← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المجال الثالث: حرِّيَّةُ اختيار ما يُريدُ الإنسان ويَشتهي ويهوى، ممّا أباح الله في شريعته لعباده من عمل ظاهر أو باطن. وهذه الحرِّيَّة غيرُ ملاحَقةٍ بالمسؤولية والحساب والجزاء، ما لم ينجم عنها لدى استعمالها تركُ واجب، أو فعلُ مُحرَّم، أو عدوان على حقّ الغير فرداً كان أو جماعة، أو ضررٌ أو إضرار. وإنَّما كانت الحرِّيَّة في هذا المجال غير مُلاحَقَةٍ بالمسؤوليَّة والحساب والجزاء، لأنَّ الرَّبَّ الخالق الذي له الخلق والأمر، قد منحها ذلك، فأباح لها أن تختار ما تشتهي من أصنافٍ أو أفراد داخلةٍ في دائرة المباحات التي أباحها لعباده، وأنزل فيها إذناً شرعيّاً ضمن دائرة ما أباح لهم أن يفعلوه أو يتركوه. وما أباح الله للإنسان من سلوك شخصيّ لا علاقة للمجتمع به، أو لا يمسّ إنساناً بضرر، فلا حقَّ لأحدٍ أيَّاً كان بأنْ يَحْرِمه منه، أو يمنَعَه عنه. ومن الخير للمجتمع أن يترك هذا المجال مفتوحاً للنّاس، يُعَبِّرون فيه عن حرِّيّاتهم الخاصة، ويشعرون فيه باستقلاليَّتهم. المجال الرابع: حرِّيَّة تعبير الإنسان عن أفكاره وآرائه، ما لم يكنْ مُضلِّلاً بباطلٍ واضح البطلان، أو داعياً لضُرٍّ أو شرّ أو أذى، أو مشجِّعاً على إدحاض الحقّ ونصرة الباطل، ونشر الظلم والعدوان والفساد والإفساد في الأرض. المجال الخامس: كلُّ ما للإنسان فيه حقٌّ مشروع واضح للجميع، ولا يحتاج إثباته إلى دعوى قضائية، فإنَّه يملك الحرِّيَّة في الحصول عليه بوسيلةٍ مشروعة، لا

стр. 632

ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى، ولا مخالفة فيها لما أمر الله به، أو لما نهى عنه. وأمّا ما لا حقّ للإنسان فيه فمن حقِّ المجتمع، بسلطته الإداريَّة أن يحجر على حرِّيته فيه. أمثلة: (١) من حق الإنسان العمل لكسب ما قسم الله له من رزق، لاستعماله فيما أمر الله به أو أذن فيه. فهو إذن يملكُ الحرِّيَّة في العمل لكسب رزقه في المجالات التي لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى، ولا مخالفة لما أمر الله به ولما نهى عنه. وعلى المجتمع أن يُتِيح َ له فُرْصة توجيه نشاطه وأعماله لكسب رزقه ضمن هذه المجالات، وأن لا يحجر على حرِّيته تلك، ومن ذلك ممْشَاه للحصول على عمل مأجور لدى الدولة، أو أَيَّة مؤسَّسة عامَّة، ومستحقُّ العَمَل هو الأكثر كِفَاية للقيام به، ما دامت الشروط العامَّة مُتَوافِرَةً فيه. (٢) ومن حق الإنسان ذي الباءة أن يتزوَّج، فهو إذن يملك الحرِّيَّة في أن يسعى في اختيار زوجة يستطيع الحصول على موافقتها وليّ أمرها، من اللَّواتي أذن الله في شريعته لعباده بأن يتَزَّوج منهنَّ. وعلى المجتمع أن يُتِيحَ له فرصة السعي لاختياره الزوجة التي تلائمه، ضمن ما أذن الله به له ولأمثاله، وأن لا يحجر عليه حرِّيته في هذا المجال. (٣) ومن حقِّ الإنسان أَنْ يتزوَّد من العلم والمعرفة بما يشاء من كلّ نافع مفيد، أمر الله به أو أذن في تعلُّمه. فهو إذن يملك الحرِّيَّة في أن يسعى في تحصيل العلم الذي يريد ضمن حدود الإذن الرَّبّاني. وعلى المجتمع أن يُتِيحَ له فرصة السعي لتحصيل ما يشاء من علم مأذون به شرعاً، على مقدار ما يملك من قدراتٍ تمكِّنُه من ذلك التحصيل.

стр. 633

(٤) ومن الحقوق المشروعة للإنسان حقّ مطالبته بحقوقه التي هي له، وحقّ الاعرتاض على ظُلْمٍ لَحِقَ بِه، وحقُّ الشكْوَى ضدّ من ظَلَمه، وحقُّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ربَّما يكون واجباً عليه في كثير من الأحوال، فمن حقِّه ممارسته، وحقُّ توجيه النُّصح لغيره محكوماً أو حاكماً، رعِيَّة أو سلطاناً. الحجر على الحرِّيَّة إذا عرفنا الم جالات التي يملك فيها الإنسان الحرِّيَّة الملاحَقَة بالمسؤولية والحساب والجزاء، والحريَّة غير الملاحقة بالمسؤولية، يتَّضح لنا ما يلي: (١) لا حرِّية في ظلم أو عدوان أو هضم لحقوق الآخرين. (٢) لا حرِّيَّة في مخالفة الحقِّ والعدل والخير، في كلِّ سلوك عمليّ ذي أثرٍ مادِّيّ يضرُّ المجتمع أو يؤذيه أو يُفْسد نظامه. (٣) لا حرِّيَّة لمن آمن برسالة الإسلام، وبايع على الالتزام بأحكامه وشرائعه، في أن يخالف أحكامه، بترك فرائضه وارتكاب محرّماته، وإلاَّ كان عرضةً للملاحَقَة بالمسؤولية والمحاسبة، وبالجزاء المقرَّر في أحكامه، من قِبَلِ سلطة الدولة الإسلامية، إذا كانت المخالف لها عقوبة دنيويَّة مقرَّرة في الإسلام. ومما يخالف أحكام الإسلام الانتحارُ، أو ارتكاب الإنسان شيئاً يضر بجسمه أو نفسه أو ملكاته الفكرية، أَو يُبَدِّد أمواله في المتالف بلا فائدة سفهاً وتبذيراً. (٤) من أعلن دخوله في الإسلام باختياره الحرّ، فقد أعلن التزامه به وبأحكامه، فلا حرِّيَّة له بعد ذلك في الرِّدَّة عنه، وإِلاَّ فهو مُلاحَقٌ بعد استتابته بالمسؤولية الجزائية التي عقوبتها القتل، ولا حرِّية له أيضاً في الاعتراض على أحكامه وشرائعه المقرَّرة.

стр. 634

(٥) لا حرِّية لمسلم ولا لذميٍّ ولا لمستأمن ولا لمعاهد في دار الإسلام، في الطعن بالعقائد والشرائع والأحكام الإسلامية، المجمع عليها، ولا حرِّيَّة له في التشكيك فيها، أو تشويهها أو تحريفها، أو القيام بما يُسيءُ إلى نظام الإسلام، أو دولته، أو جماعة المسلمين، لأنَّ في ذلك نقضاً لما التزم به كلّ منهم. ولا حرِّيَّة لأحدٍ من هؤلاء في الدعاية لأعمال حرَّمها الإسلام، أو لأشياء حرَّم الإسلام تناولها كالخمور، أو الترويج لأفكار مناقضة لحقائق الإسلام وتعاليمه. ولا حرِّيَّة لأحد منهم في تأسيس مؤسسات عامَّة أو خاصة تشتمل على أعمال أو أشياء محرَّمة في الإسلام، كبنوك ربويَّة، أو بيوتٍ للقمار، أو بيوت للزنا والدعارة والفجور، أو حانات لبيع الخمور وشربها، أو مصانع لصناعتها، ولكن يسمح للنصارى بشربها وصناعتها داخل بيوتهم، والأماكن الخاصة بهم، دون أن يتظاهروا بذلك أمام المسلمين. خاتمة: وتقع في موضوعات مختلفات مغالطات كثيرات، بسب كسر الحدود الفاصلة بين الحقِّ والباطل، والعدل والظلم، والخير والشرِّ، ومن أسباب ذلك إطلاق الحرِّية، والتلاعب بمفاهيمها، وعدم تحديد المساحات التي تكون فيها صالحة مقبولة، وينجم عن ذلك شرّ مستطير، وفساد عريض.

