشرنا إليه فيما مر ولاقتضائه بقاء الشيء المستور- وهو ليس بمراد- فسره هنا بعض المحققين بالمحو، والمراد من محو السيئات محو آثارها من القلب، أو من ديوان الحفظة وإثبات الطاعة مكانها كما قال سبحانه: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠] والمراد من السيئات فيما نحن فيه الصغائر لأنها التي تكفر بالقربات- كما نقله ابن عبد البر عن العلماء- لكن بشرط اجتناب الكبائر كما حكاه ابن عطية عن جمهور أهل السنة، واستدلوا على ذلك بما في الصحيحين من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر» . وقالت المعتزلة: إن الصغائر تقع مكفرة بمجرد اجتناب الكبائر ولا دخل للقربات في تكفيرها، واستدلوا عليه بقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: ٣١] ، وحمله الجمهور على معنى نكفر عنكم سيئاتكم بحسناتكم وأوردوا على المعتزلة أنه قد ورد صوم يوم عرفة كفارة سنتين وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة ونحو ذلك من الأخبار كثير، فإذا كان مجرد اجتناب الكبائر مكفرا فما الحاجة لمقاساة هذا الصوم مثلا؟ وإنما لم تحمل السيئات على ما يعم الكبائر لأنها لا بد لها من التوبة ولا تكفرها القربات أصلا في المشهور لإجماعهم على أن التوبة فرض على الخاصة والعامة لقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور: ٣١] ويلزم من تكفير الكبائر بغيرها بطلان فرضيتها وهو خلاف النص. وقال ابن الصلاح في فتاويه قد يكفر بعض القربات- كالصلاة- مثلا بعض الكبائر إذا لم يكن صغيرة، وصرح النووي بأن الطاعات لا تكفر الكبائر لكن قد تخففها، وقال بعضهم: إن القربة تمحو الخطيئة سواء كانت كبيرة أو صغيرة، واستدل عليه بقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أتبع السيئات الحسنة تمحها» وفيه بحث إذ الحسنة في الآية والحديث بمعنى التوبة إن أخذت السيئة عامة.

стр. 935

ولا يمكن على ذلك التقدير حملها على الظاهر لما أن السيئة حينئذ تشمل حقوق العباد، والإجماع على أن الحسنات لا تذهبها وإنما تذهبها التوبة بشروطها المعتبرة المعلومة، وأيضا لو أخذ بعموم الحكم لترتب عليه الفساد من عدم خوف في المعاد على أن في سبب النزول ما يرشد إلى تخصيص كل من الحسنة والسيئة. فقد روى الشيخان عن ابن مسعود «أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فذكر له ذلك فسكت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى نزلت الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل: هذه له خاصة يا رسول الله؟ فقال: بل للناس عامة» ووجه الإرشاد إما إلى تخصيص الحسنة بالتوبة فهو أنه جاءه تائبا وليس في الحديث ما يدل على أنه صدر منه حسنة أخرى، وإما على تخصيص السيئة بالصغيرة فلأن ما وقع منه كان كذلك لأن تقبيل الأجنبية من الصغائر كما صرحوا به، وقال بعض أهل السنة: إن الحسنة تكفر الصغيرة ما لم يصر عليها سواء فعل الكبيرة أم لا. مع القول الأصح بأن التوبة من الصغيرة واجبة أيضا ولو لم يأت بكبيرة لجواز تعذيب الله سبحانه لها خلافا للمعتزلة، وقيل: والواجب الإتيان بالتوبة أو بالتوبة أو بمكفرها من الحسنة- وفي المسألة كلام طويل.. ولعل التوبة إن شاء الله تعالى تفضي إلى إتمامه، وهذا وربما يقال: إن حمل السيئات هنا على ما يعم الكبائر سائغ بناء على أن المهاجرة ترك الشرك وهو إنما يكون بالإسلام والإسلام يجبّ ما قبله، وحينئذ يعتبر في السيئات شبه التوزيع بأن يؤخذ من أنواع مدلولها مع كل وصف ما يناسبه ويكون هذا تصريحا بوعد ما سأله الداعون من غفران الذنوب وتكفير السيئات بالخصوص بعد ما وعد ذلك بالعموم، واعترض بأن هذا على ما فيه مبني على أن الإسلام يجبّ ما قبله مطلقا وفيه خلاف، فقد قال الزركشي: إن الإسلام المقارن للندم إنما يكفر وزر الكفر لا غير، وأما غيره من المعاصي فلا يكفر إلا بتوبة عنه بخصوصه كما ذكره البيهقي، واستدل عليه بقوله ﷺ : «إن أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بالأول ولا بالآخر وإن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» ولو كان الإسلام يكفر سائر المعاصي لم يؤاخذ بها إذا أسلم، وأجيب بأنه مع اعتبار ما ذكر من شبه التوزيع يهون أمر الخلاف كما لا يخفى على أرباب الإنصاف فتدبر وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إشارة إلى ما عبر عنه الداعون فيما قبل بقولهم وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ على أحد القولين، أو رمز إلى ما سألوه بقولهم وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ على قول الآخر ثَواباً مصدر مؤكد لما قبله لأن معنى الجملة لأثيبنهم بذلك فوضع ثوابا موضع الإثابة وإن كان في الأصل اسما لما يثاب به كالعطاء لما يعطى، وقيل: إنه تمييز أو حال من جنات لوصفها، أو من ضمير المفعول أي مثابا أو مثابين، وقيل: إنه بدل من جنات، وقال الكسائي: إنه منصوب على القطع، وقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ صفة لثوابا وهو وصف مؤكد لأن الثواب لا يكون إلا من عنده تعالى لكنه صرح به تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه، ولا يرد أن المصدر إذا وصف كيف يكون مؤكدا، لما تقرر في موضعه أن الوصف المؤكد لا ينافي كون المصدر مؤكدا. وقيل: إنه متعلق- بثوابا- باعتبار تأويله باسم المفعول، وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ تذييل مقرر لمضمون ما قبله، والاسم الجليل مبتدأ خبره عِنْدَهُ وحُسْنُ الثَّوابِ مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو هو مبتدأ ثان والظرف خبره، ولجملة خبر المبتدأ الأول، والكلام مخرّج مخرج قول الرجل: عندي ما تريد يريد اختصاصه به وتملكه له، وإن لم يكن عنده فليس معنى عنده حُسْنُ الثَّوابِ أن الثواب بحضرته وبالقرب منه على ما هو حقيقة لفظ عنده، بل مثل هناك كونه بقدرته وفضله بحيث لا يقدر عليه غيره بحال الشيء يكون بحضرة أحد لا يدعيه لغيره، والاختصاص مستفاد من هذا التمثيل حتى لو لم يجعل حُسْنُ الثَّوابِ مبتدأ مؤخرا كان الاختصاص بحاله، وقد أفادت الآية مزيد فضل المهاجرين ورفعة شأنهم.

