Полный текст (750 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وتاريخ ذهاب إرساليات التبشير إلى الصين يرجع إلى سنة (١٨١٣م) ، ولما افتتحت الثغور الصينية بعد ذلك انتشر فيها المبشرون والأطباء والممرضون التابعون لهم انتشاراً هائلاً، واتسع نطاق أعمالهم وجاءت بثمرات كثيرة.
وهكذا يحدثنا (إدوين بلس) عن تاريخ التبشير، وقد استشهد المبشرون أنفسهم بكلامه وأثنوا عليه واعتمدوا على كتابه.
واتسعت دوائر التبشير وتنوعت أساليبها داخل البلاد الإسلامية وبين المسلمين. فلينظر المسلمون ماذا جرى في بلادهم وبين شعوبهم وماذا يجري باستمرار، وهم عن أعدائهم غافلون،ولما يجب عليهم نحوهم مهملون.
٣- المبشر "زويمر" وكتابه "العالم الإسلامي اليوم"
نشر المبشر القسيس "زويمر" الذي كان رئيساً لإرسالية التبشير في البحرين بمؤازرة بعض رفاقه في مهنة التبشير كتاباً بعنوان "العالم الإسلامي اليوم"، جمع فيه طائفة من التقارير والمباحث التاريخية والاجتماعية، مما كتبه المبشرون عن أحوال المسلمين القاطنين في مناطقهم التبشيرية، وخلاصة عن أعمال المبشرين التي قاموا بها في مختلف البلاد، وما نتج عنها من ثمرات لصالح مهمة التبشير.
وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب الإلحاح على ضرورة التبشير بين المسلمين، وانتقاد المؤسسات التبشيرية العالمية بأنها ارتكبت خطأ كبيراً بتركها المسلمين وشأنهم، إذ ظهر لها أن أهمية الإسلام هي في الدرجة الثانية بالنسبة إلى ثمانمائة مليون وثني رأت أن تشتغل بهم، ولم تنتبه إلى خطر الإسلام وحقيقة قوته وسرعة نموه إلا منذ ثلاثين عاماً فقط (أي: رجوعاً من تاريخ كتابة زويمر كتابه هذا الذي ظهر في أوائل القرن العشرين) .
وجاء في مقدمة هذا الكتاب أيضاً: أن أبواب التبشير صارت مفتوحة الآن في ممالك العالم الإسلامي، مثل الهند والصين الجنوبية الشرقية ومصر وتونس والجزائر. ومن النصائح التي جاءت فيها للمبشرين ما يلي:
стр. 72
١- يجب أن يكون تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها.
٢- ينبغي للمبشرين أن لا يقطنوا إذا رأوا تبشيرهم المسلمين ضعيفة، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير النساء.
وفي هذا الكتاب فصل بعنوان "الإسلام في مصر" وقد تضمن هذا الفصل ملخص أعمال المبشرين البروتستانت في مصر، والوسائل التي يتذرعون بها، والنتائج التي توصلوا إليها.
وفيه أن أهم معاهد التبشير التي أنشئت في مصر المعهد الذي أسسته جمعية اتحاد مبشري أمريكا الشمالية سنة (١٨٥٤م) . وقد استطاع المبشرون منذ هذه الحقبة حتى سنة (١٩٠٤م) أن يحتكوا المسلمين عن طريق مؤلفاتهم ومدارسهم وعن طريق المحاضرات العامة التي يقيمونها مرتين في كل أسبوع، للموازنة والمناظرة بين الإسلام وبين الدين المسيحي، ويحضر هذه المحاضرات جمع غفير من المسلمين، ويسمح لهم أن يتكلموا. وقد غدا لدى مدارس المبشرين في القطر المصري (٣٠٠٠) ثلاثة آلاف طالب مسلم، وخُمس هؤلاء من البنات المسلمات. وفي سنة (١٨٨٢م) تأسس في مصر معهد علمي للتبشير، تابع لجمعية تبشير الكنيسة، وله أربعة فروع كما يلي:
الأول: قسم طبي.
الثاني: مدرسة للصبيان.
الثالث: مدرسة للبنات.
الرابع: مدرسة لنشر الإنجيل.
وينشر مبشرو هذا المعهد مجلة أسبوعية، وكراسات ولهم مكتبة خاصة بهم. وكان لأعمال هؤلاء المبشرين نتيجتان:
الأولى: إخراج عدد قليل من الشبان والفتيات عن الإسلام، وغرس العقائد التبشيرية في قلوبهم.
стр. 73
الثانية: تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار غير الإسلامية.
وفي سنة (١٨٩٨م) تأسست الجمعية العامة لتبشير مصر، فكان لها معاهد في الدلتا والسويس، وأخذت تدير مدارس للصبيان والبنات، وتبث فيهم المسيحية، ونشطت هذه الجمعية حتى كان لها مجلة منتشرة جداً وبخاصة بين المسلمين، وكان لها خزائن كتب تحوي كتباً عربية ذات علاقة بالإسلام.
وأقل إرساليات التبشير أهمية في القطر المصري الإرسالية الهولندية،التي تمركزت في قيلوب، ومن أعمالها أنها أنشأت ملجأ تبشيرياً للأيتام.
وقد جاء في هذا الفصل من الكتاب أن العقبة الوحيدة التي تقف في سبيل إرساليات التبشير هي أنه ليس لديها قوة تزيل بها الضرر الذي يحف بالذين يرتدون عن دينهم من المسلمين، بسبب مقاطعة المسلمين لهم.
٤- ما كتبه المبشر المستر "م. هْوُرّي" حول التبشير في الهند
من الذين كتبوا في موضوع "الإسلام وإرساليات التبشير في الهند" المبشر المستر "م. هوري" فقد تكلم عن حالة التبشير في شمالي الهند، وعن انتشار الإسلام ووسائطه، وأشار إلى دعاة جمعية "انجمن الإسلام" وتحدث عن التقدم الفكري والاجتماعي الذي حدث في هذه الجهات، وأن الإسلام عرقل سير التبشير.
وفي حديثه عن تاريخ التبشير في الهند قال: إنه ابتدأ منذ مائة سنة (أي: من أوائل القرن التاسع عشر) وذلك عندما نال المبشر "جيروم كزافيه" اليسوعي إذناً بالتبشير في (لاهور) ، ففتح باب الجدال في مسائل التوحيد والتثليث وألوهية المسيح.
ثم جاء المبشر "هنري مارتين" فوضع أساساً قوياً للتبشير.
ثم تلاه "فاندر" فترجم كتابه "ميزان الحق" من الفارسي إلى الأردية،
стр. 74
وزاد عليه ترجمة كتاب "طريق الحياة" وكتاب "مفتاح الأسرار" وبهذا آثار "فاندر" مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في (دهلي) و (أكرا) و (لكنو) .
ثم تحدث عن جمعيات التبشير في شمال الهند فقال: وفي شمال الهند الان (أي: في أوائل القرن العشرين) ما لا يقل عن (١٢) جمعية تبشيرية بين إنكليزية وأمريكية وأسترالية، وكلها ترمي إلى غاية واحدة.
قال: وقد اشتد انتباه المبشرين إلى مكافحة الإسلام في الأيام الأخيرة،فمنت فيهم فكرة الاختصاص بتبشير المسلمين على إثر كتابات الدكتور "مردوتش"، وبادرت جمعيات متعددة إلى إرسال مبشرين اختصاصيين لهذا الغرض.
أما ثمرة التبشير في أواسط الهند فهي أضعف بكثير من ثمرة التبشير في شمالي الهند، بالرغم من اجتهاد جمعية "تبشير الكنيسة" التي في "مدراس" و"حيدر أباد" وبالرغم من تفاني إرسالية "زنانة التبشيرية" وفوق كل ذلك يكثر في هذه الجهات انتقال غير المسلمين إلى الإسلام، وجمعية "انجمن الإسلام" تنجح دائماً بما لها من النشاط في حمل عدد كبير من غير المسلمين على اعتناق الإسلام.
ومؤتمر المبشرين الذي عقد في القاهرة سنة (١٩٠٦م) لم يفته البحث في حركة الإصلاح التي دخلت في مسلمي الهند، ولم تفته الإشارة إلى "السير سيد أحمد خان" زعيم تلك النهضة، وما تبذله مدرسته الإسلامية في (عليكرا) ومؤتمر التربية الإسلامية.
وقد خطب القسيس "ويتبرتشّت" في مؤتمر القاهرة بموضوع "الإسلام الجديد" فذكر أن تعاليم أوربا تقرب المسلمين من الاستجابة للمبشرين، ثم قال: يجب أن ننشئ جسراً فوق الهاوية التي تفصل بين العناصر، ولتتوصل إلى ذلك يجب أن ننتفع من وجو الطلبة المسلمين في انكلترا. ويجب أن تلقى محاضرات ودروس منظمة بمراقبة رجال ممتازين. وأن تصرف العناية إلى المناقشات. ويجب أن يوسع نطاق المطبوعات بالأردية، مثل مجلة (ترقي) ، وأن يترجم تاريخ التوراة للدكتور "بلاكي" وأن يتذرع لترويج ذلك بنشر الجرائد والكتب الإنكليزية التي يأنس بها المسلمون المتعلمون.
стр. 75
٥- تقريرات حول التبشير في البلاد العربية
وضع المبشر القسّيس "أناتوليكوس" تقريراً حول موضوع التبشير في البلاد الإسلامية الخاضعة للدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين.
فقال في تقريره عن سورية وفلسطين: تقف في طريق تبشير هذه البلاد عقبات خاصة، بعضها من الحكومة وبعضها الآخر ناشئ عن حالة البلاد وموقفها الحاضر، فسورية وفلسطين مملوءتان بالمذاهب المختلفة، وللدين فيهما ارتباط بالسياسة. وأهم الوسائل التي يستخدمها المبشرون لتذليل هذه الصعوبات هي ما يلي:
١- توزيع نسخ الكتاب المقدس.
٢- التبشير عن طريق الطب، لأنه في مأمن من مناوأة الحكومة له، والمسلمون يلجأون بأنفسهم إلى مستشفيات المبشرين ومستوصفاتهم.
٣- الأعمال التهذيبية كالمدارس والكليات التي تقبل أبناء المسلمين.
٤- الأعمال النسائية، مثل زيارة المبشرات لمنازل المسلمين، وإلقائهن المحاضرات الخاصة.
٥- توزيع الكتب والمؤلفات التبشيرية.
التبشير في الجزيرة العربية
وقد نظر المبشرون إلى الجزيرة العربية بحنق شديد، لأنها قد كانت في يوم من الأيام مشرق شمس الإسلام، ولأن فيها أماكن مقدسة يحج إليها المسلمون في كل عام وافدين من أقطار الدنيا.
فقال المبشر "وليم جيفور بالكراف": متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه!!.