стр. 635

(٤) المساواة في مفهومنا الإسلامي وأنقل هنا أيضاً ما كتبته في كتابي "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة" عن المساواة: المساواة من الشعارات التي دبَّرها المكر اليهودي، وجعلتها الماسونية ضمن شعارها المثلث "الحرِّيَّة - المساواة - الإخاء" وقامت على أساسه الثورة الفرنسيَّة التي دبَّرها المكر اليهودي واستغلَّها. والغرض من هذا الشعار تضليل الناس وفتنتهم، لتقوم الصراعات بين الأفراد، وبين الطبقات، مطالبين بتحقيق المساواة المنافية والمصادمة لقانون العدل. واندفعت الجماهير مفتونة بشعار المساواة، ومخدوعة بالمساحة القليلة المقبولة منها، ولكنَّ اللُّعبة المضلّلة زحفت بالمساواة زحفاً تعميميّاً باطلاً، وناشراً لفساد عريض. وقامت فتنٌ عامَّة تطالب بتحقيق المساواة، ونجم عن ذلك خَلْخَلَةٌ في نظام الحياة، وإفساد للمجتمع البشري. وزحف هذا الشعار إلى أدمغة مفكِّرين وعلماء وكُتَّاب، فجعلوه في مقولاتهم أحد المبادئ الإنسانيَّة الصحيحة، وأحد المبادئ الإسلامية المجيدة، غفلةً منهم، وانسياقاً مع بريق الشعارات التي روَّجتها وسائل الإعلام الشيطانية المضلّلة. وتحت هذا الشعار الخادع البرّاق أخذ الجاهلون يطالبون بمساواة العلماء، والضعفاء يطالبون بمساواة الأقوياء، والكسالى يطالبون بمساواة العاملين المجدّين، والمنحرفون يطالبون بمساواة ذوي الاستقامة، والنساء يطالبْنَ بمساواة الرِّجال في كل شيء، والفاشلون يطالبون بمساواة الناجحين، واضطرب الحياة، وقامت الثورات، واستثمرها اليهود لمصالحهم.

стр. 636

المفهوم الإسلامي للمساواة: نظام الخلق تحكُمُه سُنَّةُ التفاضل لا التساوي، فشعار المساواة بصيغته التعميميَّة يتنافى مع نظام الخلق، وهو مطلب مناقض لمبدأ العدل، إلاَّ في بعض الأحوال، وهي التي يقضي العدل فيها بالتساوي. فالإسلام يُقَرِّرُ ويَحْمِي مبدأ العدل، ومبدأ الإحسان، ولا يُقرُّ المساواة على أساس أنَّها مبدأ عامٌّ، وقاعدة مطَّردة، إنَّما يُقرُّهَا حينما يقتضيها العدل، أو يَتَبَرَّعُ بها المحسنون أصْحَابُ الحقِّ. وإنَّما يقتضي العدلُ المساواة حينما يكون واقع الأفراد واقعاً متساوياً تماماً في كلِّ الصفات، أو تكونُ المساواةُ في الصفات التي يُوجدُ فيها التساوي، دون الصفات الأخرى المتفاضلة فيما بينها. التفاضل سُنَّةُ اللهِ في الخلْق: إننا لا نكاد نجد في الوجود شيئين متساويين تماماً في كلِّ صفاتهما، ولو كانا من جنس واحد، أو من نوع واحد، أو من صنف واحد. بل نجد أن صفاتهما متفاضلة، فالدَّعوة إلى المساواة بينهما دعوة إلى الْجَوْرِ والظُّلْم، ودَعْوةٌ إلى الأخذ بأمر باطل، وإلى إلغاء قانون العدل. وادِّعاء المساواة مع واقع التفاضل ادِّعاءٌ كاذب، والتسويةُ بين المتفاضلين عملٌ ظالم مناقض لقانون العدل، وكلُّ مناقضٍ لقانون العدل مناقض لكلمات الله التكوينيَّة والتشريعيَّة والخبريَّة التي تمَّتْ صِدْقاً وعدلاً، كما قال الله في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . إنَّ كلمة الله التكوينيَّة قد حدَّدت لها الإرادة الربَّانية خلقاً متفاضلاً، وهذه ظواهر الخلق شواهد: هل الزجاج والألماس متساويان؟ هل الذهب والحديد متساويان؟

стр. 637

هل الذكي والغبيّ متساويان؟ هل القويّ والضعيف متساويان؟ وهكذا نجد التفاضل في كل الأجناس والأنواع والأصناف والأفراد، نجد التفاضل في الشجر، وفي الثمر، وبين أنواع الأحياء، وبين كلِّ فردٍ وفردٍ آخر من كلِّ نوع، وأفراد الناس هم فيما بينهم متفاضلون، والرجال مفضلون بخصائص لوظائفهم الاجتماعية على النساء، والنساء مفضّلات بخصائص أخرى لوظائفهنَّ الاجتماعية على الرجال، وبين الرجال تفاضل، وبين النساء تفاضُل. فهل يصحّ عقلاً أن ندَّعي التساوي بين الأجناس والأنواع والأصناف والأفراد، وهي في الواقع متفاضلة؟ إننا بذلك نكذب على الواقع، ونجانب الحقَّ. وهل يصحّ عقلاً أن نسوّي بينها في الأحكام مع تفاضلها في الصفات؟! إننا بذلك نجانب مبدأ العدل ونصادمه، ونقيم أحكامنا على الظلم. وقد دلَّت نصوص القرآن المجيد على التفاضل في الخلق بين الأشياء، ويتبع هذا التفاضلَ التَّخَالُفُ في الأحكام، وعَدَمُ جَوازِ التسوية بين المتفاضلات. (١) ففي تفضيل الثمرات والزروع بعضها على بعض في الأُكُل، قال الله في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) : ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (٢) وفي تَفْضيل بعض النَّاس على فيما يُصِيبُون من عطاء الله، ليَبْتَلِيَهُمْ (أي: ليمتحنهم) فيه، قال الله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :

стр. 638

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ . (٣) ونَهَى الله المؤمنين والمؤمنات عن تمنّي ما فَضَّلَ به بعضَ النَّاس على بعض، فخَاطبهم في القرآن بقوله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ . (٤) وبيَّنَ اللهُ حكمته في جعل الرجال قوّامين على النساء، ومنها أنَّه فضَّل في خصائص التكوين صنفَ الرِّجال على صنف النساء، بالصفات التي تؤهلهم للقيام بوظائف اجتماعيَّة غير الوظائف الاجتماعية التي يقوم بها النساء، ومن هذه الوظائف القوامة في دائرة الأسرة، فقال الله ﵎ في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ....﴾ . (٥) وبيَّن الله أنَّه فضَّل بعض الناس على بعضٍ في الرزق ليبلُوَهم فيما آتاهم، فقال تعالى في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) : ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ....﴾ . وهذا التفضيل من الأمور المشاهدة في واقع الناس، ولم يستطع أيُّ نظامٍ اشتراكيٍّ أو شيوعيّ أو غيرهما إقامة التسوية بين الناس في الرزق. (٦) حتَّى الأنبياء والرُّسُل قد فضَّل الله بعضهم على بعضٍ في عطاياه وما وَهَبَ كلاًّ منهم، فقال تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ .

стр. 639

وقال تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ....﴾ . (٧) وفي تكريم بني آدم وتفضيلهم على كثيرٍ ممَّنْ خَلَقَ الله، قال في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ . فالتَّفَاضُلُ سُنَّةُ الله في الخلْقِ بوجهٍ عام، وهو أمر يشهدُ به الواقع في الوجود. التسوية بين المتفاضلات ظلم للحقِّ: ولمّا كان منطق العقل وبرهانُ الواقع يقرِّران عدم التساوي بين المتفاضلات، كانت أحكام التسوية بينهما أحكاماً ظالمة. وتأصيلاً للحقِّ والعدل، ولئلا تُزَيَّن للنَّاسِ أفكارُ التسوية بَيْنَ المتفاضلات، أنزل الله في كتابه نصوصاً ذوات عدد، تبيِّن عدم التساوي بين طائفةٍ من المتفاضلات في حقيقة أمرها، فمنها ما يلي: (١) قول الله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . (٢) وقول الله في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ . (٣) وقول الله في سورة (الزُّمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) : ﴿ُقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . (٤) وقول الله في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) :

стр. 640

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ . (٥) ولمّا كان التفضيل التابع للعمل الأفضل من المكلَّفين المختارين، هو الأمر الذي يوجبه الحقّ والعدل، كان من العدل أن يفضّل الله المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين، فقال الله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . وكان من العدل أن يُفَضِّل الله مَنْ أنفق مِنْ قَبْل فتح مكَّةَ وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل، فقال الله في سورة (الحديد/٥٧ مصحف/٩٤ نزول) : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . وكان من العدل أن لا يُسَوِّي الله بين المسلمين والمجرمين، فقال الله تعالى في سورة (القلم/٦٨ مصحف/٢ نزول) : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . نظراتٌ حول واقع التساوي: أمّا الأمور التي هي متساوية في الواقع وحقيقة الأمر فالحقُّ يَقْضِي بوجوب التسوية بينها في الأحكام.

