← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٨٥٧م، وباشرت نشاطها في البحرين والكويت وعمان منذ عام ١٨٨٩ وميزانيتها ٤.٥٣٣.٧٦٣ دولار سنوياً، ولها ٦ بعثات في البحرين ٣ في الكويت ١٢ في عمان. ٥- عملية التحريك (OM) تأسست عام ١٩٥٨م، وتهتم بتنظيم وتدريب المبشرين المتطوعين لفترات قصيرة، ومن أهم أعمالها أنه تتبعها سفينتان عائمتان متنقلتان تحويان مخازن هائلة من الكتب ومراكز لتدريب المبشرين، اسمها لوجوس وبها ١٦ بعثة متفرغة، ودولوس وبها ٢٥ بعثة متفرغة، الأولى متخصصة في آسيا وموانئ الخليج، والثانية في أمريكا الشمالية. ٦- بعثة الإنجيل المتحدة (TEAM) تأسست عام ١٨٩٠م في إسكندنافيا، وتغير اسمها عام ١٩٤٩م، وهي منظمة دولية تهتم بالأمور التربوية والطبية والإذاعية، ومركز الخليج الرئيسي في أبو ظبي، وميزانيتها ٩ ملايين دولار سنوياً، ويتركز نشاطها في المستشفى التابعة لها في أبو ظبي، ولها ١٥ بعثة في الإمارات العربية المتحدة. ٧- الصليب الإفنجيلي على اتساع العالم (WEC) ، تأسست عام ١٩١٣م.... وتهتم بالأمور الطبية والثقافية والتدريب والكتب وأعمال الترجمة وتدير عيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة ولها خمسة أعضاء متفرغين. تعرض المؤلف بعد ذلك إلى سرد تاريخ البعثات التنصيرية، ووضع الكنائس التي في منطقة الخليج. فسرد دول البحرين والكويت وعمان وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة واستعرض في كل دولة منها البعثات والكنائس والمعاهد التابعة لها. ١- البحرين: ذكر أن أول بعثة دخلتها كان منذ عام ١٨٩٠م حيث دخلها المدعو (صموئيل زويمر) ، ومنذ عام ١٨٩٤م والكنيسة لها وجود في مجال الطب، وأنشأ عيادات طبية في كل من البحرين والكويت ومسقط وعمان. وهذه

стр. 37

الطريقة مكّنت الاتصال المباشر بالمسلمين،إلى أن تأسس المستشفى الأمريكي في البحرين عام ١٩٠٢ م، ثم المدارس للبنين والبنات،ومن الأهمية بمكان الأدب النصراني، والإذاعة النصرانية، والمكتبة النصرانية المدعوة مكتبة العائلة في البحرين حيث تبيع الإنجيل والكتب النصرانية الأخرى بمعدل ١/٢ مليون دولار سنوياً، وأما الراديو فهو باللغة العربية وموجه إلى منطقة الخليج، وله أهمية كبرى ويرسل من إسبانيا وفرنسا ويعدد الكنائس والملل التابعة لها: الكنيسة السورية الأرثوذكسية - الكاثوليكية - الرومانية والإنجيلية والكنيسة الوطنية الإفنجيلية (بروتستانت) ، وكنيسة الله،والمباني التابعة لها في المنامة والعوالي. يلفت النظر هن إلى أن الكنيسة لاوطنية البروتستانتية تضم ١٥٠ عربياً نصرانياً، منهم ٦٠ يحملون الجنسية البحرينية، وتتمتع بميزات خاصة. ويعدد المؤلف الكنائس والمستشفيات والمدارس التابعة لها في البحرين. ٢- الكويت: يقول المؤلف إنه منذ عام ١٩٢٠ م أسست الكنيسة الإصلاحية مستشفى بالكويت، أدير من قبل الأمريكان حتى عام ١٩٦٧م، حيث استولت عليها الحكومة الكويتية وكذلك المدارس ويوجد روم كاثوليك وأرثوذكس في الكويت، وركّزوا جهودهم لتنصير المسلمين، وتوجد اليوم مكتبة نصرانية في الكويت، تلبي حاجات النصارى وربما المسلمين وكذلك راديو التنصير يلعب دوراً هاماً كما هو الحال في البحرين. ويعدد المؤلف الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية في الكويت والمباني التابعة لها والمدارس والمكتبات ومما هو جدير بالذكر أن الكويت هي البلد الوحدي في الخليج التي بها مجلس اتحاد للكنائس. ٣- أما بالنسبة لعمان: فإن زويمر وزميله كانتين قد دخلا البلاد، وأسسا بعثة طبية ومدارس كستار لنشاطهما، ويتركز النشاط الآن في المكتبات والكتب النصرانية، والإنجيل والإذاعة. أما عن الكنائس ففيها نشاط كبير للإصلاحيين الأمريكان والكاثوليك والأثوذكس. وتوجد (٥) كنائس في ماطرا ومسقط وثلاث

стр. 38

مستشفيات تملكها الحكومة ولكن تدار بواسطة البعثات التبشيرية ومدارس أيضاً تملكها الحكومة وتديرها الكنيسة. ٤- قطر: أول عيادة تبشيرية أسست فيها عام ١٩٤٨م، ولكن الحكومة استولت عليها بعد ٣ سنوات، ويظهر أنه لا توجد معاهد تربية للتبشير في قطر ولا مكتبات. إلا أن راديو التنصير يبث في قطر مثل سائر دول الخليج. أما الكنائس في قطر فهي كاثوليكية تضم ٢٥٠٠ عضواً معظمهم هنود، ولا يوجد بناء كنسي رسمي. وقد رفضت الحكومة مؤخراً اقتراحاً بذلك، ومعظم أعمال التبشير تتم في بيوت تملكها شركات البترول، والروتستانتية ومارثوما الهندية الأرثوذكسية. ٥- الإمارات العربية المتحدة: يقول المؤلف إن دولة الإمارات العربية المتحدة فيها حوالي ٥٠ ألف نصراني، ويتركز العمل في مستشفى العين، الذي يضم ٤٠ سريراً، ومع أبو ظبي تشكلان أهم مراكز للتبشير والتنصير في المنطقة، ويتم توزيع الكتب النصرانية في ساحة المستشفى للزوار. أما المرضى فيركز عليهم وتعطى لهم نسخ الإنجيل ولهم قاعة للمطالعة، وتوجد عدة عيادات تدار من البعثات التبشيرية، واحدة في الفجيرة، وأخرى في الشارقة (أقفلت حالياً) ، وكانت تدار من قبل نساء نصرانيات. ويوجد منذ عام ١٩٦٠م مستشفى في واحة البريمي، تابع للتنصير وتوجد مدرستان تابعتان للكاتدرائية في أبو ظبي، يدرس بها حوالي ٨٠٠ طفلاً، وبهذا يتركز النشاط في المجالات الطبية والتربوية. وتوجد مكتبات توزع الكتب بكافة اللغات ومناهج إنجيلية وإذاعة الراديو التنصيري. أما عن الكنائس فالبروتستانتية تركز نشاطها في دُبي وأبو ظبي والعين والكنيسة في العين يرأسها لبناني وفي المستشفى هناك نشاط كبير. وأما المجموعة الأخرى فيقودها راهب سوري ضم إليه مسلمين تنصروا والكاثوليكية والأرثوذكسية لها ٦ كنائس ضخمة في أبو ظبي ودُبي والعين. أما عن المستشفيات فهي خمس أيضاً: في العين والشارقة والفجيرة والبريمي. وأما مستشفى رأس الخيمة فقد أقفل عام ١٩٧٨م. والمدارس اثنتان والمكتبات ثلاث.

стр. 39

ذكر المؤلف بعد ذلك اهتمام الكنيسة بالعمال المهاجرين في الخليج، وذكر نشاط منظمة باكستان النصرانية. وأما عن منطقة الخليج كحقل تبشيري اليوم فقد ذكر المؤلف أن القوى التي تعمل على التنصير هي: ١- البعثات الرسمية التنصيرية منها ٨٠ في الخليج. ٢- صانعو الخيام وهم مبشرون على شكل فنيين وأطباء ومدرسين. ٣- المسلمون الذين درسوا في الغرب وعادوا ربما يتنصرون مستقبلاً. ولهذا كما يذكر المؤلف يهتم النصارى بتدريب العرب المسيحيين من لبنان وأقباط مصر لهذا الغرض. وأما الطرق التي يتبعها النصارى لتنصير المسلمين في الخليج فهي أربع: ١- العمل الطبي: حيث ينتج الاتصال المباشر. والمسلم بحاجة للنصراني فيذهب إليه، ويتم نشر عملية التنصير كما هي الحال في الإمارات في مستشفى العين. ٢- الاتصال على المستوى الشخصي: يتم ذلك بواسطة صانعي الخيام، وإذا وجدوا تجاوباً يتعمقون فيه، وخاصة لدى بعض المسلمين في مجالات العمل والتقنية وصانعو الخيام مبشرون، يأتون على شكل حرفيين كأطباء لإدارة المستشفيات، أو مدرسين للتعليم ومهندسين وتدفع لهم رواتب عالية ويختارون بعناية. ٣- إنتاج الأدب: إنتاج الأدب وتوزيعه في سبيل تنصير المسلمين، كالمكتبات والمعاهد، وخاصة سفينة لوجوس في موانئ الخليج. ٤- راديو التنصير: وهو وسيلة هامة جداً ويذيع باللغة العربية من إسبانيا وفرنسا

стр. 40

وليبيريا وسيشل. هذا بالإضافة إلى المدارس هناك وكتب الأدب وقصص الأطفال ثم الأشرطة والأفلام. ويظهر أن راديو التنصير مع صانعي الخيام هي استراتيجية التنصير في الخليج، بينما المستشفيات والمكتبات ساعدت كخطوة سابقة في عمل التنصير الحالي. يختتم المؤلف دراسته بإعطاء إحصائية وجدول عن كل قطر من أقطار الخليج فيذكر في جدول -١-: البلد...................عدد السكان الكلي ... نسبة الغرباء في البلاد المئوية ١- البحرين............٢١٦٠٧٨..........١٧% أجانب ٢- الكويت............١.١٣٠٠٠٠.......٥٣% أجانب ٣- عمان...............٨٠٠٠٠٠.........٢٠% أجانب ٤- قطر................٢٠٠٠٠٠..........٦٨% أجانب ٥- الإمارات المتحدة....٨٠٠٠٠٠.........٤٨% أجانب ٦ المجموع...............٣.١٤٦٠٧٨......٤١.٨% أجانب وتتناول عدد المسلمين والمسيحيين ونسبهم في كل بلد على حدة: البلد.............. نسبة المسلمين....نسبة المسيحيين....عدد المسيحيين....فئات أخرى البحرين..............٩٨%............١%.............٤٥١٥..........١% الكويت..............٨٢%...........٤%...........٥٠٦٠٠........١٤% عمان................٩٩%......١% مع فئات أخرى ... ١٦٥٥.... - قطر.................٩٧%...........٢.٥%..........٣٢٠٠....١.٥% الإمارات المتحدة....٩٤%............٥%..........٢٥٩٦٠.... ١% ملاحظات: ١- البحرين والإمارات مراكز حساسة وخطرة، والنفوذ النصراني فيها قوي.

