ـ[تكميل النفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع]ـ
المؤلف: محمد عمرو بن عبد اللطيف
الناشر: مكتب التوعية الإسلامية
لإحياء التراث العربي - الجيزة، مصر
الطبعة: الأولى ١٤١٠ هـ، ١٩٨٩ م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
تكميل النفع
بما لم يثبت به
وقف ولا رفع
كتبه
محمد عمرو عبد اللطيف
القسم الأول
من ١: ٢٥
стр. 3
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئا أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإني أثناء البحث عن مادة جديدة للأقسام التالية من كتابي: ((تبييض الصحيفة)) ، والتقليب في ((حلية الأولياء)) للحافظ أبي نعيم ﵀، وفي كتب أخرى، كنت أجد روايات موقوفة لكثير من الأحاديث التي أعلم عدم صحتها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأسر بذلك، وأقيد مواضعها عندي، ولكن عند مراجعة أسانيد بعضها يتبين لي عدم ثبوت وقفها أيضاً، فتفسد عليّ وأغتم! ويشاء الرحمن الرحيم تعالى أن ينجيني من الغم، ويهديني إلى التفكير في عمل آخر يكون صنواً لـ: ((التبييض)) ، مع افتراقه عنه في التعريف بالأحاديث التي لا صحة لها،، لا عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عمن رويت عنه موقوفة عليه من الصحابة والتابعين فمن بعدهم
стр. 4
فشرعت في هذا الأمر ـ مستعيناً بالله ـ حتى تجمع لي قدر من الأحاديث، فيها المشهور وغيره، يمكن انتخاب خمسين منها لإخراجه في القسم الأول من الكتاب. ثم تراجعت عن هذا القدر كله خوفاً وطمعاً وإشفاقاً، خوفاً من مغبة التسرع بتضعيف آثار تتبين صحتها بعد ذلك، وفي ذلك حرج لا يخفى، فإنه: ((من كثر كلامه كثر خطؤه)) كما في بعض الآثار! وذلك يوجب عليّ عمل استدراكات وتعقبات على ذلك.
وطمعاً في سرعة الإنجاز، توطئة لطباعة هذا القسم قبل أن يتسرب إلى النفس شئ من الضجر والملل ـ مما لا ينفك عنه أحد ـ، وقد يؤدي أيضاً إلى التوقف عن الفكرة أو إرجائها.
وإشفاقاً على أخي الحبيب، الصابر بالله ـ كما لقبه أحد أفاضل علمائنا المعاصرين ـ حفظه لنا الله ـ وهو القائم على نشر كتاباتي، فإنني لم أعرف في الناشرين الذين تعاملت معهم عن كثب أصدق منه ولا أحرص على إخراج العلم الصحيح النافع للمسلمين ولا يزال ـ ثبته الله ـ صابراً على تسويقي في إنجاز بعض مصالحه ومصالح المسلمين، فاللهم زده صبراً، وسخره لإخراج ما ينفع الكافة. آمين.
ومقصودي بالإشفاق عليه، ألا يعظم حجم الكتاب، بما يترتب عليه زيادة في تكاليف القيام على نشره. لذلك كله، رأيت الاقتصار على خمسة وعشرين حديثاً فحسب ـ كنظام ((البدائل المستحسنة)) ـ بحيث يبلغ حجم القسم منه ما يقارب حجم خمسين حديثاً من صنوة المتقدم ذكره. مع الرغبة في إعداد فهارس للرجال الذين تعرضت لهم بالقدح أثناء تخريج كل حديث أورده، وكذلك ما ورد في ثنايا الكتاب من أحاديث صحيحة استدللت بها، إلى جانب الفهرس الموضوعي بإذن الله. وسميته ـ بعد تردد ـ: ((تكميل النفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع)) . وكان أحب إلى نفسي أن يكون اسمه بعيداً عن الإطراء والتزكية ـ حتى لا أكون أقرب إلى السلامة ـ، فكنت اخترت له اسمين آخرين، أحدهما:
стр. 5
((إعلام الثقف بما لم يثبت بع رفع ولا وقف)) ، والثقف ـ بتسكين القاف وكسرها ـ: ((الحاذق الفطن النابه. والآخر: ((الشفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع)) . لكني وجدت ـ بعد استشارة أحد الأحباب ـ أن الأسمين يكتنفهما شئ من الغموض لا سيما الأول، فإن الشائع على ألسنة الناس في هذا العصر ألفاظ: ((المثقف)) و ((الثقافة)) و ((التثقيف)) مع غياب المعنى اللغوي الدقيق لها عن الكثيرين، والذي استفدناه من ((لسان العرب)) لابن منظور ﵀. ولفظة: ((الشفع)) أيضاً قد يخفى معناها على كثير من الناس، ومن فهمها قد لا يدرك مقصودي منها.
ومن الملاحظ أنني قد تطرقت في هذا الكتاب ـ خاصة ـ إلى أمور ليس لها صلة مباشرة بالتخريج، كالحط على أدعياء التحقيق ـ ممن هم عنه بمنأى عدالة وضبطاً! ـ وإبداء الحرف والتخويف من الاغترار بالألقاب والتحصيل العلمي، ومن استمراء التردي في آفات القلوب كالعجب والرياء والسمعة والدعوى في العلم، وحب الرياسة والمشيخة نجانا الله بفضله ومنه وكرمه منها، وأعاننا على أنفسنا بالصد عنها، ولعل هذا الاتجاه مني ـ بما يتضمن التذكير لنفسي قبل الآخرين ـ، ناتج عما يراه المرء ويسمعه ويقرؤه ويبلغه لدى احتكاكه بساحة الواقع العلمي للمسلمين من مصر وغيرها، من باب القول المشهور المنسوب لأبي الدرداء ﵁: ((وجدت الناس: اخبر تقله)) . فهذا يقطع عنق أخيه ـ الناشئ في طلب العلم ـ بقوله عنه: ((ما رأيت مثله، وما رأى مثل نفسه)) كأنه ابن تيمية آخر! وآخر يجاهر، أو يفاخر، والله أعلم ـ وهو يطالبني برؤية إجازة شيخي ﵀ إلى الإمام النووي ﵀ بأن ستة ـ فقط ـ من شيوخه بالإجازة مبتدعون، ويذكر كلاماً فيه أن الشيخ الفلاني قد أجازه رواية جمسع مصنفات ابن أبي الدنيا، يقولها ضاحكاً متعجباً. وثالث فتان، بدلاً من أن يقول للآباء الذين يلاحقون بناتهم، بل منهم من جرى وراءهن بالسكاكين كما حدثني الثقة المأمون! ـ: ((ارفعوا أيديكم عنهن، أعينوهن على الصون والعفاف)) ، يجلس لى الملأ قائلاً: ((خروجاً من الخلاف
стр. 6
في مسألة الحجاب والنقاب، نأذن للمرأة أن تستر جميع جسدها إلا الوجه والكفين)) ، كما أخبرني أخو الشدة والرخاء عفا الله عنه. ما هذا الفقه المتين، والقريحة الفاذة التي خرجت على الناس بهذا الهذيان؟ ! أفلا يعلم هذا الكائن أن معنى القاعدة الشرعية التي قررها الفقهاء: ((الخروج من الخلاف مستحب ما لم يوقع في خلاف آخر)) أن معنى ذلك الأخذ بأحوط الأقوال التي يتفق الجميع على مشروعيتها.
أم هو يقصد أن الأنقياء والنقيات من أهل الصيانة والديانة سوف يرضخون لما قال، وبذلك يذوب الخلاف بين المسلمين في المسألة؟ ! احتمالان، أحلاهما مر، وقديماً قال أحدهم:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
ورابع يقول ـ عقب خطبته في الناس ـ: ((من كان عنده سؤال في كذا وكذا أو استفسار عن صحة حديث، فليذكره)) . مع أن هذا الخطيب نفسه ـ سامحه الله ـ قد حشا خطبته بأحاديث لا يحل ذكرها البتة. بل هو شاهد على نفسه أن أصاب في جميع العلوم خطأ، سوى ((علم الجرح والتعديل)) ، هكذا بالضم والله.
فيا عباد الله، رحم الله امرأ عرف قدر نفسه (١) ، فلم يبخسها حقها، ولم يتعد حدوده أيضاً فيرفعها فوق قدرها. فهل آن لهؤلاء أن يكفوا عن الدعاوى العريضة، والمديح المردي، والألقاب الضارة. هل آن لنا أن نراقب القلوب، ونصلح من الألسن، ونتقي الله فنقول قولاً سديداً؟ هل آن لغير المختص في علم من العلوم أن يكف عن تلفيق قواعد وأصول لا سلف له فيها، ولم يحسن فهمها، حتى لا يأتي بالمضحكات المبكيات، قبل العرض على جبار الأرضين والسموات؟ وأن يتوب من دعوى استعداده الإجابة في كل ما يسأل عنه من تفسير أو حكم أو حديث بغير مسوغ؟ وقد قال ابن مسعود ﵁
стр. 7
فيما راوه الدارمي وغيره بإسناد صحيح عنه ـ: ((إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتى لمجنون)) : هذا ـ عباد الله ـ فيمن هو أهل، فكيف بمن ليس بأهل؟ ! .