стр. 641

أمثلة: (١) الناس متساوون في كونهم مخلوقين لله ، ومتساوون في عبوديتهم له، فهم متساوون بين يديه من هذه الجهة. (٢) والناس متساوون في حق الحياة إلاَّ إذا كان منهم ما يقتضي إهدار دمائهم، أو إنْزال قيمتها بكفر أو ظلم أو عدوان. (٣) والخصمان في مجلس القضاء لهما من رعاية القضاء حقّانِ متساويان، فينبغي التسوية بينهما في مجلس القضاء. (٤) والأصل تساوي الناس في حق العمل والكسب والتعلُّم والسَّبْق لاغتنام خيرات الدنيا والآخرة. فالعدل يقضي بإتاحة الفرص لهم جميعاً بنسبة متساوية، ثمَّ يكون لكلِّ فردٍ بحسب ما يقدّم من عملٍ أو جَهْد أو أيّ كسْب إرادي، أو سَبْق في علمٍ أو خلُق أو رأيٍ أو إخلاصٍ أو غير ذلك ممّا له قيمةٌ تُقدَّرُ. (٥) والناس متساوون في إنسانيَّتِهم، باعتبار الأصل، إذْ كلُّهم أولادُ آدم، وكلُّهم من تراب، وكلُّهم مخلوقون لله وهم عباده. فالعدل يقضي بعدم تفضيل عرقٍ على عرق، أو قومٍ على قوم، أو أهل لون على أهل لونٍ آخر، أو أهل لسانٍ على أهل لسانٍ آخر، من أجل أعراقهم، أو أقوامهم، أو ألوانهم، أو ألسنتهم. (٦) وهكذا كلّ قضيَّة يكون الحقّ فيها متساوياً بين فريقين، فقاعدة العدل توجب التسوية بينهما. وكلُّ تفاضُل على غير أساسٍ من الحقِّ والواقع في مفاهيم الناس، فهو ظلم اجتماعي، كمفاهيم التفاضل الطبقي الذي يزعم الطبقيُّون أنَّه يُورَث، وكمفاهيم التفاضل على أساس العرق، أو اللَّون، أو اللِّسان. أمّا إذا كان الواقع متفاضلاً فالعدل يوجب التفضيل، كالذكاء والجماء والقوَّة وحسن الخُلُق الفطري أو المكتسب، وغير ذلك ممّا لا حصر له.

стр. 642

فالإسلام يقوم في الحقوق على مبدأ العدل، لا على مبدأ المساواة، وفي بيان الواقع يقوم على ما هو الحقّ في واقع المحال، لا على التسوية مطلقاً، ولو كان الواقع متفاضلاً. فلا يمكن أن يساوي الناقص الكامل، ولا أن يستوي الحقّ والباطل، ولا العالم والجاهل، ولا يمكن أن يتساوى الذهب والقصدير، ولا المسك والجير، ولا الظلمات والنور، ولا الظلُّ ولا الحرور، ولا الطيِّب والخبيث، ولا الأحياء ولا الأموات، ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والَّذين كَفروا وعملوا السيئات. والعدل: هو إعطاء كلّ ذي حقٍّ بمقدار حقه. أما المساواة: فقد تقتضي إعطاء ذي الحقّ أكثر من حقه، وإنقاص ذي الحق عن حقِّه، وهذا جور وظلم ومخالفة لمبدأ العدل. * * * (٥) شعارا الحرِّيَّة والمساواة صناعة يهودية (١) لقد ثبت أنَّ الحرِّيَّة والمساواة من شعارات الماسونية، وهي منظمة ذات قيادة يهودية. وقد عرَّف المستشرق الهولندي "دوزي" الماسونية بتعريف موجز، فقال فيه: "جمهور كبير من مذاهب مختلفة يعملون لغاية واحدة: هي إعادة الهيكل، إذْ هو رمز دولة إسرائيل". (٢) وثبت أنَّ الثورة الفرنسية المشهورة، قد كان اليهود هم المخطِّطين والمدبرين لها، وكان شعارها المثلث "الحرِّيَّة - المساواة - الإخاء".

стр. 643

(٣) وجاء في البروتوكول الأوَّل من البروتوكولات المعروفة ببروتوكولات حكماء صهيون، ما يلي: "لقد كنّا قديماً أوَّل من هتف بكلمات (الحرِّيَّة والمساواة والإخاء) ، وما انفكَّت هذه الكلمات تردِّدها ببَّغاوات جاهلة، يتجمهرون من كلِّ حدب وصوب حول هذه الشعارات المغرية، الَّتي حطَّموا عن طريقها ازدهار العالم، وحرية الفرد الشخصيَّة الحقيقيَّة التي كانت من قَبْلُ في حمّى يحفظها من أن يخنُقَها السفلة. ولم يفهم الذين يدَّعون الذكاء وسعة الإدراك من غير اليهود "الجوييم" المعاني الرمزية التي تهدف إليها هذه الكلمات، ولم يتبيَّنوا عواقبها، ولم يُلاحظوا ما فيها من تناقصٍ في المعنى، كما لم يدركوا أنَّ الطبيعة نفسها تخلو من المساواة، وأنَّ الطبيعة قد أوجدت أنماطاً غير متساوية في العقل والشخصيَّة والأخلاق والطاقة وغيرها. إنَّ صيحتنا (الحرِّيَّة والمساواة والإخاء) قد جلبت إلى صفوفنا فرقاً كاملةً من زوايا العالم الأربع عن طريق وكلائنا المغفَّلين، وقد حملت هذه الفرق ألويتنا في نشوة، بينما كانت هذه الكلمات مثل كثير من الديدان تلتهم سعادة الجوييم (غير اليهود) وتحطم سلامهم واستقرارها ووحدتهم، مدمِّرةً بذلك أسس الدُّول، وقد جلب هذا العمل النصر لنا". * * * (٦) أجوبة الأسئلة التي وجهها المبشرون من تنظيم "الآباء البيض" بعد الذي سبق في المقدِّمات العامة أجيب باختصار وإيجاز على الأسئلة التي وجَّهها جماعة المبشرين من تنظيم "الآباء البيض" على أنَّ من أمعن في المقدِّمات العامة، وكان منصفاً فاهماً، لم يجد شبهةً تحتاج إلى

стр. 644

ما يزيلها أو يدفعها، إذ الأسئلة تدور حول التسليم بمبدأي الحرِّيَّة والمساواة، على أنَّهما من المبادئ الكليَّة العامَّة، وقد سبق بيان ما في هذين المبدأين من باطل ومغالطات، ومعلوم في أصول الفكر المتفق عليها لدى ذوي العقول جميعاً أنَّ ما بُنِيَ على فاسد فهو فاسد، وما بني على باطل فهو باطل، وما بُني على غير أساس فهو منهار. ولست في أجوبتي بحاجة إلى أن أقف موقف المدافع عن الإسلام وأحكامه، فالإسلام الحقُّ، وهو من عند الله ربّ العالمين، ولكنَّني أقف موقف الناصح الذي يَعْرض الحقّ ويبيِّنه لأولي الألباب، ولأولي الأفكار المنصفة، فمن شأن الحقّ أنَّه إذا جاء بنوره الساطع زهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقاً. وإنَّني أُقّدِّمُ الأجوبة من منظار الحقّ، ليكون بياني حجّةً عند الله يوم الدين على واضعي الأسئلة، والمتأثرين بهم، وحجَّةً لناشدي الحقّ وطالبيه، الذين قد تؤثر في أفكارهم ونفوسهم التشكيكات والشُّبُهات والمغالطات، وحجَّةً ينتفع منها أنصار الإسلام، والدعاة إليه، والمدافعون عن شرائعه وأحكامه. * * *

стр. 645

أوّلاً: أسئلتهم حول الحرِّيَّة وأجوبتها السؤال الأول: "كيف يمكن التوفيق بين حرِّيَّة التفكير والاعتقاد التي منحها الله للإنسان، وبين منعه (مع استخدام العقوبة القصوى وهي القتل) من تغيير دينه، وإن كان هذا التغيير قد نجم عن قرار شخصيّ نابع عن تفكير عميق، ولأسباب جدّيَّة؟ ". الجواب: إضافة إلى ما سبق بيانه حول "الحريّة في مفهومنا الإسلامي" أقول: إنَّ الإنسان البالغ العاقل له الحرِّيَّة التامّة قبل أن يدخل في الإسلام في أن يُسلم أو لا يُسلم، فلا تُْكْرَهُ إرادته، إذْ لا إكراه في الدّين. لكنَّه مُسْتَتْبَعٌ بالمسؤولية عند الله عن اختياره، فإن اختار الكفر بما جاء به الإسلام من عقيدة وشريعة وأحكام، فالنار مثواه يوم الدين خالداً مخلَّداً فيها أبداً. ولا يُكْرَهُ إنسان على الدخول في الإسلام بحال من الأحوال. ومن أراد أن ينتمي إلى الإسلام فعليه أن يعرف قبل انتمائه أنَّه سيُكلّف تكاليف إذا خالفها فقد يعرِّض نفسه للعقاب، حتى درجة العقوبة القصوى، وهي القتل. وهكذا كمن يريد أ، يطلب جنسيَّة دولة من الدول، فإنَّ عليه أن يعلم

