← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

متين من التعاطف والمودة والعدل، وفي مقابل الخصائص التي تؤهل الرجل بصفة عامة لهذه الأمور تأهيلاً أمثل، نلاحظ أن خصائص المرأة بشكل عام تحبب إليها أن تجد لدى الرجل ملجأ وسنداً، وقوة إرادة، واستقرار عاطفة، وحكمة في تصريف الأمور، وسلطاناً ترى في الانضواء إليه أنسها وطمأنينتها وأمنها وصلاح بالها وراحتها من أعباء المسؤوليات الجسام. ولذلك نلاحظ أثر هذا التكوين الفطري ظاهراً في كل مجموعة إنسانية، ولو لم تلزمها به أنظمة أو تعاليم، وربما شذ عنه نفر قليل اختلت فيهم مقادير خصائص الذكورة والأنوثة، فتجاوزت حدودها السوية، وهذه الحالات الشاذة لا تسحق تعديلاً في أصل القاعدة الفطرية التي تشمل معظم الرجال والنساء في المجتمع الإنساني. ولا يلزم من كون الرجال مزودين بخصائص تؤهلهم لأن يكونوا هم القوامين على النساء، أن تكون قوامتهم استبدادية استقلالية ظالمة آثمة، فالقوامة في الأسرة ولاية صغرى يجب على متوليها ما يجب على ذوي الولايات الكبرى من مشورة وعدل، وتقيد بحدود الله، والمستشارون في هذه الولاية الصغرى هم أعضاء الأسرة، وأمين سرها المخلص الغيور زوجة الرجل، وهنا تستطيع المرأة العاقلة الحكيمة أن تكون صاحبة السلطان الخفي على قلب صاحب السلطان الظاهر، دون أن تتحمل مسؤوليات القوامة ومشكلاتها، وأعباءها وأخطاءها. وهذا ما اختارته المرأة لنفسها واطمأنت إليه في مختلف العصور الغابرة، وحتى زمان الناس هذا في القرن العشرين الذي بلغت فيه المرأة من التحرر والانطلاق في الغرب والشرق مبلغاً لا تحلم بأكثر منه. إن هذه الظاهرة الاجتماعية لا بد أن تكون أثراً من آثار التكوين الفطري للنفوس الإنسانية ذكورها وإناثها. وأما الناحية الفكرية: فإن الحكمة في المجتمعات الإنسانية تقضي بأن يكون لكل مجتمع صغر أو كبر قيّم يقوده ويدير شؤونه، حماية له من الفوضى والتصادم والصراع الدائم، والأسرة أحد هذه المجتمعات التي تحتاج إلى قيِّم

стр. 597

منها، تتوافر فيه مؤهلات القوامة بشكل أمثل. ولدى أهل الفكر في مسألة القوامة داخل الأسرة مجموعة من الاحتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون الرجل هو القيّم في الأسرة باستمرار. الاحتمال الثاني: أن تكون المرأة هي القيّم في الأسرة باستمرار. الاحتمال الثالث: أن يكون كلّ من الرجل والمرأة قيّماً على سبيل الشركة المتساوية. الاحتمال الرابع: أن يتناوبا القوامة وفق قسمة زمنية. الاحتمال الخامس: أن يتقاسما القوامة، بأن يكون لكلٍ منهما اختصاصات يكون هو القيم فيها. أما الشركة في القوامة سواء أكانت في كل شيء وفي كل وقت، أو كانت على سبيل التناوب الزمني، أو كانت على سبيل التقاسم في الاختصاصات، فإنها ستؤدي حتماً إلى الفوضى والتنازع ورغبة كل فريق بأن يعلو على صاحبه ويستبد به، ما لم يكن شيء من ذلك برأي صاحب القوامة الفرد، وطوعه واختياره، وبدافع من التفاهم والتواد والتراحم بين الزوجين. وقد أيدت تجارب المجتمعات الإنسانية فساد الشركة في الرياسة، ولذلك نلاحظ تركز المسؤولية الكبرى في رئيس واحد، لدى أي نظام اجتماعي من الأنظمة التي عرفها الناس، ولو كانت تتسم بسيما القيادة الجماعية، وعمل الجماعة القائدة لا يعدو أن يكون عملاً أقرب إلى المشورة منه إلى ممارسة السلطة، سواء أكانت المشورة ذات طابع إلزامي أو غير إلزامي، لأن من تتركز بيده السلطة الفعلية يستطيع أن يجعل رأي الأكثرية موافقاً لما يريد. وأما إسناد القوامة إلى المرأة دون الرجل فهو أمر ينافي ما تقتضيه طبيعة التكوين الفطري لكل منهما، وهو يؤدي حتماً إلى اختلال ونقص في نظام الحياة

стр. 598

الاجتماعية، لما فيه من عكس لطبائع الأشياء، فلم يبق إلا الاحتمال الأول، وهو أن يكون الرجل هو القيم في الأسرة. فأهم خصائص القوامة المثلى رجحان العقل على العاطفة، وهذا الرجحان متوافر في الرجال بصفة عامة أكثر من توافره في النساء، لأن النساء بمقتضى ما هن مؤهلات له من إيناس للزوج وحنانٍ عليه، وأمومة رؤوم، وصبر على تربية الطفولة، تترجح لديهن العاطفة على العقل، ولن تكون قوامة مثلى لأن مجتمع إنساني صغيراً كان أو كبيراً إذا كانت العاطفة فيها هي الراجحة على العقل. ولما كانت القوامة في كل أسرة وظيفة ضرورية من الوظائف الاجتماعية، كان من الحكمة العقلية والواقعية توجيهها لمن يتمتع برجحان العقل على العاطفة، وهو الرجل غالباً، ولئن كان بعض الرجال تتحكم بهم عواطفهم أكثر من عقولهم، وبعض الناس تتحكم بهن عقولهن أكثر من عواطفهن، فذلك أمر نادر لا يصح أن تتغير من أجله قاعدة عامّة. ومن مرجحات إسناد القوامة في الأسرة إلى الرجل، أنه هو المسؤول في نظام الإسلام عن النفقة عليها، ومسؤوليته عن النفقة على أسرته تجعله أكثر تحفظاً واحتراساً من الاستجابة السريعة للشهوات العابرة، والانفعالات الحادة الرعناء، بخلاف المرأة في ذلك، لأنها بحكم عدم مسؤوليتها عن النفقة، وعن السعي لاكتساب الرزق يقل لديها التحفظ والاحتراس، وتكون في أغلب أحوالها ذات استجابة سريعة لشهواتها وانفعالاتها، التي قد تتطلب منها نفقات مالية باهظة، أو تدفعها إلى الشحّ المفرط، ومن أجل ذلك أيضاً كان الرجل أصلح من المرأة لوظيفة القوامة في الأسرة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين السببين المرجحين حينما أعلن أن الرجال قوّامون على النساء، فقال الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ....﴾

стр. 599

وقال تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . فالرجال أولاً يمتازون برجحان العقل على العاطفة، وهم ثانياً مسؤولون عن النفقة على أسرتهم، وهذان السببان يجعلان الرجال أصلح للقيام بوظيفة القوامة من النساء، بينما نجد النساء أصلح من الرجال للقيام بوظائف اجتماعية أخرى، جعلهن الإسلام المسؤولات عنها، والمكلفات بها. وأولى من القوامة في الأسرة القوامة العامة، سواء أكانت إمارة أو رئاسة أو خلافة أو نحو ذلك، فالرجال بصفة عامة هم الأصلح لتحمل مسؤوليات القوامة العامة، والأقدر على إدارتها وتدبير شؤونها، وهذا هو ما اختاره الإسلام في نظامه للمسلمين. ويحاول أعداء الإسلام خداع الأجيال المسلمة لا سيما الفتيات المسلمات، إذ يقذفون شبهاتهم الظالمة الآثمة، فيغمزون الإسلام بأنه لم يسوّ بين الرجال والنساء في مسألة القوامة، مع أن ما يريدون اتخاذه مغمزاً هو في حقيقة أمره من مفاخر الإسلام الفكرية الواقعية، ومن أمجاده التشريعية، التي ساهمت في منح الشعوب المسلمة في عصورها الذهبية سعادتها واستقرارها ورغد عيشها. وما مثل الذين يحاولون أن يسوّوا بين المرأة والرجل في كل وظيفة من وظائف الحياة، إلا كمثل من يحاول أن يسوّي بين أعضاء الجسد الواحد في وظائفها الجسدية والنفسية، فيكره الأيدي مثلاً على أن تساعد الأرجل في المشي، دون أن تقوم ضرروة لذلك، ويريد للأرجل أن تشارك الأيدي في صنعات الكتابة والخياطة وأعمال البنان المختلفة، ويريد للفكر أن يحب ويشتهي، ويريد لشهوات النفوس أن تعقل وتفكر، ويتحسَّر على العيون لأنها لا تسمع، وعلى الآذان لأنها لا تبصر، وتهفو نفسه إلا التلاعب بطبائع كل عضو من الأعضاء، بغية أن يكون له خصائص الأعضاء الأخرى، إلى آخر هذا العبث الذي يعتبره العقلاء ضرباً من الجنون.

стр. 600

أفلا يجب على رجالنا ونسائنا، وفتياننا وفتياتنا، أن يعودوا إلى النظر السديد، والرأي الرشيد، ويبتعدوا عن كلّ عبث وهراء، وثرثرة وافتراء، بعد أن يكتشفوا أغراض المضللّين، ويعلموا أن أعداء الإسلام قد مهروا في تزوير الحقائق لصد المسلمين عن دينهم، وسلبهم كنوز مجدهم وقوّتهم؟؟.. ك- مستلزمات القوامة: تستلزم قوامة الرجال على النساء أن تكون في سلطة القيم ما يتخذه لردِّ زوجته إلى الطاعة إذا نشزت أو خاف نشوزها، وقد أرشد الله في ذلك إلى اتخاذ وسائل التربية والتأديب المختلفة، ابتداء من الأخف، وترقياً في الدرجات إلى الشديد فالأشد، حتى درجة الضرب غير المبرح، وذلك قبل حدوث الشقاق بينهما الذي قد يؤدي إلى الفراق، قال الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ . ويتصيد أعداء الإسلام من قوله تعالى في هذا النص: "واضربوهن" شبهة ينتقدون بها تعاليمه، ليضللوا بها الأجيال الناشئة من فتيان المسلمين وفتياتهم، مع أن التحليل المنطقي والتجارب الواقعية يثبتان عظمة تعاليم القوامة الزوجية، التي تضمنها هذا النص، ويثبتان كمالها ومثاليتها. إنه لما اقتضت الحكمة في توزيع مسؤوليات الأسرة أن يكون الرجل هو القيم على زوجته وولي أمرها، اقتضت أيضاً أن يكون لكل منهما حقوق على الآخر وواجبات نحوه. ومن حقوق الزوج على زوجته أن لا تكون ناشزاً خارجة عن طاعته، ما لم يأمرها بما فيه معصية لله، أو هضم لحقوقها التي شرعها الله لها.

