عنقه، ويقال لها: جامعة أيضا، وقال الرماني، وغيره أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولا لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل، ومن ذلك الغل للحقد، والغليل لحرارة العطش، والغلالة للشغار، والمراد تنزيه ساحة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أبلغ وجه عما ظن به الرماة يوم أحد
فقد حكى الواحدي عن الكلبي، ومقاتل أن الرماة حين تركوا المركز يومئذ طلبا للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم» ولهذا نزلت الآية،
أو تنزيهه صلى الله تعالى عليه وسلم عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخذها، والرواية الأولى أوفق بالمقام، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم لأن القصة أحدية إلا أن فيها إشعارا بأن غنائم بدر لم تقسم وهو مخالف لما سيأتي في الأنفال وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، والرواية الثانية أولى بالقبول عند أرباب هذا الشأن، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في النهي عن الغلول،
فقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف. وابن جرير مرسلا عن الضحاك قال: بعث رسول الله ﷺ طلائع فغنم النبي ﷺ غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئا فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي ﷺ ولم يقسم لنا فأنزل الله تعالى الآية،
فالمعنى ما كان لنبي أن يعطي قوما من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية، وعبر سبحانه عن حرمان بعض الغزاة بالغلول فطما عن هذا الفعل بالكلية، أو تعظيما لشأنه ﷺ ، وجعل بعضهم الكلام على هذا الاحتمال على حدّ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] خوطب به ﷺ وأريد غيره ممن يفعل مثل هذا بعد النهي عنه- ولا يخفى بعده- والصيغة على الاحتمال الأول إخبار لفظا ومعنى لكنها لا تخلو عن رمز إلى نهي عن اعتقاد ذلك في تلك الحضرة المقدسة وعلى الاحتمال الأخير خبر أجري مجرى الطلب، وقد وردت هذه الصيغة نهيا في مواضع من التنزيل كقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [الأنفال: ٦٧] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] وكذا للامتناع العقلي كقوله تعالى: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: ٣٥] وما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠] وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب- أن يغل- على صيغة البناء للمفعول، وفي توجيهها ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون ماضيه أغللته أي نسبته إلى الغلول كما تقول أكفرته أي نسبته إلى الكفر قال الكميت:
وطائفة قد «أكفرتني» بحبكم ... وطائفة قالت مسيء ومذنب
والمعنى ما صح لنبي أن ينسبه أحد إلى الغلول، وثانيها أن يكون من أغللته إذا وجدته غالا كقولهم أحمدته وأبخلته وأجبنته بمعنى وجدته كذلك والمعنى ما صح لنبي أن يوجد غالا، وثالثها أنه من غل إلى أن المعنى ما كان لنبي أن يغله غيره أي يخونه ويسرق من غنيمته، ولعل تخصيص النبي بذلك وإن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام أو أمير إما لعظم خيانته أو لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حرمت الخيانة عليه وهو صاحب الأمر فحرمتها على غيره أولى كذا قيل، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى توجيه التخصيص بما ذكر بعد الالتفات إلى سبب النزول والنظر إلى ما سيأتي بعد.
ومن الناس من زعم أن الآية نزلت في أداء الوحي قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله تعالى الآية، ولا يخفى أنه بعيد جدا- ولا أدري كيف سند هذه الرواية- ولا أظن الخبر إلا موضوعا، ويزيده بعدا بل لا يكاد يجوزه قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ وهو جملة
стр. 877
شرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وما- موصولة والعائد محذوف أي بالذي غله، وجوز أن تكون حالا ويكون التقدير في حال علم الغال بعقوبة الغلول، وظاهر الآثار يدل على أن الإتيان على ظاهره،
فقد أخرج الشيخان والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قام فينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: ألا لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله تعالى شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله تعالى شيئا قد أبلغتك»
والأخبار بهذا المعنى كثيرة ولعل السر في ذلك أن يفضح به على رؤوس الأشهاد زيادة في عقوبته، وإلى هذا ذهب الجبائي، ولا مانع من ذلك عقلا.
والاستبعاد غير مفيد وقد وقع ما يشعر بالاستبعاد قديما فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رجلا قال له:
أرأيت قول الله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها أرأيت من يغل مائة بعير أو مائتي بعير كيف يصنع بها؟! قال: أرأيت من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل بيضاء ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة ألا يحمل مثل هذا، وورد في بعض الأخبار أن الإتيان بالغلول من النار فحينئذ يكون في الآية حذف أي يأت بما غل من النار،
فقد أخرج ابن مردويه والبيهقي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الحجر ليزن سبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفا ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لو كنت مستحلا من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير ما من أحد يغل إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم، وقيل: الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما عمل عما لزمه من الإثم أي يأت بما احتمل من وباله وإثمه- واختاره البلخي- وقال: يجوز أن يكون ما تضمنته الأخبار جاء على وجه المثل كأن الله تعالى إذ فضح الغال وعاقبه العقوبة الشديدة جرى مجرى أن يكون آتيا به وحاملا له وله صوت، ولا يخفى أن جواب أبي هريرة للرجل يأبى هذا التأويل.
وقيل: إن المعاني تظهر في صور جسمانية يوم القيامة كما يؤذن بذلك خبر مجيء الموت في صورة كبش وتلقي القرآن صاحبه في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه القبر إلى غير ذلك.
وقد ذكر غير واحد أنه لا يبعد ظهور الأعمال من الطاعات والمعاصي بصور تناسبها فحينئذ يمكن أن يقال: إن معصية كل غال تظهر يوم القيامة في صورة غلوله فيأتي بها هناك، وعليه تكون الأخبار على ظاهرها من غير حاجة إلى ارتكاب التمثيل، وجواب أبي هريرة لا يأباه، وإلقاؤه في النار أيضا غير مشكل وأهل الظاهر لعلهم يقولون: إنه يلقى من غير تعذيب، وبتقديره لا محذور أيضا فيه لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء،
وقد ورد في بعض الأخبار أنه تعالى يخلق خلقا حين قول جهنم: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: ٣٠] فيضعهم فيها
ومع هذا وتسليم صحة الخبر لا بد من القول باستثناء بعض الغلول عن الإلقاء إذ قد يكون الغلول مصحفا ولا أظن أحدا يتجاسر على القول بإلقائه ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي تعطى كل نفس مكلفة جزاء ما عملت من خير أو شر تاما وافيا، ففي الكلام مضاف محذوف أو أنه أقيم المكسوب مقام جزائه، وفي تعليق التوفية بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال الغال عند إتيانه بما غل يوم
стр. 878
القيامة من الدلالة على فخامة شأن اليوم والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا يخفى فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله لا ينقص منه شىء وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى، وهذا سبب العدول عما يقتضيه الظاهر من نحو ثم يوفى ما كسب لأنه اللائق بما قبله وقيل: يحتمل أن يكون المراد ثم توفى منه كل نفس لها حق في تلك الغنيمة ما كسبت من نقصان حقها من غله فحينئذ يكون النظم على مقتضى الظاهر وكلمة ثُمَّ للتفاوت بين حمله ما غل وبين جزائه، أو للتراخي الزماني أي بعد حمله ما غله بمدة مديدة وجعله منتظرا فيما بين الناس مفتضحا حاملا ما غله توفى منه كل نفس، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال مما يصان عنه كلام الملك المتعال، فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه هو القول الأول المتضمن لنكتة العدول وأمر ثُمَّ عليه ظاهر سواء جعلت للتراخي الزماني، أو التراخي الرتبي.
أما الأول فلأن الإتيان بما غل عند قيامه من القبر على ما هو الظاهر والجزاء بعد ذلك بكثير.
وأما الثاني فلأن جزاء الغال وعقوبته أشدّ فظاعة من حمل ما غله والفضيحة به بل لا يبعد أن يكون ذلك الحمل كالعلاوة على الحمل بل يكاد أن يكون نعيما بالنسبة إلى ما يلقى بعد، والجملة على كل تقدير معطوفة على الجملة الشرطية وَهُمْ أي كل الناس المدلول عليهم بكل نفس لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص بمقتضى الحكمة والعدل ثواب مطيعهم ولا يزاد عقاب عاصيهم أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه كَمَنْ باءَ أي رجع بِسَخَطٍ أي غضب عظيم جدا وهو بفتحتين مصدر قياسي، ويقال: بضم فسكون وهو غير مقيس والجار متعلق بالفعل قبله، وجوز أن يكون حالا فيتعلق بمحذوف أي رجع مصاحبا لسخط. مِنَ اللَّهِ أي كائن منه تعالى.
وفي المراد من الآية أقوال: أحدها أن المعنى أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ تعالى في العمل بالطاعة كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ منه سبحانه في العمل بالمعصية- وهو المروي عن ابن إسحاق- ثانيها أن معناه أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ في ترك الغلول كالنبي ومن يسير بسيرته كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ تعالى بفعل الغلول، وروي ذلك عن الحسن والضحاك واختاره الطبري لأنه أوفق بالمقام، ثالثها أن المراد أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ تعالى بالجهاد في سبيله كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ منه ﷻ في الفرار عنه، ونقل ذلك عن الجبائي والزجاج، قيل: وهو المطابق لما
حكي في سبب النزول أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين واتبعه المؤمنون فأنزل الله تعالى هذه الآية-
وفيه بعد- وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لما مر غير مرة وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ أي مصيره ذلك، وفي الجملة احتمالان، الأول أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان حال من باء بسخط ويفهم من مقابله أن من اتبع الرضوان كان مأواه الجنة ولم يذكر ذلك ليكون أبلغ في الزجر، وقيل: لم يذكر مع الرضوان الجنة لأن رضوان الله تعالى أكبر وهو مستلزم لكل نعيم وكون السخط مستلزما لكل عقاب فيقتضي أن تذكر معه جهنم في حيز المنع لسبق الجمال الجلال فافهم، والثاني أنها داخلة في حيز الموصول فتكون معطوفة على باءَ بِسَخَطٍ عطف الصلة الاسمية على الصلة الفعلية، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إما تذييل، أو اعتراض، أو معطوف على الصلة بتقدير، ويقال: في حقهم ذلك، وأيّا ما كان فالمخصوص بالذم محذوف أي جهنم، والْمَصِيرُ اسم مكان، ويحتمل المصدرية وفرقوا بينه وبين المرجع بأن المصير يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم لما كان عليه في الدنيا لأن الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفا، والمرجع انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها كقولك: مرجع ابن آدم إلى التراب، وأما قولهم مرجع
стр. 879
العباد إلى الله تعالى فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئا كما كان قبل ما ملكوا هُمْ عائد على الموصولين باعتبار المعنى وهو مبتدأ، وقوله تعالى: دَرَجاتٌ خبره والمراد هم متفاوتون إطلاقا للملزوم على اللازم، أو شبههم بالدرج في تفاوتهم علوا وسفلا على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيها بليغا بحذف الأداة، وقيل: إن الكلام على حذف مضاف ولا تشبيه أي هُمْ ذوو درجات أي منازل، أو أحوال متفاوتة، وهذا معنى قول مجاهد والسدي: لهم درجات، وذهب بعضهم أن في الآية حينئذ تغليب الدرجات على الدركات إذ الأول للأول، والثاني للثاني عِنْدَ اللَّهِ أي في علمه وحكمه، والظرف متعلق بدرجات على المعنى، أو بمحذوف وقع صفة لها.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم بحسبها- والبصير- كما قال حجة الإسلام هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضا منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان، فإن ذلك من التغيير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه تعالى عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما نفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات انتهى، ويفهم منه أن البصر صفة زائدة على العلم- وهو الذي ذهب إليه الجمهور منا، ومن المعتزلة والكرامية قالوا: لأنا إذا علمنا شيئا علما جليا ثم أبصرناه نجد فرقا بين الحالتين بالبديهة، وإن في الحالة الثانية حالة زائدة هي الإبصار.
وقال الفلاسفة والكعبي وأبو الحسين البصري والغزالي عند بعض وادعى أن كلامه هذا مشير إليه أن بصره تعالى عبارة عن علمه تعالى بالمبصرات، ومثل هذا الخلاف في السمع، والحق أنهما زائدان على صفة العلم وأنهما لا يكيفان ولا يحدّان والإقرار بهما واجب كما وصف بهما سبحانه نفسه، وإلى ذلك ذهب السلف الصالح وإليه ينشرح الصدر لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ أي أنعم وتفضل، وأصل المنّ القطع وسميت النعمة منة لأنه يقطع بها عن البلية وكذا الاعتداد بالصنيعة منا لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لقد منّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي من قومه أو من العرب مطلقا أو من الأنس- وخير الثلاثة الوسط- وإليه ذهبت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقد أخرج البيهقي وغيره عنها أنها قالت هذه للعرب خاصة- والأول خير من الثالث- وأيّا ما كان فالمراد بهم على ما قال الأجهوري: المؤمنون من هؤلاء في علم الله تعالى أو الذين آل أمرهم إلى الإيمان إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ أي بينهم رَسُولًا عظيم القدر جليل الشأن مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي من نسبهم، أو من جنسهم عربيا مثلهم أو من بني آدم لا ملكا ولا جنيا وإِذْ ظرف- لمن- وهو وإن كان بمعنى الوقت لكن وقع في معرض التعليل كما نص عليه معظم المحققين، والجار إما متعلق ب «بعث» أو بمحذوف وقع صفة- لرسولا- والامتنان بذلك إما لحصول الأنس بكونه من الإنس فيسهل التلقي منه وتزول الوحشة والنفرة الطبيعية التي بين الجنسين المختلفين، وإما ليفهموا كلامه بسهولة ويفتخروا على سائر أصناف نوع بني آدم، وإما ليفهموا ويفتخروا ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فيكون ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به صلى الله تعالى عليه وسلم، وتخصيص المؤمنين بالامتنان مع عموم نعمة البعثة كما يدل عليه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] لمزيد انتفاعهم على اختلاف الأقوال فيهم بها، ونظير ذلك قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] وقرئ- «لمن منّ الله» - بمن الجارة ومنّ المشددة النون على أنه خبر لمبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه وحذف لقيام الدلالة، وجوز الزمخشري أن تكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما بمعنى لمن منّ الله تعالى على المؤمنين وقت
стр. 880
بعثه، ولا يخفى عليك أن هذا يقتضي أن تكون إِذْ مبتدأ والجار والمجرور خبرا «وقد اعترض ذلك» بأنه لم يعلم أن أحدا من النحويين قال بوقوع إِذْ كذلك، وما في المثال إذا لا إذ، وهي أيضا فيه ليست مبتدأ أصلا، وإنما جوزوا فيها وجهين: النصب على أن الخبر محذوف وهي سادّة مسدّه. والرفع على أنها هي الخبر، وعلى الأول يكون الكلام من باب جد جده لأن الأمير أخطب في حال القيام لا كونه، وعلى الثاني من باب نهاره صائم والوجه الأول هو المشهور، وجوز الثاني عبد القاهر تمسكا بقول بعضهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة بالرفع فكأن الزمخشري قاس إذ على إذا والمبتدأ على الخبر.
وانتصر بعضهم للزمخشري، بأنه قد صرح جماعة من محققي النحاة بخروج إذ عن الظرفية فتكون مفعولا به، وبدلا من المفعول وهذا في قوة تصريحهم بوقوعها مبتدأ وخبرا مثلا إذ هو قول بتصرفها، ومتى قيل به كانت جميع الأحوال مستوية في جواز الإقدام عليها من غير تفرقة بين حال وحال إلا لمانع يمنع من ذلك الحال فيها وفي غيرها من سائر الأسماء وهو أمر آخر وراء ما نحن فيه، نعم حكى الشلوبين في شرح الجزولية عن بعضهم أن مأخذ التصرف في الظروف هو السماع فإن كان هذا حكم أصل التصرف فقط دون أنواعه ارتفع الغبار عما قاله الزمخشري بناء على ما ذكرنا بلا خفاء وإن كان حكم الأنواع أيضا كذلك فلا يقدم على الفاعلية بمجرد ثبوت المفعولية ولا على الابتدائية بمجرد ثبوت الخبرية مثلا إلا بورود سماع في ذلك، ففي صحة كلام الزمخشري تردد بيّن لأن مجرد تصريحهم حينئذ بوقوع إِذْ مفعولا وبدلا وبوقوع إذا خبرا مثلا لا يجدي نفعا لجواز ورود السماع بذلك دون غيره كما لا يخفى، وفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم مِنْ أَنْفُسِهِمْ بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه ﷺ من أشرف القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن.
وقد سئل الشيخ ولي الدين العراقي هل العلم بكونه ﷺ بشرا ومن العرب شرط في صحة الإيمان أو من فروض الكفاية؟ فأجاب بأنه شرط في صحة الإيمان، ثم قال: فلو قال شخص: أو من برسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جميع الخلق لكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة أو من الجن، أولا أدري هل هو من العرب أو العجم؟ فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفا عن سلف وصار معلوما بالضرورة عند الخاص والعام- ولا أعلم في ذلك خلافا- فلو كان غبيا لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره انتهى، وهل يقاس اعتقاد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم من أشرف القبائل والبطون على ذلك فيجب ذلك في صحة الإسلام أو لا يقاس فحينئذ يصح إيمان من لم يعرف ذلك لكنه منزه تلك الساحة العلية عن كل وصمة؟ فيه تأمل، والظاهر الثاني وهو الأوفق بعوام المؤمنين.
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ إما صفة أو حال أو مستأنفة وفيه بعد أي يتلو عليهم ما يوحى إليه من القرآن بعد ما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي أو بعد ما كان بعضهم كذلك وبعضهم متشوفا متشوقا إليه حيث أخبر كتابه الذي بيده بنزوله وبشر به وَيُزَكِّيهِمْ أي يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية، أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة كالاعتقادات التي كان عليها مشركو العرب وأهل الكتابين، أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين، أو يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها قاله الفراء- ولا يخفى بعده ومثله القريب إليه وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ قد تقدم الكلام في ذلك.