стр. 646

أنَّه مسؤول عن الالتزام التام بقوانين هذه الدولة وأنظمتها قبل أن يتمّ العقد معه على منحه جنسيَّتها، ومن هذه الأنظمة معاقبتها بعقوبتها إذا فعل ما يقتضي عقابه، ولو كانت العقوبة القصوى. فطلب الجنسية من قِبَل الفرد، ومنْحُها له من قِبَلِ الدولة، عقْدٌ بين طرفين يشتمل على منافع وتبعات، ومن تبعات اكتساب الجنسية تطبيق أنظمتها، ودفع الضرائب كسائر نظرائه، والجندية الإجبارية عند وجودها، وقبول قانون العقوبات التي لديها، حتّى ما يجدّ من قوانينها في المستقبل، وإذا خان الدولة خيانة عظمى، فتعامل مع أعدائها حُكم عليه بالعقوبة القصوى. ومن الأمور التي يُبايع عليها من يرغب أن يدخل في الإسلام أنَّه إذا ارتدَّ عنه، عرَّض نفسه للقتل. إذن فليفكِّرْ بأناة وبكامل حرّيته قبل أن يسلم وينخرط في جماعة المسلمين، ويلتحق بالدولة الإسلامية، فمن وافق وهو بكامل حرّيته وعقله وإدراكه على أن ينتمي إلى الإسلام، فقد التزم وهو حرّ حريةً تامَّة أن يكون مُعاقباً بالقتل إذا ارتدَّ عنه. فلا تعارضَ إذن بوجه من الوجوه بين حرِّيَّة التفكير والاعتقاد وبين هذا، والسؤال مطروح بجهل، أو بمغالطة للتلبيس وخلط المفاهيم. فالعقاب على الردَّة ليس هو في الحقيقة إكراهاً على الدين، ولكنَّه حمايةٌ للأمَّة الإسلامية من المتلاعبين ذوي الحيل الذين يدخلون في الإسلام بحريَّة، ويخرجون منه بحريَّة، وهم أعداءٌ للإسلام والمسلمين، يمكرون بهما، ويكيدونهما، ويتَّخذون الوسائل المختلفة للتلاعب بالإسلام، وتمزيق وحدة المسلمين وإضعافهم، والتسلُّط عليهم، والاستيلاء على ثرواتهم وخيراتهم، وحربهم من داخل صفوفهم، متذرِّعين بشعار الحرِّيَّة. ومن ادَّعى أنَّه كان يجهل عند دخوله في الإسلام أنَّ عقابه القتل إذا

стр. 647

ارتَدَّ عنه، فإننا نقول له: من المعروف المقرر عند كل القانونيّين أنَّ الجهل بالقانون العامّ لا يعفي الفرد من المسؤولية إذا هو خالف أحكامه. * * * السؤال الثاني: "المسلمون يعتبرون من الطبيعي جداً أن يعترف النصارى بحقّ إخوتهم في العقيدة في اعتناق الإسلام.... ألاَ يمكن للمسلمين الراغبين في دخول النصرانية من التمتّع بالحقّ نفسه، إقراراً للحرِّيَّة التي منحها الله للإنسان؟ ". الجواب: جاء في جواب السؤال الأول ما يتعلَّق بالردَّة عن الإسلام فلا داعي لإعادته هنا. وأقول هنا: إنَّ ما ورد في السؤال ليس هو ما يُناظر به المسلمون النصارى، فهم لا يقولون: إنّ من حقِّ النصرانيّ أن يعتنق الإسلام وينضم إلى المسلمين، باعتبارهم حزباً، أو جماعة من الناس. ولكن الدّعاة المسلمين يقولون لكل إنسان: إننا نبلِّغك أنَّك مخلوق لله ربّ العالمين، ربّ السماوات والأرض، وأنَّ من الواجب عليك أن تؤمن به ربَّاً واحداً لا شريك له، وتعبدَهُ وحده، ولا تشرك بعبادته أحداً، وتؤمن بكلّ ما جاء من عند الله، وبكلّ رُسُل الله وأنبيائه، دون تفريق، وأن يكون إيمانك على وفق الحق الذي جاء من عند الله، والذي لم يتعرَّض لتحريفٍ أو تبديلٍ أو تغيير، وأنَّ من الواجب عليك أن تعمل بمقتضى آخِر دين مُنزَّل من عند الله، مؤيّد بالحجج والبراهين، ومقترن بالمعجزة التي تُثْبت صدق الرسول الذي بلَّغه عن ربِّه، فإن لم تؤمن ورفضت هذا الدين الخاتم عرَّضت نفسك لعذاب الله في نار جهنَّم يوم الدين خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ولا ينفعك يومئذٍ حزبٌ ولا جماعة، ولا

стр. 648

تنفعك شفاعةٌ من أحدٍ، ونحن لك مبلِّغون وناصحون، لا نكرهك ولا نجبرك، فإنْ منعك مُكْرِهِين فباستطاعتك أن تؤمن مستخفياً، حتى إذا سنحت لك الفرصة أعلنت إيمانك، والتحقت بجماعة المسلمين وضممتَ قُوَّتَك إلى قوتهم. ولسنا نقول للنصارى: إنَّ من حقّه أن لا تمنعوه ولا تكرهوه على البقاء في النصرانية بمقتضى مبدأ الحرِّيَّة. ولكن نقول لهم: أنتم جميعاً يجب عليكم أن تؤمنوا بدين الله الحقّ، وبجميع أنبياء الله ورُسُله، فإنْ أبيتم عرَّضتم أنفسكم، وأهليكم، وأتباعكم، لعقاب الله الشديد يوم الدين. ونقول لهم جميعاً: نحن مستعدّون أن نقدِّم لكم الحجج والبراهين العقلية والعلمية لإقناعكم إنْ شئتم. ولكم أن تقولوا ما تشاؤون حول أصول دينكم ومبادئكم، ونحن مستعدّون لمناظرتكم حولها، على مستوى أرضيَّة فكريَّة عقليَّة علميَّة مشتركة بيننا وبينكم، فمن لزمته الحجّة وقام عليه البرهان الحقّ منّا فعليه أن يعلن اعترافه به، ونقول لكم كما علَّمنا القرآن المجيد في سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فالسؤال الثاني كما ورد في أسئلة تنظيم "الآباء البيض" لا يكون على الطريقة التي ساقوها، إلاَّ إذا اعتبر موجهو السؤال أنَّ الدّين قضيَّة جماعات بشريَّة ذات انتماءات إنسانيَّة، لا قضيَّةٌ ربّانيَّة يُطالب الناس جميعاً بها، فطرح السؤال طرحٌ قائمٌ على فكرة خاطئة غير صحيحة أصلاً، فنحن لا نقول للنصارى: إنَّ من حقّ النصراني عليكم ألاَّ تعترضوا حرِّيته في اختيار تغيير دينه. إنَّ قضيَّة الدين ليست قضيَّة مساومات سياسية أو اقتصادية، حتى يكون التعامل فيها بالمثل. إنَّ الدين حقُّ الله على عباده جميعاً، وليس حقّ المسلمين حتّى

стр. 649

يتنازلوا عن شيءٍ منه، فإن كان النصارى يعتقدون أنَّ النصرانية حق النصارى، وأنَّ لهم أن يساوموا عليه فهذا شأنهم، وهو مختلف تماماً عن الفكر الإسلامي، والعقيدة الإسلامية الرَّبّانية. * * * السؤال الثالث: "هل الإسلام على استعداد - في البلاد الإسلاميَّة - لمنح المسيحيين تلك الحريّات التي يتمتَّع بها المسلمون في البلاد المسيحية، بما في ذلك دخول المساجد، والتعبير الحرّ عن دينهم ودعوتهم الجماهير لاعتناق العقيدة المسيحية؟ ". الجواب: المسلمون مستعدّون لعقد مناظرات عامة حول قضايا العقائد الإسلامية والعقائد النصرانيَّة، وسائر العقائد والمبادئ المنتشرة في مختلف شعوب الأرض، سواء أكان ذلك في بلدان الشعوب غير المسلمة، أم في بلدان الشعوب المسلمة، فمن شاء أن يناظر مناظرةً حرَّةً مفتوحةً ضمن أصول وقواعد المناظرات المنطقيَّة فمرحباً به، ولدينا في بلدان المسلمين قاعات وصالات عامَّة كبرى تصلُح للمناظرة، وفي كلّ بلدان شعوب الأرض مثل ذلك. ولا نكون ضيِّقي الأفق ولا مُحْرِجين ولا مُتَعنِّتين في أن تكون هذه المناظرات في معابدهم الخاصة، ولا في المُدن الدينيَّة الخاصة بهم، كالفاتكان مثلاً، بل نرضى أن تكون في أيّ مكان جامع يَصْلُح لعقد مناظرات عامَّة، نعرض فيها مبادئنا، ويعرض فيها الآخرون مبادئهم. مع بيان أنَّنا لا ندخل عليهم كنائسهم ولا معابدهم، ولا نُحرجهم بذلك، يُضَاف إلى ذلك أننا لا نجدهم في واقع الأمر يسمحون بأن نكون دعاة للإسلام في كنائسهم أو مجامعهم العامَّة دعوةً علنيَّة.