стр. 41

٢- الكويت بها أعلى نسبة من السيخ والبوذيين والوثنيين ١٤%. ٣- يتركز الموارنة في الكويت والإمارات. ٤- الهنود المسيحيون يدخلون دول الخليج بصورة غير مشروعة، ويتكاثرون هناك. ٥- لا بد من فضح هذه المخططات لإيقاف تيار التنصير قبل فوات الأوان. * * * خطاب البابا شنودة لشعب الكنيسة ومن خطاب البابا شنودة لشعب الكنيسة في مصر نقرأ ما يلي:"يجب مضاعفة الجهود التبشيرية الحالية، إذ إن الخطة التبشيرية التي وضعت على أساس اتفق عليه للمرحلة القادمة، وهو زحزحة أكبر عدد ممكن من المسلمين عن دينهم والتمسك به. على أن لا يكون من الضروري اعتناقهم المسيحية، فإن الهدف هو زعزعة الدين في نفوسهم، وتشكيك الجموع الغفيرة منهم في كتابهم وصدق محمد، ومن ثم يجب عمل كل الطرق واستغلال كل الإمكانيات الكنسية للتشكيك في القرآن، وإثبات بطلانه وتكذيب محمد. وإذا أفلحنا في تنفيذ هذا المخطط التبشيري في المرحلة المقبلة، فإننا نكون قد نجحنا في إزاحة هذه الفئة من طريقنا، وإن لم تكن هذه الفئات مستقبلاً معنا فلن تكون علينا. غير أنه ينبغي أن يراعى في تنفيذ هذا المخطط التبشيري أن يتم بطريقة هادئة لبقة وذكية، حتى لا يكون ذلك سبباً في إثارة حفيظة المسلمين أو يقظتهم". * * * وفي هذا الكتاب يجد القارئ منهجهم المعاصر المقرون بالتحليل والتحذير التوجيه.

стр. 42

عمليّات التنصير في أندونوسيا: جاء في الرسالة التي نشرها المجلس الأعلى الأندنوسي للدعوة الإسلامية بجاكرتا، والصادرة في سنة (١٤١٠هـ و١٩٨٩م) تعريف موجز بأعمال التنصير التي قامت به المؤسسات التنصيرية في أندونوسيا، وأهم ما جاء فيها ما يلي: نظرة تاريخية: * بدأ انتشار الإسلام في أندونوسيا منذ أواخر القرن السابع الميلادي عن طريق الدعوة السلمية، التي كان يقوم بها التجار المسلمون. * ثم بدأ يدخل الدين النصراني إلى أندونوسيا عن طريق المستعمرين البرتغاليين والأسبانيين، وذلك في القرن السادس عشر الميلادي. ففي عام (١٥١٩م) أخذ الاستعماريون ينشرون النصرانية في جزيرة "تيرناتي" فقاومهم المسلمون. وفي عام (١٥٤٩م) قامت حرب بين الوافدين المستعمرين النصارى وبين السُكان المسلمين بقيادة: "سلطان باب الله". وفي عام (١٦٠٥م) كانت القيادة العليا في البلاد بأيدي الاستعمار الهولندي الذي أبدى قسوة وعنفاً. وبدأت إقامة الكنائس في "جاكرتا" سنة "١٨٥٥ م" وفي "سور أبايا" سنة "١٨٥٦م" وفي "سمارانغ" عام "١٨٥٨م". ومن ذلك الوقت توالت إقامة الكنائس والمدارس النصرانية في جزيرة "جاوا". وقد تمكن المستعمرون الهولنديّون من السيطرة على جميع الأراضي التي أخذوها من الشركة التجارية، التي تحمل اسم "شركة الهند الشرقية الهولندية" سنة "١٧٩٩م".

стр. 43

* وبعدما انتهت الحرب العالمية الثانية سنة (١٩٤٥م) تمكّن الشعب الأندنوسي من إعلان استقلاله، وكان عدد السكان (١٧٠ مليون) ٩٠ في المائة منهم مسلمون. * وصار المبشرون يستخدمون وسائلهم الماكرة للتنصير، ولا يبدون أي تسامح تجاه المسلمين. الأنشطة التنصيرية في أندونوسيا: تتلخص الأنشطة التنصيرية التي يقوم بها المنصرون في أندونوسيا بما يلي: (١) اختيار القُرى النائية، وإغراء الفقراء والمساكين ليتنصروا بالمساعدات الإنسانية: (مواد غذائية - ملابس مستعملة - أدوية - نقود - مواشي "أغنام وأبقار" - آت زراعية - تهيئة مياه - ترميم بيوت قديمة - تقديم العلاج اللازم للمرضى ومن مات منهم دُفِنَ وفق المراسم النصرانية) . (٢) تقديم فرص العمل مقترنة بالإغراء بالدخول بالنصرانية. (٣) عرض الأفلام ذات التعليمات النصرانية، والأفلام التي تعرض الرذيلة وتشجع على الفاحشة. (٤) التدريبات المهنية المجانية استمالة للتنصر. (٥) استخدام عادات المسلمين التقليدية في الأذكار والأوراد والعبادات مع تبديل المضمون بعبارات نصرانية، فبدل عبارة: "لا إله إلا الله" يجعلون المسلمين يرددون عبارة: "الإله الابن". ويعقد المبشرون في وقت صلاة الجمعة لقاء دورياً مشابهاً مع تغيير في المضمون يشتمل على مفاهيم وطقوس نصرانية. (٦) الدخول مع المهاجرين المسلمين من مناطق مزدحمة إلى جزر قليلة الازدحام، حتى إذا تمكنوا فيها جلبوا القساوسة المنصرين , وتعاونوا معهم لتنصير أهل هذه الجزر. (٧) بناء الكنائس والأديرة.

стр. 44

(٨) دعوة المسلمين والمسلمات لحضور سهرات أعياد الميلاد النصرانية الماجنة، التي تيسر السبيل للعلاقات الفاحشة المختلطة، والتي تستدرج إلى زواج الذكور النصارى بالمسلمات، تمهيداً لتنصيرهن. (٩) إقامة مؤسسات تجارية تعاونية بين المسلمين والنصارى لاستدراج المسلمين إلى قبول الدخول في الديانة النصرانية. (١٠) استغلال المناصب الحكومية التي يحتلها النصارى، لتأمين مصالح النصارى، وكل من يتنصر من المسلمين. (١١) استخدام التعليم وسيلة للتنصير ونشر التعاليم والعادات وأنواع السلوك النصرانية. * * * (٤) المهمات الرئيسية لأعداء الإسلام لدى البحث العميق، والتحري الدقيق تقصياً للحقائق، نلاحظ أن كثيراً من الأفكار المشوهة عن الإسلام وتاريخ المسلمين والمضادة لهما المنتشرة في صفوف الأجيال الحديثة من أبناء المسلمين، والمنتشرة في معظم البلاد غير الإسلامية، ليست إلا أثراً مباشراً أو غير مباشر، من آثار دسائس المبشرين، والمستشرقين والمستعمرين ضد الإسلام ومن ورائهم كيد يهودي يعمل لمصلحة نفسه ويستغل جهود كل مفسدة. ومعهم في حرب الإسلام الشيوعيون والمنافقون والملحدون وسائر الكفرة بالله واليوم الآخر. وقد وفد هؤلاء إلى البلاد الإسلامية وفي حقائبهم العلمية أو الدعائية أو الدبلوماسية تعليمات مكتوبة وغير مكتوبة تحمّلهم مهمات متعددة. وأكبّ فريق منهم على دراسة معارف المسلمين دون أن يفدوا إلى بلاد المسلمين. ونستطيع أن نستبين من نتائج أعمالهم المهمات التالية:

стр. 45

المهمة الأولى: هدم الإسلام في عقائده وعباداته ونظمه وأخلاقه ولكن هذه المهمة التي يحملونها في محافظ أيديهم وحفائظ نفوسهم وقلوبهم وأفكارهم يضفون عليها أول الأمر أقنعة مبهرجة براقة تخدع الناظرين وتستميل قلوبهم ونفوسهم وأفكارها لتوقعهم في الشرك حتى إذا ظفروا بصيدهم شدوا عليهم وثاق الأسر المعنوي الشامل للأسر الفكري والقلبي والنفسي. وأثر الأسر الفكري يكون بربط أفكار أبناء المسلمين وبناتهم بمجموعة المعارف المزيفة، التي يُلبسونها أثواب الحقائق المسلمة، ضمن حشد من المعارف المادية الحقة، المسلمة منطقياً، والمؤيدة بالشواهد الواقعية. والواقع تحت الأسر الفكري يجد نفسه مشدوداً فكرياً بأسباب خفية إلى مواقع الغزاة. وأثر الأسْرِ القلبي يكون بتوليد عواطف الميل أو الرضى أو الحب لما يأتي به هؤلاء الغزاة، من كل أمرٍ مضاد لرسالة الإسلام وتاريخ المسلمين. وأثر الأسْرِ النفسي يكون بربط الأهواء والشهوات والغرائز النفسية بأسباب الفتنة المادية التي ينشرها الغزاة بينهم. المهمة الثانية: تجزئة المسلمين أينما كانوا من الأرض، حتى يمسوا أشتاتاً متباعدة متنافرة متقاطعة مبددة، ولا تجمعهم جامعة ولا تؤلف بين قلوبهم مودة ولا تعقد بين جماعاتهم أواصر دينية أو تاريخية أو مصلحية. المهمة الثالثة: تشويه صورة الأمة الإسلامية الحالية والتاريخية الغابرة، بكل وسيلة من وسائل الكذب والافتراء، والتزوير للحقائق، وذلك بغية حقن هذا الجيل من أحفاد المسلمين بالشعور بالنقص والتخلف، كما يكون أطوع للسوق في أيدي الغزاة إلى ركب أعداء الإسلام، الذين يتابعون كل أثر إسلامي بالهدم والتدمير ومحاولات الإبادة، وبغية حقن الشعوب الأخرى بالكراهية للمسلمين، والنفور منهم، ولا سيما الشعوب التي كانت تجد فيهم صورة رائعة من صور العدل، وصورة عظيمة من صور القوة الكبرى، والمعرفة