وهذا التعليم معطوف على ما قبله مترتب على التلاوة وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة
стр. 881
للإيذان بأن كل واحد من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في قوله تعالى: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة: ١٢٩] لتبادر إلى الفهم عدّ الجميع نعمة واحدة وهو السر في التعبير عن القرآن- بالآيات- تارة- وبالكتاب والحكمة- أخرى رمزا إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة قاله مولانا شيخ الإسلام، وقد يقال: المراد من تلاوة الآيات تلاوة ما يوحى إليه صلى الله تعالى عليه وسلم من الآيات الدالة على التوحيد والنبوة ومن التزكية الدعاء إلى الكلمة الطيبة المتضمنة للشهادة لله تعالى بالتوحيد ولنبيه ﵊ بالرسالة، وبتعليم الكتاب تعليم ألفاظ القرآن وكيفية أدائه ليتهيأ لهم بذلك إقامة عماد الدين، وبتعليم الحكمة الإيقاف على الأسرار المخبوءة في خزائن كلام الله تعالى، وحينئذ أمر ترتيب هذه المتعاطفات ظاهر إذ حاصل ذل كأنه صلى الله تعالى عليه وسلم يمهد سبل التوحيد ويدعو إليه ويعلم ما يلزم بعد التلبس به ويزيد على الزبد شهدا فتقديم التلاوة لأنها من باب التمهيد ثم التزكية لأنها بعده وهي أول أمر يحصل منه صفة يتلبس بها المؤمنون وهي من قبيل التخلية المقدمة على التحلية لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ثم التعليم لأنه إنما يحتاج إليه بعد الإيمان، بقي أمر تقديم التعليم على التزكية في آية البقرة ولعله كان إيذانا بشرافة التحلية كما أشرنا إليه هناك فتأمل وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعثة الرسول لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر وَإِنْ هي المخففة واللام هي الفارقة، والمعنى إن الشأن كانوا من قبل إلخ.
وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وذكر مثله مكي إلا أنه قال: التقدير وأنهم كانوا من قبل فجعل اسمها ضميرا عائدا على المؤمنين، قال أبو حيان: وكلا الوجهين لا نعرف نحويا ذهب إليه وإنما تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنك إذا قلت: إن زيدا قائم ثم خففت. فمذهب البصريين فيها وجهان: أحدهما جواز الأعمال ويكون حالها وهي مخففة كحالها وهي مشددة- إلا أنها لا تعمل في مضمر، ومنع ذلك الكوفيون- وهم محجوبون بالسماع الثابت من لسان العرب- والوجه الثاني وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل لا في ظاهر ولا مضمر لا ملفوظ ولا مقدر البتة فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر ولزمت اللام في ثاني مصحوبيها إن لم ينف، وفي أولهما إن تأخر، فتقول: إن زيد لقائم ومدلوله مدلول إن زيدا قائم، وإن وليها جملة فعلية فلا بد عند البصريين أن تكون من نواسخ الابتداء، وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهورهم.
وأجاب الحلبي عمن قدر الشأن بأنه تفسير معنى لا بيان إعراب، وقال عصام الملة: إن الشأن لم يرد تقدير ضمير الشأن بل جعل الجملة حالا بتأويل القصة ذلك لئلا يختلف زمان الحال والعامل فإن زمان الكون في ضلال مبين قبل زمان التعليم لكن كون القصة ذلك مستمر، ثم قال: وهذا تأويل شائع مشهور في الحال الذي يتقدم زمان تحققه زمان تحقق العامل فاحفظه ولا تلفظه انتهى، وأنت تعلم أن ما ذكره الحلبي خلاف الظاهر، وكلام عصام الملة منظور فيه لأن المناسب لما ذكره على تقدير تعينه تقدير الشأن قبل- أن- لا بعدها كما لا يخفى، وجوز بعضهم كون الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والأكثرون على الحالية، وعلى التقديرين فهي مبينة لكمال النعمة وتمامها، وقوله تعالى:
стр. 882
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا كلام مبتدأ مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة إثر إبطال بعض آخر، والهمزة للتقريع والتقرير، والواو عاطفة لمدخولها على محذوف قبلها، ولَمَّا ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما بعدها مستعملة في الشرط- كما ذهب إليه الفارسي- وهو الصحيح عند جمع من المحققين وناصبها قُلْتُمْ وهو الجزاء قَدْ أَصَبْتُمْ في محل الرفع على أنه صفة- لمصيبة- وجعله في محل نصب على الحال يحتاج إلى تكلف مستغنى عنه، والمراد بالمصيبة ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم- وبمثليها- ما أصاب المشركين يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين، وجعل ذلك مثلين يجعل الأسر كالقتل أو لأنهم كانوا قادرين على القتل وكان مرضي الله تعالى فعدمه كان من عندهم فتركه مع القدرة لا ينافي الإصابة.
وقيل: المراد بالمثلين المثلان في الهزيمة لا في عدد القتلى وذلك لأن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضا يوم أحد أول الأمر، وعليه يكون المراد بالمصيبة هزيمة الكفار للمسلمين بعد أن فارقوا المركز، وأَنَّى هذا جملة اسمية مقدمة الخبر، والمعنى من أين هذا لا كيف هذا لدلالة الجواب مفعول القول، وقيل: أَنَّى منصوبة على الظرفية- لأصابنا- المقدر، وهذا فاعل له، والجملة مقول قلتم، وتوسيط الظرف وما يتعلق به بينه وبين الهمزة مع أنه المقصود إنكاره والمعطوف بالواو حقيقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع فإن فعل القبيح في غير وقته أقبح والإنكار على فاعله أدخل، والمعنى أحين نالكم من المشركين نصف ما قد نالهم منكم قبل ذلك رجعتم وقلتم من أين هذا ونحن مسلمون نقاتل غضبا لله تعالى وفينا رسوله، وهؤلاء مشركون أعداء الله تعالى ورسوله ﷺ أو قد وعدنا الله تعالى النصر؟ - وإليه ذهب الجبائي- وهذا على تقدير توجيه الإنكار والتقريع إلى صدور ذلك القول عنهم
стр. 883
في ذلك الوقت خاصة بناء على عدم كونه مظنة له داعيا إليه بل على كونه داعيا إلى عدمه فإن كون مصيبة عدوهم مثلي مصيبتهم مما يهون الخطب ويورث السلوة، أو أفعلتم ما فعلتم من الفشل والتنازع أو الخروج من المدينة والإلحاح على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولما أصابتكم غائلة ذلك قلتم أَنَّى هذا وهذا على تقدير توجيه الإنكار لاستبعادهم الحادثة مع مباشرتهم لسببها، وجوز أن يكون المعطوف عليه القول إشارة إلى أن قولهم كان غير واحد بل قالوا أقوالا لا ينبغي أن يقولوها.
وذهب جماعة إلى أن المعطوف عليه ما مضى من قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [آل عمران: ١٥٢] إلى هنا وللتعلق بقصة واحدة لم يتخلل بينهما أجنبي ليكون القول بذلك بعيدا كما ادعاه أبو حيان، والهمزة حينئذ متخللة بين المتعاطفين للتقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار والتقريع على مضمون المعطوف والمعنى أكان من الله تعالى الوعد بالنصر بشرط الصبر والتقوى فحين فشلتم وتنازعتم وعصيتم وأصابكم الله تعالى بما أصابكم قُلْتُمْ أَنَّى هذا.
والجمهور على أن الهمزة مقدمة من تأخير، والواو أصلها التقديم، وهو مذهب سيبويه وغيره، والجملة الاستفهامية معطوفة على ما قبلها واختار هذا في البحر، وإسناد الإصابة إلى المصيبة مجاز وإلى المخاطبين حقيقة ولم يؤت بالإسنادين من باب واحد زيادة في التقريع، وتذكير اسم الإشارة في أَنَّى هذا مراعاة لمعنى المصيبة المشار إليها وهو المشهور أو لما أن إشارتهم ليست إلا لما شاهدوه في المعركة من حيث هو هو من غير أن يخطر ببالهم تسميته باسم ما فضلا عن تسميته باسم المصيبة، وإنما هي عند الحكاية وفي الآية على ما قيل: جواب ضمني عن استبعادهم تلك الإصابة، يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة فإذا أصبتم منهم مثل ما أصابوا منكم وزيادة فما وجه الاستبعاد، لكن صرح بجواب آخر يبرئ العليل ويشفي الغليل وتطأطئ منه الرؤوس فقال سبحانه: قُلْ يا محمد في جواب سؤالهم الفاسد هُوَ أي هذا الذي أصابكم كائن مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي أنها السبب له حيث خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بتركهم المركز وحرصوا على الغنيمة فعاقبهم الله تعالى بذلك- قاله عكرمة- أو حيث إنكم قد اخترتم قبل أن يقتل منكم سبعون في مقابلة الفداء الذي أخذتموه من أسارى بدر، وعزي هذا إلى الحسن، ويدل عليه ما
أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي، وآخرون عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله تعالى قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وإما أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس ذلك ما نكره فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر، أو حيث اخترتم الخروج من المدينة ولم تبقوا حتى تقاتلوا المشركين فيها قاله الربيع وغيره.
وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون: «إنا في جنة حصينة- يعني بذلك المدينة- فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له ناس من الأنصار: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة وقد كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية فبالإسلام أحق أن نمتنع فابرز بنا إلى القوم فانطلق فلبس لأمته فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله ﷺ بأمر وعرضتم بغيره اذهب يا حمزة فقل له: أمرنا لأمرك تبع فأتى حمزة فقال له: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز وأنه سيكون فيكم مصيبة قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة؟ قال: سترونها»
واعترض هذا القول بأنه يأباه أن الوعد بالنصر كان بعد اختيار الخروج وأن عمل النبي
стр. 884
صلّى الله عليه وسلم بموجبه قد رفع الخطر عنه وخفف جنايتهم فيه على أن اختيار الخروج والإصرار عليه كان بمن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ، وأين هم من التفوه بمثل هذه الكلمة؟ وأجيب بأن الإباء المذكور في حيز المنع كيف والنصر الموعود كان مشروطا بما يعلم الله تعالى عدم حصوله، وبأن النبي ﷺ وإن كان قد عمل بموجبه لكن لم تكن نفسه الكريمة ﷺ منبسطة لذلك ولا قلبه الشريف مائلا إليه وكأن سهام الأقدار نفذت حين خالفوا رأيه السامي وعدلوا عن الورود من عذب بحر عقله الطامي كما يرشدك إلى ذلك
قوله ﵊ بعد أن لبس لأمّته: «وإنه سيكون فيكم مصيبة»
وقوله في جواب الاستفهام عنها: «خاصة أو عامة» ؟ «سترونها» فإن ذلك كالصريح في عدم الرضا والفصيح في استيجاب ذلك الاختيار نزول القضاء، وبأن الخطاب في قوله تعالى: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ليس نصا في أن المتسببين هم المتفوهون بتلك الكلمة ليضر استشهاد المختارين للخروج في المقصود لجواز أن يكون من قبيل قولك لقبيلة: أنتم قتلتم فلانا والقاتل منهم أناس مخصوصون لم يوجدوا وقت الخطاب، ومثل ذلك كثير في المحاورات على أن كون مصيبة المتفوهين هي قتل أولئك المستشهدين نص في التأسف عليهم فيناسبه التعريض بهم بنسبة القصور إليهم ليهون هذا التأسف وليعلموا أن شؤم الانحراف عن سمت إرادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعم الكبير والصغير بل ربما يقال: إن استشهاد أولئك المصرين شاهد على أنهم هم الذين كانوا سببا في تلك المصيبة ولهذا استشهدوا ليذهبوا إلى ربهم على أحسن حال.
هذا ولا يخفى أن هذا الجواب لا يخلو عن تكلف وكأن الداعي إليه أن الذاهبين إلى تفسير مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بالخروج من المدينة وتبعية أبي سفيان وقومه جماعة أجلاء يبعد نسبة الغلط إليهم، فقد أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن وابن جريج، وأخرجه ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس فتدبر إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن جملته النصر عند الموافقة والخذلان عند المخالفة، وحيث خالفتم أصابكم سبحانه بما أصابكم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها داخل تحت الأمر، وقيل: المراد منها تطييب أنفسهم ومزج مرارة التقريع بحلاوة الوعد أي إنه سبحانه قادر على نصرتكم بعد لأنه على كل شيء قدير فلا تيأسوا من روح الله واعتناء بشأن التطييب وإرشادا لهم إلى حقيقة الحال فيما سألوا عنه وبيانا لبعض ما فيه من الحكم ورفعا لما عسى أن يتوهم من الجواب من استقلالهم في وقوع الحادثة رجع إلى خطابهم برفع الواسطة وجواب سؤالهم بأبسط عبارة فقال سبحانه: وَما أَصابَكُمْ أيها المؤمنون من النكبة بقتل من قتل منكم يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي جمعكم وجمع أعدائكم المشركين، والمراد بذلك اليوم يوم أحد، وقول بعضهم- لا يبعد أن يراد به يوم أحد، ويوم بدر- بعيد جدا فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي بإرادته، وقيل: بتخليته وَما اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء، وجملة أَصابَكُمْ صلته- وبإذن الله- خبره.
والمراد بإذن الله يكون ويحصل، ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط، ووجه السببية ليس بظاهر إذ الإصابة ليست سببا للإرادة ولا للتخلية بل الأمر بالعكس فهو من قبيل وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] أي ذلك سبب للإخبار بكونه من الله لأن قيد الأوامر قد يكون للمطلوب وقد يكون للطالب وكذا الإخبار، وإلى هذا ذهب كثير من المحققين، وادعى السمين أن في الكلام إضمارا أي فهو بإذن الله، ودخول الفاء لما تقدم ثم قال: وهذا مشكل على ما قرره الجمهور لأنه لا يجوز عندهم دخول هذه الفاء زائدة في الخبر إلا بشروط، منها أن تكون الصلة مستقبلة في المعنى وذلك لأن الفاء إنما دخلت للشبه بالشرط، والشرط إنما يكون في الاستقبال لا في الماضي، فلو قلت: الذي أتاني أمس فله درهم لم يصح، وأَصابَكُمْ هنا ماض معنى كما أنه ماض لفظا لأن القصة ماضية فكيف جاز دخول
стр. 885
هذه الفاء وأجابوا عنه بأنه يحمل على التبين أي وما يتبين إصابته إياكم فهو بإذن الله كما تأولوا إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ [يوسف ٢٧] بذلك، ثم قال: وإذا صح هذا التأويل فليجعل (ما) هنا شرطا صريحا وتكون الفاء داخلة وجوبا لكونها واقعة جوابا للشرط انتهى، ولا يخفى ما فيه وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ عطف على بإذن الله- من عطف السبب على المسبب، والمراد ليظهر للناس ويثبت لديهم إيمان المؤمن.
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا كعبد الله بن أبيّ وأصحابه، وهذا عطف على ما قبله من مثله، وإعادة الفعل إما للاعتناء بهذه العلة، أو لتشريف المؤمنين وتنزيههم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف حال العلم بحسب التعلق بالفريقين فإنه متعلق بالمؤمنين على نهج تعلقه السابق، وبالمنافقين على نهج جديد وهو السر- كما قال شيخ الإسلام- في إيراد الأولين بصيغة اسم الفاعل المنبئة عن الاستمرار والآخرين بموصول صلته فعل دال على الحدوث وَقِيلَ لَهُمْ عطف على نافقوا مؤذن بأن ذلك كان نفاقا خاصا أظهروه في ذلك المقام.
وقيل: ابتداء كلام معطوف على مجموع ما قبله عطف قصة على قصة، ووجهه أنه جل شأنه لما ذكر أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم فيما تقدم من الآيات وبين أن الدائرة إنما كانت للابتلاء وليتميز المؤمنون عن المنافقين وليعلم كل واحد من الفريقين أن ما قدره الله تعالى من إصابة المؤمنين كائن لا محالة أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام مستطردة، وجيء بالواو لأنها ملائمة لأصل الكلام، والنفاق على هذا مطلق متعارف، وجوز أن يكون كلاما مبتدأ على سبيل الاعتراض للتنبيه على كيفية ظهور نفاقهم، أو عدم ثباتهم على الإيمان.
وعلى كل تقدير القائل إما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- وإليه ذهب الأصم- وإما عبد الله بن عمرو ابن حرام من بني سلمة- وإليه ذهب الأكثر- ومقول القول قوله تعالى: تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قال السدي وابن جريج: أَوِ ادْفَعُوا عنا العدو بتكثير السواد، وهو المروي عن ابن عباس، وقيل: إنهم خيروا بين أن يقاتلوا للآخرة أو لدفع الكفار عن أنفسهم وأموالهم أو بين الأول وبين دفع المؤمنين عن ذلك كأنه قيل: قاتلوا لله تعالى أو للنفاق الدافع عن أنفسكم وأموالكم، وترك العاطف الفاء أو الواو بين تَعالَوْا وقاتِلُوا لما أن المقصود بهما واحد وهو الثاني، وذكر الأول توطئة له وترغيبا فيه لما فيه من الدلالة على التظاهر والتعاون، وقيل: ترك العاطف للإشارة إلى أن كل واحد من الجملتين مقصود بنفسه، وقيل: الأمر الثاني حال ولا يخفى بعده قالُوا استئناف بياني كأنه قيل فما صنعوا حين قيل لهم ذلك؟ فقيل قالوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ أي لو كنا نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن شهاب، وقيل: أرادوا إنا لا نحسن القتال ولا نقدر عليه لأن العلم بالفعل الاختياري من لوازم القدرة عليه فعبر بنفيه عن نفيها، ويحتمل أنهم جعلوا نفي علم القتال كناية عن أن ما هم فيه ليس قتالا بناء على نفي العلم بنفي المعلوم لأن القتال يستدعي التكافؤ من الجانبين مع رجاء مدافعة أو مغالبة ومتى لم يتحقق ذلك كان إلقاء الأنفس إلى التهلكة، ومن الناس من جوز أن يكون المراد لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا في سبيل الله لاتبعناكم أو لو تعلم قتالا معنا لاتبعناكم لكن ليس للمخالف معنا مضادة ولا قصد له إلا معكم، ولا يخفى أن هذا الكلام على جميع تقاديره يصلح وقوعه جوابا لما قيل لهم على جميع تقاديره ما عدا الأول، وعلى الأول يصلح هذا جوابا له على جميع تقاديره ما عدا الثاني إذ عدم المعرفة بالقتال لا يكون عذرا في عدم تكثير السواد إلا على بعد ومن كلامهم:
إن لم تقاتل يا جبان فشجع والمراد بالاتباع إما الذهاب للقتال ولم يعبروا به لأن ألسنتهم لكمال تثبط قلوبهم عنه لا تساعدهم على
стр. 886
الإفصاح به، وأما الذهاب مع المؤمنين مطلقا سواء كان للقتال أو للدفع وتكثير السواد وحمله على امتثال الأمر أي لو كنا نعلم قتالا لامتثلنا أمركم لا يخلو عن بعد.