стр. 650

ففي السؤال مغالطة إيهاميَّة لا تستند إلى واقع، وهي محاولة لستر أعمال المبشرين النشيطة داخل بلاد العالم الإسلامي، إذْ للمبشرين النصارى في البلدان الإسلامية آلاف البعثات والإرساليات والمنظمات والمؤسسات التعليميَّة والطبيَّة وغيرها ذات المهمّات التبشيريَّة، وقد انتشرت في بلدان المسلمين بتسامح السلطات الإدارية، وبتأثير الدول الاستعماريَّة النصرانية، وليس للمسلمين بمقابل ذلك في بلدان الشعوب المسيحيَّة دعاة يبشرون بالإسلام إلاَّ العدد القليل جدّاً، وبعض المراكز الإسلامية التي توجِّه نشاطها للأقليات المسلمة في هذه البلدان. والمعاملة بالمثل التي يُطالِبُ بها السؤال تستدعي أن يكون للمسلمين في البلدان المسيحية مثلُ ما للمبشِّرين النصارى في بلدان المسلمين من مؤسسات تبشيريَّة، مختلفة الأسماء، ومختلفة التخصُّصات، ومن بعثات تبشيريَّة تتخذ مختلف الوسائل الإغرائية غير الشريفة لتنصير المسلمين، ومنها استغلال الأزمات والجوائح والمجاعات، واستغلال الأموال التي توجّه للمساعدات الإنسانية العامَّة، وتوجيهها لمهمَّات التنصير، ومن هذه الأموال ما تبذله شعوب الأمَّة الإسلامية للمساعدات الإنسانية. * * * السؤال الرابع: "كيف يكون منطقيّاً التأكيد بأنَّ الله قد منح الحريَّة بالتساوي للرجل والمرأة ثمَّ تمنع المرأة المسلمة من اختيار الرجل الذي ترغب في الزواج منه إنْ لم يكن مسلماً؟ ". الجواب: سبق في المقدّمات العامَّة بيان أنَّ الإسلام لم يجعل الحريَّة المطلقة مبدأً من مبادئه، فالحريَّة المطلقة منافية لحكمة خلق الناس ممتَحَنِين بأوامر الله ونواهيه في هذه الحياة الدنيا.

стр. 651

وأُضيف هنا أنَّ التشكيك في حكمة الله بما يشرع لعباده وبما يوجب عليهم من واجبات، وما يحرِّم عليهم من محرَّمات، وما يُبيح لهم من مباحات، هو مذهب إبليس حين رفض السجود لآدم، زاعماً أنَّ عنصره الناريَّ أفضلُ من عنصر آدم الطينيّ، مع أنَّ منطق العقل يرفض العنصريَّة أصلاً، ويحكم على الكائن بما هو عليه، لا بما كان قبل ذلك في عنصره وأصله، وقد كان ما انتهى إليه تكوين آدم أن كرَّمه الله بالعلم، وبأدوات المعرفة، فأمَرَ اللهُ من تساءل عن الحكمة من خلقه بأن يسجدوا له، وهم ملائكة، بعد أن أظهر الله لهم أن هذا الإنسان مستعدٌّ أن يكون أعلم منهم. ونظير النزعة العنصرية الفاسدة التي اعتمد عليها إبليس، التسويةُ بين المتفاضلين في الخصائص والصفات وما ينجم عنها من نتائج وآثار، فادِّعاء المساواة بين صنفين مختلفين في الخصائص الجسديَّة والنفسيَّة، ومختلفين في الوظائف الاجتماعية، يتضمَّن قضيَّة فاسدة تناقض مبدأ الحق والعدل. إنَّ من المعلوم في المشاهد والتجربة، وفي المقرَّرات العلميَّة حتّى أحدث ما ظهر منها أنَّ المرأة ذات خصائص جسديَّة ونفسية مختلفة عن خصائص الرجل. فخصائص المرأة تؤهلها لوظائف اجتماعيَّة أهمُّها الأمومة، ثم حاجتها إلى رجل يكون هو صاحب القوامة عليها وعلى سائر أعضاء أسرته. وصاحب القوامة الذي هو الرجل في أسرته، قد يستخدم سلطة قوامته في حمل زوجته على ترك دينها. من أجل ذلك فإنَّ الله لم يُبِحْ للمرأة المسلمة بأن تتزوَّج زوجاً غير مسلم، حمايةً لها من ضغط الزوج، وتأثيره عليها بإخراجها عن إسلامها، وتعريضها لعذاب الله الأبديّ.

стр. 652

وفي المقابل فإننا لا نعترض على غير المسلمين إذا منعوا نساءهم من أن يتزوَّجْنَ بالمسلمين، بل هذا يسرُّنا، وبوبدّنا أن يُصْدِروا قرارات تحريميّة تمنع نساءهم من الزواج برجالٍ مسلمين، فهذا أحفظ لرجالنا، وأبعد عن الفتنة في الدين. لكن ماذا نفعل إذا أباح غير المسلمين لنسائهم بأن يتزوَّجْنَ برجالٍ مسلمين؟ إنَّنا على كراهية وعدم رغبة نوافق على زوج الرجل المسلم بامرأة من أهل الكتاب، بشرط أن يكون الزواج بينهما على وفق نظام الإسلام في أحكام الأحوال الشخصيَّة، وأن تكون الولاية والقوامة للرَّجل، وأن يكون الأولاد (ذكوراً وإناثاً) تابعين لآبائهم في الدين، وأن يكون الميراث وفق أحكام الإسلام، فإذا اختلت هذه الشروط، أو اختلَّ بعضها، فإنَّ الإسلام لا يُبِيحُ للرجل المسلم أن يتزوج بامرأة غير مسلمة ولو كانت كتابيَّة. وتعاليم الإسلام تُرْشِدُ إلى اختيار المرأة المسلمة التقيَّة النقية ذات الدين والخلق القويمة عند الرغبة في الزواج. * * * السؤال الخامس: "كيف يمكننا تفسير العقوبات الجسديَّة كقطع يد السارق أو الجلد أو الرجم وهي المبيَّنة في بعض الآيات القرآنية؟! ". الجواب: إجابتي على هذا السؤال تنطلق من منطلقات خمسة: * أولاً: الدين شريعة وأحكام ربّانية، وحق الله على عباده أن يدينوا له وحده، فيستمسكوا بشريعته ويعملوا بأحكامه.

стр. 653

وليس دين الله للناس من أوضاع الناس، حتى يجري التفاوض عليها معهم. والتشكيك في شريعة الله وأحكامه لعباده تشكيك في حكمته، ورفضٌ لحقِّه جل وعلا في تنظيم أمور عباده بما يعلم أنَّه هو الأصلح والأنفع لهم. وقد ثبت لدينا بالدليل القاطع أنَّ الإسلام الذي بلَّغه رسول الله حقٌّ منزَّل من عند الله لا ريب فيه، ومعجزةُ القرآن شاهد قائم دائم يشهد بأنه تنزيلٌ من عند الله. * ثانياً: العقوبات الجسديَّة موجودة في الرسالات الرَّبانية المنزَّلة على المرسلين الصادقين المبعوثين من عند الله، ومنهم رسل بني إسرائيل، ومن هذه العقوبات عقوبة الرجم. وأصحاب السؤال الذين يقولون: إنَّهم نصارى، يؤمنون بأسفار العهد القديم، وبما جاء فيها، ويجعلونها ضمن كتابهم المقدَّس الجامع لأسفار العهد القديم، وأسفار العهد الجديد. ألم يقرؤوا سفر اللاّويّين؟ ألم يدرسوا ما فيه؟ ألم يبيِّن لهم رجال الكنيسة ما في كتب أهل الكتاب من عقوبات جسديَّة؟ إذا كانوا على علم بها، فنقول لهم على طريقة سؤالهم: كيف يفسِّرونها؟! وإذا كانوا يجهلونها، فنقول لهم: تعلَّموا دينكم أوَّلاً، وادرسوا كُتُبَكُم، ثم تعالوا إلى المناظرة وطرح الأسئلة التشكيكية إنْ شئتم، ولا تطرحوا أسئلة من وجهة نظر العلمانيين، أو الملحدين الذين لا يؤمنون بالله ورُسُله وكُتُبه. اقرؤوا هذا النصّ من الإصحاح العشرين من سِفْر اللاّويين: "٩ _ كلُّ إنْسَانٍ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فإنَّهُ يُقْتَلُ. قَدْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ.

стр. 654

١٠- وَإذَا زَنَى رجلٌ مع امرأةٍ فإذا زنى مع امرأة قريبه فإنَّه يقتل الزاني والزانية. ١١- وإذا اضطجع رجل مع امرأة أبيه فقد كشف عورة أبيه. إنهما يقتلان كلاهما. دمهما عليهما. ١٢- وإذا اضطجع رجلٌ مع كنته فإنهما يقتلان كلاهما. قد فعلا فاحشة. دمهما عليهما. ١٣- وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا. إنهما يقتلان. دمهما عليهما. ١٤- وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها فذلك رذيلة. بالنار يحرقونه وإياهما لكي لا يكون رذيلة بينكم. ١٥- وإذا جعل رجلٌ مضجعه مع بهيمة، فإنه يقتل. والبهيمة تميتونها. ١٦- وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائها تميت المرأة والبهيمة. إنهما يقتلان. دمهما عليهما". وجاء فيه أيضاً: "١- وكلم الرب موسى قائلاً: وتقول لبني إسرائيل: كل إنسان من بني إسرائيل ومن الغرباء النازلين في إسرائيل أعطى من زرعه لمولك فإنه يقتل. يرجمه شعب الأرض بالحجارة". مُولَك: اسم ملك. وهو اسم ملك جهنم حسب رأي الكنعانيين الوثنيّين (عن: قاموس الكتاب المقدَّس) . وجاء فيه أيضاً: "٢٧ - وإذا كان في رجلٍ أو امرأةٍ جان أو تابعه فإنه يقتل بالحجارة يرجمونه. دمه عليه".