إذ لا يستطيع مسلم أن يرد القول بأن: ((النية هي المطية)) ، كما يردد أحد الأحبة دائماً، ولا أن ينفي أن رأس مال كل مسلم من عالم وطالب علم وعابد هو إخلاص العمل لله ، ومعالجة النية وتصحيحيها على الدوام. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ... ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن
دعوتهم تحوط من وراءهم (١)) .
وثبت أيضاً أن صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((بشر هذه الأمة بالسناء، والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب (٢)) . وقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يحترزون من أقوال وأفعال، نعدها نحن في هذه الأيام من التوافه والمحقرات. قيل لأحدهم: أدع الله لنا. قال: لا تحضرني لذلك نية. وكان شيخ الإسلام الأوزاعي ﵀ على إمامته وجلالته ـ يكره أن يرى معتماً يوم الجمعة وحده مخافة الشهرة، فكان يرسل إلى تلاميذه: الهقل وابن أبي العشرين وعقبة بن علقمة أن اعتموا اليوم فإني أكره أن أعتم. فيا سبحان الله، هلك الذين كانوا يحبون الخمول ويمقتون الشهرة، وكثرت عمائم العجب والخيلاء حتى ظن بعض من أرخى أربع أصابع أنه قد صار بذلك إمام المسلمين ـ وفيهم ـ يا أسفى ـ شباب في مقتبل العمر. وبعد كل ذلك، فلا يظنن ظان أنني أدعى لنفسي الإخلاص أو التجرد أو الرسوخ في العلم أو طهارة القلب من الآفات.
стр. 8
حاشا وكلا، على أنني أسألها الله على الدوام، عسى أو يرزقنيها يوماً من الأيام، ويهديني فيمن هدى، فلا يطردني عن بابه، ولا يحرمني من جنابه.
(أما) بشأن هذا الكتاب، فينبغي التنبيه على أنني قد أسسته على تضعيف الألفاظ لا المعاني، فما هو كتاب تصحيح مفاهيم، ولا تثبيت معاني، ولا خوض في أصول أو فروع، ولا ذكر بدائل، ولا تقرير معنى صحيح لآية. بل هو لدفع صحة صدور الألفاظ الواردة فيه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أحد من السلف. نعم، قد أطرق إلى بعض هذه الأمور إن اقتضى المقام ذلك في بعض الأحيان. فمثلاً، إذا أثبت وضع حديث: ((أفضل الحسنات تكرمة الجلساء)) ، ووهاءه موقوفاً، فلا يلزمني إيراد ما ثبت مرفوعاً في ((أفضل الحسنات)) أو ((الأعمال)) ، أو أحبها إلى الله ، ولا إيراد ما صح في فضل إكرام الكرء جليسه. وهذا باب لو فتح لم ينغلق أبداً. وإذا ثبت ضعف حديث ما في تعيين: ((اسم الله الأعظم)) ، فلا يلزمني إيراد ما صح في هذا الباب من الأحاديث والآثار، على ألا يفهم مما قررته إهدار أهمية الإلحاح على الله بدعوة ذي النون علي السلام: (لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين) ، بدليل أنني قد أوردت بعض ما صح في فضلها.
وإذا حكيت تضعيف حديث: ((من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى، كتب له حسنة مضاعفة ... )) ، فليس مقصدي البتة أن الاستماع إلى القرآن العظيم لا ثواب له، ولا فضل فيه. كيف، وقد جعل الله تعالى جزاءه رحمته التي وسعت كل شئ، (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (١) ، وجعله تعالى مشهوداً تشهده ملائكة الرحمة المتعاقبة في العباد، (وقرآن الفجر. إن قرآن الفجر كان مشهوداً) (٢) .
стр. 9
فالمقصد أن القضية قضية تصحيح وتضعيف ألفاظ لا معاني، و ((رحم الله امرءا قال خيراً، أو سكت فسلم)) .
هذا، وقد حرصت في هذا الكتاب على الترضي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والترحم على تابعيهم بإحسان ـ في أغلب المواضع ـ، والدعاء لأئمة المسلمين، وتوقيرهم بما يستحقون من الألفاظ الدالة على إمامتهم ومنزلتهم العلمية، مع ترك الإغماض عما يقع في كلام بعضهم على الأحاديث من السهو والخطأ اللذين لا ينفك عنهما بشر، بما يتبين لي أنه الحق والصواب إن شاء الله تعالى، سائلاً إياه أن يصلح النية ويجعله نصحاً لوجهه، مجرداً من شهوة النفس وحظ الشيطان.
إنه على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
وكتبه: محمد عمرو بن عبد اللطيف بن محمد. ثم الفراغ منها صبيحة يوم الجمعة الموافق الحادي عشر من رجب ١٤٠٩هـ.، والسابع عشر من فبراير ١٩٨٩م.
стр. 10
الحديث الأول:
((إذا جعلت إصبعيك في أذنك، سمعت خرير الكوثر)) . موضوع. رواه الدارقطني كما في ((الجامع الصغير)) (٥٥٣) عن عائشة، ﵂. وما هو في ((سننه)) المتبادرة لدى الإطلاق، فلعله في غيرها.
وقال الحافظ المناوي رحم الله في ((الفيض)) (١/٣٢٧) : ((رمز لضعفه ـ يعني السيوطي ـ، ومن حكى أنه رمز لصحته أو حسنه فقد وهم، وبين السخاوي وغيره أن فيه وقفاً وانقطاعاً، لكن يعضده ما رواه الدارقطني أيضاً عن عائشة (يعني مرفوعاً) : ((إن الله أعطاني نهراً في الجنة لا يدخل أحد إصبعيه في أذنيه إلا سمع خريره)) قالت: فكيف؟ قال: ((أدخلي إصبعيك وسدي إذنيك منهما خريره)) اهـ. قلت: وأورده الشيخ الألباني حفظه الله في ((ضعيف الجامع)) (١/١٧٠) وقال: ((موضوع)) وأحال على كتاب ((تذكرة الموضوعات)) للشيخ الفتني ﵀.
(وروى) عن عائشة ﵂ مرفوعاً ـ بسند ضعيف ومنقطع كما تقدمت الإشارة إلأى ذلك عن الحافز السخاوي ﵀. ففي ((زهد هناد)) (١٤١) و ((تفسير الطبري)) (٣٠/٢٠٧) عن وكيع عن أبي جعفر الرازي عن ابن أبي نجيح عنها قالت: ((من أحب أن يسمع خرير الكوثر، فليجعل إصبعيه في أذنيه)) . ورواه الطبري عن ثقتين عن أبي جعفر الرازي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن رجل عنها بنحوه. وروى البيهقي في ((البعث)) (١٣٠) من طريق يونس بن بكير عن عيسى عن عبد الله التميمي (هو جعفر الرازي) عن ابن أبي نجيح قال ـ في قوله (إنا أعطيناك الكوثر) قال: ((نهر في الجنة. وقالت عائشة: هو نهر في الجنة، ليس أحد يدخل ... )) الأثر. قلت: وإسناده ضعيف، مداره على أبي جعفر الرازي، قال الحافظ ﵀ في ((التقريب)) (٨٠١٩) : ((صدوق سئ الحفظ خصوصاً عن مغيرة)) . وأما الانقطاع، فقال
стр. 11
الحافظ العلائي ﵀ في ((جامع التحصيل)) (٤٠٦) : ((عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي، ذكره ابن المديني فيمن لم يلق أحداً من الصحابة رضي الل عنهم ... )) قلت: فقول العلامة الألباني حفظه الله في ((الصحيحة)) (٢١٦) ـ في حديث آخر يرويه ابن أبي نجيح عن عائشة ـ: ((قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ولكنه منقطع بين ابن أبي نجيح ـ واسمه عبد الله ـ وعائشة، فإنه لم يسمع منها كما قال أبو حاتم، خلافاً لابن المديني، ووقع التصريح بسماعه منها في ((صحيح البخاري)) فالله أعلم)) اهـ.
هو وهم منه عفا الله عنه، فإن الكلام الذي ذكره يتعلق بمجاهد بن جبر ﵀ أحد شيوخ ابن أبي نجيح ـ لا بد به هو، فانظر ((الجرح والتعديل)) (٨/٣١٩) و ((جامع التحصيل)) (٧٣٦) و ((التهذيب)) (١٠/٤٢-٤٣) يتبين لك صحة ما ذكرت، والله الذي لا إله إلا هو، ما أوردت هذا الحديث، ولا جعلته أول حديث في هذا الكتاب من أجل توهيم شيخنا الجليل، وما كان هذا على بالي قط حين اخترت هذا الحديث، ولكنني أثناء البحث عن قضية سماع ابن أبي نجيح من الصحابة تذكرت تعليقاً قديماً لي على نسختي من ((الصحيحة)) فرأيت من اللائق إيراده في هذا المقام تنبيهاً للشيخ ونصيحة للقراء.
والمقصود أن رواية ابن أبي نجيح عن عائشة منقطعة ـ على ما في رواية وكيع ويونس بن بكير ـ، أما على رواية أبي النضر وشبابه ـ عند الطبري ـ ففي الإسناد رجل مجهول العين لم يسم. ولا مانع من أن يكون ابن أبي نجيح قد رواه تارة عن مجاهد عنه عن عائشة، وتارة كان يرسله عنها لولا أن أبا جعفر الرازي ضعيف في حديثه خلل واضطراب كثير، فلعله هو الذي كان يضطرب فيه. والعلم عند الله تعالى.