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أي هم يوم إذ قالوا لَوْ نَعْلَمُ إلخ أقرب للكفر منهم قبل ذلك لظهور أمارته عليهم بانخذالهم عن نصرة المؤمنين واعتذارهم لهم على وجه الدغل والاستهزاء.
والظروف كلها في المشهور عند المعربين متعلقة- بأقرب- ومن قواعدهم أنه لا يتعلق حرفا جر أو ظرفان بمعنى بمتعلق واحد إلا في ثلاث صور: إحداها أن يتعلق أحدهما به مطلقا ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأول، وثانيتها أن يكون الثاني تابعا للأول ببدلية ونحوها، وثالثتها أن يكون المتعلق أفعل تفضيل لتضمنه الفاضل والمفضول الذي يجعله بمنزلة تعدد المتعلق كما في المقيد والمطلق، وما نحن فيه من هذا القبيل كأنه قيل قربهم من الكفر يزيد على قربهم من الإيمان، واللام الجارة في الموضعين بمعنى إلى بناء على ما قيل: إن صلة القرب تكون من وإلى لا غير، تقول: قرب منه وإليه، ولا تقول له، أو على حالها بناء على ما في الدر المصون أن القرب الذي هو ضد البعد يتعدى بثلاثة أحرف اللام وإلى ومن، وقيل: إن أَقْرَبُ هنا من القرب بفتح الراء وهو طلب الماء ومنه القارب لسفينته، وليلة القرب أي الورود، والمعنى هم أطلب للكفر وحينئذ يتعدى باللام اتفاقا.
وزعم بعضهم أن اللام هنا للتعليل والتقدير هم لأجل كفرهم يومئذ أَقْرَبُ من الكافرين منهم من المؤمنين لأجل إيمانهم، ولا ينبغي أن يخرج كلام الله تعالى عليه لمزيد بعده وركاكة نظمه لو صرح بما حذف فيه.
وجوز أن يقدر في الكلام مضاف وهو أهل، واللام متعلقة بتمييز محذوف وهو نصرة والمعنى هم لأهل الكفر أَقْرَبُ نصرة منهم لأهل الإيمان إذ كان انخذالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلا للمؤمنين، وهذا كما تقول:
أنا لزيد أشدّ ضربا مني لعمرو. وأنت تعلم أنه يمكن تعلق اللام بالتمييز عند عدم اعتبار حذف المضاف أيضا، وادعى الواحدي أن في الآية دليلا على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه تعالى لم يظهر القول بتكفيرهم.
وقال الحسن: إذا قال الله تعالى أَقْرَبُ فهو لليقين بأنهم مشركون ولا يخفى أن الآية كالصريح في كفرهم لكنهم مع هذا لا يستحقون أن يعاملوا بذلك معاملة الكفار ولعله لأمر آخر يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقا لا في ذلك اليوم فقط ولذا فصلت، وقيل: حال من ضمير أَقْرَبُ وتقييد القول بالأفواه إما بيان لأنه كلام لفظي لا نفسي، وإما تأكيد على حدّ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] والمراد أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون وقال شيخ الإسلام: إن ذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم وإن ما عبارة عن القول والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في اللسان تارة وفي القلب أخرى، فالمثبت والمنفي متحدان ذاتا وصفة وإن اختلفا مظهرا، وإما القول الملفوظ فقط فالمنفي حينئذ منشؤه الذي لا ينفك عنه القول أصلا، وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال، والمعنى يتفوهون بقول لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلا من الأباطيل التي من جملتها ما حكي عنهم آنفا فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيء منهما، أحدهما عدم العلم بالقتال، والآخر الاتباع على تقدير العلم به وقد كذبوا فيهما كذبا بينا حيث كانوا عالمين به مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد، واختار بعضهم كون ما عبارة عن القول الملفوظ، ومعنى كونه ليس في قلوبهم أنه غير معتقد لهم ولا متصور عندهم إلا كتصور زوجية الثلاثة مثلا والحكم عام ويدخل فيه حكم ما تفوهوا به من مجموع القضية الشرطية لا خصوص المقدم فقط ولا خصوص التالي فقط ولا الأمران معا دون الهيئة الاجتماعية المعتبرة في القضية ولعل ما ذكره الشيخ أولى.
стр. 887
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ زيادة تحقيق لكفرهم ونفاقهم ببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد إثر بيان خلوهم عما يوافقها، والمراد أعلم من المؤمنين لأنه تعالى يعلمه مفصلا بعلم واجب، والمؤمنون يعلمونه مجملا بأمارات، ويجوز أن تكون الجملة حالية للتنبيه على أنهم لا ينفعهم النفاق، وأن المراد أعلم منهم لأن الله تعالى يعلم نتيجة أسرارهم وآمالهم الَّذِينَ قالُوا مرفوع على أنه بدل من واو يكتمون كأنه قيل: والله أعلم بما يكتم الذين قالوا، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم الذين، وقيل: مبتدأ خبره قل فادرؤوا بحذف العائد أي قل لهم إلخ، أو منصوب على الذم أو على أنه نعت للذين نافقوا، أو بدل منه، أو مجرور على أنه بدل من ضمير أفواههم، أو قلوبهم، وجاء إبدال المظهر من ضمير الغيبة في كلامهم، ومنه قول الفرزدق:
على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضن بالماء حاتم
بجر حاتم بدلا من ضمير جوده لأن القوافي مجرورة، والمعنى يقولون بأفواه الذين قالوا، أو يقولون بأفواههم ما ليس في قلوب الذين قالوا، والكلام على الوجهين من باب التجريد كقوله:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا من كف من بخلا
والقائل كما قال السدي وغيره: هو عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وقد قالوا ذلك في يوم أحد لِإِخْوانِهِمْ أي لأجل إخوانهم الذين خرجوا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقتلوا في ذلك اليوم، والمراد لذوي قرابتهم أو لمن هو من جنسهم وَقَعَدُوا حال من ضمير قالُوا وقد مرادة أي قالوا وقد قعدوا عن القتال بالانخذال، وجوز أن يكون معطوفا على الصلة فيكون معترضا بين قالوا ومعمولها وهو قوله تعالى: لَوْ أَطاعُونا أي في ترك القتال ما قُتِلُوا كما لم نقتل وفيه إيذان بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا فلما خرجوا رجع عبد الله ابن أبيّ في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فلما غلبوه وقالوا له: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ قالوا له: ولئن أطعتنا لترجعن معنا فذكر الله تعالى نعي قولهم لئن أطعتنا لترجعن معنا بقوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إلخ، وبعضهم حمل القعود على ما استصوبه ابن أبيّ عند المشاورة من المقامة بالمدينة ابتداء وجعل الإطاعة عبارة عن قبول رأيه والعمل به- ولا يخلو عن شيء- بل قال مولانا شيخ الإسلام: يرده كون الجملة حالية فإنها لتعيين ما فيه العصيان والمخالفة مع أن ابن أبيّ ليس من القاعدين فيها بذلك المعنى على أن تخصيص عدم الطاعة بإخوانهم ينادي باختصاص الأمر أيضا بهم فيستحيل أن يحمل على ما خوطب به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند المشاورة قُلْ يا محمد تبكيتا لهم وإظهارا لكذبهم فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ أي فادفعوا عنها ذلك وهو جواب لشرط قد حذف لدلالة قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ عليه كما أنه شرط حذف جوابه لدلالة فَادْرَؤُا عليه، ومن جوز تقدم الجواب لم يحتج لما ذكر، ومتعلق الصدق هو ما تضمنه قولهم من أن سبب نجاتهم القعود عن القتال، والمراد أن ما ادعيتموه سبب النجاة ليس بمستقيم ولو فرض استقامته فليس بمفيد، أما الأول فلأن أسباب النجاة كثيرة غايته أن القعود والنجاة وجدا معا وهو لا يدل على السببية، وأما الثاني فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذي القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه فإن أسباب الموت في إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء، وأنفسكم أعز عليكم وأمرها أهم لديكم، وقيل: متعلق الصدق ما صرح به من قولهم: لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين، وحينئذ يكون فَادْرَؤُا إلخ استهزاء بهم أي إن كنتم رجالا دفاعين لأسباب الموت فَادْرَؤُا جميع أسبابه حتى لا تموتوا كما درأتم بزعمكم هذا السبب الخاص،
стр. 888
وفي الكشاف روي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة منهم سبعون منافقا بعدد من قتل بأحد.
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً
أخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى لنا» وفي لفظ «قالوا من يبلغ إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل هؤلاء الآيات» .
وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: لقيني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: «يا جابر ما لي أراك منكسرا فقلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودينا فقال: ألا أبشرك بما لقي الله تعالى به أباك؟ قلت: بلى قال: ما كلم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب وأحيا أباك فكلمه كفاحا وقال:
يا عبدي تمن علي أعطك قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب تعالى: قد سبق مني أنهم لا يرجعون قال: اي ربي فأبلغ من ورائي فأنزل الله تعالى هذه الآية»
ولا تنافي بين الروايتين لجواز أن يكون كلا الأمرين قد وقع، وأنزل الله تعالى الآية لهما والأخبار متضافرة على نزولها في شهداء أحد، وفي رواية ابن المنذر عن إسحاق بن أبي طلحة قال:
حدثني أنس في أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين أرسلهم النبي ﵊ إلى بئر معونة وساق الحديث بطوله- إلى أن قال- وحدثني أن الله تعالى أنزل فيهم قرآنا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمانا، فأنزل الله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ إلخ.
ومن هنا قيل: إن الآية نزلت فيهم، وأنت تعلم أن الخبر ليس نصا في ذلك، وزعم بعضهم أنها نزلت في شهداء بدر، وادعى العلامة السيوطي أن ذلك غلط، وأن آية البقرة هي النازلة فيهم، وهي كلام مستأنف مسوق إثر بيان أن الحذر لا يسمن ولا يغني لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون منه ليس مما يحذر بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون، والخطاب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو لكل من يقف على الخطاب مطلقا.
وقيل: من المنافقين الذين قالوا: «لو أطاعونا وقعدوا» وإنما عبر عن اعتقادهم بالظن لعدم الاعتداد به، وقرئ- يحسبن- بالياء التحتانية على الإسناد إلى ضمير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أو ضمير من يحسب على طرز ما ذكر في الخطاب، وقيل: إلى الذين قتلوا والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة أي- ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا.
واعترضه أبو حيان بأنه إنما يتمشى على رأي الجمهور فإنهم يجوزون هذا الحذف لكنه عندهم عزيز جدا.
ومنعه إبراهيم بن ملكون الإشبيلي البتة، وما كان ممنوعا عند بعضهم عزيزا عند الجمهور ينبغي أن لا يحمل عليه كلام الله تعالى، وفيه أن هذا من باب التعصب لأن حذف أحد المفعولين في باب الحسبان لا يمنع اختصارا على الصحيح بل اقتصارا، وما هنا من الأول فيجوز مع أنه جوز الاقتصار بعضهم ويكفي للتخريج مثله.
وذكر العلامة الطيبي أن حذف أحد المفعولين في هذا الباب مذهب الأخفش، وظاهر صنيع البعض يفهم منه تقديره مضمرا أي ولا يحسبنهم الذين قتلوا، والمراد لا يحسبن أنفسهم، واعترضه أبو حيان بشيء آخر أيضا، وهو أن فيه تقديم المضمر على مفسره وهو محصور في أماكن ليس هذا منها، ورده السفاقسي بأنه وإن لم يكن هذا منها لكن عود الضمير على الفاعل لفظا جائز لأنه مقدم معنى وتعدي أفعال القلوب إلى ضمير الفاعل جائز، وقد ظن
стр. 889
السيرافي (١) وغيره على جواز ظنه زيد منطلقا وظنهما الزيدان منطلقين، وهذا نظيره ما ذكره هذا البعض، فالاعتراض عليه في غاية الغرابة، ثم المراد من توجيه النهي إلى المقتولين تنبيه السامعين على أنهم أحقاء أن يتسلوا بذلك، ويبشروا بالحياة الأبدية والنعيم المقيم لكن لا في جميع أوقاتهم بل عند ابتداء القتل إذ بعد تبين حالهم لهم لا تبقى لاعتبار تسليتهم وتبشيرهم فائدة ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه قاله شيخ الإسلام.
وقيل: هو نهي في معنى النفي وقد ورد ذلك، وإن قل، أو هو نهي عن حسبانهم أنفسهم أمواتا في وقت ما وإن كانوا وقت الخطاب عالمين بحياتهم، وقرئ وَلا تَحْسَبَنَّ بكسر السين، وقرأ ابن عامر «قتلوا» بالتشديد لكثرة المقتولين بَلْ أَحْياءٌ أي بل هم أحياء مستمرون على ذلك، وقرئ بالنصب، وخرجه الزجاج على أنه مفعول لمحذوف أي بل أحسبهم أحياء، ورده الفارسي بأن الأمر يقين فلا يؤمر فيه بحسبان وإضمار غير فعل الحسبان كاعتقدهم أو اجعلهم ضعيف إذ لا دلالة عليه على أن تقدير اجعلهم قال فيه أبو حيان: إنه لا يصح البتة سواء جعلته بمعنى أخلقهم أو صيرهم أو سمهم أو ألفهم، نعم قال السفاقسي: يصح إذا كان بمعنى اعتقدهم لكن يبقى حديث عدم الدلالة على حاله، وأجاب الجلبي بأن عدم الدلالة اللفظية مسلم لكن إذا أرشد المعنى إلى شيء قدر من غير ضعف وإن كانت دلالة اللفظ أحسن، وقال العلامة الثاني: لا منع من الأمر بالحسبان لأنه ظن لا شك والتكليف بالظن واقع لقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] أمرا بالقياس وتحصيل الظن، وقال بعضهم: المراد اليقين ويقدر أحسبهم للمشاكلة ولا يخفى أنه تعسف لأن الحذف في المشاكلة لم يعهد عِنْدَ رَبِّهِمْ في محل رفع على أنه خبر ثان للمبتدأ المقدر، أو صفة لأحياء، أو في محل نصب على أنه حال من الضمير في أَحْياءٌ وجوز أبو البقاء كونه ظرفا له أو للفعل الذي بعده، وعِنْدَ هنا ليست للقرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في علمه وحكمه كما تقول: هذا عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه كذا لعدم مناسبته للمقام بل بمعنى القرب والشرف أي ذوو زلفى ورتبة سامية، وزعم بعضهم أن معنى في علم الله تعالى مناسب للمقام لدلالته على التحقق أي إن حيلتهم متحققة لا شبهة فيها ولا يخفى أن المقام مقام مدح فتفسير العندية بالقرب أنسب به.
وفي الكلام دلالة على التحقق من وجوه أخر وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد تكرمة لهم يُرْزَقُونَ صفة لأحياء، أو حال من الضمير فيه أو في الظرف وفيه تأكيد لكونهم أحياء وقد تقدم الكلام في حياتهم على أتم وجه، والقول بأن أرواحهم تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك وتكتسب زيادة كمال قول هابط إلى الثرى، ولا أظن القائل به قرع سمعه الروايات الصحيحة والأخبار الصريحة بل لم يذق طعم الشريعة الغراء ولا تراءى له منهج المحجة البيضاء وخبر القناديل لا ينور كلامه ولا يزيل ظلامه فلعمري إن حال الشهداء وحياتهم وراء ذلك فَرِحِينَ جوز أن يكون حالا من الضمير في يُرْزَقُونَ أو من الضمير في أَحْياءٌ أو من الضمير في الظرف، وأن يكون نصبا على المدح، أو الوصفية لأحياء في قراءة النصب ومعناه مسرورين بِما آتاهُمُ اللَّهُ بعد انتقالهم من الدنيا مِنْ فَضْلِهِ متعلق بآتاهم، ومِنْ إما للسببية أو لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المحذوف العائد على الموصول، ومِنْ للتبعيض والتقدير بما آتاهموه حال كونه كائنا بعض فضله.
والمراد بهذا المؤتى ضروب النعم التي ينالها الشهداء يوم القيامة أو بعد الشهادة أو نفس الفوز بالشهادة في سبيل الله تعالى وَيَسْتَبْشِرُونَ أي يسرون بالبشارة، وأصل الاستبشار طلب البشارة وهو الخبر السار إلا أن المعنى
стр. 890
هنا على السرور استعمالا للفظ في لازم معناه وهو استئناف أو معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون.
وجوز أن يكون التقدير وهم يستبشرون فتكون الجملة حالا من الضمير في فَرِحِينَ أو من ضمير المفعول في آتاهم وإنما احتيج إلى تقدير مبتدأ عند جعلها حالا لأن المضارع المثبت إذا كان حالا لا يقترن بالواو. بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أي بإخوانهم الذين لم يقتلوا بعد في سبيل الله تعالى فيلحقوا بهم مِنْ خَلْفِهِمْ متعلق بيلحقوا والمعنى أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم. ويجوز أن يكون حالا من فاعل يلحقوا أي لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا.
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بدل من الذين بدل اشتمال مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم أي يستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء وهو أنهم عند قتلهم في سبيل الله تعالى يفوزون كما فازوا ويحوزون من النعيم كما حازوا، وإلى هذا ذهب ابن جريج وقتادة، وقيل: إنه منصوب بنزع الخافض أي لئلا، أو بأن لا وهو معمول ليستبشرون واقع موقع المفعول من أجله أي يستبشرون بقدوم إخوانهم الباقين بعدهم إليهم لأنهم لا خوف عليهم إلخ، فالاستبشار حينئذ ليس بالأحوال.
ويؤيد هذا ما روي عن السدي أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه يبشر بذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا، فضمير، عَلَيْهِمْ وما بعده على هذا راجع إلى الذين الأول، وعلى الأول إلى الثاني، ومن الناس من فسر- الذين لم يلحقوا- بالمتخلفين في الفضل عن رتبة الشهداء وهم الغزاة الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى ولم يقتلوا بل بقوا حتى ماتوا في مضاجعهم، فإنهم وإن لم ينالوا مراتب الشهداء إلا أن لهم أيضا فضلا عظيما بحيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لمزيد فضل الجهاد، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر من الآية وإن كان فضل الغزاة وإن لم يقتلوا مما لا يتناطح فيه كبشان، وأن على كل تقدير هي المخففة واسمها ضمير الشأن وخبرها الجملة المنفية، والمعنى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيمن خلفوه من ذريتهم فإن الله تعالى يتولاهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من أموالهم لأن الله تعالى قد أجزل لهم العوض، أو لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يقدمون عليه لأن الله تعالى محص ذنوبهم بالشهادة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على مفارقة الدنيا فرحا بالآخرة، أو خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلا عن أن يخاف ويحذر وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على المفارقة، وقيل: إن كلا هذين المنفيين فيما يتعلق بالآخرة، والمعنى أنهم لا يخافون وقوع مكروه من أهوالها، ولا يحزنون من فوات محبوب من نعيمها، وهو وجه وجيه.