стр. 936

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «إن أول ثلاثة يدخلون الجنة لفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره. وإن الله تعالى يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفتها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك ما هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] . لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد منه أمته، وكثيرا ما يخاطب سيد القوم بشيء ويراد أتباعه فيقوم خطابه مقام خطابهم، ويحتمل أن يكون عاما للنبي ﷺ وغيره بطريق التغليب تطييبا لقلوب الخاطبين، وقيل: إنه خطاب له ﵊ على أن المراد تثبيته ﷺ على ما هو عليه كقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [القلم: ٨] وضعف بأنه ﵊ لا يكون منه تزلزل حتى يؤمر بالثبات- وفيه نظر لا يخفى- والنهي في المعنى للمخاطب أي لا تغتر بما عليه الكفرة من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع ووفور الحظ، وإنما جعل النهي ظاهرا للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب فإن تغرير التقلب للمخاطب سبب واغتراره به مسبب فمنع السبب بورود النهي عليه ليمتنع المسبب الذي هو اغترار المخاطب بذلك السبب على طريق برهاني وهو أبلغ من ورود النهي على المسبب من أول الأمر، قالوا: وهذا على عكس قول القائل: لا أرينك هنا فإن فيه النهي عن المسبب وهو الرؤية ليمتنع السبب وهو حضور المخاطب. وأورد عليه أن الغارية والمغرورية متضايفان، وقد صرحوا بأن القطع والانقطاع ونحو ذلك مثلا متضايفان، وحقق أن المتضايفين لا يصح أن يكون أحدهما سببا للآخر بل هما معا في درجة واحدة، فالأولى أن يقال: علق النهي بكون التقلب غارا ليفيد نهي المخاطب عن الاغترار لأن نفي أحد المتضايفين يستلزم نفي الآخر، ولا يخفى أن هذا مبني على ما لم يقع الإجماع عليه، ولعل النظر الصائب يقضي بخلافه، وفسر الموصول بالمشركين من أهل مكة، فقد ذكر الواحدي أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش وكانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية، وبعض فسره باليهود، وحكي أنهم كانوا يضربون في الأرض ويصيبون الأموال والمؤمنون في عناء فنزلت، وإلى ذلك ذهب الفراء، والقول الأول أظهر، وأيّا ما كان فالجملة مسوقة لتسلية المؤمنين وتصبيرهم ببيان قبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا إثر بيان حسن ما سينالونه من الثواب الجزيل والنعيم المقيم، وقرأ يعقوب برواية رويس وزيد لا يَغُرَّنَّكَ بالنون الخفيفة مَتاعٌ قَلِيلٌ خبر مبتدأ محذوف أي هو يعني تقلبهم متاع قليل، وقلته إما باعتبار قصر مدته أو بالقياس إلى ما فاتهم مما أعد الله تعالى للمؤمنين من الثواب، وفيما رواه مسلم مرفوعا «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فينظر بم ترجع» ، وقيل: إن وصف ذلك المتاع بالقلة بالقياس إلى مؤنة السعي وتحمل المشاق فضلا عما يلحقه من الحساب والعقاب في دار الثواب ولا يخفى بعده ثُمَّ مَأْواهُمْ أي مصيرهم الذي يأوون إليه ويستقرون فيه بعد انتقالهم من الأماكن التي يتقلبون فيها. جَهَنَّمُ التي لا يوصف عذابها وَبِئْسَ الْمِهادُ أي بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم، وفيه إشارة إلى مصيرهم إلى تلك الدار مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم.

стр. 937

لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. لكِنِ للاستدراك عند النجاة وهو رفع توهم ناشئ من السابق وعند علماء المعاني لقصر القلب وردّ اعتقاد المخاطب، وتوجيه الآية على الأول أنه لما وصف الكفار بقلة نفع تقلبهم في التجارة وتصرفهم في البلاد لأجلها جاز أن يتوهم متوهم أن التجارة من حيث هي مقتضية لذلك فاستدرك أن المتقين وإن أخذوا في التجارة لا يضرهم ذلك وأن لهم ما وعدوا به أو يقال إنه تعالى لما جعل تمتع المتقلبين قليلا مع سعة حالهم أو هم ذلك أن المسلمين الذين لا يزالون في الجهد والجوع في متاع في كمال القلة فدفع بأن تمتعهم للاتقاء والاجتناب عن الدنيا ولا تمتع من الدنيا فوقه لأنه وسيلة إلى نعمة عظيمة أبدية هي الخلود في الجنات، وعلى الثاني ردّ لاعتقاد الكفرة أنهم متمتعون من الحياة والمؤمنون في خسران عظيم، وعلل بعض المحققين جعل التقوى في حيز الصلة بالإشعار بكون الخصال المذكورة من باب التقوى، والمراد بها الاتقاء عن الشرك والمعاصي، والموصول مبتدأ والظرف خبره، وجَنَّاتٌ مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو مرتفع بالابتداء، والظرف خبره، والجملة خبر المبتدأ، وخالِدِينَ حال مقدرة من الضمير المجرور في لَهُمْ أو من جَنَّاتٌ لتخصيصها بجملة الصفة، والعامل ما في الظرف من معنى الاستقرار، وقرأ أبو جعفر «لكنّ» بتشديد النون نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النزل بضمتين وكذا النزل بضم فسكون ما يعد للضيف أول نزوله من طعام وشراب وصلة، قال الضبي: وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له (نزلا) ويستعمل بمعنى الزاد مطلقا، ويكون جمعا بمعنى النازلين كما في قول الأعشى: أو ينزلون فإنا معشر (نزل) وقد جوز ذلك أبو علي في الآية، وكذا يجوز أن يكون مصدرا، قيل: وأصل معنى النزل مفردا الفضل والريع في الطعام، ويستعار للحاصل عن الشيء، ونصبه هنا إما على الحالية من جَنَّاتٌ لتخصيصها بالوصف والعامل فيه ما في الظرف من معنى الاستقرار إن كان بمعنى ما يعد إلخ، وجعل الجنة حينئذ نفسها نُزُلًا من باب التجوز، أو بتقدير مضاف أي ذات نزل، وإما على الحالية من الضمير في خالِدِينَ إن كان جمعا، وإما على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف إن كان مصدرا وهو حينئذ بمعنى النزول أي نزلوها نزلا، وجوز على تقدير مصدريته أن يكون بمعنى المفعول فيكون حالا من الضمير المجرور في فِيها أي منزولة، والظرف صفة نُزُلًا إن لم تجعله جمعا وإن جعلته ففيه- كما قال أبو البقاء- وجهان: أحدهما أنه حال من المفعول المحذوف لأن التقدير نُزُلًا إياها، والثاني أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ذلك من عند الله أي بفضله، وذهب كثير من العلماء على أن النزل بالمعنى الأول- وعليه تمسك بعضهم بالآية على رؤية الله تعالى لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا فلا بد من شيء آخر يكون أصلا بالنسبة إليها وليس وراء الله تعالى شيء- وهو كما ترى، نعم فيه حينئذ إشارة إلى أن القوم ضيوف الله تعالى وفي ذلك كمال اللطف بهم وَما عِنْدَ اللَّهِ من الأمور المذكورة الدائمة لكثرته ودوامه خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ مما يتقلب فيه الفجار من المتاع القليل الزائل لقلته وزواله، والتعبير عنهم- بالأبرار- ووضع الظاهر موضع الضمير كما قيل: للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البر كما أنها من قبيل التقوى والجملة تذييل، وزعم بعضهم أن هذا مما يحتمل أن يكون إشارة إلى الرؤية لأن فيه إيذانا بمقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة، والموصول مبتدأ، والظرف صلته، وخَيْرٌ خبره ولِلْأَبْرارِ صفة خَيْرٌ.