стр. 46

المتقدمة المتنامية المتكاثرة التي لا تقنع بأية مرحلة بلغتها من مراحل البحث والمتابعة، لأن الإسلام قد وضع لها زمرة من أسس حوافز المتابعة الدائبة الدائمة للمعرفة. المهمة الرابعة: خداع الشعوب الإسلامية بربط كل صورة من صور التقدم الحضاري والمدني بخطة هدم الإسلام وتجزئة المسلمين، التي يزينونها لهم، ويربط كل صورة من صور التخلف الحضاري والمدني بالاستمساك بالإسلام وبالمفاهيم والمعارف التي يحملها علماء المسلمين وخداع الشعوب الأخرى التي كان بينها وبين المسلمين مشاركات وطنية داخل البلاد الإسلامية في تعاطف متبادل وتعاون كريم، وذلك بإلقاء مسؤولية تخلفها على المسلمين وبث الكراهية والبغضاء في قلوبها عليهم، بغية إيجاد طوابير التي تُجنَّد لحرب المسلمين داخل بلادهم. وانطلقت كتائب هذا الجيش الثلاثي المؤلف من المبشرين والمستشرقين والمستعمرين بوسائلها المتنوعة، غازية على نطاق واسع كل بلد من بلاد المسلمين، في غارة تاريخية طويلة الأمد، محكمة الكيد لم يعرف التاريخ لها نظيراً، فلم تدع بلداً من بلاد المسلمين إلا دخلته، ولم تترك ميداناً من ميادينهم إلا أجرت خيولها فيه , ولا قمة من قممهم إلا حاولت أن تعتلي صهوتها وتهدمها، ولا حصناً من حصونهم إلا أنفذت إلى داخله رهطاً من المخربين المفسدين، إلا أن جوهر الإسلام الحق استطاع أن يحافظ على نقائه، في روائع نصوصه، وفي طوائف من المسلمين قائمين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، مهما كثر الخبث وانتشر الفساد في الأرض، وهؤلاء هم بذور النماء التي ستهيئ لها الموجات التاريخية بإذن الله وتوفيقه فرصة التكاثر السريع، مهما اجتث أعداء الإسلام من أفرادها في كل عصر. * * *

стр. 47

(٥) المنهج الرئيسي للغزو الفكري لدى سبر ما يمكن اتخاذه من خطط كيدٍ ضد مذهب أو فكرة أو دين له أمة من الناس تؤمن به، ولدى استقصاء هذه الخطط عن طريق التقسيم العقلي الذي يفيد الحصر، يظهر لنا ما يلي: إن الغزاة يضعون هدفهم غزو أمرين رئيسيين لدى أعدائهم وهما: الأمر الأول: الفكر الذي يمثّل عقائد الأمّة المغزوّة ومفاهيمها ومبادئها. الأمر الثاني: السلوك النفسي والظاهر، الذي هو تعبير حركي عن عقيدة الإنسان ومفاهيمه ومبادئه. ومن الظاهر في التصرفات الإنسانية أنَّ تغير العقائد والمفاهيم والمبادئ ينجم عنه تغيير في السلوك يلائم العقائد والمفاهيم والمبادئ الجديدة، ثم لا يبقى من السلوك القديم إلا ما هو متأصل عضوياً بتأثير العادة. ويلاحظ أيضاً أن تغيير السلوك بالممارسات العملية المقترنة بالاستحسان أو الاستمتاع أو إرضاء الغرائز والشهوات، سينجم عنه ولو بعد حين تغيير في العقائد والمفاهيم والمبادئ، ولا يبقى من القديم إلا مفاهيم تجريدية عامة مقطوعة الصلة بالسلوك الذي هو الأمر القائم في الممارسة، أو مفاهيم ذات آثار شكلية لا تتعارض مع هذا السلوك. والسبب في هذه الظاهرة الإنسانية أن الإنسان يحاول ما استطاع أن لا يكون متناقضاً مع نفسه، وأن لا يكون مزدوج الشخصية، أي: أن لا يكون سلوكه مناقضاً لمفاهيمه ومبادئه وعقائده، أو أن لا تكون مفاهيمه ومبادئه وعقائده مناقضة لسلوكه. إن التناقض في داخل النفس الواحدة، ذاتِ التركيب الفطري المتلائم المتناسق، يحدث ازدواجاً متصارعاً،من آثاره القلق والتوتر النفسي وعدم

стр. 48

الارتياح الداخلي، وهي أعراض علة مرضية نفسية يحاول الإنسان أن يتخلص منها ما استطاع. قد تحدث المصالحة التوفيقية لمدة من الزمن، عن طريق الاعتراف الداخلي بالمعصية، إرضاءً للشهوات والنزوات والأهواء، ولكن متى طال الزمن وفقدت المفاهيم والعقائد والمبادئ تغذيتها عن طريق الفكر أو عن طريق السلوك ضمرت ثم تضاءلت ثم تلاشت ثم جاءت المفاهيم والعقائد والمبادئ الأخرى الملائمة للسلوك الممارس، فاكتسحت البقايا وحلّت محلّها. وغزو كلٍّ من الفكر والسلوك إما أن يكون عن طريق الفكر، وإما أن يكون عن طريق السلوك التطبيقي. ووفق القسمة العقلية الحاصرة، الناتجة عن ضرب اثنين في اثنين،تظهر لنا الشعب الرئيسية الأربع لهذا المنهج، وهي الشعب المبينة في الجدول التالي: القوة الغازية....الأمة المغزوة ١- شعبة غزو الفكر.... للفكر ٢- شعبة غزو الفكر.... للسلوك ٣- شعبة غزو السلوك العملي.... للفكر ٤- شعبة غزو السلوك العملي.... للسلوك هذه شعب أربع رئيسية، ويتفرع عنها سبل فرعية كثيرة، ولها وسائل متنوعة كثيرة لا تكاد تحصر. وفيما يلي شرح هذه الشعب الأربع: الأولى: شعبة غزو الفكر للفكر: ويكون فيها أمران: ١- تزيين الأفكار التي يراد الغزو بها، والإقناع بأنها صحيحة ونافعة لاعتقادها واتخاذها مبادئ للحياة ومناهجها.

стр. 49

٢- تشويه وتقبيح الأفكار التي يراد حربُها، ونسخُها من أذهان وقلوب الأمة المغزوة، ويراد تغيير آثارها في السلوك. وكلٌّ من التزيين والتقبيح يعتمد على زخرف القول، وأنواع التضليلات الفكرية، والمغالطات والجدليات الباطلة. ومن أمثلة ذلك: تزيين فكرة النظام الرأسمالي الغربي، أو النظام الشيوعي، وتشويه وتقبيح نظام الإسلام الاقتصادي. الثانية: شعبة غزو الفكر للسلوك: ويكون فيها أمران: ١- تزيين السلوك الذي يراد تحويل الأمة المغزوّة إليه عن طريق الفكر، والإقناع بأنه هو السلوك الأفضل والأحسن لحياة الإنسان. ٢- تقبيح السلوك الذي يراد تحويل الأمة المغزوة عنه، عن طريق الفكر والإقناع بأنه سلوك لا يلائم مصلحة الناس، ولا يلائم ما ينفعهم، ولا يحقق لهم سعادتهم. وكلٌّ من التزيين والتقبيح يعتمد على زخرف القول وأنواع التضليلات الفكرية والمغالطات والجدليات الباطلة. ومن أمثلة ذلك: تزيين فكرة الاختلاط المطلق بين الذكور والإناث. وتقبيح واقع المجتمع الإسلامي الملتزم بتعاليم الإسلام، والبعيد عن مفاسد الاختلاط. الثالثة: شعبة غزو السلوك العملي للفكر: ويكون الغزو فيها بأمرين: ١- بعرض أنماط السلوك النفسي أو العملي الجسدي، المعبّرة عن مفاهيم الغزاة وعقائدهم ومبادئهم بصورة مزينة محببة مغرية للتأثير غير المباشر على أفكار الأمة المغزوّة وإقناعها بصحة مفاهيم الغزاة وعقائدهم ومبادئهم.