والمراد بيان دوام انتفاء ذلك لا بيان انتفاء دوامه كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام وقد تقدمت الإشارة إليه يَسْتَبْشِرُونَ مكرر للتأكيد وليتعلق به قوله تعالى: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ فحينئذ يكون بيانا وتفسيرا لقوله سبحانه: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لأن الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار فمن كان متقلبا في نعمة من الله تعالى وفضل منه سبحانه فلا يحزن أبدا، ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة، ويجوز أن يكون بيان ذلك النفي بمجرد قوله جل وعلا: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ من غير ضم ما بعده إليه، وقيل: الاستبشار الأول بدفع المضار ولذا قدم، والثاني بوجود المسار أو الأول لإخوانهم، والثاني لهم أنفسهم، ومن الناس من أعرب يَسْتَبْشِرُونَ بدلا من الأول ولذا لم تدخل واو العطف عليه، ومِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف وقع صفة- لنعمة- مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وجمع- الفضل والنعمة- مع أنهما كثيرا ما يعبر بهما عن معنى واحد إما للتأكيد وإما للإيذان بأن ما خصهم به سبحانه
стр. 891
ليس نعمة على قدر الكفاية من غير مضاعفة سرور ولذة، بل زائد عليها مضاعف فيها ذلك، ونظيره قوله تعالى:
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] وعطف وأن على «فضل» أو على «نعمة» وعلى التقديرين مضمون ما بعدها داخل في المستبشر به.
وقرأ الكسائي «وإن» بكسر الهمزة على أنه تذييل لمضمون ما قبله من الآيات السابقة، أو اعتراض بين التابع والمتبوع بناء على أن الموصول الآتي تابع للذين لم يلحقوا، والمراد من المؤمنين إما الشهداء والتعبير عنهم بذلك للإعلام بسمو مرتبة الإيمان وكونه مناطا لما قالوه من السعادة، وإما كافة المؤمنين، وذكرت توفية أجورهم وعدت من جملة المستبشر به على ما اقتضاه العطف بحكم الأخوة في الدين، واختار هذا الوجه كثير.
ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيدان أن هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء وقلّ ما ذكر الله تعالى فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم إلا ذكر سبحانه ما أعطى الله تعالى المؤمنين من بعدهم، وفي الآية إشعار بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة الَّذِينَ اسْتَجابُوا أي أطاعوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ بامتثال الأوامر مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ أي نالهم الجراح يوم أحد، والموصول في موضع جر صفة للمؤمنين أو في موضع نصب بإضمار أعني، أو في موضع رفع على إضمارهم، أو مبتدأ أول وخبره جملة قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ قال الطبرسي وهو الأشبه: ومِنْهُمْ حال من الضمير في أَحْسَنُوا ومِنْ للتبعيض- وإليه ذهب بعضهم- وذهب غير واحد إلى أنها للبيان، فالكلام حينئذ فيه تجريد جرد من الذين استجابوا لله والرسول المحسن المتقي، والمقصود من الجمع بين الوصفين المدح والتعليل لا التقييد لأن المستجيبين كلهم محسنون ومتقون،
قال ابن إسحاق وغيره: لما كان يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال وكانت وقعة أحد يوم السبت للنصف منه أذن مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بطلب العدو وأن لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله بن حرام فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهم فأذن له رسول الله ﷺ فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إرهابا للعدو حتى انتهى إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله تعالى عافاك فيهم، ثم ذهب ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا: أصبنا أجل أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن عليهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط وهم يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قال: ويلك ما تقول؟ قال ما أرى والله أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال: فإني أنهاك عن ذلك وو الله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من الشعر قال: وما قلت؟ قال قلت:
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
ترمي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
стр. 892
فظلت عدوا كأن الأرض مائلة ... لما سمعوا برئيس غير مخذول
وقلت: ويل ابن حرب من لقائهم ... إذا تغطمطت البطحاء بالخيل
إني نذير لأهل النبل ضاحية ... لكل آربة منهم ومعقول
من خيل أحمد لا وخشا تنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
فثنى عند ذلك أبو سفيان ومن معه ومرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قال ولم؟
قالوا: نريد الميرة قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل هذه لكم غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموه؟ قالوا: نعم قال: إذا وافيتموه فأخبروه أن قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمرّ الركب برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل،
وأخرج ابن هشام أن أبا سفيان لما أراد الرجوع إلى حرب رسول الله ﷺ قال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا فإن القوم قد جربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان فارجعوا إلى محالكم فرجعوا فلما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بحمراء الأسد أنهم هموا بالرجعة قال: والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب ثم رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وأنزل الله تعالى هذه الآيات،
وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين فقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ بدل من الَّذِينَ اسْتَجابُوا أو صفة، والمراد من الناس الأول ركب عبد قيس، ومن الثاني أبو سفيان ومن معه فأل فيهما للعهد والناس الثاني غير الأول.
وروي عن مجاهد، وقتادة، وعكرمة وغيرهم أنهم قالوا: والخبر متداخل نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك
أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ذلك بيننا وبينك إن شاء الله تعالى فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران، وقيل: بلغ عسفان فألقى الله تعالى عليه الرعب فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي (١) وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: إني وأعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق المدينة فتثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يدي سهيل بن عمرو فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: بئس الرأي رأيكم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم فو الله لا يفلت منكم أحد فكره أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي فخرج ومعه سبعون راكبا يقولون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ حتى وافى بدرا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان ومن معه من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق يريدون أنكم لم تفعلوا شيئا سوى شرب السويق ولم يلق رسول الله ﷺ أحدا من المشركين فكر راجعا إلى المدينة،
وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة، أو كعب بن مالك:
وعدنا أبا سفيان وعدا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا
стр. 893
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت دميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم الشيء الذي كان غاويا
وإني وإن عنفتموني لقائل ... فدى لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
فعلى هذا المراد من الناس الأول نعيم، وأطلق ذلك عليه كما يطلق الجمع واسم الجمع المحلى بأل الجنسية على الواحد منه مجازا كما صرحوا به، أو باعتبار أن المذيعين له كالقائلين لهم لكن في كون القائل نعيما مقال.
وقد ذكره ابن سعد في طبقاته، وذكر بعضهم أن القائلين أناس من عبد قيس فَزادَهُمْ إِيماناً الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال: أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده، أو لله تعالى، وتعقب أبو حيان الأول بأنه ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيمانا إلا النطق به لا هو في نفسه، وكذا الثالث بأنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازا فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد فيقال: مفارقة شابت باعتبار الإخبار عن الجمع، ولا يجوز مفارقة شاب باعتبار مفرقه شاب، وفي كلا التعقيبين نظر، أما الأول فقد نظر فيه الحلبي بأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان، وأما الثاني فقد نظر فيه السفاقسي بأنه لا يبعد جوازه بناء على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى من اعتبار اللفظ تارة والمعنى أخرى.
والمراد أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله تعالى وازدادوا طمأنينة وأظهروا حمية الإسلام.
واستدل بذلك من قال: إن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصانا وهذا ظاهر إن جعلت الطاعة من جملة الإيمان وأما إن جعل الإيمان نفس التصديق والاعتقاد فقد قالوا في ذلك: إن اليقين مما يزداد بالألف وكثرة التأمل وتناصر الحجج بلا ريب، ويعضد ذلك أخبار كثيرة، ومن جعل الإيمان نفس التصديق وأنكر أن يكون قابلا للزيادة والنقصان يؤول ما ورد في ذلك باعتبار المتعلق، ومنهم من يقول: إن زيادته مجاز عن زيادة ثمرته وظهور آثاره وإشراق نوره وضيائه في القلب ونقصانه على عكس ذلك، وكأن الزيادة هنا مجاز عن ظهور الحمية وعدم المبالاة بما يثبطهم، وأنت تعلم أن التأويل الأول هنا خفي جدا لأنه لم يتجدد للقوم بحسب الظاهر عند ذلك القول شيء يجب الإيمان به كوجوب صلاة أو صوم مثلا ليقال: إن زيادة إيمانهم باعتبار ذلك المتعلق وكذا التزام التأويل الثاني في الآيات والآثار التي لم تكد تتمنطق بمنطقة الحصر بعيد غاية البعد.
فالأولى القول بقبول الإيمان الزيادة والنقصان من غير تأويل، وإن قلنا: إنه نفس التصديق وكونه إذا نقص يكون ظنا أو شكا ويخرج عن كونه إيمانا وتصديقا مما لا ظن ولا شك في أنه على إطلاقه ممنوع.
نعم قد يكون التصديق بمرتبة إذا نزل عنها يخرج عن كونه تصديقا وذاك مما لا نزاع لأحد في أنه لا يقبل النقصان مع بقاء كونه تصديقا، وإلى هذا أشار بعض المحققين وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه، والدليل على أن حسب بمعنى محسب اسم فاعل وقوعه صفة للنكرة في هذا رجل حسبك مع إضافته إلى ضمير المخاطب فلولا أنه اسم فاعل وإضافته لفظية لا تفيده تعريفا كإضافة المصدر ما صح كونه صفة لرجل كذا قالوا، ومنه يعلم أن المصدر المؤول باسم الفاعل له حكمة في الإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة التي قبلها وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي الموكول إليه ففعيل بمعنى مفعول والمخصوص بالمدح محذوف هو ضميره تعالى، والظاهر عطف هذه الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية التي قبلها، والواو إما من الحكاية أو من المحكي فإن كان الأول
стр. 894
وقلنا: بجواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب لكونهما حينئذ في حكم المفردين فأمر العطف ظاهر من غير تكلف التأويل لأن الجملة المعطوف عليها في محل نصب مفعول قالُوا لكن القول بجواز هذا العطف بدون التأويل عند الجمهور ممنوع لا بد له من شاهد ولم يثبت.
وإن كان الثاني وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار مطلقا- كما ذهب إليه الصفار- أو قلنا: بجواز عطف القصة على القصة أعني عطف حاصل مضمون إحدى الجملتين على حاصل مضمون الأخرى من غير نظر إلى اللفظ- كما أشار إلى ذلك العلامة الثاني- فالأمر أيضا ظاهر، وإن قلنا: بعدم جواز ذلك- كما ذهب إليه الجمهور- فلا بد من التأويل إما في جانب المعطوف عليه أو في جانب المعطوف، والذاهبون إلى الأول قالوا: إن الجملة الأولى وإن كانت خبرية صورة لكن المقصود منها إنشاء التوكل أو الكفاية لا الإخبار بأنه تعالى كاف في نفس الأمر، والذاهبون إلى الثاني اختلفوا فمنهم من قدر قلنا أي- وقلنا نعم الوكيل.
واعترض بأنه تقدير لا ينساق الذهن إليه ولا دلالة للقرينة عليه مع أنه لا يوجد بين الأخبار بأن الله تعالى كافيهم والاخبار بأنهم قالوا- نعم الوكيل- مناسبة معتد بها يحسن بسببها العطف بينهما، ومنهم من جعل مدخول الواو معطوفا على ما قبله بتقدير المبتدأ إما مؤخرا لتناسب المعطوف عليه فإن حَسْبُنَا خبر، واللَّهُ مبتدأ بقرينة ذكره في المعطوف عليه ومجيء حذفه في الاستعمال وانتقال الذهن إليه، وإما مقدما رعاية لقرب المرجع مع ما سبق.
واعترض بأنه لا يخفى أنه بعد تقدير المبتدأ لو لم يؤول- نعم الوكيل- بمقول في حقه ذلك تكون الجملة أيضا إنشائية إذ الجملة الاسمية التي خبرها إنشاء إنشائية كما أن التي خبرها فعل فعلية بحسب المعنى كيف لا ولا فرق بين- نعم الرجل زيد، وزيد نعم الرجل- في أن مدلول كل منهما نسبة غير محتملة للصدق والكذب، وبعد التأويل لا يكون المعطوف جملة- نعم الوكيل- بل جملة متعلق خبرها- نعم الوكيل- والإشكال إنما هو في عطف- نعم الوكيل- إلا أن يقال يختار هذا، ويقال: الجواب عن شيء قد يكون بتقرير ذلك الشيء وإبداء شيء آخر وقد يكون بتغيير ذلك الشيء، وما هاهنا من الثاني فمن حيث الظاهر المعطوف هو جملة- نعم الوكيل- فيعود الإشكال، ومن حيث الحقيقة هو جملة هو مقول فلا إشكال لكن يرد أنه بعد التأويل يفوت إنشاء المدح العام الذي وضع أفعال المدح له بل يصير للإخبار بالمدح الخاص، وهو أنه مقول في حقه- نعم الوكيل- وأيضا مقولية المقول المذكور فيه إنما تكون بطريق الحمل والإخبار عنه- بنعم الوكيل- فلا بد من تقدير مقول في حقه مرة أخرى، ويلزم تقديرات غير متناهية وكأنه لهذا لم يؤول الجمهور الإنشاء الواقع خبرا بذلك وإنما هو مختار السعد رحمه الله تعالى، وقد جوز بعضهم على تقدير كون الواو من المحكي عطف- نعم الوكيل- على حَسْبُنَا باعتبار كونه في معنى الفعل كما عطف جَعَلَ على فالِقُ في قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [الأنعام: ٦٩] على رأي فحينئذ يكون من عطف الجملة التي لها محل من الإعراب على المفرد لأنه إذ ذاك خبر عن المفرد، وبعض المحققين يجوزون ذلك لا من عطف الإنشاء على الاخبار- وهذا وإن كان في الحقيقة لا غبار عليه- إلا أن أمر العطف على الخبر بناء على ما ذكره الشيخ الرضي من أن نعم الرجل بمعنى المفرد وتقديره أي رجل جيد- أظهر كما لا يخفى، ومن الناس من ادعى أن الآية شاهد على جواز عطف الإنشاء على الاخبار فيما له محل من الإعراب بناء على أن الواو من الحكاية لا غير.
ولا يخفى عليك أنه بعد تسليم كون الواو كذلك فيها لا تصلح شاهدا على ما ذكر لجواز أن يكون قالُوا مقدرا في المعطوف بقرينة ذكره في المعطوف عليه فيكون من عطف الجملة الفعلية الخبرية، على الجملة الفعلية الخبرية، ثم إن الظاهر كما يقتضي أن يكون في الآية عطف على الاخبار- وفيه الخلاف الذي عرفت كذلك يقتضي عطف الفعلية على الاسمية- وفيه أيضا خلاف مشهور كعكسه- ومما ذكرنا في أمر الإنشاء والاخبار يستخرج
стр. 895
الجواب عن ذلك، وقد أطال العلماء الكلام في هذا المقام وما ذكرناه قليل من كثير ووشل من غدير، ثم إن هذه الكلمة كانت آخر قول إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار كما أخرجه البخاري في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد الرزاق وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ،
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل.
وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف»
فَانْقَلَبُوا عطف على مقدر دل عليه السياق أي فخرجوا إليهم ورجعوا بِنِعْمَةٍ في موضع الحال من الضمير في- انقلبوا- وجوز أن يكون مفعولا به، والباء على الأول للتعدية، وعلى الثاني للمصاحبة، والتنوين على التقديرين للتفخيم أي بِنِعْمَةٍ عظيمة لا يقدر قدرها مِنَ اللَّهِ صفة لنعمة مؤكدة لفخامتها، والمراد منها السلامة- كما قاله ابن عباس- أو الثبات على الإيمان وطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ كما قاله الزجاج- أو إذلالهم أعداء الله تعالى على بعد كما قيل، أو مجموع هذه الأمور على ما نقول وَفَضْلٍ وهو الربح في التجارة،
فقد روى البيهقي عن ابن عباس أن عيرا مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فربح مالا فقسمه بين أصحابه فذلك الفضل.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أعطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين خرج في غزوة بدر الصغرى ببدر أصحابه دراهم ابتاعوا بها في الموسم فأصابوا تجارة
وعن مجاهد الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ أي لم يصبهم قتل- وهو المروي عن السدي- أو لم يؤذهم أحد- وهو المروي عن الحبر- والجملة في موضع النصب على الحال من فاعل- انقلبوا- أو من المستكن في بِنِعْمَةٍ إذا كان حالا والمعنى فَانْقَلَبُوا منعمين مبرئين من السوء، والجملة الحالية إذا كان فعلها مضارعا منفيا بلم، وفيها ضمير ذي الحال جاز فيها دخول الواو وعدمه وَاتَّبَعُوا عطف على- انقلبوا- وقيل: حال من ضميره بتقدير قد أي وقد اتبعوا في كل حال ما أوتوا، أو في الخروج إلى لقاء العدو رِضْوانَ اللَّهِ الذي هو مناط كل خير وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ حيث تفضل عليهم بما تفضل وفيما تقدم مع تذييله بهذه الآية المشتملة على الاسم الكريم الجامع وإسناد ذُو فَضْلٍ إليه ووصف الفضل بالعظم إيذان بأن المتخلفين فوتوا على أنفسهم أمرا عظيما لا يكتنه كنهه وهم أحقاء بأن يتحسروا عليه تحسرا ليس بعده إِنَّما ذلِكُمُ الإشارة إلى المثبط بالذات أو بالواسطة، والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ، وقوله:
الشَّيْطانُ بمعنى إبليس لأنه علم له بالغلبة خبره على التشبيه البليغ، وقوله تعالى: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ جملة مستأنفة مبينة لشيطنته، أو حال كما في قوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً [النمل: ٥٢] .