стр. 938

وجوز أن يكون لِلْأَبْرارِ خبرا والنية به التقديم أي والذي عند الله مستقر للأبرار وخَيْرٌ على هذا خبر ثان، وقيل لِلْأَبْرارِ حال من الضمير في الظرف، وخَيْرٌ خبر المبتدأ، وتعقبه أبو البقاء بأنه بعيد لأن فيه الفصل بين المبتدأ والخبر بحال لغيره والفصل بين الحال وصاحب الحال غير المبتدأ وذلك لا يجوز في الاختيار وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أخرج ابن جرير عن جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لما مات النجاشي: «اخرجوا فصلوا عن أخ لكم فخرج فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط» فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي ذلك أيضا عن ابن عباس وأنس وقتادة، وعن عطاء أنها نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحارث بن كعب اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا جميعا على دين عيسى ﵇ فآمنوا بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وروي عن ابن جريج وابن زيد وابن إسحاق أنها نزلت في جماعة من اليهود أسلموا، منهم عبد الله بن سلام ومن معه، وعن مجاهد أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وأشهر الروايات أنها نزلت في النجاشي- وهو بفتح النون على المشهور- كما قال الزركشي. ونقل ابن السيد كسرها- وعليه ابن دحية- وفتح الجيم مخففة- وتشديدها غلط- وآخره ياء ساكنة وهو الأكثر رواية لأنها ليست للنسبة، ونقل ابن الأثير تشديدها، ومنهم من جعله غلطا- وهو لقب كل من ملك الحبشة- واسمه أصحمة- بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وحاء مهملة- والحبشة يقولونه بالخاء المعجمة، ومعناه عندهم عطية الصنم، وذكر مقاتل في نوادر التفسير أن اسمه مكحول بن صعصعة، والأول هو المشهور، وقد توفي في رجب سنة تسع، والجملة مستأنفة سيقت لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت صفاتهم من نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك، بل منهم من له مناقب جليلة، وفيها أيضا تعريض بالمنافقين الذين هم أقبح أصناف الكفار وبهذا يحصل ربط بين الآية وما قبلها من الآيات، وإذا لاحظت اشتراك هؤلاء مع أولئك المؤمنين فيما عند الله تعالى من الثواب قويت المناسبة وإذا لاحظ أن فيما تقدم مدح المهاجرين وفي هذا مدحا للمهاجرين إليهم من حيث إن الهجرة الأولى كانت إليهم كان المناسبة أقوى، وإذا اعتبر تفسير الموصول في قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ باليهود زادت قوة بعد ولام الابتداء داخلة على اسم إن وجاز ذلك لتقدم الخبر وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن العظيم الشأن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من الإنجيل والتوراة أو منهما وتأخير إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن الأمر بالعكس في الوجود لما أن القرآن عيار ومهيمن عليه فإن إيمانهم بذلك إنما يعتبر بتبعية إيمانهم بالقرآن إذ لا عبرة بما في الكتابين من الأحكام المنسوخة وما لم ينسخ إنما يعتبر من حيث ثبوته بالقرآن ولتعلق ما بعد بذلك، وقيل: قدم الإيمان بما أنزل على المؤمنين تعجيلا لإدخال المسرة عليهم، والمراد من الإيمان بالثاني الإيمان به من غير تحريف ولا كتم كما هو شأن المحرفين والكاتمين واتباع كل من العامة خاشِعِينَ لِلَّهِ أي خاضعين له سبحانه، وقال ابن زيد: خائفين متذللين، وقال الحسن: الخشوع الخوف اللازم للقلب من الله تعالى وهو حال من فاعل يُؤْمِنُ وجمع حملا على المعنى بعد ما حمل على اللفظ أولا، وقيل: حال من ضمير إليهم وهو أقرب لفظا فقط، وجيء بالحال تعريضا بالمنافقين الذين يؤمنون خوفا من القتل، ولِلَّهِ متعلق- بخاشعين. وقيل: هو متعلق بالفعل المنفي بعده وهو في نية التأخير كأنه قال سبحانه: لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا لأجل الله تعالى، والأول أولى، وفي هذا النفي تصريح بمخالفتهم للمحرفين، والجملة في موضع الحال أيضا والمعنى لا يأخذون عوضا يسيرا على تحريف الكتاب وكتمان الحق من الرشا والمآكل كما فعله غيره ممن وصفه سبحانه فيما تقدم، ووصف الثمن بالقليل إما لأن كل ما يؤخذ

стр. 939

على التحريف كذلك ولو كان ملء الخافقين، وإما لمجرد التعريض بالآخذين ومدحهم بما ذكر ليس من حيث عدم الأخذ فقط بل لتضمن ذلك إظهار ما في الآيات من الهدى وشواهد نبوته ﷺ . أُولئِكَ أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة، واختيار صيغة البعد لإيذان بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضيلة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم والإضافة للعهد أي الأجر المختص بهم الموعود لهم بقوله سبحانه: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: ٥٤] وقوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨] وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف وفي الكلام أوجه من الإعراب فقد قالوا: إن أُولئِكَ مبتدأ والظرف خبره وأجرهم مرتفع بالظرف، أو الظرف خبر مقدم، وأَجْرُهُمْ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ، وعِنْدَ رَبِّهِمْ نصب على الحالية من أَجْرُهُمْ. وقيل: متعلق به بناء على أن التقدير لهم أن يؤجروا عند ربهم، وجوز أن يكون أَجْرُهُمْ مبتدأ، وعِنْدَ رَبِّهِمْ خبره، «ولهم متعلق بما دل عليه الكلام من الاستقرار والثبوت لأنه في حكم الظرف، والأوجه من هذه الأوجه هو الشائع على ألسنة المعربين إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ إما كناية عن كمال علمه تعالى بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وإنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي وحينئذ تكون الجملة استئنافا واردا على سبيل التعليل لقوله تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أو تذييلا لبيان علة الحكم المفاد بما ذكر، وإما كناية عن قرب الأجر الموعود فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء، وحينئذ تكون الجملة تكميلا لما قبلها فإنه في معنى الوعد كأنه قيل: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ عن قريب، وفصلت لأن الحكم بقرب الأجر مما يؤكد ثبوته ثم لما بين سبحانه في تضاعيف هذه السورة الكريمة- ما بين من الحكم والأحكام وشرح أحوال المؤمنين والكافرين وما قاساه المؤمنون الكرام من أولئك اللئام من الآلام- ختم السورة بما يضوع منه مسك التمسك بما مضى، ويضيع بامتثال ما فيه مكايد الأعداء ولو ضاق لها الفضا، فقال عز من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أي احبسوا نفوسكم عن الجزع مما ينالها، والظاهر أن المراد الأمر بما يعم أقسام الصبر الثلاثة المتفاوتة في الدرجة الواردة في الخبر، وهو الصبر على المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية وَصابِرُوا أي اصبروا على شدائد الحرب مع أعداء الله تعالى صبرا أكثر من صبرهم، وذكره بعد الأمر بالصبر العام لأنه أشدّ فيكون أفضل، فالعطف كعطف جبريل على الملائكة وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨] عَلَى الصَّلَواتِ [البقرة: ٢٣٨] وهذا وإن آل إلى الأمر بالجهاد إلا أنه أبلغ منه وَرابِطُوا أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها حابسين لها مترصدين للغزو مستعدين له بالغين في ذلك المبلغ الأوفى أكثر من أعدائكم، والمرابطة أيضا نوع من الصبر، فالعطف هنا كالعطف السابق. وقد أخرج الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: «من مات مرابطا في سبيل الله تعالى أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله تعالى آمنا من الفزع» ، وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن جابر قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رابط يوما في سبيل الله تعالى جعل الله تعالى بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق كسبع سموات وسبع أرضين» ، وأخرج أبو الشيخ عن أنس مرفوعا «الصلاة بأرض الرباط بألف ألفي صلاة» . وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرباط أفضل من الجهاد لأنه حقن دماء المسلمين والجهاد سفك دماء المشركين وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره على الإطلاق فيندرج فيه جميع ما مرّ اندراجا أوليا.