وهذا الحديث ـ لنكارته ـ اضطر بعض العلماء إلى تأويله. قال العلامة ابن القيم ﵀ في ((حادي الأوراح)) (ص١٤٨-١٤٩) : ((وقالت عائة: ... )) فذكره، قال: ((وهذا معناه ـ والله أعلم ـ أن خرير ذلك النهر يشبه الخرير الذي يسمعه حين يدخل إصبعيه في أذنيه)) . وقال المناوي:
стр. 12
((قال ابن الأثير (١) : معناه: من أحب أن يسمع خرير الكوثر أي نظيره أو ما يشبهه ـ لا أنه يسمعه بعينه ـ بل شبيه دويه بدوى ما يسمع إذا وضع إصبعيه في أذنيه)) اهـ. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم الكثير في صفة الكوثر، بدون هذه العبارة، فالله أعلى وأعلم.
стр. 13
الحديث الثاني:
((إذا عسر على المرأة ولدها أخذ إناء نظيفاً (١) يكتب فيه: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) إلى آخر الآية، و: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) و: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) إلى آخر الآبة، ثم يغسل ويسقي المرأة منه، وينضح على بطنها وفرجها)) . ضعيف جداً أو موضوع. رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦١٩) من طريق عبد الله بن محمد بن المغيرة حدثنا سفيا الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً به. وابن المغيرة هذا واه، أتهم. قال العقيلي: ((وكان يخالف في بعض حديثه، ويحدث بما لا أصل له)) . وقال النسائي: ((روى عن الثوري ومالك بن مغول أحاديث كانا أتقى لله من أن يحدثا بها)) . وأورد له الحافظ الذهبي ﵀ في ((الميزان)) (٢/٤٨٧-٤٨٨) أحاديث، وقال: ((قلت: وهذه موضوعات)) . وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن الكوفي القاضي، قال الحافظ (٦٠٨١) : ((صدوق سئ الحفظ جداً)) . والحديث أورده الهندي ﵀ في ((كنز العمال)) (١٠/٦٤) من رواية ابن السني بلفظ: ((إذا عسر على المرأة ولادتها خذ إناء نظيفاً فاكتب عليه ... )) وفيه: ((ثم يغسل وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفي وجهها)) . ولا يبعد أن يكون هذا هو لفظه الصحيح قبل أن تتناول الكتاب أيدي التحريف وقلة الدقة في التحقيق، ثم يدعى تخريج أحاديثه من لا ناقة له ـ في هذا الشأن ـ ولا جمل، ممعناً في إيهام القراء أنه ملتزم أو متمكن ـ والله أعلم ـ إذ يكتب على طرته: ((حققه فلان بن فلان)) ! ثم كأنه تدارك الأمر فقال في طبعة أهرى: ((خرج أحاديثه وعلق عليه)) وحذف لفظ: ((ابن)) ، فالله المستعان.
ولا أقول هذا مقراً على نفسي بالتحقيق الذي يدخل فيه النظر في المخطوطات
стр. 14
والبراعة في قراءتها وفك رموزها، بل أشهد على نفسي أيضاً لا باع لي في هذا الأمر، ولذلك لم يسند إلى تحقيق كتاب مخطوط حتى هذه اللحظة. فمن كتب على طرة كتاب: ((آداب حملة القرآن)) للإمام الآحري رحمه اله ـ محولاظً اسمه إلى: ((أخلاق أهل القرآن)) ـ: ((حققه وخرج أحاديثه الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف)) ـ وما حققته ولا رأيت مخطوطته بل نقلها غيري ـ أقول: من كتب ذلك، فقط غلط عليّ. وقد دعا ذلك البعض إلى اتهامي بالتصرف في اسم الكتاب باعتباري محققه ثم إن الناشر وصمني بمشيخة لست لها بأهل دون استشارتي في ذلك. وما أنا إلا عبد مذنب فقير إلى رحمة ربه الجليل، وطالب علم لم يزل في بداية الطريق. نعوذ بالله من انتحال المشيخة قبل الأوان، ومن الاغترار بما وهبنا الرحمن ﵎ من بعض فهم لقواعد علم ((مصطلح الحديث)) وأحوال طائفة من رجال الحديث ومراتبه. وما هذا ـ وحده ـ علم الحديث بفنونه وتقاسيمه، على قصور وقلة بلع، وجهل تاك أحياناً في بعض فروع العلم. ومن نظر بعين البصيرة علم أن الفضل لله تعالى وحده يسلبه متى شاء ـ ويؤتيه من يشاء (وفوق كل ذي علم عليم) .
وبعد، فقد (روى) هذا الحديث أيضاً موقوفاً على ابن عباس ﵄ من طريق أخرى عن الثوري، وعن غيره عن ابن ليلى بنحوه، ففي ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٧/٣٨٥) : ((حدثنا علي بن مسهر عن ابن أبي ليلى به ... )) فذكره.
ولفظة: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب هاتين الآيتين والكلمات في صحفة ثم تغسل فتسقى منه: بسم الله لا إله إلا هو الحليم الكريم. سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم: ٠ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) ،: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار. بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) . وقال حمزة بن يوسف السهمي ﵀ في ((تاريخ جرجان)) (ص٢٢٩) : ((قرأت في كتاب (الطب) لأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم البحري: أعطاني أبو عمران إبراهيم
стр. 15
ابن هانئ كتاباً له (في الأصل ـ محرفاً ـ كتاب الله) عن شجاع بن صبيح عن مصعب بن ماهان عن الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ... )) فذكره لأخصر مما قبله، وفيه: ((قال سفيان: يكتب بعسل أو زعفران أو نحوهما ثم يغسله فتشربها المرأة)) . ومدار الطريقين على أن ابن أبي ليلى، وقد تقدم ذكره. وفي إسناد السهمي ـ سواه ـ: ((مصعب بن ماهان)) ، وهو مختلف فيه، وقال الحافظ (٦٦٩٤) : ((صدوق عابد كثير الخطأ)) . والراوي عنه لم يذكر فيه السهمي (٣٦٧) جرحاً ولا تعديلاً. وكذلك أبو عمرن إبراهيم ابن هانئ (١٣٩) على جلالة ترجمته عنده. فقوله في هذا الإسناد: ((عن الحكم عن مقسم)) بدلاً من: ((عن سعيد بن جبير)) إن لم يكن من سوء حفظ ابن أبي ليلى واضطرابه، فهو من قبل أحد هؤلاء. فالله أعلم.
ومع ضعف هذا الأشر، فقد عمل به الإمام أحمد ﵀. قال الإمام ابن القيم ﵀ في ((زاد المعاد)) (٣/١٨٠) : ((كتاب لعسر الولادة. قال الخلال: حدثني عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام (١) أبيض أو شئ نظيف، يكتب حديث ابن عباس ﵁ ... )) فذكره. وقال ((قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروذي (٢) أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين، فقال: قل له يجئ بجام واسع وزعفران. ورأيته يكتب لغير واحد ... )) . قلت: وفي هذا دليل على أن الإمام أحمد ﵀ كان يأخذ بالأحاديث والآثار الضعيفة إذا لم يجد في الباب غيرها، ولم يكن هناك ما يدفعها، والله أعلم.
стр. 16
فائدة: وقد روى ابن السني (٦٢٠) - عقب حديث ابن عباس الذي تقدم الكلام عنه - حديثاً آخر مرفوعاً بإسناد أتلف منه بكثير، من طريق عبيد الله عن محمد بن خنيس (في الأصل: عبد الله ـ مكبراً - وهو تحريف) حدثني موسى ابن محمد بن عطاء حدثنا بقية بن الوليد حدثني عيسى بن إبراهيم القرشي عن موسى بن أبي حبيب قال: ((سمعت علي بن الحسين يحدث عن أبيه عن أمه فاطمة ﵂، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما دنا ولادها - أمر أم سليم وزينب بنت جحش أن تأتيا فاطمة فتقرءا عندها آية الكرسي و: (إن ربكم الله ... ) إلى آخر الآية، وتعوذاها بالمعوذتين)) . وهذا إسناد قد هلهل (١) بالمرة، وفيه الآتي:
١- عبيد الله بن محمد بن خنيس، وهو الدمياطي، وقيل: الدمشقي. ترجمة بن عساكر
في ((تاريخه)) (١٠/٧٣٢-٧٣٣) برواية جماعة عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
٢- وشيخه موسى بن محمد بن عطاء، وهو البلقاوي الدمياطي المقدسي، أحد التلفاء.
قال العقيلي: ((يحدث عن الثقات بالبواطيل والموضوعات)) . وقال ابن حبان وغيره: ((كان يضع الحديث)) . وكذبه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان. فالظاهر أنه من وضعه.
٣- وعيسى بن إبراهيم القرشي، وهاه ابن معين وقال أبو حاتم والنسائي: ((متورك)) .
٤- وشيخه موسى بن أبي حبيب، وهو الحمصي. ضعفه أبو حاتم. وقال الذهبي في ((الميزان)) (٤/٢٠٢) : ((وخبرة ساقط)) . قلت: ومن قرائن تهافت هذا الحديث واختلافه، أن الزهراء ﵂ ماتت بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بستة أشهر، والحسين ﵁ لم يزل غلاماً صغيراً، فمتى حدثته فاطمة بذلك عن جده المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ! .