стр. 601

وأية مؤسسة اجتماعية لا بد أ، يكون في يد صاحب الأمر فيها وسائل يضبط بها نظام هذه المؤسسة، حتى لا تتعرض للفوضى، فالفساد فالتفكك والانحلال. وأبرز عناصر وحدة مؤسسة اجتماعية إنما هو عنصر طاعة أعضائها لصاحب الأمر فيها، والخروج عن هذه الداعة نشوز يجعل المؤسسة منحلة أو بحكم المنحلة. ولما كان في طبائع الناس نزوع إلى التحرر من قيود الطاعة، كانت المؤسسات الاجتماعية الإنسانية عرضة للانحلال والتفكك باستمرار،ما لم تهيمن على أفرادها الضوابط الاجتماعية المعنوية والمادية، ومن الضوابط الاجتماعية التي تصون وحدة الجماعة وسائل التربية والتأديب، عند حدوث بوادر النشوز والخروج على الطاعة، ويدخل في التأ>يب أنواع العقاب التي تسمح بها الأعراف الإنسانية الكريمة. وقد أرشدت الحكمة النظرية والتطبيقية الناس إلى استخدام طائفة من وسائل التربية والتأديب، للمحافظة على استمرار عنصر الطاعة مهيمناً على أفراد الجماعة وتتفاوت هذه الوسائل فيما بينها رغبة ورهبة، ورفقاً وشدة، ولطفاً وعنفاً. ويختار بعض أولي الأمر أسلوب العنف والقسوة فيفشلون، مهما اضطهدوا رعيتهم، ويختار بعضهم أسلوب الرفق واللين باستمرار، فيتطاول عليهم الباغون المنحرفون، فينتزعون منهم سلطانهم، أو يلجئونهم إلى التغاضي عن الفوضى،التي يستغلونها استغلالاً ظالماً آثماً. أما الحكماء العقلاء فيستخدمون الوسائل كلها، إلا أنهم يضعون كلاً منها في موضعه، وبذلك يسلم لهم الأمر، وتسعد بهم الجماعة. وهذا ما أرشد إليه الإسلام أولياء الأمور بشكل عام، كما أرشد إليه ذوي الولايات الخاصة الصغيرة، ومنهم القوامون على الأسر. وبعداً عن الإنصاف، أو بعداً عن الروية، ينتقد أعداء الإسلام

стр. 602

والمنخدعون بهم المتأثرون بتضليلاتهم، التعليم الإسلامي الذي يأذن للزوج بموجب سلطته في القوامة، أن يضرب زوجته إذا خاف نشوزها ضرباً غير مبرح، في آخر مراحل التأديب ذات الدرجات المتعددة، بغية إصلاحها وإعادتها إلى حظيرة الطاعة المشروعة وهذا الضرب وسيلة احتياطية لا تستعمل إلا في أشد الحالات استعصاء على الحل، وتفادياً لوقوع الطلاق، الذي هو أشد منه وأقسى على قلب الزوجة. لقد أرشد الإسلام إلى استخدام وسائل التربية والتأديب الحكيمة، وجعلها على مراحل في مراتب بعضها أشد من بعضها. المرتبة الأولى: الموعظة، وللموعظة درجات كثيرة، تبدأ بمعاريض القول، وبالإشارات الخفيفة، والتلويح دون التصريح، ثم ترتقي إلى لفت النظر والتنبيه والتصريح مع الرفق في الموعظة، ثم بعد ذلك ترتقي إلى التصريح المصحوب بشيء يسير من العنف، ثم ترتقي إلى الزجر والتعنيف، وأخيراً قد تصل إلى درجة التوبيخ والإنذار، فإذا لم تُجْدِ كل درجات الموعظة كان لا بد من الانتقال إلى المرتبة الثانية من مراتب التربية والتأديب. المرتبة الثانية: الهجر في المضجع، وهذا الهجر يتضمن إشعاراً بمقدار من السخط أدى المعاقبة بالحرمان من متعة اللقاء على مودة وصفاء. وهجر الزوج لزوجته في المضجع أبلغ أنواع الهجر، وعقاب قاس ليس بالهين على زوجة عاقلة حريصة على زوجها، حريصة على أن تكون مالكة قلبه، وتخشى أن يتجه لغيرها. وللهجر في المضجع درجات بعضها أقسى من بعض، ويعرف هذه الدرجات العقلاء الحكماء من الرجال، الخبيرون بأدواء النساء، وبطرق معالجتهن، وليس من الحكمة في التأديب معاقبة الزوجة بأشد هذه الدرجات قبل امتحان أخفها وسيلة للإصلاح، فإذا لم تُجْدِ في تأديبها الدرجات الخفيفة انتقل إلى الدرجات العنيفة. وقد هجر الرسول صلوات الله عليه زوجاته قرابة شهر فكان هذا عليهن أقسى تأديب تلقينه.

стр. 603

وقد أشار الإسلام إلى أن المدة القصوى للهجر ينبغي أن لا تزيد على أربعة أشهر، وذلك إذ جعل للذين يولون من نسائهم (أي: يحلفون أن لا يعاشروهن المعاشرة الزوجية) أن يتربصوا أربعة أشهر، فإما أن يعودوا إلى معاشرتهن، وإما أن يكون لزوجاته الحق بأن يطالبن بالفراق. فإذا لم تُجدِ وسيلة الهجر في رد الزوجة إلى الطاعة والاستقامة، لم يكن للزوج مندوحة قبل العزم على حل عقدة الزواج بالطلاق من اللجوء إلى المرتبة الثالثة من مراتب التأديب. المرتبة الثالثة: مرتبة الضرب غير المبرح الذي لا يصل إلى أدنى الحدود الشرعية. وما نظن امرأة في الدنيا توجه لها أشد درجات الموعظة فلا تستقيم، ثم تهجر أبلغ أنواع الهجر وأقساها فلا تستقيم أيضاً، إلا أن تكون مبلدة الحس، سيئة العشرة، كريهة الطبع، لا تشعر بكرامة نفسها، فهي تستحق الت أديب بالضرب، أو أن تكون مكارهة تبغي الفراق، ولكنها لا تحاول أن تصرح به لغرض في نفسها. فإذا كانت كارهة راغبة بالفراق فإن لديها من الوسائل ما يبلغها مرادها، دون أن تكاره الزوج بالنشوز والعصيان والخروج عن طاعته، وبإمكانها أن تعرب عما في نفسها منذ أن استخدم في إصلاحها المرتبة الأولى فالثانية، فهو يظنها زوجة راضية به حريصة عليه. أما إذا لم تعلن رغبتها بمفارقته فالظاهر من أمرها أنها امرأة إما أن تكون ممن يصحلهن الضرب، أو أن يكون نصيبها الفراق، إلا أن إهانتها بالفراق ووسهما بأنها امرأة لا تصلح للمعاشرة الزوجية أقسى عليها وأشد من إهانتها بالضرب غير المبرح. على أن في يديها حق المطالبة بالفراق، قبل أن يمارس الزوج هذه الوسيلة في إصلاحها وردها إلى الطاعة والاستقامة، وبذلك تحفظ كرامتها إذا كانت من الصنف الذي لا يتحمل الإهانة بالضرب، وهي مصرة على أن تظل معاندة غير مستجيبة لوسائل التربية.

стр. 604

يضاف إلى ما سق أن التجارب النفسية قد دلت أن بعض الناس مصابون بانحراف نفسي غريب المزاج، يلذ لهم معه أن يتلقوا معاملة قاسية مؤلمة، جسدية أو نفسية، فلا يطيب مزاجهم ولا يعتدلون إلا بالضرب أو ما يشبهه من مؤلمات، وأكثر ما يكون هذا اللون من الانحراف في صنف النساء، ويطلق عليه علماء النفس اسم "الماسوشزم". وكثيراً ما سمعنا عن نساء من هذا القبيل، لا تطيب لهن الحياة الزوجية، ولا يستقمن مع أزواجهن، ولا يعتدل مزاجهن، حتى يتلقين منهم عنفاً يجري دموعهن الغزيرة، يتبعه رفق يمسح هذه الدموع. ومهما يكن من أمر فإن استخدام هذه الوسيلة مع اللوات يفضلنا على الفراق، يشبه استخدام وسيلة جراحة العضو العليل لدى مداواته، قبل الحكم عليه بالبتر النهائي، ما بقي لدى الحكيم أمل بالإصلاح، أما إذا جزم بخبرته أنه لا سبيل إلى الإصلاح فإنه له أن ينتقل مباشرة إلى البتر النهائي، وكذلك يكون الأمر في بعض الحالات الزوجية. على أن وجود التشريع الذي يأذن للزوج بتأديب زوجته بالضرب في آخر المراحل التي ليس وراءها إلا الطلاق، لا يعني أ، هذا السلاح الاحتياطي سيستخدمه كل زوج، فمعظم الأسر المؤدبة بآداب الإسلام لا تعرف في حياتها الهجر في المضاجع فضلاً عن الضرب، وذلك لأن التربية الإسلامية العامة للرجال والنساء، متى استوفت شروطها فلا بد أن تجعل الأسر الإسلامية في وضع من الوئام والتفاهم والود؛ لا يسمح بأكثر من استخدام الدرجات الخفيفة من درجات الموعظة التي يشترك فيها كل من الزوجين، إذ تقضي تعاليم الإسلام بإلزام كل من الزوجين بأن يأمر قرينه بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويقدم إليه الموعظة الحسنة. وقد علمتنا السيرة النبوية أن الرسول صلوات الله عليه لم يضرب في حياته زوجة ولا خادماً. وأحاط الإسلام الإذن باستخدام هذه الوسيلة في تأديب بعض المسيئات من الزوجات بسياج من الوصايا الكثيرة، التي تأمر الرجال بأن يحسنوا معاملة النساء.

