Полный текст (750 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
شُبهَاتٌ حَوْلَ العقوبات في الإِسلام
ينتقد أعداء الإسلام ما في نظام الإسلام من عقوبات شديدة قاسية، كحدّ السرقة، الذي يقضي بقطع اليد، وحدّ الزنى الذي يقضي بالجلد أو بالرجم، وحدّ قطع الطريق، الذي يسمح للحاكم المسلم بأن يقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وغير ذلك من حدود زاجرة.
ويكفي لدفع هذه الشبهة الضعيفة أن تقدّم دراسة تحليلية للعوامل الدافعة للجرائم، ونظرات تعليلية للحل الذي لجأ إليه الإسلام في نظامه، وسنكتشف من خلال ذلك روعة نظام الإسلام في هذا المجال، كما هو رائع في كل مجال.
ولا نريد أن نتبجح بدعوى خيالية، بل نريد أن نضع الخصم أمام بحوث تحليلية، وتطبيقات واقعية، ثم نقول له: هذه سبيلنا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
ولن يجد الباحث المنصف أية ثغرة يمكن أن ينتقد منها بحق نظام الإسلام، بينما يجد الباحثون المنصفون في كل الأنظمة الأخرى التي تطبقها أمم الأرض في هذا المضمار مئات الثغرات ونقاط الضعف، التي هي محل للاعتراض والنقد بحق.
أ- عوامل الجريمة:
تعود أهم عوامل الجريمة في المجتمعات الإنسانية إلى العوامل الرئيسة التالية:
стр. 527
أولاً: العوامل النفسية المنحرفة التي تحرض الفرد على ارتكاب الجريمة، وتتنوع هذه العوامل بحسب نوع الجريمة.
فمن الناس مصابون نفسياً بكراهية الناس أو صنف منهم، لأسباب شتى، وقد تبلغ بهم الكراهة مبلغاً من الظمأ النفسي لا يرويه إلا النظر إلى الدماء المهراقة من الذين يكرههم، وقد لا تنفع في هذا الفريق الشاذ من الناس وسائل الإصلاح المختلفة، وذلك لتمكن عقدة الكراهية في نفوسهم، وهؤلاء على ندرتهم في الناس لا بد من علاجهم أو تطهير المجتمع منهم.
ومن الناس مصابون نفسياً بشذوذ جنسي، لا يبرد حرارته ولا يشبع نهمته إلا ارتكاب الجرائم المنافية للطبائع السوية، التي يشترك فيها الناس جميعاً، وقد يحرضهم على هذا الشذوذ على الاعتداء على عفاف الصغار والصغيرات، وعدم الاكتفاء بالزواج المشروع، وقد يصل بهم إلى مرحلة شنيعة من الوقاحة والقباحة والاستهانة بالآداب العامة، يجاهرون مع هما بفحشهم ولا يتوارون فيه، تبجحاً بالمخالفة والشذوذ، أو استهانة بالدين وعملاً على نشر الفاحشة وإباحتها، فيمارسون الفاحشة غير مبالين ممارسة مكشوفة أما جمع من ذوي العدالة يبلغ عددهم أربعة شهود فما فوق.
ومن الناس مصابون نفسياً بعقدة جمع المال والاستكثار منه بالسطو على أموال الناس، وقطع الطريق، وترويع الآمنين أو بحيل الاختلاس وسلب الأموال بغير حق، دون أن يشعر بهم من يجنون عليه ويسلبون ماله.
ووجود هؤلاء وأمثالهم في مجتمع ما سبب في اختلال الأمن، وعموم الفوضى، وانتشار جرائم القتل التي تسببها الأهواء الشخصية والمطامع المادية، وسبب في بث الآلام الكثيرة، وغرس حب الانتقام، حتى ينتهي الأمر بالمجتمع إلى أن يكون معظم أفراده ما بين ظالم قتال، أو لص محتال، أو ضعيف مهضوم الحق مسلوب الحرية.
وقد استخدم الإسلام في علاج هؤلاء الشاذين المصابين بهذه العقد وأمثالها عدة وسائل:
стр. 528
الوسيلة الأولى: التربية الإيمانية الإسلامية على إدراك الحق والشعور به وبواجبه، وعلى تذوق الكمال وحبه، واستحسان الخير والفضيلة وحبهما، واستقباح الشر والرذيلة وكراهيتهما، والرغبة بالتنافس في السبق إلى الكمالات المختلفة الفكرية والخلقية والسلوكية.
الوسيلة الثانية: الترغيب بما عند الله من أجر عظيم للملتزمين بأحكام الإسلام وتعاليمه، الداعية إلى إقامة الحق والعدل، والتزام الخير، والبعد عن كل ظلم وشر، ابتغاء رضوان الله وثوابه.
الوسيلة الثالثة: الترهيب مما أعتد الله يوم القيامة للظالمين المعتدين، المخالفين لأوامر الله ونواهيه، من عذاب أليم في دار العذاب.
الوسيلة الرابعة: العقوبة القاسية الشديدة، فحينما لا تنفع وسائل التربية والترغيب والترهيب، تقضي ضرورة سلامة المجتمع الإنساني بإنزال العقوبة القاسية الشديدة، لأن الذين لم تنفع فيهم هذه الوسائل قد نمت لديهم دوافع الجريمة إلى الحد الأقصى، فكانوا خطراً على المجتمع.
ومما لا ريب فيه أنه لن يتفق لهذا الفريق الشاذ من الناس أن يمارسوا جرائمهم في وقت واحد، ولذلك يكون إنزال العقوبة الشديدة القاسية المشاهدة أمام ملأ من الناس في أول مرتكب منهم للجريمة عملاً رادعاً، يكف معظم الذين تحدثهم نفوسهم بارتكاب جرائم مماثلة عن اقتحام حدودها.
وربما لا يقتضي الأمر تنفيذ هذه العقوبة الشديدة القاسية إلا مرة واحدة أو مرات قليلة جداً، خلال كل حقبة من الزمان، وبذلك يقطع دابر الجريمة، أو يخفف نسبة حدوثها إلى أدنى الحدود، وعندئذ يصفو المجتمع من المكدرات، ويعم الأمن والاستقرار، وهما أعظم نعمتين ترفل بهما مجموعة بشرية.
ثانياً: عوامل البيئات الاجتماعية المنحرفة، التي تنمي في الأفراد الرغبة بارتكاب الجريمة، وتغذيتهم بعدم الاعتراف بمنافاتها للحق والواجب، أو للأخلاق الكريمة وسائر الفضائل، وذلك بسبب إهمال هذه المجتمعات واجبات التربية العامة على احترام الحق والواجب، والتقيد بالأخلاق الكريمة وسائر
стр. 529
الفضائل، وازدراء الظلم والعدوان، والنفور من الرذائل والانحراف في السلوك.
ففي كثير من البيئات الاجتماعية يلاحظ المتتبعون مجموعة من العوامل التي تساعد على ارتكاب الجرائم المختلفة.
منها استهانة هذه المجتمعات بالفضائل، وفساد مفاهميها نحوها، وعدم اكترائها بواجبات التربية على مكارم الأخلاق، وإهمالها الشبان والمراهقين، وتركهم يرتعون في الملذات الجسدية المحرمة التي تتطلب منهم أموالاً كثيرة لا يستطيعون حيازتها إلا بتجاوز حدود الحق والعدل والفضيلة.
ومنها انحلال نظام الأسرة، أو ضعف روابطها إلى الحد الذي يشعر فيه كل فرد من أفرادها أنه ذو استقلال ذاتي تام، في فكره وتصرفاته ومعالجة شؤونه الخاصة أو العامة، فهو لا يسمح بأن يرشده من أسرته من سبقوه في تجربة الحياة، أو يشرفوا عليه، أو يقوموا على تربيته وتأديبه، وضبط سلوكه عن الانحراف والشذوذ، فينطلق عندئذ في متاهات رعوناته الخاصة، وتدفع مراجل شهواته المتأججة مركبة حياته إلى المهالك، ثم يجد نفسه في منحدرات طرق حياته المنهارة مسوقاً إلى الجريمة، يساعده عليها نظراؤه من قرناء السوء، إذ تسود بينهم مفاهيم بعيدة كل البعد عن المفاهيم الإنسانية الكريمة.
ومنها تفكك الروابط الاجتماعية الأخرى التي تمثلها المؤسسات الاجتماعية التعليمية والتربوية والرياضية والأدبية، ومؤسسات الإحسان والتعاون والتعاطف الجماعي، وفي مقدمتها المؤسسات الدينية، التي تضطلع بمهمات التربية الروحية، والتدريب على الأخلاق الكريمة الفاضلة بصفة عملية، مع كشف ما فيها من معانٍ نبيلة سامية، حتى يكون لها في داخل النفس غراس فكري، وغراس روحي، يتزايد نمواً مع الزمن بالتدريب العملي، ويتغلغل في كيان الإنسان، ويتمكن فيه تمكناً يجعله بمثابة الطبائع الفطرية، التي ولدت معه منذ استهل صارخاً يستقبل الحياة على الأرض.
ونستطيع أن نقول: إن من شأن هذه البيئات الاجتماعية الفاسدة أن تكون مباءات ملائمة لتخريج المجرمين في الأرض، ومثلها في ذلك كمثل
стр. 530
مباءات الجراثيم الضارة التي تنمو فيها الحشرات المهلكة ويأوي إليها كل فاسد مفسد.