стр. 17
وهذا الحافظ الطبراني (﵀) - على سعة روايته - لم يورد في ((معجمه الكبير)) (٢٢/٤١٤-٤١٥) من رواية الحسين عنها إلا حديثين، في أحدهما الحكم عبد الله الأيلي، وهو وضاع. وفي الآخر جماعة لم يعرفهم الهيثمي، وفيه أيضاً: جندل بن والق، صدقه أبو حاتم ووثقه ابن حبان. أما مسلم فقال: متروك الحديث. ولينه البزار. والمتن الذي رواه ظاهر البطلان في فضل أمير المؤمنين علي ﵁ (١) . أما عامة ما أورده الطبراني للزهراء ﵂ فلا يكاد يسلم منها حديث، إما وهاه في الإسناد، أو كونه من مسند غيرها لا من مسندها هي. أو مما حدثت به عائشة ﵂ قبيل أو عقيب وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من وراية مخصوصة بعينها -، وهذا ما تبين لي من مجموع هذه الروايات: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) .
стр. 18
الحديث الثالث:
((إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها من العمل، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه)) ضعيف. رواه الإمام أحمد (٦/١٥٧) - واللفظ له - والبزار (٣٢٦٠) كشف الأستار) وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢/١٨٩) وعنه ابن رشيد الفهري في ((ملئ العيبة) (٣/٣٨٨٠٣٨٩) والخطيب (٦/٨٨) من طريق حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عائشة مرفوعاً. وكذلك الديلمي كما في ((الفردوس)) (١٣٣٢) ، قال الحافظ في ((تسديد القوس)) - ونقله المحققان -: ((أحمد وأبو الشيخ من رواية مجاهد عن عائشة)) . وقال البزار: ((لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا وائدة، ولا عنه إلا حسين)) اهـ. قلت: وهو إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح سوى ليت ـ وهو ابن أبي سليم الكوفي ـ، فضعيف اختلط كما يأتي مفصلاً بإذن الله. وكلام الحافظ البزار ﵀، إليه المنتهى في الدقة، فقد روى الحديث عن ليث أيضاً بإسناد ومتن سوى هذا.
وقال الحافظ المنذري ﵀ في ((الترغيب)) (٤/٥٣٧) : ((رواه أحمد، ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم)) .
وذكره الحافظ الهيثمي ﵀ في ((المجمع)) في موضعين، فقال في الأول (٢/٢٩١) : ((رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات)) . وقال في الثاني (١٠/١٩٢) : ((رواه أحمد والبزار، وإسناده حسن)) . كذا قال.
وقال الحافظ العراقي ﵀ كما في ((تخريج الإحياء)) (٣٣١٩) -: ((تقدم أيضاً في ((النكاح)) ، وهو عند أحمد من حديث عائشة: ((ابتلاه الله بالحزن)) النتهى. قلت (القائل: الزبيدي) : ذكر هناك أن فيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، ولفظ أحمد في ((المسند)) ... ، حتى قال: ((ولكن حسن السيوطي
стр. 19
وكأنه رجح جانب التوثيق فيه، والله أعلم)) . قلت: كلا، بل لعله ذهول أو غير ذلك، فإن ليثاً عند الحافظ السيوطي ﵀ من المقطوع بضعفهم، بل حكم ببطلان بعض أحاديث له من جهة المتن كما يأتي في الحديث التاسع عشر بإذن الله. والحديث في ((الجامع الصغير)) (٨٣٨) مرموزاً له بالحسن.
قال المناوى (١/٣٤٣) - بعد حكاية كلام المنذري والعراقي والهيثمي -: (( ... وقد رمز المصنف لحسنه)) .
أما الإسناد الآخر الذي أشرنا إليه، فهو ما رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢/٣/١٣٤/ب) من طريق أحمد بن عمران الأخنسي قال: سمعت أبا بكر ابن عياش وعبد الرحمن المحاربي عن ليث عن الحكم بن عتيبة رفعه قال: ((إذا كثرت ذنوب العبد ... )) ، فذكره بنحو مما تقدم.
والأخنسي هاذ واه، قال أبو زرعة: ((كتبت عنه ببغداد، وكان كوفياً، وتركوه)) . وقال البخاري والأزدي: ((منكر الحديث)) ، ومع ذلك وثقه ابن عدي وقال ابن حبان في ((ثقاته)) : ((مستقيم الحديث)) . وقد توبع على روايته عن أبي بكر بن عياش وحده - فيما أعلم - بلفظ يختلف عن هذا، فعند عبد الله ابن الإمام أحمد في ((زوائد الزهد)) (ص١٠) وعند الخطيب (٧/١١١) عن بيان ابن الحكم حدثنا محمد بن حاتم أبو جعفر عن بشر بن الحارث (١) أبنأنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم مرفوعاً: ((إذا قصر العبد في العمل، ابتلاه الله بالهم)) .
ورواه أيضاً الديلمي كما في ((الفردوس)) (١١٤٧) ، بلفظ: ((بالحزن)) . قال الحافظ في (تسديد القوس)) : ((الحكم بن عمير)) يعني أن الحكم الذي أرسل هذا الحديث هو ابن عمير المجهول الذي لم تثبت صحبته من وجه يعتمد عليه، وليس الحكم بن عتيبة الفقيه الكوفي المشهور، ولا أدري ما حجة الحافظ ﵀ في هذا الجزم، وليث لم أجد له رواية لا عن هذا ولا عن ذاك -، مع أن الأشبه أن يكون بلديه الحكم بن عتيبة -، والحديث في الحالين غير متصل،
стр. 20
أما رواية الأخنسي المتقدمة،، والتي تنص على أنه: ((ابن عتيبة)) ، فلا يؤبه لها. وله علة أخرى. ففي الإسناد أيضاً: بيان بن الحكم، ترجمة الخطيب في ((تاريخ بغداد)) من رواية عبد الله عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال الذهبي في ((الميزان)) (١/٣٥٦) : ((لا يعرف)) ، وذكر له هذا الحديث وقال: ((معضل)) .
ونخلص من ذلك أن الإسناد إلى أبي بكر بن عياش والمحاربيعن ليث لم يثبت أصلاً، وأن الصحيح عن ليث - على ضعفه - روايته عن مجاهد عن عائشة موصولاً باللفظ الأول. ومن أجل ذلك تركت إعلاله بابن عياش إذ لا مدخل له فيه. والأصل فيه القبول والتوثيق ما لم تثبت مخالفته للأثبات، ولم تثبت.
(ملحوظة) : ولا يغتر برواية الخطيب للحديث، بلفظ: ((إذا كان للعبد ذنوب وخطايا ولم يكن له عمل صالح، ابتلى بالغموم والأحزان ليكون كفارة لذنوبه)) . ففي إسنادها - سوى ليث -: عمربن مدرك الرازي وهو متروك كذب، فلعل هذه التزيدات منه، والراوي عنه لم يذكر فيه الخطيب جرحاً ولا تعديلاً. وشيخه لم أهتد به إليه.
(أما) الراوية الموقوفة، فقد روى بعض الرافضة هذا الحديث عن الحكم ابن عتيبة، فألصقوه بجعفر الصادق رحمه اللله، ففي ((أمالي المفيد)) (ص٢٤،٢٣) من طريق الحسين بن سعيد، عن ابن أ [ي عمير، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن الحكم بن عتيبة قال: قال أبو عبد الله ﵇: ((إذا العبد إذا كثرت ذنوبه)) اهـ. وفي إسناده جماعة من الشيعة الذين لا يوثق بهم، والذين لا يتبين ضدقهم من كذبهم، والذين قال فيهم الذهبي ﵀ في ((الميزان)) (١/٥-٦) - لدى كلامه عن البدعة الصغرى والبدعة الكبرى -: (( ... ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضاً فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً
стр. 21
صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب علياً ﵁، وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضاً، فهذا ضال معثر ... )) قلت: والذي وقعت على كلام فيه الآن منهم: ((الحسين بن سعيد)) . قال الحافظ في ((اللسان)) (٢/٢٨٤) : ((ذكره الطوسي والكشي في الراوة عن علي بن موسى الرضا وغيره، له تصانيف. روى عن الحسين بن الحسن بن أبان وأحمد بن محمد بن عيسى القمي)) . قلت: وإسماعيل بن إبراهيم - رواية عن الحكم - لم أدر من يكون؟ وانظر ترجمة المفيد نفسه، واسمه: ((محمد بن محمد بن النعمان البغدادي)) في ((السير)) (١٧/٣٤٤-٣٤٥) و ((اللسان)) (٥/٣٦٨) . والله الهادي إلى سواء السبيل، لا رب سواه.
أقول: ومن أمارات كونه ملصقاً بجعفر بن محمد رحمهما الله، أنني لم أجد للحكم رواية عنه في ترجمة كل منهما من ((تهذيب الكمال)) مع أنع لا يحسن إغفال مثل ذلك، فالله أعلى وأعلم.
استدراك:
وراوي الأثرعن الحسي بن سعيد: أحمد بن محمد بن عيسى القمي وجدته بعد في ((اللسان)) (١/٢٦٠) وقال: (( ... شيخ الرافضة بقم. له تصانيف شهيرة..)) .
وقد أسندوه أيضاً إلى علي ﵁ بلفظ: ((من قصر بالعمل ابتلى بالهم..)) كما في ((النهج)) وعزاه صاحب ((مصادر نهج البلاغة وأسانيده)) (٤/١١٣) إلى كتاب ((غرر الحكم)) (ص٢٩٥) ، وهو محذوف الأسانيد، لم أجد لمؤلفه ترجمة.