стр. 940

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تظفروا وتفوزا بنيل المنية ودرك البغية والوصول إلى النجح في الطلبة وذلك حقيقة الفلاح، وهذه الآية على ما سمعت مشتملة على ما يرشد المؤمن إلى ما فيه مصلحة الدين والدنيا ويرقى به إلى الذروة العليا، وقرر ذلك بعضهم بأن أحوال الإنسان قسمان الأول ما يتعلق به وحده، والثاني ما يتعلق به من حيث المشاركة مع أهل المنزل والمدينة، وقد أمر سبحانه- نظرا إلى الأول- بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر، والاستدلال في معرفة التوحيد والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها، وأمر- نظرا إلى الثاني- بالمصابرة ويدخل فيها تحمل الأخلاق الردية من الأقارب والأجانب وترك الانتقام منهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد مع أعداء الدين باللسان والسنان، ثم إنه لما كان تكليف الإنسان بما ذكر لا بد له من إصلاح القوى النفسانية الباعثة على أضداد ذلك أمره سبحانه بالمرابطة أعم من أن تكون مرابطة ثغر أو نفس، ثم لما كانت ملاحظة الحق جل وعلا لا بدّ منها في جميع الأعمال والأقوال حتى يكون معتدا بها أمر سبحانه بالتقوى، ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام بوظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه انتهى، ولا يخفى أنه على ما فيه تمحل ظاهر وتعسف لا ينكره إلا مكابر، وأولى منه أن يقال: إنه تعالى أمر بالصبر العام أو لا لأنه كما في الخبر بمنزلة الرأس من الجسد وهو مفتاح الفرج. وقال بعضهم: لكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر، وادعى غير واحد أن جميع المراتب العلية والمراقي السنية الدينية والدنيوية لا تنال إلا بالصبر، ومن هنا قال الشاعر: لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر ثم إنه تعالى أمر ثانيا بنوع خاص من الصبر وهي المجاهدة التي يحصل بها النفع العام والعز التام، وقد جاء عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «إذا تركتم الجهاد سلط الله تعالى عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» ثم ترقى إلى نوع آخر من ذلك هو أعلى وأغلى وهو المرابطة التي هي الإقامة في ثغر لدفع سوء مترقب ممن وراءه، ثم أمر سبحانه آخر الأمر بالتقوى العامة إذ لولاها لأوشك أن يخالط تلك الأشياء شيء من الرياء والعجب، ورؤية غير الله سبحانه فيفسدها، وبهذا تم المعجون الذي يبرئ العلة وروق الشراب الذي يروي الغلة. ومن هنا عقب ذلك بقوله عز شأنه: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهذا مبني على ما هو المشهور في تفسير الآية، وقد روي في بعض الآثار غير ذلك، فقد اخرج ابن مردويه عن سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل عليّ أبو هريرة يوما فقال: أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا إلخ؟ قلت: لا قال: إما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غزو يرابطون فيه ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ثم يذكرون الله تعالى فيها، ففيهم أنزلت أي اصْبِرُوا على الصلوات الخمس وَصابِرُوا أنفسكم وهواكم وَرابِطُوا في مساجدكم وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما علمكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وأخرج مالك والشافعي وأحمد ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بما يمحو الله تعالى به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط» . ولعل هذه الرواية عن أبي هريرة أصح من الرواية الأولى مع ما في الحكم فيها بأنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه من البعد بل لا يكاد يسلم ذلك له، ثم إن هذه الرواية وإن كانت صحيحة لا تنافي التفسير المشهور

стр. 941

لجواز أن تكون اللام في الرباط فيها للعهد، ويراد به الرباط في سبيل الله تعالى ويكون قوله ﵇: «فذلكم الرباط» من قبيل زيد أسد، والمراد تشبيه ذلك بالرباط على وجه المبالغة. وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن المراد اصْبِرُوا على الجهاد وَصابِرُوا عدوكم وَرابِطُوا على دينكم، وعن الحسن أنه قال: اصْبِرُوا على المصيبة وَصابِرُوا على الصلوات وَرابِطُوا في الجهاد في سبيل الله تعالى، وعن قتادة أنه قال: اصْبِرُوا على طاعة الله تعالى وَصابِرُوا أهل الضلال وَرابِطُوا في سبيل الله، وهو قريب من الأول، والأول أولى. هذا «ومن باب الإشارة» إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي العالم العلوي والعالم السفلي وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الظلمة والنور لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ وهم الناظرون إلى الخلق بعين الحق الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً في مقام الروح بالمشاهدة وَقُعُوداً في محل القلب بالمكاشفة وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي تقلباتهم في مكامن النفس بالمجاهدة، وقال بعضهم: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً أي قائمين باتباع أوامره وَقُعُوداً أي قاعدين عن زواجره ونواهيه وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي ومجتنبين مطالعات المخالفات بحال وَيَتَفَكَّرُونَ بألبابهم الخالصة عن شوائب الوهم فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك التفكر على معنيين، الأول طلب غيبة القلوب في الغيوب التي هي كنوز أنوار الصفات لإدراك أنوار القدرة التي تبلغ الشاهد إلى المشهود، والثاني جولان القلوب بنعت التفكر في إبداع الملك لمشاهدة الملك في الملك فإذا شاهدوا قالوا رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا بل هو مرايا لأسمائك ومظاهر لصفاتك، ويفصح بالمقصود قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل سُبْحانَكَ أي تنزيها لك من أن يكون في الوجود سواك فَقِنا عَذابَ النَّارِ وهي نار الاحتجاب بالأكوان عن رؤية المكون رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ وتحجبه عن الرؤية فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وأذللته بالبعد عنك وَما لِلظَّالِمِينَ الذين أشركوا ما لا وجود له في العير ولا النفير مِنْ أَنْصارٍ لاستيلاء التجلي القهري عليهم رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا بأسماع قلوبنا مُنادِياً من أسرارنا التي هي شاطئ وادي الروح الأيمن يُنادِي لِلْإِيمانِ العياني أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا أي شاهدوا ربكم فشاهدنا، أو إِنَّنا سَمِعْنا في المقام الأول مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ والمراد به هو الله تعالى حين خاطب الأرواح في عالم الذر بقوله سبحانه: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] فإن ذلك دعاء لهم إلى الإيمان فَآمَنَّا يعنون قولهم: «بلى» حين شاهدوه هناك سبحانه رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي ذنوب صفاتنا بصفاتك وَكَفِّرْ عَنَّا سيئات أفعالنا برؤية أفعالك وَتَوَفَّنا عن ذواتنا بالموت الاختياري مَعَ الْأَبْرارِ وهم القائمون على حد التفريد والتوحيد رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى ألسنة رُسُلِكَ بقولك: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن تحجبنا بنعمتك عنك إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ لكمال رحمته أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ القلب وعمله مثل الإخلاص واليقين أَوْ أُنْثى النفس وعملها إذا تركت المجاهدات والطاعات القالبية بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ إذ يجمعكم أصل واحد وهو الروح الإنسانية فَالَّذِينَ هاجَرُوا من غير الله تعالى وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وهي مألوفات أنفسهم وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي بما قاسوا من المنكرين، وعن بعض العارفين أن القوم إذا لم يذوقوا مرارة إيذاء المنكرين لم يفوزوا بحلاوة كأس القرب من الله تعالى، ولهذا قال الجنيد قدس سره: جزى الله تعالى إخواننا عنا خيرا ردونا بجفائهم إلى الله تعالى وقاتلوا أنفسهم في وهي أعدى أعدائهم وقتلوا بسيف الفناء لَأُكَفِّرَنَّ