وكثيراً ما يعمل الغزاة على إيجاد بيئات اجتماعية فاسدة، لتخريج المجرمين الذين يعملون على هدم أمتهم بكل قوتهم.
وأمثال هذه البيئات الاجتماعية تحتاج إلى إصلاح جذري، يبدأ من أول طريق إصلاح الأمم والشعوب.
وإن أي نظام يعالج جانب الجريمة فقط، دون قطع الطريق على العوامل الممدة، لا يعطي الثمرة المطلوبة، لأن تكاثر الوباء لا بد أن يستمر ما دامت عوامل توالده ونموه موجودة عاملة، مهما كانت نسبة المكافحة ومهما كانت قوتها.
ولذلك نلاحظ أن نظام الإسلام قد بدأ بإصلاح الفرد، وإصلاح المجتمع، قبل معالجة الجرائم التي يمكن أن تحدث فيه من قبل الذين تتحرك فيهم دوافع الجريمة. وهذا الحل الجذري لا نجده على الصورة المثلى إلا في يد نظام الإسلام ومعالجته العملية.
ثالثاً: الضرورات الملحة التي تهون على بعض السويين ارتكاب الجريمة، التي يرون أنها قد تدفع عنهم ضروراتهم، وتهيئ لهم حاجاتهم.
ولكن المجتمع الإسلامي الذي يطبق أفراده أحكام الإسلام، لا يدع ضرورة من الضرورات تدفع بفردٍ من أفراده إلى ارتكاب الجريمة، لأنه مجتمع متعاون متكافل، كل فرد فيه حارس يقظ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويساعد على فعل الخير وقمع الشر.
رابعاً: ضعف جهاز الحكم، وإهماله، وعدم مراقبته الشديدة لما يقع في المجتمع من جرائم، وتردده في البت بالإدانة العادلة، وسيره في القضاء بنفسٍ طويل، وصبر غير جميل، ينسى معه الشعور بهول الجريمة التي تستدعي البت الحازم الحاسم.
والأصل في الحكم الإسلامي أن يكون على خلاف ذلك، لأنه يعمل بهدي من كتاب الله وسنة رسوله.
стр. 531
خامساً: لين القوانين وعدم أخذها بمبدأ العقوبات الزاجرة التي أخذ بها نظام الإسلام، الأمر الذي يشجع المجرمين على ارتكاب جرائمهم.
ومعلوم أن الشريعة الإسلامية بريئة من هذا العامل، وأن الحكم الذي يطبق أحكامها يفرض هيبته العامة، التي تردع كل من تحدثه نفسه بارتكاب الجريمة.
هذه عوامل رئيسة خمسة يتسبب عنها تفشي وقوع الجرائم في المجتمعات الإنسانية، وبمقدار نمو هذه العوامل تزداد نسبة الجرائم.
ولكن حين يطبق الناس نظام الإسلام، يستطيعون أن يتفادوا النسبة العظمى من هذه العوامل الباعثة على وقوع الجرائم، وأن يخفضوا نسبة وقوعها إلى أقل حد ممكن، وذلك لأن تطبيق نظام الإسلام، يرتقي بالمجتمع الإنساني إلى مستوى مثالي رائع، تستطيع الارتقاء إليه جماعات بشرية، وقد أثبت الواقع هذه الحقيقة في تاريخ الأمة الإسلامية، ولما طبقت المملكة العربية السعودية أحكام العقوبات الإسلامية انخفضت فيها نسبة الجرائم إلى أدنى المستويات الممكنة في الواقع البشري.
ب- الحل الإسلامي:
قبل أن يقيم الإسلام نظام الحدود العقوبات الزاجرة الرادعة، أحاط المجتمع المسلم بأسوار أربعة بعضها من وراء بعض، ومن شأن هذه الأسوار أن تبعد أفراد المجتمع المسلم عن السقوط في الجريمة، إلا من بلغ منهم مبلغ الشذوذ.
السور الأول: سور الأنظمة الاجتماعية والفردية التي تهيئ لكل فرد مطالبه النفسية والجسدية الضرورية، وتدفع عنه الضرورات التي تلح في داخله، وفق تكوينه الذي فطره الله عليه.
فأقام الإسلام نظام العدالة الاجتماعية، وحض على الزواج وأمر بتيسير وسائله وأسبابه، وهيأ لجميع أفراد المجتمع فرص التنافس الشريف بحسب الكفاءات في مجالات السبق الدنيوي دون ظلم ولا عدوان.
стр. 532
السور الثاني: سور تربية المسلمين نظرياً وعملياً على مكارم الأخلاق، وفضائل السلوك، وعلى احترام الحق والواجب، وتريبتهم على تذوق هذه المكارم والفضائل واستحسانها وحبها، والنفور من أضداداها وكراهيتها كراهية شديدة.
السور الثالث: سور المخاوف والإنذارات بعقابات الله في الدار الآخرة، لمن خالف أنظمته وشرائعه التي أنزلها لعباده وأمرهم بتطبيقها.
السور الرابع: سور العبادة الحقة لله تعلى، المصحوبة بمراقبته التي تسمو بروح المسلم سمواً يبعدها عن المؤثرات المادية، التي تدفع الفرد إلى الانحراف عن صراط الله لعباده.
وفي داخل هذه الأسوار الأربعة يترعرع المجتمع الإسلامي في بحبوحة السعادة والأمن والطمأنينة، والبعد عن كل العوامل التي يمكن أن تحرض الإنسان على ارتكاب الجريمة.
ومما لا يرب فيه أنه يندر وقوع الجرائم التي يعذر مرتكبوها، داخل مجتمع مسلم توافرت فيه الاحتياطات التربوية الإسلامية التي تتغلغل في أعماق النفوس بتأثيراتها الفكرية والوجدانية والروحية، والتي تكوّن العادات المستحكمة في السلوك بذلك، وبقوة التأثير الاجتماعي المدفوع بواجب الرقابة الاجتماعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يضاف إلى ذلك امتصاص الطاقات النفسية والجسدية التي من شأنها التحريض على ارتكاب الجريمة، وذلك بتهيئة كل الشروط التي تساعد على تلبية مطالب الإنسان وحاجاته الضرورية الجسدية والنفسية والروحية.
ولكن - رغم كل ذلك - لا بد أن تند من بعض الأفراد جرائم يدفع إليها الانحراف والشذوذ، فالأنظمة النظرية والتطبيقية - مهما اتخذت من احتياطات - لا توقف وقوع الجريمة إيقافاً كاملاً، ولكنها تخفف من وقوعها إلى أدنى النسب.
وقد تدارك الإسلام أنواع الانحراف والشذوذ الدافعة إلى الجريمة، بالعقوبات الزاجرة الرادعة ذات المظهر الخشن.
وهذه العقوبات يقيمها سلطان المسلمين بالعدل والقسطاس المستقيم،
стр. 533
مع التسوية التامة بين ذوي الشرف وذوي الضعة، وبذلك يعيش المجتمع المسلم في ظل الأمن الدائم والاستقرار والطمأنينة، وينقطع دابر الجريمة والتفكير بها.
ومن الجميل في هذه العقوبات القاسية أن الوضع العام للمجتمع الإسلامي المثالي لا يحتاج إلى تطبيقها إلا في أحوال نادرة جداً، وعلى مجرمين حقيقيين لم تدرأ شبهة ما عنهم إقامة الحدود، ولست أنكر أنه قد يدخل بين هؤلاء من تقتضي أحواله الخ اصة تخفيف العقوبة عنه، دون أن يتبينها لاقضاء الإسلامي بشكل منضبط، إلا أن سلامة المجتمع كله توجب التضحية ببعض الأفراد، لا سيما الذين ثبتت عليهم الجريمة ولم يستطع الحكم العادل أن يرفع عنهم العقوبة.
ولنا أمام هذه الفلسفة الإسلامية العظيمة أن نهاجم الأنظمة الوضعية في عقوباتها التي لا زجر فيها ولا ردع، بأنها أنظمة تساعد على انتشار الجرائم، وتنمية أعداد المجرمين في الأرض، وأنها حين تشفق على يد سارق واحد أن تقطع، تساعد على مقتل عدد كبير من الأبرياء، ليحقق مجرمو السرقة أهدافهم، وحين تشفق على قاتل واحد فلا تنفذ فيه عقوبة القصاص، تساعد على سقوط عدد من القتلى الأبرياء، وهكذا إلى سائر الجرائم.
وحين تركت معظم الشعوب الإسلامية تطبيق نظام العقوبات الإسلامية الرادعة،واتبعت النظم الأوربية، انتشرت فيها الجرائم، واندلعت فيها نار الفوضى، وكثرت فيها الآلام الاجتماعية، وفقدت سعادة الطمأنينة والاستقرار والأمن على أموالها وأرواحها.
جـ- مخففات الجريمة في نظام الإسلام:
أدخل الإسلام لدى تقويمه للجرائم التي يرتكبها المجرمون أمرين:
الأول: اعتبار الأحوال العامة التي ترافق ارتكاب الجريمة.
الثاني: اعتبار الأحوال الخاصة لمرتكب الجريمة، الشاملة للأحوال العقلية والنفسية والجسدية.
стр. 534
فمن مراعاته للأحوال العامة في جرائم القتل مراعاته أحوال الفتن العامة التي يكون القتال فيها بين فريقين من المسلمين، إذ جعل للقتل فيها أحكاماً خاصة.