ويجوز أن يكون الشيطان صفة لاسم الإشارة على التشبيه أيضا، ويحتمل أن يكون مجازا حيث جعله هو ويخوف هو الخبر، وجوز أن يكون ذا إشارة إلى قول المثبط فلا بدّ حينئذ من تقدير مضاف أي قول الشيطان، والمراد به إبليس أيضا ولا تجوز فيه على الصحيح، وإنما التجوز في الإضافة إليه لأنه لما كان القول بوسوسته وسببه جعل كأنه قوله، والمستكن في يُخَوِّفُ إما للمقدر وإما للشيطان بحذف الراجع إلى المقدر أي يحوف به، والمراد بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابه، فالمفعول الأول ليخوف محذوف أي يخوفكم أولياءه بأن يعظمهم في قلوبكم، ونظير ذلك قوله
стр. 896
تعالى: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الكهف: ٢] وبذكر هذا المفعول قرأ ابن عباس.
وقرأ بعضهم يخوفكم بأوليائه، وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين، وإليه ذهب الزجاج، وأبو علي الفارسي، وغيرهما، ويؤيده قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ أي فلا تخافوا أولياءه الذين خوفكم إياهم وَخافُونِ في مخالفة أمري، وإما المتخلفون عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأولياءه هو المفعول الأول والمفعول الثاني إما متروك أو محذوف للعلم به أي يوقعهم في الخوف، أو يخوفهم من أبي سفيان وأصحابه وعلى هذا لا يصح عود ضمير تَخافُوهُمْ إلى الأولياء بل هو راجع إلى الناس الثاني كضمير- اخشوهم- فهو ردّ له أي فلا تخافوا الناس وتقعدوا عن القتال وتجبنوا وَخافُونِ فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى امتثال ما يأمركم به، وإلى هذا الوجه ذهب الحسن والسدي، وادعى الطيبي أن النظم يساعد عليه، والخطاب حينئذ لفريقي الخارجين والمتخلفين والقصد التعريض بالطائفة الأخيرة، وقيل: الخطاب لها وأَوْلِياءَهُ إذ ذاك من وضع الظاهر موضع المضمر نعيا عليهم بأنهم أولياء الشيطان واستظهر بعضهم هذا القيل مطلقا معللا له بأن الخارجين لم يخافوا إلا الله تعالى وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وأنت تعلم أن قيام احتمال التعريض يمرض هذا التعليل، والفاء لترتيب النهي أو الانتهاء على ما قبلها فإن كون المخوف شيطانا أو قولا له مما يوجب عدم الخوف والنهي عنه، وأثبت أبو عمرو ياء وَخافُونِ وصلا وحذفها وقفا والباقون يحذفونها مطلقا وهي ضمير المفعول وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن كان الخطاب للمتخلفين فالأمر فيه واضح، وإن كان للخارجين كان مساقا للإلهاب والتهييج لهم لتحقق إيمانهم، وإن كان للجميع ففيه تغليب، وأيّا ما كان فالجزاء محذوف، وقيل: إن كان الخطاب فيما تقدم للمؤمنين الخلص لم يفتقر إلى الجزاء لكونه في معنى التعليل، وإن كان للآخرين افتقر إليه وكأن المعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله تعالى على خوف الناس.
هذا (ومن باب الإشارة) في الآيات وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بسيف المحبة أَوْ مُتُّمْ بالموت الاختباري لَمَغْفِرَةٌ أي ستر لوجودكم مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ منه تعالى بتحليكم بصفاته خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي أهل الكثرة فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي باتصافك برحمة رحيمية أي رحمة تابعة لوجودك الموهوب الإلهي لا الوجود البشري لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا موصوفا بصفات النفس كالفظاظة والغلظ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ولم يتحملوا مؤنة ذلك، أو يقال: لو لم تغلب صفات الجمال فيك على نعوت الجلال لتفرقوا عنك ولما صبروا معك، أو يقال: لو سقيتهم صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظ لتفرقوا هائمين على وجوههم غير مطيقين الوقوف معك لحظة، أو يقال: لو كنت مدققا عليهم أحكام الحقائق لضاقت صدورهم ولم يتحملوا أثقال حقيقة الآداب في الطريق ولكن سامحتهم بالشريعة والرخص فَاعْفُ عَنْهُمْ فيما يتعلق بك من تقصيرهم معك لعلو شأنك وكونك لا ترى في الوجود غير الله وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ فيما يتعلق بحق الله تعالى لاعتذارهم أو استغفر لهم ما يجري في صدورهم من الخطرات التي لا تليق بالمعرفة وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ إذا كنت في مقام الفعل اختبارا لهم وامتحانا لمقامهم فَإِذا عَزَمْتَ وذلك إذا كنت في مقام مشاهدة الربوبية والخروج من التفرقة إلى الجمع فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإنه حسبك فيما يريد منك وتريد منه، وذكر بعض المتصوفة أنه يمكن أن يفهم من الآية كون الخطاب مع الروح الإنساني وأنه لان (١) لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية لتستوفي حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش ولولا ذلك
стр. 897
لاضمحك تلك القوى وتلاشت واختلت الحكمة وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ تحقيق لمعنى التوكل والتوحيد في الأفعال.
وقد ذكر بعض السادة قدس الله تعالى أسرارهم أن نصر الله تعالى لعباده متفاوت المراتب، فنصره المريدين بتوفيقهم لقمع الشهوات، ونصره المحبين بنعت المدانات، ونصره العارفين بكشف المشاهدات، وقد قيل: إنما يدرك نصر الله تعالى من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه في جميع أسبابه وما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (١) لكمال قدسه وغاية أمانته فلم يخف حق الله تعالى عن عباده وأعطى علم الحق لأهل الحق ولم يضع أسراره إلا عند الأمناء من أمته أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ أي النبي في مقام الرضوان التي هي جنة الصفات لاتصافه بصفات الله تعالى كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وهو الغال المحتجب بصفات نفسه وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وهي أسفل حضيض النفس المظلمة هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي كل من أهل الرضا والسخط متفاوتون في المراتب حسب الاستعدادات لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ إذ هو صلى الله تعالى عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه على المؤمنين ولو تجلى لهم صرفا لا حترقوا بأول سطوات عظمته، ومعنى كونه ﵊ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كونه في لباس الشر ظاهرا بالصورة التي هم عليها وحمل المؤمنين على العارفين والرسول على الروح الإنساني المنور بنور الأسماء والصفات المبعوث لإصلاح القوى غير بعيد في مقام الإشارة أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ في أثناء السير في الله تعالى وهي مصيبة الفترة بالنسبة إليكم قَدْ أَصَبْتُمْ قوى النفس مِثْلَيْها مرة عند وصولكم إلى مقام توحيد الأفعال ومرة عند وصولكم إلى مقام توحيد الصفات قُلْتُمْ أَنَّى أصابنا هذا ونحن في بيداء السير في الله تعالى قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ لأنه بقي فيها بقية ما من صفاتها ولا ينافي قوله سبحانه: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لأن السبب الفاعلي في الجميع هو الحق جل شأنه والسبب القابلي أنفسهم، ولا يفيض من الفاعل إلا ما يليق بالاستعداد ويقتضيه، فباعتبار الفاعل يكون من عند الله، وباعتبار القابل يكون من عند أنفسهم، وربما يقال ما يكون من أنفسهم أيضا يكون من الله تعالى نظرا إلى التوحيد إذ لا غير ثمة وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سواء قتلوا بالجهاد الأصغر وبذل الأنفس طلبا لرضا الله تعالى أو بالجهاد الأكبر وكسر النفس وقمع الهوى بالرياضة أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ بالحياة الحقيقة مقربين في حضرة القدس يُرْزَقُونَ من الأرزاق المعنوية وهي المعارف والحقائق، وقد ورد في بعض الأخبار أن أرواح الشهداء في أجواب طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، ونقل ذلك بهذا اللفظ بعض الصوفية، وجعل الطير الخضر إشارة إلى الأجرام السماوية، والقناديل من ذهب إشارة إلى الكواكب، وأنهار الجنة منابع العلوم ومشارعها، وثمارها الأحوال والمعارف.
والمعنى أن أرواح الشهداء تتعلق بالنيرات من الأجرام السماوية بنزاهتها وترد مشارع العلوم وتكتسب هناك المعارف والأحوال، ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي اعتقاده كما أشرنا إليه فيما سبق فإن كان ولا بدّ من التأويل فليجعل الطير إشارة إلى الصور التي تظهر بها الأرواح بناء على أنها جواهر مجردة، وأطلق اسم الطير عليها إشارة إلى خفتها ووصولها بسرعة حيث أذن لها.
ونظير ذلك في الجملة
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث: «الأطفال هم دعاميص الجنة»
والدعاميص
стр. 898
جمع دعموص وهي دويبة تكون في مستنقع الماء كثيرة الحركة لا تكاد تستقر، ومن المعلوم أن الأطفال ليسوا تلك الدويبة في الجنة لكنه أراد ﷺ الأخبار بأنهم سياحون في الجنة فعبر بذلك على سبيل التشبيه البليغ، ووصف الطير بالخضر إشارة إلى حسنها وطراوتها، ومنه
خبر «إن الدنيا حلوة خضرة»
وقول عمر رضي الله تعالى عنه: إن الغزو حلو خضر، ومن أمثالهم النفس خضراء، وقد يريدون بذلك أنها تميل لكل شيء وتشتهيه، وأمر الظرفية في الخبر سهل، وباقي ما فيه إما على ظاهره، وإما مؤول، وعلى الثاني يراد من الجنة الجنة المنوية وهي جنة الذات والصفات، ومن أنهارها ما يحصل من التجليات، ومن ثمارها ما يعقب تلك التجليات من الآثار، ومن القناديل المعلقة في ظل العرش مقامات لا تكتنه معلقة في ظل عرش الوجود المطلق المحيط، وكونها من ذهب إشارة إلى عظمتها وأنها لا تنال إلا بشق الأنفس.
وحاصل المعنى على هذا أن أرواح الشهداء الذين جادوا بأنفسهم في مرضاة الله تعالى، أو قتلهم الشوق إليه عز شأنه تتمثل صورا حسنة ناعمة طرية يستحسنها من رآها تطير بجناحي القبول والرضا في أنواع التجليات الإلهية وتكتسب بذلك أنواعا من اللذائذ المعنوية التي لا يقدر قدرها ويتجدد لها في مقدار كل ليلة مقام جليل لا ينال إلا بمثل أعمالهم، وذلك هو النعيم المقيم والفوز العظيم، وكأن من أول هذا الخبر وأمثاله قصد سدّ باب التناسخ ولعله بالمعنى الذي يقول به أهل الضلال غير لازم كما أشرنا إليه في آية البقرة فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من الكرامة والنعمة والزلفى عنده وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ وهم الغزاة الذين لم يقتلوا بعد، أو السالكون المجاهدون أنفسهم الذين لم يبلغوا درجتهم إلى ذلك الوقت أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لفوزهم بالمأمن الأعظم، والحبيب الأكرم يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عظيمة وهي جنة الصفات وَفَضْلٍ أي زيادة عليها وهي جنة الذات، ومع ذلك أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ إيمان الْمُؤْمِنِينَ الذي هو جنة الأفعال وثواب الأعمال الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
بالفناء بالوحدة الذاتية والقيام بحق الاستقامة مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ أي كسر النفس للذين أحسنوا منهم وهم الثابتون في مقام المشاهدة وَاتَّقَوْا النظر إلى نفوسهم لهم أَجْرٌ عَظِيمٌ وراء أجر الإيمان الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ المنكرون قبل الوصول إلى المشاهدة إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ وتحشدوا للإنكار عليكم فَاخْشَوْهُمْ واتركوا ما أنتم عليه فَزادَهُمْ ذلك القول إِيماناً أي يقينا وتوحيدا بنفي الغير وعدم المبالاة به وتوصلوا بنفي ما سوى الله تعالى إلى إثباته وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ فشاهدوه ثم رجعوا إلى تفاصيل الصفات بالاستقامة وقالوا نِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ أي رجعوا بالوجود الحقاني في جنة الصفات والذات لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ لم يؤذهم أحد إذ لا أحد إلا الأحد وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ في حال سلوكهم حتى فازوا بجنة الذات المشار إليها بقوله تعالى: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ كما أشرنا إليه إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ المحجوبين بأنفسهم- فلا تخافوا- المنكرين وَخافُونِ إذ ليس في الوجود سواي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي موحدين توحيدا حقيقيا والله تعالى الموفق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ خطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتوجيهه إليه تشريفا له بالتسلية مع الإيذان بأنه الرئيس المعتنى بشؤونه.
والمراد من الموصول إما المنافقون المتخلفون- وإليه ذهب مجاهد وابن إسحاق- وإما قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام لمقاربة عبدة الأوثان- وإليه ذهب أبو علي الجبائي- وإما سائر الكفار- وإليه ذهب الحسن- وإما المنافقون وطائفة من اليهود حسبما عين في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ [المائدة: ٤١]
стр. 899
قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا [المائدة: ٤١]- وإليه ذهب بعضهم- ومعنى يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه سريعا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه، ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بفي دون إلى الشائع تعديتها بها كما في سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران: ١٣٣] وغيره، وأوثر ذلك قيل: للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله سبحانه: يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [آل عمران: ١١٤، المؤمنون: ٦١] في حق المؤمنين، وأما إيثار كلمة إلى في آيتها فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها والموصول فاعل يَحْزُنْكَ وليست الصلة علة لعدم الحزن كما هو المعهود في مثله لأن الحزن من الوقوع في الكفر هو الأمر اللائق لأنه قبيح عند الله تعالى يجب أن يحزن من مشاهدته فلا يصح النهي عن الحزن من ذلك، بل العلة هنا ما يترتب على تلك المسارعة من مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم إلا أنه عبر بذلك مبالغة في النهي.
والمراد لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك، ويدل على ذلك إيلاء قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ردا وإنكارا لظن الخوف، والكلام على حذف مضاف، والمراد أولياء الله مثلا للقرينة العقلية عليه، وفي حذف ذلك وتعليق نفي الضرر به تعالى تشريف للمؤمنين وإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارته ، وفي ذلك مزيد مبالغة في التسلية، وشَيْئاً في موضع المصدر أي لن يضروه ضررا ما، وقيل: مفعول بواسطة حرف الجر أي لن يضروه بشيء ما أصلا، وتأويل يضروا بما يتعدى بنفسه إلى مفعولين مما لا داعي إليه، ولعل المقام يدعو إلى خلافه، وقرأ نافع- «يحزن» - بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن إلا قوله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣] فإنه فتحها وضم الزاي، وقرأ الباقون كما قرأ نافع في المستثنى.
وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع، والماضي على قراءة الفتح حزن، وعلى قراءة الضم من أحزن، ومعناهما واحد إلا أن حزن لغة قليلة، وقيل: حزنته بمعنى أحدثت له حزنا. وأحزنته بمعنى عرضته للحزن، وقال الخليل: حزنته بمعنى جعلت فيه حزنا كدهنته بمعنى جعلت فيه دهنا، وأحزنته بمعنى جعلته حزينا.
وقرئ يسرعون بغير ألف من أسرع ويسارعون بالإمالة والتفخيم.
يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ استئناف لبيان الموجب لمسارعتهم كأنه قيل: لم يسارعون في الكفر مع أنهم لا ينتفعون به؟ فأجيب بأنه تعالى يريد أن لا يجعل لهم نصيبا ما من الثواب في الآخرة فهو يريد ذلك منهم، فكيف لا يسارعون، وفيه دليل على أن الكفر بإرادة الله تعالى وإن عاقب فاعله وذمه لأن ذلك لسوء استعداده المقتضي إفاضة ذلك عليه، وذكر بعض المحققين أن في ذكر الإرادة إيذانا بكمال خلوص الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم حيث تعلقت بهما إرادة أرحم الراحمين، وزعم بعضهم أنه مبني على مذهب الاعتزال وليس كذلك كما لا يخفى لأنه لم يقل لم يرد كفرهم ولا رمز إليه، وصيغة المضارع للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، ويرجع إلى دوام واستمرار منشأ هذا المراد وهو الكفر ففيه إشارة إلى بقائهم على الكفر حتى يهلكوا فيه وَلَهُمْ مع هذا الحرمان من الثواب بالكلية عَذابٌ عَظِيمٌ لا يقدر قدره، نقل عن بعضهم أنه لما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه وجلالة قدرة عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعاية للمناسبة وتنبيها على حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه، وقيل:
إنه لما دل قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً على عظم قدر من قصدوا إضراره وصف العذاب بالعظم إيذانا بأن قصد إضرار العظيم أمر عظيم يترتب عليه العذاب العظيم، والجملة إما حال من الضمير في لهم أي يريد الله تعالى حرمانهم من الثواب معدا لهم عذاب عظيم، وإما مبتدأة مبينة لحظهم من العذاب إثر بيان أن لا شيء لهم من الثواب.
стр. 900
وزعم بعضهم أن هاتين الجملتين في موضع التعليل للنهي السابق، وأن المعنى ولا يحزنك أنهم يسارعون في إعلاء الكفر وهدم الإسلام لا خوفا على الإسلام ولا ترحما عليهم أما الأول فلأنهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً فلا يقدرون على هدم دينه الذي يريد إعلاءه، وحينئذ لا حاجة إلى إرادة أولياء الله، وأما الثاني فلأنه يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم.
واستأنس له بأنه كثيرا ما وقع نهي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن إيقاعه نفسه الكريمة في المشقة لهدايتهم وعن كونه ضيق الصدر لكفرهم وخوطب بأنه- ما عليك إلا البلاغ- لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:
٢٢] ولا يخلو عن بعد إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ أي أخذوا الكفر بدلا من الإيمان رغبة فيما أخذوا وإعراضا عما تركوا ولهذا وضع اشْتَرَوُا موضع بدلوا فإن الأول أظهر في الرغبة وأدل على سوء الاختيار، وقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً تقدم الكلام فيه، وفيه هنا تعريض ظاهر باقتصار الضرر عليهم كأنه قيل: وإنما يضرون أنفسهم، والمراد من الموصول هنا ما أريد منه هناك والتكرير لتقرير الحكم وتأكيده ببيان علته بتغيير عنوان الموضوع فإن ما ذكر في حيز الصلة لكونه علما في الخسران الكلي والحرمان الأبدي صريح في لحوق ضرره بأنفسهم وعدم تعديه إلى غيرهم أصلا، ودال على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم فكيف يتأتى منهم ما يتوقف على قوة الحزم ورزانة الرأي ورصانة التدبير، من مضارة أولياء الله تعالى الذين تكفل سبحانه لهم بالنصر وهي أعز من حليمة وأمنع من لهاة الليث، وجوز أن يراد بالموصول هنا عام، ويراد به هناك خاص وهو ما عدا ما ذهب إليه الحسن فيه، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها تقرير القواعد الكلية لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكام، وجوز الزمخشري أن يكون الأول عاما للكفار وهذا خاصا بالمنافقين وأفردوا بالذكر لأنهم أشدّ منهم في الضرر والكيد، واعترض بأن إرادة العام هناك مما لا يليق بفخامة شأن التنزيل لما أن صدور المسارعة في الكفر بالمعنى المذكور وكونها مظنة لإيراث الحزن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما يفهم من النهي عنه إنما يتصور ممن علم اتصافه بها وأما من لا يعرف حاله من الكفرة الكائنين في الأماكن البعيدة فإسناد المسارعة المذكورة إليهم واعتبار كونها من مبادئ حزنه ﵊ مما لا وجه له، ويمكن أن يقال: إن القائل بالعموم في الأول لم يرد بالكفار مقابل المؤمنين حيث كانوا وعلى أي حال وجدوا بل ما يشمل المتخلفين والمرتدين مثلا ممن يتوقع إضرارهم له صلى الله تعالى عليه وسلم وحينئذ لا يرد هذا الاعتراض.