стр. 605

وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله قال: "من كان يؤمن بالله وا ليوم الآخر فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهنّ خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً". وفي رواية أخرى: "إن المرأة خلقت من ضلع، ولن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيما كسرتها، وكسرها طلاقها". ففي هذا تنبيه إلى اختلاف خصائصهن النفسية عن الخصائص النفسية التي يتمتع بها الرجال، ولذلك يجب مراعاتهن بما يناسب خصائصهنّ. وروى مسلم عن أبي هريرة، أن النبي قال: "لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر". ومعنى "لا يَفْرَك": لا يبغض. وقد ألح الرسول في خطبته في حجة الوداع موصياً بالنساء خيراً فقال: "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله". ومن غريب المفارقات، أن الذين ينتقدون بشدة تعاليم الإسلام، إذ أذنت للزوج بأن يضرب زوجته ضرب تأديب وإصلاح، ضمن منهج تربوي رائع، لا يتورعون عن إنزال أشد أنواع العذاب والاضطهاد على الرجال والنساء والفتيان والفتيات، من أجل خلاف في الرأي السياسي أو المذهب الاجتماعي، لأنهم يعتبرون ذلك خروجاً على طاعتهم، إذ فرضوا أنفسهم عليهم أولياء أمور بدون حق. ل- المرأة والطلاق: يحاول بعض أعداء الإسلام تلفيق انتقادٍ لنظامه في موضوع الطلاق، إذ جاء فيه الإذن بحلّ عقدة النكاح بين الزوجين به، وفي هذا إذن بهدم مؤسسة

стр. 606

الأسرة، وكان ذلك بيد الزوج فلا تملك المرأة حق مباشرته، وفي هذا تفضيل للرجل على المرأة، مع أنها العضو الثاني في بناء هذه المؤسسة الاجتماعية. وفي دفع الشبهات المطروحة في هذا الموضوع، نلجأ إلى تحليل موجبات هذا النظام، وتفصيل الاحتمالات المختلفة، لكشف أن ما اختاره نظام الإسلام هو الحلّ الأفضل من سائر الحلول الممكنة، لسلامة المجتمع الإنساني. موجبات الإذن بالطلاق: مما لا ريب فيه، أنّ نظرة الإسلام إلى عقد الزواج بوصفه شركة اجتماعية تهدف إلى بناء أسرة من أسر المجتمع الإنساني المتكاثر، نظرة تحرص على أن يكون هذا العقد مؤبداً، ليضطلع كل من الزوجين بمسؤوليته الكاملة، تجاه أوصال هذه الحلقة من حلقات السلسلة الإنسانية الكبرى، التي يتكون منها المجتمع الكبير. من أجل ذلك لم يرتض التوقيت لهذا العقد بمدة زمنية محدودة، مهما كانت هذه المدة، باستثناء ظروف الضرورة القصوى التي كان قد رخص فيها بالمتعة، ثم ألغى هذه الرخصة كما يرى ذلك جمهور فقهاء المسلمين. إلا أن ضمان استمرار هذه الشركة على الوجه الذي يرافقه الخير والسعادة للزوجين، ولسائر أعضاء الأسرة، أمر لا يملكه بحال من الأحوال نظام يقضي بمنع حل هذه الشركة، إن استمرار هذه الشركة على هذا الوجه، حتى تؤدي وظائفها الاجتماعية أداء حسناً أمر لا يتم إلا ضمن شروط نفسية وخلقية ومادية، وأهم هذه الشروط ما يلي: الشرط الأول: المودة والرحمة بين الزوجين، ومتى فقد هذا الشرط لم يكن لهذه الشركة أي معنى من المعاني، ولا يمكن أن يتم عن طريقها تلبية مطالب الشريكين التي دفعت كلاً منهما إلى الزواج، كما لا يمكن أيضاً تأدية الوظيفة الاجتماعية لأعضاء أسرتهما على الوجه الصحيح المطلوب، علماً بأن تأدية هذه الوظيفة هي الهدف الأكبر من وراء التجاذب الفطري بين الرجل والمرأة، ومن وراء ما ينعقد بينهما من مودة ورحمة.

стр. 607

وتحقيق هذا الشرط لا يملكه أي نظام من الأنظمة، وقد تساعد على إيجاهد ألوان التربية الخلقية التي عني بها الإسلام، ولكنها لا تملك تحقيقه دائماً، فالقضية فيه قضية عاطفة قلبية، وميل نفسي، يقومان على أساس تلاؤم فطري، ومن أصعب الصعب معالجتهما بوسائل مادية. وكثيراً ما يبدأ الزوج بالمودة والرحمة ثم يتحول الأمر بين الزوجين إلى نقيض ذلك، فتغدو هذه الشركة منحلة في الواقع النفسي، وإن بقيت مرتبطة في الظاهر، وأنت خبير أن من الخير لشركة منحلة في الواقع النفسي، أن تمنح لها فرصة الانفكاك الشكلي ضمن حدود النظام العام، لا أن يرفض عليها استمرار في الصورة، وهي منحلة في الحقيقة، لأن هذا الوضع المتناقض لا بد أن ينجم عنه سيئات وموبات نفسية وخلقية وجسدية واجتماعية، ومن شأن هذه السيئات والموبقات أن تتزايد وتتكاثر مع الزمن. الشرط الثاني: التلاؤم الخلقي أو الطبعي، فقد يصادف أن تكون أخلاق الزوجين أو طباعهما متنافرة تنافراً بيّناً، حتى لا يملك كل منهما تكييف نفسه بشكل يتلاءم به مع صاحبه، فلا يحسن أحدهما أو كلاهما معاشرة قرينه بالمعروف، وقد تطول تجربتهما رغبة بإيجاد التلاؤم المطلوب، ولكن يستمر حالهما على التنافر الخلقي أ, الطبيعي، وربما يشعر أحدهما أو كلاهما نحو صاحبه بالمودة الزوجية، إلا أنه لا يستطيع تحمل التنافر بينهما في الخلق أو الطبع، ومن شأن هذا التنافر إذا استمر أن ينتهي إلى مثل الحالة التي فقد فيها الشرط الأول، وعندئذ تتشابه المشكلة، وتتشابه معها طريقة الحل، ويكون حينئذ حل هذه الشركة خيراً من استمرارها على وضع يؤدي إلى فساد خطير، وسيئات اجتماعية لا تحتمل، وآلام للزوجين وأولادهما. الشرط الثالث: تلبية مطالب كل من الزوجين المادية، التي تعتبر من العناصر الأساسية لهذه الشركة. وقد يحدث أن لا يجد أحد الزوجين أو كلاهما عند الآخر مطالبة مادية، التي لا يكون الزواج سوياً بدونها، وفي هذه الحالة يكون الزواج مجرد صداقة، لا شركة لبناء أسرة من أسر المجتمع الكبير.

стр. 608

وليس من المفروض أن يلزم أحد الزوجين بأن يتنازل عن مطالبه المادية إذا تنازل الشريك الآخر عن مطالبه المادية المناظرة لها؛ فقد يكون عند أحد الشريكين قدرة يستطيع بها أن يصبر على الحرمان، في حين أن الشريك الآخر ليس لديه مثل هذه القدرة. وليس من العدل ولا من الحكمة في التزامات الحياة القائمة على التراضي بين فريقين، أن تُفْضِي إلى إكراه لأحد الفريقي أو لكليهما، رغم اختلال شرط من الشروط الأساسية التي قام عليها ذلك التراضي. ولدى التأمل نرى أن اختلال شرط تلبية المطالب المادية الزوجية مما يجعل الزواج منحلاً في الواقع غالباً، وإن كان قائماً في الصورة، وعندئذ يكون حل هذه الشركة خيراً من استمرارها، ما لم يكن استمرارها مقروناً برضى كل من الشريكين رضاً قلبياً وظاهراً، لمصلحة يريانها ويقدرانها. من كل ما سبق يتيبن لنا أنه قد تدعو الضرورة الملحة الفردية والاجتماعية إلى حل عقدة النكاح بين الزوجين، وهذه الضرورة تستدعي كل نظام أن يراعيها في أحكامه. من أجل ذلك وجدنا الإسلام المنزل من لدن عليم حكيم خبير قد راعى هذه الضرورة، فشرع الطلاق مع كراهيته له، إذ جاء في الحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". والإذن بالطلاق شبيه بالإذن ببتر عضو من أعضاء الجسد، حينما يُخشى من بقائه ضرر أشد من فقده، وهذه الضرورة هي التي دعت معظم القوانين الوضعية الحديثة في أوربا وأمريكا أن تخرج على تعاليم الكنيسة، وتبيح الطلاق إباحة تامة، إلا أنها تجاوزت في إباحته الحدود المنطقية، فلا تلاحظ المعوقات التي وضعها الإسلام رغبة بإصلاح ذات البين قبل بت الطلاق والجزم به بشكل نهائي. المعوقات: ولما دعت الضرورة الاجتماعية والفردية أن تتضمن الشريعة الإسلامية في

стр. 609

نظام الأسرة جواز حل عقدة النكاح بين الزوجين، لدفع آلام قائمة، وفسخ المجال لإجراء تجربة أخرى ربما تصادف لكل منهما نجاحاً لم يظفرا به في التجربة الأولى الفاشلة، أحاط الله ذلك بما يعوق طريق ممارسته الفعلية، وبما يهيئ الفرص المشجعة على الرجوع عنه، حتى تهبط نسبة الطلاق الذي يمارسه الناس إلى أقل نسبة ممكنة يتم فيها الانفصال النهائي بين الزوجين، وليظل البناء لكل أسرة بناء متماسكاً، ما لم يصبح أحد هذه الأبنية عنصراً غير صالح للبقاء، وما لم تقضِ الضرورة بفسح المجال لتجديد على وجه آخر. فمن المعوقات النصوص التي تتضمن كراهية الإسلام للطلاق. منها ما رواه أبو داود عن ابن عمر أن النبي قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ومنها ما رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، بإسناد جيد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة". ومن المعوقات إلزام الزوج بأن لا يطلق إلا في وقت تستطيع المرأة فيه أن تباشر أيام عدتها، وذلك إنما يكون في حالة طهرها من الحيض وقبل أن يمسها في هذا الطهر، أو إذا كانت حاملاً. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله فتغيظ فيه رسول الله ثم قال: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" وفي رواية: "مُرهُ فليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً". أما الأمور التي شرعها الإسلام لتكون مغرية الرجل بالرجوع عن طلاق زوجته، إذا كان الطلاق رجعياً، فهي أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن يكون طلاق المدخول بها على ثلاث مراحل، تكون المرحلة الأولى