ولما كانت دوافع القتل في مثل هذه الفتن دوافع جماعية وليست دوافع فردية بحتة، نظراً لاختلاطها بشبه كثيرة، لم تكن مشروعية القصاص فيها مثل مشروعية القصاص في الأحوال الفردية، التي يحدث القتل فيها ضمن أوضاع آمنة مستقرة.
وقد جاء التشريع الإسلامي فيها بأمر جمهور المسلمين بالسعي في الإصلاح بين الفريقين المتقاتلين، فإن أصر أحد الفريقين على البغي وجب عليهم قتال الفريق الباغي، حتى يعود إلى أمر الله، ويوافق على الإصلاح، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (الحجرات/٤٩ مصحف/١٠٦ نزول) :
﴿
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
ومن مراعاته للأحوال العامة في جريمة السرقة، مراعاته أحوال السرقة في عام من أعوام المجاعة والجوائح العامة، التي تقوى معها شبهة الضرورة الملحة، وعند ذلك يدرأ حد قطع اليد بشبهة الضرورة الملحة، التي تؤيدها الأحوال العامة السائدة.
ومن مراعاته للأحوال الخاصة في تقويم الجريمة مراعاته حالة الملكات العقلية، فإذا كانت منعدمة لم يحكم بالمسؤولية الجرمية، ومراعاته حالة إرادة القتل، فإذا لم يتوافر في حادثة القتل وجود إرادة القتل على سبيل العدوان، كان ذلك مانعاً من تنفيذ حد القصاص، وكان سبباً مخففاً للجريمة، ومراعاته حالة الدفاع عن النفس، وحالة الإكراه، إلى غير ذلك من صور.
ومن مراعاته للأحوال الخاصة في جريمة الزنى أن يكون مرتكبه غير متزوج، سواء في ذلك الذكر والأنثى، إذ تحمل الدوافع إليه من المخففات ما لا
стр. 535
تحمل الدوافع إليه حينما يكون الإنسان محصناً بالزواج الذي يستطيع أن يلبي عن طريقه دوافعه الجنسية القاهرة، مهما كان الزوج بعيداً عن شروط الملاءمة النفسية المطلوبة لكل من الزوجين أو لأحدهما. ومراعاته حالة فقدان المسؤولية العقلية، أو فقدان المسؤولية الإرادية، فمتى ارتفعت المسؤولية العقلية ارتفعت معها أحكام الحدود، ومتى ارتفعت المسؤولية الإرادية قامت الشبهة التي تدرأ الحد. وترتفع مسؤولية إرادة الزنى في صور كثيرة: منها الإكراه، ومنها اعتقاد الإباحة في بعض الحالات، كظن المعاشر بأن التي يعاشرها زوجته، أو له حق في معاشرتها بتأويل له فيه شبهة مقبولة في نظر الشارع.
ومن فقدان المسؤولية الإرادية في السرقة أن يأخذ الإنسان شيئاً من مكان يقع في وهم الناس أن الأخذ منه يكون من باب اللقطة لا من باب السرقة، أو أن يأخذ من مال وهو يظن أنه مباح له.
أما حينما تتحقق الجريمة دون أن يرافقها حالة من حالات التخفيف القائمة على أية شبهة من الشبهات، فإن الإسلام يقرر تنفيذ العقوبة وإقامة الحد الزاجر الرادع، مع التشهير به في مشهد عام من المسلمين، ليكون ذلك عبرة لمن يعتبر.
د- نظرة في الحدود الإسلامية:
نظرة سريعة إلى أحكام العقوبات على الجرائم في نظام الإسلام، تكشف لنا مبلغ البت الحازم الحاسم الذي تحتويه عليه هذه الأحكام، وما تحمله من ردع وزجر لكل من تحدثه نفسه بارتكاب الجريمة، فهي تساعد على إنهاء مشكلة الجريمة بسرعة، دون أن تستتبع ذيولاً لا طائل من ورائها، وتلقي الرعب في قلوب سائر المستعدّين لأن يكونوا مجرمين.
بينما تزيد الأنظمة الأخرى من تعقيد المشكلات الاجتماعية، التي توسع من دوائر احتمالات حدوث الجرائم المتنوعة في المجتمعات الإنسانية، أو تشجع على حدوثها.
١- ففي جريمة العدوان على الأنفس بالقتل أو بما دون عمداً وعدواناً بغير حق
стр. 536
يأذن به نظام الإسلام، يعطي الإسلام قاعدة القصاص، ويقيم الدليل على الغاية منها.
أما القاعدة فمعلنة بقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾
وفي قوله تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) مؤيداً كان أنزله من قبل في التوراة على بني إسرائيل:
﴿
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
وأما الدليل على الغاية من القصاص ففي قوله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾
أي: إن إقامة شريعة القصاص من شأنها أن تحفظ حياة الناس من أن تكون عرضة لعدوان المجرمين الذين لا قيمة عندهم لأنفس الناس.
٢- وفي جرائم قطع الطريق والإفساد في الأرض: أعطى الله الدولة الإسلامية سلطان التأديب بعقوبات القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من البلاد، وذلك بحسب حال الجرائم التي يرتكبها المفسدون من قطاع الطرق، قال الله تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) :
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
стр. 537
٣- وفي جريمة السرقة التي لا شبهة فيها، إذا حدثت على الوجوه التي بينتها السنة وفصّلتها، وتمت فيها الشروط التي يلزم الشارع معها بإقامة الحدّ:
يقرّر الإسلام قطع يد الجاني ذكراً كان أو أنثى، قال الله تعالى في سورة (المائدة/٥ المصحف/١١٢ نزول) :
﴿
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
٤- وفي جريمة الزنى البيّن، الثابت بشهادة أربعة شهود تتوافر فيهم شروط العدالة؛ مع الخلو من التهمة، أو الثابت بالإقرار على النفس دون إلزام أو إكراه، إذا ارتكبه غير المتزوج ذكراً كان أو أنثى: يقرر الإسلام فيه عقوبة مئة جلدة حداً تأديبياً، قال الله تعالى في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) :
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
٥- وفي جريمة قذف الآخرين في شرفهم واتهامهم بالزنى دون إقامة بيّنة نصابُها أربعة شهود عدول: يقرر الإسلام عقوبة ثمانين جلدة، حداً تأديبياً رادعاً للقاذفين الطاعنين في أعراض الناس، كالذين يبغون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، قال الله تعالى في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) :
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وقد امتحن العالم الإسلامي تنفيذ هذه العقوبات الرادعة فكان ثمرة ذلك أمناً شاملاً، واستقراراً كاملاً، جعل مجتاز البادية الغريب يأمن على ماله ونفسه وعرضه من عاديات اللصوص والقتلة وسائر المجرمين، بعد أن كانت مليئة بالمخاوف الشديدة، والجرائم الشنيعة.
стр. 538
ومن عجيب التناقضات التي يقع فيها منتقدو العقوبات الإسلامية الرادعة - وهم فريق من علماء القانون، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع - والذين يتأثرون بهم ويستمعون إليهم، أن تثار شفقتهم الإنسانية العارمة على يدٍ واحد أو أيدٍ معدوداتٍ تقطع طوال عام أو أكثر من أصل ملايين الأيدي، بسبب ارتكاب جريمة السرقة التي لا تصاحبها شبهة تدرأ عن مرتكبها الحدّ، دون أن تثار شفقتهم الإنسانية على ألوف الضحايا الأبرياء، الذين يتعرضون لأبشع الجرائم الإنسانية على أيدي مجرمي اللصوصية والسطو على أموال الناس بغير حق. وأ، تثار شفقتهم الإنسانية العارمة على قتيل بالرجم، بسب تحديه بالزنى العلني أمام أربعة شهود وهو محصن (متزوج) ، واستهانته بالآداب العامة والشرائع الربانية، دون أ، تثار شفقتهم الإنسانية على ألوف الضحايا الأبرياء الذين يتعرضون لأبشع الجرائم الإنسانية على أيدي مجرمي الجنس، علماً بأن ثبوت الزنى بأربعة شهود لا يحدث في مجتمع إسلامي إلا نادراً جداً خلال قرون.
ولا يخفى عليهم ما عليه حال كبريات الدول التي تعيش في مباهج مدنية القرن العشرين، وما تعانيه من مشكلات تكاثر الجرائم وتزايد نسبتها حيناً بعد حين، بسبب فقد الحدود الرادعة والعقوبات الزاجرة في قوانينها القضائية.
فأيهما أحفظ لكرامة الإنسان، ولسلامة المجتمع، وأفضل لمنحه نعمة الطمأنينة والأمن، أن يُعاقب عدد محدود من الناس عقوبةً صارمة شديدة، يرتدع بها كل من تحدثه نفسه بالجريمة، أو أن تتعرض أموال وأعراض وأرواح ألوف من الأبرياء من الناس لجرائم المنحرفين والشاذين، الذين يتكاثرون في كل مجتمع تقل فيه روادع العقوبات؟.
يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الذين ينتقدون العقوبات الإسلامية الرادعة، التي لا ترتقي نسبتها بحسب طبيعة النظام الإسلامي الكامل إلى جزء من ألف جزء مما يسببه المجرمون الذي يمارسون جرائمهم وهم يستهينون بالنتائج، إذ عرف كثير منهم سبيله إلى السجن، الذي قد يجد فيه بطولة وراحة، ورزقاً وفسقاً، لا يتحرك وجدانهم الإنساني حينما يتعرض مئات الألوف من البشر
стр. 539
لجرائم القتل الجماعي، بالقنابل النووية، أو بسير الدبابات على أجسادهم، عقوبة لهم على مخالفة سياسية.
