Полный текст (750 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الفصْل الأوّل شُبهَاتٌ حَوْلَ المثَاليّةِ وَالمادّيَّةِ في الإسْلاَم
стр. 492
شُبهَاتٌ حَوْلَ المثَاليّةِ والوَاقعيَّة في الإسلام
من الشبهات التي يثيرها الأعداء الغزاة والسائرون في أفلاكهم، شبهتان متناقضتان:
الشبهة الأولى: اتهام الإسلام بأن دعوته إلى فعل الخير والتحلي بالفضائل تعتمد على الترغيب بالثواب الماديّ المعجل أو المؤجل، ويزعمون - على سبيل التضليل - أن المثالية في فعل الخير والتحلي بالفضائل تقضي بأن يسعى الإنسان إلى تحقيق الخير لمجرد أنه خير، لا يترتب على فعله من ثواب وأجر يعود على الفاعل.
إنهم يثيرون هذا على سبيل الخداع الجدلي، الذي لا مضمون له في واقع فلسفتهم المرتكزة على أسس مادية بحتة، ولهم في هذا التضليل غرضان:
الغرض الأول: صرف أبناء المسلمين عن جوّ المؤثرات الترغيبية والترهيبية المشحونة بها نصوص الشريعة الإسلامية، لأنها من أفعل وسائل الإصلاح والتقويم للنفس البشرية، التي تنزع فيها الغرائز والأهواء والشهوات إلى الإثم والظلم، ولا تقبض عليها المثاليّات النظرية إلا قبضاً يسيراً.
الغرض الثاني: التمويه على الصغار من أبناء المسلمين الذين لم يخبروا الحياة بعد، ولم يكتشفوا صور الخصائص النفسية للإيمان، ليجذبوهم بذلك إلى صفوفهم وليخدعوهم بمثاليات جوفاء، حتى يقدموا أنفسهم ضحايا مجانية، وهم يجهلون أنهم يحقّقون بتضحياتهم للقادة المضلين غايتهم الموغلة في الماديّة،
стр. 493
التي لا تعترف بشيء من المثاليّات.
إنَّ الغزاة المضلين يستخدمون كل ذكائهم، ليقدّموا صغارنا أحداث الأحلام وقوداً في مطبخ السلاح الذي يعدّ, نه للتسلّط على الشعوب الإسلامية، والتحكّم بمصائرها، والانتفاع بخيراتها، في مادية مغرقة، ليس لها غاية إلا إشباع الغرائز الجسدية والنفسية، وتلبية الشهوة العارمة إلى استعباد الناس.
والمتأمل في أسس الإسلام ومبادئه وأحكامه وشرائعه ووسائل تربيته للناس وتوجيههم لفعل الخير وترك الشر، والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، يلاحظ عناصر ثلاثة:
العنصر الأول: الدعوة المثالية، والدفع إلى نشدان الكمال المطلق.
العنصر الثاني: التطبيقات الواقعية الملائمة للواقع الإنساني.
العنصر الثالث: الوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية.
وهذا أفضل ما يمكن تصوره في فلسفة ما لهذا الكائن الإنساني، المزوَّد بالعقل المتطلع إلى المثاليات والباحث عنها، والمزوّد بطاقات ماديّة ومعنوية تقف به عند حدودٍ لا يستطيع تجاوزها ولا الزيادة عليها، والمزوّد بغرائز وشهوات تنبح في داخله بإلحاح لتحقيق مطالبها.
وأية فلسفة تحاول إصلاح هذا الكائن المركب من هذه العناصر الثلاثة على أساس تلبية واحد منها فقط، أو اثنين، وإهمال سائرها، فإنها فلسفة محكومة عليها بالفشل الذريع، وستضع الإنسانية في طريق الانحدار المهلك، بدل أن تأخذ بها صاعدة في سلم الكمال الإنساني.
ضمن هذه الفلسفة الإسلامية العظيمة، القائمة على العناصر الثلاثة المذكورة، تدور مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها ووسائل إصلاحها للناس وتهذيبها لأخلاقهم وتقويمها لأنواع سلوكهم في الحياة.
وضمن هذه الفلسفة الراقية استطاع الإسلام أن يقبض على نواصي شعوب مختلفة اللغات، وقوميات متباينة الاتجاهات، عبر أجيال وقرون، واستطاع أن يسير بها متآخية متوادة في طريق السعادة الإنسانية، وأن يدفع بها
стр. 494
إلى الصعود المتتابع في سلم الحضارة المثلى.
فإذا سأل الناس عن الخير الأمثل في واقع تطبيقي وجدوه في مجتمع المسلمين - يوم كان الإسلام حاكماً عليهم، والقرآن متمثلاً في أخلاقهم وأعمالهم- وإذا سألوا عن الفضيلة وجدوها عندهم، وإذا بحثوا عن الحق والعدل، وجدوهما في دينهم وشرائعهم وأقضيتهم، وإذا فتشوا عن القوة المتماسكة المتراصة، وجدوها في صفوفهم.
وهذا ما أذهل أعداء الإسلام الذين أعمتهم عصبياتهم الدينية والقومية، وأثار حقدهم وحسدهم، ولذلك أخذوا في تهديم الأسس التي كان بها للمسلمين ذلك المجد التليد.
وأعداء الإسلام يخشون أن يعود المسلمون إلى الاستمساك بالأسس الإسلامية الصحيحة، فيعود لهم مجدهم السليب.
وكل مثالية يدعيها أعداء الإسلام إنما هي مثالية مزورة، غايتهم منها التضليل والخداع، ولو كانت لهم مثاليات حقيقة صادقة قابلة للتطبيق الإنساني لرأى الناس أثرها في السلم أو في الحرب، ولكنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يسجلوا في تاريخهم الطويل إلا صور المادية المفرطة، المرتبطة بالأنانيات الفردية، أو العنصرية، أو العصبية المذهبية.
بخلاف الفلسفة الإسلامية العظيمة القائمة على الدعوة المثالية والدفع إلى نشدان الكمال المطلق، والتطبيقات الواقعية الملائمة للواقع الإنساني، والوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية، فإنها هي الفلسفة الوحيدة في العالم التي أثبتت التجربة الإنسانية كمالها وأهليتها للخلود، خلال قرون حافلة بكل المشكلات والعقبات التي تتعرض إليها الأمم، منذ أيام نشأتها وبنائها، حتى أيام قوتها وشدتها، ثم إلى أيام شيخوختها وهرمها، بيد أن هذه الفلسفة الإسلامية كفيلة - لو استمر المسلمون ملتزمين بها - أن تمنحهم الشباب الدائم المتجدد فيهم مع تجدد أجيالهم.
وذلك لأن عنصر الدعوة المثالية ونشدان الكمال المطلق يشبع في الإنسان
стр. 495
نوازعه العقلية والوجدانية المتطلقة باستمرار إلى المثاليات، وأن عنصر التطبيقات الواقعية الملائمة للواقع الإنساني يعالج ارتقاء الإنسان إلى الكمال ضمن إمكاناته واستطاعته الواقعية، أما عناصر الوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية فهو يداوي ويداري غرائز الإنسان ودوافعه النفسية وشهواته وأهواءه التي هي جزء من كيانه في الحياة، فلا يصح بحال من الأحوال طرحها أو إهمالها.
إن هذه الفلسفة العظيمة في دعوتها المثالية تحرر الإنسان من عشق المادة وعبادتها، وتربطها بمثالية عبادة الله وحده لا شريك له، وفي هذا غاية الدفع المثالي، لأن نقل غاية الأعمال الإنسانية من أهدافها المادية، إلى ابتغاء مرضاة الله الخالق الرازق الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، وله وحده الألوهية، وهو وحده الذي يجازئ على الخير خيراً وعلى الشر شراً، هو غاية المثالية، فالله تعالى هو مثالية الوجود، وهو واضع مفاهيم الخير والشر في الحياة، وخالق موازين الإحساس بها في ضمائر الناس، فابتغاء مرضاته لا بد أن تكون هي مثالية الغايات.
وأما في تطبيقاتها الواقعية، فإنها حينما تكلف الإنسان السعي إلى كماله الإنساني لا تتجاوز حدود طاقاته الجسدية أو الفكرية، كما أنها تعطي غرائزه وشهواته ومطالبه النفسية من الدنيا بالمقدار الذي يصلح ولا يفسد، وفي هذا غاية التكميل والتهذيب الواقعي، الذي يشرئبّ إلى المثاليات في جانب الفكر والضمير، ويسير مع أحسن صور الواقع في جانب ال غرائز والدوافع الجسدية والنفسية.
وأما في وسائلها المنسجمة مع الخصائص الإنسانية، فإنها قائمة بعد الإقناع الفكري والوجداني على وسيلتي الترغيب والترهيب، فهي تطمئنه عن سلامة اتجاهه لاكتساب سعادته في الحياة الدنيا، إذا هو تقيد بتعاليم الإسلام، وتَعِدُه وعد حق وصدق بالسعادة الأخروية العظمى الشاملة للسعادة الروحية المثالية، والسعادة الجسدية والنفسية التي هي وسيلة مادية للنعيم الروحي وتحجزه أيضاً عن المضرات والمهلكات الدنيوية بالوسائل الدنيوية الرادعة،
стр. 496
وتحذره تحذير حق وصدق من الشقاء الأخروي الشامل للشقاء الروحي في الجانب المثالي، وللشقاء الجسدي الذي هو وسيلة مادية للعذاب الروحي، وهذه هي أفضل الأسس لوسائل الإصلاح المنسجمة مع الخصائص الإنسانية.