стр. 50

كعرض أنماط سفور المرأة وعريها بطرق شائقة جذابة، ترغب في فكر سفور المرأة وعريها. ٢- بعرض أنماط السلوك النفسي أو العملي الجسدي المعبّرة عن مفاهيم الأمة المغزوة وعقائدها ومبادئها. وتُعرض هذه الأنماط بصورة مشوهة منفرة، للتأثير غير المباشر على أفكار الأمة المغزوة، وإقناعها بالتخلي عن مفاهيمها وعقائدها ومبادئها التي تؤمن بها. كتشويه مظاهر حجاب المرأة المسلمة، بممارسات عملية مشوهة، مدفوعة أو مندسة للتنفير من فكرة حجاب المرأة الإسلامي والحكم الشرعي الآمر به. الرابعة: شعبة غزو السلوك العملي للسلوك: ويكون الغزو فيها بالاستدراج التطبيقي لأنماط السلوك النفسي والعملي الجسدي، الملائمة للأفكار والمفاهيم والعقائد والمبادئ التي يراد الغزو بها، والتي هي مظاهر لها ومعبرات عنا، بغية تحويل الأمة الإسلامية عن أنماط سلوكها القديم الملائم لمفاهيمها وعقائدها ومبادئها. ومن أمثلة ذلك إقامة الاقتصاد عملياً في البلاد الإسلامية على النظام الربوي، وافتتاح دور الفسق والفجور باسم الفن، أو بأسماء أخرى. وبعد اعتياد السلوك الجديد المصحوب بما يرضي المطامع، أو الأهواء والشهوات والغرائز يسهل جداً على الغزاة أن يزينوا للمستجيبين لهذا السلوك الفكرة التي يريدون غزوه بها، ويسهل عليهم إقناعهم بصحتها، كما يسهل عليهم إقناعهم بعدم صحة أفكارهم ومفاهيمهم وعقائدهم ومبادئهم القديمة، ذات المظاهر السلوكية المخالفة لما اعتادوه في سلوكهم الجديد. يضاف إلى ذلك، أن الإنسان يحاول دائماً أن يجد الأفكار والمفاهيم والمبادئ التي تؤيّد وتبرّر أنماط سلوكه التي تأصّلت عليها عادته، واستحلتها أهواؤه وشهواته وغرائزه ومطامعه، مهما كانت فاسدة وضارة ومخالفة لقيم الحق والخير والجمال والفضيلة الخلقية، ويحاول ما استطاع أن لا يكون متناقضاً مع

стр. 51

نفسه، بين مفاهيمه وسلوكه، وأن لا يكون مزدوج الشخصية يعاني من صراع داخلي، كما سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذا البحث. ومع الاستدراج التطبيقي لأنماط السلوك الغازي يكون الاستدراج التزييني للتخلي عن أنماط السلوك النفسي العملي الجسدي، الملائمة للمفاهيم والعقائد والمبادئ التي يراد مكافحتها وتحويل الأمة المغزوة عنها. ومتى تخلّى الإنسان عن السلوك المعبر عن مفاهيمه وعقائده ومبادئه، وطال عليه الأمد، ضمرت في عمقه مفاهيمه القديمة وعقائده ومبادئه، ثم تستمر في الضمور حتى تضمحل وتتلاشى، وعندئذ تحل محلها المفاهيم والعقائد والمبادئ الملائمة لأنماط سلوكه الجديد، الذي غدا هو المسيطر على ممارساته وأعماله وعاداته. وفي هذه الحالة يسهل على الغزاة الإقناع بالتخلي عنها كلياً. * * * (٦) الوسائل الرئيسية للغزو الفكري اشتملت الفقرة السابقة على شرح المنهج الرئيسي للغزو الفكري، بشعبه الأربع. ولكن يتفرع عن هذا المنهج الرئيسي سُبُل فرعية كثيرة يستخدم الغزاة فيها عدة وسائل لتحقيق أهدافهم. وبنظرة سريعة تنكشف للباحث الوسائل الرئيسية التالية: الوسيلة الأولى: تشويه عقائد المسلمين ومفاهيمهم الفكرية، وتشويه النظم الإسلامية، وسائر أحكام الإسلام وشرائعه وأخلاقه وكل ما يتعلق بالتراث الإسلامي وتاريخ المسلمين.

стр. 52

وقد اهتمّ أعداء الإسلام باستخدام هذه الوسيلة اهتماماً عظيماً، لصدّ الناس عن الإسلام، وتنفير أبناء المسلمين منه، وتقبيح صورة الإسلام في أفكارهم ونفوسهم. والسبب في ذلك أن أعداء الإسلام قد عرفوا حقاً قوة الإسلام، وقدرته على الانتشار والاتساع وما فيه من حق غلاب، ذي سطوة على الأفكار والنفوس، وما فيه من ملاءمة للفطرة الإنسانية، وملاءمة للمصالح البشرية التي تكشفها التجربة الطويلة. ويستخدم الغزاة للوصول إلى هذا التشويه ما يلي: أ- التشكيك بالحق، عن طريق زخرف القول. ب- إلقاء الشبهات، وتوجيه المطاعن افتراءً وزوراً. جـ- المغالطات الجدلية التي تعتمد على الأكاذيب والتزييفات وحيل التحريف والإيهام وكتم الحق وتلبيس الحق بالباطل وحيل إظهار بعض الأمر وإخفاء بعضه. إلى غير ذلك من أمور. الوسيلة الثانية: محاربة اللغة العربية الفصحى واللغات الإسلامية الأخرى ومحاولة طمس علومها وآدابها بمختلف الوسائل بغية صرف المسلمين عن مصادر التشريع الإسلامي وسائر التراث الإسلامي وبغية تجزئة المسلمين. وقد اتخذت هذه المحاربة صوراً ماكرة متعددة، استخدم فيها أسلوب النصيحة حيناً والتسلل بما يُسمّى "علم اللغات العامة" حيناً آخر، وهذا التسلل دخل إلى الدراسات الجامعية. وظهرت هذه المحاربة في الدعوة إلى إحلال اللهجات العامية محل العربية الفصحى، أو التعديل في قواعدها وقوانينها، أو تبديل كتابتها إلى الحرف اللاتيني، أو التعديل في طريقة كتابتها.

стр. 53

وظهرت أيضاً بتشييع الآداب الشعبية، والفنون الشعبية (الفولكلور) والتبعية لأساليب الآداب الغربية كنظام ما يسمى بالشعر الحر. الوسيلة الثالثة: إحياء القوميات القديمة، وتراثها وتاريخها الجاهلي، وآثارها وآدابها الجاهلية، لمزاحمة الإسلام من جهة ولتفتيت الشعوب الإسلامية من جهة ثانية، وذلك بربطها بجاهلياتها القديمة ونعراتها القومية وعصبياتها العرقية. الوسيلة الرابعة: استخدم الأجراء أو المندسين واستغلال المغفلين والجهلة وأصحاب الأهواء والمنحرفين في سلوكهم من الفساق وعصاة المسلمين لتحريف عقائد المسلمين ومفاهيمهم الفكرية مقدمة للإقناع بفساد العقائد والمفاهيم والشرائع الإسلامية، وضرورة نبذها والتخلي عنها. واستخدام هؤلاء أيضاً لتشويه التطبيقات الإسلامية وتحويلها إلى بدع وخرافات ليكون ذلك ذريعة لمحاربة الإسلام تحت ستار أن هذه التطبيقات المشوهة هي تطبيقات إسلامية. الوسيلة الخامسة: الاستدراج البطيء إلى ممارسة السلوك الذي يراد الغزو به، وترك السلوك الذي يراد التحويل عنه، ويكون ذلك: أ- بالرفقة والمصاحبة. ب- بإغراء الأهواء والشهوات والمطامع. جـ- بشراء الضمائر. د- بالغمس بالبيئات الفاسدة، استدراجاً إليها وهي في بلاد الغزاة أو إنشاءً لها بالتدرج داخل بلاد المسلمين. هـ - بعرض نماذج هذا السلوك مزيناً محبباً للنفوس، والتأثير عليها بطرق غير مباشرة، كالقصص والتمثيليات والمسرحيات. الوسيلة السادسة: استخدام النفاق والمنافقين والأقنعة المزوّرة، ويكون ذلك بما يلي:

стр. 54

أ- بإدخال الكفرة في صفوف المسلمين متظاهرين بالإسلام، لإفساد حال المسلمين فكراً وسلوكاً، والإضرار بهم وهم داخل صفوفهم. ب- بإخراج بعض أبناء المسلمين من دينهم إخراجاً فكرياً وقلبيّاً، وتوصيتهم بأن يظلّوا متظاهرين بالإسلام نفاقاً، ليقوموا بما يريده الغزاة من غزوٍ فكري وسلوكي داخل أمتهم التي هم من سلالتها، وينتمون إليها في الظاهر. الوسيلة السابعة: استغلال ردود الأفعال بعد أحداث طارئة أو أحداث مفتعلة أو بعد هجوم فكري منظم. كاستغلال حالة انفعال المسلمين تجاه هجوم طارئ أو تجاه هجوم مفتعل عليهم، لإشعال نيران فتنة بينهم وبين غيرهم، واستدراجهم إلى مذابح تقضي على قسم كبير منه، أو إلى ثورات واضطرابات تبدّد طاقاتهم وتجزّئ صفوفهم. ومن أمثلة استغلال رد الفعل غير الواعي ما فعله المستشرقون من الهجوم الفكري على الإسلام بأنه لم ينتشر في العالم عن طريق الإقناع، وإنما انتشر عن طريق الإكراه بالسيف، فكان رد الفعل لدى بعض المسلمين مقالتهم بأن الإسلام ليس فيه إلا قتال الدفاع فقط، وهذا هو ما يريده أصحاب الهجوم أنفسهم. الوسيلة الثامنة: استخدام الخطوات المتدرجة للنقل من موقع فكري إلى موقع فكري آخر. وذلك لأنَّ النقل المفاجئ السريع أمرٌ تأباه النفوس، وتقابله تلقائياً بالعناد والرفض. ومن الخطوات المتدرجة التحريف في مفاهيم الإسلام شيئاً فشيئاً، على فترات زمنية متباعدة.

стр. 55

وهذه الوسيلة هي من وسائل الشيطان التي حذرنا الله منها، في أربعة مواضع من القرآن الكريم. الموضع الأول: في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) المكية، وفي سياق التحذير من تحريم ما أحل الله من بهيمة ألأنعام، فقال الله تعالى فيها خطاباً للناس عامة: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وفي هذا دلالة على أن للشيطان خطوات يبدأ فيها بتزيين تحريم بعض ما أحلَّ الله، ثم ينتقل إلى تزيين تحريم أمر آخر، ثم إلى تزيين إباحة ما حرم الله، وتستمرّ الخطوات تتتابع حتى يكون الشيطان هو معبود الناس، ويتخذه الناس شريكاً لله. الموضع الثاني: في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) أول سورة مدنية، وقد أتبع الله النهي عن اتباع خطوات الشيطان ببيان أن الشيطان يأمر بالسوء والفحشاء والافتراء على الله، فيبدأ بالمعاصي الصغرى على اختلاف دركاتها، وعنوانها (السوء) ، ثم ينتقل إلى المعاصي الكبرى على اختلاف دركاتها، وعنوانها (الفحشاء) ، ثم ينتقل إلى أكبر الكبائر ومشاركة الله في إلهيته، وعنوان ذلك (الافتراء على الله) . فقال الله فيها خطاباً للناس أجمعين: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ الموضع الثالث: في سورة (البقرة) أيضاً، وفي سياق التعريف بقسم من الناس يعجب السامع قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام. ولعل هذا السياق يشعر بالتحذير من ذوي الأقوال المزخرفة المعجبة، التي تستدرج إلى مواقع الضلال الفكري أو الانحراف السلوكي.