نحن لا نلوم أعداء الإسلام على ما يقولون، فهم في حالة حرب معه، يفعلون ما يرونه هادماً له، ولكن نلوم أجراءهم والمنخدعين بهم السائرين في ركابهم، الذين يقولون مثل ما يقولون جهلاً وغباءً، أو خدمة خائنة لأعداء دينهم وأمتهم.
* * *
стр. 540
الفصْل السادس شُبهَاتٌ حَوْلَ الرِّقِّ في الإسْلاَم
стр. 541
شُبهَاتٌ حَوْلَ الرق في الإِسلام
من الشبه الموجهة للإسلام ما جاء فيه من إقرار لنظام الرق، ويكفينا لدفع أي انتقاد للإسلام في هذا المجال يوجهه أعداؤه، أن نقدّم دراسة تحليلة وتاريخية لمعاني الرق وتطبيقاته في الناس قديماً وحديثاً، وبياناً لطريقة الإسلام المثلى في هذا المجال.
أ- الرق والحرّية عند الناس:
لدى تحليل معنى الرق في عرف الناس قديماً وحديثاً يتبين لنا أنه يرجع إلى عدة عناصر، قد تتوافر كلها في بعض حالاته، وقد يقتصر على بعضها في حالات أخرى، وذلك بحسب أمزجة مالكي الأرقاء، أو بحسب النظام العامّ الذي يتواضع عليه مجتمع ما، إذ يبيح لمالكي الأرقاء بعض الحالات، ويحرّم عليهم حالات أخرى.
وهذه العناصر التي يرجع إليها معنى الرقّ على اختلاف درجاته ومستوياته يمكن تلخيصها بما يلي:
أولاً: سلب حرية التملك وسلب حرية العمل الذي قد يفضي إلى التملك.
ثانياً: تكليف الرقيق أن يبذل ما يستطيع من جهد، مقابل منحه ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب ومأوى وضروريّات العيش الأخرى لا بدّ منها.
стр. 542
ثالثاً: سلب الحريّة الاجتماعية، فلا يستطيع الرقيق بذلك أن ينتظم في أي عمل جماعي مهما شرفت أهدافه.
رابعاً: سلب الحرية السياسية، فلا يستطيع الرقيق بذلك أن يدلي برأي سياسي يتناول الأوضاع السياسية للمجتمع الذي هو فيه.
خامساً: سلب الحرية الدينية والاعتقادية، ولقد كان الأرقاء يعذّبون عذاباً شديداً إذا اتبعوا ديناً غير دين أسيادهم.
سادساً: الحجر على الرقيق وتكليفه أن يظل عند سيده، يخدمه متحملاً معاني الاسترقاق الأخرى، فإذا أراد الهجرة من مملكة سيده كان آبقاً خارجاً على الطاعة يستحق أشدّ العذاب.
سابعاً: اعتبار جسد الرقيق وروحه مستباحين لسيّده، يعذّبه كما يهوى، ويقتله إذا شاء ولو لأتفه الأسباب، أو من أجل التمتع بلذة النظر إلى حلبة صراع تجري بين الأرقاء وتنتهي بقتل بعضهم أو بعذاب دون القتل، ليسعد السادة بآلام العبيد.
ثامناً: تسخير الأرقاء في قتال أعداء مالكيهم.
تاسعاً: إمكان نقل الرقيق من مالك إلى آخر بهبة أو بميراث أو بعوض.
هذه هي معظم العناصر التي قد توجد كلها أو يوجد بعضها فيما عرفه الناس من الرق، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن معظم هذه العناصر لم يقرها بوجه من الوجوه، ولا في حالة من الحالات.
أما مالك الرقيق في الواقع الإنساني، فقد يكون فرداً، وقد تكون عصابة من العصابات، وربما تشتد قوة العصابة فتلبس لباس السلطة الحاكمة، التي تفرض نفسها ممثلة لجماعة من الناس ذات حدود سياسية.
وقبل أن نرد على الذين ينتقدون الإسلام بأنه لم يلغ نظام الرق من أول أمره دفعة واحدة، يحسن بنا أن نعرض عناصر الرق على العالم الحديث، الذي غدا منذ فترة قريبة من الزمان يتبجح بأنه قد صار يحمي أنظمة الحرية وينادي
стр. 543
بها، وذلك لنجد كم من هذه العناصر التسعة ما هو مفروض على شعوب كاملة، من قبل قلة حاكمة تتستر باسم السلطان، وتحمي نفسها من غضب الشعوب وثورتها بالقوة المسلحة.
إن نظرة عامة يمر بها الباحث الاجتماعي على الشعوب المستعبدة لسلطات استعمارية، أو لسلطات استبدادية، كافية لأن تكشف له أن نظام الاسترقاق ما زال مطبقاً في العالم الحديث، إلا أنه اتخذ لنفسه صبغة أخرى، مقنعة بأسماء حديثة، منها سلطة القانون، والمستفيد منها أفراد يسترقون الشعوب بحسب أهوائهم، ومنها سلطة الاحتلال - ومنها سلطة الانتداب، ومنها سلطة الحزب الحاكم - ومنها سلطة مستبد ظالم، ويمثل كل هذه الأسماء أفراد يسترقون الشعوب بغير حق، إذ تحميهم القوى المسلحة، وكل من يريد التحرر من الرق المفروض عليه في كل هذه الأنظمة يعتبر عدو القانون، أو عدو السلطة، أو عدو الثورة، أو عدو السيد المستبد، لذلك فهو يستحق كل أنواع التعذيب والاضطهاد حتى القتل.
فما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان مسلوب حرية التملك وحرية العمل الذي قد يفضي إلى التملك، وبين الذين يحرمون من هذه الحرية في بعض أنظمة العالم الحديث، على شكل استرقاق جماعي عام، مستتر باسم النظام العام، أو باسم القانون أو باسم مبادئ الثورة، إلى غير ذلك من أسماء؟!.
ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي لم يكن يسمح له بأن يمارس أية نشاط اجتماعي أو سياسي، وبين الشعوب المسترقة التي تحرم من ممارسة أنواع النشاط الاجتماعي والسياسي، في بعض دول العالم الحديث، التي تنعت نفسها بالتقدمية، وبأنها حاملة لواء الحرية؟!.
إن معنى الاسترقاق في كل منهما واحد، إلا أنه كان لأفراد فأمسى لأمم وشعوب.
ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يكلف بذل ما يستطيع من
стр. 544
جهد، مقابل منحه ما يحتاج إليه من ضروريات عيشه، وبين الذين يفرض عليهم نظام من هذا النوع في بعض أنظمة العالم الحديث، على شكل استرقاق جماعي؟!.
ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يفرض عليه التزام دين سيده أو مذهبه، وبين شعوب تضطهد في العالم الحديث لتلتزم مذهباً اجتماعياً معيناً، أو تجحد عقيدة دينية معينة وتعتقد غيرها؟!.
إن معنى الاسترقاق في كل منهما واحد، إلا أنه كان من أفراد لأفراد، فأمسى من عصابات ذات قوة لأمم وشعوب مغلوبة على أمرها.
ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يفرض عليه أن لا يفر من سلطان سيده ودائرة مملكته، وبين شعوب مسورة بأسوار حديدية، تمنعها من أن تتحرر من وطأة أنظمة الحكم التي تفرض عليها وهي لها كا رهة؟!.
ألا فليعلم الذين يخادعون الناس بعطفهم على رقيق العالم القديم أنهم من أكثر الناس استعباداً للشعوب وإذلالاً الذين تحت أيديهم، وإن وضعوا لأنظمتهم أسماء أخرى غير اسم الرقيق.
ب- وسائل الاسترقاق عند الناس:
عرف الناس قديماً نظام الاسترقاق، وكانت وسائله متنوعة لديهم، ويعتمد معظمها على ظلم القوي للضعيف.
فكان من وسائله الأسر، الذي ينجم عن الغزو وعن الحروب، سواء أكانت حروباً بين شعوب مختلفة، أو حروباً بين قبائل من شعب واحد، أي: سواء أكانت حروباً خارجية أو حروباً أهلية، وكان مصير الأسير فيها القتل أو الاسترقاق أو الفداء.
وكان من وسائله السطو على حرية الإنسان بالقرصنة والخطف والسبي والسرقة والتقاط اللقطاء ونحو ذلك.
ومن الذين كانوا ضحايا هذا النوع فاسترقوا ظلماً وعدواناً يوسف عليه
стр. 545
السلام، لما عثرت عليه القافلة في الجب الذي رماه فيه إخوته، قال قائلهم: يا بشرى هذا غلام، وأسروه بضاعة، خوفاً من أن يعثر أهله عليه معهم فيستردوه، ولما ابتعد رجال القافلة عن مكان التقطاه باعوه بثمن بخسٍ دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين، وانتهى أمره إلى مصر، وظلّ في مصر رقيقاً، حتى رفعه الله إلى سدّة الحكم في قصته المشهورة المذكورة في القرآن.
ومن الذين كانوا ضحايا هذا النوع من الاسترقاق زيد بن حارثة، إذ كان صغيراً بعثه أهله مع قافلة ودفعوا أجره، فاستضعفه رجال القافلة لما بعدوا عن أهله، فباعوه في مكة رقيقاً، وظل كذلك حتى أعتقه رسول الله ولكنه بعد حريّته اختار أن يظل خادماً لرسول الله على أن يذهب مع أهله الذين عثروا عليه فيما بعد فطلبوه.