الشبهة الثانية: اتهام الإسلام بأنه مثالي بعيد عن الواقعية الإنسانية، وظاهر أن هذه الشبهة مناقشة في مضمونها للشبهة الأولى.
ففي مجموعات الشبان المثقفين بالثقافات المادية المعاصرة من أبناء المسلمين الذين يهزهم الوجدان الديني أحياناً، يندس أعداء الإسلام أو أجراؤهم والسائرون في أفلاكهم، فينفثون بينهم سمومهم ضد نظم الإسلام وأحكامه وواقعيتها، فيقولون للتشكيك بالإسلام والتنفير منه:
إن الإسلام تعاليم وأنظمة مثالية غير ممكنة التطبيق، وإن حياة الإنسان الواقعية تستدعي أنظمة وتعاليم واقعية ممكنة التطبيق.
ثم يبنون على هذه المقدمة الكاذبة فيقولون:
وبما أن الإسلام شيء مثالي غير واقعي فإنه غير صالح لأن يكون دستور حياة الناس، وما على الأجيال المسلمة إلا أن تسعى وراء أنظمة وضعية واقعية، مستفادة من التجارب والاختبارات الإنسانية.
هذا ما يقولون، ومن هذا المدخل القائم على المغالطة والكذب يحيكون نسيجاً إقناعياً، يضللون به فريقاً من أبناء المسلمين، ومما يساعد على تمكن هذا النسيج الإقناعي في نفوس هؤلاء انعدام الصورة التطبيقية الكاملة لنظم الإسلام في مجتمعات المسلمين اليوم.
وفي كشف موجز للتضليل الذي اشتملت عليه هذه الشبهة، نلفت النظر إلى أن من الأمور البدهية في الشريعة الإسلامية، أن الإسلام مثالي الغاية واقعي التطبيق، فهو لدى توجيه المسلمين إلى تحديد الأهداف والغايات من صور سلوكهم في الحياة يسمو بهم إلى الغايات المثالية، التي ترتقي بالوجدان الإنساني إلى كماله، دون أن يؤثر هذا الارتقاء الوجداني أي تأثير معوق في
стр. 497
السلوك الواقعي المهذب، الذي يحقق الكمال الإنساني في صورته الممكنة، المنسجمة مع متطلبات الواقع انسجاماً تاماً، وحينما يرغب الإسلام بالمثاليات التطبيقية فإنه يجعلها مجالاً لتسابق المجدين المتطلعين إلى الكمال التطبيقي، ولا يجعلها أمراً إلزامياً واجباً.
إن دراسة أحكام الشريعة الإسلامية ووصاياها تكشف لكل باحث، أن المثالية في الإسلام حينما تكون أمراً واجباً فإنها تكون مثالية وواقعيّة معاً، إذ تكون مثالية ميسورة التطبيق، وهذه المثالية الواجبة منحصرة في العقائد والغايات والأهداف، ومعلوم أن المثالية في هذه الأمور لا تتعارض مع الواقعية بحال من الأحوال، لأنها ممكنة التطبيق، فليس من العسير على الإنسان أن يعتقد العقيدة المثالية، وليس من العسير أن يجعل غايته من أعماله العبادية أو غيرها غاية مثالية.
وحينما تكون المثالية أمراً غير واجب، فهي مثالية موضوعة في مدى نظر الإنسان الأعلى، حتى تكون مغرية له بالتطلع المستمر إلى الأحسن والأفضل والأنفع والأكمل من صور العمل واحتمالاته، وليس من الصعب على الإنسان أن يجعل الكمال المثالي في كلّ أمرٍ من أموره مطلباً أسمى ينشده ويسعى إليه قدر استطاعته دون أن يكون ملزماً به لدى التطبيق العملي.
أما الواقعية في التطبيق العملي فتظهر لكل دارس لأحكام الشريعة الإسلامية، والإسلام في تطبيقاته العملية ملتزم جانب الواقعية أروع التزام، ولعله أكثر تسامحاً من أي نظام في العالم معتمدٍ على الأسس الواقعية فيما يأمر به أو ينهي عنه.
وطبيعي أنه ليس من الواقعية في شيء أن يترك المجرمون والشاذون في الأرض يعيثون فساداً وخراباً، وينشرون الآلام الكثيرة، مجاراة لواقعيتهم المنحرفة وإن أي تفكير يحاول أن يبرر الجرائم وأنواع الشذوذ المفسدة في الأرض ضمن إطار الفلسفة الواقعية، إنما هو تفكير شياطين المجرمين المفسدين في الأرض، الذين لا يريدون إصلاحاً، ولا ينشدون كمالاً، ولكنهم يريدون أن
стр. 498
يخرجوا بني آدم من جنة الحق والخير والفضيلة ونشدان الكمال، وأن يقذفوا بهم في جحيم الباطل والشر والرذيلة وحضيض النقص، وأن يوقعوهم في سخط الله.
وإن الذين يدعون الواقعيات في أنظمتهم لا يستطيعون أن يقيموها في دولهم إلا بسلطان الحكم الصارم، فلو أنها واقعيات كما يحاولون أن يصوروا معنى الواقعية لما احتاجت إقامتها إلى سلطان الحكم الصارم، الذي يعتمد على أسلوب واحد من أساليب التربية، وهو أسلوب الإرهاب والإلزام القهري.
أما الإسلام فيعتمد على أساليب الإقناع الفكري أولاً، ثم على وسائل التربية العملية المختلفة، ومنها وسائل الترغيب، ثم على وسائل الترهيب والتحذير والعقوبات المادية، وهذه هي الوسائل الواقعية التي يتمّ بها تقويم أكبر نسبة ممكنة من الناس.
* * *
стр. 499
الفصْل الثاني شُبهَاتٌ حَوْلَ الرُّوحيَّة وَالمادّيَّةِ في الإسْلاَم
стр. 500
شُبهَاتٌ حَوْلَ الروحية والماديَّة في الإِسلام
فريق من الأعداء الغزاة يتهمون الإسلام بأنه دعوة روحية بعيدة عن تلبية مطالب الحياة المادية، فهو لا يناسب الواقعية الوجودية، وفي مقدمة هذا الفريق مَنْ يطلق عليهم "المادّيون الوجوديون".
وفريق آخر يتهمون الإسلام بأنه مادي مفرط في المادية، بعيد عن السمو الروحي الذي ينبغي أن يرقى إليه الإنسان، وفي مقدمة هذا الفريق الثاني المبشرون وأنصارهم.
والإسلام في حقيقة نظامه وتشريعاته وأحكامه بريء مما يقوله عنه هؤلاء، وما يقوله عنه أولئك.
إن الإسلام متكامل الجوانب الفكرية والنفسية والروحية والمادية، كالإنسان، فكما أن الإنسان مؤلف من روح وعقل ونفس وجسد، فالإسلام ذو جوانب تعطي كل عنصر من هذه العناصر حقه، وبذلك يتم التطابق المثالي بين عناصر هذا الدين التي يكمل بعضها بعضاً وبين عناصر هذا الكائن الإنساني، التي جعلت منه مخلوقاً في أحسن تقويم، وهو ما وصفه الله به في قوله تعالى في سورة "التين/٩٥ مصحف/٢٨ نزول":
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
ولما كان الإنسان في أحسن تقويم أنزل الله له ديناً قيماً ليلائم واقعه أفضل ملاءمة، وأودع الله في فطرة الإنسان موازين عقلية ووجدانية يدرك بها
стр. 501
ملاءمة هذا الدين له، وفي الدلالة على ذلك قال الله تعالى في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) :
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
وقال سبحانه في سورة (البينة/٩٨ مصحف/١٠٠ نزول) :
﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾
والتطابق العجيب بين عناصر الإسلام وعناصر الإنسان، الذي يبدو الإسلام فيه مفصّلاً تفصيلاً رائعاً على مقدار خصائص الإنسان الفكرية والروحية والنفسية والجسدية، هو الذي جعل من الإسلام صورة فذة في الوجود، وهو الدليل المادي المستمر الذي يدل على أن الإسلام شريعة ربانية منزلة من عند الله.
لأنّ مثل هذه الصورة الرائعة التفصيل، المحكمة التقويم، على مقدار خصائص الإنسان وحاجاته الدنيوية والأخروية، العاجلة والآجلة، والمسايرة للعصور التي يمر بها في أطوار حياته على هذه الأرض، لا يمكن أن تكون من وضع الناس.
ذلك لأن براهين العقل وتجارب الحياة تثبت أن النظم الوضعيّة الإنسانية مهما ارتقت فإنها لن تصيب الحكمة الشاملة لمختلف جوانب مصالح الناس، وما يسعدهم في دنياهم وأخراهم، ولئن أصابت في جانب منها فإنها لن تصيب في كلّ الجوانب، بل لا بد أن يظهر نقصها أو فسادها في جوانب كثيرة، متى وضعت موضع التجربة، ومرت عليها الأعصر المختلفة.