стр. 610

والمرحلة الثانية منها قابلتين للعودة إلى رباط الزوجية، وترميم ما وهن أو انشق من بناء الأسرة. الأمر الثاني: نهى الأزواج عن إخراج المطلقات في المرتين الأولى والثانية من بيوتهم، ونهي الزوجات عن الخروج منها، واعتبار هذه البيوت بيوتهن، ليكون بقاؤهن فيها أدعى لتحريك عوامل المودة، وتذكر الصلات الأولى، والإغراء بالعودة إلى رباط الزوجية. الأمر الثالث: إطالة فترة العدة، ولو حصل التأكد من الخلو من الحمل بما دونها، إذ جعلها الإسلام ثلاثة قروء (أي: حيضات أو إطهار) إذا كانت المرأة من ذوات الحيض، وهي غالباً في ثلاثة أشهر، وجعلها ثلاثة أشهر إذا كانت المرأة من اللواتي لا يحضن، وأما الحوامل فتستمر عدتهن حتى يضعن حملهن. ونجد الدليل على ما شرعه اللهمن هذه المعوقات عن الطلاق، والمغريات بالرجوع عنه، في قول الله تعالى في سورة (الطلاق/٦٥ مصحف/٩٩ نزول) : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . وقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿َالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ

стр. 611

الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ . ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ . والحق أقول: إنه متى التزم الناس بهذه الحدود الربانية التي شرعها الله لهم، ضمنوا لأنفسهم أسراً محكمة البناء، تؤدي وظائفها الاجتماعية خير أداء. والحق أقول: إنه لا يؤدي تجاوز هذه الحدود الربانية لا إلى إخلال في تماسك الأبنية التي يتألف منها المجتمع الكبير، ثم إلى فساد عريض في الأرض. حق مباشرة الطلاق: يحاول أعداء الإسلام إثارة المرأة المسلمة ضد تعاليم دينها إذ جعل للرجل حق مباشرة تطليق زوجته، ولم يجعل للمرأة مثل هذا الحق إلا عن طريق القضاء الشرعي. ولا بد لرد هذه الشبهة من دراسة الاحتمالات الممكنة كلها، وبيان الأصلح منها بشكل منطقي سليم، لنقارن ذلك بما أخذ به الإسلام منها. إن لحل هذه الشركة الاجتماعية - عندما تلجئ الضرورة إلى حلها - عدة احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون حلها مثل عقدها لا يتم إلا بتطابق إرادتي الزوج والزوجة، ولكن لهذا الاحتمال سيئات، أهمها: أنه لو ألحت الضرورة على أحد الزوجين فعزم على الحل، وأصر الآخر على بقاء الشركة للإضرار بشريكه لم يستطع أن يصل إلى ما يريد، وبذلك تنمو مشكلة استمرار شركة بموجب إرادة مستمرة من طرف واحد فقط، مع أنها لم تتم إلا بتطابق إرادتين من طرفين، ومع إلزام الإنسان بما يكره أو لا يوافق مصلحته تنمو عوامل الاحتيال والمكارهة، والتهرب من الواجبات، والانحراف عن الصراط السوي، وقد تصل في آخر الأمر إلى حد الجريمة. إذن فهذا الاحتمال احتمال مرفوض.

стр. 612

الاحتمال الثاني: أن يكون في يد كلٍ من الزوجين إمكان حلّها من طرفه دون أية قيود تفرض عليه، وقد كان من المقبول اللجوء إلى هذا الاحتمال في التشريع لولا ملاحظة الأمور التالية: ١- أن تكوين مؤسسّة الأسرة ذو طابع اجتماعي، ولذلك اقتضى أن يكون لها كل ما للجماعة من مقومات، وأهمها أن بعضها ذو ولاية على الآخر، ليتمّ بذلك تماسك الجماعة، واستقامة أمرها، وبعدها عن الفوضى، فلو أنّ في سلطة كل من القيم صاحب الولاية وشريكته حل هذه الشركة بشكل مباشر، ودون أية عقبات، لكان نقضاً بيناً لمعنى الولاية، ومؤدباً إلى سلب كل قواها المادية والم عنوية. وذلك لأن صاحب الولاية وهو الزوج سيكون مهدداً بحل هذه الشركة من قبل الطرف الآخر، كلما أراد أن يوجه أمراً أو نهياً اقتضته المصلحة، وهو يخالف هوى الطرف الآخر، فتفقد الولاية بذلك كل معناها، ومتى فقدت الولاية معناها الحقيقي عاد أمر هذه المؤسسة الاجتماعية إلى الفوضى، واستقلال كل عنصر من عناصرها برأيه وأهوائه وشهواته. ٢- أن المرأة في الغالب تقع تحت تأثير عواطفها الآتية، فلو أن في يدها حل عقد النكاح مباشرة دون أية عقبة شكلية، لكانت هذه المؤسسة الاجتماعية عرضة للحل لدى أية حالة انفعالية رعناء تعتريها، والأمر في حل عقدة النكاح يخالف الأمر لدى ربطها، وذلك لأن ربطها يكون غالباً في حالة ذات استقرار عاطفي، لما يسبق ذلك من تأمل وتبصر، ولا يتم إلا عند تطابق إرادتي العاقدين، بخلاف الحل فإن أية رعونة طائشة كفيلة بالبت فيه، دون روية طويلة. ٣- أن معظم أعباء هذه المؤسسة الاجتماعية المادية والمعنوية، في بنائها أو هدمها ملقاة على عاتق الزوج في نظام الإسلام، فهو أحرى بأن يكون صاحب روية طويلة قبل أن يقدم على البت بحل هذه الشركة، وهدم هذه المؤسسة التي ستتهاوى أنقاضها عليه، وأحرى بأن لا يكون سريع الاستجابة لانفعالاته الآنية المفاجئة، التي قد تثيرها أمور طفيفة كثيراً ما

стр. 613

تحدث بين الزوجين، لأنه لا بد أن يقع في تقديره ما سيترتب عليه من مسؤوليات جسام مادية ومعنوية، إذا بت عبارة حله لهذه الشركة. بخلاف الزوجة في ذلك، فإنه لو كان بيدها مباشرة حل هذه الشركة متى أرادت، فإنها ربما تتخذ الزواج سبيلاً إلى تجاربها الزوجية الكثيرة، التي لا تكلفها شيئاً بل تدر عليها فوائد مادية تجنيها عن طريق المهر وغيره، وتعطي لنفسها مجالاً واسعاً. تنقل أهواءها فيه. كل هذه الأمور موجبة لرفض الأخذ بهذا الاحتمال. الاحتمال الثالث: أن يكون باستطاعة كل من الزوجين حل هذه الشركة ولكن ضمن قيود. وقد رأى الإسلام بحكمته العالية أن الأخذ بهذا الاحتمال أكثر صيانة لبناء الأسرة، من أن يكون عرضة لعوامل الهدم السريع، فأعطى الرجل بوصفه قيم هذه المؤسسة الاجتماعية وراعيها، سلطة حل الشركة بينه وبين زوجته بشكل مباشر، ولكن جعل له فرصتي روية يرجع فيهما عن رأيه، وحمله أعباء النفقات التي يستتبعها الطلاق، بعد أن حمله أعباء النفقات التي استتبعها عقد الزواج، وأعطى المرأة بجانب ذلك حق المطالبة بحل هذه الشركة عن طريق القضاء الشرعي، فإن كانت مطالبتها بذلك مستندة إلى مبررات مشروعة لم يكن للزوج أن يطالبهاب المهر ولا بأية نفقات أخرى استتبعها عقد الزواج أو الخطبة، وإن كانت مطالبتها بذلك مستندة إلى إرادة خاصة بها كان لزوجها الحق بأن يطالب برد المهر الذي ساقه إليها لدى عقد النكاح، والحكمة في ذلك أن لا تتخذ النساء من منحها الحق بأن تطالب بحل هذه الشركة، وسيلة لتحصيل المهور، واتخاذ عقد الزواج تجارة قائمة على مصلحة مادية بحتة. وقد أذن الإسلام للزوج بأن يمارس حقه هذا بشكل مباشر، وعن غير طريق القضاء الشرعي، صيانة للمرأة من الفضيحة التي يفضي إليها بيان الأسباب الداعية إلى الطلاق، وليخفف الأعباء عن القضاء الشرعي، كما خفف الأعباء منه في سائر العقود المادية والأدبية، فجعل الناس مسؤولين عما

стр. 614

يبتّونه منها فيما بينهم، ولو لم يكن ذلك بإشراف جهة رسمية تمثل الدولة. لكن للدولة الإسلامية أن تفرض على الناس ما يضمن تطبيق نظام التسجيل، إذا رأت أن النظام العام يقضي بأن تقوم الدوائر الرسمية بتسجيل عقود الزواج، وتسجيل حل هذه العقود ضماناً لحقوق الناس وأنسابهم. والتطبيق السوي لأحكام الإسلام هو الكفيل بأن يبرز كمالها وعظمتها، وهو الكفيل بأن يسكت ألسنة أعداء الإسلام. وقد كان المجتمع النصراني يحرم الطلاق بموجبة أحكام كنسية، ثم أثبتت لهم التجارب أنّ هذا الحكم غير صالح، وأنه قد نجم عنه مفاسد كثيرة، منها اعتبار الخيانة الزوجية أمراً عاديّاً لا غبار عليه، لأنه النافذة الوحيدة لتلبية رغبات كلّ من الزوجين اللذين ساءت العلاقة بينهما، وهما لا يستطيعان حل عقدة النكاح بموجب الحكم الكنسي. هذا الواقع الذي جرّ إلى الفساد الخطير جعل المجتمع النصراني يلجأ إلى مبدأ إباحة الطلاق في الأنظمة المدنية، التي أخذت بعد ذلك نوعاً من الموافقة الكنسية المحدودة، في بعض البلدان. ولكنه إذا أخذ بمبدأ إباحة الطلاق وقع في إطلاق مسرف، جرّ إلى مفاسد أخرى كثيرة، إذْ أباح لكلّ من الزوجين المطالبة بالطلاق، فانتشر الطلاق في كثير من بلاد الغرب انتشاراً واسعاً جدّاً، حتى صار من الوقائع التي تذكرها الإحصائيات أن الرجل يتزوج ويطلق في السنة الواحدة عدداً من المرّات، وكذلك المرأة، وغدا الزوج عند الكثيرين أشبه بالمعاشرة المؤقتة، كصور الزواج التي نشاهدها فيما يسمّى بالوسط الفني. في تقرير للمكتب الرئيسي للشؤون الاجتماعية في (فيسبادن) بألمانيا، أنه ارتفع معدل الزواج في مقاطعة (هليسن) بمقدار (٢) لكل ثلاثين ألف حالة في العام الماضي (١٩٨٠م) بينما بلغت حالات الطلاق (٨٤٠٠) حالة، أي

стр. 615

بزيادة (٢٥) في المئة عن السنة السابقة. وقد كان عام (١٩٧٩م) عاماً حافلاً بطلبات الطلاق التي أغرقت معظم المحاكم هنا. وقد بلغت حوالى (٨٠) ألف معاملة معاملة طلاق كانت تمثل كثيراً من المآسي الإنسانية هنا. والملاحظة تثبت أن النساء هنّ أصل المشكلة بسبب البحث عن مزيد من الحرية. * * *

стр. 616

الفصْل الثامِن أجوبَة أسئِلة تَشكيكيَّة موَجهَة من قبل منَظمَة "الآباء البيض" التبشيرية وفيه ما يلي: (١) بيان الأسئلة الموجهة من منظمة "الآباء البيض" التبشيرية. (٢) مقدمة عامة. (٣) الحرية في مفهومنا الإسلامي. (٤) المساواة في مفهومنا الإسلامي. (٥) شعارا الحريّة والمساواة صناعة يهودية. (٦) أجوبة الأسئلة الموجّهة. أوّلاً: أسئلتهم حول الحريّة وأجوبتها. ثانياً: أسئلتهم حول المساواة وأجوبتها.