ومنهم صهيب سَبَتْه الروم وهو غلام فنشأ بينهم، ثم ابتاعه منهم قبيلة كلب، فقدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، وقد كان من المستضعفين المعذبين في الله.
ومنهم زنوج الولايات المتحدة الأمريكية الذين سباهم تجار القراصنة، من سواحل إفريقية ونقلوهم كالبهائم إلى أمريكا الشمالية ليعملوا عبيداً أرقاء في مزارع ولاياتها، ضمن أسوأ الظروف الحياتية ذلاً وتعذيباً وإجهاداً بأعمال شاقة.
وكان من وسائل الاسترقاق ارتكاب بعض الجرائم الكبيرة، كالقتل والسرقة والزنى، إذ كان يحكم على مرتكب أيٍ منها بالرق لمصلحة الدولة، أو لمصلحة المجني عليه، أو لمصلحة أهل المجني عليه.
وكان من وسائله عجز المدين عن وفاء الدين الذي عليه، إذ كان يضرب عليه الرق ويملك لدائنه.
وكان بعض الناس يبيعون أبناءهم أرقاء، ويبيعون بناتهم رقيقات بحكم سلطتهم عليهم، ليأخذوا أثمانهم، وكان يحدث كثير من هذا في الطبقات الفقيرة، وكانت الأنظمة العامة لدى كثير من أمم الأرض تسمح بذلك
стр. 546
وتبيحه، وتعطي نتائجه صفة الحق المحمي بالسلطان العام.
وكان إذا اشتد الفقر أو الخوف ببعض الناس تنازلوا عن حريتهم لمن يكفيهم ويؤويهم ويحميهم.
وكان من وسائل الاسترقاق تناسل الأرقاء، فكان ولد الجارية الرقيقة يولد رقيقاً ولو كان أبوه السيد نفسه.
وجاء الإسلام فألغى بحزم معظم وسائل الاسترقاق السائدة بين الناس على اختلافها، ولكن لم يكن بوسعه أن يلغي نظام أسرى الحروب غير الداخلية، وما يستتبع ذلك من استرقاق غير مقصود لذاته، لأن إلغاء نظام الأسرى مرتبط بإلغاء الحروب نفسها، وبإلغاء دواعيها، وليس في استطاعة أيّ نظام أو أيّ مجتمع أن يلغي ذلك إلغاء تاماً، ما دام في العالم أنظمة ومجتمعات أخرى تضطره إلى أن يدخل معها في حروب، فتأخذ أسراه فتسترقهم ولا مندوحة له في مقابل ذلك إلا أن يعامل أسراهم بالمثل، ولكنّ الإسلام مع اضطراره إلى إجراء المعاملة بالمثل من جهة الصورة الظاهرة، قد ارتقى بمفهوم أسير الحرب مرتقى لم تبلغه أحدث الأنظمة التي تواضعت عليها شعوب العالم المتحضر في القرن العشرين.
ويحاول أعداء الإسلام بعد كل هذا أن يطمسوا معالم مجد الإسلام بالكذب والمغالطة.
جـ- الرقيق عند غير المسلمين:
كان مثل الرقيق عند الرومان كمثل البهيمة، مسلوب الحقوق الإنسانية كلها، فكانوا يسخرونه في الأعمال الشاقة، وفي الحرب، وفي إرضاء أهوائهم الفاجرة الدنيئة، وكانوا يحصلون عليه عن طريق الغزو الذي لا هدف له إلا التسلط على الشعوب واستعبادها، أو عن طريق السلب والنهب والسرقة والقرصنة البحرية ونحو ذلك.
وكانوا يصفدون الرقيق في الأغلال حتى لا يفرّ، ويكلفونه القيام بالأعمال الشاقة الثقيلة، والويل كل الويل له إذا هو توانى عن أداء الخدمة على
стр. 547
ما يشتهون، إن توانيه يعرّه لإنزال العذاب الشديد به.
أما مساكن الرقيق عندهم فقد كان شبيهة بمغارات السجون القاتمة الكريهة، أو زرائب الحيوانات، أما الأسياد فلهم القصور الفخمة وكل وسائل الرفاهية والنعيم.
وكان للرومان مهرجانات محببة إليهم، يشهدون فيها المبارزات الحقيقية بين الأرقاء، وفي هذه المبارزات تتوجه طعنات السيوف والرماح إلى المتبارزين. حتى يقع بعضهم صريعاً أو تنهكه الجراحة، وعند ذلك تمتلئ قلوب المشاهدين من الرومان مسرّة واغتباطاً بآلام العبيد.
وعلى نحو ذلك كانت معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرهما، حتى العرب فقد كان نظام الرقيق سائداً بينهم، وكان لديهم من الأرقاء عدد ولكنه دون ما لدى غيرهم من الشعوب.
وتحدثنا الأنباء الصحيحة عن الأرقاء عند ظهور الإسلام، كيف كانوا يسامون على أيدي أسيادهم عذاباً شديداً إذا هم دخلوا في الإسلام، ومن الأمثلة صهيب الرومي، وعامر بن فهيرة، وبلال بن رباح الحبشي، وغيرهم، وقد كانوا من المستضعفين الذين يعذبون لأنهم أسلموا، أما عامر وبلال فقد اشتراهما أبو بكر ﵁ من أوليائهما وأعتقهما، إنقاذاً لهما من العذاب، وقد فعل مثل ذلك أيضاً في عدد من الأرقاء الذين كانوا يعذبون في الله.
أما اليونان فقد كانت المذاهب الفلسفية لديهم تصوغ المبررات الفكرية لنظام الرق. فمذهب أرسطو في الرق يقضي بأن فريقاً من الناس مخلوقون للعبودية، لأنهم يعملون عمل الآلات التي يتصرف فيها الأحرار ذوو الفكر والمشيئة، فهم آلات حية تلحق في عملها بالآلات الجامدة. وأفلاطون أستاذ أرسطو يقرر في جمهوريته الفاضلة أن العبيد ليسوا مواطنين، وهو يجبرهم على الطاعة والخضوع للأحرار. وقد شرعت الحضارة اليونانية نظام الرق العام - وهو لمصلحة الدولة - ونظام الرق الخاص - وهو لمصلحة الأفراد - والرقيق عندهم مسلوب جميع الحريات الإنسانية.
стр. 548
ولليهود باع واسع في الاسترقاق، إذ تحدثنا كتبهم الدينية عن مئات الجواري اللواتي كن رهن إشارة ملوكهم، في مختلف عصورهم. وأخبرنا القرآن أنهم أمعنوا في هذا المجال، وتجاوزوا حدود شريعة الله لهم، حتى بلغ بهم الأمر أنهم كانوا يقاتلون إخوانهم في الدين، ويأخذون منهم الأسرى ويطلبون منهم الفداء، قال الله تعالى مندداً بهم في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
وتقول تعاليم المسيحية المدونة على لسان بولس في رسالته إلى أهل أفسس: "أيها العبيد أطيعوا سادتكم.... كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة".
ومثل ذلك نجد في وصايا بطرس، وقد أوجب آباء الكنيسة على العبيد الطاعة، لأن الرق في نظرهم كفارة لبعض ذنوب البشر يؤديها العبيد.
د- الرق في الإسلام:
ولما جاء الإسلام ألغى معظم العناصر التي يقوم عليها مفهوم الرق، وألغى كل أسبابه إلا ما تقضي به ضرورة أسرى الحرب، وعمل على عتق الأرقاء بوسائل شتى في نظامه المثالي الرفيع.
لقد ظهر الإسلام وجميع الشعوب المتحضرة وغير المتحضرة تقر نظام الرق بمختلف عناصره، وتقر مختلف الوسائل التي تفضي إلى الاسترقاق، فنظر إلى مفهوم الرق السائد بين الأمم فألغاه، ولم يبق منه إلا ما تدعو إليه ضرورة أسرى الحرب، حذر تآمرهم وخيانتهم من الداخل. ونظر إلى وسائل الاسترقاق المختلفة فألغاها كلها بحزم، إلا ما تدعو إليه ضرورة أسرى الحرب، التي تقوم بين المسلمين وغيرهم لأسباب لا يملكون دفعها.
стр. 549
وبهذه الطريقة الإسلامية تغير مفهوم الرق تغيراً كلياً عما كان عليه، وأصبح نوعاً من حجز حرية الأسرى، حذر أن يكونوا مصدر شغب وفتنة وخيانة وتآمر على المسلمين من داخل صفوفهم.
وبهذه الطريقة سد الإسلام معظم المنابع التي كانت تمد نظام الرقيق السائد في العالم، ولكن ألجأته الضرورة التي ما تزال تلجئ في كل زمان ومكان أي نظام من الأنظمة الإنسانية الراقية إلى إبقاء نظام أسرى الحرب، ولكن نظر الإسلام إلى أسرى الحرب نظر تكريم بالإضافة إلى نظرة الحذر، وهذا ما ترشد إليه السياسة الحكيمة. ثم حرض الإسلام المسلمين تحريضاً شديداً على إعتاق الأرقاء وإطلاق حريتهم.
وعز على القرآن الكريم أن يذكر كلمة واحدة يأذن فيها باسترقاق أسرى الحرب، وغاية ما قاله في شأن المحاربن لله وللرسول وللمؤمنين، ما جاء في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٠ نزول) :
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾
وما جاء في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) :
﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ....﴾
وما جاء في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
وفي علاج مشكلة أسرى الحرب لا مندوحة من اللجوء إلى أحد الحلول التالية:
الحل الأول: قتلهم والتخلص من مشكلتهم نهائياً، وقد يكون هذا هو
стр. 550
الحل الأسلم لأمة ناشئة ليس لها ثبات ورسوخ في الأرض.