وقيل: المراد من الأول المنافقون أو من ارتدوا مما هنا اليهود، والمراد من الإيمان إما الإيمان الحاصل بالفعل كما هو حال المرتدين أو بالقوة القريبة منه الحاصلة بمشاهدة دلائله في التوراة كما هو شأن اليهود مثلا، وإما الإيمان الاستعدادي الحاصل بمشاهدة الوحي الناطق والدلائل المنصوبة في الآفاق والأنفس كما هو دأب جميع الكفرة مما عدا ذلك وإما القدر المشترك بين الجميع كما هو دأب الجميع فتفطن وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم والجملة مبتدأة مبينة لكمال فظاعة عذابهم بذكر غاية إيلامه بعد ذكر نهاية عظمه، أو مقررة للضرر الذي آذنت به الجملة الأولى قيل: لما جرت العادة باغتباط المشتري بما اشتراه وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة وصف عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك، نقله مولانا شيخ الإسلام.
стр. 901
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ عطف على قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ والفعل مسند إلى الموصول، و «أن» وما عملت فيه سادّ مسدّ مفعوليه عند سيبويه لحصول المقصود وهو تعلق أفعال القلوب بنسبة بين المبتدأ والخبر، وعند الأخفش المفعول الثاني محذوف، و «ما» إما مصدرية، أو موصولة وكان حقها في الوجهين أن تكتب مفصولة لكنها كتبت في الإمام موصولة، واتباع الإمام لازم، ولعل وجهه مشاكلة ما بعده، والحمل على الأكثر فيها، وخَيْرٌ خبر، وقرئ خيرا بالنصب على أن يكون- لأنفسهم- هو الخبر ولَهُمْ تبيين، أو حال من خَيْرٌ والإملاء في الأصل إطالة المدة والملأ الحين الطويل، ومنه الملوان لليل والنهار لطول تعاقبهما، وأما إملاء الكتاب فسمي بذلك لطول المدة بالوقوف عند كل كلمة.
وقيل: الإملاء التخلية والشأن يقال: أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.
وحاصل التركيب لا يحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم، أو الذي نمليه خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ أو لا يحسبن الكافرون خيرية إملائنا لهم، أو خيرية الذي نمليه لهم ثابتة أو واقعة، ومآل ذلك نهيهم عن السرور بظاهر إطالة الله تعالى أعمارهم وإمهالهم على ما هم فيه، أو بتخليتهم وشأنهم بناء على حسبان خيريته لهم، وتحسيرهم ببيان أنه شر بحث وضرر محض، وقرأ حمزة ولا تحسبن بالتاء، والخطاب إما لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الأنسب بمقام
стр. 902
التسلية إلا أن المقصود التعريض بهم إذ حسبوا ما ذكر، وإما لكل من يتأتى منه الحسبان قصدا إلى إشاعة فظاعة حالهم، والموصول مفعول، وأَنَّما نُمْلِي إلخ بدل اشتمال منه، وحيث كان المقصود بالذات هو البدل وكان هنا مما يسدّ مسدّ المفعولين جاز الاقتصار على مفعول واحد وإلا فالاقتصار لولا ذلك غير صحيح على الصحيح، ويجوز أن يكون أَنَّما نُمْلِي مفعولا ثانيا إلا أنه لكونه في تأويل المصدر لا يصح حمله على الذوات فلا بد من تقدير، أما في الأول أي لا تحسبن حال الذين كفروا وشأنهم، وأما في الثاني أي لا تحسبن الذين كفروا أصحاب أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ إلخ، وإنما قيد الخير بقوله تعالى: لِأَنْفُسِهِمْ لأن الإملاء خير للمؤمنين لما فيه من الفوائد الجمة، ومن جعل خيرا فيما نحن فيه أفعل تفضيل، وجعل المفضل عليه القتل في سبيل الله تعالى جعل التفضيل مبنيا على اعتبار الزعم والمماشاة، والآية نزلت في مشركي مكة- وهو المروي عن مقاتل أو في قريظة والنضير- وهو المروي عن عطاء إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً استئناف بما هو العلة للحكم قبلها، والقائلون بأن الخير والشر بإرادته تعالى يجوزون التعليل بمثل هذا، إما لأنه غرض وإما لأنه مراد مع الفعل فيشبه العلة عند من لم يجوز تعليل أفعاله بالأغراض. وأما المعتزلة فإنهم وإن قالوا بتعليلها لكن القبيح ليس مرادا له تعالى عندهم ومطلوبا وغرضا، ولهذا جعلوا ازدياد الإثم هنا باعثا نحو قعدت عن الحرب جبنا لا غرضا يقصد حصوله، ولما لم يكن الازدياد متقدما على الإملاء هنا، والباعث لا بد أن يكون متقدما جعلوه استعارة بناء على أن سبقه في علم الله تعالى القديم الذي لا يجوز تخلف المعلوم عنه شبهه يتقدم الباعث في الخارج ولا يخفى تعسفه، ولذا قيل: إن الأسهل القول بأن اللام للعاقبة.
واعترض بأنه وإن كان أقل تكلفا إلا أن القول بها غير صحيح لأن هذه الجملة تعليل لما قبلها فلو كان الإملاء لغرض صحيح يترتب عليه هذا الأمر الفاسد القبيح لم يصح ذلك ولم يصلح هذا تعليلا لنهيهم عن حسبان الإملاء لهم خيرا فتأمل قاله بعض المحققين.
وقرأ يحيى بن وثاب بفتح أَنَّما هذه وكسر الأولى وبياء الغيبة في يَحْسَبَنَّ على أن الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل يَحْسَبَنَّ وأَنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً قائم مقام مفعولي الحسبان، والمعنى وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثم بل للتوبة والدخول في الإيمان وتدارك ما فات، أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ اعتراض بين الفعل ومعموله ومعناه أن إملاءنا خير لهم إن انتبهوا وتابوا. والفرق بين القراءتين أن الإملاء على هذه القراءة لإرادة التوبة والإملاء للازدياد منفي، وعلى القراءة الأخرى هو مثبت، والآخر منفي ضمنا ولا تعارض بينهما لأنه عند أهل السنة يجوز إرادة كل منهما ولا يلزم تخلف المراد عن الإرادة لأنه مشروط بشروط كما علمت.
وزعم بعضهم أن جملة أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ إلخ حالية أي لا يحسبن في هذه الحالة هذا، وهذه الحالة منافية له وليس بشيء لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ جملة مبتدأة مبينة لحالهم في الآخرة إثر بيان حالهم في الدنيا أو حال من الواو أي ليزدادوا إثما معدا لهم عذاب مهين وهذا متعين في القراءة الأخيرة- كما ذهب إليه غير واحد من المحققين- ليكون مضمون ذلك داخلا في حيز النهي عن الحسبان بمنزلة أن يقال: لِيَزْدادُوا إِثْماً وليكون لهم عذاب، وجعلها بعضهم معطوفة على جملة لِيَزْدادُوا بأن يكون عَذابٌ مُهِينٌ فاعل الظرف بتقدير ويكون لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وهو من الضعف بمكان، نعم قيل: بجواز كونها اعتراضية وله وجه في الجملة هذا وإنما وصف عذابهم بالإهانة لأنه- كما قال شيخ الإسلام- لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر وصفه به ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا- قاله شيخ الإسلام- ويمكن أن يقال: إن ذلك إشارة إلى رد ما يمكن أن يكون منشأ لحسبانهم وهو أنهم أعزة لديه إثر الإشارة إلى ردّه بنوع آخر.
стр. 903
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ كلام مستأنف مسوق لوعد المؤمنين ووعيد المنافقين بالعقوبة الدنيوية وهي الفضيحة والخزي إثر بيان عقوبتهم الأخروية، وقدم بيان ذلك لأنه أمس بالإملاء لازدياد الآثام، وفي هذا الوعد والوعيد أيضا ما لا يخفى من التسلية له صلى الله تعالى عليه وسلم كما في الكلام السابق، وقيل:
الآية مسوقة لبيان الحكمة في إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريعته لهم، ولا يخفى أنه بعيد فضلا عن كونه أقرب، والمراد من المؤمنين المخلصون والخطاب على ما يقتضيه الذوق لعامة المخلصين والمنافقين ففيه التفات في ضمن التلوين، والمراد بما هم عليه اختلاط بعضهم ببعض واستواؤهم في إجراء أحكام الإسلام عليهم، وإلى هذا جنح المحققون من أهل التفسير، وقال أكثرهم: إن الخطاب للمنافقين ليس إلا، ففيه تلوين فقط، وذهب أكثر أهل المعاني إلى أنه للمؤمنين خاصة ففيه تلوين والتفات أيضا.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس وابن جرير، وغيره عن قتادة أن للكفار، ولعل المراد بهم المنافقون وإلا فهو بعيد جدا، واللام في لِيَذَرَ متعلقة بمحذوف هو الخبر لكان، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها- كما ذهب إليه البصريون- أي ما كان الله مريدا لأن يذر المؤمنين إلخ وقال الكوفيون اللام مزيدة للتأكيد وناصبة للفعل بنفسها والخبر هو الفعل ولا يقدح في عملها زيادتها إذ الزائد قد يعلم كما في حروف الجر المزيدة فلا ضعف في مذهبهم من هذه الحيثية كما وهم، وأصل يذر يوذر فحذفت الواو منها تشبيها لها بيدع وليس لحذفها علة هناك إذ لم تقع بين ياء وكسرة ولا ما هو في تقدير الكسرة بخلاف يدع فإن الأصل يودع فحذفت الواو لوقوعها بين الياء وما هو في تقدير الكسرة، وإنما فتحت الدال لأن لامه حرف حلقي فيفتح له ما قبله ومثله- يسع ويطأ ويقع- ولم يستعملوا من يذر ماضيا ولا مصدرا ولا اسم فاعل مثلا استغناء بتصرف مرادفه وهو يترك.
وقوله تعالى: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ غاية لما يفهمه النفي السابق كأنه قيل: ما يتركهم على ذلك الاختلاف بل يقدر الأمور ويرتب الأسباب حتى يعزل المنافق من المؤمن وليس غاية للكلام السابق نفسه إذ يصير المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية، ويفهم منه كما قال السمين: إنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه، وليس المعنى على ذلك وعبر عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث تسجيلا على كل منهما بما يليق به وإشعارا بعلة الحكم، أفرد الخبيث والطيب مع تعدد ما أريد بكل إيذانا بأن مدار إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ذاتهما وتعدد آحادهما، وتعليق الميز بالخبيث مع أن المتبادر مما سبق من عدم ترك المؤمنين على الاختلاط تعليقه بهم وإفرازهم عن المنافقين لما أن الميز الواقع بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرهم من حال إلى حال أخرى مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمان وإن ظهر مزيد إخلاصهم لا بالتصرف فيهم وتغييرهم من حال إلى حال مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار وإنما لم ينسب عدم الترك إليهم لما أنه مشعر بالاعتناء بشأن من نسب إليه فإن المتبادر منه عدم الترك على حالة غير ملائمة كما يشهد به الذوق السليم قاله بعض المحققين، وقيل: إنما قدم الخبيث على الطيب وعلق به فعل الميز إشعارا بمزيد رداءة ذلك الجنس فإن الملقى من الشيئين هو الأدون.
وقرأ حمزة والكسائي «يميّز» بالتشديد وماضيه ميز، وماضي المخفف ماز، وهما- كما قال غير واحد- لغتان بمعنى واحد، وليس التضعيف لتعدي الفعل كما في فرح وفرح، لأن ماز وميز يتعديان إلى مفعول واحد، ونظير ذلك عاض وعوض، وعن ابن كثير أنه قرئ «يميز» بضم أوله مع التخفيف على أنه من أماز بمعنى ميز، واختلف بم يحصل
стр. 904
هذا الميز؟ فقيل: بالمحن والمصائب كما وقع يوم أحد، وقيل: بإعلاء كلمة الدين وكسر شوكة المخالفين، وقيل:
بالوحي إلى النبي ﷺ ولهذا أردفه سبحانه بقوله:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ ومن هنا جعل مولانا شيخ الإسلام ما قبل الاستدراك تمهيدا لبيان الميز الموعود به على طريق تجريد الخطاب للمخلصين تشريفا لهم.
والاستدراك إشارة إلى كيفية وقوعه على سبيل الإجمال وأن المعنى ما كان الله ليترك المخلصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتب المبادي حتى يخرج المنافقين من بينهم، وما يفعل ذلك باطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاق ولكنه تعالى يوحى إلى رسوله ﷺ فيخبره بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حكى عنهم بعضه فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ويخلصكم مما تكرهون، وذكر أنه قد جوز أن يكون المعنى لا يترككم مختلطين حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله تعالى قلوبهم تبذل الأرواح في الجهاد، وإنفاق الأموال في سبيل الله تعالى، فيجعل ذلك عيارا على عقائدكم وشاهدا بضمائركم حتى يعلم بعضكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلال لا من جهة الوقوف على ذات الصدور، فإن ذلك مما استأثر الله تعالى به، وتعقبه بأن الاستدراك باجتباء الرسل المنبئ عن مزيد مزيتهم وفضل معرفتهم على الخلق إثر بيان قصور رتبتهم عن الوقوف على خفايا السرائر صريح في أن المراد إظهار تلك السرائر بطريق الوحي لا بطريق التكليف بما يؤدي إلى خروج أسرارهم عن رتبة الخفاء.
وأنت تعلم أن دعوى أن الاستدراك صريح فيما ادعاه من المراد مما لا يكاد يثبته الدليل، ولهذا قيل: إن حاصل المعنى ليس لكم رتبة الاطلاع على الغيب وإنما لكم رتبة العلم الاستدلالي الحاصل من نصب العلامات والأدلة، والله تعالى سيمنحكم بذلك فلا تطمعوا في غيره فإن رتبة الاطلاع على الغيب لمن شاء من رسله، وأين أنتم من أولئك المصطفين الأخيار؟ نعم ما ذكره هذا المولى أظهر، وأولى، وقد سبقه إليه أبو حيان، والمراد من قوله سبحانه: لِيُطْلِعَكُمْ إما ليؤتى أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب أو ليطلع جميعكم أي أنه تعالى لا يطلع جميعكم على ذلك بل يختص به من أراد، وأيد الأول بأن سبب النزول أكثر ملاءمة له. فقد أخرج ابن جرير عن السدي أن الكفرة قالوا إن كان محمد صادقا ليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر فنزلت.
ونقل الواحدي عن السدي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: عرضت على أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله تعالى هذه الآية»
وقال الكلبي: قالت قريش: «تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله تعالى عليه غضبان وأن من تبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله تعالى عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن فأنزل الله تعالى هذه الآية،
وأيد الثاني بأن ظاهر السوق يقتضيه قيل: والحق اتباع السوق ويكفي أدنى مناسبة بالقصة في كونها سببا للنزول على أن في سند هذه الآثار مقالا حتى قال بعض الحفاظ في بعضها: إني لم أقف عليه،
وقد روي عن أبي العالية ما يخالفها وهو أن المؤمنين سئلوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فنزلت،
والاجتباء الاستخلاص كما روي عن أبي مالك ويؤول إلى الاصطفاء والاختيار وهو المشهور في تفسيره، ويقال جبوت المال وجبيته بالواو والياء فياء يجتبي هنا إما على أصلها أو منقلبة من واو لانكسار ما قبلها، وعبر به للإيذان بأن الوقوف على الأسرار الغيبية لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصب جليل تقاصرت عنه همم الأمم واصطفاه على الجماهير لإرشادهم و «من» لابتداء الغاية وتعميم الاجتباء لسائر الرسل ﵈ للدلالة على
стр. 905
أن شأنه ﵊ في هذا الباب أمر مبين له أصل أصيل جار على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم.
وقيل: إنها للتبعيض فإن الاطلاع على المغيبات مختص ببعض الرسل، وفي بعض الأوقات حسبما تقتضيه مشيئته تعالى ولا يخفى أن كون ذلك في بعض الأوقات مسلم، وأما كونه مختصا ببعض الرسل ففي القلب منه شيء.
ولعل الصواب خلافه ولا يشكل على هذا أن الله تعالى قد يطلع على الغيب بعض أهل الكشف ذوي الأنفس القدسية لأن ذلك بطريق الوراثة لا استقلالا وهم يقولون: إن المختص بالرسل ﵈ هو الثاني على أنه إذا كان المراد ما أيده السوق بعد هذا الاستشكال وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة ومثله على ما قيل ما في قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ والمراد آمنوا بصفة الإخلاص فلا يضر كون الخطاب عاما للمنافقين وهم مؤمنون ظاهرا.
وتعميم الأمر مع أن سوق النظم الكريم للإيمان بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهاني والإشعار بأن ذلك مستلزم للإيمان بالكل لأنه ﷺ مصدق لما بين يديه من الرسل وهم شهداء بصحة نبوته، والمأمور به الإيمان بكل ما جاء به ﵊ فيدخل فيه تصديقه فيما أخبر به من أحوال المنافقين دخولا أوليا، وقد يقال: إن المراد من الإيمان بالله تعالى أن يعلموه وحده مطلعا على الغيب.