وكون الإسلام صورة حية مطابقة للحكمة الشاملة في كلّ زمان ومكان شاهدٌ عدلٌ على أنه شريعة من عند الله الذي خلق الأنفس كلها، وخلق فيها خصائصها وغرائزها وحاجاتها ومطالب حياتها، فهو يعلم ما يناسبها، قال الله تعالى في سورة (الملك/٦٧ مصحف/٧٧) :
﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
стр. 502
وإذا كان الإسلام كذلك، وقد جمع بين المثالية والواقعية في أروع صورة ممكنة التطبيق، وكفل للناس سعادة دنياهم وأخراهم، فخليق به أن يبيح للناس أن يأخذوا نصيبهم من زينة الحياة الدنيا ومتعها، بلا إسراف ولا إجحاف، ولا طغيان ولا عدوان على حقوق الناس ولا تجاوز لحدود الله في أوامره ونواهيه، وخليق به أن يلزم الناس بأداء ما فرض الله عليهم من فروض، وما أوجب عليهم من واجبات تتعلق بما وهبهم في هذه الحياة الدنيا من قدرات فكرية ونفسية وقولية وجسدية، وبما وهبهم من مال أو سلطان أو جاه أو رعاية، وأن يترك لهم بين هذا وذاك مجالاً واسعاً للتنافس في الخيرات، والتسابق إلى ابتغاء مرضاة الله، في كدح واجتهاد ومجاهدة للنفس على ما يرضيه .
في وهذا الميدان الواسع المعد للتسابق والتنافس الشريفين يقف رقباء التسجيل، وفي نهاية حلبة السباق يقدم الحكم العدل جوائز المتسابقين كل بحسب استحقاقه.
وحينما خلق الله الغرائز في الناس لم يشأ أن يحرمها من تلبية مطالبها الفطرية، ضمن حدود ضواط المصلحة والحكمة وابتلاء الإرادة. ولكن شاء أن يضعها على مائدة الحياة الدنيا، وأذن لها أن تأخذ نصيبها الذي ينفعها ولا يضرها، ولم يأذن لها أن تمتد مطامعها إلى أنصبة الآخرين الذين هم شركاء معها في هذه المائدة، وحرم عليها أشياء قليلة ضمن مباحات كثيرة، دون أن ترتبط بهذه الأشياء التي حرمها عليها مطالب فطرية ملحة، بعد أن يسر في مائدته الواسعة شتى المجالات المباحة، الكفيلة بتلبية مطالب هذه الغرائز.
وضمن هذا الجو السعيد - الذي لا كدح فيه يزيد على كدح أي إنسان يحاول أن يتمرد على شريعة الله وأحكامه - تمت ظروف ابتلاء الإرادة التي يجتازها المؤمنون المتقون بنجاح.
الزينة:
ومن بديع حكمة الله في خلقه أنه ألبس مطالب الحياة أثواب مطالب الشهوات، لتكون هذه الشهوات بمثابة المحرّض الذاتي على تناول حاجات
стр. 503
الجسد، التي تمده بالبقاء إلى أمده المقدّر له، أو على ممارسة الغرائز التي تمد النوع بالتكاثر والبقاء، إلى الأمد المقدر لبقاء النوع، أو لبقاء الحياة على هذه الأرض، أو على السعي لتحقيق حاجات نفسية ترتبط بها مصلحة من المصالح الإنسانية الفردية أو الجماعية.
ومجالات مطالب الحياة الجسدية أو النفسية أو الفكرية تعرض للإنسان زينتها، لتجذبه إليها، وتحببه بها، وبذلك يتم بينها وبين مطالب الحياة علاقة التجاذب.
فحينما تعرض الوردة مثلاً زينتها التي تتمثل بألوانها الزاهية، وعرفها الشهيّ الطيب، وملمسها المخملي، فإنها تقول بلسان حالها للعين الذواقة: هنا يستوقف النظر. وتقول للشم المرهف: من هنا يسنتشق العبير. وتقول للشفاه الناعمة: هنا يحلو المقام. ولولا أن هذه الحواس تلائمها هذه الخصائص ما انجذبت إليها، ولاهفت نحوها، ولا رأت فيها شيئاً من الزينة.
ولقد أبدع القرآن أيما إبداع، إذ اختار لفظة الزينة للتعبير عن الخصائص التي أودعها الله في الأشياء، ليكون فيها ملاءمة وجذب للغرائز والطبائع التي فطر الله الأنفس عليها، وتلك نعمة كريمة من نعم الله في الحياة، ولو أن حاجات الحياة مرتبطة بأشياء لا زينة فيها، فلا ملاءمة بينها وبين شهوات الأنفس وغرائزها وطبائعها، لكان السعي لاستمرار الحياة مشكلة قد تستعصي على الحل.
ولست أدري ماذا سيحدث لو كان الطعام مكروها في الأنفس غير مشتهى، مثل الدواء المر الكريه، ولو كان الشراب مما تعافه الأنفس كالنفط، وكانت بقية حاجات الحياة على هذا الشكل؟
إنه من غير شك سيختار معظم الأحياء الفناء على البقاء، فسبحان من زين لنا حاجات أجسادنا وحاجات أنفسنا حتى نسعى إلى طلبها سعياً ذاتياً.
أقسام الزينة
واستنباطاً من النصوص القرآنية، ومن ملاحظة الأشياء والأعمال المزينة
стр. 504
للناس، نستطيع أن نقسّم الزينة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الزينة الربّانية.
القسم الثاني: الزينة الشيطانية.
القسم الثالث: الزينة الحيادية، التي يمكن أن تستخدم في الخير وطاعة الله ، ويمكن أن تستخدم في الشر ومعصية الله . فإن استخدمت في الخير وطاعة الله ألحقناها بالقسم الأول، فكانت من قبيل الزينة الربّانية. وإن استخدمت في الشر ومعصية الله تعالى ألحقناها بالقسم الثاني، فكانت من قبيل الزينة الشيطانية.
١- فمن أمثلة القسم الأول (الزينة الربّانية) تزيين الإيمان، وإرادة الخير، وفضائل الأخلاق، والعمل الصالح، في قلوب المؤمنين.
ومن هذا القسم ما جاء في قول الله تعالى خطاباً للمؤمنين أصحاب رسول الله في سورة (الحجرات/٤٩ مصحف/١٠٦ نزول) :
﴿وَآعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
فتزيين الإيمان في قلوب المؤمنين من قسم الزينة الربّانية المحضة.
٢- ومن أمثلة القسم الثاني (الزينة الشيطانية) تزيين الأعمال السيئة للكافرين والعصاة، كتزيين الشيطان لهم قتال المسلمين، وشرب الخمور، وظلم عباد الله، وحبَّ المعاصي والمخالفات، وقتل أولادهم سفهاً بغير علم، ونحو ذلك.
ومن هذا القسم ما قصّه الله على رسوله من أحوال الأمم السابقة، في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) بقوله :
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ
стр. 505
جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ﴾ .
ومنه ما نزل في شأن الذين خرجوا لقتال المسلمين في بدر من مشركي مكة، وهو قول الله في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنْكُمْ إِنَّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
٣- ومن أمثلة القسم الثالث (الزينة الحيادية) حبّ الشهوات من النساء، وحبّ البنين، وحبّ المال، وحبّ المآكل والمشارب، وحبّ المراكب، وحبّ الخيل المسوّمة والأنعام والحرث، إلى غير ذلك ممّا جعل الله فيه زينة للناس، فالزينة في كلّ ذلك من خلق الله ومن فطرته التي فطر المزيّناتِ والنفوس علهيا، ليمتحن إرادات الناس بها.
وزينة أفراد هذا القسم إن استخدمت في حدود ما أذن الله، دون عدوان، ولا ظلم، ولا بغي، ولا إسراف، ولا تبذير، ولا تجاوز إلى مواطن الضرر، كانت زينة ملحقة بقسم الزينة الربّانية.
وقد دلّ على أنها تلحق بالزينة الربّانية ضمن هذه الحدود قول الله في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿
وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾
أمّا إن استخدمت زينة أفراد هذا القسم في غير ما أذن الله وأحلّ، فإنّها تُلْحَق عندئذٍ بقسم الزينة الشيطانية.
لذلك جعل الله المبذرين إخوان الشياطين، والتبذير أهون من معاصي
стр. 506
أكل أموال الناس بالباطل، وأهون من الظلم والعدوان والقتل بغير حق، والزنى، ونحو ذلك من آثام.
فاستخدام الزينة الحيادية في غير ما أذن الله هو من اتباع خطوات الشيطان الذي يزين للناس الإثم والفسوق والعصيان.
وقد ضرب الله أمثلة للأشياء الكثيرة التي زيّنها لعباده، وجعل زينتها زينة حياديّة ليبتلي إرادتهم بها، ويكشف المطيعين والعاصين عن طريقها.
وفي بيان ما فيها من زينة فطريّة إشارة إلى أنّ ميل الإنسان إليها لا يعتبر نقيصةً من نقائصه، بل هو أمر "فطري" في أصل تكوينه، ولكنّ الإنسان بانحرافه عن منهج الاعتدال الذي رسمه الله له، هو الذي يضيف إلى نفسه بانحرافه عن منهج الاعتدال الذي رسمه الله له، هو الذي يضيف إلى نفسه النقيصة، ويهوي بها إلى دركات الشرّ والإثم، وهذا عملٌ إرادي من أعماله.
ومن الأمور التي جعل الله فيها زينة حيادية قابلة لأن تستعمل في الخير، وتستعمل في الشرّ، ما ذكره بقوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾
وحُسن المآب يكون لمن استقام في الدنيا على الصراط الذي رسمه الله للمتقين.