الحل الثاني: المن عليهم بإطلاق سراحهم، وقد وضع الإسلام هذا الحل في يد القيادة الإسلامية، وقدمه القرآن تقديماً يشعر بترجيحه، وتلجأ القيادة الإسلامية إلى هذا الحل إذا لم تر منه ضرراً على المسلمين، ولا سيما إذا رأته نافعاً في كسب صداقة الأسرى وذويهم، وجذب قلوبهم إلى الإسلام، فليس للإسلام غرض أساس في مقاتلة الناس وإذلالهم بين أيدي المسلمين، وإنما غرضه هداية الناس جميعاً إلى الحق والخير، وتفادي خطر المعادين قدر الإمكان.
الحل الثالث: فداؤهم بأسرى من المسلمين في يد عدوهم، أو فداؤهم بمال أو سلاح أو علم، أو إخضاع لشروط صلح معينة، أو أي أمر يقدم للمسلمين فائدة ما، وذلك إذا لم تجد القيادة الإسلامية في إطلاق الأسرى خطراً على المسلمين، وقد وضع الإسلام هذا الحل في يد القيادة الإسلامية.
الحل الرابع: استبقاؤهم أسرى تحت أيدي المسلمين، وذلك حينما يكون المنّ عليهم أو فداؤهم يتضمن خطراً على المسلمين بشكل عام، وقد وضع الإسلام هذا الحل في يد القيادة الإسلامية أيضاً، وأذن لها أن تختاره ضمن حدود المصلحة العامة الدينية أو السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية.
ومضمون هذا الحل هو ما اضطر الإسلام إلى عدم إلغائه من الأنظمة التي تجعل الأسير الذي هو قيد الأسر محجوز بعض الحريات المدنية فقط.
ولا تخلو حال أسرى الحرب - حينما لا تكون المصلحة بالمن عليهم أو افتدائهم - من أن يكونوا تحت الرقابة الدقيقة، لئلا يكونوا مصدر فتنة وشغب وخيانة وتآمر على المسلمين من داخل صفوفهم.
وهذا يستدعي أن لا يمنحوا جميع حرياتهم المدنية، وليس أمام الجهة التي أسرتهم إلا طريقان:
الطريق الأولى: أن يحتجزوا داخل سجون جماعية يقدم لهم فيها طعام خاص بهم، مع الاحتفاط بكرامتهم الإنسانية من أن يكونوا عرضة للإهانة والتعذيب، وقد يضاف إلى ذلك تكليفهم القيام ببعض الأعمال النافعة، التي
стр. 551
تشغل أوقاتهم، وتستغل طاقاتهم، وتكون رياضة لأجسامهم.
وهذا حل من الحلول التي يضعها الإسلام بين يدي القيادة الإسلامية، لها أن تختاره إذا وجدت فيه مصلحة للمسلمين وللأسرى ولأهداف الدعوة الإسلامية.
أما تعريضهم للإهانة والتعذيب، وتقتير النفقة، وتكليفهم الأعمال الشاقة - وهو ما تمارسه دول كثيرة متحضرة - فهذا أمر لا يسمح به الإسلام.
الطريقة الثانية: أن لا يحتجزوا داخل سجون جماعية، بل يوزوعون على الأسر الإسلامية، ويكونون جزءاً من كيانها، يأكلون مما تأكل، ويشربون مما تشرب، ويلبسون مما تلبس، ويزوج رجالهم من نسائهم، وقد تكرم الأسيرة فتكون كإحدى زوجات مولاها، رعاية لحاجتها الطبيعية إلى زوج، وسبيلاً إلى تحريرها إذا حملت منه، وتكلف كل أسرة النفقة على من لديها من الأسرى، ومراقبته حذر خيانته وتآمره، ولها في مقابل ذلك أن تكلفه من الأعمال ما يحسن ويطيق من غير إعنات ولا إثقال.
وبهذه الطريقة يتسنى لهؤلاء الأسرى من غير المسلمين أن يطلعوا على نظام الإسلام، والأخلاق الإسلامية، وعقيدة المسلمين وعبادتهم وحسن معاملتهم.
وتمنح للأسرى حرية الدين والعبادة والتعلم، وقد تمنح لهم حرية العمل والتملك إذا أذن لهم أولياؤهم بذلك، أو كاتبوهم لتحرير أنفسهم بما يكسبون من مال.
وقد وضع الإسلام هذا الحل بين يدي القيادة الإسلامية، فلها أن تختاره إذا وجدت فيه مصلحة وخيراً للإسلام والمسلمين، ومصلحة للأسرى نفسهم.
وقد ألح الإسلام مع ذلك على تحرير الأسرى، وأوجب في كثير من الحالات تحرير من آمن منهم وصلح واستقام.
ويظهر أن الإسلام في هذا قد اختار أن يضع الأسرى موضع تكريم في
стр. 552
مجالات تربوية راقية، تزيل ما في قلوبهم من غل وحقد على الإسلام والمسلمين، وتحببهم بهذه الرسالة الربانية، حتى يدخلوا فيها. فإذا آمنوا وصلحوا واستقاموا توجه نداء الإسلام لأوليائهم: أن أعطوهم داخل المجتمع الإسلامي حرياتهم السياسية والمدنية، التي كانت محتجزة عنهم لصالح الأمن العام، وهذا لون من ألوان منح الجنسية التي يكونون فهيا مواطنين أحراراً داخل بلاد المسلمين.
وبهذا التدبير يجعل الإسلام المسلمين كلهم حكومة قائمة، فهم يمنحون الجنسيات لمن يرون فيهم صلاحاً من الذين كانوا بالأمس محاربين ووقعوا تحت الأسر.
ولم يفرض الإسلام تحرير كل من تظاهر بالإسلام من الأسرى، خشية أن يتخذ الأسرى ذلك ذريعة لكسب حريتهم، وانطلاقهم داخل المجتمع الإسلامي أحراراً يدبرون المؤامرات على المسلمين، وهم في مأمن من الرقابة.
وقد أحاط الإسلام هذا الحل بتربية إسلامية واسعة، توجب على المسلمين أن يحسنوا معاملة الأسرى، وأن يجعلوهم كأفراد أسرهم، وأن لا يضربوهم، ولا يهينوهم، ولا يعذبوهم، ولا يشتموهم، ولا يكلفوهم من الأعمال ما يغلبهم، وتوجب على المسلمين أن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون.
وبهذه التربية الإسلامية العظيمة صار كثير من الموالي الأسرى من كبار علماء المسلمين وفقهائهم، ومن كبار صلحائهم، واتسع الأمر بعد ذلك فكان المماليك هم قادة الحكم في بعض عصور التاريخ الإسلامي، وكان من خلفاء المسلمين من أمهاتهم كن أسيرات.
فهل في هذا الحل الإسلامي إلا التكريم البالغ للأسرى من الأعداء المحاربين، وتخفيف حدود سلب حريتهم إلى المستوى الذي تقضي به ضرورة الأمن، مع منحهم حرياتهم الأخرى؟
وهل تفسح دولة من دول الأرض في العالم المتحضر الحديث مجالاً مثل هذا المجال لأسراها؟ أم تضعهم في سجون الإهانة والتعذيب والتقتير في
стр. 553
حاجات العيش والحرمان من ضرورات أخرى، مع تكليفهم ما يشق من الأعمال؟
لقد ظهر تشريع الإسلام هذا يوم كان الرق منتشراً في العالم، ويوم كان الأسرى يسامون كل خسف وتعذيب وتسخير في الأعمال الثقيلة الشاقة.
وهل عمل في بناء الآثار الخالدة لممالك القرون الأولى غيرهم، وسياط العذاب تلهب ظهورهم وبطونهم؟.
هـ- الوسائل التي اتخذها الإسلام لتحرير الأرقاء:
اتخذ الإسلام عدة وسائل لتحرير الأرقاء، ويلاحظ الباحثون فيها أنها كانت وسائل عملية لإلغاء نظام ملك اليمين بشكل فعلي تدريجي.
الوسيلة الأولى: المكاتبة، وتعني المكاتبة إعطاء محجوز الحرية بالأسر فرصة زمنية يعمل خلالها بشكل حر، إذ ترفع عنه فيها جميع القيود الاقتصادية التي كانت مفروضة عليه، ليشتري حرية نفسه بمال يتفق هو وسيده عليه، ويسعى في اكتسابه خلال هذه المدة، ونلاحظ أن الله ﵎ أمر المسلمين عامة بمساعدة المكاتبين، عن طريق الزكاة والصدقات الأخرى، ليتمكنوا من تسديد ما التزموا به.
وقد نص كثير من الفقهاء على أنه يجب على السيد مكاتبة عبده، إذا طلب ذلك منه، وراى فيه خيراً من صدق ووفاء وأمانة وأداء للحق، وإيمان صحيح، ودليلهم في ذلك من القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) :
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ....﴾
ففي هذه الآية أمر لأوليائهم بمكاتبتهم، وأمر لأوليائهم ولسائر المسلمين بإيتائهم من مال الله الذي آتاهم، مساعدة لهم على تسديد أقساطهم التي يتوقف عليها تحريرهم.