стр. 22
الحديث الرابع:
إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أري الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمال أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر)) .
ضعيف. رواه الإمام مالك ﵀ في ((الموطأ)) (١/٩٩) - (تنوير الحوالك للسيوطي) من رواية يحيى بن يحيى عن زياد ب عبد الرحمن عنه أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: ... فذكره. وهذا إسناد ضعيف لعدم اتصاله، عن رجل أبهمه الإمام مالك ﵀ مع إخباره بوثوق به- على خلاف عند أهل العلم في قبول المبهم بصيغة التعديل. فعلى القول بقبول ذلك منه ﵀ فالإسناد مرسل إن كان شيخه هذا تابعياً، وإلا فمعضل والعلم عند الله تعالى.
قال الحافظ السيوطي ﵀ في ((التنوير)) : ((قال ابن عبد البر: هذا لا يعرف في غير ((الموطأ)) لا مسنداً ولا مرسلاً , وهو أحد الأحاديث التى انفرد بها مالك. قلت: لكن له شواهد من حيث المعنى مرسلة، فأخرج ابن أبي حاتم ... )) فذكر ما سنورده ونجيب عنه بحول الله وقوته. وعن مالك رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) كما في ((الدر المنثور)) (٦/٣٧١) .
(وروى) معناه من حديث ابن عباس، ومرسل مجاهد، معضل علي بن عمرة الدمشقي ٠ أحد الهلكي -، ومن مقطوع مجاهد - ببعضه - حكاية عن بني إسرائيل - دون أن يصرح برفعه -، مرسلاً بباقيه كما يأتي.
(أما) حيث ابن عباس، فقال الإمام البغوي ﵀ في (تفسيره)) (٤/٥١٢) : ((قال عطاء عن ابن عباس: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألأف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لذلك، وتمنى ذلك لأمته فقال:
стр. 23
يارب جعلت أمتي الأمم أعماراً وأقلها أعمالاً، فأعطاه الله ليلة القدر، فقال: (ليلة القدر خير من ألف شهر) التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، ولأمتك إلى يوم القيامة)) . هكذا علقه البغوي، ولم يسق سنده به إلى أعطاء. ففي القلب من ثبوته عند ارتياب كبير، بل أكاد أقطع بذلك. ولذلك لم يعرج عليه ابن عبد البر وابن كثير والسيوطي ﵏ إن كانوا وقفوا عليه - مع توافر الدواعي والهمم على إيراده موصولاً عن ابن عباس، وإعطائه الأولوية على مرسل مجاهد وقوله.
(وأما) مرسل مجاهد، فرواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) كما في ((تفسير الحافظ ابن كثير)) ﵀ (٤/٥٣٠) ، والبيهقي في ((سننه)) (٤/٣٠٦) والواحدي في ((أسباب النزول)) (ص٣٣٩-٣٤٠) من طرق عن مسلم ابن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل ليس السلاح في سبيل ألف شهر. قال: فعجب المسلمون من ذلك. قال: فأنزل الله (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) التي ليس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل ألف شهر)) . قال البيهقي: ((وهذ مرسل)) اهـ.
ولا يثبت إسناده إلى مجاهد أيضاً، فإن الزنجي ضعيف عند البيهقي نفسه والجمهور، فقد قال البيهقي (٢/٤٩٥) - عقب حديث مرسل رواه -: ((وقد روي بإسناد موصول إلا أنه ضعيف)) ثم رواه من طريق الإمام أبي داود ﵀ بسنده إلى مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال: ((قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالقوي، مسلم بن خالد ضعيف)) . قلت: ودلني على رأي البيهقي فيه الإمام ابن التركماني ﵀، إذ قال تعليقاً على حديث آخر رواه البيهقي (٨/١٢٣) - في القسامة (١) - واحتج به للشافعية ساكتاً عنه: ((قلت: في إسناده لين، كذا
стр. 24
في ((التمهيد)) . وذلك أن الزنجي ضعيف. كذا قال البيهقي في باب من زعم أن التروايح بالجماعة أفضل. وقال ابن المديني: ليس بشئ. وقال أبو زرعة والبخاري: منكر الحديث..)) الخ. ومرسل مجاهد رواه أيضاً ابن المنذر في ((تفسيره)) كما في ((الدر المنثور)) .
(وأما) معضل علي بن عروة - وهو أوهاها جميعاً إن لم يكن إسناد حديث البغوي إلى عطاء شر منه -، فقد رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب حدثني مسلمة بن علي عن علي بن عروة قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاماً لم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون. قال: فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد: عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين، فقد أنزل الله خيراً من ذلك، فقرأ عليه: (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك. قال: ((فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والناس معه)) . وفي هذا الإسناد مسلمة بن علي، وهو الخشني الدمشقي البلاطي، متروك كما في ((التقريب)) (٦٦٦٢) ، وقال الحاكم: ((روى عن الأوزاعي والزبيدي المناكير والموضوعات)) . وحكم أبو حاتم الرازي على أحاديث رواها بالبطلان. وشيخه على بن عروة هو القرشي الدمشقي أيضاً متروك مثله كما قال الحافظ (٤٧٧١) ورماه صالح بن محمد جزرة وابن حبان بالوضع. ومع ذلك فالإسناد أيضاً معضل.
стр. 25
(وأما) موقوف مجاهد، فرواه الطبري (٣٠/١٦٧) عن شيخه محمد بن حميد الرازي عن حكام بن سلم عن المثنى بن الصباح عنه قال: ((كان بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية (ليلة القدر خير من ألف شهر) قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل)) . نعم، ذكر نزول الآية حكمة حكم المرفوع المرسل - ولا بد - أما الحكاية عن بني إسرائيل فلم يبين مجاهد عمن تلقاها، ولا تحمل هذه الرواية على سابقتها المرسلة عنه لعدم ثبوت في كل. ومع ذلك، فإسناد هذه أوهى بكثير، فلا يصلح شاهداً ولا مشهوداً له. ومحمد بن حميد الرازي - مع أنه معدود في الحفاظ - لكنه متهم بالكذب وغيره من القبائح، وقد وهاه جماعة وصرح أبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة - الرازيون - وصالح جزرة وابن حراش بتكذيبه، وبين بعضهم أنه كان يقلب الأحاديث عمداً ويأخذ أحاديث الكوفيين فيرويها عن الرازيين. نعم، ولم يتبين أمره لابن معين فوثقه هو وغير واحد.
والمثنى بن الصباح - راويه عن مجاهد - هو اليماني الأبناوي، نزيل مكة. وهو واه، اتفقوا على تضعيفه - بإستشناء رواية فيه نظر عن ابن معين -، ووهاه الإمام أحمد ويحيى القطان والنسائي والساجي وابن الجنيد وابن عدي والدارقطني.
(هذا) والصحيح في تفسير الآية خلاف ذلك، فقد قال الإمام الطبري ﵀ (٣٠/١٦٧-١٦٨) - بعد أن ذكر رواية أخرى أنكر من هذه تفسر نزول السورة بسبب يتعلق بملك بني أمية! -: ((وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول من قال: عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وأما الأقوال الأخرى فدعاوى معانٍ باطلة لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التزيل)) . قلت: وهذا الذي رجحه الطبري مروي عن مجاهد وقتادة والإمام الشافعي وغيرهم. قالالحافظ بن كثير ﵀ (٤:٥٣١) : ((وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر
стр. 26
هو اختيار بن جرير، وهو الصواب لا م عداه. وهو كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((رباط ليلة في سبيل الله، خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل)) .رواه أحمد. وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة ونية صالحة أنه يكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك)) اهـ. والله أعلم. قلت: يعني بالثني قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من غسل واعتسل يوم الجمعة ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا واستمع ولم بلغ، كان له بكل خطوة يخطوها، عمل سنة، صيامها وقيامها)) . وهو في ((صحيح الجامع)) (٥/٣٢٥) بنحوه. أما الأول، فلم أجده عند أحمد وكذا الترمذي والنسائي والحاكم إلا بلفظ: ((رباط يوم ... خير من ألف يوم)) . وإسناده حسن، وقال الترمذي: ((حسن صحيح غريب)) ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وضعفه الشيخ الألباني في تخريج ((المشكاة)) (٣٨٣١) مشيراً إلى جهالة أبي صالح مولى عثمان، وليس هو كذلك، فقد وثقه العجلي وابن حبان، وصحح له المذكورون وقال العجلي: ((روى عنه زهرة بن معبد والمصريون)) فهو صدوق - على أقل حالاته - والله أعلم.
стр. 27
الحديث الخامس:
((اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: دعوة يونس ابن متى)) ضعيف. رواه الطبري (١٧/٦٥) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ... فذكره، وفيه: ((قال: فقلت: يا رسول الله، هي ليونس بن متى خاصة أو لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم نسمع قول الله تبارك وتعال: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم. وكذلك ننجي المؤمنين)
فهو شرط الله لمن دعاه بها)) اهـ وهذا إسناد ضعيف لضعف ابن جدعان، قال الحافظ (٤٧٣٤) : ((ضعيف، من الرابعة)) . وله طريق أخرى، لكنها واهية جداً، عند الحاكم (١/٥٠٥-٥٠٦) من طريق أحمد بن عمرو بن بر السكسكي (كذا) حدثني أبي عن محمد بن يزيد (كذا) عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((هل أدلكم على اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ الدعوة التي دعا بها يونس حيث ناداه في الظلمات الثلاث (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألا تسمع قول الله : (فنجيناه من الغم. وكذلك ننجي المؤمنين) وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك اعطي أجر شهيد، وإن برأ براً وقد غفر له جميع ذنوبه)) .