ومنها ما ذكره الله بقوله في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾
ولعل في قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعملون﴾ إشارة إلى المركبات التي ألهم الله الإنسان اختراعها وصنعها، وإلى ما سيلهمه من ذلك حتى آخر الدهر.
ومنها ما ذكره الله بقوله في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) :
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
стр. 507
ما ذكره بقوله فيها أيضاً:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾
فليس من شذوذ الطبيعة الإنسانية أن يكون لديها ميل فطري إلى هذه الأشياء التي ألبسها الله أثواب الزينة، ليسعى الإنسان في طلبها، ويؤدي وظيفته الفردية والاجتماعية والنوعية في هذه الحياة الدنيا.
ولكن الميل بالزينة الحيادية إلى غير ما أذن الله، واستخدامها في معصيته، هو الذي يجعلها ملحقة بالزينة الشيطانية.
وباستطاعتنا توضيح الأمر بالمثال التالي:
لقد حدد الله لتأدية الوظيفة الفردية في الحياة أن يأكل الإنسان ويشرب مما يسر الله له في الأرض وأباح له من دون إسراف ولا تبذير، وأن يبتعد عن المضار مهما كانت إغراءاتها، وزين له المآكل والمشارب بخصائص تميل إليها الأنفس. فمن أخذ منها ضمن الحدود التي حدَّها الله أدى وظيفته أداءً حسناً، ومن تجاوز هذه الحدود فقد سلّم قياده إلى الشيطان، وللشيطان عند ذلك وسائل كثيرة يزين له فيها الشر والفساد في الأرض والطغيان والظلم والعدوان، وبهذا التزيين الشيطاني ينقلب الإنسان إلى شرهٍ نهم، يتهافت على الاستزادة من الزينة، تهافتاً يقذفه به إلى التهلكة، وهذا التجاوز من شأنه أن يقلب الوضع الطبيعي فيفسد الزينة الحيادية، ويجعلها زينة ضارة، وبذلك تكون زينة شيطانية، وهذا ما التزم به إبليس إذ قال لربه فيما حكى عنه في سورة (الحجر/١٥ مصحف/٥٤ نزول) :
﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ....﴾ .
أي: ربّ بما حكمت علي بالغواية بسبب عصياني ما أمرتني به لأزيننّ لبني آدم سبيل معصيتك، حتى يخرجوا عن صراط الهداية، وينغمسوا في الإثم والظلم والعدوان.
стр. 508
ونظير ذلك يقال في الوظائف الأخرى، كالوظائف الاجتماعية التي تميل إليها غرائز الأمومة والأبوة، وحب الاجتماع، والرغبة بالسلطان، وكالوظئاف النوعية التي تجذب الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل لحفظ النوع، ففي كلٍّ منها قدر معتدل له صراط مستقيم ترافقه زينة ربانية، ووراء ذلك قدر جائر زائد زيادة فاحشة عن حاجات الوظائف الفطرية، فيه ضرر وإثم، وله سبل متعرجة ملتوية تنحدر بسالكها إلى سحيق التهلكة، ترافقها زينة خادعة شيطانية.
ولقد حار أعداء الإسلام بماذا يتهمونه، أيتهمونه بالصوفية المغرقة المنافية لطبيعة الإنسان؟ أم يتهمونه بأنه مادي بعيد عن الكمالات الروحية؟ ولكنهم لا يظفرون من إطلاق أية شبهة منهما بطائل، لأن الإسلام في واقع حاله قد كان بين ذلك قواماً.
فالذين يصورون الإسلام دعوة صوفية تطارد الغرائز الإنسانية أنّى وجدتها، وتحاول أن تسلخ الإنسان عن بشريته، وتحجر على كلّ شهواته فلا تدع لها متنفساً إنما هم مفترون، يقولون على الله ما لا يعلمون، ويكذبهم في تصويهم هذا قول الله تعالى في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾
فهذا النص القرآني يعلن بصراحة تامة أن ما أخرج الله لعباده من زينة وما رزقهم من طيبات حلال هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وأما غير المؤمنين فقد سكت عنهم، لأنهم لم يؤمنوا بالله حتى ينظروا فيما أحل لهم أو حرّم عليهم، ولكن طبيعة تيسير الوسائل لهم تقضي بأن يصيبوا منها كما يصيب منها غيرهم من خلق الله، وفق سننه الدائمة في كونه، إلا أنه لما انتقل إلى الحديث عما أعدّ الله من زينة يوم القيامة، قررّ أنها لن تكون لغير المؤمنين يومئذ، قال
стр. 509
تعالى: ﴿خالصة يوم القيامة﴾ وذلك لأن حكمة الله اقتضت أن تكون دار الابتلاء دار اشتراك، أما دار الجزاء فهي دار تمييز، فالمؤمنين يكونون في دار النعيم منها، والكافرون يكونون في دار العذاب الأليم.
والذين يصورون الإسلام مادياً بعيداً عن السمو الروحي هم أيضاً مفترون، يقولون على الله ما لا يعلمون، ويكذبهم في تصويرهم هذا قول الله تعالى في سورة (الحديد/٥٧ مصحف/٩٤ نزول) :
﴿اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
وقول الله تعالى في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) :
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾
ونظيرهما نصوصٌ قرآنية أخرى كثيرة، وهذه النصوص تسور الغرائز والشهوات التي تدعوها زينة الحياة الدنيا ومغرياتها، بأسوار تضم منافعها فتأذن بها، وتحجز عن مضارها فتحرّمها، وتضع خطوطاً على الزيادات التي لا فائدة منها فترغب بتركها، وتلفت نظر المسلم إلى مراتب الكمال الروحي، فتدعوه إلى أن يصعد في سلمها مرتبة فمرتبة، حتى يسمو على الملائكة في مراتبهم الروحية الخالصة من شوائب الغرائز والشهوات، وتغذي قلبه بالعفة عن الشهوات التي فيها إثم ومعصية لله، وبالزهد في زوائد المتاع الفاني التي قد تُطغي وتصرف عن الخير وتصد عن الفضيلة، وحينما تزهده بزوائد المتاع الفاني تعلق قلبه بالباقيات الصالحات التي هي خير عند الله ثواباً وخيرٌ أملاً.
ولما كان الناس أصنافاً ثلاثة في هذه الحياة الدنيا: كافرين غارقين في متاعها ظالمين لأنفسهم، ومؤمنين ملفقين يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ومتقين وسابقين في الخيرات بإذن الله وتوفيقه، جاء في آية سورة (الحديد) الآنفة
стр. 510
الذكر فقرات ثلاث كل واحدة منها تلائم صنفاً من هؤلاء الأصناف، وهي قوله تعالى: ﴿وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من الله، ورضوان".
فالكافرون الغارقون في متاع الحياة الدنيا الظالمون لأنفسهم يلوِّح لهم بالعذاب الشديد، والمؤمنون الملفّقون الذين يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيئاً يلوِّح لهم بالمغفرة من الله، والمتقون والسابقون بالخيرات يلوِّح لهم بمنزلة الرضوان من الله.
وفي سلم الكمال الصاعد إلى مغفرة الله ورضوانه يتنافس المتنافسون من المؤمنين المتقين، وفي درك الهبوط إلى عذاب الله الشديد وسخطه يتهاوى المتكالبون على الدنيا وزينتها بمعصية الله ومخالفة أوامره ونواهيه، ويقال لمن كفر منهم يوم القيامة ما جاء في قول الله تعالى في سورة (الأحقاف/٤٦ مصحف/٦٦ نزول) :
﴿
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾
منهج الاعتدال:
مما سبق يتضح لنا أن منهج الإسلام هو منهج الاعتدال، ويكون بإعطاء كل ذي حقٍ حقّه، فللجسد حقوقه في الحياة، وللروح حقوقها، ولا إفراط ولا تفريط، ولا تعارض بين حظوظ الدنيا المشروعة وطلب حظوظ الآخرة العظيمة، فحظوظ الآخرة تطلب بابتغاء مرضاة الله في أعمال الحياة الدنيا، وطلب ما أباح الله من زينة الحياة الدنيا لا يتنافى مع ابتغاء مرضاة الله.
وبين زينة الحياة الدنيا وشهوات الأنفس المشرئبة إليها تقف حدود الله ومدركات العقل وضوابط الإرادة، لكبح جماح الشهوات عن الإفراط الذي يسوق الإنسان إلى الضرّ والأذى ومعصية الله بفعل ما نهى الله عنه أو بترك ما أمر به.
وتقف حدود الله ومدركات العقل لضبط إرادة الإنسان عن التفريط بحقوق النفس والجسد، حتى لا يقسو الإنسان عليها فيحرمهما مما أباحه الله
стр. 511
وأذن به، مما تستد عيه ضرورات الحياة وحاجاتها.
وفي منهج الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط تسير الحياة السعيدة في هذه الدنيا، وهذا هو منهج المسلم العارف بدينه الملتزم لتعاليمه ووصاياه.