стр. 56

فقال الله تعالى فيها خطاباً للذين آمنوا: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وفي أمر المؤمنين بأن يدخلوا في السلم كافة إلزام لهم بأن لا يكون بينهم تقاتل ولا صراع مهما دعت الدواعي. وبعد هذا حذرهم من اتباع خطوات الشيطان، وذلك لأن من خطواته استدراج المؤمنين إلى الخلاف فالعداوة والبغضاء فالقتال. ويتعاون شياطين الإنس الذين تعجب أقوالهم في الحياة الدنيا مع شياطين الجن الذين يوسوسون لإلقاء الخلاف والعداوة والبغضاء بين صفوف المؤمنين، ليقتتلوا، فتُدمَّر قواهم، وتجزّأ وحدتهم، ويظفر بهم عدوّهم. الموضع الرابع: في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) المدنية، وفي سياق عرض قصة الإفك على أم المؤمنين عائشة ﵂، وأحكام الله في القذف، والتحذير من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ونشر شائعات السوء، لأن ذلك من الخطوات التي تشجّع على ارتكاب الفاحشة، مع ما فيه من إثارة العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتقطيع أواصر الأخوة الإيمانية، فقال الله تعالى فيها: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ....﴾ . * * * (٧) تعريفات للأجنحة الثلاثة أطلقت كلمات التبشير والمبشرين، والاستشراق والمستشرقين والاستعمار والمستعمرين بمعانٍ ودلالات جرى بها العرف في الغرب والشرق،

стр. 57

وغدت مصطلحاتٍ يراد منها ما شاع في العرف، فنحن نطلقها وفق ما جرى عليه الاصطلاح، ولو كانت دلالاتها اللغوية الأصلية تخالف ما تطوّرت إليه في الاصطلاح أو في واقع ما تطلق عليه، أو من تطلق عليه. وفيما يلي تعريف بهذه الكلمات: التبشير: تعريف أطلقه رجال الكنيسة النصرانية على الأعمال التي يقومون بها لتنصير الشعوب غير النصرانية،ولا سيّما المسلمون. ثمّ تحوّل هدف التبشير داخل الشعوب المسلمة إلى غاية التكفير، وإخراج المسلمين عن دينهم، ولو إلى الإلحاد والكفر بكل دين. والمبشرون: هم الذين يجنّدون أنفسهم للقيام بمهمات التبشير، سواء أكانوا من العاملين أو العاملات في السلك الكنسي أو المتطوعين والمتطوعات من ذوي الاختصاصات الأخرى، وذلك عن طريق الدعوة إلى النصرانية صراحة، أو عن طريق التعليم المنهجي، أو التثقيف العام، أو الخدمات الصحية أو الاجتماعية أو غيرها ودسّ الأفكار التبشيرية فيها. وأصل (التبشير) في اللغة الإخبار بما هو خير، أو تبليغ ما هو خير، ولكن واقع حال المبشرين الصليبيين وأهدافهم من التبشير، جعلت التبشير يحمل معنىً آخر غير معناه اللغوي الأصلي. فحملت كلمة (التبشير) الدلالة التي سبق بيانها لدى تعريفه الاصطلاحي الشائع. الاستشراق: تعبير أطلقه الغربيون على الدراسات المتعلقة بالشرقيين، شعوبهم وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم وأوضاعهم الاجتماعية، وبلادهم وأرضهم وحضاراتهم وكل ما يتعلق بهم. وكان هدفهم الأساسي دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، لخدمة أغراض التبشير من جهة، وخدمة أغراض الاستعمار الغربي لبلدان المسلمين من جهة أخرى، ولإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية.

стр. 58

والمستشرقون: هم الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، ويقدّمون الدراسات اللازمة للمبشرين، بغية تحقيق أهداف التبشير، وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار. ومع الدراسات الاستشراقية الموجهة لأغراض التبشير والاستعمار قام بعض محبي العلم بدراسات استشراقية حيادية غير موجهة، وكان من بعض هؤلاء إنصاف للحقيقة، وبعض هؤلاء المنصفين تأثر بالإسلام وبالحضارة الإسلامية فأسلم. الاستعمار: تعبير أطلق على استيلاء شعب بالقوة العسكرية على شعب آخر لنهب ثرواته واستغلال أرضه وتسخير طاقات أفراده لمصالح المستعمرين. ويرافق ذلك اتخاذ مخططات تحويل هذا الشعب عن دينه ومفاهيمه ومبادئه وأخلاقه وسلوكه الفردي والاجتماعي إلى ما عليه دولة الشعب الغالب المستعمر، من مبادئ ونظم وعادات إذا كان بين الغالب والمغلوب تباين في ذلك. وأصل الاستعمار في اللغة طلب التعمير والسعي لتحقيق العمران، ولكن الواقع والأهداف النفسية للمستعمرين أمور جعلت الاستعمار يحمل معنى آخر غير معناه اللغوي الأصلي، فحملت كلمة "الاستعمار" الدلالة التي سبق بيانها لدى تعريفه الاصطلاحي الشائع.

стр. 59

(٨) المؤازرون من الداخل لقوى المكر الخارجية يمكن حصر القوى المؤازرة من داخل صفوف المسلمين لكتائب الجيوش الغازية لبلاد المسلمين غزواً فكرياً، بغية هدم الإسلام وتجزئة المسلمين في أربعة أصناف منبثة داخل الشعوب الإسلامية. وقد تكون مؤازرتهم لهم بقصد وقد تكون بغير قصد، وربما تكون في صورة مقارعة كتائب هذا الجيش الغازي ومحاربتها لتضليل الجماهير عن حقيقة المؤازرة. وبعض هؤلاء المؤازرين من هذه الأصناف يسيئون إلى الإسلام والمسلمين بحسن نية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وذلك بالانتصار للإسلام وفق الصور الخاطئة التي يفهمونها عنه. والأصناف المؤازرة لكتائب جيوش أعداء الإسلام هي الأصناف الأربعة التالية: الصنف الأول: الأجراء، وهم الذين باعوا نفوسهم لأعداء دينهم وأمتهم بثمن بخس دراهم معدودة أو منافع محدودة أو مناصب موعودة أو شهوات مبذولة ومتع مرذولة. وكم سَّلم صنف الأجراء لأعداء الإسلام مفاتيح مادية ومعنوية لكنوز عظيمة داخل الحصون الإسلامية، فمن صنف الأجراء زمر سياسيون يطبقون خطط أعداء الإسلام عن طريق السياسة، ومنهم زمر عسكريون يفعلون مثل ذلك في الميادين العسكرية، ومن صنف الأجراء أيضاً زمر ضعفاء النفوس من المتعلمين وذوي المكانة الدينية يصطنعون لأعداء الإسلام المبررات، ويسهلون لهم المهمات، ويبردون حماسة الناس ضدهم. وقد يستخرجون لهم الفتاوى والتأويلات، وقد يتصيدون لهم من بطون الكتب الإسلامية الآراء الضعيفة المردودة، التي اقتضت الحركة العلمية الحية المتقدمة في عصور ازدهار الثقافات الإسلامية عرضها ومناقشتها وردها بالحجج والبراهين، ولكن هؤلاء

стр. 60

الأجراء يتعمدون التقاطها وعرضها من جديد، وربما يكونون متطوعين يغفلون عن أثرها السيء الذي تفعله في نفوس الأجيال الناشئة، بما تعطيه من مفاهيم خاطئة عن الإسلام. أما هدف أعداء الإسلام منها فيتلخص في أمرين: الأمر الأول: تشجيع فريق من المسلمين للأخذ بها واعتناقاها، إبعاداً لهم عن حقيقة الإسلام النقية الصافية. الأمر الثاني: إبراز صورة مشوهة عن الإسلام للأجيال التي يريدون أن يسبوها سبياً فكرياً ونفسياً من أحضان أسرتها وبيآتها الإسلامية، وبها يستطيعون أن يهدموا الإسلام من أفكار هؤلاء الناشئين، وأن ينفروهم من طريقة آبائهم وأسرهم، الملتزمين بالصورة المشوهة التي ساهم الأجراء باستخراجها وبثها، أو تحويرها والتلاعب فيها. الصنف الثاني: الخارجون. وهم الذين خرجوا عن دينهم وأمتهم خروجاً كلياً أو جزئياً. وأخطر هؤلاء الخارجين الخارجون من طبقة المثقفين بالثقافات الحديثة، وهم في الحقيقة جنود من جنود العدو في أثواب وطنية، ولا تعدو مهمتهم أن تكون صورة تامة لمهمة المستشرقين والمبشرين والمستعمرين، إلا أنهم يستعلنون بوجه وطني، لأنهم من الأمة أعراقاً وأنساباً، وهذا الوجه الوطني لا يستطيع أن يلبسه العدو الأصلي، لذلك فإن تأثيره يظل أقل وأضعف حينما يباشر مكيدته بنفسه بصورة علنية. وهؤلاء الخارجون يستوردون المبادئ والمذاهب الفكرية البعيدة عن مجال التقدم المادي للحياة الإنسانية، مما تصنعه الخطط الأجنبية المعادية للإسلام والمسلمين، ويعرضونها بأقلامهم بين الأجيال الناشئة من أبناء المسلمين، ويرفعون من شأنها، ويمجدون أصحابها، ويغرسون في قلوب هذه الأجيال حبَّها والتعلق بها، واعتبارها حقاً وفتحاً عظيماً في ميادين المعرفة، ثم يتعهدون غراسها بالسقي والحضانة والتغذية المستمرة، حتى يثمر في أفكارهم وقلوبهم إلحاداً بالله وكفراً وتنكراً وازدراء لدينهم وأمتهم، وكراهية لكل ما يتصل