وسكت عنه الحاكم والذهبي. وهذا إسناد واه جداً، يشبه أن يكون موضوعاً. و: ((أحمد بن عمرو بن بكر)) كذا في الكتاب، وصوابه - إن شاء الله -: ((إبراهيم بن عمرو بن بكر)) ، فإنه هو المعروف بالرواية عن أبيه، وبرواية محمد
стр. 28
ابن الحسن بن قتيبة العسقلاني عنه - وهو رواية عنه عند الحاكم -، ولم أقف لإبراهيم على أخٍ اسمه: ((أحمد)) بعد جهد.
وإبراهيم، قال ابن حبان في ((المجروحين)) (١/١١٢) : ((يروي عن أبيه الأشياء الموضوعة التي لا تعرف من حديث أبيه، وأبوه أيضاً لا شئ في الحديث، فلست أدري أهو الجاني على أبيه أو أبوه الذي كان يخصه بهذه الموضوعات ... )) الخ. وقال الدارقطني في ((الضعفاء)) (١٩) : ((رملي، متروك)) . وأبوه، قال الذهبي في ((الميزان)) (٣/٢٤٧) : ((وله. قال ابن عدي: له أحاديث مناكير عن الثقات ... )) حتى قال: ((أحاديثه شبه موضوعة)) . وقال الحافظ (٤٩٩٣) : ((متروك)) . وشيخه، صواب اسه: ((محمد بن زيد)) لا: ((ابن يزيد)) ، وهو ابن المهاجر بن قنفذ، فإنه هو الذي يروي عنه عمرو بن بكر كما في ((التهذيب)) (٨/٨) ، ويروي هو عن سعيد ابن المسيب. وهو ثقة. وهذه قرينة أخرى على وقوع التحريف في هذا الإسناد، ولاح لي الآن - أثناء تبييض الكتاب للمرة الثانية - أن ذاك الهالك أو أباه، أراد أحدهما أن يقول: ((عن علي بن زيد)) ، فلم يقو!! .
وقد زاد على رواية علي بن زيد زيادة عليها لوائح الكذب، فالله أعلم.
(وروى) الحديث عن الحسن البصري ﵀ مقطوعاً - بإسناد واه جداً أيضاً. قال ابن أبي حاتم رحمهما الله: ((حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي سريج حدثنا داود بن المحبر بن قحدم المقدسي)) . كذا في ((ابن كثير)) (٣/١٩٣) (١) عن كثير بن معبد قال ((سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ قال ابن أخي، أما تقرأ القرآن، قول الله تعالى (وذا النون إذ هب مغاضباً - إلى قوله - وكذلك ننجي المؤمنين) . ابن أخي: هذا اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)) . وداود بن المحبر كذاب، كذبه الإمام أحمد وغيره، واتهمه الدارقطني بأنه سرق كتاب ((العقل)) من ميسرة بن عبد ربه
стр. 29
الفارسي - الوضاع - وركب له أسانيد لنفسه. وقال الحافظ (١٨١١) ، ((متروك، وأكثر كتاب ((العقل)) الذي صنفه موضوعات)) . قلت: ونسبته في هذا الإسناد: ((مقدسياً)) لا أدري ما وجهها، فإنه ثقفي بكراوي بصري، ثم بغدادي. وأما شيخه - كثير بن معبد -، فهو القيسي. قال الذهبي (٣/٤١٠) : ((لا يكاد يعرف. ضعفه الأزدي)) . وأقره الحافظ في ((اللسان)) (٤/٤٨٤) وزاد: ((وقال: لا اعلم له حديثاً مسنداً)) . قلت: وأعضل أمره على محققي ((تفسير بن كثير)) ((ط. دار الشعب)) ، فقالوا: كذا ولم نجده (!!) . ولعله كثير بن سعيد، المترجم في ((الجرح)) لابن أبي حاتم: (٣/٢/١٥٢) (!!) . وكثير هذا، هو ابن سعد بن رومان، و: ((ابن سعيد)) تحريف كما نبه المعلق على ((ثقات ابن حبان)) (٧/٣٥٠) . وقد اتفق البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان على أنه يروى عن أبيه عن ابن عمر، وعنه محمد بن مطرف، ولم يزيدوا.
(تنبيه) : وقد أورد الإمام السيوطي ﵀ الحديثين والأثر في رسالته: ((الدر المنظم في الاسم الأعظم)) من كتابه ((الحاوي في الفتاوى) (١/٣٩٧) - مع حديث عزاه للنسائي والحاكم عن فضالة بن عبيد ﵁ مرفوعاً: ((دعوة ذي النون في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) ، لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له)) - مستدلاً بها لمن ذهب إلى أن دعوة ذي النون هي اسم الله الأعظم. وقد علمت ما في الحديثين - أو قل: الطريقين - والأثر بن المطعن. أما ما عزاه لفضالة بن عبيد، فلمأجده عند النسائي في: ((عمل اليوم والليلة)) والحاكم - ولا عند غيرهما - إلا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ثم وجدت الحافظ المنذري ﵀ بمحض القدر - يورد في ((الترغيب)) (٢/٨٣٠-٨٣١) حديث فضالة بن عبيد ﵁، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعد إذ جاء رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت
стр. 30
فاحمد الله بما هو أهله وصل عليّ ثم أدعه، قال: ثم صل رجل آخر بعد ذلك فحمد الله، وصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أيها المصلي، أدع تجب)) . ثم أورد عقبة (٢/٨٣١) حديث سعد ﵁ مرفوعاً: ((دعوة ذي النون إذ دعاه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شئ قط إلا استجاب الله له)) ، وعزاه للترمذي، قال: ((واللفظ له)) والنسائي والحاكم، وقال: ((صحيح الإسناد)) ، فسبق إلى قلبي أن هذا منشأ وهم السيوطي عفا الله عنه، إما انتقال بصر، أو وهم في العزو بسبب الاعتماد على الذاكرة، فالله أعلم.
ثم إن دلالة حديث سعد - باللفظة الصحيحة لا المنكرة ت ليست قطيعة، إذ يفهم من الحديث أن الدعاء بهذه الدعوة مستجاب، ولا يلزم - بالضرورة - أن تكون متضمنة للأسم الأعظم، فقد يكون هناك سبب آخر سوى هذا النظر، نظير قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فيما في (صحيح البخاري)) و ((السنن)) وغيرها عن عبادة بن الصامت ﵁: ((من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فدعا استجيب له، فإن هو عزم، ثم قال: رب اغفر لي، غفر له. أو قال: فقام فتوضأ وصلى، قبلت صلاته)) لفظ البيهقي. وقول أبي نعيم في ((الحلية)) (٥/١٥٩) : ((صحيح متفق عليه من حديث عمير بن هانئ والأوزاعي)) إن كان يقصد الاتفاق الاصطلاحي، فهو وهم، لأنه من أفراد البخاري. والله أعلم. فالمقصد - كما يقول كثيراً صاحب القلم السيال والسحر الحلال، الإمام ابن قيم الجوزية روّح الله روه - أن حديث سعد - من طريقيه الضعفين -: ((صريح غير صحيح)) ، وباللفظة الثابتة من مجموع الطرق: (صحيح غير صريح)) . والعلم عند الله تعالى.
وكنت سأورد حديثاً صحيحاً يرويه أبو أمامة الباهلي ﵁ استدل
стр. 31
أحد رواته به على أن الاسم الأعظم هو: ((الحي القيوم)) ، ولكن استوقفني كلام متين جداً للإمام الطحاوي ﵀ في ((مشكل الآثار)) - بخصوص اختلاف الأحاديث في تعيين الاسم الأعظم. ولما كان ما أسطره الآن لا يتعلق بتقرير حكم ولا تصحيح معنى، فلا جناح علىّ في الاكتفاء بهذه الإشارة إن شاء الله تعالى، وهو سبحانه المستعان.
стр. 32
الحديث السادس:
((أفضل الحسنات، تكرمة الجلساء)) .
ضعيف جداً، أو موضوع. رواه القضاعي في ((مشند الشهاب)) (١٢٨٥) ، قال: ((أخبرنا أحمد بن منصور التستري، أنبأ القاضي أبو بكر محمد ابن يحيى بن إسماعيل الضبعي الأهوازي، ثنا الحسن بن زياد أبو عبد الله الكوفي، ثنا ابن أبي بشر حدثني وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود ... )) ، فذكره مرفوعاً. ولم أقف على من يدعي: ((أحمد بن منصور التستري)) ، فالظاهر أنه محرف من: ((محمد بن منصور ... )) ، أحد شيوخ القضاعي الكذابين كما قدمنا في ((تبييض الصحيفة)) (٢٧،٥) . والرجلان فوقه لم أقف لهما على ترجمة، وابن أبي بشر - الراوي عن وكيع - لم يتبين لي من هو؟ ولم أجهد نفسي في تعيينه إذ لا جدوى من وراء ذلك في وجود الكذاب المذكور. وقد عهدنا عليه الراوية عن المجهولين - كما في الحديثين المشار إليهما آنفاً -، فلعل هؤلاء أيضاً من مخيلته، عامله الله تعالى بما يستحق. وقد قال الشيخ حمدي السلفي حفظه الله في تحقيق ((مسند الشهاب)) - تعليقاً على هذا الحديث -: ((الحسن بن زياد اللؤلئى كذبه غير واحد، فالحديث موضوع)) اهـ. كذا قال - عفا الله عنها - ظناً منه أن الحسن بن زياد الكوفي الذي في هذا الإسناد، هو اللؤلئى صاحب الإمام أبي حنيفة ﵀، وليس به لأمرين:
الأول: أن اللؤلئى كتبه أبو علي، كما قال الخطيب ﵀ في ((تاريخ بغداد)) (٧/٣١٤) . وهذا كنيته أبو عبد الله، كما في الإسناد.