стр. 655

واقرؤوا هذا النصّ من سفر التثنية (الإصحاح العشرين) وفَسَّروه لنا بحسب منطقكم الإنساني: "١٠- حين تقرب من مدينةٍ لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. ١١- فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك التسخير ويستعبد لك. ١٢- وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فاحصرها. ١٣- وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. ١٤- وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاها الرب إلهك. ١٥- هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. ١٦- وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما. ١٧ - بل تحرمها تحريماً، الحثيين، والأموريين، والكنعانيين , والفرزيين، والحويين، واليبوسيين، كما أمرك الرب إلهك. ١٨- لكي لا يعلموكم أن تعلموا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم فتخطئوا إلى الرب إلهكم". بعد هذا أقول لأصحاب السؤال: كيف يفسرون ما في كتب العهد القديم التي يؤمنون بها من عقوبات جسدية، قبل أ، يسألوا عن تفسير العقوبات الجسدية الموجودة في الإسلام؟.

стр. 656

* ثالثاً: لقد تراجعت شعوب الأرض، ودول العالم المتحضِّر عن أفكار إلغاء العقوبات الجسدية، ولجأت في الآونة الأخيرة إلى إصدار قوانين بالعقوبات الجسدية حتى مستوى العقوبة القصوى، كالجرائم المتعلقة بنشر المخدرات وترويجها. مع إقرارهم جميعاً استباحة ما تصنعه الحروب ذات الأهداف المدفوعة بالأنانيات غير النبيلة ولا الشريفة، من قتل وصور بشعةٍ جداً، تحرم من يصاب بها من بعض أعضائه وحواسه، وتعطله في الحياة، وتجعله من المعوقين، مع ما تجلبه له من آلام جسيمة. * رابعاً: على طارحي السؤال أن يراجعوا تاريخ النصارى المملوء بمآسي القتل والاضطهاد الشنيع بكلّ أنواع التعذيب والإذلال، والتي منها قطع الأيدي والأرجل والأنوف والآذان، ومنها سملُ العيون وإطفاء نورها بالحديد المحمى،وغير ذلك، لإكراه النصارى ولا سيما المسلمون على ترك دينهم، والدخول في النصرانية. وقد كان بين طوائفهم مثل ذلك أيضاً، بسبب الخلافات الدينية. ألا يذكرون ما صنعت محاكم التفتيش في أسبانيا؟ ألا يذكرون ما صنع رجال الكنيسة من حبس الألوف في أقبية مغلقة وجمعهم فيها كجمع سمك السردين في العلب، وتركهم فهيا حتى يموتوا وقوفاً متراصين، مختنقين جياعاً ظماءً؟ ألا يذكرون القسوة الشديدة التي عاملوا بها المسلمين في المستعمرات التي استعمرتها بعض الدول المسيحية لبعض بلدان المسلمين في الشرق الأقصى، واعترف بها بعض قادة المبشرين، وقد بارك رجال الكنيسة هذه الأعمال؟ * خامساً: لقد جرَّب المسلمون عبر تاريخهم العقوبات الجسديَّة الَّتي أمر الله بها، كالقطع والجلد والرجم، فكان من منافعها العظيمة

стр. 657

حماية المجتمعات الإسلاميَّة من جرائم قتل شنيع فما دونه تعادل آلاف أضعاف ما تمَّ تنفيذه من عقوبات جسدية، بمعنى أن يداً واحدةً قطعت حماية المجتمعات الإسلامية من جرائم قتل شنيع فما دونه تعادل آلاف أضعاف ما تم تنفيذه من عقوبات جسدية، بمعنى أن يداً واحدة قطعت لسارق قد حمت آلافاً من الناس بريئين سويّين غير مجرمين، كان من الممكن لولا هذه العقوبة الصارمة الحاسمة أن يتعرضوا للقتل وقطع الأيدي والأرجل وبقر البطون وإحداث عاهات مستديمات فيهم، بأيدي مجرمين عدوانيين، مع ما يسلبون وينهبون من أموال ويهتكون من أعراض. ويحسن بطارحي السؤال أن يراجعوا إحصائيات دول العالم اليوم التي لا تعاقب السارقين بقطع الأيدي، وما فيها من أرقام جرائم خيالية فيها قتل بأبشع الصور فما دون القتل من أعمال عدوانية إجرامية، من أجل الحصول على المال الحرام بالسرقة أو السلب والنهب والقهر بالقوة. كذلك نقول: إن رجم عددٍ لا يتجاوز عدد أصابع اليدين لزناة متزوجين محصنين، ثبت على الزاني منهم الزنى بشهادة أربعة شهود عدول شاهدوا بأعينهم فعلته، أو قدموا أنفسهم للتطهير باعتراف منهم لم يكرهوا عليه، ولم يستدرجوا إليه، بأية وسيلة من وسائل الاستدراج، قد حمى المجتمع الإسلامي قروناً متعددة من انتشار فاحشة الزنى في الأسر المحصنة، وحماه مما تجر هذه الفاحشة من فسادٍ في المجتمع، واختلاطٍ في الأنساب، ومآسٍ في الأسر، ثم مما تجلبه من أمراض وبائية قد أحدثت طوفاناً وبائياً في الشعوب التي تهاونت بهذا الأمر، وجعلت ممارسته من مظاهر الحرِّيَّة الشخصية. وأقول لأصحاب السؤال الذين يقولون: إنهم نصارى: هل أباحت شريعة من الشرائع الربانية الزنى المنتشر في عالم اليوم في الشعوب النصرانية بشكل معتاد غير منتقد، باعتباره ظاهرة من ظواهر الحريات الشخصية، وقد سبب في شعوب الأرض مآسي تدوَّن بها بحوث ورسائل بل كتب كبيرة؟!

стр. 658

إنَّ أصل الحكم الرباني في شريعتهم هو الرجم، وقد كانوا يفعلونه في عصورهم الأولى، ثم دخل عليهم التحريف في الدين، والتهاون بتطبيق أحكامه، فليراجعوا تاريخهم، أو فليقرؤوه إن كانوا جاهلين. أفيعترضون على حكم هو من أحكام الإسلام وهو من أصول شريعتهم، وأحكام دينهم، ومنصوص عليه في الكتب التي يؤمنون بها، كما سبق بيان ما جاء في الإصحاح العشرين من سفر اللاّويين؟! إذا تحولوا علمانيين فلينصروا العلمانية صراحةً، وليخلعوا قناع مناصرة الديانة النصرانية. وإذا كانوا ينصرون ما هو قائم في الشعوب النصرانية مما هو مخالف لأصول دينهم، فليدعوا الأديان كلها جانباً، وليتحدثوا عن واقع بشري بحت، لا عن أديان ربانية منزلة من عند الله رب العالمين. وأذكرهم با جاء في الإصحاح الثامن من إنجيل يوحنا: "١- أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون. ٢- ثم حضر إلى الهيكل في الصبح وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم. ٣- وقدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنا. ولما أقاموها في الوسط. ٤- قالوا له: يا معلم، هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل. ٥- وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم فماذا تقول أنت؟ ٦- قالوا هذه ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه. وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض.

стр. 659

٧- ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر. ٨- ثم انحنى أيضاً إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. ٩- وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحداً فواحداً مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين". * * *

стр. 660

ثانياً: أسئلتهم حول المسَاواة وأجوبتها السؤال الأول: "ما معنى الدفاع عن تفوق الإنسان الحر على العبد، دون إدانةٍ للعبودية والقضاء عليها؟ ". الجواب: إنَّ المفاهيم الإسلامية التي يدل عليها كتاب الله القرآن، وتدل عليها أقوال الرسول وأفعاله ووصاياه تقرر أن الحر ليس له - بسبب كونه حراً - تفوق عند الله، وكذلك في المجتمع الإسلامي المطبق لأحكام الإسلام، على العبد، بسبب كونه عبداً، وكذلك في وجدان كل مؤمن مسلم، فلا تفوق في الإسلام للحر على العبد. فرب عبد مؤمن مسلم صالح تقي هو خير بإيمانه ودينه وعلمه وعقله وخصائصه النفسية والجسدية من سيده. أما الحرِّيَّة والعبودية فقضيتان من النظام الاجتماعي الذي يحدد علاقات البشر، دون النظر إلى اعتبارات تفوق واستعلاء، أو تدن وانحطاط. إن العلاقة بين العبد وسيده في مفاهيم الإسلام تشبه العلاقة بين عامل بأجر، مهما كان هذا العامل عظيماً في صفاته وخصائصه الذاتية والاجتماعية، وبين رب عمل، مهما كان رب العمل هذا منحط القيمة في صفاته وخصائصه الذاتية والاجتماعية. فموقع العامل بأجر اضطُرَّ أن يؤجّر