стр. 61

بالإسلام من حقائق، ولكل ما يتصل بتاريخ المسلمين من عزٍّ وطيد، ومجدٍ تليد. الصنف الثالث: المتهاونون، وهم الذين لا يبالون الأحداث ولا يكترثون بالأمور، ولا هم لهم في الحياة إلا أكل وشربٌ ومسكن ونكاح،وتكاثر وتفاخر بأعراض من الحياة الدنيا، ويبذلون في ميادين هذه الأمور كل ما وهبهم الله من قوى فكرية وجسدية ونفسية، فكل وقدة حرارية تتدفق بها حياتهم لا يرون لها سبيلاً إلا هذه الميادين، ولا ينظرون إلى أمور دينهم وأمتهم إلا بمقدار ما يكون لهذه الأمور من تأثير على الميادين التي فتنوا بها فتنة سلبتهم كل تفكير بغيرها. وقد نجد فريقاً من هؤلاء سليم العقيدة الشخصية ظاهر التدين، وهو مع ذلك يروى مانعاً مثلاً من ترويج كتب الإلحاد والكفر بالله، وكتب إفساد الأخلاق ونشر الرذيلة، إذا كان له منها ربح كثير، ولا يرى مانعاً من ترويج سلع الفحش والرذيلة والتجارة بالمحرمات الشرعية حينما يكون الربح الكثير مرتبطاً بذلك، ولا يرى مانعاً من الرضى بحكم أعداء الإسلام حينما تكون مصالحه التجارية أو الوظيفية ميسرة عن طريقهم. ولا يرى مانعاً من تسليم أبنائه وبناته إلى أيدي المبشرين والمستعمرين، يربونهم تربيةً معادية للإسلام والمسلمين، رغبة بأن يتقنوا لغة أجنبية إتقاناً حسناً، ليساعدوهم على تسهيل مصالح الاستيراد والتصدير. ولا يرون مانعاً أيضاً من استيراد الخمور ونحوها رغبة بزيادة موارد خزينة الدولة، عن طريق الضرائب على ما يستورد منها، إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة. وهؤلاء المتهاونون الذين لا يبالون الدين، ولا يكترثون بما يهدمه ولا بما يبنيه، هم السواد الأعظم داخل الشعوب الإسلامية، وهم في الحقيقة حقول العمل والاستغلال، التي تنتشر فيها قوى أعداء الإسلام. ولئن لم يكن لهؤلاء أعمال إيجابية ظاهرة تساهم مع الأعداء في هدم الإسلام وتوهين المسلمين، فإن استكانتهم واستخذاءهم وتهاونهم مساهمة سلبية خطيرة تعطي كل الفرص الملائمة للأعمال الإيجابية المضادة، وخطر

стр. 62

هذا التهاون من أبلغ الخطر. إنه أشد خطراً من الفرار في المعارك الحاسمة مع العدو إذ هو مساهمة صامتة. الصنف الرابع: المنفرون من الدعاة، وهم بعض القائمين بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان أحكام الدين، وهم جهلة بحقيقة الإسلام أو بطرق الدعوة إليه، مع تعصبهم لما يرون من فكر غير صحيح عن الإسلام، أو عن طريق الدعوة إليه والعمل له. ونجد هذا القسم أحياناً متصدراً مراكز إسلامية مرموقة. وعناصر هذا القسم يقدمون بما يقولون وبما يعملون صورة للإسلام مشوهة منفرة، ويكون ضررهم أشد وأبلغ حينما لا يرى الناس الإسلام إلا من خلال الصورة المشوهة المنفرة التي يقدمونها. وجهل هؤلاء يساعد أعداء الإسلام على بث أفكارهم بين أبناء المسلمين، فهم في الحقيقة قوة مؤازرة مساعدة وهم لا يعلمون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً وهم لا يشعرون. وكثيراً ما يكون هؤلاء بمثابة عقبات صادة، تصد من لديهم استعدادات حسنة لالتزام الإسلام عقيدة وعملاً. * * *

стр. 63

الفصْل الثاني المبشِّرون وأعمالهمْ ١- عرض موجز لتاريخ التبشير وأعمال المبشرين . ٢- مؤتمرات المبشرين. ٣- مجالات أنشطة المبشرين. ٤- التآزر بين المبشرين والمستعمرين.

стр. 64

(١) عرض موجز لتاريخ التبشير وأعمال المبشرين ١- الغارة على العالم الإسلامي من كلام المستشرق المبشر الفرنسي (لُ. شاتيليه) : قام المبشرون على اختلاف نزعاتهم الدينية، وتعدد مذاهبهم المتصارعة، وجمعياتهم التبشيرية، برسم خارطة العالم الإسلامي رسماً دقيقاً تناول جميع الجوانب البشرية وغير البشرية وأعدوا للعالم الإسلامي في خطتهم للإغارة عليه حشداً عظيماً من إرساليات التبشير، وعزموا على أن يتناسوا ما بينهم من خلافات مذهبية عنيفة؛ بغية جمع طاقاتهم لمحاربة الإسلام، وهدم دعائمه، وتحويل المسلمين عن تعاليمه، وإيقاف امتداده الطبيعي. ويستطيع الباحث أن يطلع على معلومات بالغة الأهمية، تتعلق بأعمال المبشرين في العالم الإسلامي، من البحث المستفيض الذي نشرته مجلة العالم الإسلامي الفرنسي الاستشراقية ثم التبشيرية، في سنة (١٩١٢م) تحت عنوان: "الغارة على العالم الإسلامي". وهذه المجلة كانت تصدرها جمعية اسمها: "الإرسالية العلمية المغربية" مؤلفة من عدد من المستشرقين، وكان رئيس تحرير المجلة يومئذٍ المستشرق المسيو "لُ. شاتليه".

стр. 65

وباستطاعتنا أن نكشف الأهداف التي يلتقي عليها المستشرقون والمبشرون من كلام المسيو (لُ. شاتليه) في مقدمته للبحث المشار إليه إذ يقول: "قلنا في سنة (١٩١٠م) عندما كنا نخوض على صفحات هذه المجلة في موضوع السياسة الإسلامية: ينبغي لفرنسا أن يكون عملها في الشرق مبيناً قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية، ليتسنى لها توسيع نطاق هذا العمل، والتثبت من فائدته. ويجدر بنا لتحقيق هذا بالفعل أن لا نقتصر على المشروعات الخاصة التي يقوم بها الرهبان المبشرون وغيرهم، لأن لهذه المشروعات أغراضاً خاصة. ثم ليس للقائمين بها حول ولا قوة في هيئتنا الاجتماعية، التي من رأيها الاتكال على الحكومة، وعدم الإقبال على مساعدة المشروعات الخاصة التي يقوم بها الأفراد، فتبقى مجهوداتهم ضئيلة بالنسبة إلى الغرض العام الذي نتوخاه، وهو غرض لا يمكن الوصول إليه إلا بالتعليم الذي يكون تحت الجامعات الفرنسية، نظراً لما اختص به هذا التعليم من الوسائل العقلية والعلمية المبنية على قوة الإرادة. وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيز الفعل ليبث في دين الإسلام التعاليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنسية. هذا ما ارتأيناه يومئذ، وسيظهر ما يؤيده في الفصول التالية المتعلقة بإرساليات التبشير البرتستانتي الانجلوسكسونية والجرمانية الدائبة على العمل في العالم الإسلامي، حتى أصبحت أهميتها تفوق بكثير ما اعتاد الفرنسيون أن يتصوروه، لأن النشاط وقوة الجأش التي يظهرها القائمون بأعمال هذه الإرساليات تختلف عن التي تمتاز بها أمتنا. وكنا منذ أمد بعيد نودّ أن نخوض في ذكر تفاصيل أعمال هذه الإرساليات التي اشتهرت بخطتها، ووفرة الوسائل التي أعدَّتها وتوسلت بها لمقاومة دين الإسلام". ثم يمضي هذا الكاتب المستشرق الفرنسي فيستشهد ببعض المؤسسات التعليمية التابعة لبعض إرساليات البشير في البلاد العربية والتركية ثم يقول:

стр. 66

"ومن هذا يتبين لنا أن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال جسيمة، وتدار أعمالها بتدبير وحكمة تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث إنها تبثُّ الأفكار الأوروبية. إلا أن لإرساليات التبشير مطامع أخرى كما يتبين من الجملة الآتية التي استخرجتها من رسالة أرسلها إليَّ من جزيرة البحرين في ٢ آب (أغسطس) /سنة ١٩١١م/ حضرة القسيس المحترم صموئيل زويمر منشئ مجلة العالم الإسلامي الإنكليزية، وهو يبني فيها صروح آمال شامخة على أعمال المبشرين البروتستانت، قال: (إن لنتيجة إرساليات التبشير في البلاد الإسلامية مزيتين: مزيد تشييد ومزية هدم، أو بالأحرى مزيتي تحليل وتركيب) . والأمر الذي لا مرية فيه هو أن حظ المبشرين من التغيير الذي أخذ يدخل على عقائد الإسلام ومبادئه الخلقية.... أكثر بكثير من حظ الحضارة الغربية منه" انتهى. فإذا أخذنا بقاعدة من فمك أدينك؛ وجدنا في كلام هذا المستشرق ما يدين المستشرقين والمبشرين بأنهم قد قاموا بحرب مركزة ضد الإسلام صاحب رسالة الهداية للناس أجمعين، وهم يعمون أنهم يريدون هداية الناس إلى الحق والخير. ٢- لمحة عن تاريخ التبشير اقتباساً من "أدوين بلس": منذ أن انتشر الإسلام وظهر على الدين كله، وأهل الكتاب من يهود ونصارى يضمرون له ولأهل الحقد العظيم، وزاد الأمر بالنسبة إلى النصارى أن دخيلاً دخل على نفوس قادتهم الدينين والسياسيين منذ الحروب الصليبية، وارتداد الصليبيين على أدبارهم مهزومين إثر حروب قرنين من الزمان، فولَّد هذا في نفوس هؤلاء أحقاداً وآلاماً صعب عليهم أن ينسوها، فكان من