стр. 942

عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ الصغائر والكبائر من بقايا صفاتهم وذواتهم وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ثلاث وهي جنة الأفعال، وجنة الصفات، وجنة الذات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أنهار العلوم والتجليات ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الجامع لجميع الصفات وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ فلا يكون بيد غيره ثواب أصلا لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي حجبوا عن التوحيد فِي الْبِلادِ في المقامات الدنيوية والأحوال مَتاعٌ قَلِيلٌ لسرعة زواله وعدم نفعه ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ الحرمان وَبِئْسَ الْمِهادُ الذي اختاروه بحسب استعدادهم لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ بأن تجردوا كمال التجرد لَهُمْ جَنَّاتٌ ثلاث عوض ذلك نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ معدا لهم «وما عند الله» من نعم المشاهدة ولطائف القربة وحلاوة الوصلة خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويحقق التوحيد الذاتي وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من علم التوحيد والاستقامة وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من علم المبدأ والمعاد ونيل الدرجات خاشِعِينَ لِلَّهِ للتجلي الذاتي وما تجلى الله تعالى لشيء إلا خضع له لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ تعالى وهي تجليات صفاته ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهي تلك الجنات إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيوصل إليهم أجرهم بلا إبطاء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا عن المعاصي وَصابِرُوا على الطاعات وَرابِطُوا الأرواح بالمشاهدة وَاتَّقُوا اللَّهَ من مشاهدة الأغيار لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بالتجرد عن همومكم وخطراتكم، أو «اصبروا» في مقام النفس بالمجاهدة وَصابِرُوا في مقام القلب مع التجليات وَرابِطُوا في مقام الروح ذواتكم حتى لا تعتريكم فترة أو غفلة واتقوا الله عن المخالفة والإعراض والجفاء لَعَلَّكُمْ تفوزون بالفلاح الحقيقي، نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفى من امتثال هذه الأوامر وما يترتب عليها بمنه وكرمه. وهذه الآيات العشر كان يقرؤها صلى الله تعالى عليه وسلم كل ليلة- كما أخرج ذلك ابن السني وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وأخرج الدارمي عن عثمان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب الله تعالى له قيام ليلة، وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله تعالى عليه وملائكته حتى تجب الشمس، وخبر- من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية أمانا على جسر جهنم- موضوع مختلق على رسول الله ﷺ ، وقد عابوا على من أورده من المفسرين، نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الزلل ويحفظنا من الخطأ والخطل إنه جواد كريم رؤوف رحيم، وليكن هذا خاتمة ما أمليته من تفسير الفاتحة والزهراوين، وأنا أرغب إلى الله تعالى بالإخلاص أن يوصلني إلى تفسير المعوذتين، وهو الجلد الأول من روح المعاني (١) ، ويتلوه إن شاء الله تعالى الجلد الثاني وكان الفراغ منه في غرة محرم الحرام سنة ١٢٥٤ ألف ومائتين وأربعة وخمسين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين آمين.

стр. 943

سورة النّساء مدنية على الصحيح، وزعم النحاس أنها مكية مستندا إلى أن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ [النساء: ٥٨] . الآية نزلت بمكة اتفاقا (١) في شأن مفتاح الكعبة، وتعقبه العلامة السيوطي، بأن ذلك مستند واه لأنه لا يلزم من نزول آية، أو آيات بمكة من سورة طويلة نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه، ومما يردّ عليه أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله تعالى عليه وسلم، وبناؤه عليها صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعد الهجرة اتفاقا، وقيل: إنها نزلت عند الهجرة، وعدة آياتها عند الشاميين مائة وسبع وسبعون، وعند الكوفيين ست وسبعون، وعند الباقين خمس وسبعون، والمختلف فيه منها آيتان: إحداهما أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ [النساء: ٤٤] وثانيتهما فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء: ١٧٣] فالكوفيون يثبتون الأولى آية فقط، والشاميون يثبتون الثانية أيضا، والباقون يقولون هما بعضا آية، ووجه مناسبتها لآل عمران أمور، منها أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة به، وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر تشابه الأطراف (٢) وقوم يسمونه بالتسبيغ، وذلك كقول ليلى الأخيلية: إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة رواها رواها فأرواها بشرب سجالها ... دماء رجال حيث نال حشاها ومنها أن في آل عمران ذكر قصة أحد مستوفاة، وفي هذه السورة ذكر ذيلها، وهو قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النساء: ٨٨] فإنه نزل فيما يتعلق بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مرويا عن البخاري ومسلم وغيرهما، ومنها أن في آل عمران ذكر الغزوة التي بعد أحد كما أشرنا إليه في قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [آل عمران: ١٧٢] إلخ، وأشير إليها هاهنا بقوله سبحانه: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ [النساء: ١٠٤] الآية، وبهذين الوجهين يعرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها عليها كما في مصحف ابن مسعود لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع فكان الأنسب فيه التأخير، ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك.

стр. 944

يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب يعم المكلفين من لدن نزل إلى يوم القيامة على ما مرّ تحقيقه، وفي تناول نحو هذه الصيغة للعبيد شرعا حتى يعمهم الحكم خلاف، فذهب الأكثرون إلى التناول لأن العبد من الناس مثلا فيدخل في الخطاب العام له قطعا وكونه عبدا لا يصلح مانعا لذلك، وذهب البعض إلى عدم التناول قالوا: لأنه قد ثبت بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده فلو كلف بالخطاب لكان صرفا لمنافعه إلى غير سيده وذلك تناقض فيتبع الإجماع ويترك الظاهر، وأيضا خرج العبد عن الخطاب بالجهاد والجمعة والعمرة والحج والتبرعات والأقارير ونحوها، ولو كان الخطاب متناولا له للعموم لزم التخصيص، والأصل عدمه، والجواب عن الأول أنا لا نسلم صرف منافعه إلى سيده عموما بل قد يستثنى من ذلك وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد في آخر وقت الظهر ولو أطاعه لفاتته الصلاة وجبت عليه الصلاة، وعدم صرف منفعته في ذلك الوقت إلى السيد، وإذا ثبت هذا فالتعبد بالعبادة ليس مناقضا لقولهم: بصرف المنافع للسيد، وعن الثاني بأن خروجه بدليل اقتضى خروجه وذلك كخروج المريض، والمسافر، والحائض عن العمومات الدالة على وجوب الصوم والصلاة والجهاد، وذلك لا يدل على عدم تناولها اتفاقا، غايته أنه خلاف الأصل ارتكب لدليل وهو جائز ثم الصحيح أن الأمم الدارجة قبل نزول هذا الخطاب لا حظ لها فيه لاختصاص الأوامر والنواهي بمن يتصور منه الامتثال، وأنى لهم به وهم تحت أطباق الثرى لا يقومون حتى ينفخ في الصور. وجوز بعضهم كون الخطاب عاما بحيث يندرجون فيه، ثم قال: ولا يبعد أن يكون الأمر الآتي عاما لهم أيضا بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى، وإن كان كونه عربيا عارضا بالنسبة إلى هذه الأمة، وفيه نظر لأن المنظور إليه إنما هو أحكام القرآن بعد النزول وإلا لكان النداء وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به فتأمل. وعلى العلات لفظ النَّاسُ يشمل الذكور والإناث بلا نزاع، وفي شمول نحو قوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمُ خلاف والأكثرون على أن الإناث لا يدخلن في مثل هذه الصيغة ظاهرا خلافا للحنابلة، استدل الأولون بأنه قد روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله تعالى ذكر إلا الرجال فأنزل ذكرهن، فنفت ذكرهن مطلقا ولو كن داخت لما صدق نفيهن ولم يجز تقريره ﵊ للنفي، وبأنه قد أجمع أرباب العربية على أن نحو هذه الصيغة جمع مذكر وأنه لتضعيف المفرد والمفرد مذكر، وبأن نظير هذه الصيغة المسلمون ولو كان مدلول