стр. 661

نفسه لحاجته إلى الأجرة، تجاه رب العمل، هو موقع المكلف المسؤول، الذي يتلقى أوامر الذي يعمل عنده، ويتلقى نواهيه، حول العمل الذي أجر طاقة عمله له ما دام أجيراً، وهذه العلاقة تحكمها ضوابط حقوقية. وهي أيضاً تشبه العلاقة بين رئيس الدولة أو أي ذي سلطة إدارية، وبين الذين هم تحت سلطته. فهل صاحب السلطة الإدارية له تفوق في خصائصه البشرية بسبب كونه في موقعه الإداري؟! إن كثيرين من الذين هم تحت سلطته هم أفضل منه أضعافاً مضاعفة في خصائصهم وصفاتهم النفسية والجسدية، لكن موقعهم في حدود النظام الإداري هو موقع المأمور الذي يجب عليه أن يطيع أوامر رئيسه. ونقول هنا لطارحي السؤال على طريقة سؤالهم: ما معنى هذا التفوق؟! وإذا دافعوا عنه فنقول لهم على طريقتهم أيضاً: ما معنى الدفاع عن تفوق الرئيس على مرؤوسيه؟!. وما معنى تفوق المدير على من هم تحت إدارته؟!. وما معنى تفوق البابا على الكرادلة؟! وتفوق الكرادلة على البطارقة؟! وهكذا تسلسلاً حتى أدنى مراتب الإكليروس. أما نحن المسلمين المؤمنين بمفاهيم الإسلام فلا نرى العلاقة بين العبد وسيده، ولا أمثالها تفوقاً، بل هو أمرٌ من النظام الاجتماعي اقتضته طبيعة الحياة الاجتماعية البشرية، لتنظيم أحوال الناس، ولولا ذلك لفسدت المجتمعات، ولصار الناس فوضى. وتطبيقاً لهذا المفهوم الإسلامي اتخذ العبيد والموالي في تاريخ المسلمين سبلهم للارتقاء إلى أرفع المراتب الاجتماعية، فكان منهم كبار العلماء والمحدثين والقادة الموجهين، والأئمة الأعلام، ثم كانت لهم دولة ذات شأن تعرف في تاريخ المسلمين بدولة المماليك.

стр. 662

على خلاف العبيد في تاريخ الشعوب النصرانية، الذين كانوا يسترقون نهباً وسلباً من السواحل الإفريقية، ويساقون بالتعذيب إلى أمريكا، وعلى أجسادهم أقام النصارى العالم الجديد، وهذه بقعة مظلمة سوداء في تاريخ الشعوب النصرانية، ولا زالت مظاهر الاستعلاء التفوقي للعرق الأبيض على الشعوب السود موجودةً حتى الآن، في الشعوب النصرانية، وهو ما يسمى بالتمييز العنصري، الذي تعاني منه الشعوب السود، على خلاف واقعهم بين شعوب الأمة الإسلامية. وأما الرق فقد كان قبل الإسلام نظاماً عاماً عند كل الشعوب، وعند كل أهل الملل والنحل، ومنهم اليهود والنصارى. وقد كانت له أسبابٌ هي في معظمها ظالمة آثمة لا أخلاقية ولا إنسانية، تعتمد على السلب والنهب والسطو بالقوة المسلحة مع الإكراه بالقتل لمن يسترق، إذا تمرد على من استرقه أو على من اشتراه منه. ولما جاء الإسلام حث على عتق العبيد، ولم يكن من الممكن إلغاء الرق نهائياً من طرف واحد، وهو طرف الأمة الإسلامية، لأن الرق من القضايا التي تواضعت عليها شعوب الأرض، لكن الإسلام منع كل الموارد الظالمة الآثمة التي كانت تمد نظام الرق، وتجعل الأحرار عبيداً، وكان من اللازم أن يعامل بالمثل في أسرى الحرب فقط، لأن الأسرى من المسلمين عند غير المسلمين كانوا عرضة ً للاسترقاق، أو يفدون بنظرائهم، أو بالأموال، فكان من العدل في نظام الإسلام المعاملة بالمثل. وزاد الإسلام الأسرى تكريماً، فأعطى القيادة المسلمة حق المن بإطلاق الأسرى دون مقابل، وبدأ النص القرآني به، وسكت عن الاسترقاق، إشعاراً بعدم الرغبة فيه، ولكن قد تدعو إليه المعاملة بالمثل، فقال الله في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ .

стр. 663

ولم يقل القرآن: وإما استرقاقاً، ليدل على أن الاسترقاق غير مرغوب فيه، وإنما قد تدعو الحاجة إليه، بمقتضى قواعد المعاملة بالمثل، وليدل على أن من صلاحيات القيادة الإسلامية أن تتفق مع محاربيها على أن يكون التعامل فيما بينهم على إيقاف نظام الاسترقاق، والاكتفاء بالمن (أي: بإطلاق الأسرى دون مقابل) ، أو بالفداء (أي: بافتداء أسرى بأسرى، أو افتداء أسرى بمال) . وإذا كان أصحاب السؤال يجهلون أو يتجاهلون أن نظام الرقيق والعبيد من الأنظمة لدى أهل الكتاب جميعاً ومنهم النصارى، فإنني أحيلهم على النص الذي أوردته فيما سبق من الإصحاح العشرين في سفر التثنية، وليقارنوا بين قول الله تعالى في القرآن: ﴿إِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً....﴾ . وبين ما جاء في سفر التثنية حول محاربة أهل المدن: "فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك التسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف". إلى آخر ما جاء في النص مما هو أشد وأقسى. وأقول لهم أيضاً: ألم يكن لداود عبيد يطيعونه، ويخضعون له؟! ألم يكن لسليمان عبيد يطيعونه ويخضعون له؟! ألم يكن لأيوب عبيد يطيعونه ويخضعون له؟! إذا كانوا يجهلون ذلك، فإني أعرض عليهم مقاطع من كتابهم المقدس: (١) جاء في الإصحاح الثاني عشر من "صموئيل الثاني" ما يلي في معرض بيان حزن داود من أجل مرض الولد الذي حملت به منه امرأة

стр. 664

أوريا (كما يزعمون) كذباً وبهتاناً على داود فيما نعتقد نحن له من عصمة عن الزنا: "١٨ - وكان في اليوم السابع أن الولد مات، فخاف عبيد داود أن يخبروه بأن الولد قد مات لأنهم قالوا: هو ذا لما كان الولد حياً كلمناه فلم يسمع لصوتنا. فكيف نقول له قد مات الولد. يعمل أشر. ١٩- ورأى داود عبيده يتناجون ففطن داود إلى أن الولد قد مات. فقال داود لعبيده: هل مات الولد؟ فقالوا: مات" إلى آخر القصة. (٢) وجاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر "الملوك الأوَّل" ما يلي في معرض الحديث عن سليمان: "٣- وكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من النساء السراري فأمالت نساؤه قلبه". (٣) وجاء في سفر أيوب بيانٌ عن خدمه وغلمانه الكثيرين، العاملين في خدمته، المطيعين لأوامره ونواهيه، وجاء فيه بعض بيان عن عبيده وإمائه. فلما امتحنه الله بزوال النعمة جاء في أقواله كما في الإصلاح التاسع عشر: "١٤- أقاربي قد خذلوني والذين عرفوني نسوني. ١٥- نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبياً، صرت في أعينهم غريباً. ١٦- عبدي دعوت فلم يجب". ثم ألا يذكرون أن "سارة" زوجة سيدنا إبراهيم ﵇ كانت لها أمة هي "هاجر" وأنها وهبتها لزوجها إبراهيم، ولما حملت منه غارت منها، وألزمت زوجها بإبعادها، حتى أخذها هي وابنها الرضيع إسماعيل إلى مكة وتركها في وادٍ غير ذي زرع بأمر الله وإذنه؟

стр. 665

(٤) وجاء في رسالة بطرس الرسول الأولى (الإصحاح الثاني) ما يلي: "١٨- أيها الخدام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة ليس للصالحين المترفقين فقط، بل للعنفاء أيضاً. ١٩ - لأن هذا فضل إن كان أحدٌ من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم. ٢٠- لأنه أي مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون، بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون فهذا فضل عند الله. ٢١- لأنكم لهذا دعيتم". * * * السؤال الثاني: "لماذا يقال بأن الله قد خلق البشر سواسية في الحقوق والواجبات، بينما تقبل عدم المساواة لأسباب دينية. كما يعلن عن تفوق المسلم على غير المسلم وإن كان الأخير من (أهل الكتاب) ومن أتباع الديانات الأخرى، أو من غير المؤمنين. ونجد هذه اللامساواة في الميادين الحقوقية والاجتماعية، اعتماداً على العقائد الدينية. ونحن بدورنا نتساءل: هل يتعارض التعايش بالحقوق نفسها، بين المسلمين والنصارى واليهود وبقية الناس، مؤمنين أم غير مؤمنين مع العقيدة الإسلامية، وبخاصة بالنسبة إلى قضية تطبيق الشريعة دون تمييز على المسلمين وغير المسلمين". الجواب: السؤال مطروح بشكل عام دون بيانٍ ولا تحديد ولا أمثلة، والأسئلة العامة مزالق مغالطات لا يجاب عليها أجوبة عامة.