وقال مؤلف كتاب "العالم الإسلامي اليوم" تعقيباً على فكرة "بالكراف": وقد أدرك أهمية هذه الفكرة القسيس "يانغ" صاحب التقرير عن التبشير في جزيرة العرب، فجعلها نصب عينيه في كل الأعمال، قال: ولكننا نتساءل عما
стр. 76
إذا كان قد حان الوقت للعمل بها، وعما تكون نتيجة التبشير حينئذ.
وللمبشر القسيس "زويمر" رئيس إرسالية التبشير في البحرين سَبْقٌ في هذا المضمار، فقد ألف كتاباً سماه "مهد الإسلام"، تحدث فيه عن إرساليات التبشير في الجزيرة العربية، وانتقل بعد هذا إلى ذكر النفقات الجسيمة التي تتكبدها إرساليات التبشير في جزيرة العرب، ومما قاله: إن مرتبات المبشرين والموظفين عندهم وبائعي كتبهم تساوي ثلاثة أضعاف مرتبات أمثالهم في الهند، ومما يخفف أمر هذه النفقات أن المبشرين في بلاد العرب اتخذوا لهم مراكز تمهد لهم سبيل التوغل في داخل الجزيرة.
وكل الإرساليات هناك على اختلاف نزعاتها وأشكالها ومعاهدها الطبية والتهذيبية والأدبية ترمي إلى غاية واحدة، والمرضى يشدون الرحال من أصقاع بعيدة إلى مستشفيات المبشرين في الموصل وبغداد والبصرة والبحرين والشيخ عثمان وعدن. وعندما يرحل الأطباء جائبين البلاد، ينثرون في النفوس بذوراً يمكن للمبشرين وبائعي الكتب أن يحصدوها بعد ذلك، وينمّو غراسها.
والتعليم المدرسي والتربية اللذان يعنى بهما المبشرون قد أسفرا عن نتائج جمة، وأثمرا ثمرات نافعة في الأطفال والمراهقين على السواء.
٦- اهتمام المبشرين بالمرأة
عرف المبشرون ماللمرأة من تأثير على الأسرة، وعلى المجتمع كله بوجه عام، فوجَّهوا شطراً كبيراً من أعمالهم التبشيرية إليها.
ولما كانت المرأة المسلمة الملتزمة بآداب الإسلام بعيدة عن الاختلاط في مجتمعات الرجال، اضطر المبشرون أول الأمر أن يضموا إليهم فريقاً من المبشرات اللواتي يحملن مهمة التبشير إلى النساء المسلمات، كما بدا لهم أن يؤسسوا جمعيات نسائية، كجمعية الشابات المسيحيات، وأن يؤسسوا مدارس للبنات
стр. 77
على نسق المدارس التي أسسوها للذكور، وأن يوجهوا عناية لفتح المدارس الداخلية، لأن فرص التأثير فيها أكثر، وأن يشجعوا التعليم المختلط، وأن يفتحوا دوراً خاصة بالطالبات تشرف عليها طائفة من المبشرات، وأن يقيموا الأندية النسائية والمخيمات الكشفية النسائية، ثم ما زالوا يتدرجون في كسر الحواجز بين الذكور والإناث، حتى شاعت المجتمعات المختلطة بين المسلمين والمسلمات بتأثير العدوى والسِّراية.
وصفق المبشرون كثيراً ابتهاجاً وسروراً حينما فتحت المرأة المسلمة أبوابها، ونزعت عنها جلبابها، لأن ذلك قد أتاح لهم كل الفرص الملائمة للتغلغل عن طريقها إلى داخل الأسرة المسلمة كي يبثُّوا ما يريدون بثَّه من تعاليم تمليها عليهم مهمَّاتهم التبشيرية.
يقول نفر من المبشرين: "بما أن الأثر الذي تحدثه الأمّ في أطفالها - ذكوراً وإناثاً- حتى السنة العاشرة من عمرهم بالغ الأهمية، وبما أن النساء هنّ العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة، فإننا نعتقد أن الهيئات التبشيرية يجب أن تؤكد جانب العمل بين النساء المسلمات، على أنه وسيلة مهمَّة في التعجيل بتحويل البلاد الإسلامية إلى المسيحية".
وفي مؤتمر القاهرة التبشيري الذي عُقد في عام (١٩٠٦م) قدَّم الأعضاء المبشرات النداء التالي:
".... لا سبيل إلا بجلب النساء المسلمات إلى المسيح. إن عدد النساء المسلمات عظيم جداً.... فكل نشاطٍ مجدٍ للوصول إليهن يجب أن يكون أوسع مما بذل إلى الآن، نحن لا نقترح منظّمات جديدة، ولكن نطلب من كلّ هيئة تبشيرية أن تحمل فرعها النسائي على العمل واضعة نصب عينيها هدفاً جديداً، هو الوصول إلى جميع نساء العالم المسلمات في هذا الجيل..".
وحين سمع القسيس الدكتور "صموئيل زويمر" قطب التبشير الصليبي الشكوى من استعصاء المسلم على المبشرين، وعجزهم عن التأثير في قلبه، أبان في تعقيبه: أنه ليس غرض التبشير التنصير فقط، ولكن أقصى ما يجب على المسلم عمله هو تفريغ القلب المسلم من الإيمان بالله، ثم قرر لهم أن أقصر
стр. 78
طريق لذلك هو اجتذاب الفتاة المسلمة إلى مدارسهم بكل الوسائل الممكنة، لأنها هي التي تتولى عنهم مهمة تحويل المجتمع الإسلامي وسلخه من مقومات دينه.
وقد ابتكر المبشرون وسيلة لتصيّد الفتيات اللاتي يتعرضن لأزمات عاطفية أو عائلية أو اقتصادية، والتأثير عليهن وتبشيرهن، وقد لخّص هذه الوسيلة مؤتمر قسنطينة التبشيري، الذي انعقد في الجزائر بما يلي:
"إن الحاجة الملحة المستعجلة إنما هي إلى إنشاء بيت أو بيوت للفتيات المطلّقات وللأرامل الصغار، ويجب أن لا تكون هذه البيوت مؤسسات كبيرة، بل أماكن يخيم عليها الجو العائلي، ثم تفرق النساء فيها حسب أحوالهن وحاجاتهن، وكذلك مُكثُ هؤلاء النسوة في تلك البيوت يجب أن يطول أو يقصر حسب المقتضيات الشخصية لكل واحدة منهن....
وأخيراً نرى أن أمثال هؤلاء النسوة يكُنّ في أثناء مكثهن في هذه البيوت تحت تأثير الإنجيل، ثم إننا نختار منهم أولئك اللواتي يرجى أن يُمرّنّ أكثر من غيرهنّ، ليكنّ بدورهنّ مبشرات بين قومهنّ. ولقد اعتنق الإفرنسيون أيضاً هذا الرأي في التبشير بين النساء".
وهكذا تتنوع أساليب المبشرين، وتتعدد وسائلهم، ولا تعدو جميعها أن تكون فخاخاً للصيد، والذي يؤسف له أن التبشير ليس له غاية في ذاته، لأنه لا يدعو إلى حق تدعمه الأدلة العقلية أو الأدلة العلمية، إنما يدعو إلى دين دخل التحريف والتبديل إلى أصوله الكبرى، ولا يستمسك أتباعه به إلا بدوافع التعصب الأعمى، ومعظم أهداف التبشير تتجه أخيراً إلى تحقيق أهداف الدول الاستعمارية الطامعة بديار المسلمين وبخيراتهم.
٧- يتخوف المبشرون من الإسلام أكثر مما يتخوفون من أية قوة أخرى
لقد كان جميلاً بالمبشرين وهم يدعون أنهم أنصار رسالة سماوية أن يتآزروا مع المسلمين لمحاربة الإلحاد بالله، ولنشر الخير والفضيلة بين الشعوب،
стр. 79
ومقاومة الشر والرذيلة، وإقامة العدل والأمن والسلام العالمي، ونظائر هذه الأمور التي تلتقي عليها الأصول الصحيحة للشرائع السماوية كلها.
فإن لم يحلُ لهم التآزر مع المسلمين فلا أقلّ من تجنب كلٍّ من الفريقين حقول عمل الفريق الآخر، وأماكن سيادته، أو تجنُّب التماس والتصادم،حتى لا يظفر دعاة الإلحاد بالله، وحملة الوجودية أو الفوضوية المطلقة، بكلٍ منها.
إلا أن كل الدلائل القولية والفعلية ما زالت تدل على أن المبشرين ينظرون إلى ألإسلام -وهو خاتم الأديان الربانية وصاحب سفينة النجاة العالمية المشحونة بالحق والخير والفضيلة والجمال- بتخوف شديد، أكثر مما يتخوفون من الكتل البشرية الهائلة، التي قد تجمع نحو ثلث سكان الأرض في دولة واحدة، لا تدين بالديانة المسيحية.
فهل بلغت في نفوس المبشرين عوامل التنافس بينهم وبين المسلمين من القوة والشدة أكثر مما بلغته عوامل العداء الحقيقي بينهم وبين دعاة الإلحاد بالله والكفر به وإنكار كل رسالة ربانية أنزلها الله لعباده على ألسنة رسله؟
لقد كان على المبشرين أن يوجهوا كل جهودهم لعدو الأديان المشترك، الذي لا يفرق بين دين ودين، ولا بين مذهب ومذهب، وإنما يرفع لواء المادية والوجودية ويفاخر بعقائده الكافرة بكل رسالة ربانية، وقد غزت هذه الدعوات الإلحادية معظم شعوبهم، فبينما تعمل جيوشهم التبشيرية في البلاد الإسلامية التي لا تعطيهم خلال عشرات السنين إلا أضعف الثمرات لصالح أهداف التبشير بالمسيحية، تنتشر جيوش الإلحاد من وراء ظهورهم غازية بلادهم غربية كانت أم شرقية، وغازية أبناء جلدتهم،بمبادئها الوجودية، وأخلاقها المنحلة، ومذاهبها الاجتماعية الهادمة لكل المعاقل الدينية، التي بناها أسلافهم خلال عشرين قرناً مضت في أوربا وأمريكا وسائر بلاد الدنيا، وأمست هذه الجيوش الإلحادية تعيث في بلادهم فساداً. فأين المبشرون من مصادر الخطر الحقيقية على دينهم إن كانوا صادقين مع رسالتهم الدينية التي يزعمون أنهم يحملونها للناس؟!
стр. 80
أما الإسلام فلا خطر على الحق والخير والعدل والأديان السماوية من قِبَله، لقد استطاع المسلمون خلال أربعة عشر قرناً، بما فيها أيام مجدهم وقوتهم ودولتهم الكبرى، أن يعيشوا في ودٍ ووئام وبعدٍ عن كل تصادم ديني - إلا ما كان من قبيل الدفاع - مع سائر المنتسبين إلى الأديان السماوية الأخرى، وإن كانت محرفة في نظره، وانتهى دور العمل بها.