стр. 945

المسلمات داخلا فيه لما حسن العطف فيقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [الأحزاب: ٣٥] إلا باعتبار التأكيد، والتأسيس خير من التأكيد، وقال الآخرون: المعروف من أهل اللسان تغليبهم المذكر على المؤنث عند اجتماعهما باتفاق، وأيضا لو لم تدخل الإناث في ذلك لما شاركن في الأحكام لثبوت أكثرها بمثل هذه الصيغة، واللازم منتف بالاتفاق كما في أحكام الصلاة والصيام الزكاة، وأيضا لو أوصى لرجال ونساء بمائة درهم، ثم قال: أوصيت لهم بكذا دخلت النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة فيكون حقيقة في الرجال والنساء ظاهرا فيهما وهو المطلوب، وأجيب أما عن الأول فبإنه إنما يدل على أن الإطلاق صحيح إذا قصد الجميع، والجمهور يقولون به، لكنه يكون مجازا ولا يلزم أن يكون ظاهرا وفيه النزاع (١) . وأما عن الثاني فبمنع الملازمة، نعم يلزم أن لا يشاركن في الأحكام بمثل هذه الصيغة، وما المانع أن يشاركن بدليل خارج؟ والأمر كذلك، ولذلك لم يدخلن في الجهاد والجمعة مثلا لعدم الدليل الخارجي هناك، وأما عن الثالث فبمنع المبادرة ثمة بلا قرينة فإن الوصية المتقدمة قرينة دالة على الإرادة، فالحق عدم دخول الإناث ظاهرا، نعم الأولى هنا القول بدخولهن باعتبار التغليب، وزعم بعضهم أن لا تغليب بل الأمر للرجال فقط كما يقتضيه ظاهر الصيغة، ودخول الإناث في الأمر- بالتقوى- للدليل الخارجي، ولا يخفى أن هذا يستدعي تخصيص لفظ الناس ببعض أفراده لأن إبقاءه حينئذ على عمومه مما يأباه الذوق السليم، والمأمور به إما الاتقاء بحيث يشمل ما كان باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح، ويتناول رعاية حقوق الناس كما يتناول رعاية حقوق الله تعالى. وأما الاتقاء في الإخلال بما يجب حفظه من الحقوق فيما بين العباد- وهذا المعنى مطابق لما في السورة من رعاية حال الأيتام وصلة الأرحام والعدل في النكاح والإرث ونحو ذلك بالخصوص- بخلاف الأول فإنه إنما يطابقها من حيث العموم، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من تأييد الأمر وتأكيد إيجاب الامتثال، وكذا في وصف الرب بقوله سبحانه: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ لأن الاستعمال جار على أن الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له، أو باعثة عليه، داعية إليه، ولا يخفى أن ما هنا كذلك لأن ما ذكر يدل على القدرة العظيمة، أو النعمة الجسيمة، ولا شك أن الأول يوجب التقوى مطلقا حذرا عن العقاب العظيم، وأن الثاني يدعو إليها وفاء بالشكر الواجب، وإيجاب الخلق من أصل واحد للاتقاء على الاحتمال الثاني ظاهر جدا، وفي الوصف المذكور تنبيه على أن المخاطبين عالمون بما ذكر مما يستدعي التحلي بالتقوى، وفيه كمال توبيخ لمن يفوته ذلك، والمراد من النفس الواحدة آدم ﵇، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد- وهو أبو البشر- وذكر صاحب جامع الأخبار من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبرا طويلا نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم وآدم، بين كل آدم ألف سنة، وأن الدنيا بقيت خرابا بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عمرت خمسين ألف سنة، ثم خلق أبونا آدم ﵇، وروي ابن بابويه في كتاب التوحيد عن الصادق في حديث طويل أيضا أنه قال: لعلك ترى أن الله تعالى لم يخلق بشرا غيركم بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين، وقال الميثم في شرحه الكبير على النهج- ونقل عن محمد بن علي الباقر- أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم وأكثر، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته ما يقتضي بظاهره أن قبل آدم

стр. 946

بأربعين ألف سنة آدم غيره، وفي كتاب الخصائص (١) ما يكاد يفهم منه التعدد أيضا الآن حيث روى فيه عن الصادق أنه قال: إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سموات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن لله عالما غيرهم، وأنى للحجة عليهم، ولعل هذا وأمثاله من أرض السمسمة وجابرسا وجابلقا إن صح محمول على عالم المثال لا على هذا العالم الذي نحن فيه، وحمل تعدد آدم في ذلك العالم أيضا غير بعيد، وأما القول بظواهر هذه الأخبار فما لا يراه أهل السنة والجماعة، بل قد صرح زين العرب بكفر من يعتقد التعدد، نعم إن آدمنا هذا ﵇ مسبوق بخلق آخرين كالملائكة والجن وكثير من الحيوانات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى لا يخلق أمثاله وهو حادث نوعا وشخصا خلافا لبعض الفلاسفة في زعمهم قدم نوع الإنسان، وذهب الكثير منا إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستة آلاف سنة وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ورووا أخبارا كثيرة في ذلك، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن ولا يكون بعد أن كان، وأما أنه متى كان ومتى لا يكون فمما لا يعلمه إلا الله تعالى، الأخبار مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعول عليها. والقول- بأن النفس الكلي يجلس لفصل القضاء بين الأنفس الجزئية في كل سبعة آلاف سنة مرة وأن قيام الساعة بعد تمام ألف البعثة محمول على ذلك- فمما لا أرتضيه دينا ولا أختاره يقينا، والخطاب في رَبَّكُمُ وخَلَقَكُمْ للمأمورين وتعميمه بحيث يشمل الأمم السالفة مع بقاء ما تقدم من الخطاب غير شامل بناء على أن شمول ربوبيته تعالى وخلقه للكل أتم في تأكيد الأمر السابق مع أن فيه تفكيكا للنظم مستغنى عنه لأن خلقه تعالى للمأمورين من نفس آدم ﵇ حيث كانوا بواسطة ما بينه وبينهم من الآباء والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمنا لحق الوسائط جميعا، وكذا التعرض لربوبيته تعالى لهم متضمن لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبة لا سيما وقد أردف الكلام بقوله تعالى شأنه: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وهو عطف على خَلَقَكُمْ داخل معه في حيز الصلة، وأعيد الفعل لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت لأن الأول بطريق التفريع من الأصل، والثاني بطريق الإنشاء من المادة فإن المراد من الزوج حواء وهي قد خلقت من ضلع آدم ﵇ والأيسر (٢) كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره، وروى الشيخان «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء من الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج» وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب فأي فائدة في خلقها من ذلك، وزعم أن معنى منها من جنسها والآية على حد قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [النحل: ٧٢] ووافقه على ذلك بعضهم مدعيا أن القول بما ذكر يجر إلى القول بأن آدم ﵇ كان ينكح بعضه بعضا، وفيه من الاستهجان ما لا يخفى، وزعم بعض أن حواء كانت حورية خلقت مما خلق منه الحور بعد أن أسكن آدم الجنة وكلا القولين باطل، أما الثاني فلأنه ليس في الآيات ولا الأحاديث ما يتوهم منه الإشارة إليه أصلا فضلا عن التصريح به، ومع هذا يقال عليه: إن الحور خلقن من زعفران الجنة- كما ورد في بعض الآثار- فإن كانت حواء مخلوقة مما خلقن منه- كما هو نص كلام الزاعم- فبينها وبين آدم ﵇ المخلوق من تراب الدنيا بعد كليّ يكاد يكون افتراقا في الجنسية التي ربما توهمها الآية، ويستدعي بعد وقوع التناسل بينهما في هذه النشأة وإن كانت مخلوقة مما خلق منه آدم فهو مع كونه خلاف نص كلامه يردّ عليه أن هذا قول بما قاله أبو مسلم وإلا يكنه فهو قريب