الثاني: أن اللؤلئى متقدم بطبقتين عن هذا، فإنه من أقران وكيع. وهذا يروى عن رجل عن وكيع. ومن غير الممكن للحافظ القضاعي ﵀، المتوفى (٤٥٤هـ) أن يكون بينه وبين الحسن بن زياد اللؤلئى، المتوفى (٢٠٤) رجلان فقط. وهذا بين جداً لا خفاء فيه. والحديث في ((الجامع الصغير)) (١٢٤٩) مرموزاً لضعفه، وقد قال الحافظ المناوى عفا الله عنه في شرحه جداً في
стр. 33
((الفيض)) (٢/٣٢) ، ثم لم يتكلم على إسناده بشئ! أما الشيخ الألباني حفظه الله، فقطع بوضعه في ((ضعيف الجامع)) (١/٣١٤) ، وأحال على ((الضعيفة)) (٢٨٣٤) .
(وروى) موقوفاً على ابن عباس ﵄ بإسناد واه عند أبي سعد السمعاني ﵀ في ((أدب الإملاء والاستكلاء)) (ص١٢٦) من طريق الحافظ ابن حبان ﵀ عن عمر بن محمد الهمداني عن محمد بن سهل بن عسكر وسعيد بن كثير بن عفير ثنا الفضل بن المختار (في الأصل: المفضل، وهو خطأ) عن أبي جمرة عن ابن عباس ﵄ قال: ((إن من أفضل الحسنات، تكرمة الجلساء)) .
وهذا إسناد ضعيف جداً، الفضل بن المختار هو البصري، نزيل مصر. قال ابن أبي حاتم في ((الجرح)) (٧/٦٩) : ((سألت أبي عنه، فقال: هو مجهول، وأحاديثه منكرة، يحدث بالبواطيل)) . وقال العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (٣/٩٤٤) والأزدي: ((منكر الحديث)) زاد الآخر: ((جداً)) .
وقال ابن عدي في ((الكامل)) (٦/٢٠٤٢) : ((وعامته - يعني عامة حديثه - مما لا يتابع عليه إما إسناداً، وإما متناً)) . وساق له الذهبي في ((الميزان)) (٣/٣٥٨-٣٥٩) أربعة أحاديث، قال عقبها: ((فهذه أباطيل وعجائب)) . وختم ترجتمه بخامس قال عقبة: ((وهذا يشبه أن يكون موضوعاً. والله أعلم)) اهـ.
قلت: فلعل هذا أيضاً موضوع على ابن عباس. والله أعلى وأعلم.
стр. 34
الحديث السابع:
((اللهم إني ضعيف، فوق في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإسلام منتهى رضائي، اللهم إني ضعيف فقوني، وذليل فأعزني، وفقير فارزقني)) ضعيف جداً أو موضوع.
رواه ابن أبي شيبة (١٠/٢٦٨) وعنه الحاكم (١/٥٢٧) - باختصار بعض من أوله - من طريق محمد بن فضيل عن العلاء بن المسيب عن أبي داود الأودي عن بريدة ﵁ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ألا أعلمك كلمات من أراد الله به خيراً علمه إياهن ثم لم ينسه إياهن أبداً؟ قال: قل ... )) ، فذكره.
وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)) . فتعقبه الذهبي بقوله: ((قلت: أبو داود الأعمى متروك الحديث)) . ورواه أيضاً الطبراني في ((الأوسط)) قال الهيثمي (١٠/١٨٢) : ((وفيه أبو داود الأعمى، وهو ضعيف جداً)) . وأورد بعضه السيوطي في ((الجامع)) (٦١٣٧) معزواً للحاكم عن بريدة. وقال في ((ضعيف الجامع)) (٤/١٢٣) : ((موضوع)) . قلت: والعجب من قول الحاكم - عفا الله عنه - ((صحيح الإسناد)) مع أنه هو القائل في أبي داودهذا: ((روى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة! كما قدمنا في ((التبييض)) (٣٩) . وقد رواه أبو داود هذا على لون آخر، فعند الطبراني في ((الكبير)) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((لقيني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ألا أعلمك كلمات من أراد اله به خيراً علمه إياهن؟ ثلت: بلى يا رسول الله. قال: قل: اللهم إني ضعيف، فوق في رضاك ضعفي، وإني ذليل فأعزني، وإني فقير فأغنني)) . قال الهيثمي (١٠/١٧٩) : ((وفيه أبو داود الأعمى، وهو متروك)) اهـ. قلت: ولا أدري إن كان قد رواه عن ابن عمرو رأساً أو بواسطة، ولا إن كان في الطريق إليه ضعيف، أم السند ثابت
стр. 35
إليه، فإن أحاديث: ((ابن عمرو)) من ((المعجم الكبير)) وقعت في أحد الأجزاء المفقودة، والله المستعان.
وأورد السيوطي الحديث بتمامه في ((الجامع)) (٢٨٨٢) معزواً للطبراني عن ابن عمرو، وأ [ي يعلى والحاكم عن بريدة. وفي ((ضعيف الجامع)) (٢/٢٤٧) - أيضاً -: ((موضوع)) . وفي ((تخريج الإحياء)) (٩٩٥) : (( ... وقال العراقي: رواه الحاكم من حديث بريدة، قال: صحيح الإسناد)) اهـ. قلت (القائل: الزبيدي) : وكذلك رواه أبو يلى. ورواه الطبراني في ((الكبير)) من حديث عبد الله بن عمرو، وفي الإسناد أبو داود الأعمى، وهو متروك ... )) . قلت: ومما يؤخذ على الإمام العراقي روح الله روحه - وكذلك غيره - أنه يحكى تصحيح الحاكم للحديث الواهي الإسناد، ولا يتعقبه، ويكون الإمام الكبير الحافظ الذهبي ﵀ قد تعقبه وبين شدة ضعفه. والمعتمد عند أهل التحقيق ألا يؤخذ تصحيح الحاكم للأحاديث أمراً مسلماً به، بل ينبغي أن يقابل قوله بما حكم عليه الذهبي - في ((تلخيص المستدرك)) -، فمن بعده من أهل الشأن من إقرار لهذا التصحيح أو تعقب. كذلك القول بتحسين ما سكت عنه - احتياطاً - متعقب، بل يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله كما حكاه العراقي نفسه ﵀ عن ابن جماعة ﵀. انظر ((الباعث الحثيث)) للعلامة أحمد شاكر ﵀ (ص٢٦-٢٧) . دار الكتب العلمية) .
(هذا) والحديث مروى مقطوعاً على الحكم بن عتيبة الفقيه الكوفي ﵀، بإسناد واه أيضاً عند عبد الرزاق (١٩٦٥١) عن معمر في ((جامعه)) عن أبان - وهو ابن أبي عياش - عنه أنه كان يقول: ((ثلاث من يرد الله به الخير يحفظهن، ثم لا ينسيهن: اللهم إني ضعيف فوق في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإسلام منتهى رضائي)) . وأبان متروك الحديث، وكان الإمام شعبة بن الحجاج ﵀ يكذبه ويقول: ((لأن أزني أحب إلى من أن أروى، أحب إلى من أن أقول: حدثني أبان بن أبي عياش)) هذا، وكنت
стр. 36
وقد وقفت بعد كتابة ما تقدم على حديث بريدة عند الإمام الطحاوي ﵀ في ((مشكل الآثار)) (١/٦٤-٦٥) من طريقين عن مندل بن علي (وهو العنزي، أحد الضعفاء) عن العلاء بن المسيب به، وبوب عليه: (باب بيان مشكل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اللهم قوّ في طاعتك (١) ضعفي) . ثم قال عقبة: ((فتأملنا هذهين الحديثين عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فوجدنا الضعف لا يكون قوة أبداً، ووجدنا القوة لا تكون ضعفاً أبداً، لأن كل واحد منهما ضد الآخر، ولا يكون الشئ ضداً لنفسه أبداً، وإنما يكون ضداً لغيره، وكان الضعيف والقوة لا يقومان بأنفسهما، إنما يكونان حالين عن أبدان الحيوان من بني آدم ومن سواهم، فيعود ما يحل فيه الضعف منهما الضعيف، وما يحل فيه القوة منهما قوياً (فعقلنا) بذلك أن دعاءه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كذا) أن يجعل ضعفه قوة، وإنما مراده فيه (كذا) - والله أعلم - أن يجعل ما فيه الضعف منه، وهو بدنة - قوياً، فهذا أحسن ما وجدنا في تأويل هذا الحديث، والله نسأله التوفيق)) اهـ.