فما بال المبشر "لورنس براون" يقول: " لقد كان نخوف بشعوب مختلفة، ولكننا بعد اختبار لم نجد مبرراً لمثل هذه المخاوف، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي، وبالخطر الأصفر،وبالخطر البلشفي، إلا أن هذا التخوف كله لم يتفق كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد، ثم رأينا أن البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر فهنالك دول ديمقراطية كبرى تقاومها.... ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام، وفي قوته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي"؟!.
هذا كلام أحد أقطاب المبشرين في العالم، ولو أنه كان يهودياً لم يزد في حديثه عن اليهود على ما قال، مع أن الشعوب النصرانية تعاني من الكيد اليهودي لدينها ومجتمعاتها ولكل مقوم من مقوماتها أكثر مما عانته الشعوب المسلمة، بما في ذلك مشكلة فلسطين التي استخدم اليهود الدول النصرانية لدعمهم فيها ضد المسلمين.
ولا عجب بعد هذه النصيحة التي قدمها هذا المبشر للشعوب النصرانية، والنصائح المماثلة التي يقدمها زملاؤه، أن نجد دولاً كبرى في العالم تدعم باطل اليهود ضد حق المسلمين، وأن نجد دولاً مختلفة في مذاهبها العقائدية والاجتماعية تتصافح وتتآزر فيما بينها لمقاومة الإسلام.
وليس لنا أمام هذه القوى العالمية المتآزرة ضدنا إلا أن نكافح ونصبر ونصمد ونقول: والله من ورائهم محيط، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 81
٨- السياسة التعليمية عند المبشرين
تنحصر السياسة التعليمية عند المبشرين بأنها سياسة تهدف إلى استخدام العلم وسيلة لأغراض التبشير من جهة، ولأغراض الدول الاستعمارية من جهة أخرى.
وبمقدار ما يحقق التعليم لهم من هذه الأغراض يوسعون فيه ويضيّقون منه، ويوجِّهون مناهجه وخططه الدراسية، والكتب المصنفة له والوسائل المستخدمة فيها والعناصر التعليمية التي تمارسه وتشرف عليه.
ونجد في أقوال المبشرين حشداً كبيراً من النصوص الدالة على أن التعليم عندهم لم يكن إلا وسيلة لتحقيق أغراض المبشرين.
يقول نفر من المبشرين: "إن أهداف المدارس والكليات التي تشرف عليها الإرساليات في جميع البلاد كانت دائماً متشابهة. إن المدارس والكليات كانت تعتبر في الدرجة الأولى وسيلة لتحقيق أهداف التبشير.... حتى إن الموضوعات العلمية البحتة التي تُعلّم من كتب غربية وعلى أيدي مدرسين غربيين تحمل معها الآراء التبشيرية....".
ويرى المبشِّر "هنري هريس جَسَب" "أن التعليم في الإرساليات التبشيرية إنما هو وسيلة إلى غاية فقط، هذه الغاية هي قيادة الناس وتعليمهم حتى يصبحوا أفراداً مسيحيين وشعوباً مسيحية، ولكن حينما يخطو التعليم وراء هذه الحدود ليصبح غاية في نفسه، وليخرج لنا خيرة علماء الفلك وعلماء طبقات الأرض وعلماء النبات، وخيرة الجراحين والأطباء في سبيل الزهو العلمي.... فإننا لا نتردد حينئذٍ في أن نقول: إن رسالة مثل هذه قد خرجت عن المدى التبشيري إلى مدىً علماني محض، إلى مدىً علمي دنيوي....".
ويقول "هنري هريس جَسَبْ" أيضاً: "إن المدارس شرطٌ أساسي لنجاح التبشير، وهي بعد هذا وسيلة إلى غاية،لا غاية في نفسها، لقد كانت
стр. 82
المدارس تسمّى بالإضافة إلى التبشير: (دقَّ الإسفين) وكانت على الحقيقة كذلك في إدخال الإنجيل إلى مناطق كثيرة لم يكن بالإمكان أن يصل إليها الإنجيل أو المبشرون من طريق آخر".
ويرى بعض المبشرين: "أن المدارس قوة لجعل الناشئين تحت تأثير التعليم المسيحي أكثر من كل قوة أخرى، ثم إن هذا التأثير يستمر حتى يشمل أولئك الذين سيصبحون في يوم ما قادة في أوطانهم".
ونلمح في هذا الغرض السياسي الذي ظهرت آثاره فيما بعد،إذ تسلَّم القيادة السياسية في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين، من تخرَّجوا عل أيدي المبشرين وحملوا في نفوسهم ما أراد المبشرون أن يحملوه،وأخذوا يطبقون المناهج والخطط الدراسية التي تخدم ما حملوه في نفوسهم من نفثات أعداء الإسلام والمسلمين.
ولم يكن في استطاعة السياسة التعليمية عند المبشرين أن تتسامح في أمر يمسّ هدف التبشير، فلم يكن في استطاعتها أن تقبل في مدارسها معلمين من المسلمين لأبناء المسلمين الذين يفدون إليها، مهما كانت قدرتهم العلمية وكفاءتهم التعليمية، لأن قبول مثل هؤلاء المعلمين يعتبر من وجهة نظر المبشرين مؤثراً على الأهداف التبشيرية، ولئن قبلت بعض المعلمين من المسلمين فلغرض التمويه، وإخفاء التعصب ضدّهم.
عهد مؤتمر القدس التبشيري الذي انعقد في نيسان سنة (١٩٣٥م) إلى المبشر "هـ دانبي" بأن يضع كتاباً توجيهياً، يتضمن ما وصل إليه المؤتمرون من الملاحظات والآراء، فوضع هذا الكتاب الذي عُهد به إليه،وقد جاء فيه ما يلي:
"ثم يتسع الشك على كل حال حينما نأتي إلى استخدام معلم غير مسيحي ليعلم موضوعات لا نجد لتعليمها معلماً مسيحياً، أجل: إن البراعة في التعليم
стр. 83
لا صلة لها بدين المعلم، ومما لا ريب فيه أن معلماً مسلماً ذا خبرة بمهنته وذا كفاءة، يمكن أن يكون له من الجاذب الشخصي وقوة الخلقِ والشعور بالواجب ما يجعل منه معلماً يبعث الحياة في طلابه، أو مربياً صالحاً، ثم هو يمكن أن يؤثر في طلابه أكثر من المعلم المسيحي المجرَّد من الصفات التي يتصف بها ذلك المعلم المسلم، ولكن إذا كانت الغاية من التعليم في المدارس التبشيرية - كما يجب أن تكون - إنما هي تزويد الطلاب باستشراف مسيحي للحياة، وتمرين لهم على ممارسة المبادئ المسيحية، وتقريبهم من اختبار شخصي للإيمان المسيحي، فكيف للمسلم الأمين أن يعاوننا على بلوغ هذه الغاية؟ ثم إذا كان هو يعتقد بهذه الغاية، ولكنه لا يخطو خطوة يصبح بها مسيحياً، أفلا يكون له حينئذٍ على تلاميذه تأثير سلبي، فيستنتجون من سلوكه أن الدين ليس موضوعاً ذا أهمية حاسمة؟ ".
هذا هو تفكيرهم تجاه أي معلم مسلم. فكيف نحن المسلمين أن نضع أبناءنا في أحضان المبشرين، يعلمونهم كما يشاؤون؟ وكيف نرسل أبناءنا إلى المستشرقين الذين هم مبشرون في معاهد العلم الكبرى، أو أنصاف مبشرين، يخدمون أغراض التبشير وأغراض بلادهم الاستعمارية؟ ونبعثهم لا لتعلم العلوم البحتة، وإنما لتعلم العلوم الإنسانية أو العلوم الدينية والعربية،أفنريد أن نجعل الأزهر أو كليات الشريعة في العالم الإسلامي فروعاً للكنيسة في بلاد المسلمين؟!.
أفلا يتدبرون المسلمون أمرهم من قبل أن يفلت الأمر نهائياً من أيديهم.
٩- المدارس الأجنبيّة والتبشيرية
فتن المترفون من المسلمين بمظاهر العناية التعليمية والتربوية التي تقدمها المدارس الأجنبية والتبشيرية للتلاميذ الذين يتعلمون ويتربون فيها، وفتنوا بما فيها من تعليم جيد للتكلم باللغات الأجنبية، فصاروا يتسابقون إلى دفع أبنائهم وبناتهم إليها، ويبذلون لأصحابها الأجور الشهرية أو السنوية الكبيرة،
стр. 84
ثمن قبول أبنائهم تلاميذ فيها.
وتقبل هذه المدارس أبناء أثرياء المسلمين وبناتهم بصلف ظاهر، وزهد متصنع في بعض الأحيان، مع لهفة شديدة مكتومة إلى قبولهم،لأن المشرفين على هذه المدارس يعلمون أنهم كلما قبلوا وافداً جديداً من أبناء المسلمين وبناتهم فقد ظفروا بصيد جديد، وسرقوا من ذرياتهم عجينة لينة بكراً، يطبعونها كما يشاؤون، ويصورونها كما يريدون، ويخرجونها من الإسلام إخراجاً سهلاً، وهم يأخذون من أوليائها الأجر الباهظ على ذلك.
ويعيش هؤلاء الأبناء ضمن هذه المدارس غرباء في كل شيء،غرباء في الدين، وغرباء في اللغة،وغرباء في التقاليد والعادات، ثم تلجئهم الضرورة إلى التكيف مع الواقع الذي يعيشون فيه،وتقليد كل ما يشاهدونه، ومحاكات الأوضاع الاجتماعية التي تفرض عليهم. وبعد فترة من الزمن تصبح هذه الأمور التي اقتبسوها بالمحاكاة والتقليد ومحاولة التكيف مع الواقع جزءاً من حياتهم وأسلوباً محبباً. فإذا رجعوا إلى أهليهم نفروا من واقعهم واستنكروه، وشعروا بأنهم غرباء، ووقعوا في صراع عنيف بين الحياة التي نشأوا عليها في مدارسهم، وبين الحياة التي يشعرون بأنها حياة أهلهم وقومهم، ولكن تأثير الحياة التي عاشوها في هذه المدارس المنطلقة من القيود الدينية وقيود المجتمعات الإسلامية، والمزينة بمظاهر الأناقة والترتيب والنظام، تظل أقرب إلى أهوائهم ونفوسهم وما يشتهون.
لذلك فهم يحاولون بكل وسيلة أن يعملوا على تحويل واقع أسرهم وواقع مجتمعهم، حتى يكونوا صورة للحياة التي عاشوا في هذه المدارس، يهودية كانت أو نصرانية أو ملحدة كافرة بكل الأديان الربانية.
وبعد سنوات التعليم ذات العدد، يخرج الأبناء والبنات بزاد واسع من اللغات الأجنبية، وبجهل كبير باللغة العربية، لغة قومهم ودينهم، وبجهل بتاريخ أمتهم وتشويه له، وبجهل تام بالإسلام وبمصادره من قرآن وسنة، يضاف إلى ذلك ما يحملون من ميل إلى أساليب الحياة غير الإسلامية، وطرائق السلوك المجافية لأخلاق المسلمين وآدابهم.