стр. 947

منه، وأما الأول فلأنه لو كان الأمر كما ذكر فيه لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص، وأيضا هو خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ وهذا يردّ على الثاني أيضا. والقول بأنه أي فائدة في خلقها من ضلع والله تعالى قادر على أن يخلقها من تراب؟ يقال عليه: إن فائدة ذلك سوى الحكمة التي خفيت عنا إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حيا من حي لا على سبيل التوالد- كما أنه قادر على أن يخلق حيا من جماد كذلك- ولو كانت القدرة على الخلق من التراب مانعة عن الخلق من غيره لعدم الفائدة لخلق الجميع من التراب بلا واسطة لأنه سبحانه- كما أنه قادر على خلق آدم من التراب- هو قادر على خلق سائر أفراد الإنسان منه أيضا، فما هو جوابكم عن خلق الناس بعضهم من بعض مع القدرة على خلقهم كخلق آدم ﵇ فهو جوابنا عن خلق حواء من آدم مع القدرة على خلقها من تراب والقول: بأن ذلك يجر إلى ما فيه استهجان لا يخفى ما فيه. لأن هذا التشخص الخاص الحاصل لذلك الجزء بحيث لم يبق من تشخصه الأصلي شيء ظاهر يدفع الاستهجان الذي لا مقتضى له إلا الوهم الخالص لا سيما والحكمة تقتضي ذلك التناكح الكذائي. فقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن حواء لما انفصلت من آدم عمر موضعها منه بالشهوة النكاحية التي بها وقع الغشيان لظهور التوالد والتناسل وكان الهواء الخارج الذي عمر موضعه جسم حواء عند خروجها إذ لا خلاء في العالم فطلب ذلك الجزء الهوائي موضعه الذي أخذته حواء بشخصيتها فحرك آدم لطلب موضعه فوجده معمورا بحواء، فوقع عليها فلما تغشاها حملت منه فجاءت بالذرية فبقي بعد ذلك سنة جارية في الحيوان من بني آدم وغيره بالطبع، لكن الإنسان هو الكلمة الجامعة ونسخة العالم فكل ما في العالم جزء منه، وليس الإنسان بجزء واحد من العالم وكان سبب الفصل وإيجاد هذا المنفصل الأول طلب الأنس بالمشاكل في الجنس الذي هو النوع الأخص، وليكون في عالم الأجسام بهذا الالتحام الطبيعي للإنسان الكامل بالصورة التي أرادها الله تعالى ما يشبه القلم الأعلى واللوح المحفوظ الذي يعبر عنه بالعقل الأول والنفس الكلية انتهى. ويفهم من كلامهم أن هذا الخلق لم يقع هكذا إلا بين هذين الزوجين دون سائر أزواج الحيوانات ولم أظفر في ذلك بما يشفي الغليل، نعم أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زوج إبليس عليهما اللعنة خلقت من خلفه الأيسر، والخلف- كما في الصحاح- أقصر أضلاع الجنب، وبذلك فسره الضحاك في هذا المقام، وإنما أخر بيان خلق الزوج عن بيان خلق المخاطبين لما أن تذكير خلقهم أدخل في تحقيق ما هو المقصود من حملهم على امتثال الأمر من تذكير خلقها، وقدم الجار للاعتناء ببيان مبدئية آدم ﵇ لها مع ما في التقديم من التشويق إلى المؤخر واختير عنوان الزوجية تمهيدا لما بعده من التناسل. وذهب بعض المحققين إلى جواز عطف هذه الجملة على مقدر ينبئ عنه السوق لأن تفريع الفروع من أصل واحد يستدعي إنشاء ذلك الأصل لا محالة، كأنه قيل: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ خلقها أولا وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها إلخ، وهذا المقدر إما استئناف مسوق لتقرير وحدة المبدأ، وبيان كيفية خلقهم منه بتفصيل ما أجمل أولا، وإما صفة لنفس مفيدة لذلك، وأوجب بعضهم هذا التقدير على تقدير جعل الخطاب فيما تقدم عاما في الجنس، ولعل ذلك لأنه لولا التقدير حينئذ لكان هذا مع قوله تعالى: وَبَثَّ مِنْهُما أي نشر وفرق من تلك النفس وزوجها على وجه التناسل والتوالد رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً تكرارا لقوله سبحانه: خَلَقَكُمْ لأن مؤادهما واحد وليس على سبيل بيان الأول لأنه معطوف عليه على عدم التقدير ولأوهم أن الرجال والنساء غير المخلوقين من نفس واحدة، وأنهم منفردون بالخلق منها ومن زوجها، والناس إنما خلقوا مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ من غير مدخل للزوج، ولا يلزم ذلك على

стр. 948

العطف، وجعل المخاطب- بخلقكم- من بعث إليهم ﵊ إذ يكون وَبَثَّ مِنْهُما إلخ واقعا على من عدا المبعوث إليهم من الأمم الفائتة للحصر، والتوهم في غاية البعد وكذا لا يلزم على تقدير حذف المعطوف عليه وجعل الخطاب عامّا لأن ذلك المحذوف وما عطف عليه يكونان بيانا لكيفية الخلق من تلك النفس، ومن الناس من ادعى أنه لا مانع من جعل الخطاب عامّا من غير حاجة إلى تقدير معطوف عليه معه، وإلى ذلك ذهب صاحب التقريب. والمحذور الذي يذكرونه ليس بمتوجه إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس واحدة خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعا. والمعطوف متكفل ببيان ذلك، وقد ذكر غير واحد أن اللازم في العطف تغاير المعطوفات ولو من وجه وهو هنا محقق بلا ريب كما لا يخفى، والتلوين في رِجالًا وَنِساءً للتكثير، وكَثِيراً نعت ل رِجالًا مؤكد لما أفاده التنكير، والإفراد باعتبار معنى الجمع أو العدد أو لرعاية صيغة فعيل، ونقل أبو البقاء أنه نعت لمصدر محذوف أي بثا كَثِيراً ولهذا أفرد، وجعله صفة حين- كما قيل- تكلف سمج، وليس المراد بالرجال والنساء البالغين والبالغات، بل الذكور والإناث مطلقا تجوزا، ولعل إيثارهما على الذكور والإناث لتأكيد الكثرة والمبالغة فيها بترشيح كل فرد من الأفراد المبثوثة لمبدئية غيره، وقيل: ذكر الكبار منهم لأنه في معرض المكلفين بالتقوى واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها لأن الحكمة تقتضي أن يكن أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة قاله الخطيب، واحتج بعضهم بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال، وأجيب بأنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور، على أن الآية لا تدل على أكثر من خلقنا وخلق الزوج مما ذكر سبحانه وهو غير واف بالمدعى، وقرئ- وخالق، وباث- على حذف المبتدأ لأنه صلة لعطفه على الصلة فلا يكون إلا جملة بخلاف نحو- زيد راكب وذاهب- أي وهو- خالق وباث. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ تكرير للأمر الأول وتأكيد له، والمخاطب من بعث إليهم ﷺ أيضا كما مر، وقيل: المخاطب هنا وهناك هم العرب- كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- لأن دأبهم هذا التناشد، وقيل: المخاطب هناك من بعث إليهم مطلقا وهنا العرب خاصة، وعموم أول الآية لا يمنع خصوص آخرها كالعكس ولا يخفى ما فيه من التفكيك، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير للإشارة إلى جميع صفات الكمال ترقيا بعد صفة الربوبية فكأنه قيل: اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم خلقا بديعا ولكونه مستحقا لصفات الكمال كلها. وفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى بعض آخر من موجبات الامتثال، فإن قول القائل لصاحبه: أسألك بالله، وأنشدك الله تعالى على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، وتَسائَلُونَ إما بمعنى يسأل بعضكم بعضا فالمفاعلة على ظاهرها، وإما بمعنى تسألون- كما قرئ به- وتفاعل يرد بمعنى فعل إذا تعدد فاعله وأصله على القراءة المشهورة- «تتساءلون» - بتاءين فحذفت إحداهما للثقل، وقرأ نافع وابن كثير وسائر أهل الكوفة تَسائَلُونَ بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس وَالْأَرْحامَ بالنصب وهو معطوف إما على محل الجار والمجرور إن كان المحل لهما، أو على محل المجرور إن كان المحل له، والكلام على حدّ مررت بزيد، وعمرا، وينصره قراءة- «تساءلون به وبالأرحام» وأنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله تعالى، ويقولون: أسألك بالله تعالى وبالله سبحانه وبالرحم- كما أخرج ذلك غير واحد- عن مجاهد، وهو اختيار الفارسي وعلي بن عيسى، وإما معطوف على الاسم الجليل أي اتقوا الله تعالى والأرحام وصلوها ولا تقطعوها فإن قطعها مما يجب أن يتقى، وهو رواية ابن حميد عن مجاهد، والضحاك عن ابن عباس، وابن المنذر عن عكرمة، وحكي عن أبي جعفر