فلا حرج على المسلم أن يتمتّع بنوع من زينة الحياة الدنيا، عن طريق الزواج المشروع، الذي لم يجعل الإسلام له قيوداً عسيرة صعبة الدنيا، بل رغب فيه وحض عليه، ثم أرشد المسلمين إلى الاعتدال وعدم الإسراف، حتى لا ينفقوا في مجاله كل طاقاتهم، فيحرموا أنفسهم من خيرات أخرى لدنياهم وآخرتهم، هذا هو منهج الإسلام المعتدل، السائر بين جانبي تفريط وإفراط. فمن وراء ذات اليمين كره الإسلام التبتل، لما فيه من تفريط بحق النفس والجسد، وحق الحياة الداعية إلى بقاء النوع، فإذا بلغ التبتل إلى مستوى الإضرار الجسد أو العقل أو النفس، أو التحريض على الفسق والشذوذ، كان محرماً ولم يجز للمسلم عندئذ أن يعزف عن الزواج وهو قادر عليه. ومن وراء ذات الشمال كره الإسلام الإفراط الذي قد يضيع قسطاً من الواجبات أو الوظائف الأخرى، ولو لم يكن في الإفراط تجاوز لحدود الله، وحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم كل ما فيه تجاوز لحدود الله التي حدها لعباده.
ولا حرج على المسلم أن يتمتع بنوع من زينة الحياة الدنيا عن طريق جمع المال بالسعي الجميل والعمل الشريف المشروع، بل حضّ الإسلام على الكدح وحث على العمل ورغب فيه، وجعله أهم وسيلة من وسائل كسب الرزق في الحياة، وأقام للكسب حدوداً تمنع العدوان والظلم والبغي وأكل أموال الناس بالباطل، ومنهج الإسلام في كسب الرزق ومنهج معتدل سائر بين جانبي تفريط وإفراط. فمن وراء ذات اليمين لم يأذن الإسلام للمسلم بالبطالة والكسل وعدم الأخذ بوسائل الكسب، سواء أكان ذلك زهداً أو اكتفاء بالنفقة التي تأتيه من عمل الآخرين، ما لم يكن متفرغاً لعمل آخر ذي نفع عام، كالبحث العلمي والدعوة إلى الله والقيام بمصالح المسلمين العامة، فهذا من سبل العمل ذات الأهداف السامية والنفع العام، وقد نهى الإسلام عن البطالة والكسل لما فيهما من تفريط بحق النفس والجسد والأسرة ومنافاة لوظائف الحياة. ومن وراء
стр. 512
ذات الشمال كره الإسلام الشره والطمع والتكالب على جمع الأموال، وحرّم الظلم والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل تحريماً جازماً.
ولا حرج على المسلم أن يتمتع بنوع من زينة الحياة الدنيا عن طريق المآكل والمشارب والملابس المتنوعة، ولكن ضمن منهج معتدلٍ لا إفراط فيه ولا تفريط. فمن وراء ذات اليمين لم يأذن الإسلام للمسلم أن يحرم جسده من طعام وشراب تستدعيهما ضرورة الحياة، ولباس يدفع عنه أذى الحر والبرد ويستره، وكره التقشف الزائد الموهن للجسم والمضعف للقوى، لما في ذلك من تفريط بحق الجسم. ومن وراء ذات الشمال كره الإسلام الإسراف الذي قد يؤدي إلى الأذى، أو يشغل عن الواجبات، أو يورث القلب قسوة ونزوعاً إلى الطغيان، وحرّم الإسراف المضر بالجسم أو النفس أو العقل، والمضيع للواجبات، وحرّم أنواعاً يسيرة من الأطعمة والأشربة والألبسة التي لا خير فيها للإنسان.
وكذلك كان منهج الإسلام بين المادية والروحية منهجاً وسطاً، لا إفراط فيه ولا تفريط، أما الذين يختارون لأنفسهم سبل الإفراط أو التفريط، متجاوزين حدود منهج الإسلام السوي، فقد زُين لهم سوء عملهم، ويصدق عليهم قول الله تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) :
﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾
فهل في هذا المنهج الإسلامي العظيم شبهة يتذرع بها خصوم الإسلام فينتقدوه بها؟
ولكن أعداء الإسلام يحلو لهم دائماً أن يفتروا عليه، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
* * *
стр. 513
الفصْل الثالث شُبهَاتٌ حَوْلَ بَعْض العبَادات في الإسْلاَم
شُبهَاتٌ حَوْلَ بعض العبادات في الإِسلام
لا يدع أعداء الإسلام جانباً من جوانبه إلا ويثيرون حوله شبهة تافهة مردودة من شبهاتهم، ففي العبادات الإسلامية يحاولون تشكيك أبناء المسلمين ببعض ما هو منها، أو يصورون صوراً من عند أنفسهم أو يفهمون مفاهيم خاطئة، ثم يوجهون الانتقادات على ما صوروا وعلى ما فهموا، وليس الإسلام في واقع حاله كذلك.
فقد يتهمون المسلمين بأنهم يعبدون الكعبة أو يعبدون الحجر الأسود، مع أن الكعبة في عقيدة المسلمين مركز في الأرض لتوحيد اتجاه المسلمين عند عباد الله بالصلاة، ولتوحيد مطاف المسلمين عند عبادة الله بالطواف، والحجر الأسود علامة لتحديد الركن الذي يبدأ الطواف من عنده من أركان الكعبة. ورمز لمبايعة رب الكعبة على الطاعة والمحبة.
ويشككون بعبادة رمي الجمار في الحج، مع أن هذه العبادة تعبير مادي عن جانب الكفر بالطواغيت، الذي هو جزء من الإيمان، إذ لا يتم إيمان المؤمن حتى يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله.
ويشككون بالتيمم بدل الطهارة بالماء عند فدقه أو تعذر استعماله، مع أن التيمم عمل رمزي يقدم فيه المسلم عذره لربه، بأنه لم تتيسر له الطهارة بالماء، فأدى شكلاً يشبه جزءاً حركياً من أعمال الطهارة.
وعلى هذا النمط يثيرون شبهاتهم الضعيفة المردودة، وللرد عليها جملة
стр. 514
واحدة أضع بين يدي القارئ تعريف موجزاً بأسس العبادات في الإسلام، وبياناً مختصراً جداً لمفاهيمها العامة.
يلاحظ الباحث المتأمل أشكال العبادات التي شرعها الله للناس في الإسلام فيراها نموذجاً فريداً رائعاً، مطابقاً لجوانب الحكمة الفكرية والنفسية والاجتماعية ذات الفلسفة الراقية، الملائمة لواقع الناس في حياتهم الدنيا.
إن الحكمة الإسلامية في جانب العبادات قائمة على مجموعة من الأسس الفكرية العظيمة، يتضح لنا منها الأسس التالية:
الأساس الأول: الإنسان مخلوق لله وحده، ومن واجب هذا المخلوق أن يعترف لخالقه بالربوبية، وأن يعبده وحده لا يشرك بعبادته أحداً، ذلك لأن جميع ما في الكون مخلوق لله، فلا يستحق شيء منه أن يتقرب إليه بأي شكل من أشكال العبادة، فأي يتقرب إلى غير الله بأي لون من ألوان العبادات هو شرك بالله سبحانه.
الأساس الثاني: حقيقة العبادة الخضوع القلبي والفكري والنفسي لله تعالى، والاعتراف له بالعظمة والجلال، والإقرار له بكمال الربوبية والألوهية، والالتجاء إليه في كل مطلب، والثناء عليه بما يليق بجلاله، وشكره على نعمائه.
لكن طبيعة الحياة المادية للإنسان، تستدعي بحسب ظروفه المعاشية، أن يعبر عن هذه العبادة القلبية والفكرية والنفسية بصيغ مادية، تدل بصورتها الظاهرة على ما يعتمل في داخل الإنسان من معاني العبادة الحقة، لأنه يعسر على كل إنسان أن يستجمع معاني العبادة الحقيقية في داخله من غير أن يغلف ذلك بعمل مادي. لذلك كان لا بد للإنسان من أن يتجه في عبادته لربه اتجاهاً مادياً يعبر به عما في قلبه وفكره ونفسه من معاني العبادة.
الأساس الثالث: متى فقدت العبادة المادية جانبها الداخلي في الإنسان
стр. 515
كانت نوعاً من أنواع الرياضة البدنية البحتة، أو عملاً من الأعمال الجوفاء التي لا أثر لها في سلوك الإنسان.
ولذلك جاء في الحديث الصحيح قول الرسول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وجاء في المأثور عن الرسول أيضاً: "ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها" أي: إلا ما كان منها مرافقاً لمعاني العبادة القلبية والفكرية والنفسية. وروى الدارمي بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السّهر" أي: لأن كلا من هذا الصيام وهذا القيام قد كان عملاً أجوف فارغاً من معاني العبادة الحقة، التي من شأنها أن تكون متغلغلة في داخل نفس الصائم القائم، ومؤثرة في سلوكه.
الأساس الرابع: أن من تمام الحكمة الربانية أن الله لم يترك لعباده أ، يختاروا لأنفسهم أشكال عباداتهم لربهم، ولكنه حددها لهم وفق حكمته، وأمرهم أن يتقيدوا بها، وأن لا يتجاوزوا حدودها العامة.
ولو أنه سبحانه ترك ذلك للناس لتفرقوا في تحديد أشكال العبادات، ولاختاروا منها أموراً بعيدة عن منطق الحكمة، فلربما اختار بعضهم ما فيه تعذيب شديد للأجسام والنفوس، وقد اتجه إلى مثل هذا بعض فلاسفة الهنود، ولربما اختار بعضهم ما فيه إرضاء للشهوات وإشباع للغرائز وانغماس بكل موبقة، وقد اتجه إلى مثل هذا بعض مخترعي العبادات لأنفسهم، إلى غير ذلك مما لا تقبله فلسفة الحياة القويمة.