стр. 85
وقد عانيت ألماً شديداً حينما رأيتُ بعض أبناء المسلمين المنتسبين إلى هذه المدارس يحسن التكلم باللغة الإنكليزية أو الفرنسية أكثر مما يحسن التكلم بالعامية الشائعة في مجتمعه العربي، فضلاً عن اللغة العربية الفصيحة، لغة قومه ولغة دينه ولغة القرآن المجيد. وزاد ألمي كثيراً حينما طلبت من أحدهم أن يقرأ سورة الفاتحة فلم يحسن قراءتها، لأنه لم يتعلمها ولم يكلف حفظها فيما سلف من عمره.
والأشد من كل ذلك ما يتعلمه هؤلاء التلاميذ في هذه المدارس من أكاذيب وأضاليل وتشويهات متعمدة للحقائق عن الرسول محمد، وعن القرآن الكريم وعن الحديث الشريف،وعن التاريخ الإسلامي وعن مقاصد الشريعة وعن أحكامها وعن كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين عرباً أو غير عرب.
وقد ذكر لي منتسبون إلى بعض هذه المدارس المؤسسة في بعض بلاد العربية زمرة مما يدرسونه فيها عن الإسلام وتاريخ العرب وسائر المسلمين، وما يدرسونه عن محمد في الكتب المدرسية المقررة عليهم، والمكتوبة باللغات الأجنبية التي يدرسونها فيها. فنالني ذهول لم أستطع دفعه لهول ما سمعت من أكاذيب، وتشويه للحقائق العلمية المعروفة في بدهيات الإسلام وتاريخ المسلمين،ولا يمكن أن يعزى ذلك إلى مجرد الجهل، بل إلى مبلغ الحقد الذي تحمله، والكيد الذي تكيده هذه المؤسسات التعليمية للإسلام والمسلمين، وهو ما يدفعها إلى أن تسلك مسالك الكذب على الحقائق العلمية الناصعة، وتقدمه إلى رواد معارفها باسم العلم، وتحت ستار المعرفة النزيهة البعيدة عن التحيز والتعصب. وهي المعرفة التي تفرض على ناشديها أن يكونوا صادقين في عرضها، مهما كانت مخالفة لأهوائهم ولما يشتهون.
ولكننا إذا تدبرنا في الغاية التي أسست هذه المدارس من أجلها لم يخف علينا أنها أبعد المؤسسات التعليمية عن العلم الصحيح، والنزاهة العلمية، لأنها في جميع ما تقدمه إلى طلابها من أبناء المسلمين تهدف إلى محاربة الإسلام في الصميم،وهدم كيان جماعة المسلمين.
стр. 86
ومن مفتريات هذه المدارس التبشيرية على الإسلام
ولهذه المدارس التبشيرية المعادية للإسلام مفتريات كثيرة عليه، منها ما يلي:
١- من عجيب النبأ ما ذكر لي بعض الطلبة من أبناء المسلمين الذين يدرسون في بعض هذه المدارس، أن من الشائع في المدرسة التي يتلقى تعليمه فيها أن القرآن الكريم من وضع الراهب بَحيرى، وأن هذا الراهب قد أخذ الإنجيل وصاغه صياغة جديدة، وزاد عليه التشريعات التي توافق زمنه، وهي التي تطابق ما جاء في السور المدنية، ثم إن هذا الراهب قد أعطى كل ذلك لمحمد، فتبناه وسماه قرآناً.
ومن عجيب هذه الفرية المختلقة الحديثة، التي يتعلمها أبناء المسلمين في بعض المدارس التبشيرية النصرانية أنها لا تستند إلى أية أكذوبة تاريخية، سبق أن افتراها معاد قديم للإسلام، وأن بدهيات التاريخ تثبت وقاحة مفتريها البالغة، وتحديهم الأحمق للحقائق التاريخية الناصعة.
فمن أية شبهة تصيد هؤلاء الأفاكون فريتهم هذه على رسول الله وعلى القرآن الكريم كتاب الله، وظاهر في هذه الأخبار عن الرهبان تأكيد نبوة الرسول محمد بما عند أهل الكتاب من بشارات وعلامات لا تنطبق إلا عليه.
وهل يليق بالأمانة العلمية المجردة أن يلجأوا إلى تضليلٍ مثل هذا التضليل، وإلى افتراء مفضوح مكشوف مثل هذا الافتراء.
إن فريتهم هذه أقل شأناً من فرية مشركي العرب، إذ زعموا أن النبي كان يتعلم القرآن الكريم من رجل أعجمي كان في الحجاز، فأنزل الله قوله في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾
٢- ومن التحويرات في الحقائق التاريخية التي تدسها المدارس التبشيرية
стр. 87
والأجنبية والمستشرقون في عقول أبناء المسلمين الذين يتلقون علومهم على أيدي علماء الإسلام، زعمهم أن الفتح الذي قام به العرب المسلمون إنما كان توسعاً عربياً لا امتداداً إسلامياً.
ويركزون على هذا التضليل كثيراً من البحوث التاريخية والاجتماعية وغيرها، ويهتمون باختيار الأسئلة الموجهة على وفقه، ويطرحون هذه الأسئلة في الامتحانات التي يتوقف عليها نجاح تلاميذهم أو رسوبهم، ويشحنون بهذه الأكاذيب عقول أبناء المسلمين، ويسمونها علوماً، وذلك من أدهى وسائل التضليل، وهو شرٌ من الجهل، لأن الجاهل يظل صامتاً فلا يتحدث بما لا يعلم، ويتلقّف العلم من العالم به،ولكن الذي يُلقّن الأكاذيب على أنها من الحقائق العلمية، ويأخذ بذلك الشهادات العالية، يرفع نفسه إلى مستوى العلماء، ويقدمه المجتمع بسبب شهاداته إلى سدة القيادة التعليمية، فينشر في أمته ما كان قد تلقاه من إفك في مدارس أعداء الإسلام.
إن الدعوى التي يزعمون فيها أن الفتح الذي قام بها العرب المسلمون قد كان توسعاً عربياً لا إسلامياً لا تستند إلى حقيقة تاريخية، وإنما هي أوهام لا وجود لها إلا في نفوس أعداء الإسلام الحاقدين، الذين أكل الحقد قلوبهم من ظاهرة الفتح الإسلامي الذي حار فلاسفة مؤرخيهم في تعليله تعليلاً مادياً، لأنهم أبعدوا أنفسهم عن تعليله تعليلاً دينياً إسلامياً، فأوقعوها في متاهات مظلمة لا يهتدون فيها إلى ما يشفي تعطشهم لمعرفة السبب الحقيقي، فأخذوا يرشقون التاريخ الإسلامي بسهامٍ مسمومة، بغية أن يفرقوا الشعوب الإسلامية غير العربية عن العرب المسلمين، ويهدموا كتلتهم العالمية الكبرى.
ولدى مناقشة هذه الدعوى المفتراة، لا بد أن نضع آثار الفتح الذي قام به العرب المسلمون، في ميدان الموازنة بين ما جناه الإسلام من الفتح وما استفاده العرب منه، ثم نضع في جانب آخر آثار الغزو الذي قامت به الدول الاستعمارية والخيرات التي جنتها هذه الدول ونقلتها إلى بلادها،
стр. 88
من البلاد التي استعمرتها حقبة من الزمن، تحت ستار بعض الشعارات الإصلاحية، التي كانت تزعم أنها تهدف إليها.
إن نظرة سريعة إلى واقع حال الجزيرة العربية التي انطلق منها الفاتحون المسلمون من العرب، تكشف أن مدن هذه الجزيرة قد بقيت أكثر البلاد الإسلامية فقراً، وتخلفاً عن مظاهر الغنى والتقدم العمراني، حتى قبيل منتصف القرن العشرين وظهور البترول فيها هو الذي جعلها تبدأ في مسايرة التقدم العمراني.
بينما نشاهد الآثار العربية الإسلامية العظيمة، التي تكشف للأجيال صورة تقدم الحضارة الإسلامية الباهرة، موجودة في معظم المدن الواقعة خارج حدود الأرض التي انطلق منها الفاتحون من العرب والمسلمين.
ففي الشام والعراق وإيران وتركيا والهند ومصر والمغرب والأندلس، وغيرها من الأقطار التي فتحها العرب المسلمون،آثار باهرة عظيمة، تشهد للفتح الإسلامي بظاهرة التقدم المدني الحضاري،أما مكة والمدينة وسائر مدن وقرى الجزيرة فقد بقيت على حالها، لم تلبس لباس أصغر المدن الأخرى التي عمرها الفاتحون المسلمون من العرب.
فلو كانت الغاية من الفتح غاية عربية لا إسلامية، لاستطاع الفاتحون العرب بكل سهولة أن ينقلوا الأموال الكثيرة التي كانت تتدفق عليهم من أقطار الأرض إلى داخل جزيرتهم، ويجعلوها صورة رائعة لمملكة عربية ذات مجد تليد، كما فعل بعض أجدادهم حينما ظفروا بملك صغير في بعض المناطق العربية، كتدمر والحيرة.
ولكنها الحقيقة التاريخية الخالدة، التي لا تغيرها أوهام المحرفين لحقائق التاريخ، وهي أن الفتح قد كان فتحاً إسلامياً بحتاً، ومن أجل ذلك استقبلته شعوب الأرض استقبال الأرض الظامئة للسحاب المثقلات بالخصب والخير الكثير، ومن أجل ذلك انصهرت شعوب كثيرة في لغة الفاتحين، وهجرت لغاتها الأولى.
стр. 89
وفي مقابل هذه الصورة الرائعة الخالدة نشاهد صورة الدول الاستعمارية التي افترست أمماً وحضارات، كيف صنعت بالبلاد التي دخلتها، وكيف أفقرتها، وكيف نقلت خيراتها إلى بلادها بكل وسيلة من وسائل السلب والنهب والاستيلاء، لأن غزوها قد كان لصالح قومياتها وشعوبها، لا لصالح الشعارات التي حملوا رايتها كاذبين.
٣- ذكر لي بعض أبناء المسلمين الذين يتلقون علومهم في هذا النوع من المدارس التبشيرية المعادية للإسلام، أن مما يحاوله المعلمون فيها إقناع أبناء المسلمين من طلابهم بأن المسلمين يعبدون الكعبة وهي حجارة مبنية، ويعبدون الحجر الأسود فيسجدون له ويقبلونه. وغرضهم من ذلك إلقاء الشبهة بأن عبادات المسلمين لون من ألوان العبادات الوثنية، التي ينكرها المسلمون على غيرها ممن يتخذون من البشر آلهة يعبدونها، ويعبدون صورها وأوثانها من دون الله.