стр. 949

رضي الله تعالى عنه، واختاره الفراء. والزجاج، وجوز الواحدي النصب على الإغراء أي والزموا الأرحام وصلوها، وقرأ حمزة بالجر، وخرجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور، وضعف ذلك أكثر النحويين بأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها فكما لا يعطف على جزء الكلمة لا يعطف عليه. وأول من شنع على حمزة في هذه القراءة أبو العباس المبرد حتى قال: لا تحل القراءة بها، وتبعه في ذلك جماعة- منهم ابن عطية- وزعم أنه يردها وجهان: أحدهما أن ذكر أن الأرحام مما يتساءل بها لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى، ولا فائدة فيها أكثر من الاخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا مما يغض من الفصاحة، والثاني أن في ذكرها على ذلك تقرير التساؤل بها، والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك، فقد أخرج الشيخان عنه صلى الله تعالى عليه وسلم «من كان حالفا فليحلف بالله تعالى أو ليصمت» . وأنت تعلم أن حمزة لم يقرأ كذلك من نفسه ولكن أخذ ذلك بل جميع القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش. والإمام بن أعين ومحمد بن أبي ليلى وجعفر بن محمد الصادق- وكان صالحا ورعا ثقة في الحديث- من الطبقة الثالثة. وقد قال الإمام أبو حنيفة والثوري ويحيى بن آدم في حقه غلب حمزة الناس على القراءة والفرائض، وأخذ عنه جماعة وتلمذوا عليه، ومنهم إمام الكوفة- قراءة وعربية- أبو الحسن الكسائي، وهو أحد القراء السبعة الذين قال أساطين الدين: إن قراءتهم متواترة عن رسول الله ﷺ ، ومع هذا لم يقرأ بذلك وحده بل قرأ به جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد وغيرهم- كما نقله ابن يعيش فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين ولسنا متعبدين باتباعهم، وقد أطال أبو حيان في البحر الكلام في الردّ عليهم، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصحيح ما ذهب اليه الكوفيون من الجواز، وورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما، وإلى ذلك ذهب ابن مالك، وحديث إن ذكر الأرحام- حينئذ لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى- ساقط من القول لأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة- وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم فالتساؤل بالأرحام يقتضيه بلا ريب، وإن أريد الأعم فلدخوله فيها وأما شبهة أن في ذكرها تقرير التساؤل بها، والقسم بحرمتها والحديث يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى، فقد قيل في جوابها: لا نسلم أن الحلف بغير الله تعالى مطلقا منهي عنه، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب البر، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلا فمما لا بأس به ففي الخبر «أفلح وأبيه إن صدق» . وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف وليس هو- كقول القائل- والرحم لأفعلن كذا. ولقد فعلت كذا، فلا يكون متعلق النهي في شيء، والقول بأن المراد هاهنا حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهلية- لا يخفى ما فيه فافهم، وقد خرج ابن جني هذه القراءة على تخريج آخر فقال في الخصائص: باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به من ذلك. رسم دار وقفت في طلله. أي رب رسم دار، وكان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ بقول: خير عفاك الله تعالى- أي بخير- ويحذف الباء لدلالة الحال عليها، وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة، وفي شرح المفصل أن الباء في هذه القراءة محذوفة لتقدم ذكرها، وقد مشى على ذلك أيضا الزمخشري في أحاجيه، وذكر صاحب الكشف أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية لثبوت إضمار الجار في نحو- الله لأفعلن- وفي نحو- ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك- والحمل

стр. 950

على ما ثبت هو الوجه، ونقل عن بعضهم أن الواو للقسم على نحو- اتق الله تعالى فو الله إنه مطلع عليك- ترك الفاء لأن الاستئناف أقوى الأصلين وهو وجه حسن. وقرأ ابن زيد وَالْأَرْحامَ بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي وَالْأَرْحامَ كذلك أي مما يتقى لقرينة اتَّقُوا أو مما يتساءل به لقرينة تَسائَلُونَ وقدره ابن عطية- أهل لأن توصل- وابن جني- مما يجب أن توصلوه وتحتاطوا فيه- ولعل الجملة حينئذ معترضة وإلا ففي العطف خفاء، وقد نبه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه سبحانه على أن صلتها بمكان منه تعالى وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم أما ترضين أني أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى قال: فذلك لك» وأخرج البزار بإسناد حسن «الرحم حجنة (١) متمسكة بالعرش تكلم بلسان زلق اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني فيقول الله تعالى: أنا الرحمن أنا الرحيم فإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بتكها بتكته» . وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح «إن من أربى الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنة (٢) من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة» . والأخبار في هذا الباب كثيرة، والمراد بالرحم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب وإن بعد ويطلق على الأقارب من جهة النساء وتخصيصه في باب الصلة بمن ينتهي إلى رحم الأم منقطع عن القبول إذ قد ورد الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً أي حفيظا- قاله مجاهد- فهو من رقبه بمعنى حفظه- كما قاله الراغب- وقد يفسر بالمطلع، ومنه المرقب للمكان العالي الذي يشرف عليه ليطلع على ما دونه، ومن هنا فسره ابن زيد بالعالم، وعلى كل فهو فعيل بمعنى فاعل، والجملة في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال، وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار لرعاية الفواصل وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ شروع في تفصيل موارد الاتقاء على أتم وجه، وبدأ بما يتعلق باليتامى إظهارا لكمال العناية بشأنهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأوصياء والأولياء وقلما تفوض الوصاية لأجنبي، واليتيم- من الإنسان من مات أبوه، ومن سائر الحيوانات فاقد الأم- من اليتم وهو الانفراد، ومن هنا يطلق على كل شيء عز نظيره، ومنه الدرة اليتيمة وجمع على يتامى مع أن فعيلا لا يجمع على فعالى بل على فعال- ككريم وكرام وفعلاء- ككريم وكرماء- وفعل كنذير ونذر- وفعلى- كمريض ومرضى- إما لأنه أجري مجرى الأسماء، ولذا قلما يجري على موصوف فجمع على يتايم كأفيل (٣) وأفايل، ثم قلب فقيل: يتامي بالكسر، ثم خفف بقلب الكسرة فتحة فقبلت الياء ألفا، وقد جاء على الأصل في قوله: أأطلال حسن بالبراق «اليتايم» ... سلام على أحجاركنّ القدايم أو لأنه جمع أولا على يتمى، ثم جمع يتمى على يتامى إلحاقا له بباب الآفات والأوجاع، فإن فعيلا فيها يجمع على فعلى، وفعلى يجمع على فعالى كما جمع أسير على أسرى ثم على أسارى، ووجه الشبه ما فيه من الذل
следующие страницы →