стр. 67

نتائجها مخططاتهم الهادفة للغارة على العالم الإسلامي بحروب من نوع آخر، منها مخططات التبشير بالنصرانية بين الشعوب الإسلامية، أو تحويل المسلمين عن دينهم ولو إلى الإلحاد والكفر بكل دين. وأفضل ما يرجع إليه لدى دراسة تاريخ التبشير ما كتبه مؤرخوهم. جاء في كتاب (ملخص تاريخ التبشير) لمؤلفه "إدوين بلس" البروتستانتي: إن "ريمون لول" الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها، فتعلم (لول) اللغة العربية بكل مشقة، وجال في بلاد الإسلام، وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة. ثم تحدث مؤلفه عن إرساليات التبشير في القرون الوسطى إلى الهند وجزائر السند وجاوة، وعن اختلاط المبشرين بالمسلمين منذ ذلك الحين، وعن اهتمام هولندة بالتبشير في جاوة في أوائل القرن الثامن عشر، وعن محاولات المبشرين إخراج المسلمين عن دينهم، وأشار إلى "بترِ هيلِنبغ" الذي أبدى نشاطاً تبشيرياً قوياً بين مسلمي سواحل إفريقية. وفي سنة (١٦٦٤م) حضَّ البارون "دويتز" على تأسيس مدرسة كلية تكون قاعدة لتخريج المبشرين بعد تعليمهم أصول التبشير ووسائله، وارتأى أحد الأحبار أن يعهد إلى الأروام بمسؤولية تبشير الأتراك المسلمين، إلا أن البارون قد فشل في مشروعه يومئذ. ثم تحدث عن تاريخ تنظيم الإرساليات البروتستانتية من دانمركية وانكليزية وألمانية وهولندية، وأخبار اتصال بعضها ببعض، وأسماء الملوك والأمراء الذين كانوا عضداً لها، ومؤيدين لأعمالها في القرن السابع عشر وما بعده في أقطار العالم. أما أعمال إرساليات التبشير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فقد ذكر مؤلف الكتاب: أن المستر (كاري) هو الذي فاق أسلافه في مهنة التبشير، فدرس لغات اللاتين، واليونان والفرنسيين والهولنديين والعبرانيين كما تعلم كثيراً من العلوم. وأخذ ينشر الكتب في التحريض على التبشير. وقد

стр. 68

قوبلت هذه الكتب بالاستحسان في أوربا، وبدأ المتبرعون يقدمون له المساعدات المالية لدعمه في مهمته، وسافر إلى الهند بغرض التبشير، ولتنظيم أعماله، وصارت الأموال ترسل إليه من اللجان التي أخذت في أوربا تجمع له المساعدات من المكتتبين في مشروعه، ثم طلب أن يرسل إليه رجال يؤازرونه في التبشير، ونجم عن ذلك تأسيس "جمعية لندن التبشيرية" في عام (١٧٩٥م) ، ثم تأسست جمعيات مماثلة في (اسكوتلندة) وفي (نيويورك) ، وانتشرت هذه الفكرة في ألمانيا والدانمرك وهولندة والسويد ونرويج وسويسرا وغيرها. وتأسست أيضاً جمعيات فرعية كثيرة، منها "جمعية التبشير في أرض التوراة العثمانية" أي: البلاد العربية التي كانت تحت حكم السلطنة العثمانية يومئذ. وزاد الشغف في أوربا بأعمال التبشير الهادفة إلى إخراج المسلمين عن دينهم، إلى أن تأسست إرساليات تبشير طيبة على سبيل التجربة، لتلحق بالإرساليات العامة. وذكر مؤلف الكتاب أن هذه الإرساليات نجحت نجاحاً باهراً، لذلك أخذت تنمو وتزداد، وتألفت لها أقسام نسائي، وقد أرسل بعضها إلى الهند والأناضول. وفي عام (١٨٥٥م) تألفت "جمعية الشبان المتطوعين للتبشير في البلاد الأجنبية" ويقول مؤلف الكتاب: إنها لعبت دوراً مهماً في تبشير المسلمين على الخصوص. ثم تبع ذلك تأسيس جمعيات التبشير في كل البلاد البروتستانت. وفي عام (١٩٠٢م) تأسست "جمعية تبشير الشبان" ومهمتها استمالة النساء والبنات والشبان والطلبة على استماع صوت المبشرين. وفي عام (١٩٠٧م) تأسست جمعية أخرى لتبشير الكهول، وأخذت تباشر مهماتها وترفع التقارير بذلك. ويقول "إدوين بلس" في كتابه هذا: إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير في إفريقية، والمسلم فقط هو العدو اللدود لنا.

стр. 69

ويقول أيضاً: دخل المبشرون الكاثوليك ربوع إفريقية منذ القرن الخامس عشر، أي في أثناء الاكتشافات البرتغالية، وبعد ذلك بكثير أخذت ترد إرساليات التبشير البروتستانتية الإنكليزية والألمانية، وكذلك إرساليات التبشير الفرنسية. ولم تهتم جمعية الكنيسة البروتستانتية بالتبشير في إفريقية الغربية إلى منذ سنة (١٨٠٤م) حيث تعاونت إرسالياتها، وانكفأت على الكونغو. ثم يقول: وهذه الجمعية تقاتل الآن (أي: أيام كتابته مؤلفه) بمؤازرة الأسقف "صموئيل كروتز" الزنجي سلطة الإسلام المتدفق في النيجر الغربية. وفي سنة (١٨١٩م) اتفقت جمعية الكنيسة البروتستانتية مع الأقباط، وألفت في مصر إرسالية عهدت إليها بالتبشير في إفريقية الشرقية، وقررت إرسال مبشرين إلى الحبشة، ولكنها فشلت بسبب المنافسة بين اليسوعيين والبروتستانت، ثم أخذ المبشرون السويديون والإنكليز يرتادون غربي إفريقية، وتبعهم مبشرو المدرسة الجامعة، فهبطوا مدينة "ممباسة". ثم عززت ألمانيا إرسالياتها عقب اتساع مستعمراتها. وتوافد المبشرون على إفريقية الوسطى عقب بعثة "لفنسنون" و"ستانلي" سنة (١٨٧٨م) ، فاقتسموا مناطقها مع اختلاف جنسياتهم، بين ألماني واسكوتلندي وانكليزي ومورافي، وقد انتشرت إرساليات هؤلاء بدون انقطاع من شرقي إفريقية إلى أواسطها حتى الخرطوم والحبشة وبلاد الجُلاَ. أما بلاد المغرب فلها مبشرون خاصون بها ترسلهم "جمعية تبشير شمال إفريقية" وهم منتشرون في المغرب والجزائر وتونس وسائر بلاد المغرب، ومنهم المبشرون والأطباء التابعون لهم. ثم ذكر أن المبشرين البروتستانت يقومون في جزيرة مدغشقر بخدمة مهنتهم بكل جد ونشاط. ثم يقول متحدثاً عن المبشرين في آسيا الغربية:

стр. 70

كان للمبشر "هنري مارتين" يد طولى في إرسال المبشرين إلى بلاد آسيا الغربية، فبعد أن أقام في الهند مدة عرَّج على فارس والبلاد العثمانية، وتوفي سنة (١٨١٢م) وبعده أخذت إرساليات التبشير تشد الرحال إلى الأناضول، وفلسطين واتخذت لها مراكز في إزمير والقسطنطينية وبيت المقدس. ثم يقول المؤلف: ولما حدثت حوادث سنة (١٨٦٠م) في سورية توجهت الأنظار إلى جبل لبنان، وبعد عشر سنوات انتشرت لجنة التبشير الأمريكية في البلاد العثمانية عدا سورية. وعلى إثر تأسيس المركز البروتستانتي في الآستانة سنة (١٨٤٦م) صارت الآستانة مركزاً عاماً آمناً لأعمال المبشرين. ثم يقول متحدثاً عن المبشرين في الهند: انتشرت إرساليات التبشير في الهند عقب إرسالية "جمعية لندن التبشيرية" التي قام بها (كاري) ثم تبعتها الإرساليات الأمريكية، والاسكوتلندية والهولندية والنرويجية وغيرها. وكلها تؤدي وظائفها بنشاط وتقوم بأعمالها بكل دقة. وقد وقع هؤلاء في الحيرة أول الأمر، لأنهم لم يعلموا بمن يبدأون في التبشير، ثم اكتشفوا خطة التقاط الأطفال الذين يعضهم ناب الفاقة والفقر، فيحسنون إليهم ويستجلبونهم نحوهم. وقرر مؤتمر التبشير الذي عقد في شيكاغو أن ينظر في وسائل تعميم التبشير في الهند. ثم تحدث عن التبشير في الملايو، وذكر أن أهالي هذه البلاد اقتبسوا شيئاً من مذهب الكاثوليك عقب ظهور البرتغاليين، ومن مذهب البروتستانت بعد استيلاء الهولنديين على هذه البلاد، وقد أبدى الهولنديون قسوة وعدم تسامح في القرون الوسطى لنشر عقيدتهم. ثم يقول: وفي هذه الأيام (أي: أيام كتب مؤلفه) ذهبت إرساليات كثيرة إلى الملايو لتبشيرهم. ثم تحدث المؤلف عن التبشير في الصين فقال:

стр. 71

وتاريخ ذهاب إرساليات التبشير إلى الصين يرجع إلى سنة (١٨١٣م) ، ولما افتتحت الثغور الصينية بعد ذلك انتشر فيها المبشرون والأطباء والممرضون التابعون لهم انتشاراً هائلاً، واتسع نطاق أعمالهم وجاءت بثمرات كثيرة. وهكذا يحدثنا (إدوين بلس) عن تاريخ التبشير، وقد استشهد المبشرون أنفسهم بكلامه وأثنوا عليه واعتمدوا على كتابه. واتسعت دوائر التبشير وتنوعت أساليبها داخل البلاد الإسلامية وبين المسلمين. فلينظر المسلمون ماذا جرى في بلادهم وبين شعوبهم وماذا يجري باستمرار، وهم عن أعدائهم غافلون،ولما يجب عليهم نحوهم مهملون. ٣- المبشر "زويمر" وكتابه "العالم الإسلامي اليوم" نشر المبشر القسيس "زويمر" الذي كان رئيساً لإرسالية التبشير في البحرين بمؤازرة بعض رفاقه في مهنة التبشير كتاباً بعنوان "العالم الإسلامي اليوم"، جمع فيه طائفة من التقارير والمباحث التاريخية والاجتماعية، مما كتبه المبشرون عن أحوال المسلمين القاطنين في مناطقهم التبشيرية، وخلاصة عن أعمال المبشرين التي قاموا بها في مختلف البلاد، وما نتج عنها من ثمرات لصالح مهمة التبشير. وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب الإلحاح على ضرورة التبشير بين المسلمين، وانتقاد المؤسسات التبشيرية العالمية بأنها ارتكبت خطأ كبيراً بتركها المسلمين وشأنهم، إذ ظهر لها أن أهمية الإسلام هي في الدرجة الثانية بالنسبة إلى ثمانمائة مليون وثني رأت أن تشتغل بهم، ولم تنتبه إلى خطر الإسلام وحقيقة قوته وسرعة نموه إلا منذ ثلاثين عاماً فقط (أي: رجوعاً من تاريخ كتابة زويمر كتابه هذا الذي ظهر في أوائل القرن العشرين) . وجاء في مقدمة هذا الكتاب أيضاً: أن أبواب التبشير صارت مفتوحة الآن في ممالك العالم الإسلامي، مثل الهند والصين الجنوبية الشرقية ومصر وتونس والجزائر. ومن النصائح التي جاءت فيها للمبشرين ما يلي:

стр. 72

١- يجب أن يكون تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها. ٢- ينبغي للمبشرين أن لا يقطنوا إذا رأوا تبشيرهم المسلمين ضعيفة، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير النساء. وفي هذا الكتاب فصل بعنوان "الإسلام في مصر" وقد تضمن هذا الفصل ملخص أعمال المبشرين البروتستانت في مصر، والوسائل التي يتذرعون بها، والنتائج التي توصلوا إليها. وفيه أن أهم معاهد التبشير التي أنشئت في مصر المعهد الذي أسسته جمعية اتحاد مبشري أمريكا الشمالية سنة (١٨٥٤م) . وقد استطاع المبشرون منذ هذه الحقبة حتى سنة (١٩٠٤م) أن يحتكوا المسلمين عن طريق مؤلفاتهم ومدارسهم وعن طريق المحاضرات العامة التي يقيمونها مرتين في كل أسبوع، للموازنة والمناظرة بين الإسلام وبين الدين المسيحي، ويحضر هذه المحاضرات جمع غفير من المسلمين، ويسمح لهم أن يتكلموا. وقد غدا لدى مدارس المبشرين في القطر المصري (٣٠٠٠) ثلاثة آلاف طالب مسلم، وخُمس هؤلاء من البنات المسلمات. وفي سنة (١٨٨٢م) تأسس في مصر معهد علمي للتبشير، تابع لجمعية تبشير الكنيسة، وله أربعة فروع كما يلي: الأول: قسم طبي. الثاني: مدرسة للصبيان. الثالث: مدرسة للبنات. الرابع: مدرسة لنشر الإنجيل. وينشر مبشرو هذا المعهد مجلة أسبوعية، وكراسات ولهم مكتبة خاصة بهم. وكان لأعمال هؤلاء المبشرين نتيجتان: الأولى: إخراج عدد قليل من الشبان والفتيات عن الإسلام، وغرس العقائد التبشيرية في قلوبهم.

стр. 73

الثانية: تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار غير الإسلامية. وفي سنة (١٨٩٨م) تأسست الجمعية العامة لتبشير مصر، فكان لها معاهد في الدلتا والسويس، وأخذت تدير مدارس للصبيان والبنات، وتبث فيهم المسيحية، ونشطت هذه الجمعية حتى كان لها مجلة منتشرة جداً وبخاصة بين المسلمين، وكان لها خزائن كتب تحوي كتباً عربية ذات علاقة بالإسلام. وأقل إرساليات التبشير أهمية في القطر المصري الإرسالية الهولندية،التي تمركزت في قيلوب، ومن أعمالها أنها أنشأت ملجأ تبشيرياً للأيتام. وقد جاء في هذا الفصل من الكتاب أن العقبة الوحيدة التي تقف في سبيل إرساليات التبشير هي أنه ليس لديها قوة تزيل بها الضرر الذي يحف بالذين يرتدون عن دينهم من المسلمين، بسبب مقاطعة المسلمين لهم. ٤- ما كتبه المبشر المستر "م. هْوُرّي" حول التبشير في الهند من الذين كتبوا في موضوع "الإسلام وإرساليات التبشير في الهند" المبشر المستر "م. هوري" فقد تكلم عن حالة التبشير في شمالي الهند، وعن انتشار الإسلام ووسائطه، وأشار إلى دعاة جمعية "انجمن الإسلام" وتحدث عن التقدم الفكري والاجتماعي الذي حدث في هذه الجهات، وأن الإسلام عرقل سير التبشير. وفي حديثه عن تاريخ التبشير في الهند قال: إنه ابتدأ منذ مائة سنة (أي: من أوائل القرن التاسع عشر) وذلك عندما نال المبشر "جيروم كزافيه" اليسوعي إذناً بالتبشير في (لاهور) ، ففتح باب الجدال في مسائل التوحيد والتثليث وألوهية المسيح. ثم جاء المبشر "هنري مارتين" فوضع أساساً قوياً للتبشير. ثم تلاه "فاندر" فترجم كتابه "ميزان الحق" من الفارسي إلى الأردية،

стр. 74

وزاد عليه ترجمة كتاب "طريق الحياة" وكتاب "مفتاح الأسرار" وبهذا آثار "فاندر" مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في (دهلي) و (أكرا) و (لكنو) . ثم تحدث عن جمعيات التبشير في شمال الهند فقال: وفي شمال الهند الان (أي: في أوائل القرن العشرين) ما لا يقل عن (١٢) جمعية تبشيرية بين إنكليزية وأمريكية وأسترالية، وكلها ترمي إلى غاية واحدة. قال: وقد اشتد انتباه المبشرين إلى مكافحة الإسلام في الأيام الأخيرة،فمنت فيهم فكرة الاختصاص بتبشير المسلمين على إثر كتابات الدكتور "مردوتش"، وبادرت جمعيات متعددة إلى إرسال مبشرين اختصاصيين لهذا الغرض. أما ثمرة التبشير في أواسط الهند فهي أضعف بكثير من ثمرة التبشير في شمالي الهند، بالرغم من اجتهاد جمعية "تبشير الكنيسة" التي في "مدراس" و"حيدر أباد" وبالرغم من تفاني إرسالية "زنانة التبشيرية" وفوق كل ذلك يكثر في هذه الجهات انتقال غير المسلمين إلى الإسلام، وجمعية "انجمن الإسلام" تنجح دائماً بما لها من النشاط في حمل عدد كبير من غير المسلمين على اعتناق الإسلام. ومؤتمر المبشرين الذي عقد في القاهرة سنة (١٩٠٦م) لم يفته البحث في حركة الإصلاح التي دخلت في مسلمي الهند، ولم تفته الإشارة إلى "السير سيد أحمد خان" زعيم تلك النهضة، وما تبذله مدرسته الإسلامية في (عليكرا) ومؤتمر التربية الإسلامية. وقد خطب القسيس "ويتبرتشّت" في مؤتمر القاهرة بموضوع "الإسلام الجديد" فذكر أن تعاليم أوربا تقرب المسلمين من الاستجابة للمبشرين، ثم قال: يجب أن ننشئ جسراً فوق الهاوية التي تفصل بين العناصر، ولتتوصل إلى ذلك يجب أن ننتفع من وجو الطلبة المسلمين في انكلترا. ويجب أن تلقى محاضرات ودروس منظمة بمراقبة رجال ممتازين. وأن تصرف العناية إلى المناقشات. ويجب أن يوسع نطاق المطبوعات بالأردية، مثل مجلة (ترقي) ، وأن يترجم تاريخ التوراة للدكتور "بلاكي" وأن يتذرع لترويج ذلك بنشر الجرائد والكتب الإنكليزية التي يأنس بها المسلمون المتعلمون.

стр. 75

٥- تقريرات حول التبشير في البلاد العربية وضع المبشر القسّيس "أناتوليكوس" تقريراً حول موضوع التبشير في البلاد الإسلامية الخاضعة للدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين. فقال في تقريره عن سورية وفلسطين: تقف في طريق تبشير هذه البلاد عقبات خاصة، بعضها من الحكومة وبعضها الآخر ناشئ عن حالة البلاد وموقفها الحاضر، فسورية وفلسطين مملوءتان بالمذاهب المختلفة، وللدين فيهما ارتباط بالسياسة. وأهم الوسائل التي يستخدمها المبشرون لتذليل هذه الصعوبات هي ما يلي: ١- توزيع نسخ الكتاب المقدس. ٢- التبشير عن طريق الطب، لأنه في مأمن من مناوأة الحكومة له، والمسلمون يلجأون بأنفسهم إلى مستشفيات المبشرين ومستوصفاتهم. ٣- الأعمال التهذيبية كالمدارس والكليات التي تقبل أبناء المسلمين. ٤- الأعمال النسائية، مثل زيارة المبشرات لمنازل المسلمين، وإلقائهن المحاضرات الخاصة. ٥- توزيع الكتب والمؤلفات التبشيرية. التبشير في الجزيرة العربية وقد نظر المبشرون إلى الجزيرة العربية بحنق شديد، لأنها قد كانت في يوم من الأيام مشرق شمس الإسلام، ولأن فيها أماكن مقدسة يحج إليها المسلمون في كل عام وافدين من أقطار الدنيا. فقال المبشر "وليم جيفور بالكراف": متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه!!. وقال مؤلف كتاب "العالم الإسلامي اليوم" تعقيباً على فكرة "بالكراف": وقد أدرك أهمية هذه الفكرة القسيس "يانغ" صاحب التقرير عن التبشير في جزيرة العرب، فجعلها نصب عينيه في كل الأعمال، قال: ولكننا نتساءل عما
следующие страницы →