ويطمسون بهذا التمويه والتشويه وجه الحقيقة الناصع، الذي عليه العبادات والمناسك الإسلامية، مع أنه ليس بخفي على باحثيهم أن الإسلام حينما أمر بالاتجاه للكعبة في الصلاة، وأمر بالطواف حولها، قد أثبت في قلوب المسلمين مجموعة من العقائد التي هي من أسس العقيدة الإسلامية، وهي العقائد التالية:
العقيدة الأولى: أن الكعبة بناء أرضي لا يضر بذاته ولا ينفع.
العقيدة الثانية: أن الصلاة وسائر أشكال العبادات إنما هي لله وحده لا شريك له.
العقيدة الثالثة: أن الاتجاه إلى الكعبة ليس بحال من الأحوال عبادة لها، وإنما هو طاعة لأمر الله، وقد أمر الله بالاتجاه إليها توحيداً للجهة التي يتجه إليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، حينما يعبدون الله في صلاتهم، وليس اتجاههم إليها عبادة لها،كما أن سجودهم ووضع جباههم على الأرض ليس عبادة للأرض.
стр. 90
العقيدة الرابعة: أن من يقصد عبادة الكعبة حينما يتجه إليها في الصلاة فإنه يشرك بالله الواحد الأحد، ويتخذ الكعبة إلهاً من دون الله، كما يتخذ عُبَّاد الأوثان أوثانهم آلهة من دون الله، ويخالف بذلك أسس العقيدة الإسلامية ويخرج عن دائرتها.
وتأسيساً لهذه العقائد قال الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
وقال تعالى فيها أيضاً:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
وبياناً لمعنى المسجد الحرام ليس إلا قبلة يتجه المسلمون شطرها حينما يعبدون الله في صلواتهم قال الله تعالى مخاطباً رسوله محمداً، ثم مخاطباً سائر المؤمنين في سورة (البقرة) :
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
ومن الأمور البدهية أن ضرورة توحيد جماعة المسلمين تستدعي تحديد شكل عبادتهم لله تعالى، وتستدعي توحيد الجبهة التي يجب أن يتجهوا جميعاً إليها حينما يعبدون الله تعالى، وقد اختار الله من أرضه الواسعة مكاناً غير ذي زرع من أمكنتها،وجعل له تاريخاً دينياً مجيداً على أيدي صفوة من أنبيائه ورسله،فكان أول بيت عبادة وضعه الله
стр. 91
للناس، مُطَهَّراً للطائفين والعاكفين والركع السجود، قال الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
وقال تعالى في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) :
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
وأما الحجر الأسود فمعاذ الله أن يعبده أحد من المسلمين وإن لمسوه وقبلوه، مهما كذب عليهم أعداء الإسلام،وما الحجر الأسود في نظر المسلمين إلا كأحد الحجارة التي خلقها الله في كونه، ولكن كما جعل الله الكعبة قبلة يتجه إليها المسلمون في صلواتهم، ويدورون حولها حينما يعبدون الله في طوافهم، جعل الحجر الأسود مشيراً إلى ركن من أركان الكعبة، الذي تبتدئ أشواط الطواف عند محاذاته، وما لمسه وتقبيله إلا رمز مبايع الله على الإخلاص له في العبادة، وهو المنزه عن التشبيه بأي مخلوق مادي، كما هو لون من ألوان عبادة الله المسنونة كالسجود لله على الأرض ومعلوم أن أي ساجد على الأرض لا يعبد مكان سجوده.
وبياناً لهذه الحقيقة قال عمر بن الخطاب مخاطباً الحجر الأسود بعد أن قبَّله: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك".
٤- ومن الأمثلة ما أعلنته الصحف مؤخراً عن طرد المعلمة البريطانية "شيلابورتر" ناظرة المدرسة الإنكليزية بالدوحة، ومؤلفة كتاب: "العصور الوسطى" وإغلاق هذه المدرسة التبشيرية.
فقد جاء في كتابها هذا الذي كان يدرَّس في المدرسة للطلاب العرب
стр. 92
والأجانب في قطر الدسائس والأباطيل المفتريات التالية:
الأولى: أن الإسلام منقول عن الثقافة الهيلنية الإغريقية. ومتأثر بالفلسفات اليونانية والوثنية.
الثانية: أن الإسلام أذاب شخصية الفرد وقضى على كبريائه خاصة في البلاد التي شهدت الفتوحات الإسلامية.
الثالثة: أن الإسلام جعل الإنسان المسلم غيبياً واتكالياً "ميتافيزيقيا" بتأكيده على مبدأ القناعة والتوكل والاعتماد على القضاء والقدر.
الرابعة: أن الإسلام غذَّى النزعة الحربية والعدائية تجاه الشعوب، ودرَّب أنصاره على مبدأ الحرب.
الخامسة: أن الإسلام جعل المسلم يركع ويمرّغ جبهته في الأرض خلال صلواته خمس مرات يومياً، لتكون العبادة مسألة شكلية ليس إلا.
السادسة: أن الحضارة التي ينسبها المسلمون إلى أنفسهم، ليست إلا حضارة هندية أو إغريقية أو فارسية، وليس للعرب سوى الاقتباس والأخذ عن هذه الحضارات.
السابعة: أن الفتوحات الإسلامية اعتمدت على تدمير الشعوب،وإذلال المجتمعات التي وقعت تحت رحمة الغزو العربي الإسلامي.
الثامنة: أن الرسول محمداً () شخصية ذات سطوة قمعية، ترى أن الرأي رأيها، ولأنه سليل أسرة قرشية عريقة،فقد فرض زعامته عن طريق جده، وساعدته خديجة في تمكين هذا النفوذ، لأنه لم يكن مفكراً بل كان أمياً.
وغير ذلك من افتراءات واضحة، يستطيع أن يكشف زيفها أصغر طلاب العلوم الإسلامية , ولكن المبشرين يلقون هذه الزيوف على طلاب المدارس الابتدائية الذين تقل أعمارهم عن (١٢) سنة.
стр. 93
(٢) مؤتمرات المبشرين
مرت أعمال المبشرين في مراحل تكاملت فيها خططهم وبرامجهم وأعمالهم الرامية إلى تحقيق أهدافهم، وأخذوا خلال هذه المراحل يعدّلون فيها ويحسِّنون، فيحذفون أشياء ويضيفون أخرى، وجعلوا يطورون وسائلهم، ويبتكرون فيها أشياء جديدة، توصل إليها حيل الذكاء، والتجارب والاختبارات ورصد نتائج الأعمال، أو ترشد إليها مداولات الآراء في المؤتمرات التي يعقدونها لهذه الغاية.
ولما كانت مؤتمراتهم تمثّل جانباً مهماً من تاريخ التبشير والمبشرين، اقتضى البحث في تاريخ التبشير عرض أمثلة موجزة منها، وفيما يلي طائفة من ذلك:
١- المؤتمر التبشيري الذي انعقد في القاهرة سنة (١٩٠٦م)
كان "زويمر" رئيس إرسالية التبشير في البحرين أول من ابتكر فكرة عقد مؤتمر عام يجمع إرساليات التبشير البروتستانتية للتفكير في مسألة التبشير بين المسلمين.
وفي سنة (١٩٠٦م) أذاع اقتراحه، وأبان الكيفية التي يكون بها، فوضعت هذه الفكرة على بساط البحث في "ميسور" من ولاية "كرناكا" في الهند، نظراً إلى أن هذه الولاية كانت ذات أهمية كبرى عند المبشرين، فيما يتعلق بالمسائل الإسلامية، لوجود مدرسة "عليكرا" هناك.
ثم عرض الاقتراح على مؤتمر التبشير الذي كان ينعقد في مدينة "مرداس" الهندية كل عشر سنوات، فأقر المؤتمرون عقد المؤتمر الذي قدم "زومير" الاقتراح بشأنه.
ولما تقرر عقد المؤتمر شرع المبشر "زويمر" مع زميل له يعدان ما يلزم لتأليف لجنة مؤقتة تضع جدول أعماله، وتدعو المبشرين المنتشرين في كل البلاد للاشتراك فيه.
стр. 94
وفي اليوم الرابع من شهر نيسان "إبريل" من سنة (١٩٠٦م) تم انعقاد المؤتمر في القاهرة، وحضر فيه ممثلون عن إرساليات التبشير الأمريكية، والإنكليزية والإسكتلندية والألمانية والهولندية والسويسرية وعن إرسالية التبشير الدانمركية الموجودة في الغرب.
وانتخب "زويمر" رئيساً للمؤتمر، وقد تناول جدول أعمال المؤتمر مداولة المسائل التالية:
١- ملخص إحصائي عن عدد المسلمين في العالم.
٢- الإسلام في إفريقية.
٣- الإسلام في السلطنة العثمانية.
٤- الإسلام في الهند.
٥- الإسلام في فارس.
٦- الإسلام في الملايو.
٧- الإسلام في الصين.
٨- النشرات التي ينبغي إذاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام.
٩- الارتداد.
١٠- وسائل إسعاف الذين يضطهدون بسبب تركهم للإسلام.
١١- شؤون نسائية إسلامية.
١٢- موضوعات تتعلق بتربية المبشرين والعلاقات بينهم وكيفية التعليم في الإسلام.
ومن البحوث التفصيلية التي دارت في المؤتمر الصعوبات التي تحول دون تبشير المسلمين العوام، والوسائل التي يمكن استجلابهم بها، وتحبب المبشرين إليهم، وقد وجه المؤتمرون لضرورة استخدام الوسائل التالية في التبشير:
أ- استخدام وسيلة العزف بالموسيقى الذي يميل إليه الشرقيون كثيراً.
ب- عرض مناظر الفانوس السحري على المسلمين.
جـ- تأسيس الإرساليات الطبية التي يجب أن ينبث بينهم.
د- ضرورة تعلم المبشرين لهجات المسلمين العامية، واصطلاحاتها نظرياً
стр. 95
وعملياً وضرورة دراستهم للقرآن حتى يقفوا على ما يحتويه.
هـ- أن يخاطب المبشرون عوام المسلمين على قدر عقولهم ومستوى علمهم.
و ينبغي أن يلقي المبشرون الخطب على عوام المسلمين بأصوات رخيمة، وبفصاحة. وينبغي أن يخطب المبشر وهو جالس ليكون تأثيره أشد على السامعين. وأن لا تتخلل خطاباته كلمات أجنبية عنهم، وأن يبذل عنايته في اختيار الموضوعات، وأن يكون بصيراً بآيات القرآن والإنجيل، عارفاً بمحل المناقشة. وأن يستعمل التشبيه والتمثيل أكثر مما يستعمل القواعد المنطقية.
ز- ضرورة كون المبشر خبيراً بالنفس الشرقية.
وناقش المؤتمر الصعوبات التي يلاقيها المبشرون لدى تبشير المتنورين من المسلمين، وهذه الصعوبات هي التي جعلت المؤتمر يبحث في الوسائل التي يكون لها تأثير ما على عقيدة الأجيال الناشئة الإسلامية المتنورة.