الأساس الخامس: ولما حدّد الله للناس أشكال العبادات التي ينبغي له يعبدوه بها، اقتضت حكمه العالية أن يجعلها متنوعة على مقدار ما في الحياة من أشكال متنوعة، يمارسها الناس في أعمالهم الخاصة أو العامة، مما تدعو إليه مطالب حياتهم الفردية والاجتماعية.
ضمن هذه الأسس قامت فلسفة أشكال العبادات في الإسلام، وبذلك كانت في مركز القمة، فمن تبصر بها ورعاها لم يجد فيها مدخلاً ينفذ منه عدو إلى تشكيك.
стр. 516
لقد عرف الناس في أعمالهم التي تستدعيها حاجاتهم حركات الوقوف والانحناء وهبوط الجبهة إلى الأرض، كما عرفوا من مظاهر التعظيم والإجلال لملوكهم ورؤسائهم أشكال الوقوف والركوع والسجود، فقضت مشيئة الله أن يخصص الإنسان لعبادة ربه طائفة من الأعمال التي تشاكل ما يقوم به عادة في حاجاته، كما قضت مشيئته أن يكرّم الإنسان عن أن يذل لمخلوق مثله، فأمره أن يقوم ويركع ويسجد لله وحده لا شريك له، وأن لا يفعل مثل ذلك في تعظيم غير الله تعالى.
وضمن هذا شرع الله للناس عبادة الصلاة، التي تحتوي في أعمالها المادية الجسدية على القيام والركوع والسجود، ليقدم الإنسان في هذه الحياة قسطاً من أعماله في طاعة ربه، مع شرط تحقق معاني العبادة القلبية والفكرية والنفسية، ضمن أداء الأعمال المادية في الصلاة.
وعرف الناس في حياتهم الطعام والشراب والإمساك عنهما بالإرادة، والحرمان منهما عند الفقد. أو عند حاجة الحمية الصحية،فشرع الله لهم عبادة لصوم، كما شرع لهم عبادة الفطر في يومي العيد وأيام التشريق، ليخصص الإنسان من هذا النوع من أعماله المعتادة في حياته طائفة لعبادة ربه.
وعرف الناس في حياتهم تحصيل المال وبذله في حاجاتهم ومطالبهم الخاصة، فشرع الله لهم عبادة الزكاة، ليخصص الإنسان جزءاً مما يبذله من ماله في عبادة ربه.
وعرف الناس في حياتهم التعبير عما يخالج نفوسهم من أفكار بما يتكلمون به من أقوال، فشرع الله لهم عبادات التلاوة والأذكار والتسبيح والتحميد والدعاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم، إلى غير ذلك من عبادات قولية.
وعرف الناس في حياتهم القيام بالأسفار للتجارة والسياحة والنزهة وغيرها من منافع الحياة، فشرع الله لهم عبادة السفر إلى بيته الحرام، لأداء مناسك الحج والعمرة، وليشهدوا منافع لهم.
стр. 517
وتعتبر مناسك الحج والعمرة صوراً رائعة من صور العبادات.
لقد عرف الناس من مظاهر إلحاح المحبين الطواف على دار المحبوب، فشرع الله لهم عبادة الطواف حول الكعبة بيت الله المقدّس، ليعلنوا في مقام عبوديتهم لله تعالى أنهم في مقام المحبين له، اللائذين بعظمته.
كما عرف الناس من مظاهر الإلحاح في الطلب الصبر في تكرار السعي لبلوغ ما يرجونه من حاجات الدنيا، فشرع الله لهم عبادة السعي ذهاباً وعوداً بين الصفا والمروة، ليلحوا في طلب عفو الله والجنة، وجعل ذلك منسكاً من مناسك الحج والعمرة.
وعرف الناس من مظاهر مطالبهم الجماعية إنشاء الأسواق والمنتديات والحفلات العامة، فشرع الله لهم عبادة الوقوف بعرفة في يوم جامع، وجعلها منسكاً من مناسك الحج.
وعرف الناس من مظاهر أفراحهم في أعيادهم ذبح الذبائح، والتوسعة على أهليهم بأكل اللحوم، فشرع الله لهم عبادة ذبائح الهدي والأضاحي، توسعة على أنفسهم وعلى أهليهم وعلى الفقراء والمساكين.
وعلى هذا القياس نلاحظ فلسفة مشروعية عبادة المبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى من مناسك الحج، وعبادة التجرد من الثياب المخيطة عند الإحرام بالحج أو العمرة للرجال، وعبادة الحلق أو التقصير عند التحلل منه.
ولن يجد المتأمل الباحث صعوبة في تدبر الحكمة من نسك رمي الجمار، الذي شرعه الإسلام، ضمن مناسك الحج.
إن هذا النسك لون من ألوان العبادة ذو معنى عميق في نفس المسلم العارف بمقاصد الشريعة الإسلامية، ذلك لأنه عمل يشعر بمدى ما بلغه المؤمن من إرغام لشياطينه التي توسوس داخل نفسه، بعد ما أدى عباداته المتنوعة لله تعالى، فهو يقهر بصيغة الرمي المادية أنواع شياطينه الثلاثة: شيطانه الذي يوسوس في فكره فيفسد عليه عقيدته، وهو أكبر شياطينه، وشيطانه الذي يوسوس في قلبه فيفسد عليه أخلاقه، إذ يحرك فيه الحقد والحسد والطمع وسائر
стр. 518
أمراض القلوب، وهو شيطانه الأوسط، وشيطانه الذي يوسوس في نفسه، فيحرك له أهواءه وشهواته وغرائزه، ويفسد عليه سلوكه، وهو شيطانه الأصغر، فإذا قذف المؤمن بالحجارة الصغيرة الأماكن التي خصصها الشارع رمزاً لعوارض الشيطان في الأنفس فقد أعلن بصيغة مادية ما جزمت به إرادته من إرضاء للرحمن وامتثال لأمره، وكفر بالطواغيت وإرغام للشيطان وطرد لوساوسه.
وضمن هذه الفلسفة الحكيمة الرصينة تتجلى لنا حكمة مشروعية عبادة كف البصر عن محارم الله، وإحصان الفرج عن الزنى وسائر الموبقات، وكف اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، وهكذا إلى آخر أنواع العبادات التي شرعها الله لنا.
ومن تدبر هذه الحقائق ونظائرها، سقطت من نفسه وساوس أعداء الإسلام وشبهاتهم التي يحاولون جهدهم بثَّها للتشكيك بالإسلام وبكماله وبربَّانيته.
* * *
стр. 519
الفصْل الرابع شُبهَاتٌ حَوْلَ الزَّكَاةِ في الإسْلاَم
стр. 520
شُبهَاتٌ حَوْلَ الزكاة في الإِسلام
لم يكن الناس قبل الإسلام يخضعون لتكليفٍ مالي إلزامي محدد النسبة لصالح الكفالة الاجتماعية يُلزم به الواجدون، ويُعفى منه المقلون، وتُسدُّ منه حاجات الفقراء والمساكين، تتولى الدولة جبايته وتوزيعه على أصحاب الحقوق فيه بالحق والعدل، وتعاقب الفرد الممتنع عن أدائه بالجزاءات المالية وغيرها، وتقاتل الجماعات المتفقة المتواطئة على منعه قتالاً شرعياً حتى يؤدوه حق أدائه.
هذا النظام هو نظام الزكاة، أو نظام الصدقة الواجبة في الإسلام.
ويحاول الأعداء الغزاة من شرقيين وغربيين وأجراؤهم توجيه الطعن لهذا النظام الرائع، على زعم منه أنه نوع من الإحسان الذي يرافقه إهانة لكرامة الإنسان المحتاج، ومنّة عليه، ويزعمون أنهم يريدون أن لا يجعلوا الإنسان في مقام الذلة والمهانة أمام إنسانٍ آخر يقدم له صدقة ماله.
والشبهة التي يستندون إليها هي أن الزكاة المفروضة يد مِنّة يقدمها الأغنياء للفقراء.
وردّ هذه الشبهة بسيط جداً، إذ أن الحقيقة التي بني عليها هذا النظام من أنظمة الإسلام على خلاف ما يموِّهون به، ويلقون فيه الشبهة، وتحليل ذلك فيما يلي:
لقد سمّى الإسلام هذا النظام، وسماه صدقة، ومعنى الزكاة التطهير والنماء، فإذا طهّر ذو المال ماله فأخرج منه الحقوق المخصصة فيه لغيره لم
стр. 521
يكن في فعله ذلك منَّة يمتنّ بها على أحدٍ من الناس، ونظير ذلك ما لو صلى أو صام أو حجّ أو فعل أي عمل من أعمال البر لنفسه لم يكن في أدائه لهذه العباداة منَّة منه على أحد، والفرق أن هذه العبادات أعمال لا تتعلق بالمال بشكل مباشر، أما عبادة الزكاة فتتعلق بالمال بشكل مباشر. والمعنى الثاني للزكاة - وهو النماء - فيه دلالة على الثواب المعجل أو المؤجل، الذي يثيب الله به الذين يؤدون ما فرض عليهم في أموالهم، فينمي لهم أموالهم في الدنيا ويحفظها لهم، وينمي لهم ثواب ما بذلوه في سبيله، لينالوه يوم القيامة أجراً عظيماً.
فليس في أي معنى من هذين المعنيين للزكاة أية إشارة إلى ما يشعر بمنّة الغني على الفقير أو تفضله عليه.