стр. 554
الوسيلة الثانية: جعل عتق الرقبة كفارة لطائفة من الجرائم والجنايات والأخطاء والأيمان، إذ نلاحظ في الشريعة الإسلامية أن عتق الرقبة كفارة لمن قتل مؤمناً خطأ، قال الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾
ونلاحظ أيضاً أن عتق الرقبة كفارة من ظاهر من زوجته، أي: حرمها على نفسه كحرمة أمه أو أخته أو غيرهما من محارمه، بأن حلف يمين الظهار منها، ثم أراد أن يعود لما قال بالنقض، فيرجع زوجته إلى حكمها الذي شرعه الله من الحل، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (المجادلة/٥٨ مصحف/١٠٥ نزول) :
﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
ونلاحظ أيضاً أن عتق الرقبة إحدى كفارات اليمين، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) :
﴿
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
الوسيلة الثالثة: الحض على عتق الرقاب ابتغاء مرضاة الله، قال الله تعالى في سورة (البلد/٩٠ مصحف/٣٥ نزول) :
стр. 555
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "أيما رجل أعتق امرأً مسلماً استنقذ الله تعالى بكل عضوٍ منه عضواً منه من النار".
الوسيلة الرابعة: تخصيص الإسلام قسماً من الزكاة لتحرير الرقاب، قال الله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١٣ نزول) :
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
الوسيلة الخامسة: حثُّ المسلمين على توجيه قسم من صدقاتهم العامة غير المفروضة لتحرير الرقاب، قال الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
الوسيلة السادسة: إنجاب الأمة من سيدها، إذ يكون ولدها سبباً في تحريرها بعد موت سيدها.
الوسيلة السابعة: سريان العتق إلى الكل متى عتق بعض الرقيق إذا كان معتقه موسراً، كأن يكون اثنان شريكين في عبد، فيعتق أحدهما حصته، وعندئذ يحكم الإسلام بأنه قد عتق كله، وتقوم قيمة سائره على من أعتقه، حرصاً على أن لا تتجزأ الحرية.
стр. 556
الوسيلة الثامنة: جعل عتق الرقيق كفارة ضربه مقدار حدٍ شرعي، أو كفارة إهانته باللطم. روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: "من ضرب غلاماً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه".
و الأمر بحسن رعاية الأسرى:
وقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الأسرى وتكريمهم، ونهى عن إهانتهم وتعذيبهم وشتمهم وتعييرهم نهياً شديداً، وشدد النكير على ما كانت تفعله الجاهلية من استخدام الإماء في البغاء للاستفادة من أجورهن، وبلغ الإسلام في حيث المسلمين على بذل ما يحتاج إليه الأسرى في حياتهم مبلغاً لم تصل إليه أكثر قوانين الدنيا وأنظمتها رحمة بالأسرى وتكريماً لإنسانيتهم، إذ أمر بتزويجهم، وجعل هذا الأمر مقترناً بالأمر بتزويج الأيامى من الأحرار، والأيامى هم غير المتزوجين من الرجال والنساء، قال الله تعالى في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) :
﴿
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
ويصف الله الأبرار فيجعل من صفاتهم أنهم يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، قال الله تعالى في سورة (الإنسان/٧٦ مصحف/٩٨ نزول) :
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾
وارتقى الإسلام إلى مستَوى التهذيب اللفظي الراقي في رعاية مشاعر العبيد والإماء، روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يقل أحدكم عبدي أمتي، ولكن فتاي وفتاتي وغلامي". وهذا الذي استعمله القرآن ليوجهنا لاستعمال اللفظ المهذب في الحديث عنهم، ففي معرض النهي عما
стр. 557
كانت تفعله الجاهلية من إكراه الإماء على البغاء، قال الله تعالى في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) :
﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
أي: غفور لهن رحيم بهن، لأنهن قد أكرهن على ذلك من قبل أسيادهن.
واستعمل القرآن عبارة الفتيات كناية عن الإماء، وعبارة الأهل كناية عن سادتهن في معرض الإذن للأحرار بأن يتزوجوا من الإماء، إذا لم يستطيعوا أن يتزوجوا من الحرائر، قال الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ....﴾
فقد اختار القرآن هاتين العبارتين المهذبتين تكريماً للإماء حتى في اللفظ.
ومن النصوص التي جاء الأمر فيها بالإحسان إلى الأرقاء قول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
وروى البخاري ومسلم عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله: "إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما
стр. 558
يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه".
وروى مسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن رسول الله قال: "من ضرب غلاماً لهحداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه".
وروى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: كنت أضرب غلاماً لي، فسمعت من خلفي صوتاً: "اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه" فالتفت فإذا هو رسول الله فقلت يا رسول الله: هو حر لوجه الله، فقال: "أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمسّتك النار".
وروى عن النبي أنه قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن أخصى عبده أخصيناه".
ويريد الرسول أن يؤدب بعض غلمانه فيخاف من القصاص، فيقول له وقد أغضبه: لولا خشية القصاص لأوجعتك ضرباً بهذا السواك.
ومع أن السواك عود صغير فإن الرسول لم يضرب غلامه به، إكراماً لإنسانيته وخوفاً من القصاص يوم القيامة.
وروى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله: "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران".
وهكذا بلغت تعاليم الإسلام إلى مجد لا تستطيع أية جهة معادية له أن تنال منه نيلاً، إلا تهماً وافتراءات ومغالطات، لا تلبث أن تكذبها الحقيقة، ويكشف زيفها الواقع المشرق.
* * *
стр. 559
الفصْل السّابع شُبهَاتٌ حَوْلَ حُقُوق المَرأةِ في الإسْلاَم
стр. 560
شُبهَاتٌ حَوْلَ حقوق المرأة في الإِسلام
وأطلق أعداء الإسلام شبهات متعددة حول حقوق المرأة في الإسلام، ومكانتها في المجتمع المسلم، ويكفينا لدفع شبهاتهم أن نقدم دراسة تحليلية لحقوق المرأة في الإسلام، ولمكانتها في المجتمع المسلم، مع مقارنة ذلك بما لدى مطلقي هذه الشبهات وغيرهم من الناس.
أ- تنوع الخصائص والاستعدادات الفطرية ومقتضياتها:
على الرغم من كل الزوابع المصطنعة، التي يجلب رياحها وموادها ويثيرها أعداء الإسلام، حول موضوع المرأة وحقوقها ومساواتها بالرجل مساواة تامة، يجد الباحثون عن أحوال المرأة في الإسلام صوراً رائعة من صور العدل والتكريم والإنصاف، فلم يحرمها الإسلام حقاً يقتضيه تكوينها الفطري، ولم يكلفها واجباً لا تطيقه، ولم يبعدها عن دائرة المسؤولية الشخصية والمسؤولية الاجتماعية، ولم يجعلها بمعزل عن التمتع بالحقوق المدنية التي تؤهلها لها استعداداتها الفطرية الذاتية، وظروفها الاجتماعية.
إلا أنه لما كان للمرأة طائفة من الخصائص الجسدية والنفسية، تخالف فيها من بعض الوجوه الخصائص الجسدية والنفسية الممنوحة للرجل بوجه عام، كان من كمال نظام الإسلام أن يلاحظ هذه الخصائص، ويقرر لها طائفة من الأحكام تناسبها، لأن التسوية في الأحكام من كل وجه مع الاختلاف في الخصائص نقص لا ترتضيه العقول السليمة، فضلاً عن أن تقبل به الشرائع الربانية الحكيمة.
стр. 561
ومن يلتزم هذه التسوية من كل الوجوه طرداً وعكساً، يجب عليه حينما يضع الأنظمة الوضعية، أن يقرر منح الرجل إجازة أبوة كما يقرر منح المرأة إجازة أمومة، وأن يلغي في التعليم مبدأ التخصص بحسب الاستعدادات الفطرية، ويجعل النساء والرجال جميعاً شركاء في الفنون النسوية وفي صناعات الحدادة والنجارة والأعمال الثقيلة الشاقة، وأن يحمل المرأة المسؤولية الكسب والنفقة كما يحمل الرجل، ويحمل الرجل مسؤولية إرضاع الأطفال وتدبير شؤونهم، وأن يهمل القوامة في الأسرة ويجعلها نزاعاً مستمراً بين الرجل والمرأة، أو يجعلها على التناوب اليومي أو الأسبوعي أو الشهري أو نحو ذلك من الأمور التي تضطرب فيها الحياة، ويفسد فيها نظام المجتمع الإنساني وجماله.
إن فكرة التسوية التامة في كل الأمور بين الرجل والمرأة، قد يروج لها مضلل يحاول أن يفسد أوضاعاً اجتماعية سليمة، ولكن لا يطيقها على نفسه أو أمته إنسان عاقل يفهم الخير، ويريده لنفسه ولأمته.
والحكمة الراقية لا بد فيها من ملاحظة بعض الفروض التنظيمية، المناسبة للفروق التكيوينية بين كل من صنفي الرجال والنساء، وهذا ما سلكه الإسلام.
وأخذاً بهذا الأساس السليم، يرى التربويون من الخطأ البالغ إلزام الطالب بنوع من الدراسة، في حين أنه لا تتوافر لديه الأهلية الكافية ليكون بارعاً فيها، بينما لديه استعداد مناسب لدراسة من نوع آخر يمكن أن يكون فيها بارعاً لو حول جهده إليها.
ونظرتهم هذه تستند إلى الحرص على تحقيق الإنتاج الأفضل الذي تستغل فيه الخصائص أحسن استغلال، بالموازنة الدقيقة بين الاستعدادات والأهداف المرجوة، فليس من الحكمة أن يكلف من لديه استعداد عال للحفظيات، أن يكون عالماً بارعاً بالحساب والهندسة والجبر والرياضيات العالية التي ليس لديه ميل إليها، ولا استعداد ليكون بارعاً فيها.