وهنا قال أمين سر المؤتمر: إن الخطة العدائية التي انتهجها الشبان المسلمون المتعلمون ضد المبشرين؛ اضطرت المبشرين في القطر المصري إلى محاولة إعادة ثقة الشبان المسلمين بهم. فصار هؤلاء المبشرون يلقون محاضراتهم في موضوعات اجتماعية وخلقية وتاريخية، ولا يستطردون فيها إلى مباحث دينية، رغبة في جلب قلوب المسلمين إليهم.
وأنشأوا بعد ذلك في القاهرة مجلة أسبوعية اسمها: "الشرق والغرب" افتتحوا فيها باباً غير ديني، وأخذوا يبحثون فيه أموراً تتعلق بالشؤون الاجتماعية التاريخية. وأسسوا أيضاً مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة. والغرض من ذلك اجتلاب الزبائن ومحادثتهم أثناء البيع.
وبعد ثلاث سنوات فقط تسنى للمبشرين أن يتوصلوا إلى النتائج التالية:
الأولى: أنهم عرفوا أحوال البلاد، وأفكار المسلمين وشعورهم وعواطفهم وميولهم.
الثانية: أنهم حصلوا على ثقة عدد من المسلمين بهم.
стр. 96
الثالثة: أن المبشرين تحققوا أنهم بتظاهرهم في وداد المسلمين وميلهم إلى ما تطمح إليه نفوسهم من الاستقلال السياسي والاجتماعي والنشأة القومية يمكنهم أن يدخلوا إلى قلوبهم.
ثم عرض أمين سر المؤتمر اقتراحاً بتأسيس مدرسة جامعة تشترك فيها المؤسسات التبشيرية كلها؛ على اختلاف مذاهبها، لتتمكن من مزاحمة الجامع الأزهر بسهولة. وتتكفل هذه المدرسة الجامعة بإتقان تعليم اللغة العربية،وقال: إن في الإمكان مباشرة هذا العمل في دوائر صغيرة.
ثم اقترح أحد المندوبين في المؤتمر أن تراجع المؤلفات التي قدم عليها العهد لإصلاحها، واستخدامها في تبشير المسلمين المتنورين، الذين اقتبسوا علومهم في المعاهد العصرية مثل مدرسة أكفسورد وبرلين وأشار إلى وجوب تخفيف اللهجة في المجادلات الدينية.
ثم بحث المؤتمر بعد ذلك في مسألة إرساليات التبشير الطبية، فقام المستر "هاريس" وأبان عن وجوب الإكثار من الإرساليات الطبية، لأن رجالها يحتكون دائماً بالجماهير، ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين.
ثم قام الدكتور "ارهارس" طبيب إرسالية التبشير في طرابلس الشام، فقال: إنه قد مر عليه اثنان وثلاثون عاماً، وهو في مهنته التبشيرية عن طريق الطب، فلم يفشل إلا مرتين وذلك عقب منع الحكومة العثمانية أو أحد الشيوخ لاثنين من زبائنه من الحضور إليه.
وأورد إحصاء لزبائنه فقال: إن (٦٨) في المائة منهم مسلمون، ونصف هؤلاء من النساء، ثم قال: يجب على طبيب إرساليات التبشير أن لا ينسى ولا في لحظة واحد أنه مبشر قبل كل شيء، ثم هو طبيب بعد ذلك.
ثم تكلم المبشر الطبيب الدكتور "تمباني" وذكر الصعوبات التي يلقاها الطبيب في التوفيق بين مهنتي التبشير والطب، كما حدث معه هو، إلا أن ما بذله من المجهودات قد أعانه على النجاح، حتى تمكن من تأسيس مستشفى
стр. 97
التبشير عن طريق التبرعات، وكان أول متبرع لهذا المستشفى رجلاً من المسلمين.
وخطب الأستاذ "ممبسون" بعد ذلك فتحدث عن فضل الإرساليات الطبية، ومما قاله: إن المرضى والذين ينازعون الموت بوجه خاص لا بد لهم من مراجعة الطبيب، وحسن أن يكون هذا الطبيب في جانب المريض حينما يكون في حالة الاحتضار، التي لا بد أن يبلغها كل واحد من أفراد البشر.
ثم خطبت المبشرة "أناوستون" فتحدثت عن إرسالية التبشير الطبية في مدينة طنطا قائلة: إن ثلاثين في المئة من الذين يعالجون في مستشفى هذه الإرسالية هم من الفلاحين المسلمين وأكثرهم من النساء.
وتحدث المؤتمر عن ألأعمال النسائية في التبشير، وكان لهذا الأمر اهتمام كبير من قبل الأعضاء لأنه خاص كما قالوا بنصف مسلمي العالم.
فقالت المبشرة "ولسون": إن النساء المبشرات يستعنَّ في الهند بالمدارس وبالعيادات الطبية، وزيارة قرى الفلاحين لينشرن أفكارهن بين طبقات الناس.
ثم حثت المبشرة "هلداي" على الرفق بالمرأة المسلمة ز
ثم تناوب الحديث عدد من المبشرات، فتحدثن عن نجاحهن في المناطق التي انتدبن للتبشير فيها، وقالت إحداهن: إن المسلمات الفارسيات يظهرن ميلاً شديداً للعلم، بالرغم من جهلهن باتساع نطاقه. وهن يعتقدن أن الذي يعرف جغرافية البلاد نابغة.
ثم انتقل المؤتمر إلى بحث موضوع تربية النساء اللاتي يتطوعن للتبشير.
وناقش المؤتمر بعد ذلك بعض وسائل التبشير الحكيم، فعرض المبشر القسيس "هاريك" على المؤتمر نتائج أبحاثه التي أجراها في بلاد السلطنة العثمانية، فكان مما عرضه أنه لا فائدة ترجى من استخدام وسيلة المناظرة والجدل، التي وضعها المبشر الدكتور "فاندر" وذكر أن نشر الكتب التبشيرية بدون مناقشة أو جدل أكثر فائدة وأعم نفعاً. وقال: إن الجدل والمناظرة يبعدان
стр. 98
المحبة التي لها وقع كبير على قلوب الأغيار.... فالمحبة والمجاملة هما آلة المبشر، لأن طريق الاعتقاد غايته دائماً هي قلب الإنسان.
وأكد المبشر "هاريك" على أنه يجب على المبشر أن يتحلى بمبادئ الدعوة التي يبشر بها قبل أن يُعنى بالأمور النظرية.
ثم عرض المبشر القسيس "ثرونتن" على المؤتمر بعض النظريات الأولية في أساليب التبشير بين المسلمين، واستنتج منها القواعد التالية:
القاعدة الأولى: يجب على المبشر ألا يثير نزاعاً مع مسلم.
القاعدة الثانية: يجب على المبشر ألا يحرض المسلم على الموافقة التسليم بالمبادئ التي تخالف دينه إلا عرضاً، وبعد أن يشعر المبشر بأن الشروط الطبيعية والعقلية والروحية قد توافرت في ذلك المسلم.
القاعدة الثالثة: إذا حدث سوء تفاهم حول المبادئ التي يُدعى المسلم إلى الاعتقاد بها، فيجب أن يزال في الحال، ولو أفضى الأمر إلى ترك المناقشة.
ثم أكد الأسقف لاهور ضرورة استخدام الوسائل اللينة في التبشير، فكان مما رآه ما يلي:
١- إن المبشر الذي يُعدّ نفسه لمجادلة المسلمين في أمور الدين يجب أن تتفوق فيه الصفات الخلقية والاستقامة التامة على المزايا العقلية.
٢- أن يكون صحيح المجاملة. وأن يضع الأمل بالفوز على خصمه نُصب عينيه.
ثم أبدى استنكاره لقسوة التعاليم القديمة، وأنها كانت ترمي إلى التغلب على العدو، لا إلى اكتساب مودته.
ثم قال: ويظهر لي أن كثيراً من إخواننا المبشرين يريدون أن يبشروا الناس برشقهم بالحجارة.
وختم كلامه بقوله: يجب على المبشر أن يتذرع بالصبر السكينة، وأن
стр. 99
يكون حاكماً على عواطفه إلى الغاية القصوى، وأن لا يخالج نفسه أقل ريب في أنه هو الذي سيفوز.
ثم انتهى المؤتمر، وختمه رئيسه المبشر "زويمر" فقال:
"إن انعقاد هذا المؤتمر كان بالتقريب نتيجة لأعمال "شبان التبشير المتطوعين" أما البحث في أحوال العالم الإسلامي وتبشيره فقد سبق الخوض فيه في مؤتمر "كلفلند"، وهذه الخريطة التي نراها أمامنا الآن موسومة باسم "خريطة تنصير العالم الإسلامي في هذا العصر" قد بعثت الأمل في قلوب ألوف من الطلبة في مؤتمر "ناشفيل" الذي انعقد في شهر فبراير (شباط) الماضي (أي من سنة ١٩٠٦م) ، والتبشير متوقف على وجود زمرة من المبشرين المتطوعين الذين يقفون حياتهم ويضحونها في هذا السبيل. ثم ختم كلامه راجياً أن يكون لندائه صدىً في المدارس والجامعات في أوربا وأمريكا.
٢- مؤتمر "ادنبرج" التبشيري
في شهر أيلول (سبتمبر) من سنة (١٩١٠م) انعقد مؤتمر ادنبرج التبشيري وكان للمسائل الإسلامية حظ كبير من مداولات أعضائه. وقد تفرغت فيه لجنتان من أهم لجانه للبحث في أمر الإسلام والمسلمين، وكيفية القيام بمهام التبشير بينهم.
وقد نشرت أعمال هذا المؤتمر في تسع مجلدات، وتحدثت ثلاث مجلدات تبشيرية عن بعض ما جرى فيه من بحوث، وهي:
١- "مجلة الشرق المسيحي" التابعة لجمعية التبشير الشرقية الألمانية.
٢- "مجلة العالم الإسلامي" التبشيرية الإنكليزية.
٣- "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في بال بسويسرا.
وقد جاء في مجلة "العالم الإسلامي" الفرنسية التبشيرية لدى حديثها عن هذا المؤتمر: وأعمال مؤتمر إدنبرج لم تكن حبراً على ورق، بدليل أن المؤتمر الاستعماري الألماني الذي عقد عقب مؤتمر إدنبرج التبشيري اهتمّ بأمر
стр. 100
إرساليات التبشير الجرمانية، حتى خُيّل إلى الناس أن هذا المؤتمر الاستعماري السياسي تحول إلى مؤتمر تبشيري ديني.