стр. 617

(١) بيان الأسئلة الموجهة من منظمة "الآباء البيض" التبشيريّة وجّهت منظمة "الآباء البيض" النصرانيّة التبشيريّة، لعلماء المسلمين الأسئلة التشكيكيَّة التالية: أسئلة حول الحرّيّات (١) كيف يمكن التوفيق بين حريّة التفكير والاعتقاد الّتي منحها الله للإنسان، وبين منعه (مع استخدام العقوبة القُصْوى وهي القتل) من تغيير دينه وإنْ كان هذا التغيير قد نجم عن قرار شخصيّ نابع من تفكير عميق، ولأسبابٍ جدّيّة؟ (٢) المسلمون يعتبرون من الطبيعيّ جدّاً أن يعترف النصارى بحقّ إخوتهم في العقيدة في اعتناق الإسلام. ألاَ يُمْكن للمسلمين الراغبي في دخول النصرانيّة من التّمتُّع بالحقّ نفسه، إقراراً للحريّة التي منحها الله للإنسان؟ (٣) هل الإسلام على استعداد - في البلاد الإسلاميّة - لمنح المسيحيّين تلك الحرّيّات الّتي يتمتّع بها المسلمون في البلاد المسيحيّة، بما في ذلك دخول المساجد، والتعبير الحرّ عن دينهم، ودعوة الجماهير لاعتناق المسيحيّة؟ (٤) كيف يكون منطقيّاً التأكيد بأنّ الله قد منح الحرّيّة بالتساوي للرّجل والمرأة، ثمّ تُمنَعُ المرأة المسلمة من اختيار الرجل الذي ترغب في الزواج منه، إنْ لم يكن مسلماً؟

стр. 618

(٥) كيف يُمْكننا تفسير العقوبات الجسديّة، كقطع يَدِ السارق، أو الجلْدِ أو الرّجْم، وهي المبينة في بعض الآيات القرآنية؟. أسئلة حول المساواة (١) ما معنى الدفاع عن تفوّق الإنسان الحرّ على العبد، دون إدانة للعبوديّة، أو القضاء عليها؟ (٢) لماذا يُقال بأنّ الله قد خلق البشر سواسية في الحقوق والواجبات، بينما تقبل عدم المساواة لأسباب دينيّة؟ كما يعلن عن تفوّق المسلم على غير المسلم وإن كان الأخير من (أهل الكتاب) أو من أتباع الديانات الأخرى أو من غير المؤمنين؟ ونجد هذه اللاّمساواة في الميادين الحقوقيّة والاجتماعيّة، اعتماداً على العقائد الدينيّة، ونحن بدَوْرِنا نتساءل: هل يتعارض التعايش - بالحقوق نفسها - بين المسلمين والنصارى واليهود وبقيّة الناس، مؤمنين أم غير مؤمنين، مع العقيدة الإسلامية، وبخاصة بالنسبة لقضيّة تطبيق الشريعة دون تمييز على المسلمين وغير المسلمين؟ (٣) ولماذا يقْبَلُ تفوُّق جنس على آخر، وهو أمر نراه من خلال النقاط التالية: * قبول تعدّد الزوجات، مع تحريم تعدّد الأزواج. * إمكانيّة هجر الرجل لزوجته دون أن يقدّم تبريراً لعمله، ومن دون أن يعاني من أيّة نتائج لعمله هذا، بينما لا تستطيع المرأة سوى الحصول وبصعوبة على الطلاق، وعن الطريق القانوني فقط. * للأب حقّ الوصاية أو الولاية على الأبناء دائماً وإن كان الأطفال في حضانة الأمّ. * بالنسبة للمواريث نجد أنّ نصيب المرأة، وفي أغلب الأ؛ يان، هو أقلّ من نصف حصة الرجل.

стр. 619

(٤) وأخيراً أيْنَ نجد الترابط المنطقيّ لله والذي خلَق البشر وأحبَّهمه جميعاً، بينما نجد - كما في النصوص القرآنيّة - يحثُّ على قتال الكفار؟. (٥) وفي الدولة الإسلاميّة الّتي تُطَبَّقُ فيها الشريعة، هل التعدّديّة (في كافّة صورها الدينيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعائليّة) هل ستعتبر هذه التعدّديَّة رحْمةً إلهيَّةً تضمن الحرّيّة والمساواة، أم إنّه ستفرض الشريعة على الجميع بشكل ديكتاتوري، كما نراها حاليّاً في كثير من الدُّول الإسلاميّة؟ * * * هذا هو نصُّ أسئلتهم التشكيكيّة، وأجيب عليها في هذا الفصل بإيجاز بمعونة الله وتوفيقه. * * * (٢) مقدمة عامة الحمد لله ربّ العالمين، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفُواً أحد، ولم يتَّخذ صاحبةً ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولا شريك له في ربوبيته ولا في إلهِيّته، عن كل ذلك، وتنزه عن الحلول والاتحاد بشيء مما خلق، وكل ما سواه خلقٌ من خلقه. والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى إخوانه نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وموسى وعيسى، عبادِ الله وأنبيائه ورسله، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإنَّ الله لم يخلق الناس في هذه الحياة عبثاً ولا باطلاً، ولم يخلق كونه لعباً ولا لهواً، بل كلّ خلقه وأمره وتصاريفه في كونه

стр. 620

لحكمة، ولا مجال لتصوّر العبث أو الظلم أو اللهو أو اللَّعب في شيءٍ من ذلك، وهو العليم الحكيم القدير الذي يفعل ما يشاء ويختار، خَلْقُه فَيْضٌ، وعطاؤه فَضْلٌ، وعقابه عَدْلٌ. وقد خلق الله الناس على أحسن تقويم، وجعل حياتهم الأولى في هذه الدنيا داخل أحداث متداخلة متشابكة، وصور مختلفة كثيرة، ليبلوهم أيُّهم أحسن عملاً، فمن هو دون ذلك، حتى أسوئهم عملاً، وأحطِّهم دركة في أسفل سافلين، ليجزيهم في الحياة الأخرى، بعد الموت والبعث على مقادير أعمالهم. فهذه الحياة الدنيا رحلة امتحان، والممتحن فيها إمَّا أن يسعى إلى سعادته يوم الدين، وإمَّا أن يسعى إلى شقائه وتعاسته وعذاب أليم. والذين هم في الامتحان الربّاني مكلَّفون، ليسوا أحراراً في رفض التكليف. إنَّهم قبل الظهور إلى عالم الامتحان وهم في عالم الذرّ قد خُيّروا، كما جاء بيان هذا في القرآن الكريم في سورة (الأحزاب/٣٣) الآية (٧٢) ومضمون هذا التخيير: هل يريدون أن يكرّموا بإنسانيتهم، ويحملوا الأمانة وتكاليفَها، ويجتازوا رحلة الامتحان للظفر بالنَّعيم الخالد، فإن خالفوا أوامر ربّهم ونواهيه الجازمة وهم في رحلة الامتحان، كانوا عرضة للعقاب من دركات العقاب المؤقت على مقادير المعاصي في غير الكفر، حتى دركات الخلود في عذاب النّار بالكفر، ثمَّ حتَّى أسفل الدركات بالنفاق. فكل من يجتاز رحلة الامتحان في ظروف هذه الحياة الدنيا بشروطه، فهو مكلَّف أن يؤمن بالله إيماناً صادقاً موافقاً للحقّ والواقع على ما يقضي به برهان العقل، وهو ما جاء على ألسنة رسل الله، وتنزَّلت به كُتُبه، من كونه ﵎ متَّصفاً بكلّ صفات الكمال، ومنزَّهاً عن كلّ صفات النقصان، ومنها توحيده في ربوبيته، وتوحيده في إلهيته، وأنه لا والد ولا ولد ولا صاحبة، وأن يؤمن باليوم الآخر يوم الحساب وفصل القضاء والجزاء، وأن

стр. 621

يؤمن بكتب الله المنزَّلة التي فيها بيان الدين الذي اصطفاه الله للناس، وأن يؤمن برسُل الله المبلِّغين عن الله رسالاته للناس، وأن يؤمن بسائر النبيين الذين اصطفاهم الله بوحيه، وأن يؤمن بملائكته، وأن يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشرّه، ثم يعبد الله في حياته لا يشرك بعبادته أحداً، وأن تكون عبادته على وفق صراط الله المستقيم المبيّن في آخر رسالاته للناس وآخر تنزيل من لدنه، بلَّغه آخر رسولٍ لاحق، حتى خاتم الأنبياء والمرسلين. وتكون درجة الممتحن المكلَّف عند الله بحسب قوَّة إيمانه ويقينه بالله، وبما صحَّ وثبت عنه، وبحسب مقدار الأعمال الصالحات المرضيات لله، من أعمال ظاهرة، وأعمال باطنة. أمَّا درجات الجنّات يوم الدين فهي متفاضلات على مقادير تفاضل الناس في الإيمان والعمل الصالح. وقد أمر الله بمستوى من الإيمان، وبمقدار من العمل الصالح، تكليفاً وإلزاماً. وأمر بمستوياتٍ أسمى من الإيمان وبمقادير أكثر وأحسن من الأعمال الصالحات، ترغيباً وندباً. ونهى الله عن الكفر به كلّياً وعن الإشراك به، نهياً من الدرجة القصوى، فمن كفر بالله ولو بالإشراك به في ربوبيَّته أو إلهيّته، ومات على ذلك لم يغفر الله له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ومن عصى الله من دون الإشراك به، في أوامره ونواهيه، الإلزاميَّة الجازمة، استحقَّ من عقاب الله بالعدل، على مقدار معاصيه، فجزاء كلّ سيِّئة بمثلها. وعقوبة الإشراك بالله وسائر دركات الكفر التي هي أشدّ من الشرك الخلُود الأبديُّ في عذاب النار يوم الدين، وهذا من العدل، لأن الكافر لو