وأخذاً بهذا الأساس أيضاً، اتجه الباحثون الزراعيون إلى دراسة أنواع الأتربة الموزعة في الأرض، وإرشاد المزارعين في كل منها إلى أنواع الزراعات
стр. 562
التي يكون نجاحها فيها أكثر من نجاح أنواع أخرى، ابتغاء تحقيق الإنتاج الأفضل، وساتثمار الأرض أحسن استثمار، وقد انتهى الدور الذي كانت تزرع فيه كل أنواع الزراعات في أي نوع من أنواع التربة.
فما بال دعاة التسوية التامة بين الرجل والمرأة يحاولون أن يرجعوا بالناس إلى الوراء، فيدفعوا كلاً من الرجل والمرأة إلى المشاركة في كل مهمة من مهمات الحياة، سواء أكانت مناسبة للتكوين الفطري أو غير مناسبة، وسواء أكانت ملائمة لخصائص الصنف أو لم تكن ملائمة له؟!
إنهم يحاولون بهذا أن يخلطوا المجتمع الإنساني خلطاً تضيع فيه الحكمة، وتحرم فيه الخصائص من تلبية مطالبها الفطرية، وتصبح الحياة معه مكفهرة كالحة، إذ تصاب النفوس من جراء ذلك بالتذمر، والسأم، والكراهية، والظمأ الروحي والنفسي إلى نفحات السعادة التي لا تمر في أجواء مشحونة بالنفور والإحساس بعدم الملاءمة.
هؤلاء هم الرجعيون حقاً، الذين ينادون بالرجعة الفكرية والنفسية والروحية، الفردية والاجتماعية، إلى المنحدرات من دون القمم.
ب-الإسلام ينقذ المرأة من مفاهيم الناس وظلمهم لها:
إنهم لا يريدون الخير للمرأة، ثم يظلمون الإسلا حين يشككون به، ويحرضون المرأة على التحرر من أنظمته، طلباً لوضع أفضل لها من الوضع الذي كرّمها الإسلام به.
ألا فليعلم النساء أن المرأة كانت محل جد بين العلماء، وبين الفلاسفة، وبين أصحاب الملل والنحل، حول مسائل تتعلق بها، إذ تدور بحوثهم حول ما يلي:
١- هل للمرأة روح أو ليس لها روح؟
٢- إذا كانت لها روح فهل هي روح إنسانية أو روح حيوانية؟
٣- وعلى ارتفاض أنها ذات روح إنسانية، هل وضعها الاجتماعي والإنساني بالنسبة إلى الرجل كوضع الرقيق، أو شيء آخر أرفع قليلاً من الرقيق؟
стр. 563
٤- ثم هل هي ذات روح خبيثة شيطانية خلقت للإفساد والإغواء أو ماذا؟
وحينما كانت المرأة محل جدال حول هذه المسائل المتعلقة بها كان الإسلام ينادي بأن النساء شقائق الرجال، وأن الأصل التكويني للرجال والنساء واحد، فالإنسان بدأ وجوده منذ خلق الله آدم، ومن آدم خلق الله الشطر الثاني للإنسان فاجتمع منهما زوجان، ثم بث الله منهما عن طريق التناسل المتتابع إلى أن تقوم الساعة ذكراناً وإناثاً، في سلسلة متكاثرة، وفق مشيئة الله وحكمته، وسنته التي أراد أن يخلق عن طريقها الأحياء في هذه الأرض جيلاً بعد جيل.
ومن لطيف إشارات الله في قرآنه أنه بدأ سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) بقوله تعالى:
﴿
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً....﴾ .
أفلسنا نلاحظ أن الله يعلن أن الأصل التكويني للناس ذكوراً كانوا أو إناثاً هو أصل واحدة، وهي التي خلق منها زوجها، ولا يؤثر في وحدة النفس أن أحد الصنفين يمتاز ببعض الخصائص التي تتلاءم ومهماته ووظائفه في الحياة، وأن الصنف الآخر يمتاز ببعض خصائص أخرى تتلاءم ومهماته ووظائفه، ليتكامل الشطران في تأدية وظائف النفس الإنسانية في هذه الحياة الدنيا.
إن إعلان الإسلام لهذه الحقيقة - في الوقت الذي لم تكن المرأة فيه إلا مخلوقاً للمتعة أو الخدمة عند مختلف أمم الأرض، باستثناء حالات نادرة لا تعطي صورة قاعدة ثابتة - لهو كافٍ في إثبات أن الإسلام شريعة ربانية، تحكم بالعدل.
بخلاف الأنظمة الإنسانية، التي ينحاو فيها واضعوها ذات اليمين أو ذات الشمال وفق أهوائهم، ليمنحوا أنفسهم والنصف الذي هم بعض أفراده من الميزات والخصائص ما يجعلهم سادة وآلهة، ويجعل الصنف الآخر بين أيديهم محكوماً حكم الرقيق المهان.
стр. 564
وقد كرر القرآن الإعلان عن هذه الحقيقة في مناسبات متعددة، منها قول الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ .
فالنفس الواحدة التي كان منها الإنشاء هي نفس آدم، ثم تسلسل الإنشاء ما بين مستقر ومستودع، فظهور الآباء مستقر الذريات، وأرحام الأمهات مستودعها، ولا يتبصر بدقائق هذا التكوين الرباني إلا قوم يفقهون، أي: يتعمقون بالبحث عن المعرفة الدالة على عظيم حكمة الله وقدرته.
ومنها قول الله تعالى في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا....﴾ .
فأضاف في هذه الآية معنى السكن الدال على أنه بحكمته قد جعل في المرأة من الخصائص ما يحببها لنفس الرجل حتى يسكن إليها.
ألا فلتطمئن النساء إلى التكريم العظيم الذي كرمهن به الإسلام، إذ أعلن بصريح نصوصه أنهن مع الرجال من نفس واحدة، فالعنصر التكويني لكل منهما واحد، إلا أن الرجال تفردوا ببعض خصائص تناسب المهمات والوظائف المهيئين للقيام بها، وأن النساء تفردن ببعض الخصائص التي تناسب المهمات والوظائف المهيئات للقيام بها، وكمال كل من الصنفين يكون باستيفائه لخصائص صنفه، فلا يكمل الرجل ما لم لم تكمل ذكورته، ولا تكمل المرأة ما لم تكمل أنوثتها، وأخذ كل منهما من خصائص الآخر نقص مشين له، ما لم يتحول نهائياً إلى الصنف الآخر.
والذين يريدون من المرأة أن تنافس الرجل في خصائصه إنما يدفعونها إلى أقبح حالات النقص التي تعتري بعض النساء، ومحرضو المرأة حتى تتجاوز واقعها التكويني، ومهماته التي اصطفاها لها الإسلام بحسب خصائصها، إنما يريدون منها أن تركع لأهوائهم وأنانياتهم، وتقع في الفخاخ التي نصبتها لصيد
стр. 565
النساء عوامل شح نفوسهم التي تجعلهم يكزون عن كفالة المرأة ورعايتها والنفقة عليها، ويتذمرون من الإسلام، لأنه كرم المرأة وصانها، واختار أن يخفف عنها أعباء الكسب، لتتفرغ لأعباء تهيئة الحياة السعيدة في منزلها، دون أن يمنعها منه إذا اختارته هي لنفسها.
ويتغنى بعض أعداء الإسلام بالجاهلية العربية، وهم يلمزون في الوقت نفسه أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمرأة، زاعمين أن الإسلام انتقصها من حقها بعض ما يريدون دفع المرأة المسلمة إليه، ليفسدوها ويفسدوا المجتمعات الإسلامية بها، مع أن الإسلا حينما جاء قلب المفاهيم السائدة في المجتمعات العربية المتعلقة بالمرأة قلباً جذرياً، نشأ عنه تحول عجيب لصالح مجد المرأة وكرامتها، وعلمها، وجوانب إنسانيتها المختلفة.
أما واقع المرأة في الجاهلية فقد كان في معظم أحواله واقعاً يرثى له بحق، إذ كانت عرضة للتسخير والإهانة والحرمان من جهة، ومحلاً لمتعة الرجل مع إحقار وازدراء لها من جهة أخرى.
ولم يكن حالها في كثير من أمم الأرض وشعوبها بأحسن من حاله عند أهل الجاهلية من العرب.
فبين الخوف من عار سبيها والأنفة من تزويجها في غيرة سخيفة منتنة، والفرار من أعباء النفقة عليها، كانت الإناث في المجتمع العربي الجاهلي قد يتعرضن للقتل الشنيع عن طريق الوأد أو غيره، وذلك من قبل أوليائهن آبائهن أو إخانهن أو غيرهم، دون أ، يجدن من ينصرهن فيما يتعرضن له من ظلم شنيع، وعدوان على حقهن في الحياة فظيع.
وهذا ما جعل معظم العرب الجاهليين يكرهون الإناث من مواليدهم كراهية شديدة، فإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً من شدة ألمه، كاظماً غيظه لأنه لا يجد من ينتقم منه، يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به، حتى لا تتوجه إليه نظرات الشامتين به من قومه، أو المشفقين عليه.
وكانوا بين رجلين: رجلٍ تأخذه الشفقة فيبقي الأنثى التي ولدت له،
следующие страницы →