ونشرت "مجلة الشرق المسيحي" التابعة لجمعية التبشير الشرقية الألمانية مقالة بقلم المبشر الألماني "فون لبسيوس" تحت عنوان "دخول التبشير العام في طور جديد" ذكر فيها أهمية مؤتمر إدنبرج الذي أبان عن ارتقاء في أعمال المبشرين. وقد حضر هذا المؤتمر (١٢٠٠) مئتان وألف مندوب، منهم بعض كبار السياسيين في دول عالمية كبرى. واقتبس صاحب هذه المقالة من مستندات مؤتمر (إدنبرج) أن عدد جيش المبشرين البروتستانت قد بلغ (٩٨٣٨٨) ثمانية وتسعين ألفاً وثلاثمائة وثمانية وثمانين، تعضدهم لجان يبلغ عدد أعضائها خمسة ملايين ونصف المليون. يضاف إلى ذلك أعداد كثيرة أخرى من رجال ونساء وطلاب وأساتذة وأطباء وممرضات وغيرهم. وقد كان هذا كله في سنة (١٩٠٢م) ، ومن يقارن بينه وبين ما وصل إليه إحصاء العاملين في مهمات التبشير سنة (١٩١١م) يلاحظ ارتقاء باهراً، لأن عدد إرساليات التبشير العامة في هذه السنة قد بلغ (٣٨٣٨) ، وأما الإرساليات التي هي في الدرجة الثانية فقد بلغ عددها (٣٤٧١٩) ، وعدد الأساتذة والتلاميذ قد بلغ مليوناً ونصف المليون تقريباً. ووصل عدد الجامعات والكليات إلى ثمانية وثمانين، وصار لدى المبشرين خمسمائة واثنتان وعشرون مدرسة دينية لتخريج المبشرين. هذا إلى جانب حشد كبير من المدارس العليا والابتدائية والمستشفيات والصيدليات. ويشرف على إرساليات التبشير نحو ألف جمعية ما بين جمعيات عمومية عاملة، وجمعيات لإعانتها وجمعيات أخرى.
وجاء في "مجلة العالم الإسلامي" الإنكليزية التبشيرية التابعة لإرسالية البحرين ما يلي: ومجلتنا تستحسن الاهتمام الشديد الذي أبداه مؤتمر "إدنبرج" وستجتهد في متابعة البحث والمداولة في المسائل التي بحث المؤتمر فيها.
وقد نشرت هذه المجلة مقالة بقلم المبشر المستر "تشارلس وطسون" تحت عنوان "العالم الإسلامي" قال فيها: إن من الخطأ الحكم على مؤتمر (إدنبرج) بأنه لم يهتم بالمسائل الإسلامية.... فقد كان المؤتمر مؤلفاً من ثمان لجان،
стр. 101
اختصت الأولى والرابعة منها بالتوسع في بحث المسألة الإسلامية، أما مهمة اللجنة الأولى فهي أن تبحث في المسائل الإسلامية من الوجهة الخارجية، وفي إيجاد ميدان عام مشترك لأعمال المبشرين واختيار خطة الهجوم والغارة وتقرير هذه اللجنة يتضمن إحصاءً متعلقاً بالمسلمين وعددهم ومبلغ ارتقائهم في كل قطر. ثم تناولت اللجنة البحث في الأمور الاجتماعية الإسلامية التي تمهد السبيل لتحويل المسلمين عن دينهم، فحضّت جمعيات التبشير على توسيع نطاق التعليم الذي يشرف عليه المبشرون، وحصرت قراراتها بجملتين اثنتين:
وقد جاء في الجملة الثانية منهما ما يلي: "إن المسائل الإسلامية في الشرق على الخصوص صار لها مكان هام في أعمال المبشرين، عقب الانقلابات التي حدثت في بلاد الدولة العثمانية وفارس. ولذلك أصبح من مقتضيات الظروف أن تقوم إرساليات التبشير بعمل ينطبق على المسائل الإسلامية".
وقالت اللجنة الثالثة في تقريرها: "اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوروبيون كان لها تأثير في حل المسألة الشرقية، يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها".
وتداولت اللجنة الخامسة في كيفية تعليم المبشرين وتربيتهم، وألحت على ضرورة تعليم الذين يقومون بالتبشير في البلاد الإسلامية دين الإسلام، ولغة البلاد.
وجاء في تقرير اللجنة الثامنة قولها: "الأمر الذي لا مرية فيه أن المهمة الصعبة التي يقوم بها المبشرون في البلاد الإسلامية لم تظهر في غاية الصعوبة إلا لأنه يعسر على جمعية تبشير واحدة أن تقوم بها، ولكن وحدة العمل ستكون أحسن وأسرع لهذه المعضلة في إكمال مهمة التبشير".
وتحدثت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في مدينة بال بسويسرا عن مؤتمر "إدنبرج" في سلسلة مقالات، ومنها مقالة بقلم المبشر "شلاثار" وجاء فيها ما يلي:"ولما انتهت اللجنة السابعة من أعمالها قال
стр. 102
"اللورد بلفور" رئيس الشرف: "إن المبشرين هم ساعد لكل الحكومات في أمور هامة، ولولاهم لتعذر عليها أن تقاوم كثيراً من العقبات. وعلى هذا فنحن في حاجة إلى لجنة دائمة يناط بها التوسط والعمل لما فيه مصلحة المبشرين" فأجيب "اللورد بلفور" إلى اقتراحه، وتألّفت لجنة مختلطة، ولجنة لمواصلة العمل.
نتائج مؤتمر إدنبرج
وعلى إثر انتهاء أعمال مؤتمر "إدنبرج" تألَّفت لجنة لمواصلة الأعمال التي بدأ بها، وانبثق عن هذه اللجنة فروع كثيرة، بعضها للإحصائيات، وبعضها للنشر والمطبوعات، وبعضها للتربة والتعليم، وآخر لحسم المشكلات بين المبشرين، وفرع خاصٌ لدراسة علاقات المبشرين بالحكومات (أي: الاستعمارية) كما خُصّص أحد الفروع لدراسة العقبات التي تحول دون التبشير بين المسلمين.
وفي شهر أيار (مايو) من سنة (١٩١١م) اجتمعت لجنة مواصلة أعمال المؤتمر، وبحثت في طرائق التربية والتعليم التي ينبغي للذين يقومون بمهمة التبشير بين المسلمين أن يتَّبعوها. وقررت أن تنتهز الفرص وتنتفع بالظروف السانحة، وأن تنشر مجلة مشتركة تصدر سنة (١٩١٢م) مرة في كل ثلاثة أشهر.
وتقول "مجلة العالم الإسلامي" الإنكليزية التبشيرية: إن أول ما ينفذ من قرارات مؤتمر "إدنبرج" إنشاء مدرسة تبشير مشتركة بين كل الفرق البروتستانتية، وتكون خاصة بتعليم مبشري الأقطار الإسلامية. وهذه المدرسة يحتفل بافتتاحها في خريف سنة (١٩١١م) وتقبل النساء والرجال، وتُعلم فيها اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وتاريخ الأوضاع الإسلامية والأمور الاجتماعية التي اقتبسها المبشرون من بلاد الإسلام. وسيكون لهذه المدرسة مكتبة تحتوي على أمهات الكتب العربية وغير العربية المتعلقة بالإسلام.
٣- مؤتمر "لكنو" التبشيري
في مطلع سنة (١٩١١م) انعقد في الهند مؤتمر "لكنو" التبشيري. وتداول
стр. 103
المؤتمرون أموراً كثيرة تتعلق بالعالم الإسلامي، وكيفية إحكام الخناق عليه، وتفكيك أواصر وحدة المسلمين.
فكان ممن تكلم فيه المبشر القسيس "سيمون" فتحدث عن فكرة الجامعة الإسلامية التي تهيمن على الشعوب المسلمة في مختلف بلاد الإسلام، ثم قال: "ولكن عبثاً يبني هؤلاء آمالهم على الجامعة الإسلامية، لأن التربية غير الإسلامية قد انبثت في دمائهم بفضل مدارس التبشير".
وتحدث في المؤتمر المبشر الأستاذ "مينهُف" فكان مما قاله: "ينبغي لإرساليات التبشير أن تحتك بالمسلمين، وتتسلح بالمعدات الكافية لقتالهم. وأن لا تخشى ذلك كما كانت تفعل حتى الآن. وينبغي لهم أن لا تكون أعمالهم لاهوتية فقط، بل ينبغي أن يطرقوا أبواب الطب والصناعة وكل الأعمال التي يتفوق فيها الأوربي على الشرقي".
أما المبشر الأستاذ "استِوَرد كروفورد" فقد علق في المؤتمر المذكور أهمية كبرى لدى تبشير المسلمين على أسلوب التدرج والصبر، ثم قال: "إن المسلمين يقتبسون من حيث لا يشعرون شطراً من المدنية المسيحية، ويدخلونها في ارتقائهم الاجتماعي. وما دامت الشعوب الإسلامية تتدرج إلى غايات ونزعات ذات علاقة بالإنجيل؛ فإن الاستعداد لاقتباس المسيحية يتولد فيها من غير قصد منها..
وفي تقرير المبشر القسيس "ويسلون" ما يفصح عن أن "ويلسون" هذا لا يشك في أن التربية الغربية هي بمثابة قوة تنحل بها عرى الروابط الإسلامية.
وقال المبشر القسيس "جون تكل" في تقريره: "إن الوقوف على أسباب نمو الإسلام يمهد للحصول على وسائل توقيف تياره" ثم أورد بعض مقترحات تتعلق بالاحتياطات التي يجدر بالمبشرين اتخاذها، وأهمها ضرورة زيادة القوى البشرية الاختصاصية.
أما القرارات التي دونها هذا المؤتمر التبشيري في محضر جلساته فقد كان منها ما يلي:
стр. 104
١- يعقد المؤتمر مرة أخرى في القاهرة سنة (١٩١٦م) وإذا طرأت أمور سياسية، أو أمور أخرى تحول دون اجتماعه في هذه المدينة، فيعقد في لندن.
٢- مؤتمر "لنكو" يوافق مؤتمر إرساليات التبشير الذي عقد سنة (١٩١٠م) على ضرورة حصر الجهود في القارة الإفريقية، دون أن تمس الجهود التي تبذل في البلاد الأخرى.
ولذلك فهو يرى أنه يجدر بالجمعيات التبشيرية، أن تتكاتف وتتعاضد لكي تؤلف سلسلة قوية من إرساليات التبشير تطوف كل إفريقية، وتؤسس مراكز قوية في الأماكن التي هي موطن الخطر.
ويجب أن يكون إخراج هذه الفكرة إلى حيز الفعل موضع بحثٍ أهم وأوسع مما كان في السابق، سواء من جهة تربية المبشرين، أو من جهة حسن اختيارهم. الأمر الذي يحتم اتخاذ التدابير بلا تأخير لإتمام المشروعات التي بوشر بها.
٣- ويرى المؤتمر أنه من الضروري العاجل تأسيس مدرسة في مصر خاصة بالتبشير، تكون عامة لكل الفرق البروتستانتية. ويشدد بلزوم التدقيق التام في انتقاء المبشرين الأكفاء الممتازين بصفاتهم ومواهبهم العقلية، وبلزوم تعليمهم اللغة العربية بوجه خاص.
٤- مؤتمر القدس التبشيري
كان القسيس الدكتور "صموئيل زويمر" رئيس إرسالية التبشير في البحرين منذ مقدمه إلى الشرق في أوائل القرن العشرين، إلا أن نشاطه التبشيري الزائد، وسعيه لعقد مختلف المؤتمرات التبشيرية، جعله يرتقي في المراتب بين المبشرين حتى صار رئيس المبشرين في الشرق.وحتى صاروا يلقبونه بالرسول المختار إلى العالم الإسلامي، أي: حامل رسالة تحويل المسلمين عن دينهم.