وأما لفظ الصدقة وهو الاسم الثاني لهذا النظام فمعناه في لسان اللغة وفي لسان الشرع إنما هو عمل من أعمال الخير.
وكل عمل من أعمال الخير صالح لأن يبتغى به وجه الله تعالى، سواء أكان ذا نفع لعامله، أو كان ذا نفع لغيره من خلق الله.
وحين نتأمل في معنى الصدقة لا نجد فيه إشعاراً بمنة فاعل الصدقة على أحد، ولذلك نجد باب الصدقات في الإسلام أوسع بكثير من أن يكون منحصراً في بذل المال، ويشهد لذلك قول الرسول في الحديث الصحيح: "كلّ سلامى من الناس عليه صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمل له عليها صدقة".
ونظائر ذلك كثير في النصوص الإسلامية. فإذا كانت الصدقة في الإسلام تحمل هذا المعنى فمن أين تصيّد موردو الشبهات معنى منة الغني على الفقير؟.
ثم إذا نظرنا إلى مسمى الزكاة في مفاهيم القرآن والسنة، فإنا نجد أنه
стр. 522
حق إلزامي في أموال الأغنياء، تتولى الدولة الإسلامية أخذه طوعاً أو كرهاً، وتتولى هي إقامة التكافل الاجتماعي عن طريقه، بالوسيلة التي تراها أنفع وأجدى.
فمن ذلك ما جاء في قول الله تعالى في سورة (المعارج/٧٠ مصحف/٧٩ نزول) :
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * للسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
وما جاء في قوله تعالى بالنسبة إلى زكاة الزروع والثمار في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾
وما جاء في قوله تعالى في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) :
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾
فأي تكريم في الدنيا لذوي الحاجات أكثر من إثبات الحق لهم في أموال الواجدين؟
وأما كون الدولة المسلمة هي التي تتولى أخذ الصدقات وتوزيعها، فظاهر من قول الله تعالى يخاطب رسوله في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
وقد جرى على ذلك عمل الرسول وعمل الخلفاء الراشدين من بعده، ثم من تبعهم بإحسان، إذ كانت الدولة الإسلامية هي التي تتولى جمع الصدقات وتوزيعها على المستحقين، وكان يسمى موظف جباية الزكاة (مصدّقاً) .
ومن العجيب أن يحرف الأعداء الغزاة وأجراؤهم والسائرون في كتائبهم مفاهيم الأنظمة الإسلامية الرائعة، التي تضمن للناس السعادة والرفاهية لو طبقت على وجهها الصحيح، ليوجهوا لها ما يشتهون من مطاعن ومغامز.
стр. 523
ويقولون: إن دفع زكاة الأموال إلى الفقراء على شكل معونات يورثهم داء الكسل والبطالة. والاتكال على أموال الصدقات، ويعلمهم التسول التطلع باستمرار إلى ما في أيدي الناس، وبمثل هذا الكلام يؤثّرون على فريق ممن يلقون إليهم السمع من أبناء المسلمين، مع أنه يتضمن شبهة ناشئة عن مفاهمي خاطئة لأصل نظام الزكاة في الإسلام.
إن الباحث المتأمل في هذا النظام الرائع يلاحظ أن صندوق المال الخاص بالزكاة والذي تشرف عليه الدولة الإسلامية إشرافاً كاملاً، جباية ومصرفاً، ضمن الأسس التي قررتها الشريعة الإسلامية، ليس من المتحتم فيه أن يكون صرفه على المستحقين ذا وجه واحد، هو دفع الأموال العينية النقدية لهم، فللدولة الإسلامية أن ترده على المستحقين بأية وسيلة تراها أنفع وأجدى وأكرم لنفوسهم، وأبعد عن تعليمهم الكسل والبطالة، وأقرب لاستثمار جهد كل قادر على العمل من المستحقين.
فإذا كانت المشكلة الكبرى للفقر ناشئة عن البطالة وعدم توافر العمل للقادرين عليه، كان من حق الدولة الإسلامية أن تؤسس من أموال صندوق الزكاة مشاريع عمل تعود أرباحها لهذا الصندوق، وتمتص القادرين على العمل من الفقراء والمساكين بحسب اختلاف مستوياتهم وكفاءاتهم، كمؤسسات صناعية أو زراعية أو تجارية أو غيرها.
ولتهيئة العمل للقادرين عليه صور شتى تتطور بحسب تطور العصور، منها مساعدة صاحب مهارة صناعية، حتى يفتتح لنفسه مركز عمل يكتسب منه رزقه ورزق أسرته، ومنها مساعدة صاحب قدرة على البيع والشراء، حتى يؤسس لنفسه متجراً يحسن إدارته والاكتساب عن طريقه، ومنها مساعدة
стр. 524
صاحب قدرة على الزراعة، حتى يؤسس لنفسه مزرعة يحسن العمل فيها واستثمارها والاكتساب عن طريقها، إلى غير ذلك.
وأما العاجزون عن العمل من الفقراء والمساكين كالمرضى والشيوخ الكبار وغير المكلفين بالعمل كالأطفال والنساء اللواتي ليس لهن من يعيلهن فللدولة أن تدفع لهم من صندوق الزكاة مرتبات شهرية تستمر ما داموا في أحوالهم التي يستحقون بها الإنفاق عليهم، ولها أن تزوج من يحتاج إلى الزواج منهم وأن تشتري أو تبني لهم مساكن، وأن تدفع عنهم ديونهم إلى غير ذلك.
وللدولة أن تنشئ لهم من صندوق الزكاة مدارس ومستشفيات وملاجئ مجانية، ولها أن تنشئ لهم مساكن توزعها عليهم حسب حاجاتهم، ومطاعم ومحلات كسوة تقدم لهم الطعام والكساء حسب حاجاتهم التي تقدرها اللجان المشرفة على ذلك.
ومن الوسائل أيضاً تأسيس جمعيات خيرية في كل حي وكل قرية، تتولى القيام بمهمات البحث عن الفقراء والمساكين العاجزين عن العمل وكفالتهم، على أن تخصص لكل منها ميزانية من صندوق الزكاة بحسب عدد المحتاجين التابعين لها، ويضاف إلى ذلك ما تتلقاه هذه الجمعيات من صدقات ومساعدات إضافية خارجة عن حصة الزكاة.
إلى غير ذلك من صور كثيرة قابلة للتطوير والتحسين بحسب تطور وسائل العصر ونظمه الإدارية والاجتماعية، مع المحافظة على الأسس التي أقام الإسلام عليها هذا النظام الرائع، ومع المحافظة على الأهداف التي قصد إليها منه، وفي كل هذه الصور وأشباهها يتم الأخذ من الأغنياء والرد على الفقراء، كما جاء في النصوص الإسلامية، والأخذ من الأغنياء يكون بمعرفة الدولة الإسلامية وإشرافها، والرد على الفقراء يكون بمعرفتها وبإشرافها، وبحسب الوسائل الكريمة النافعة التي تراها.
وبذلك تسقط شبهات المضللين، ويظل نظام الزكاة رائعاً في كل زمن، ومناسباً لكل عصر، ولكن على المسلمين أن يطبقوه وأن يحسنوا تطبيقه.
* * *
стр. 525
الفصْل الخامس شُبهَاتٌ حَوْلَ العُقوبَات في الإسْلاَم
стр. 526
شُبهَاتٌ حَوْلَ العقوبات في الإِسلام
ينتقد أعداء الإسلام ما في نظام الإسلام من عقوبات شديدة قاسية، كحدّ السرقة، الذي يقضي بقطع اليد، وحدّ الزنى الذي يقضي بالجلد أو بالرجم، وحدّ قطع الطريق، الذي يسمح للحاكم المسلم بأن يقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وغير ذلك من حدود زاجرة.
ويكفي لدفع هذه الشبهة الضعيفة أن تقدّم دراسة تحليلية للعوامل الدافعة للجرائم، ونظرات تعليلية للحل الذي لجأ إليه الإسلام في نظامه، وسنكتشف من خلال ذلك روعة نظام الإسلام في هذا المجال، كما هو رائع في كل مجال.
ولا نريد أن نتبجح بدعوى خيالية، بل نريد أن نضع الخصم أمام بحوث تحليلية، وتطبيقات واقعية، ثم نقول له: هذه سبيلنا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
ولن يجد الباحث المنصف أية ثغرة يمكن أن ينتقد منها بحق نظام الإسلام، بينما يجد الباحثون المنصفون في كل الأنظمة الأخرى التي تطبقها أمم الأرض في هذا المضمار مئات الثغرات ونقاط الضعف، التي هي محل للاعتراض والنقد بحق.
أ- عوامل الجريمة:
تعود أهم عوامل الجريمة في المجتمعات الإنسانية إلى العوامل الرئيسة التالية:
стр. 527
أولاً: العوامل النفسية المنحرفة التي تحرض الفرد على ارتكاب الجريمة، وتتنوع هذه العوامل بحسب نوع الجريمة.
فمن الناس مصابون نفسياً بكراهية الناس أو صنف منهم، لأسباب شتى، وقد تبلغ بهم الكراهة مبلغاً من الظمأ النفسي لا يرويه إلا النظر إلى الدماء المهراقة من الذين يكرههم، وقد لا تنفع في هذا الفريق الشاذ من الناس وسائل الإصلاح المختلفة، وذلك لتمكن عقدة الكراهية في نفوسهم، وهؤلاء على ندرتهم في الناس لا بد من علاجهم أو تطهير المجتمع منهم.