стр. 622

جعله الخالق خالداً في الحياة الدنيا لبقي كافراً، فاستحق بالعدل الخلود في العذاب. وعقوبة المعاصي من دون الإشراك بالله على مقاديرها كمّاً وكيفاً، ويغفر الله ما يشاء منها برحمته، على وفق حكمته، وبحسب علمه بأحوال عبده. فالإنسان في الحياة الدنيا مخلوق ممتَحنٌ مكلَّف، وليس مخلوقاً متروكاً لكامل حرِّيته، يختار ما يشاء، ويفعل ما يشاء، دون مسؤولية عمّا يعتقد بإرادته غير المجبورة، وعمّا يعمل من عمل ظاهر أو باطن، بإرادته غير المجبورة، ودون حساب ولا جزاء، بل هو ملاحقٌ بالمسؤولية والحساب والجزاء، بالثواب أو بالعقاب. وحرّيته المطلقة إنَّما تكون فيما أباح الله له فقط. وله أيضاً حّريةٌ أخرى في ترك ما هو أحسن له وأفضل دون عقاب، لكنه يحرم نفسه من الثواب العظيم والأجر الجسيم، إذا اختار أن يترك ما هو الأحسن والأفضل، وليس من حقِّه بعد ذلك أن يقول: لِمَ لا أنال من النعيم والأجر العظيم مثل ما نال أولئك الذين فُضّلوا عليّ يوم الدين؟ فجوابه: أولئك اختاروا لأنفسهم في الحياة ما هو الأفضل والأحسن، مما فيه رضوان الله، وأنت لم تختر لنفسك ذلك، بل آثرت متاع الحياة الدنيا على الدرجات الحسنيات في الآخرة، فحرمت هذا الفضل العظيم من الربّ الكريم. وبهذا البيان نفهم أنَّ ما فرضه الله على عباده من إيمان ومقدارٍ من العمل الصالح، وما حرَّمه عليهم من كفر وشرك به ومقدارٍ من العمل غير الصالح، إنَّما تكون حرّيَّة الإنسان فيه حريَّة الممتَحَن ما دام في ظروف الامتحان، لاستكمال اختباره، حتّى إذا انتهت ظروف امتحانه صار مُلاحقاً على ما قدَّمه في امتحانه بالمسؤولية والحساب والجزاء. وهذه في الحقيقة ليست حريَّة كاملة، بل هي تكليف وإلزام، ولكن

стр. 623

عن طريق إرادة المكلف غير المكرهة وغير الملجأةِ إلجاءً، فلا جبر لإرادات المكلّفين ولا قهر ولا قسر ولا إلجاء، ولو كان الأمر كذلك لما كان امتحاناً أصلاً. كذلك نفعل نحن في امتحاناتنا واختباراتنا، حين يختبر بعضنا بعضاً، وبعد هذا أقول: حين يوضع الإنسان في امتحان ما حول أمْرٍ معيَّن، كامتحانٍ في علم من العلوم، أو رياضة من الرِّياضات، أو مسابقة من المسابقات، فإنَّه لا يسمح له بحالٍ من الأحوال أنْ تتعدّى حرِّيته حدود مجال امتحانه. فمثلاً: إذا كان يمتحن في مختبر الكيمياء لتحليل مادَّةٍ من المواد، فإن حريَّته تكون ضمن استعمال الأدوات على وفق شروطها، واستعمال الموادّ الكاشفة ضمن ضوابطها. فإذا دخل مختبر الكيمياء، فأخذ يفسد الأدوات، ويحطِّم زجاجات الموادّ الكيميائية، فإنَّه يعاقب مباشرةً عقاباً صارماً حاسماً، أو يطرد من المختبر كلّياً، ويُخْرَجُ من دائرة الامتحان، وإخراجه هذا هو نظير قتل المجرم بجريمة تستحق بحكمة الرَّبّ الخالق إخراجه من مختبر الحياة الدنيا، عن طريق تكليف أولي الأمر من أصحاب السلطة الإدارية، أن يُنفِّذوا فيه عقوبة القتل. وإذا كان يُمْتَحن في حلبة المصارعة فإنَّ حدود حرّيته تكون ضمن شروط متساوية مع قرينه أو قرنائه فيها، وضمن أعمال تتعلَّق بالامتحان نفسه. فإذا تعدّاها، فأحضر أدوات ممنوعة، أو جعل يتعرَّض لِحَكَمِ المبارة كأنَّه خصم، أو صار يقذف جماهير المشاهدين بالحجارة، أو يرمي المصابيح الكهربائية فيحطِّمها، فإنَّ حرّيته تمنع حينئذٍ، ويُطْرَدُ من الحلبة كلها، وطرده منها يساوي تماماً طرد إنسانٍ من الحياة الدنيا بالقتل، إذا ارتكب أمراً تجاوز فيه حدود حرّية امتحانه.

стр. 624

وهكذا إلى أمثلة كثيرة تُعْتَبَرُ من بدهيات قواعد الحقّ والعدل في مفاهيم كلّ الناس. وقد خلق الله الناس متفاضلين في الصفات والخصائص، وجعل مسؤوليَّة كلّ فردٍ حين يصل إلى درجة التكليف، محدودة بحدود ما وهبه الله من صفات وخصائص، ضمن الأُطُرِ العامَّة للتكليف، فلم يخلق الناس متساوين في الذكاء والغباء، ولا متساوين في القوة والضعف، ولا متساوين في الخصائص والصفات النفسية والجسديَّة، ولا متساوين في الوظيفة الاجتماعية. إنَّ نظام الله في الخلْقِ قائم على قاعدة التفاضل، لا على قاعدة التساوي. بعد هذا يتضح لكلّ ذي نظر أنَّ التفاضل في الخصائص والصفات يلائمه مبدأ العدل، ولا يلائمه مبدأ المساواة. إنَّ مبدأ المساواة مع التفاضل في الخصائص والصفات والوظائف الاجتماعية ظلم وإفسادٌ في الأرض عريض. وأُسائِلُ طارحي الأسئلة، من المؤسسة التبشيرية العاملة تحت تنظيم "الآباء البيض" قائلاً: هل المراتب الدينيَّة في السلك الكنسيّ النصراني قائمة على مبدأ المساواة، أو على مبدأ التفاضل، من درجة الشمّاس، حتى درجة البابا؟! ويظهر أن واضعي الأسئلة التشكيكيَّة من منظمة التبشير المذكورة قد وقعوا فريسة الخديعة اليهودية التي أطلق اليهودي فيها شعارَيْ الحرّية والمساواة، بصورة تعميميَّة مُضَلِّلة، ولم يدركوا أغراض قادة اليهود من إطلاق هذين الشعارين، اللََّذين يُرَادُ منهما تدميرُ المجتمعاتِ البشرية، ونُظُمِها الإدارية، وأوَّل ما دمَّروه بالحريّة أُسُسُ المجتمعات النصرانية، وكثيرٌ من أركانها. ومن العجيب أن يقوم رجال الكنيسة أنْفُسُهم بترويج هذين الشعارين محقِّقين به في شعوبهم وفي كنائسهم أهداف المكر اليهودي الرامي إلى

стр. 625

تدمير الشعوب، وتفتيت وحدتها، وإطلاق الغرائز البَهَمِيَّة في الناس إطلاقاً فاسداً مفسداً دون حدود. ومن العجيب أن يتعاملوا مع المسلمين , ومع تعاليم الله في الإسلام، من خلال المنظار الفاسد الذي صنعه لهم أعداؤهم اليهود، منصرفين عن منظار الحقّ والعدل، ودينِ الله الحقّ الذي أنزله على إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وسائر أنبياء بني إسرائيل، وأنزله أخيراً على محمّد بن عبد الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، عليهم أجمعين صلاة الله وسلامه. وفي بيان لاحق مزيد تفصيل حول الحرية والمساواة، وترويج قادة اليهود الصهاينة لهما، مع تقديم بعض أقوالهم في بروتوكولاتهم. أما نحن المسلمون فحريصون جدّاً على أن يكون النصارى وسائر أتباع الملل والنحل المختلفة، وسائر بني آدم إخوتنا في الإنسانية، سالكين معنا الطريق التي تُوصل إلى جنّات النعيم يوم الدين، وإلى رضوان ربِّ العالمين، والخلود الأبدي السعيد. ولا نريد أن نحتكر الجنَّة لأنفسنا، بل نريد أن يشاركنا فيها الناسُ أجمعون، فقد أعدَّ الله فيها لكلِّ إنسان حظّاً عظيماً جدّاً، إنْ هو آمَنَ وعمل صالحاً استحقه بفضل الله، وإلاَّ ورثه يوم الدين مستحقو الجنة زائداً على ما لكلٍّ منهم فيها. وإنني أدعو النصارى جميعاً، قادتهم وعامتهم، وأعضاء منظمات التبشير فيهم، ورجال السلك الكنسي، إلى دين الإسلام بفكر مُسْتَنير، وعقل بصير، وإلى النظر المتجرِّد المنصف في حجج الإسلام وبراهينه بدءاً بقاعدته الأولى، ثم ما يتفرع عنها، ويُبْنَى عليها من أحكام وشرائع ربّانيّة، وليذكروا أنّ الله قد أبان في القرآن أنَّهم أقرب الناس مودَّة للذين آمنوا بالله ورسوله محمّد صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، فقال الله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ

стр. 626

أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ . وأدعوهم أيضاً إلى إمعان النظر في البيان التالي عن شعارَيْ الحرّية والمساواة، عسَى أن يشرح الله صدر من هو مستعدٌّ منهم للإيمان بالحقّ، فيطرحَ عن تصوُّراته الزيف الذي صنعه اليهود وروَّجوا له عن الحريَّة والمساواة، ويُدْرِكَ حقيقة واقِع الإنسان في رحلة امتحانه في هذه الحياة الدنيا، فيحرصَ على ما فيه نجاتُه وسعادتُه يوم الدين، يوم ينقسم الناس إلى ناجين منعَّمين في جنات الخلد، وإلى معذَّبين خالدين في النار دار العذاب، وإلى معذَّبين عذاباً مؤقتاً ضمن مقادير ذنوبهم ومعاصيهم، ثم يتفضَّل الله عليهم فيُخْرِجُهم من دار العذاب بسبب إيمان صحيح مَاتُوا عليه، ويُدْخلهم جنَّتَه. وما أظنُّ أحداً له ذرَّة من فكر وعقل سليم يعرِّض نفسه لخطر عذاب الله يوم الدّين، من أجل تَعَصُّب أعمى، أو مصلحةٍ دنيوية زائلة فانية، أو لإرضاء نوازع الكبر فيه، أو رغبات الفجور في الأرض. * * * (٣) الحرِّية في مفهومنا الإسلامي أنقل هنا ما كتبته في كتابي "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة" عن الحرية: في ظروف الاستبداد الدكتاتوري الذي كان سائداً في أوروبّا قبل الثورة الفرنسية، وإبَّان مصادرة حرِّيات الطبقات الضعيفة في المجتمع،

стр. 627

وحرّيات الأفراد الذين لا يملكون انتزاع حقوقهم في معظم المجتمعات الغربيَّة، انطلق دعاة الحريّة ينادون بها مبدأً إنسانيّاً، وأخذت فئات كثيرة تُروِّجها. واستغلَّت المنظمات ذاتُ المصالح الخاصَّة الرامية إلى تقويض النظم الإدارية، والمؤسَّسات الدينية، والنظم الاجتماعيَّة ومؤسَّساتها، لتكون لها السيطرة الشاملة، شعارَ الحريَّة، فوسَّعَتْ دائرة المفهوم المقبول الصالح للحريَّة شيئاً فشيئاً، دون أن تَشْعُر الجماهير بمكيدة التوسيع التعميمي المنافي لمنطق العقل، ولمبادئ الأخلاق، ولمصالح الناس أفراداً وجماعات، ولنظام الْخَلْقِ وقَوانين الوجود الجبريَّة، فيما عدا الأعمال الإراديَّة للمخلوق، وغفل عن ذلك أيضاً كثيرٌ من أهل الفكر والعلم. وصادت الماسونية والمكر اليهودي فيها شعار الحريَّة وجعلته أحد مبادئها، ثمَّ قامت الثورة الفرنسيَّة التي كان المكر اليهوديّ وراء تدبيرها والتخطيط لها، وتحريكِ القوى لاندلاعها، وتنظيم المنظمات لتفجيرها، والتربُّص لاستثمارها، واستغلالها، والانقضاض على غنائمها بعد قيامها ونجاحها، فجعلت هذه الثورة الحرِّيَّة واحداً من شعارها المثلث: "الحرِّية – المساواة – الإخاء". واندفعت الجماهير مفتونة بشعار الحرِّية، وهي لا ترى من معاني الحرِّيَة إلاَّ مساحةً محدودةً مقبولة معقولة، يتحقَّق لها بها الخلاص من الظلم الاجتماعي الذي تعاني منه، والخلاص من الاستبداد الضاغط عليها، والقاهر لإرادتها بقوى ظالمة آثمة، طاغية غاشمة. ونشط شياطين الإنس بقيادة المردة من اليهود يروِّجون لشعار الحرِّية، ويوسِّعون ممن مساحة دلالتها شيئاً فشيئاً، حتَّى تشمل كلّ سلوكٍ فرديٍّ أو جماعيٍّ يُحَقِّق أهداف الإفساد في الأرض، وتدمير كُلِّ القيم الدينيَّة والخلقية، وإماتة الوازع الديني والخلقي في الأفراد، وتحطيم النظم الاجتماعيَّة الإدارية والسياسيَّة والاقتصادية وغيرها، بغية إضعاف البشريَّة،

стр. 628

وتمكين اليهود في العالم من السيطرة التامَّة عليها، بعد إضعافها وتفتيتها، وبثّها بثّاً متنافراً متبايناً متعادياً متصارعاً متقاتلاً. ونجم عن إطلاق شعار الحرِّيَّة دُون أن تكون محصورةً في المساحة التي تكون فيها نافعةً وصالحة، انطلاقُ الوحش البشري مفسداً مدمِّراً، محطِّماً الفضائل، والأخلاق، والقيم الدينية، والنُّظم الاجتماعية، ومحطماً مبادئ الحقّ والعدل، واسْتغلَّ هذا الوحش البشريّ شعارَ الحريَّة لتحسين كلّ فسادٍ وإفساد، ولاستخدام القوة التي تعتمد عليها الثورات مع ما تُشْعِلُه من فتن، لمصادرة حياة خصومها، ومصادرة أمنهم وأموالهم وسائر حقوقهم، ولمحاربة كلِّ منصف يحبّ الحقَّ والعدل والفضيلة، ويطالب بسيادة هذه القِيَم. وفهم المجرمون الحرِّية على معنى إطلاق أيديهم في ارتكاب الجرائم على ما يشتهون، قتلاً وسلباً، وظلماً وعدواناً. وفهم الفاسقون والفاسقات الحرِّية على معنى أنَّ لهم الحقَّ الكامل في أن يَفْسُقُوا ويفجروا على ما يشتهون، دون أ، يكون لأحد أو جهةٍ ما حقٌّ في محاسَبَتِهِمْ ومُعَاقبتهم، أو كفِّهم عن فسقهم وإباحيَّتهم الَّتي لا تَحُدُّها حدود. وفهم محتالوا سلْب الأموال الحرَّيَّةَ على معنى إطلاق أيديهم في ألوان الغش والاحتكارات، وحيل المضاربات وخُدَعِ القمار، وأشباه ذلك، لسلب الناس أموالهم وهم غافلون أو مكرهون. وفهم العمّال والصناع والأجراء الحرِّية على معنى استخدام تكتُّلاتهم وتنظيماتهم للوصول إلى الاستيلاء على أموال أرباب العمل، ومصانعهم، وممتلكاتهم، ونهبها وسلْبها، أو استحقاق الأجور المرتفعة دون أن يقوموا بعمل يستحقُّون عليه الأجور التي يُطَالِبُون بتقاضيها. وفهمت النساء الحرِّية على معنى انطلاقهنَّ من ضوابط العفَّة، وتمرُّدهنَّ وانسياحهنَّ بحسب أهوائهن، وتفلُّتهِنَّ من كل واجب اجتماعي، وكلّ ضابط خلقي.

стр. 629

وفهم المراهقون والمراهقات، والفتيان والفتيات الحرِّية على معنى الانفلات الأرعن، والتمرُّد على الرعاة من الأسرة، وعلى المربّين والمعلمين. وصار كلّ ضابط للسلوك من سلطة مدنيَّةٍ أو عسكرية أو قانونية أو دينيّة أو أسريَّة عدوّاً للحرِّيَّة، في مفهوم حملة شعار الحرِّية الذين أطلقوها من حدودها المقبولة المعقولة، وعمَّموها تعميماً مدمِّراً للإنسانية وكرامتها، ومُخْرِجاً للإنسان عن موقعه الذي وضعه الله فيه موضع الابتلاء الْمُسْتَتْبَع بالحساب والجزاء، وقاذفاً به إلى مستوى الأنعام أو أضلَّ سبيلاً. هذا هو ما كان المفسدون في الأرض قد أر ادوه وخطَّطوا له، وأطلقوا من أجله شعار الحرِّية، ووسعوا من مساحتها حتى عمَّموها تعميماً فاسداً مفسداً، مصادماً للحقِّ والخير والفضيلة والجمال والكمال. إنَّ الحرّية مثل النار، لا تستخدم إلاَّ ضمن حدود وضوابط، وبحذر شديد، ومراقبة تامَّة، وإلاّ أكلت الأخضر واليابس، وابتلعت كلَّ شيءٍ أتَتْ عليه. إنَّ الحرِّية المقبولة المعقولة في واقع الناس ذاتُ مجالٍ محدود، وهذا المجال المحدود لا يجوز تَجَاوُزُهُ ولا تعدِّيه، لا في منطق العقل، ولا في منطق مصلحة الإنسان في ذاته، ولا في منطق مصلحة المجتمع البشري. فإذا تجاوزت حدودها كانت وحشاً مفترساً، أو ناراً هَوْجاء ثائرة محرقة، أو سيلاً عَرِِماً مدمِّراً، وكانت نذير شؤمٍ وخراب، وفوضى واضطراب، وصراعات بشرية تدمِّر الحضارات، وتمهِّد لأن تحلَّ بهم سنة الله في الذين خَلَوْ مِنْ قبلهم، إهلاكٌ عامٌّ، وعذابٌ أليم. إنَّ الحرِّية المقبولة المعقولة التي يقرُّها الإسلام تقع ضمن المجالات التاليات، وعلى وفق القيود المبينة فيها:

стр. 630

المجال الأول: حرِّيَّة الاعتقاد، فالإنسان المسؤول المكلَّف حرٌّ في هذه الحياة الدنيا، في أن يؤمن بقلبه بما يشاء، من حقٍّ أو باطل، لكنَّه ملاحقٌ بالمسؤولية عند الله عن اختياره الذي كان حُرّاً فيه، وكانت حرِّيته هي مناط ابتلائه وامتحانه في الحياة الدنيا. وهي هنا حرِّيَّة الممتحن المسؤول، وليست حرِّيَّة مطلقة خالية من المسؤولية والجزاء. دلَّ على هذه الحرِّية الملاحَقة بالمسؤوليَّة والجزاء عند الله عدَّة آيات قرآنية، منها قول الله في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ . ومنها قول الله في سورة (البقرة/٢ مصحف/٦٩ نزول) : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ . المجال الثاني: حرِّيَّة العبادة على وفْق الاعتقاد، والحرِّيَّة هنا كسابقتها هي حرِّية الممتحَن المسؤول الْمُلاَحَقِ عند الله بالحساب والجزاء، وليست حرِّيَّة مطلقةً خاليةً من المسؤولية والجزاء. دلَّ على هذه الحرِّيَّة الملاحَقة بالمسؤولية والجزاء الربَّاني، قولُ الله في سورة (الزُّمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) : ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . وقول الله في سورة (فُصِّلت/٤١ مصحف/٦١ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