فمن المؤتمرات التبشيرية التي دعا إليها هذا القس مؤتمر القدس الذي
стр. 105
تم انعقاده برئاسته في نيسان سنة (١٩٣٥م) إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين.
وبعد أن شرح أعضاء المؤتمر العقبات الكثيرة التي اعترضت سبيل المبشرين، والتي لم تسمح لهم بأن يخرجوا المسلمين عن دينهم، ويدخلوهم في المسيحية، وبعد أن خطب كثير منهم خطبهم اليائسة، قام "زويمر" رئيس المؤتمر، وألقى على المؤتمرين الخطبة التالية:
"أيها الإخوان الأبطال، والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية، واستعمارهم لبلاد الإسلام، فأحاطتكم عناية الرب بالتوفيق الجليل المقدّس، لقد أدّيتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن أداء، ووفقتم لها أسمى توفيق. وإن كان ليخيل إليَّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه. إنني أقركم على أن الذين دخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم أحد ثلاثة:
* إما صغير لم يكن له من أهله من يعرّفه ما هو الإسلام.
* أو رجلٌ مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، وقد اشتدّ به الفقر، وعزت عليه لقمة العيش.
* وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية.
ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمّدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإنَّ في هذا هداية لهم وتكريماً، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية. وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه، وتهنئكم الدول المسيحية والمسيحيون جميعاً عليه كل التهنئة.
стр. 106
لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية، والفضل إليكم وحدكم أيها الزملاء. إنكم أعددتم له بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد.
إنكم أعددتم شباباً في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله،ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده له الاستعمار، لا يهتم للعظائم ويحب الراحة والكسل. ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز فللشهوات، ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء.
إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه، وانتهيتم إلى خير النتائج، وباركتم المسيحية،ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب".
وبهذه الكلمات انتهى خطابه، وما أحسب هذا الخطاب بحاجة إلى أي تعليق عليه، ولكنني لست أدري ما هو هذا الرب الذي تُلتمس بركاته ثواباً على تضليل الناس، وإخراجهم من دينهم وعقائدهم بالله وبرسالاته، وغمسهم بالشهوات والموبقات والرذائل؟!.
ويكفيني عن أي تعليق قول الله تعالى في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) :
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ?للَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ?للَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ .
وقد بلغ القسيس زويمر الخامسة والثمانين ومات سنة (١٩٥٢م) دون أن يظفر بما كان يصبو إليه، إلا أنه قد لقي عند ربه جهنم وبئس المصير، إذ كرّس حياته لتضليل أهل الإيمان، وتحويلهم عن صراط الله.
стр. 107
٥- مؤتمرات أخرى
وما يزال المبشرون يعقدون المؤتمرات لتطوير وتحسين وسائلهم لتنصير العالم الإسلامي.
ومن هذه المؤتمرات مؤتمر كنسي عقد في ولاية "كولارادو" بأمريكا في عام (١٩٧٧م) .وموضوع هذا المؤتمر هو ما يلي:
"العمل على اكتشاف وتحديد المسؤوليات المسيحية في أمريكا الشمالية تجاه تنصير المسلمين".
وهذا المؤتمر امتداد لمؤتمرات أخرى عقدت لهذا الغرض في "لوزان" عام (١٩٧٤م) بهدف تنصير شعوب العالم.
وتم اختيار المرشحين لهذا المؤتمر من المبشرين المهتمين بتنصير المسلمين.
وكان الإحساس السائد بين المشاركين في المؤتمر أنه يجب تغيير طريقة العمل الرئيسية وفقاً لوضع العالم الإسلام المعاصر. وأنه يجب قبول مبدأ قدرة الله وسيطرته وتحكمه، لإزالة الشك الذي لدى المسلمين الذي يرى أن العالم المسيحي يشجع بقوة عملية توجيه العالم الإسلامي إلى العلمانية.
ووافق المشتركون في المؤتمر على أن الموقف المتشدد تجاه العالم الإسلامي لن يعين في عملية تنصير العالم الإسلامي، لذلك فهي يعتقدون أنه يجب العمل على إيجاد جوّ ودّي بينهما.
ومن مقررات هذا المؤتمر ما يلي:
١- يجب بذل الاهتمام الكافي والتركيز بقوة على زرع جاليات مسيحية في قلب العالم الإسلامي، وهم سيحاولون بدورهم تطويل وإيجاد وسائل منهجية جديدة أكثر ملاءمة عند تقديم الإنجيل للمسلمين.
ويجب الاهتمام الشديد باستخدام الآيات القرآنية ذات الصلة بهذه الموضوعات، وخاصة في المراحل الأولية لعملية التنصير.
стр. 108
٢- بناء وزرع الكنائس التي تهتم بالمتنصرين، والترتيبات الخاصة بهم والشعائر الدينية.
إلى غير ذلك من مقررات.
(٣) مجالات أنشطة المبشرين
١- التحدي المباشر للإسلام عن طريق المناظرة لعلماء المسلمين.
كان المجال الأول الذي بدأ به المبشرون (المنصّرون) هو مجال التحدي المباشر للإسلام، عن طريق المناظرة لعلماء المسلمين.
وقد بدأ هذا التحدي القس "فاندر" أحد مؤلفي كتاب "ميزان الحق" عمدة المبشرين والمستشرقين في مناظراتهم للمسلمين.
وتصدى له في الهند الشيخ رحمة الله الهندي (الكيرانوي) (١٢٣٣-١٣٠٨هـ) صاحب كتاب "إظهار الحق".
وقامت بينهما مناظرة علنية في (١١ رجب سنة ١٢٧٠هـ) الموافق لـ (١٠ نيسان ١٨٥٤م) في مدينة "أكبر آباد آكره" إحدى مجالات النشاط التبشيري في الهند. وقد حضر هذه المناظرة ولاة المديرية، وموظفو الثكنة الإنكليزية من الإنكليز، وعدد كبير من أعيان البلد ووجهائه.
وقد أسفرت هذه المناظرة في يومها الأول عن اعتراف القس "فاندر" بوقوع التحريف في ثمانية مواضع من الإنجيل.
وفي اليوم التالي تزايد عدد الذين حضروا المناظرة من الحكام الإنجليز والمسيحين والهنادك والسيخ، وظهر ضعف القس "فاندر" في المناظرة وظهر تعنته.
وفي اليوم الثالث لم يعد القس إلى مجلس المناظرة التي لم تنته، وكان كلما علم بوجود الشيخ "رحمة الله" في مكان غادره.
стр. 109
ثم عدل المبشرون عن مثل هذه المواجهة الصريحة، وانطلقوا في المجالات الأخرى غير المباشرة.
٢- مجال الخدمات الصحية
وكان ذلك بتأسيس المستشفيات والمستوصفات التبشيرية، وتوجيه الأطباء المتنقلين، والمستوصفات المتنقلة، وقد تحملوا في ذلك مشقات الدخول في أصعب الأماكن الإفريقية، وغيرها.
وقد وجهوا اهتمامات كبرى لتنصير المسلمين في مجال خدماتهم الطبية، في معظم بلدان العالم الإسلامي الكبرى والصغرى، واستثمروا مؤسساتهم الطبية استثماراً اقتصادياً واسعاً مع قيامهم بمهمّات التنصير.
٣- مجال تأسيس الكنائس والأديرة والرهبنات
وذلك في كل بلد إسلامي يوجد فيه نصارى، ولو لم يتجاوزوا عدد أصابع اليدين، لتكون هذه المؤسسات الدينية بؤرة للتنصير، ومسوغاً للادعاءات المستقبلية بحقوق تاريخية في بلاد المسلمين.
٤- مجال تأسيس المدارس
وذلك في المرحلة دون المرحلة الجامعية التي هي من اختصاص المستشرقين، وقد أسسوا في هذا المجال مدارس كثيرة في بلدان العالم الإسلامي، من دور الحضانة حتى شهادة الدراسة الثانوية، وأتقنوا بناءها ونظامها،واجتذبوا إليها أعداداً هائلة من أبناء وبنات المسلمين، وكان من ثمراتها إخراج أجيال متنكرة لدينها ولأمتها ولأوطانها تابعة للغرب، متشبثة بذيول الحضارة الأوروبية، وبريق ألوانها مع ما فيها من انحلال وفوضى خلقية وسلوكية، دون الأخذ بعوامل النهضة المادية الحقيقية.
ومن الأمثلة على ذلك: ما تكشفه الإحصائيات عن وجود قرابة (١٤٠) مدرسة طائفية وأجنبية في الأردن في السبعينات من القرن العشرين الميلادي الجاري، وعدد الطلاب والطالبات فيها يزيد على ثلاثين ألفاً، معظمهم من أبناء وبنات المسلمين، والمعلمون والمعلمات فيها معظم من غير المسلمين.
стр. 110
٥- مجال الخدمات الاجتماعية المختلفة
كدور الأيتام والعجزة الأرامل والمطلقات ونحو ذلك.
٦- مجال العلاقات الاجتماعية:
فمن ذلك الصلات الودية الشخصية والصداقات والزيارات العائلية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة، واتخاذ هذه الأمور وسيلة لإفساد المسلمين والمسلمات.
٧- استغلال الأزمات والكوارث الفردية والاجتماعية
ويتجلى ذلك بتصيد اللقطاء والمشردين والمشردات وأصحاب الأزمات المختلفة من أبناء وبنات المسلمين، وكذلك الذين فقدوا أهلهم في الحروب، والفتن والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الأخرى وإيوائهم لتنصيرهم.
ومن أمثلة ذلك: الحملات المكثفة التبشيرية لتنصير أطفال المسلمين اللاجئين في الصومال، التي نشرت الصحف عنها في عام (١٤٠٢م) .
والحملات التبشيرية لتنصير أطفال لاجئي الأفغان في باكستان، الذين فرَّ بهم أهلوهم، خوفاً عليهم من التدمير الشيوعي الأحمر، وقد نُشر عنها في عام (١٤٠٣هـ) .
وهذه الحملات تأتي تحت قناع هيئة الصليب الأحمر.
وكذلك الحملات التبشيرية لتنصير أطفال من أندنوسيا، ليكونوا إذا كبروا مبشرين بالنصرانية بين ذويهم، وقد أسموا هذا المشروع بمشروع "الأسر البديلة".
وحصل ما هو أشنع من ذلك في أطفال المسلمين اللبنانيين، وذلك في الفتن السياسية التي قامت بين الطوائف اللبنانية المختلفة، في السبعينات، وأوائل الثمانينات من القرن العشرين الجاري، إذ كانوا يُلتقطون ليؤخذوا إلى معسكرات وملاجئ التنصير، أو إلى القتل.
следующие страницы →