ومن الناس مصابون نفسياً بشذوذ جنسي، لا يبرد حرارته ولا يشبع نهمته إلا ارتكاب الجرائم المنافية للطبائع السوية، التي يشترك فيها الناس جميعاً، وقد يحرضهم على هذا الشذوذ على الاعتداء على عفاف الصغار والصغيرات، وعدم الاكتفاء بالزواج المشروع، وقد يصل بهم إلى مرحلة شنيعة من الوقاحة والقباحة والاستهانة بالآداب العامة، يجاهرون مع هما بفحشهم ولا يتوارون فيه، تبجحاً بالمخالفة والشذوذ، أو استهانة بالدين وعملاً على نشر الفاحشة وإباحتها، فيمارسون الفاحشة غير مبالين ممارسة مكشوفة أما جمع من ذوي العدالة يبلغ عددهم أربعة شهود فما فوق.
ومن الناس مصابون نفسياً بعقدة جمع المال والاستكثار منه بالسطو على أموال الناس، وقطع الطريق، وترويع الآمنين أو بحيل الاختلاس وسلب الأموال بغير حق، دون أن يشعر بهم من يجنون عليه ويسلبون ماله.
ووجود هؤلاء وأمثالهم في مجتمع ما سبب في اختلال الأمن، وعموم الفوضى، وانتشار جرائم القتل التي تسببها الأهواء الشخصية والمطامع المادية، وسبب في بث الآلام الكثيرة، وغرس حب الانتقام، حتى ينتهي الأمر بالمجتمع إلى أن يكون معظم أفراده ما بين ظالم قتال، أو لص محتال، أو ضعيف مهضوم الحق مسلوب الحرية.
وقد استخدم الإسلام في علاج هؤلاء الشاذين المصابين بهذه العقد وأمثالها عدة وسائل:
стр. 528
الوسيلة الأولى: التربية الإيمانية الإسلامية على إدراك الحق والشعور به وبواجبه، وعلى تذوق الكمال وحبه، واستحسان الخير والفضيلة وحبهما، واستقباح الشر والرذيلة وكراهيتهما، والرغبة بالتنافس في السبق إلى الكمالات المختلفة الفكرية والخلقية والسلوكية.
الوسيلة الثانية: الترغيب بما عند الله من أجر عظيم للملتزمين بأحكام الإسلام وتعاليمه، الداعية إلى إقامة الحق والعدل، والتزام الخير، والبعد عن كل ظلم وشر، ابتغاء رضوان الله وثوابه.
الوسيلة الثالثة: الترهيب مما أعتد الله يوم القيامة للظالمين المعتدين، المخالفين لأوامر الله ونواهيه، من عذاب أليم في دار العذاب.
الوسيلة الرابعة: العقوبة القاسية الشديدة، فحينما لا تنفع وسائل التربية والترغيب والترهيب، تقضي ضرورة سلامة المجتمع الإنساني بإنزال العقوبة القاسية الشديدة، لأن الذين لم تنفع فيهم هذه الوسائل قد نمت لديهم دوافع الجريمة إلى الحد الأقصى، فكانوا خطراً على المجتمع.
ومما لا ريب فيه أنه لن يتفق لهذا الفريق الشاذ من الناس أن يمارسوا جرائمهم في وقت واحد، ولذلك يكون إنزال العقوبة الشديدة القاسية المشاهدة أمام ملأ من الناس في أول مرتكب منهم للجريمة عملاً رادعاً، يكف معظم الذين تحدثهم نفوسهم بارتكاب جرائم مماثلة عن اقتحام حدودها.
وربما لا يقتضي الأمر تنفيذ هذه العقوبة الشديدة القاسية إلا مرة واحدة أو مرات قليلة جداً، خلال كل حقبة من الزمان، وبذلك يقطع دابر الجريمة، أو يخفف نسبة حدوثها إلى أدنى الحدود، وعندئذ يصفو المجتمع من المكدرات، ويعم الأمن والاستقرار، وهما أعظم نعمتين ترفل بهما مجموعة بشرية.
ثانياً: عوامل البيئات الاجتماعية المنحرفة، التي تنمي في الأفراد الرغبة بارتكاب الجريمة، وتغذيتهم بعدم الاعتراف بمنافاتها للحق والواجب، أو للأخلاق الكريمة وسائر الفضائل، وذلك بسبب إهمال هذه المجتمعات واجبات التربية العامة على احترام الحق والواجب، والتقيد بالأخلاق الكريمة وسائر
стр. 529
الفضائل، وازدراء الظلم والعدوان، والنفور من الرذائل والانحراف في السلوك.
ففي كثير من البيئات الاجتماعية يلاحظ المتتبعون مجموعة من العوامل التي تساعد على ارتكاب الجرائم المختلفة.
منها استهانة هذه المجتمعات بالفضائل، وفساد مفاهميها نحوها، وعدم اكترائها بواجبات التربية على مكارم الأخلاق، وإهمالها الشبان والمراهقين، وتركهم يرتعون في الملذات الجسدية المحرمة التي تتطلب منهم أموالاً كثيرة لا يستطيعون حيازتها إلا بتجاوز حدود الحق والعدل والفضيلة.
ومنها انحلال نظام الأسرة، أو ضعف روابطها إلى الحد الذي يشعر فيه كل فرد من أفرادها أنه ذو استقلال ذاتي تام، في فكره وتصرفاته ومعالجة شؤونه الخاصة أو العامة، فهو لا يسمح بأن يرشده من أسرته من سبقوه في تجربة الحياة، أو يشرفوا عليه، أو يقوموا على تربيته وتأديبه، وضبط سلوكه عن الانحراف والشذوذ، فينطلق عندئذ في متاهات رعوناته الخاصة، وتدفع مراجل شهواته المتأججة مركبة حياته إلى المهالك، ثم يجد نفسه في منحدرات طرق حياته المنهارة مسوقاً إلى الجريمة، يساعده عليها نظراؤه من قرناء السوء، إذ تسود بينهم مفاهيم بعيدة كل البعد عن المفاهيم الإنسانية الكريمة.
ومنها تفكك الروابط الاجتماعية الأخرى التي تمثلها المؤسسات الاجتماعية التعليمية والتربوية والرياضية والأدبية، ومؤسسات الإحسان والتعاون والتعاطف الجماعي، وفي مقدمتها المؤسسات الدينية، التي تضطلع بمهمات التربية الروحية، والتدريب على الأخلاق الكريمة الفاضلة بصفة عملية، مع كشف ما فيها من معانٍ نبيلة سامية، حتى يكون لها في داخل النفس غراس فكري، وغراس روحي، يتزايد نمواً مع الزمن بالتدريب العملي، ويتغلغل في كيان الإنسان، ويتمكن فيه تمكناً يجعله بمثابة الطبائع الفطرية، التي ولدت معه منذ استهل صارخاً يستقبل الحياة على الأرض.
ونستطيع أن نقول: إن من شأن هذه البيئات الاجتماعية الفاسدة أن تكون مباءات ملائمة لتخريج المجرمين في الأرض، ومثلها في ذلك كمثل
стр. 530
مباءات الجراثيم الضارة التي تنمو فيها الحشرات المهلكة ويأوي إليها كل فاسد مفسد.
وكثيراً ما يعمل الغزاة على إيجاد بيئات اجتماعية فاسدة، لتخريج المجرمين الذين يعملون على هدم أمتهم بكل قوتهم.
وأمثال هذه البيئات الاجتماعية تحتاج إلى إصلاح جذري، يبدأ من أول طريق إصلاح الأمم والشعوب.
وإن أي نظام يعالج جانب الجريمة فقط، دون قطع الطريق على العوامل الممدة، لا يعطي الثمرة المطلوبة، لأن تكاثر الوباء لا بد أن يستمر ما دامت عوامل توالده ونموه موجودة عاملة، مهما كانت نسبة المكافحة ومهما كانت قوتها.
ولذلك نلاحظ أن نظام الإسلام قد بدأ بإصلاح الفرد، وإصلاح المجتمع، قبل معالجة الجرائم التي يمكن أن تحدث فيه من قبل الذين تتحرك فيهم دوافع الجريمة. وهذا الحل الجذري لا نجده على الصورة المثلى إلا في يد نظام الإسلام ومعالجته العملية.
ثالثاً: الضرورات الملحة التي تهون على بعض السويين ارتكاب الجريمة، التي يرون أنها قد تدفع عنهم ضروراتهم، وتهيئ لهم حاجاتهم.
ولكن المجتمع الإسلامي الذي يطبق أفراده أحكام الإسلام، لا يدع ضرورة من الضرورات تدفع بفردٍ من أفراده إلى ارتكاب الجريمة، لأنه مجتمع متعاون متكافل، كل فرد فيه حارس يقظ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويساعد على فعل الخير وقمع الشر.
رابعاً: ضعف جهاز الحكم، وإهماله، وعدم مراقبته الشديدة لما يقع في المجتمع من جرائم، وتردده في البت بالإدانة العادلة، وسيره في القضاء بنفسٍ طويل، وصبر غير جميل، ينسى معه الشعور بهول الجريمة التي تستدعي البت الحازم الحاسم.
والأصل في الحكم الإسلامي أن يكون على خلاف ذلك، لأنه يعمل بهدي من كتاب الله وسنة رسوله.
следующие страницы →