стр. 631

المجال الثالث: حرِّيَّةُ اختيار ما يُريدُ الإنسان ويَشتهي ويهوى، ممّا أباح الله في شريعته لعباده من عمل ظاهر أو باطن. وهذه الحرِّيَّة غيرُ ملاحَقةٍ بالمسؤولية والحساب والجزاء، ما لم ينجم عنها لدى استعمالها تركُ واجب، أو فعلُ مُحرَّم، أو عدوان على حقّ الغير فرداً كان أو جماعة، أو ضررٌ أو إضرار. وإنَّما كانت الحرِّيَّة في هذا المجال غير مُلاحَقَةٍ بالمسؤوليَّة والحساب والجزاء، لأنَّ الرَّبَّ الخالق الذي له الخلق والأمر، قد منحها ذلك، فأباح لها أن تختار ما تشتهي من أصنافٍ أو أفراد داخلةٍ في دائرة المباحات التي أباحها لعباده، وأنزل فيها إذناً شرعيّاً ضمن دائرة ما أباح لهم أن يفعلوه أو يتركوه. وما أباح الله للإنسان من سلوك شخصيّ لا علاقة للمجتمع به، أو لا يمسّ إنساناً بضرر، فلا حقَّ لأحدٍ أيَّاً كان بأنْ يَحْرِمه منه، أو يمنَعَه عنه. ومن الخير للمجتمع أن يترك هذا المجال مفتوحاً للنّاس، يُعَبِّرون فيه عن حرِّيّاتهم الخاصة، ويشعرون فيه باستقلاليَّتهم. المجال الرابع: حرِّيَّة تعبير الإنسان عن أفكاره وآرائه، ما لم يكنْ مُضلِّلاً بباطلٍ واضح البطلان، أو داعياً لضُرٍّ أو شرّ أو أذى، أو مشجِّعاً على إدحاض الحقّ ونصرة الباطل، ونشر الظلم والعدوان والفساد والإفساد في الأرض. المجال الخامس: كلُّ ما للإنسان فيه حقٌّ مشروع واضح للجميع، ولا يحتاج إثباته إلى دعوى قضائية، فإنَّه يملك الحرِّيَّة في الحصول عليه بوسيلةٍ مشروعة، لا

стр. 632

ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى، ولا مخالفة فيها لما أمر الله به، أو لما نهى عنه. وأمّا ما لا حقّ للإنسان فيه فمن حقِّ المجتمع، بسلطته الإداريَّة أن يحجر على حرِّيته فيه. أمثلة: (١) من حق الإنسان العمل لكسب ما قسم الله له من رزق، لاستعماله فيما أمر الله به أو أذن فيه. فهو إذن يملكُ الحرِّيَّة في العمل لكسب رزقه في المجالات التي لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى، ولا مخالفة لما أمر الله به ولما نهى عنه. وعلى المجتمع أن يُتِيح َ له فُرْصة توجيه نشاطه وأعماله لكسب رزقه ضمن هذه المجالات، وأن لا يحجر على حرِّيته تلك، ومن ذلك ممْشَاه للحصول على عمل مأجور لدى الدولة، أو أَيَّة مؤسَّسة عامَّة، ومستحقُّ العَمَل هو الأكثر كِفَاية للقيام به، ما دامت الشروط العامَّة مُتَوافِرَةً فيه. (٢) ومن حق الإنسان ذي الباءة أن يتزوَّج، فهو إذن يملك الحرِّيَّة في أن يسعى في اختيار زوجة يستطيع الحصول على موافقتها وليّ أمرها، من اللَّواتي أذن الله في شريعته لعباده بأن يتَزَّوج منهنَّ. وعلى المجتمع أن يُتِيحَ له فرصة السعي لاختياره الزوجة التي تلائمه، ضمن ما أذن الله به له ولأمثاله، وأن لا يحجر عليه حرِّيته في هذا المجال. (٣) ومن حقِّ الإنسان أَنْ يتزوَّد من العلم والمعرفة بما يشاء من كلّ نافع مفيد، أمر الله به أو أذن في تعلُّمه. فهو إذن يملك الحرِّيَّة في أن يسعى في تحصيل العلم الذي يريد ضمن حدود الإذن الرَّبّاني. وعلى المجتمع أن يُتِيحَ له فرصة السعي لتحصيل ما يشاء من علم مأذون به شرعاً، على مقدار ما يملك من قدراتٍ تمكِّنُه من ذلك التحصيل.

стр. 633

(٤) ومن الحقوق المشروعة للإنسان حقّ مطالبته بحقوقه التي هي له، وحقّ الاعرتاض على ظُلْمٍ لَحِقَ بِه، وحقُّ الشكْوَى ضدّ من ظَلَمه، وحقُّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ربَّما يكون واجباً عليه في كثير من الأحوال، فمن حقِّه ممارسته، وحقُّ توجيه النُّصح لغيره محكوماً أو حاكماً، رعِيَّة أو سلطاناً. الحجر على الحرِّيَّة إذا عرفنا الم جالات التي يملك فيها الإنسان الحرِّيَّة الملاحَقَة بالمسؤولية والحساب والجزاء، والحريَّة غير الملاحقة بالمسؤولية، يتَّضح لنا ما يلي: (١) لا حرِّية في ظلم أو عدوان أو هضم لحقوق الآخرين. (٢) لا حرِّيَّة في مخالفة الحقِّ والعدل والخير، في كلِّ سلوك عمليّ ذي أثرٍ مادِّيّ يضرُّ المجتمع أو يؤذيه أو يُفْسد نظامه. (٣) لا حرِّيَّة لمن آمن برسالة الإسلام، وبايع على الالتزام بأحكامه وشرائعه، في أن يخالف أحكامه، بترك فرائضه وارتكاب محرّماته، وإلاَّ كان عرضةً للملاحَقَة بالمسؤولية والمحاسبة، وبالجزاء المقرَّر في أحكامه، من قِبَلِ سلطة الدولة الإسلامية، إذا كانت المخالف لها عقوبة دنيويَّة مقرَّرة في الإسلام. ومما يخالف أحكام الإسلام الانتحارُ، أو ارتكاب الإنسان شيئاً يضر بجسمه أو نفسه أو ملكاته الفكرية، أَو يُبَدِّد أمواله في المتالف بلا فائدة سفهاً وتبذيراً. (٤) من أعلن دخوله في الإسلام باختياره الحرّ، فقد أعلن التزامه به وبأحكامه، فلا حرِّيَّة له بعد ذلك في الرِّدَّة عنه، وإِلاَّ فهو مُلاحَقٌ بعد استتابته بالمسؤولية الجزائية التي عقوبتها القتل، ولا حرِّية له أيضاً في الاعتراض على أحكامه وشرائعه المقرَّرة.

стр. 634

(٥) لا حرِّية لمسلم ولا لذميٍّ ولا لمستأمن ولا لمعاهد في دار الإسلام، في الطعن بالعقائد والشرائع والأحكام الإسلامية، المجمع عليها، ولا حرِّيَّة له في التشكيك فيها، أو تشويهها أو تحريفها، أو القيام بما يُسيءُ إلى نظام الإسلام، أو دولته، أو جماعة المسلمين، لأنَّ في ذلك نقضاً لما التزم به كلّ منهم. ولا حرِّيَّة لأحدٍ من هؤلاء في الدعاية لأعمال حرَّمها الإسلام، أو لأشياء حرَّم الإسلام تناولها كالخمور، أو الترويج لأفكار مناقضة لحقائق الإسلام وتعاليمه. ولا حرِّيَّة لأحد منهم في تأسيس مؤسسات عامَّة أو خاصة تشتمل على أعمال أو أشياء محرَّمة في الإسلام، كبنوك ربويَّة، أو بيوتٍ للقمار، أو بيوت للزنا والدعارة والفجور، أو حانات لبيع الخمور وشربها، أو مصانع لصناعتها، ولكن يسمح للنصارى بشربها وصناعتها داخل بيوتهم، والأماكن الخاصة بهم، دون أن يتظاهروا بذلك أمام المسلمين. خاتمة: وتقع في موضوعات مختلفات مغالطات كثيرات، بسب كسر الحدود الفاصلة بين الحقِّ والباطل، والعدل والظلم، والخير والشرِّ، ومن أسباب ذلك إطلاق الحرِّية، والتلاعب بمفاهيمها، وعدم تحديد المساحات التي تكون فيها صالحة مقبولة، وينجم عن ذلك شرّ مستطير، وفساد عريض.

стр. 635

(٤) المساواة في مفهومنا الإسلامي وأنقل هنا أيضاً ما كتبته في كتابي "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة" عن المساواة: المساواة من الشعارات التي دبَّرها المكر اليهودي، وجعلتها الماسونية ضمن شعارها المثلث "الحرِّيَّة - المساواة - الإخاء" وقامت على أساسه الثورة الفرنسيَّة التي دبَّرها المكر اليهودي واستغلَّها. والغرض من هذا الشعار تضليل الناس وفتنتهم، لتقوم الصراعات بين الأفراد، وبين الطبقات، مطالبين بتحقيق المساواة المنافية والمصادمة لقانون العدل. واندفعت الجماهير مفتونة بشعار المساواة، ومخدوعة بالمساحة القليلة المقبولة منها، ولكنَّ اللُّعبة المضلّلة زحفت بالمساواة زحفاً تعميميّاً باطلاً، وناشراً لفساد عريض. وقامت فتنٌ عامَّة تطالب بتحقيق المساواة، ونجم عن ذلك خَلْخَلَةٌ في نظام الحياة، وإفساد للمجتمع البشري. وزحف هذا الشعار إلى أدمغة مفكِّرين وعلماء وكُتَّاب، فجعلوه في مقولاتهم أحد المبادئ الإنسانيَّة الصحيحة، وأحد المبادئ الإسلامية المجيدة، غفلةً منهم، وانسياقاً مع بريق الشعارات التي روَّجتها وسائل الإعلام الشيطانية المضلّلة. وتحت هذا الشعار الخادع البرّاق أخذ الجاهلون يطالبون بمساواة العلماء، والضعفاء يطالبون بمساواة الأقوياء، والكسالى يطالبون بمساواة العاملين المجدّين، والمنحرفون يطالبون بمساواة ذوي الاستقامة، والنساء يطالبْنَ بمساواة الرِّجال في كل شيء، والفاشلون يطالبون بمساواة الناجحين، واضطرب الحياة، وقامت الثورات، واستثمرها اليهود لمصالحهم.
следующие страницы →