ومن الإيمان برسله أن يعلموهم عبادا مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى ولا يقولون إلا ما يوحى إليهم في أمر الشرائع، وكون المراد من الإيمان بالله تعالى الإيمان بأنه لا يترك المخلصين على الاختلاط حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ بنصب العلامات وتحصيل العلم الاستدلالي بمعرفة المؤمن والمنافق. ومن الإيمان برسله الإيمان بأنهم المترشحون للاطلاع على الغيب لا غيرهم بعيد كما لا يخفى وَإِنْ تُؤْمِنُوا أي بالله تعالى ورسله حق الإيمان وَتَتَّقُوا المخالفة في الأمر والنهي أو تتقوا النفاق فَلَكُمْ بمقابلة ذلك فضلا من الله تعالى أَجْرٌ عَظِيمٌ لا يكتنه ولا يحد في الدنيا والآخرة.
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بيان لحال البخل وسوء عاقبته وتخطئة لأهله في دعواهم خيريته حسب بيان حال الإملاء وبهذا ترتبط الآية بما قبلها.
وقيل: وجه الارتباط أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل الأرواح في الجهاد وغيره شرع هاهنا في التحريض على بذل المال وبين الوعيد الشديد لمن يبخل وإيراد ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله للمبالغة في بيان سوء صنيعهم فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله سبحانه وفعل الحسبان مسند إلى الموصول والمفعول الأول محذوف لدلالة الصلة عليه.
واعترض بأن المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين من جهة العامل فيه ومن جهة كونه أحد جزأي الجملة فلما تكرر طلبه امتنع حذفه ونقض ذلك بخبر كان فإنه مطلوب من جهتين أيضا ولا خلاف في جواز حذفه إذا دل عليه دليل.
ونقل الطيبي عن صاحب الكشاف أن حذف أحد مفعولي حسب إنما يجوز إذا كان فاعل حسب ومفعولاه شيئا واحدا في المعنى كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [آل عمران: ١٦٩] على القراءة بالياء التحتية، ثم قال: وهذه الآية ليست كذلك فلا بدّ من التأويل بأن يقال: إن الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الفاعل لما اشتمل على البخل كان في حكم اتحاد الفاعل والمفعول ولذلك حذف، وقيل: إن الزمخشري كنى عن قوة القرينة بالاتحاد الذي
стр. 906
ذكره وكلا القولين ليسا بشيء، والصحيح أن مدار صحة الحذف القرينة فمتى وجدت جاز الحذف ومتى لم توجد لم يجز.
والقول بأن هو ضمير رفع استعير في مكان المنصوب وهو راجع إلى البخل أو الإيتاء على أنه مفعول أو لا تعسف جدا لا يليق بالنظم الكريم- وإن جوزه المولى عصام الدين تبعا لأبي البقاء- حتى قال في الدر المصون: إنه غلط، والصحيح أنه ضمير فصل بين مفعولي حسب لا توكيد للمظهر كما توهم، وقيل: الفعل مسند إلى ضمير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أو ضمير من يحسب، والمفعول الأول هو الموصول بتقدير مضاف أي بخل الذين، والثاني خَيْراً كما في الوجه الأول وهو خلاف الظاهر، نعم إنه متعين على قراءة الخطاب.
وعلى كل تقدير يقدر بين الباء ومجرورها مضاف أي لا يحسبن، أو «لا تحسبن الذين يبخلون» بإنفاق أو زكاة ما آتاهم الله من فضله هو صفة حسنة أو خيرا لهم من الإنفاق بَلْ هُوَ شَرٌّ عظيم لَهُمْ والتنصيص على ذلك مع علمه مما تقدم للمبالغة سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ بيان لكيفية شريته لهم، والسين مزيدة للتأكيد، والكلام عند الأكثرين إما محمول على ظاهره،
فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من آتاه الله تعالى مالا فلم يؤد زكاته مثّل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية» .
وأخرج غير واحد عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله تعالى إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوّقه» ثم قرأ الآية.
وأخرج عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي أنه قال: يجعل ما بخلوا به طوقا من نار في أعناقهم.
وذهب بعضهم إلى أن الظاهر غير مراد، والمعنى كما قال مجاهد: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يأتون، وقال أبو مسلم: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق على أنه حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه للإيذان بكمال المناسبة بينهما، ومن أمثالهم تقلدها طوق الحمامة، وكيفما كان
فالآية نزلت في مانعي الزكاة كما روي ذلك عن الصادق
وابن مسعود والشعبي والسدي وخلق آخرين وهو الظاهر، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونبوته التي نطقت بها التوراة، فالمراد بالبخل كتمان العلم وبالفضل التوراة التي أوتوها، ومعنى سَيُطَوَّقُونَ ما قاله أبو مسلم، أو المراد أنهم يطوقون طوقا من النار جزاء هذا الكتمان.
فالآية حينئذ نظير
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار»
وعليه يكون هذا عودا إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب قيل: ويعضده أن كثيرا من آيات بقية السورة فيهم وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي لله تعالى وحده لا لأحد غيره استقلالا أو اشتراكا ما في السموات والأرض مما يتوارث من مال وغيره كالأحوال التي تنتقل من واحد إلى آخر كالرسالات التي يتوارثها أهل السماء مثلا فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله وابتغاء مرضاته، فالميراث مصدر كالميعاد وأصله موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والمراد به ما يتوارث، والكلام جار على حقيقته ولا مجاز فيه، ويجوز أنه تعالى يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به وينتقل منهم إليه حين يهلكهم ويفنيهم وتبقى الحسرة والندامة عليهم، ففي الكلام على هذا مجاز قال الزجاج: أي إن الله تعالى يفني أهلهما فيبقيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثا ملكا له وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من المنع والبخل
стр. 907
خَبِيرٌ فيجازيكم على ذلك، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في الوعيد لأن تهديد العظيم بالمواجهة أشدّ وهي قراءة نافع، وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وقرأ الباقون بالياء على الغيبة.
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص- وكان من علمائهم وأحبارهم- فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله تعالى وأسلم فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله تعالى من فقر وإنه إلينا لفقير وما نتضرع إليه كما تضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيا عنا ما أعطانا الربا فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله تعالى فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله قال قولا عظيما يزعم أن الله تعالى شأنه فقير وهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله تعالى مما قال فضربت وجهه فجحد فنحاص فقال: ما قلت ذلك فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص تصديقا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه هذه الآية، وأنزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [آل عمران: ١٨٦] الآية.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما أنزل الله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [الحديد: ١١] قال: يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني.
وأخرج الضياء. وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود رسول الله ﷺ حين أنزل الله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فقالوا: يا محمد فقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله تعالى الآية،
والجمع على الروايتين الأوليين مع كون القائل واحدا لرضا الباقين بذلك، وتخصيص هذا القول بالسماع مع أنه تعالى سميع لجميع المسموعات كناية تلويحية عن الوعيد لأن السماع لازم العلم بالمسموع وهو لازم الوعيد في هذا المقام فهو سماع ظهور وتهديد لا سماع قبول ورضا- كما في سمع الله لمن حمده- وإنما عبر عن ذلك بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائله بأن يسمعه سامع ولهذا أنكروه، ولكون إنكارهم القول بمنزلة إنكار السمع أكده تعالى بالتأكيد القسمي، وفيه أيضا من التشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد ما لا يخفى، والعامل في موضع إن وما عملت فيه قالوا: فهي المحكية به، وجوز أن يكون ذلك معمولا لقول المضاف لأنه مصدر، قال أبو البقاء: وهذا يخرج على قول الكوفيين في إعمال الأول وهو أصل ضعيف ويزداد هنا ضعفا بأن الثاني فعل، والأول مصدر وإعمال الفعل لكونه أقوى أولى.
سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي سنكتبه في صحائف الكتبة، فالإسناد مجازي والكتابة حقيقة، أو سنحفظه في علمنا ولا نهمله فالإسناد حقيقة والكتابة مجاز، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته لكونه في غاية العظم والهول، كيف لا وهو كفر بالله تعالى سواء كان عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن؟! وهو الظاهر، ولذلك عطف عليه قوله تعالى وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ إيذانا بأنهما في العظم أخوان وتنبيها على أنه ليس بأول جريمة ارتكبوها ومعصية استباحوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء بغير حق في اعتقاده أيضا كما هو في نفس الأمر لم يستبعد منه أمثال هذا القول، ونسبة القتل إلى هؤلاء القائلين باعتبار الرضا بفعل القاتلين من أسلافهم، وقيل: المعنى سنجمع ما قالوا وَقَتْلَهُمُ
стр. 908
الْأَنْبِياءَ في مقام العذاب ونجزيهما جزاء مماثلا لتشاركهما في أن في كل منهما إبطالا لما جاء به المرسلون، ولا يخفى أنه مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه.
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي وننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب.
والحريق بمعنى المحرق وإضافة العذاب إليه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب هو الله تعالى لا الحريق، أو الإفاضة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل- كما قاله بعض المحققين- والذوق: كما قال الراغب- وجود الطعم في الفم وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له: أكل، ثم اتسع فيه فاستعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره هنا- كما قال ناصر الدين- لأن العذاب مرتب على قولهم الناشئ عن البخل والتهالك على المالك وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله للخوف من فقدانه، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال، ولك أن تقول: إن اليهود لما قالوا ما قالوا وقتلوا من قتلوا فقد أذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء غصصا وشبوا في أفئدتهم نار الغيرة والأسف وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب فعوضوا هذا العذاب الشديد، وقيل: لهم ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ كما أذقتم أولياء الله تعالى في الدنيا ما يكرهون والقائل لهم ذلك- كما قال الضحاك- خزنة جهنم، فالإسناد حينئذ مجازي، وفي هذه الآية مبالغات في الوعيد حيث ذكر فيها العذاب والحريق والذوق المنبئ عن اليأس فقد قال الزجاج: ذق كلمة تقال لمن أيس عن العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه والمؤذن بأن ما هم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشد منه وأدهى، والقول للتشفي المنبئ عن كمال الغيظ والغضب وفيما قبلها ما لا يخفى أيضا من المبالغات، قرأ حمزة سيكتب بالياء والبناء للمفعول وَقَتْلَهُمُ بالرفع، ويقول بصيغة الغيبة ذلِكَ إشارة إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد، وللإشارة إلى عظم شأنه وبعد منزلته في الهول والفظاعة أتى باسم الإشارة مقرونا باللام والكاف وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي بسبب أعمالكم التي قدمتموها كقتل الأنبياء وهذا القول الذي تكاد السموات يتفطرن منه، والمراد من الأيدي الأنفس والتعبير بها عنها من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مدارج العمل عليه، يجوز أن لا يتجوز في الأيدي بل يجعل تقديمها الذي هو عملها عبارة عن جميع الأعمال التي أكثرها أو الكثير منها يزاول باليد على طريق التغليب وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ عطف على ما قدمت فهو داخل تحت حكم باء السببية وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء- وإليه ذهب الفحول من المفسرين- وتعقبه مولانا شيخ الإسلام بقوله: وفساده ظاهر فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعا ولا عقلا حتى ينتهض نفي الظلم سببا للتعذيب.
وخلاصته المعارضة بطريق القياس الاستثنائي بأنه لو كان ترك التعذيب ظلما لكان نفي الظلم سببا للتعذيب لكن ترك التعذيب ليس بظلم فنفي الظلم لا يكون سببا له، وأجيب بأن منشأ هذا الاعتراض عدم الفرق بين السبب والعلة الموجبة، والفرق مثل الصبح ظاهر فإن السبب وسيلة محضة لا يوجب حصول المسبب كما أن القلم سبب الكتابة غير موجب إياها، والعدل اللازم من نفي الظلم سبب لعذاب المستحق وإن لم يوجبه.
فالاستدلال بعدم الإيجاب على عدم السببية فاسد جدا، وأما قولهم في العدل المقتضي إلخ فهو بيان لمقتضاه إذا خلي وطبعه، وتقرير لكونه وسيلة ولا يلزم منه إيجاب الإثابة والمعاقبة على ما ينبئ عنه قوله سبحانه
في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي» ،
وخلاصة هذا أن الملازمة بين المقدم والتالي في القياس الاستثنائي ممنوعة بأنه لم لا يجوز أن لا يكون ترك التعذيب ظلما ويكون نفي الظلم سببا بأن يكون السبب سببا غير موجب ولا محذور وحينئذ:
стр. 909
لا يقال يحتمل أن يكون مبنى ذلك الاعتراض على المفهوم المعتبر عند الشافعي لا على كون السبب موجبا لأنا نقول: إن أريد بالمفهوم مفهوم قوله سبحانه: وَأَنَّ اللَّهَ إلخ فنقول: حاصله أن العدل سبب لعذاب المستحقين، والمفهوم منه أن العدل لا يكون سببا لعذاب غير المستحقين وهو معنى متفق عليه لا نزاع فيه، وإن أريد أن المفهوم من قولنا سبب تعذيبهم كونه تعالى غير ظالم أنه تعالى لو لم يعذبهم لكان ظالما فنقول هو مع بعده عن سياق كلام المعترض من قبيل الاستدلال بانتفاء السبب على انتفاء المسبب فيكون مبنيا على كون المراد بالسبب السبب الموجب- كما قلنا- ويرد عليه ما أوردناه ولا يكون من باب المفهوم في شيء وإن أريد غير هذا وذاك فليبين حتى نتكلم عليه، ومن الناس من دفع الاعتراض بأن حاصل معنى الآية وقع العذاب عليكم ولم يترك، بسبب أن الله تعالى ليس بظلام للعبيد، وهو بمنطوقه يدل على أن نفي الظلم لا يكون سببا لترك التعذيب من مستحقه ولا يدل على كون الظلم سببا لترك التعذيب بل له سبب آخر وهو لطفه تعالى فلا يرد الاعتراض، وأنت تعلم بأن هذا ذهول عن مقصود المعترض أيضا فإن دلالة الكلام على كون الظلم سببا لترك التعذيب وعدمها خارج عن مطمح نظره على ما عرفت من تقرير كلامه على أنه إذا كان المراد بالسبب السبب الموجب على ما هو مبنى كلام ذلك المولى فدلالته عليه ظاهرة فإن وجود السبب الموجب كان يكون سببا لوجود المسبب يكون عدمه سببا لعدمه- كما في طلوع الشمس ووجود النهار- فالعدل أعني نفي الظلم إذا كان سببا لتعذيب المستحق يكون عدمه أعني الظلم سببا لعدم التعذيب، وقيل:
إنه عطف على ما قدمت للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم مقيدة بانتفاء ظلمه تعالى إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم.
وتعقبه أيضا مولانا شيخ الإسلام بقوله وأنت خبير بأن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء الكفرة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدعى أن جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين انتهى، ولا يخفى عليك أن أن لا يعذبهم بذنوبهم في كلام القيل معطوف على قوله: أن يعذبهم، والمعنى أن ذكر هذا القيد رفع احتمال أن يعذبهم بغير ذنوبهم لاحتمال أن لا يعذبهم بذنوبهم فإنه أمر حسن شرعا وعقلا. وقوله: للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم مقيدة إلخ أراد به أن تعينه للسببية إنما يحصل بهذا القيد إذ بإمكان تعذيبه بغير ذنب يحتمل أن يكون سبب التعذيب إرادة العذاب بلا ذنب فيكون حاصل معنى الآية إن عذابكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم لا من شيء آخر، فإذا علمت هذا ظهر لك أن تزييف المولى كلام صاحب القيل بأن إمكان تعذيبه تعالى إلخ ناشئ عن الغفلة عن مراده، فإن كلامه ليس في منافاة هذين الأمرين بحسب ذاتهما بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب لتعين سببية الذنوب له وكذا قوله عقيب ذلك، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدعى إلخ ناشئ عن الغفلة أيضا لأن الاحتياج إلى ذلك القيد في كل من الصورتين إنما هو لتقريع المخاطبين وتبكيتهم في الاعتراف بتقصيراتهم بأنه لا سبب للعذاب إلا من قبلهم.
فالقول بالاحتياج في صورة وعدمه في صورة ركيك جدا، ثم إنه لا تدافع بين هذا القيل وبين ما نقل أولا عن فحول المفسرين حيث جعل المعطوف هناك سببا وهاهنا قيدا للسبب لأن المراد بالسبب الوسيلة المحضة كما أشرنا إليه فيما سبق فهو وسيلة سواء اعتبر سببا مستقلا أو قيدا للسبب، نعم بينهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى تدافع يتراءى من وجه آخر لكنه أيضا غير وارد كما سنحققه بحوله تعالى.
والحاصل أن العطف هنا مما لا بأس به وهو الظاهر- وإليه ذهب من ذهب- ويجوز أن يجعل- وإليه ذهب شيخ الإسلام- أَنَّ وما بعدها في محل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلي مقرر
стр. 910
لمضمون ما قبلها، أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم، والتعبير عن ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظالما بالغا لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من الظلم كما يعبر عن ترك الإثابة على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها إضاعتها، وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم، ومن هنا يعلم الجواب عما قيل: إن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته ونفي الكثرة لا ينفي أصله بل ربما يشعر بوجوده، وأجيب عن ذلك أيضا بأنه نفي لأصل الظلم وكثرته باعتبار آحاد من ظلم فالمبالغة في بِظَلَّامٍ باعتبار الكمية لا الكيفية، وبأنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى القليل لأن من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم فإذا ترك كثيره مع زيادته نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا، وبأن بِظَلَّامٍ للنسب كعطار أي لا ينسب إليه الظلم أصلا وبأن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب فلو كان تعالى ظالما سبحانه لكان ظلاما فنفى اللازم لنفي الملزوم، واعترض بأنه لا يلزم من كون صفاته تعالى في أقصى مراتب الكمال كون المفروض ثبوته كذلك بل الأصل في صفات النقص على تقدير ثوبتها أن تكون ناقصة، وأجيب بأنه إذا فرض ثبوت صفة له تعالى تفرض بما يلزمها من الكمال، والقول بأن هذا في صفات الكمال دون صفات النقص إنما يوجب عدم ثبوتها لا ثبوتها ناقصة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في هذا المقام الَّذِينَ قالُوا نصب أو رفع على الذم، وجوز أن يكون في موضع جرّ على البدلية من نظيره المتقدم.