قلت: ثبت العرش - يا فقيه مصر ومفخرتها - ثم انقش، فإن حال أبي داود نفيع الأعمى لا يخفى على العميان! فضلاً عن إمام بصير بالأسانيد والرجال مثلك. وإذ لم يثبت الحديث، بل لم يكن ضعفه محتملاً - على مذهب الآخذين به في الفضائل -، فما كان من داع إلى إيراده في هذا الكتاب أصلاً، فضلاً عن تأويل مشكلة إلا من باب الجواب عنه على افتراض ثبوته - دفعاً لاستشكال من توهم صحته - وما أظن أحداً من أهل العلم قال بصحبته - من السابقين للإمام الطحاوي عفا الله عنها - وهنا نكتة، فإن الحاكم ولد في السنة التي توفي فيها الطحاوي (٣٢١) رحمة الله عليهما وعلى أئمة الهدى ومصابيح العلم. فلا تعلق بتصحيح الحاكم أصلاً. ثم إن الإمام محمد بن إدريس الشاعي القرشي ﵀، قد أنكر هذا الدعاء أصلاً - وهو من هو في بزة أئمة اللغة في زمانه حتى عدوا كلامه لغة في نفسه ﵀، فقد روى البيهقي في ((مناقب
стр. 37
الشافعي)) (٢/١١٦-١١٧) عن الربيع بن سليمان قال: دخلت على الشافعي يوماً، وهو عليل، فقلت: كيف أصحبت يا أبا عبد الله؟ قال: أصحبت والله ضعيفاً. قال: فقلت: قوى الله ضعفك، فقال: ويحك يا ربيع، إن قوى الضعف مني قتلني. فقلت: والله - جعلت فداك - ما أردت إلا الخير، فكيف أقول؟ قال: قل: قوى الله قوتك، وأضعف ضعفك ... )) (١) .
فهذا اليذ ينبغي اعتماده والركون إليه، فالعجب ممن يواجه بسقوط هذا الدعاء من جهة إسناده ومتنه، فيصر عليه تعللاً يرأى أحد الدكاترة الأفاضل - ممن نظنهم من الصداعين بالحق ولا نزكي على الله أحد -، وهذا التعلل من الآفات المستشرية في الساحة، نسأل اله تعالى تخليصنا منها ومن غيرها ـ أن سميع قريب. هذا، وهناك عشرات من الأدعية الجامعة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه والذين اتبعوهم بإحسان رضوان الله عليهم جميعاً، تغنى عن التثبيت بمثل هذا، فنسأله تعالى أن ييسر للمسلمين من يذللها لهم. آمين.
استدراك:
ثم وجدت للحديث طريقين واهيين جداً، أحدهما ابن الأعرابي في ((معجمه)) (١٠٦١) عن ابن عمر. وفيه غسان بن مالك، تناوله أبو حاتم، عن عنبسة بن عبد الرحمن - متروك رمي بالكذب والوضع - عن محمد بن رستم الثقفي لم أجد له ترجمة ولا ذكر - عنه. وفي المكتن زيادة.
والثانية: ذكرها محقق (المعجم)) من رواية ابن شاهين في ((الأفراد)) (٥/٢١/ب) من حديث عائشة، وقال ابن شاهين: ((هذا حديث غريب فرد من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه (يعني عن القاسم عنها) ، لا اعلم حدث به إلا القدامى)) اهـ. قلت: هم عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي أحد الهلكى، كان يعمد إلى أحاديث الضعفاء عن الزهري فيجعلها عن مالك. وقال الحاكم والنقاش: (روى عن مالك أحاديث موضوعة)) . قلت: وروايته هذا المتن بإسناد صحيح كالشمس من أكبر دلالة على اتهامه.
стр. 38
الحديث الثامن:
((اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تكلك ولا أملك)) ضعيف، معل بالإرسال.
رواه الأمام أحمد (٦/١٤٤) وأبو داود (١/٤٩٢) والترمذي (٢/٣٠٤) والنسائي (٧/٦٣/٦٤) والدارمي (٢/٤٠٤) وابن ماجة (١٩٧١) وابن أبي شيبة (٤/٣٨٦/٣٨٧) وابن حبان (١٣٠٥-موارد) والحاكم (٢/١٨٧) والبيهقي (٧/٢٩٨) والخطيب في ((الموضح)) (٢/١٠٧) من طرق كثيرة عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد - رضيع عائشة - عنها ﵂ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: ... )) الحديث. قال أبو داود: ((يعني القلب)) . وهذه رواية عفان عنه الإمام أحمد، وبشر بن السري عند الترمذي كلاهما عن حماد. ورواية يزيد بن هارون عند أحمد والنسائي وابن ماجة وابن أبي شيبة وابن حبان: ((اللهم هذا فعلي)) - وهي مرجوحة بلا شك -، ولفظ غير هؤلاء: ((اللهم هذا قسمي)) . وهذا إسناده رجاله كلهم ثقات لكنه معل، ومع ذلك جرى على ظاهره ابن حبان والحاكم فصححاه. وغفل محققاً (١) ((زاد المعاد)) (١/١٥١) فقالا: (( ... وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا)) إذ كان يلزمهما عرض هذا الحديث على كتب ((العلل)) للتوثيق من وجود الشرطين الرابع والخامس من شروط صحة الحديث، ألا وهما: ((السلامة من الشذوذ في السند والمتن، والسلامة من العلة القادحة في السند والمتن)) . وهما يستفيدان كثيراً من جهد الشيخ ناصر حفظه الله - في ((الزاد)) وغيره -، دون أن ينسباه إليه، فيشاء العلي القدير أن يتخليا عن ذلك في هذا الحديث المعلول خاصة.
стр. 39
فيقعان فيما وقعا فيه.
والحديث قد أعله جمع من الأئمة الحذاق كالترمذي والنسائي - فلم يحكيا كلامهما أو ينشطا للتحقق من هذا الإعلال - وأبو زرعة وابن أبي حاتم، وغيرهم كثيرون (١) . وخلاصة الأمر أن ثلاثة من الحفاظ الأثبات قد رووه عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرسلاً - بإسقاط عبد الله بن يزيد وعائشة خلافاً لحماد بن سلمة -، وهم: حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبد الوهاب الثقفي كما بينت بالتفصيل في ((تخريج الحقوق)) للشيخ ابن عثيمين حفظه الله (٢٠) ، وذكرت هناك ما يغني، والله المستعان.
وقد أورد في هذا الحديث ههنا - بهذا الاختصار في تخريجه - لأنه (روى) معناه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ففي ((تفسير الطبري)) (٥/٢٠٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ((ذكر لنا أن عمر ابن الخطاب كان يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك، وأما سوى ذلك، فأرجو أن أعدل)) , وهذا إسناد ضعيف لا نقطاعه بين قتادة وعمر، بل هو في الغالب معضل، فإن الغالب فيما يرويه قتادة بإسناده إلى عمر أن يكون بينهما فيه رجلان - أو أكثر - لا سيما والرجل إليه المنتهى في الحفظ والإتقان،، فلو كان بينهما واحد - كأنس ﵁ أو غيره - لصرح به قتادة إن شاء الله تعالى. والأثر لم أقف له على طريق سوى هذه، فالله أعلم.
стр. 40
الحديث التاسع:
((اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك)) (دعاء عند سماع الرعد والصواعق) . ضعيف. رواه الإمام أحمد (٢/١٠٠-١٠١) والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٢١) - بلفظ: ((اللهم لا تقتلنا بصعقك ... )) - وابن أبي شيبة (١٠/٢١٦) والترمذي (٥/١٦٦) والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٩٣٤) والدولابي في (الكنى والأسماء) (٢/١١٧) وابن السني (٣٠٤) والطبراني في ((الكبير)) (١٢/٣١٨) و ((الدعاء)) (٩٨١) من طرق عن عبد الواحد بن زياد عن الحجاج بن أرطأة عن أبي مطر عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: (( ... )) ذكره.
ورواه النسائي (٩٣٣) والحاكم (٤/٢٨٦) - من طريقين عن عبد الواحد به - بإسقاط الحجاج بينه وبين أبي مطر، والصحيح: عن عبد الواحد عن حجاج عنه كما في ((التهذيب)) (١٢/٢٣٨) . ولفظ النسائي في الموضع المذكور أولاً: ((كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع الرعد والبرق قال: ((اللهم لا تقتلنا غضباً، ولا تقتلنا نقمة، وعافنا قبل ذلك)) ، كأنه - هكذا - من تصرف سيار بن حاتم العنزي - راويه عن عبد الواحد عنده - فإن في حفظه شيئاً، وهو صدوق له أوهام كما قال الحافظ ﵀ (٢٧١٤) .
والحديث إسناده ضعيف، حجاج ابن أرطأة - وإن كان كثير التدليس - لكنه صرح بالتحديث في أكثر الطرق، لكنه مختلف فيه اختلافاً محيراً، ومال الحافظ إلى جانب تليينه، فقال (١١١٩) : ((صدوق كثير الخطأ والتدليس)) . وشيخه - أبو مطر - مجهول العين. قال الذهبي في ((الميزان)) (٤/٥٧٤) : ((لا يدرى من هو)) وقال في ((المغنى)) (٢/٨٠٨) : ((نكرة)) . وقال في ((الكائف)) (٣/٣٧٨) - مشيراً إلى لين التوثيق الوارد فيه -: ((وثق)) ، فهو