стр. 666

والاعتراض الوارد في السؤال يتضمن اعتراضاً عاماً غير محدد، وغير مقترن بأمثلة، ومثل هذا الاعتراض ساقط لا قيمة له في مجال البحث العلمي، والحوار العقلي المنصف المتجرد. إن باستطاعة أي إنسان غير ملتزم بمنطق الحوار العلمي والمناظرة النظيفة الحصيفة الشريفة، أن يقول لأي فاضل نزيه شريف بريء: لماذا تتظاهر بالفضل والنزاهة والشرف والبراءة، بينما نجدك على خلاف ذلك؟! إن أول رد مهذب يرد به هو أن يقول: ماذا تنكر علي من قول، أو خلق، أو سلوك؟ أثبت بالأمثلة من الواقع ما أنت تشتمني به. ونحن هنا نرد بمثل ما رد به الرسول "نوح ﵇" على قومه إذ قالوا له: إنا لنراك في ضلال مبين. فقال لهم: يا قوم ليس بي ضلالة. قال الله في القرآن، في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . ونرد بمثل ما رد به الرسول "هود ﵇" على قومه إذ قالوا له: إنا لنراك في سفاهةٍ وإنا لنظنك من الكاذبين. فقال لهم: يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكني رسول من رب العالمين. قال الله في القرآن، في سورة (الأعراف) أيضاً: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ

стр. 667

الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ . ومع هذا، فإني أقدم تصوراً كلياً عاماً عن الحقوق والواجبات في الإسلام، يدرك طارحو السؤال من خلاله كيف ينبغي أن تطرح الأسئلة والاعتراضات، ويظهر أنهم بعيدون عن الدراسات الحقوقية والقانونية، أميون في هذا المجال العملي، كما هم أميون في كتابهم المقدس، أو متجاهلون يغالطون في طرح الأسئلة، ظانين أن الأسئلة تنطي عليهم حيل الأسئلة. إن التفصيل في هذا الموضوع يحتاج بياناً واسعاً يعتمد على تتبع جزئيات الحقوق والواجبات، ومعرفة من له حق ما، ومقدار ذلك الحق، ومعرفة من ليس له حق، ثم معرفة من عليه واجبٌ ما، ومقدار ذلك الواجب، ومعرفة من ليس عليه واجب، كل ذلك على وجه الدقة. وقبل أي بحث في هذا الموضوع أقول: إن الإسلام يقرر من مبادئه الكلية العامة مبدأ العدل، لا مبدأ المساواة، ومبدأ العدل يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، أو على مقدار حقه دون زيادة ولا نقصان. وإعطاء كل ذي حق حقه، أو على مقدار حقه دون زيادة ولا نقصان هو واجب على من يملك هذا الإعطاء. أمثلة: (١) فمن حق الله على عباده أن يؤمنوا به رباً واحداً أحداً لا شريك له ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له. ومن حق الله على عباده أن يعبدوه وحده ولا يشركوا بعبادته أحداً. وأن يطيعوه في أوامره. إذن، فعلى كل ذي إرادة حرة علم بحقوق الله عليه بنفسه، أو بلاغاً عن طريق الرسل، واجبُ أداء هذه الحقوق.

стр. 668

ومن كفر بالله، في ربوبيته الواحدة، أو في إلهيته الواحدة، أو عصى أوامر الله ونواهيه، ولم يؤد حقوق الله عليه ظلم وأجرم، واستحق المؤاخذة والعقاب بنفسه، على مقدار استهانته أو تقصيره بأداء حقوق الله عليه، ولا يحمل مخلوقٌ ما كائناً من كان وزراً اكتسبه مخلوق آخر ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ ، وهذه قاعدة من قواعد الدين منزلة على إبراهيم ﵇ فمن بعده من المرسلين، وفكرة تحمل عيسى ﵇ الخطيئة عن غيره بتقديم نفسه للصلب، خرافةٌ لا أصل لها في قانون العدل الرباني، صنعها محرفو الديانة الربانية، التي جاء بها عبد الله ورسوله عيسى ﵇ فمن بعده من المرسلين، وفكرة تحمل عيسى ﵇ الخطيئة عن غيره بتقديم نفسه للصلب، خرافةٌ لا أصل لها في قانون العدل الرباني، صنعها محرفو الديانة الربانية، التي جاء بها عبد الله ورسوله عيسى ﵇. (٢) وقد أعطى الله عباده حقوقاً قسمها بينهما بحسب ما وهبهم، وكلفهم من الواجبات على مقدار ما وهب كلاً منهم. فلكل ذي حياة حق في أن يحيا، وفي أن يكون له رزق، وفي أن يكون له من مطالب حياته ما يحتاجه له، طوال مدة رحلة امتحانه في الحياة الدنيا. وعلى الناس جميعاً أن يصونوا له هذا الحق، ما لم يعمل عملاً يستحق عليه عقاباً، وقد يصل العقاب إلى عقوبة الطرد من الحياة الدنيا بالقتل. هذا الحق يتساوى فيه الناس جميعاً، فهم فيه سواسية، بشرط أن لا يعتدي صاحب هذا الحق على حق الله، أو حقوق الآخرين من عباد الله، أو شيء من خلق الله. ومن الحقوق التي يجب أن تبقى مصونة للإنسان في رحلة امتحانه، تأمين حريته الشخصية في أن يؤمن بما شاء، ويكفر بما شاء، وفي أن يفكر كما يشاء، ويختار لنفسه من الدين والاعتقاد ما يشاء، فلا يُكرَهُ ولا يُجْبَرُ على دينٍ ما، أو اعتقاد ما، لكنه بعد ذلك ملاحقٌ عند الله بالمسؤولية والحساب والجزاء، فإن اعتدى على غيره من أصحاب هذا الحق فأجبرهم

стр. 669

أن يؤمنوا بمثل ما آمن به، أو أن يدينوا بدينه، وأكرههم بأية وسيلة من وسائل الإكراه، كان على أهل الرشد من البشر أن يمنعوه من ذلك، ولو بأن يقاتلوه إذا اقتضى الأمر قتاله، لإزاحته من موقع السلطة الإكراهية. وقد علمنا القرآن أنه لا إكراه في الدين، وأن الأنبياء والمرسلين جميعاً لم يكرهوا الناس على الدين، ولم يقبلوا ديناً بإكراه، ولم يقرروا مؤاخذة على الكفر بالحق إذا كان ناشئاً عن إكراه. والأمر في التوراة والإنجيل والقرآن بقتال الكافرين، إنما هو لتأمين حريات الأفراد في الدين، وإزاحة ذوي السلطان الذين يكرهون الناس على وثنياتهم وكفرياتهم، عن مراكز قواتهم التي بها يكرهون الناس. هذه تعاليم الإسلام، وأدلتها كثيرة وواضحة. (٣) وتوجد حقوقٌ لبعض الأفراد، هي واجباتٌ على غيرهم، دون تبادل التساوي بين هؤلاء وهؤلاء. إن للوالدين مثلاً حقوقاً على أولادهما، وهذه الحقوق يترتب عنها واجبات على الأولاد، ذكوراً وإناثاً، فالتساوي بين الوالدين وأولادهما في الحقوق والواجبات غير معقول وغير ممكن، لأنه لا يمكن أن يكون الابن أباً لأبيه حتى يكون له عليه من الحق مثل ما لأبيه عليه من الحق، إنه دور مستحيل عقلاً. إذن فحق الوالد على الولد لا يساوي من هذه الناحية حق الولد على والده أو والدته. لكن للود حقاً آخر على أبيه وأمه، ولا يوجد لهذا الحق مساوٍ عند الوالد نحو ولده. وكل حق من جهةٍ على جهةٍ يقابلُه واجب على من عليه الحق، فحق الرئيس على من هم تحت يده بمقتضى النظام الاجتماعي يقابله

стр. 670

واجب عليهم، هو أن يطيعوه في غير معصية الله، وفي أن يحترموه ويوقروه، ولهم حقٌّ عليه في أن يعدل بينهم ويرفق بهم، ويعمل على أمنهم، وتيسير وسائل كسب أرزاقهم، ونحو ذلك. والزوج بمقتضى قوامته على زوجته، له عليها حقٌّ أن تطيعه بالمعروف في غير معصية الله، وأن تعفَّه، وأن تهيئ له الوسائل حتى تكون له سكناً، ويجد عندها طمأنينته، إلى غير ذلك من حقوق. وحقها عليه أن ينفق عليها، ويكون لها عوناً وسنداً، ويرفق بها، ويعاشرها بالمعروف. ونرى أن الحقوق والواجبات بينهما ليست في كل العناصر متطابقة ولا متساوية، هو منفق وهي غير منفقة، هو صاحب قوامة وهي ليست صاحبة قوامة. إن طبيعة الخصائص المختلفة تقتضي التكامل، لا التطابق ولا التساوي، فمطلب التساوي منشؤه سوء الفهم لطبيعة الوجود، وطبيعة الحياة، وتطبيقه يؤدّي إلى الفساد والإفساد. وهكذا إلى سائر الحقوق والواجبات. أما المسلمون فقد قامت بينهم وحدة الدين عقيدةً وشريعةً ونظاماً فكل من ينتمي إلى هذا الدين هو مكلف أن يلتزم بالحقوق والواجبات المبينة فيه، والتي تحددها الخصائص والصفات، وتقوم على مبدأ العدل، لا على مبدأ التساوي. وأما المسلمون مع غير المسلمين الذين لم يؤمنوا بالعقيدة الإسلامية، والشرائع الإسلامية، والنظام الإسلامي، فالجامع بينهم روابط إنسانية، والحقوق والواجبات بيهم تحددها مفاهيم هذه الروابط، وقواعدها عامة، وتقوم على مبدأ العدل لهم أو عليهم، لا على مبدأ التساوي، فكل حقٍ تقرره مبادئ الحقوق الإنسانية يقابله واجبٌ على الآخرين أن يحترموه، ويلتزموا به إذا كان يتعلق بهم.
следующие страницы →