والمراد من الموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوه وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا هذا القول: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا في التوراة وأوصانا أَلَّا نُؤْمِنَ أي بأن لا نصدق ونعترف لِرَسُولٍ يدعي الرسالة إلينا من قبل الله تعالى حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى من نعم وغيرها- كما قاله غير واحد- وقرئ بِقُرْبانٍ بضمتين تَأْكُلُهُ النَّارُ أريد به نار بيضاء تنزل من السماء ولها دويّ، والمراد من أكل النار للقربان إحالتها له إلى طبعها بالإحراق، واستعماله في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل، وقد كان أمر إحراق النار للقربان إذا قبل شائعا في زمن الأنبياء السالفين إلا أن دعوى أولئك اليهود هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات شرع في ذلك، ولما كان مرامهم من هذا الكلام الباطل عدم الإيمان برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا، ولو تحقق الإتيان به لتحقق الإيمان بزعمهم ردّ الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: قُلْ يا محمد لهؤلاء القائلين تبكيتا لهم وإظهارا لكذبهم قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ كثيرة العدد كبيرة المقدار مثل زكريا ويحيى وغيرهم مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحة والحجج الدالة على صدقهم وصحة رسالتهم وحقية قولهم كما كنتم تقترحون عليهم وتطلبون منهم وَبِالَّذِي قُلْتُمْ بعينه وهو القربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ أي فما لكم لم تؤمنوا بهم حتى اجترأتم على قتلهم مع أنهم جاؤوا بما قلتم مع معجزات أخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي فيما يدل عليه كلامكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه، والخطاب لمن في زمن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وإن كان الفعل لأسلافهم لرضاهم به- على ما مرّ غير مرة- وإنما لم يقطع سبحانه عذرهم بما سألوه من القربان المذكور لعلمه سبحانه بأن في الإتيان به مفسدة لهم، والمعجزات تابعة للمصالح، ونقل عن السدي أن هذا الشرط جاء في التوراة هكذا: من جاء يزعم أنه رسول الله تعالى فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما الصلاة والسلام فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير
стр. 911
قربان، والظاهر عدم ثبوت هذا الشرط أصلا فَإِنْ كَذَّبُوكَ فيما جئتهم به.
فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤوا بمثل ما جئت به، والجملة جواب للشرط لكن باعتبار لازمها الذي دل عليه المقام فإنه لتسليته ﷺ من تكذيب قومه واليهود له، واقتصر مجاهد على الثاني كأنه قيل فإن: كذبوك فلا تحزن وتسل، وجعل بعضهم الجواب محذوفا وهذا تعليلا له ومثله كثير في الكلام.
وقال عصام الملة: لا حاجة إلى التأويل، والقول بالحذف إذ المعنى إن يكذبوك فتكذيبك تكذيب رسل من قبلك حيث أخبروا ببعثتك، وفي ذلك كمال توبيخهم وتوضيح صدقه صلى الله تعالى عليه وسلم وتسلية له ليس فوقها تسلية، ونظر فيه بأن التسلية، على ما ذهب إليه الجمهور- أتم إذ عليه تكون المشاركة بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين إخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام في تكذيب المكذبين شفاها وصريحا، وعلى الثاني لا شركة إلا في التكذيب لكنه بالنسبة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم شفاهي وصريح، وبالنسبة إلى المرسلين ليس كذلك، ولا شك لذي ذوق أن الأول أبلغ في التسلية، وعليه يجوز في مِنْ أن تتعلق- بكذب- وأن تتعلق بمحذوف وقع صفة- لرسل- أي كائنة من قبلك. وعلى الثاني يتعين الثاني ويشعر بالأول الذي عليه الجمهور وصف الرسل بقوله سبحانه:
جاؤُ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحات الباهرات وَالزُّبُرِ جمع زبور كالرسول والرسل وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته قاله الزجاج، وقيل: الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ أي الموضح أو الواضح المستنير.
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه القرآن، ومعنى مجيء الرسل به مجيئهم بما اشتمل عليه من أصول الدين على ما يشير إليه قوله تعالى فيه: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] على وجه، وعن قتادة أن المراد به الزبر والشيء يضاعف بالاعتبار وهو واحد، وقيل: المراد به التوراة، والإنجيل. والزبور وهو في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء هو والحكمة متعاطفين في عامة المواقع، ووجه إفراد الكتاب بناء على القول الأول ظاهر، ولعل وجه إفراده بناء على القول الثاني والثالث، وإن أريد منه الجنس الصادق بالواحد والمتعدد الرمز إلى أن الكتب السماوية وإن تعدّدت فهي من بعض الحيثيات كشيء واحد.
وقرأ ابن عامر- وبالزبر- بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات بأن يراد بها المعجزات غير الكتب لأن إعادة العامل تقتضي المغايرة ولولاها لجاز أن يكون من عطف الخاص على العام.
ومن الغريب القول بأن المراد بالبينات الحروف باعتبار أسمائها كألف ولام، وبالزبر الحروف باعتبار مسمياتها ورسمها كأب، وبالكتاب الحروف المجتمعة المتلفظ بها كلمة وكلاما.
وادعى أهل هذا القول: إن لكل من ذلك معاني وأسرارا لا يعقلها إلا العالمون فهم يبحثون عن الكلمة باعتبار لفظها وباعتبار كل حرف من حروفها المرسومة وباعتبار اسم كل حرف منها الذي هو عبارة عن ثلاثة حروف، ولا يخفى أن هذا اصطلاح لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه.
والظاهر من تتبع الآثار الصحيحة أنه لم يثبت فيه عن الشارع الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم شيء ودون إثبات ذلك الموت الأحمر كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي نازل بها لا محالة فكأنها ذائقته وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب، وفيه تأكيد للتسلية له صلى الله تعالى عليه وسلم لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الهموم والأشجان الدنيوية.
стр. 912
وفي الخبر «أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل إلا وكثره»
وكذا العلم بأن وراء هذه الدار دارا أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء ويرى كل منهما جزاء عمله، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جدا، وهل تدخل الملائكة في هذا العموم؟ قولان، والجمهور على دخولهم.
فعن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: ٢٦] قالت الملائكة: مات أهل الأرض فلما نزل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧] قالت الملائكة: متنا. ووقوع الموت للأنفس في هذه النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه إلا أن الحكماء بنوا ذلك على أن هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيتين. ثم إن الحرارة تؤثر في تحليل الرطوبة، فإذا قلت الرطوبة ضعفت الحرارة ولا تزال هذه الحال مستمرة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفي الحرارة الغريزية ويحصل الموت، ومن هنا قالوا: إن الأرواح المجردة لا تموت ولا يتصور موتها إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك والمدار عندهم على حرارة الكاف ورطوبة النون، ولعلهم يفرقون بين موت وموت، وقد استدل بالآية على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن لأن الذائق لا بد أن يكون باقيا حال حصول المذوق فتدبر، وقرأ اليزيدي ذائِقَةُ الْمَوْتِ بالتنوين ونصب الموت على الأصل وقرأ الأعمش ذائِقَةُ الْمَوْتِ بطرح التنوين مع النصب كما في قوله:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر لله إلا قليلا
وعلى القراءات الثلاث كُلُّ نَفْسٍ مبتدأ وجاز ذلك وإن كان نكرة لما فيه من العموم، وذائِقَةُ الخبر، وأنث على معنى كُلُّ لأن كُلُّ نَفْسٍ نفوس ولو ذكر في غير القرآن على لفظ كُلُّ جاز. وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ أي تعطون أجزية أعمالكم وافية تامة يَوْمَ الْقِيامَةِ أي وقت قيامكم من القبور، فالقيامة مصدر والوحدة لقيامهم دفعة واحدة، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم من خير أو شر تصل إليهم قبل ذلك اليوم، ويؤيده ما
أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» ،
وقيل: النكتة في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا، ولعل من ينكر عذاب القبر تتعين عنده هذه النكتة.
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ أي بعد يومئذ عن نار جهنم، وأصل الزحزحة تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة، وقد أريد هنا المعنى اللازم وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ أي سعد ونجا قاله ابن عباس، وأصل الفوز الظفر بالبغية، وبعض الناس قدر له هنا متعلقا أي فاز بالنجاة، ونيل المراد، ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد،
وفي الخبر «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية» .
وأخرج أحمد، ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتي إليه»
وذكر دخول الجنة بعد البعد عن النار لأنه لا يلزم من البعد عنها دخول الجنة كما هو ظاهر.
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي لذاتها وشهواتها وزينتها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ المتاع ما يتمتع به وينتفع به مما يباع ويشترى وقد شبهها سبحانه بذلك المتاع الذي يدلس به على المستام ويغير حتى يشتريه إشارة إلى غاية رداءتها عند
стр. 913
من أمعن النظر فيها:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وعن قتادة هي متاع متروك أو شكت والله أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله تعالى إن استطعتم ولا قوة إلا بالله،
وعن علي كرم الله تعالى وجهه هي لين مسها قاتل سمها،
وقيل: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور، وذكر بعضهم أن هذا التشبيه بالنسبة لمن آثرها على الآخرة، وأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ،
وفي الخبر «نعم المال الصالح للرجل الصالح» ،
والغرور مصدر أو جمع غار لَتُبْلَوُنَّ جواب قسم محذوف أي والله لتختبرن، والمراد لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأفعال الحسنة ولا يصح حمل الابتلاء على حقيقته لأنه محال على علام الغيوب كما مر، والخطاب للمؤمنين أو لهم معه ﷺ ، وإنما أخبرهم سبحانه بما سيقع ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبر والثبات فإن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء، والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ولتحقيق معنى الابتلاء لهذا التهوين أتى بالتأكيد، وقد يقال: أتي به لتحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعداد، وعلى أي وجه فالجملة مسوقة لتسلية أولياء الله تعالى عما سيلقونه من جهة أعدائه سبحانه إثر تسليتهم عما وقع منهم، وقيل: إنما سيقت لبيان أن الدنيا دار محنة وابتلاء، وإنها إنما زويت عن المؤمنين ليصبروا فيؤجروا إثر بيان أنها مَتاعُ الْغُرُورِ، ولعل الأول أولى كما لا يخفى، والواو المضمومة ضمير الرفع ولام الكلمة محذوفة لعلة تصريفية، وإنما حركت هذه الواو دفعا للثقل الحاصل من التقاء الساكنين وكان ذلك بالضم ليدل على المحذوف في الجملة ولم تقلب الواو ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها لعروض ذلك فِي أَمْوالِكُمْ بالفرائض فيها والجوائح، واقتصر بعض على الثاني مدعيا أن الأول الممثل في كلامهم بالإنفاق المأمور به في سبيل الله تعالى، والزكاة لا يليق نظمه في سلك الابتلاء لما أنه من باب الأضعاف لا من قبيل الإتلاف، وفيه نظر تقدم في البقرة الإشارة إليه، وعن الحسن الاقتصار على الأول. والأولى القول بالعموم وفي أَنْفُسِكُمْ بالقتل والجراح، والأسر والأمراض وفقد الأقارب وسائر ما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد، وقدم الأموال على الأنفس للترقي إلى الأشرف. أو لأن الرزايا في الأموال أكثر من الرزايا في الأنفس وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى. والتعبير عنهم بذلك إما للإشعار بمدار الشقاق والإيذان بأن ما يسمعونه منهم مستند على زعمهم إلى الكتاب. وإما للإشارة إلى عظم صدور ذلك المسموع منهم. وشدة وقعه على الأسماع حيث إنه كلام صدر ممن لا يتوقع صدوره منه لوجود زاجر عنه معه. وهو إيتاؤه الكتاب كما قيل: والتصريح بالقليلة إما لتأكيد الإشعار وتقوية المدار وإما للمبالغة في أمر الزاجر عن صدور ذلك المسموع من أولئك المسمعين وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم كفار العرب أَذىً كَثِيراً كالطعن في الدين وتخطئة من آمن والافتراء على الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم والتشبيب بنساء المؤمنين وَإِنْ تَصْبِرُوا على تلك الشدائد عند ورودها وَتَتَّقُوا أي تتمسكوا بتقوى الله تعالى وطاعته والتبتل إليه بالكلية والإعراض عما سواه بالمرة بحيث يستوي عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه فَإِنَّ ذلِكَ إشارة إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى. وما فيه من معنى البعد إما لكونه غير مذكور صريحا على ما قيل، أو للإيذان بعلو درجة هذين الأمرين وبعد منزلتهما.
وتوحيد حرف الخطاب إما باعتبار كل واحد من المخاطبين اعتناء بشأن المخاطب به، وإما لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه من غير خصوصية أحوال المخاطبين مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي الأمور التي ينبغي أن يعزمها كل
стр. 914
أحد لما فيه من كمال المزية والشرف والعز، أو مما عزمه الله تعالى وأوجبه على عباده، وعلى كلا التقديرين فالعزم مصدر بمعنى المعزوم وهو مأخوذ من قولهم عزمت الأمر- كما نقله الراغب- والأشهر عزمت على الأمر، ودعوى أنه لم يسمع سواه غير مسموعة كدعوى عدم صحة نسبة العزم إليه تعالى لأنه توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله وهو محال عليه تعالى، ومما يؤيد صحة النسبة أنه قرئ «فإذا عزمت» بضم التاء وهو حينئذ بمعنى الإرادة والإيجاب، ومنه قول أم عطية رضي الله تعالى عنها: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وما في حديث آخر يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة، وقولهم: عزمات الله تعالى- كما نقله الأزهري- ومن هذا الباب قول الفقهاء: ترك الصلاة زمن الحيض عزيمة، والجملة تعليل لجواب واقع موقعه كأنه قيل: «وإن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم» أو فقد أحسنتم، أو نحوهما فَإِنَّ ذلِكَ إلخ، وجوز أن يكون ذلِكَ إشارة إلى صبر المخاطبين وتقواهم فحينئذ تكون الجملة بنفسها جواب الشرط، وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى، وزعم بعضهم أن هذا الأمر الذي أشارت إليه الآية كان قبل نزول آية القتال وبنزولها نسخ ذلك، وصحح عدم النسخ وأن الأمر بما ذكر كان من باب المداراة التي لا تنافي الأمر بالقتال، وسبب نزول هذه الآية في قول ما تقدمت الإشارة إليه،
وأخرج الواحدي عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله ﷺ ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله ابن أبيّ- وذلك قبل أن يسلم عبد الله فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشي المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، وقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون فلم يزل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب- يريد عبد الله بن أبيّ- قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول الله اعف عنه واصفح فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله تعالى بالحق الذي نزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله تعالى ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق فغص بذلك فعفا عنه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى الآية.
وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون ومنهم المشركون ومنهم اليهود فأراد النبي ﷺ أن يستصلحهم كلهم فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشدّ الأذى فأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله تعالى وَلَتَسْمَعُنَّ الآية.
وفي رواية أخرى عن الزهري أن كعبا هذا كان يهجو النبي ﷺ ويشبب بنساء المؤمنين فقال ﷺ : من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله فخرج هو ورضيعه أبو نائلة مع جماعة فقتلوه غيلة وأتوا برأسه إلى النبي ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلي ثم إنه سبحانه بين بعض أذيات أهل الكتاب بقوله عز قائلا وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
والمراد بهم إما أحبار اليهود خاصة- وإليه ذهب ابن جبير- وهو المروي عن ابن عباس من طريق عكرمة وإما ما يشملهم وأحبار النصارى- وهو المروي عنه من طريق علقمة- وإنما ذكروا بعنوان إيتاء الكتاب
стр. 915
مبالغة في تقبيح حالهم، وقيل: رمزا إلى أن أخذ الميثاق كان في كتابهم الذي أوتوه، وروى سعيد بن جبير ان أصحاب عبد الله يقرؤون وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم- لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ جواب ميثاق لتضمنه معنى القسم، والضمير للكتاب أي بالله لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوة محمد صلى الله تعالى عليه ولم وهو المقصود بالحكاية، وظاهر كلام السدي وابن جبير أن الضمير لمحمد ﷺ وإن لم يصرح باسمه الشريف ﵊.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ليبيننه بياء الغيبة، وقد قرر علماء العربية أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول:
استحلفته ليقومنّ، الثاني أن تأتي بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له فتقول: استحلفته لتقومن كأنك قلت: قلت له:
لتقومن، الثالث أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول: استحلفته لأقومنّ، ومنه قوله تعالى: تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [النمل: ٤٩] بالنون والياء والتاء، ولو كان تقاسموا أمرا لم يجىء فيه الياء التحتية لأنه ليس بغائب قاله بعض المحققين وَلا تَكْتُمُونَهُ عطف على الجواب وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا، وقال أبو البقاء: اكتفاء بالتوكيد في الفعل الأول.
وجوز أن يكون حالا من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدأ بعد الواو أي وأنتم لا تكتمونه وإما على رأي من يجوز دخول الواو على المضارع المنفي عند وقوعه حالا أي لتظهرنه غير كاتمين، والنهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان للمبالغة في إيجاب المأمور به- كما ذهب اليه غير واحد- أو لأن المراد بالبيان المأمور به ذكر الآيات الناطقة بنبوته ﷺ وبالكتمان المنهي عنه إلغاء التأويلات الزائغة والشبهات الباطلة كما قيل.
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه كان يفسر لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ بقوله لتتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل، وأمر النهي بعد الأمر على هذا ظاهر أيضا، ولعل الكلام عليه أفيد.
وقرأ ابن كثير ومن معه ولا يكتمونه بالياء كما في سابقه فَنَبَذُوهُ أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ ولم يراعوه ولم يلتفتوا اليه أصلا فإن النبذ وراء الظهر تمثيل واستعارة لترك الاعتداد وعدم الالتفات وعكسه جعل الشيء نصب العين ومقابلها وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه، وقيل:
الضمير للعهد والأول أولى، والمعنى أخذوا بدله ثَمَناً قَلِيلًا من حطام الدنيا الفانية وأغراضها الفاسدة فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن فيما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف، وقيل: ما مصدرية فاعل بئس والمخصوص محذوف أي بئس شراؤهم هذا الشراء لأستحقاقهم به العذاب الأليم، واستدل بالآية على وجوب إظهار العلم وحرمة كتمان شيء من أمور الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارهم واستجذاب لمبارهم ونحو ذلك،
وفي الخبر «من سئل عن علم فكتمه ألجم بالجام من نار» ،
وروى الثعلبي بإسناده عن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني، وإما أن أحدثك؟ فقال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عيينة عن نجم الخراز قال: سمعت علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه يقول: ما أخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا، قال: فحدثني أربعين حديثا،
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا هذه الآية.
وأخرج ابن سعد عن الحسن لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون