Полный текст (750 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
والاعتراض الوارد في السؤال يتضمن اعتراضاً عاماً غير محدد، وغير مقترن بأمثلة، ومثل هذا الاعتراض ساقط لا قيمة له في مجال البحث العلمي، والحوار العقلي المنصف المتجرد.
إن باستطاعة أي إنسان غير ملتزم بمنطق الحوار العلمي والمناظرة النظيفة الحصيفة الشريفة، أن يقول لأي فاضل نزيه شريف بريء: لماذا تتظاهر بالفضل والنزاهة والشرف والبراءة، بينما نجدك على خلاف ذلك؟!
إن أول رد مهذب يرد به هو أن يقول: ماذا تنكر علي من قول، أو خلق، أو سلوك؟
أثبت بالأمثلة من الواقع ما أنت تشتمني به.
ونحن هنا نرد بمثل ما رد به الرسول "نوح ﵇" على قومه إذ قالوا له: إنا لنراك في ضلال مبين.
فقال لهم: يا قوم ليس بي ضلالة.
قال الله في القرآن، في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ .
ونرد بمثل ما رد به الرسول "هود ﵇" على قومه إذ قالوا له: إنا لنراك في سفاهةٍ وإنا لنظنك من الكاذبين.
فقال لهم: يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكني رسول من رب العالمين.
قال الله في القرآن، في سورة (الأعراف) أيضاً:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ
стр. 667
الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ .
ومع هذا، فإني أقدم تصوراً كلياً عاماً عن الحقوق والواجبات في الإسلام، يدرك طارحو السؤال من خلاله كيف ينبغي أن تطرح الأسئلة والاعتراضات، ويظهر أنهم بعيدون عن الدراسات الحقوقية والقانونية، أميون في هذا المجال العملي، كما هم أميون في كتابهم المقدس، أو متجاهلون يغالطون في طرح الأسئلة، ظانين أن الأسئلة تنطي عليهم حيل الأسئلة.
إن التفصيل في هذا الموضوع يحتاج بياناً واسعاً يعتمد على تتبع جزئيات الحقوق والواجبات، ومعرفة من له حق ما، ومقدار ذلك الحق، ومعرفة من ليس له حق، ثم معرفة من عليه واجبٌ ما، ومقدار ذلك الواجب، ومعرفة من ليس عليه واجب، كل ذلك على وجه الدقة.
وقبل أي بحث في هذا الموضوع أقول: إن الإسلام يقرر من مبادئه الكلية العامة مبدأ العدل، لا مبدأ المساواة، ومبدأ العدل يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، أو على مقدار حقه دون زيادة ولا نقصان.
وإعطاء كل ذي حق حقه، أو على مقدار حقه دون زيادة ولا نقصان هو واجب على من يملك هذا الإعطاء.
أمثلة:
(١) فمن حق الله على عباده أن يؤمنوا به رباً واحداً أحداً لا شريك له ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له.
ومن حق الله على عباده أن يعبدوه وحده ولا يشركوا بعبادته أحداً. وأن يطيعوه في أوامره.
إذن، فعلى كل ذي إرادة حرة علم بحقوق الله عليه بنفسه، أو بلاغاً عن طريق الرسل، واجبُ أداء هذه الحقوق.
стр. 668
ومن كفر بالله، في ربوبيته الواحدة، أو في إلهيته الواحدة، أو عصى أوامر الله ونواهيه، ولم يؤد حقوق الله عليه ظلم وأجرم، واستحق المؤاخذة والعقاب بنفسه، على مقدار استهانته أو تقصيره بأداء حقوق الله عليه، ولا يحمل مخلوقٌ ما كائناً من كان وزراً اكتسبه مخلوق آخر ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ ، وهذه قاعدة من قواعد الدين منزلة على إبراهيم ﵇ فمن بعده من المرسلين، وفكرة تحمل عيسى ﵇ الخطيئة عن غيره بتقديم نفسه للصلب، خرافةٌ لا أصل لها في قانون العدل الرباني، صنعها محرفو الديانة الربانية، التي جاء بها عبد الله ورسوله عيسى ﵇ فمن بعده من المرسلين، وفكرة تحمل عيسى ﵇ الخطيئة عن غيره بتقديم نفسه للصلب، خرافةٌ لا أصل لها في قانون العدل الرباني، صنعها محرفو الديانة الربانية، التي جاء بها عبد الله ورسوله عيسى ﵇.
(٢) وقد أعطى الله عباده حقوقاً قسمها بينهما بحسب ما وهبهم، وكلفهم من الواجبات على مقدار ما وهب كلاً منهم.
فلكل ذي حياة حق في أن يحيا، وفي أن يكون له رزق، وفي أن يكون له من مطالب حياته ما يحتاجه له، طوال مدة رحلة امتحانه في الحياة الدنيا.
وعلى الناس جميعاً أن يصونوا له هذا الحق، ما لم يعمل عملاً يستحق عليه عقاباً، وقد يصل العقاب إلى عقوبة الطرد من الحياة الدنيا بالقتل.
هذا الحق يتساوى فيه الناس جميعاً، فهم فيه سواسية، بشرط أن لا يعتدي صاحب هذا الحق على حق الله، أو حقوق الآخرين من عباد الله، أو شيء من خلق الله.
ومن الحقوق التي يجب أن تبقى مصونة للإنسان في رحلة امتحانه، تأمين حريته الشخصية في أن يؤمن بما شاء، ويكفر بما شاء، وفي أن يفكر كما يشاء، ويختار لنفسه من الدين والاعتقاد ما يشاء، فلا يُكرَهُ ولا يُجْبَرُ على دينٍ ما، أو اعتقاد ما، لكنه بعد ذلك ملاحقٌ عند الله بالمسؤولية والحساب والجزاء، فإن اعتدى على غيره من أصحاب هذا الحق فأجبرهم
стр. 669
أن يؤمنوا بمثل ما آمن به، أو أن يدينوا بدينه، وأكرههم بأية وسيلة من وسائل الإكراه، كان على أهل الرشد من البشر أن يمنعوه من ذلك، ولو بأن يقاتلوه إذا اقتضى الأمر قتاله، لإزاحته من موقع السلطة الإكراهية.
وقد علمنا القرآن أنه لا إكراه في الدين، وأن الأنبياء والمرسلين جميعاً لم يكرهوا الناس على الدين، ولم يقبلوا ديناً بإكراه، ولم يقرروا مؤاخذة على الكفر بالحق إذا كان ناشئاً عن إكراه.
والأمر في التوراة والإنجيل والقرآن بقتال الكافرين، إنما هو لتأمين حريات الأفراد في الدين، وإزاحة ذوي السلطان الذين يكرهون الناس على وثنياتهم وكفرياتهم، عن مراكز قواتهم التي بها يكرهون الناس.
هذه تعاليم الإسلام، وأدلتها كثيرة وواضحة.
(٣) وتوجد حقوقٌ لبعض الأفراد، هي واجباتٌ على غيرهم، دون تبادل التساوي بين هؤلاء وهؤلاء.
إن للوالدين مثلاً حقوقاً على أولادهما، وهذه الحقوق يترتب عنها واجبات على الأولاد، ذكوراً وإناثاً، فالتساوي بين الوالدين وأولادهما في الحقوق والواجبات غير معقول وغير ممكن، لأنه لا يمكن أن يكون الابن أباً لأبيه حتى يكون له عليه من الحق مثل ما لأبيه عليه من الحق، إنه دور مستحيل عقلاً.
إذن فحق الوالد على الولد لا يساوي من هذه الناحية حق الولد على والده أو والدته.
لكن للود حقاً آخر على أبيه وأمه، ولا يوجد لهذا الحق مساوٍ عند الوالد نحو ولده.
وكل حق من جهةٍ على جهةٍ يقابلُه واجب على من عليه الحق، فحق الرئيس على من هم تحت يده بمقتضى النظام الاجتماعي يقابله
стр. 670
واجب عليهم، هو أن يطيعوه في غير معصية الله، وفي أن يحترموه ويوقروه، ولهم حقٌّ عليه في أن يعدل بينهم ويرفق بهم، ويعمل على أمنهم، وتيسير وسائل كسب أرزاقهم، ونحو ذلك.
والزوج بمقتضى قوامته على زوجته، له عليها حقٌّ أن تطيعه بالمعروف في غير معصية الله، وأن تعفَّه، وأن تهيئ له الوسائل حتى تكون له سكناً، ويجد عندها طمأنينته، إلى غير ذلك من حقوق.
وحقها عليه أن ينفق عليها، ويكون لها عوناً وسنداً، ويرفق بها، ويعاشرها بالمعروف.
ونرى أن الحقوق والواجبات بينهما ليست في كل العناصر متطابقة ولا متساوية، هو منفق وهي غير منفقة، هو صاحب قوامة وهي ليست صاحبة قوامة.
إن طبيعة الخصائص المختلفة تقتضي التكامل، لا التطابق ولا التساوي، فمطلب التساوي منشؤه سوء الفهم لطبيعة الوجود، وطبيعة الحياة، وتطبيقه يؤدّي إلى الفساد والإفساد.
وهكذا إلى سائر الحقوق والواجبات.
أما المسلمون فقد قامت بينهم وحدة الدين عقيدةً وشريعةً ونظاماً فكل من ينتمي إلى هذا الدين هو مكلف أن يلتزم بالحقوق والواجبات المبينة فيه، والتي تحددها الخصائص والصفات، وتقوم على مبدأ العدل، لا على مبدأ التساوي.
وأما المسلمون مع غير المسلمين الذين لم يؤمنوا بالعقيدة الإسلامية، والشرائع الإسلامية، والنظام الإسلامي، فالجامع بينهم روابط إنسانية، والحقوق والواجبات بيهم تحددها مفاهيم هذه الروابط، وقواعدها عامة، وتقوم على مبدأ العدل لهم أو عليهم، لا على مبدأ التساوي، فكل حقٍ تقرره مبادئ الحقوق الإنسانية يقابله واجبٌ على الآخرين أن يحترموه، ويلتزموا به إذا كان يتعلق بهم.
стр. 671
فالجماعة المسلمة لها روابط قائمة على وحدة الدين , وهذه الرواط لها نظام عام شامل.
وحين يتكون مجتمع ما من أكثرية لها روابط قائمة على وحدة الدين، وأقلية لا تدين بدين الأكثرية، فإن الأكثرية ليست مطالبة في منطق المجتمعات البشرية كلها بأن تتنازل عن مبادئها ومصالحها من أجل الأقلية، وقد تعطى الأقلية بعض استثناءات لا تتعارض مع قواعد النظام العام، ولا تتعارض مع المصالح الكبرى للأكثرية.
وهنا أقول: هل يوجد في أية دولة ذات أكثرية نصرانية أو قومية من دول العالم أنظمة متعددة بعدد الأقليات الدينية أو القومية فيها؟!
أم توضع الأنظمة العامة بمقتضى رغبات ومصالح الأكثرية؟!
إن كل الأنظمة الديمقراطية في العالم تحددها -بحسب الظاهر - إرادة الأكثرية، ثم تفرض على الجميع، ومنهم الأقليات التي لم تحترم إرادتها، وفي أحسن الأحوال وبعد المطالبات الملحة قد تعطى إنسانياً بعض حقوق استثنائية، كالمعابد والمدارس الخاصة بها، وبعض المراكز التي يمكنون فيها من نشاطٍ ديني محدود، على الرغم من أنها أنظمة قائمة على مبادئ علمانية غير نصرانية.
أما الدول التي تشتد فيها النزعة النصرانية، فالأقليات المسلمة فيها مقهورة، مهضومة الحقوق، مضطهدة من أجل دينها، لا تجد أية مساواة بينها وبين الأكثرية النصرانية، في كل المجالات، وبعض الأقليات المسلمة في بعض البلدان النصرانية من هذا القبيل يفرض عليها تغيير أسمائها الإسلامية، فأين المساواة والمدعاة؟
هل وجدت الأقليات النصرانية في الدولة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، شيئاً من هذا الذي تعاني منه الأقليات المسلمة في الدول ذات التعصب النصراني؟ إن الإسلام راعى للأقليات غير المسلمة استثناءاتها
стр. 672
الخاصة التي تقتضيها أحكام أديانها الخاصة، بشرط عدم التأثير على النظام العام، أو الإخلال بقواعده وأمن المجتمع.
ومن ناحية أخرى أقول بنظرة حقوقية: إذا كان المسلم يتمتع بين المسلمين بحقوق أكثر من حقوق غير المسلم أحياناً، ويتحمل من الواجبات عليه للمسلمين أكثر مما يتحمل غير المسلم، فهذا أمر اقتضته طبيعة روابط وحدة الجماعة بيهم، ولا يقال: هذه نزعة تفوق. وفي المقابل نجد كل جماعة في الدنيا تجمعهم روابط متكافئة، لهم على بعضهم حقوق، وعليهم نحوهم واجبات، ولا يوجد نظيرها بينهم وبين غيرهم من الجماعات الأخرى، التي تؤلف بينهم روابط أخرى دينية أو طنية، أو مذهبية أو حزبية، حتى الأسرة تجمع بينها روابط، وهي لا تطالب بأن تعامل أفراد سائر الأسر بمثل ما تعامل به أفراد أسرتها تماماً.
كذلك لا يقال: إن لغير المواطن الذي لا يحمل جنسية الدولة من الحقوق على الدولة مثل حقوق المواطن بالتساوي، فهذا لا يقول به أحدٌ من الناس، وذلك لانعدام روابط المواطنة، وليس تفضيل المواطن في الحقوق على النزيل الضيف، أو عابر السبيل، أو المقيم بعهد أو أمان، هو من قبيل التفوق الإنساني.
والذي يظهر أن واضعي السؤال من المؤسسة التبشيرية العاملة تحت تنظيم "الآباء البيض" لم يدرسوا مبادئ الحقوق في الشرائع الدينية أو القوانين الوضعية، لأننا نلاحظ على أسئلتهم حول المسا واة جهلاً لا نراه عند الذين لديهم معرفة ما بأصول قوانين الحقوق وقواعدها.
وأكره أن أقول: إن السؤال يعتمد على المغالطة والتضليل، فهما فغير أخلاقيين في المناظرة أو الحوار أو طرح الأسئلة.
* * *
стр. 673
السؤال الثالث:
"لماذا يقبل تفوُّق جنس على آخر؟ وهو أمر نراه من خلال النقاط التالية:
(١) قبول تعدد الزوجات مع تحريم تعدد الأزواج.
(٢) إمكانية هجر الرجل لزوجته دون أن يقدم تبريراً لعمله، ومن دون أن يعاني من أية نتائج لعمله هذا، بينما لا تستطيع المرأة سوى الحصول وبصعوبة على الطلاق، وعن الطريق القانوني فقط.
(٣) للأب حق الوصاية أو الولاية على الأبناء دائماً، وإن كان الأطفال في حضانة الأم.
(٤) بالنسبة إلى المواريث نجد أن نصيب المرأة، وفي أغلب الأحيان، هو أقل من حصة الرجل.
الجواب:
إن سؤالهم حول تعدد الزوجات مع تحريم تعدد الأزواج سؤال عجيب من الذين يؤمنون بأنبياء بني إسرائيل، وبأسفار العهد القديم من كتابهم المقدس.
ولنا مع الذين لا يؤمنون بكتاب رباني من الملاحدة والعلمانيين كلامٌ طويل، وبيانٌ مستفيض، نبين فيه حكمة الرسالات الربانية في إباحة تعدد الزوجات، مع تحريم تعدد الأزواج في وقت واحد.
أما النصارى الذين يؤمنون بإبراهيم ﵇ رسولاً، ويؤمنون بإسحاق ويعقوب وموسى وسائر أنبياء رسل بني إسرائيل، فإننا نحيلهم على ما هو مدون في كتابهم المقدس من نصوص وبيانات تدل على أن من شريعة هؤلاء الرسل جميعاً إباحة تعدد الزوجات، دون تعدد الأزواج طبعاً، وأن بعض أنبيائهم ورسلهم كانوا يعددون الزوجات.
فقد كان لإبراهيم ﵇ في وقت واحد زوجة، هي "سارة"
стр. 674
وجارية وهبتها له زوجته وهي "هاجر" المصرية، التي وهبا لسارة فرعون مصر، وحملت منه بإسماعيل ﵇.
وكان ليعقوب "إسرائيل" ﵇ زوجتان شقيقتان، هما: "ليئة" وهي الكبرى، و"راحيل" وهي الصغرى، وكان له معهما جاريتان هما: "بِلْهَة" جارية راحيل، و"زِلْفَة" جارية ليئة، وأنجب من الأربعة أولاده الاثني عشر، هم أجداد أسباط بني إسرائيل.
وكان لداود ﵇ عدة زوجات، فمنهن زوجتان جاء ذكرهما في الإصحاح الثاني، من سفر "صموئيل الثاني" فقد جاء فيه:
"٢- فصعد داود إلى هناك هو وامرأتاه أخينوعم اليزرعيلية وأبيجايل امرأة نابال الكرملي.
٣- وأصعد داود رجاله الذين معه كل واحدٍ وبيته وسكنوا في مدن حبرون.
٤- وأتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكاً على بيت يهوذا".
وقد سبق بيان ما لسليمان ﵇ من زوجات، وهن (٧٠٠) سيدات، و (٣٠٠) سراري، كما جاء في الإصحاح (١١) من سفر الملوك الأول.
واستمرت شريعة تعدد الزوجات في بني إسرائيل، وفي رسالة عيسى ﵇، ثم جاء منع التعدد تحريفاً كنسياً في النصرانية، مستنداً إلى وصية بولس في رسائله، كما جاء في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوث (الإصحاح السابع) .
والتعدد أمر منصوص عليه في سفر "التثنية" ففي الإصحاح الحادي والعشرين منه ما يلي:
стр. 675
"١٥ - إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة، فإن كان الابن البكر للمكروهة.
١٦- فيقوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكراً على ابن المكروهة البكر.
١٧ - بل يعرف ابن المكروهة بكراً ليعطيه نصيب اثنين من كل ما يوجد عنده لأنه هو أول قدرته له حق البكورية".
بعد هذا أقول ما هو جواب أصحاب السؤال حول إباحة تعدد الزوجات في رسالات رسل بني إسرائيل؟ وحول وجوده فعلاً في تاريخهم؟
إنهم إذا وصلوا إلى جواب يقنعهم عما لديهم في الرسالات الربانية التي يؤمنون بها، فليكن هذا الجواب كافياً لهم، ورداً على سؤالهم الإيهامي التشكيكي.
إجابة لإقناع العلمانيين اللادينيين:
وبعد دفع تشكيك أصحاب السؤال من النصارى، أقول للعلمانيين اللادينيين الذين قد يخطر في بالهم طرح مثل هذا السؤال، ما يلي:
إن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام دون إباحة تعدد الأزواج، هو ما تقضيه الحكمة الرفيعة في المجتمع البشري.
أما تعدد الأزواج فأمرٌ لا يقره عاقل، ولا يقره دين، ولا نظام وضعي بشري، إذ لا تساوي بين المرأة والرجل في الحمل والولادة، فكيف يطلب التساوي في التعدد؟
إن السبب في منع تعدد الأزواج ظاهر واضح، وهو ما قد يُفضي إليه تعدد الأزواج من اختلاط الأنساب، مع منافاته أصلاً للطبيعة البشرية التي فطر الله الناس عليها، فالزوج هو الذي له الإدارة والقوامة، ومعلومٌ
стр. 676
أن السفينة الواحدة لا يقودها ربانان في آنٍ واحد، والتناوب في الحياة الزوجية بين صاحبي قوامة غير ممكن لا على سبيل المشاركة، ولا على سبيل التقسيم الزمني الذي يعرف بالمهايأة، ويؤدي إلى خلافات وصراعات حتمية تنتهي بالتدمير السريع للأسرة.
وأما إباحة تعدد الزوجات فأمر تقتضيه مصالح إنسانية كثيرة، وقد يكون التعدد هو الحل الأفضل والأنسب لكثير من المشكلات في المجتمع البشري، ومن ذلك ما يلي:
* أولاً: إن إباحة تعدد الزوجات بشكل صريح وعلني، مع عدم الإذن بالزيادة على أربع زوجات في وقت واحد، ومع الإلزام بالعدل بين الزوجات وإلا فيجب الاقتصار على واحدة، وهو ما قررته أحكام الشريعة الإسلامية، أفضل ألف مرة مما تعاني منه المجتمعات النصرانية والعلمانية التي تمنع تعدد الزوجات الرسمية الصريحات، من انتشار التعدد فعلاً دون ضوابط، وبطرق سفاحية غير مشروعة، ولا تستتبع حقوقاً، ولا التزامات على الزوج، وينتشر بها اللقطاء أولاد الزنا، أو يعيشون في الحياة ليس لهم آباءٌ معروفون يُسألون عنهم، ويتحملون مسؤولياتهم تجاههم.
إن هذه المجتمعت التي تمنع تعدد الزوجات تغض النظر عن تعدد العشيقات والخليلات والصواحب أو تسمح بذلك علناً ولا تجد في الزنا أي حرج ما دام قائماً على تراضي الطرفين، حتى غدا التعدد بهذه الطرق غير المشروعة والتي لا ضابط لها، ظاهرة متفشية في هذه المجتمعات التي تنتمي إلى المسيحية أو إلى العلمانية اللادينية، حتى لا تكاد تسلم منها إلا القلة القليلة النادرة.
والسبب في ذلك أن كثيراً من الرجال لا تقنعهم ولا تكفي مطالبهم زوجة واحدة، فإذا كان النظام المعمول به لا يسمح بأكثر من زوجة
стр. 677
واحدة، فإنهم يلجؤون إلى اتخاذ العشيقات والخليلات والصواحب غير الشرعيات، مع ممارسة الزنا فوقهن بلا حدود.
أفإقرار التعدد عن طريق الزنا مع التحرر من التبعيات أصلح للمجتمع، أم إقراره مضبوطاً مراقباً محدوداً، تراعى فيه الحقوق، وتلتزم فيه تبعات الحياة الزوجية كاملة؟!
* ثانياً: قد تتعرض المجتمعات البشرية لاحتمالات زيادة عدد النساء عن عدد الرجال، الأمر الذي يفضي إلى إبقاء قسم من النساء عوانس أو أرامل، لا يجدن من يتزوجهن من الرجال، لقلة أعدادهم عن أعداد النساء، وقد حصل هذا كثير في أعقاب الحروب.
ولا نعلم فيما سبق في التاريخ أن زاد عدد الرجال على عدد النساء، فالحكمة تستدعي إعطاء حكم الإباحة، مع ضوابط العدل بين الزوجات، وضمان حقوقهن كاملة.
* ثالثاً: قد تتعرض المرأة لمرض لا تستطيع معه القيام بالوظائف الزوجية، وتكون مجرد عبء على الزوج، أو قد يفقد الرجل مشاعر الميل الجنسي إلى زوجته، وفي كل من هاتين الحالتين يكون الزوج أمام حلين:
- إما أن يطلق ليتزوج غير زوجته.
- وإما أن يعدد، والتعدد خير للمرأة من طلاقها، أو أهون على نفسها، على أن لها أن تختار الطلاق عن طريق المخالعة إذا لم تصبر على أن تشاركها غيرها في زوجها.
* رابعاً: قد يكون الرجل مخصباً، وتكون المرأة عقيماً، ولا يريد الرجل أن يضار العقيم بالطلاق، ويحرص على بقاء المودة بينهما، مع رغبته في الإنجاب.
وفي هذه الحالة قد يكون من الأصلح للمرأة، أو الأهون عليها أن
стр. 678
تكون شريكة لامرأة أخرى في رجلها، من أن تطلق وتكون بغير زوج، وهذا ما تفضله معظم الزوجات العقيمات.
على أنها إذا رغبت في الطلاق فلها أن تطالب به، ويتم ذلك عن طريق السلطة القضائية وبحكم الشرع، ثم تبحث عن زوجٍ آخر يرضى بها وهي عقيم، ويكون ملائماً لها.
وحين يكون العقم من الزوج، فإن لها الحق بأن تطالب بالطلاق عن طريق المخالعة لتتزوج بمخصب.
وأخيراً أقول: إن التعدد في الغالب يكون مخالفاً لرغبة المرأة، ولا يكون موافقاً لرغبتها إلا نادراً جداً، ولكنه لا يكون مخالفاً لإرادتها، ولما تراه الأفضل لها، أو الأخف والأهون على نفسها.
وذلك لأن السابقة التي يسوؤها مشاركة أخرى لها في زوجها، باستطاعتها أن تطالب بالطلاق، ولكنها قد لا تطالب به لأنها ترى أن من الأفضل لها أن تكون شريكة لأخرى في زوجها، من أن تكون خلية في بيت أبيها لا زوج لها.
أما اللاحقة فإنما تدخل وهي راضية بأن تكون شريكة، إذ لو وجدت الأفضل لما وافقت، إذن فموافقتها قائمة على أساس الرضا بالمشاركة، فلو أنها كانت قد وجدت الزوج المناسب الذي تستقل به لم توافق على أن تكون شريكة لأخرى.
بهذا نلاحظ أنه لا ظلم ولا إكراه لإرادة المرأة في أي حالٍ من الأحوال، أما الرغبات ومطالب النفس وما تشتهي في الحياة الدنيا، فإنه ما من رجل ولا امرأة في هذه الحياة يستطيع أن يحقق كل رغباته، ولا الكثير منها، لأن الحياة الدنيا حياة امتحان وابتلاء، بالخير والشر، بما يسر وما يسوء، بالنعم والمصائب، وليست حياة تحقيق كامل الرغبات، بل نعمها ولذاتها مختلطة دواماً بمصائب ومؤلمات ومحزنات، والمحبوبات فيها ممتزوجة بالمكروهات، لحكمة الامتحان، في ظروف
стр. 679
هذه الحياة الدنيا، وهكذا دواماً ظروف الامتحان الأمثل، وقد جعل الله للمرأة التي تصبر على مشاعر الغيرة من شريكتها في زوجها أجراً عظيماً.
* * *
وأما حق الوصاية على الأبناء فهو تابع لقوامة الرجل في نظام الإسلام داخل أسرته، وهو كحق الرئيس أو المدير على كل من هو تحت يده، في كل الشرائع والأحكام الربانية، وفي كل الأنظمة البشرية الوضعية، وقد سبق إيضاح هذه الفكرة.
وأزيد هنا أن التعاليم الدينية عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى، تجعل للرجل حق السيادة في أسرته على زوجته وأولاده.
ففي الإصحاح الثالث من رسالة بطرس الرسول الأولى ما يلي:
"١- كذلكن أيتها النساء كن خاضعات لرجالكن حتى وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة يربحوهن بسيرة النساء بدون كلمة.
٢- ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخوف....
٥- فإنه هكذا كانت قديماً النساء القديسات أيضاً المتوكلات على الله يزين أنفسهن خاضعات لرجالهن.
٦- كما كانت سارة تطيع إبراهيم داعية إياه سيدها التي صرتن أولادها صانعات خيراً وغير خائفات خوفاً البتة".
أليس عجيباً أن يطرح "الآباء البيض" سؤالاً انتقاداً للإسلام، حول أمرٍ هو جزء من وصايا دينهم؟!!
لو طرحه العلمانيون أو الذين لا يؤمنون بدين لكان لنا معهم أجوبة أخرى علمية وعقلية وتجريبية.
* * *
стр. 680
وأما كون ميراث المرأة أقل من ميراث الرجل، فلدى المسلمين بحوث تفصيلية كثيرة، حررها كتاب مسلمون متعددون، وأثبتوا فيها أن هذا هو الأمر الطبيعي الأكمل، بعد أن حمل الرجل في نظام الإسلام مسؤولية بذلك المهر لزوجته، والإنفاق عليها وعلى سائر أسرته ولم تكلف المرأة من ذلك شيئاً وإن كانت ذات غنى.
وحكمة الإسلام في كل ذلك مبينة لدى فقهاء المسلمين والباحثين في حكمة التشريع الرباني.
والرد على هذا السؤال لا يزيد على أنه تكرير لما فصله الباحثون من المسلمين.
ولكن واضعي الأسئلة التشكيكية لا يريدون أن يقرؤوا ما عند المسلمين من بيانات كافيات شافيات، خوفاً على أنفسهم من أن يقنعوا بها، فيؤمنوا بالإسلام، ويهجروا دينهم المحرف.
وإن قرأها بعضهم من أهل الهوى والتعصب ضد الإسلام والمسلمين طمسها، أو تلاعب في مفاهيمها، وأبعدها عمن قد يتأثر بها من جماعته، والمناصرين لأهوائه وتحريفاته.
يا أهل الكتاب تعالوا فاقرؤوا ما عند المسلمين، تعالوا إلى حوار حرٍ مكشوف بيننا وبينكم. إننا نرى بعض الدعاة إلى النصرانية منكم من رجال الكنيسة أو أصحاب الأهواء الأخرى، يقرؤون ألف جواب مقنع، يدحض تساؤلاتهم المشككة بالإسلام، فيطمسونها كأنهم لم يقرؤوها، ثم يعودون إلى طرح الأسئلة نفسها من جديد، بأساليب الدس والبث الإعلامي التسللي، الذي يراد منه إلقاء الشكوك في نفوس الجهلة بالدين من ﵊ امة المسلمين، ولا يراد منه التوصل إلى معرفة الحقيقة.
قليلاً من الحق والعدل والإنصاف يا أهل الكتاب، إنه لا ينفعكم عند الله أن تدعوا حب عيسى ﵇ واتباعه، وأنتم تتبعون في الواقع
стр. 681
محرفي دينكم، دين الله الذي جاء به عيسى، وأوصاكم فيه باتباع محمد متى بعثه الله من بعد عيسى.
اقرؤوا ما جاء في إنجيل "برنابا" ولا تقولوا هذا لا نعترف به، فالمكر اليهودي قد حرف لكم دينكم وأبعدكم عن الحق، كفاكم غفلة ً واتباعاً للهوى والتعصب الأعمى، واتباعاً للمنافقين من اليهود فيكم.
* * *
السؤال الرابع:
"أين نجد الترابط المنطقي لله والذي خلق البشر وأحبهم جميعاً بينما نجد - كما في النصوص القرآنية - يحث على قتال الكفار؟ ".
الجواب:
أقول: إن الله قد كرم بني آدم بصفات لم يعطها لغيرهم، والتكريم شيء، والمحبة شيء آخر.
أما محبة الله لعباده فهي خاصة بمن آمن به على ما أنزل ، وتزداد محبة الله لعبده كلما أكثر العبد من طاعة ربه وعبادته والعمل بما يرضيه.
فادعاء أن الله يحب الناس جميعاً لا دليل عليه مطلقاً، لا من العقل، ولا من الرسالات الربانية الصحيحة، ما دام الناس موضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان، ولو كان الله يحب الناس جميعاً على خيرهم وشرهم، وصالحهم وفاسدهم، ومؤمنهم وكافرهم، وضالهم ومهتديهم، فلماذا يعذب يوم القيامة في جهنم من يستحق منهم العذاب، ولماذا أيضاً يسعى النصارى في زعمهم لتخليص الناس من العذاب عن طريق الإيمان بالنصرانية، وتكريمهم بهدايتهم إلى المسيحية، ألا يكفيهم أنهم مشمولون بمحبة الله، والله لا يعذب من يحبه؟.
стр. 682
ليس صحيحاً أن الله يحب الناس جميعاً، فالله لا يحب الكافرين، ولا يحب الظالمين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الطغاة البغاة المتجبرين، ولا يحب المتكبرين، ولا يحب كل مختال فخور، وهكذا إلى سائر المجرمين.
ولكن الله يحب لكل الناس أن يؤمنوا به حق الإيمان ويؤمنوا برسله جميعاً، ويؤمنوا بما بعث الله به رسله، ويحب لكل الناس أن يسلموا لأوامره ونواهيه عن طريق إرادتهم الحرة، لا جبراً ولا إكراهاً، إن الله يحب للناس جميعاً أن يؤمنوا ويسلموا طائعين مختارين ليخلصهم من عذابه، وليدخلهم في جنته يوم الدين، دار كرامته التي أعدها لعباده المؤمنين به وبرسله أجمعين، وبما جاءوا به عن ربهم، وبناءً على الإيمان الصحيح الصادق ساروا في صراط الله المستقيم يعملون الصالحات عبر رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا.
فمن عاند وكفر غضب الله عليه، ألم يغضب الله على فرعون وجنوده حتى أغرقهم في البحر؟ كما جاء في القرآن، وكما جاء في سفر الخروج، (في الإصحاح الرابع عشر) . ألم يغضب الله على بني إسرائيل حين بعدوا العجل الذهبي، في عهد موسى ﵇، فأمرهم بأن يقتلوا أنفسهم ليتوب عليهم، كما جاء بيان هذا في القرآن، وفي سفر الخروج (الإصحاح الثاني والثلاثين) ؟. ألم يغضب الله على الكفار الوثنيين، ويأمر بني إسرائيل بمداهمتهم في بلادهم وأرضهم في فلسطين، ومقاتلتهم وقتل ذكورهم بحد السيف، كما جاء في سفر التثنية؟
وفي الإنجيل الأصل غير المحرف قد كلف الذين آمنوا بعيسى أن يقاتلوا في سبيل الله، إذا تهيأت لهم وسائل القتال وأسبابه، لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته، ومقاومة الكفر والكافرين، والقرآن يكشف هذه الحقيقة، بقول الله في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
стр. 683
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
وأؤكد هنا أن قتال الكافرين ليس لإكراههم على الإيمان، ولكن لتأمين حرِّيَّة الناس في عقائدهم، ولإقامة الحق والعدل، ورفع الظلم.
وهذه قضية شرحها المفكرون المسلمون في مقالات مستفيضات، فلا داعي هنا إلى تكرار هذا الموضوع، وأحيل على ما كتبت حوله في غير هذا الموضع من الكتاب.
بعد هذا أقول لطارحي السؤال: ألم تجتمع دول أوروبا المسيحية كلها، بقيادة رجال كنائسها لمحاربة المسلمين، فيما عرف في التاريخ بالحروب الصليبية، التي استمرت قرابة مئتي سنة، تأتي فيها جيوشهم الجرارة من بلدانها، لقتال المسلمين في بلادهم بأرض الشام؟! فأين هذا من محبة الله لكل البشر؟!
ألم تحتل الدول الاستعمارية الغربية النصرانية معظم بلدان العالم الإسلامي بالقوة تعاونها الكنائس النصرانية، وتبارك أعمالها، مع أنها كانت تنشر العلمانية والإلحاد والكفر بالله، وتنهب خيرات البلاد وتسخر رجالها؟!
وعن طريق الدول الاستعمارية نشرت الجمعيات التبشيرية مؤسساتها المختلفة في بلدان المسلمين؟!
فأين هذا من محبة الله لكل البشر؟!
يا دُعاة التبشير بالنصرانية، آمنوا بالإسلام فهو خير لكم، تنجوا يوم الدين من عذاب ربكم في جهنم وبئس المصير، وتدخلوا جنته دار كرامته التي أعدها للمتقين المؤمنين المسلمين.
* * *
стр. 684
السؤال الخامس:
"وفي الدول الإسلامية التي تطبّق فيها الشريعة.. هل التعددية (في كافة صورها الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعائلية) هل ستعتبر هذه التعددية رحمة إلهية تضمن الحرِّيَّة والمساواة، أم أنه ستفرض الشريعة على الجميع بشكل ديكتاتوري، كما نراها حالياً في كثير من الدول الإسلامية؟ ".
الجواب:
إن أي عالم مفكر منصف لا يطرح مثل هذا السؤال العام.
فالتعددية العائلية من حيث كونها تعددية عائلية فقط، موجودة في كل بلدان العالم الإسلامي، وفي الدولة الإسلامية نظرياً وتطبيقياً، ويحكمها جميعاً نظامٌ عامٌ يطبق على الجميع دون استثناء، ومن أساء في التطبيق اعتبره المسلمون من المذنبين العصاة الخارجين عن الالتزام بالأحكام الإسلامية.
وهذه التعددية موجودة في كل شعوب العالم، حتى عند الذين من مبادئهم إلغاؤها كالماركسيين.
والتعددية السياسية: إن كانت بمعنى أنظمة سياسية متعددة مختلفة فيما بينها، فهو أمرٌ لا يوجد في أية دولة من دول العالم، ولا يطالب بها إلا من يريد إقامة صراع يؤدي إلى الانقسام والانفصال الحتمي عند التكافؤ، أو إلى تغلب فريق على فريق، ثم فرض نظامه.
وإن كانت بمعنى التعددية الحزبية فالإسلام لا يمنع من حرِّيَّة الفكر، وحرية إبداء الآراء السياسية، والاجتهادات الفردية والجماعية في هذا المجال، ولكن تشكيل أحزاب سياسية تعسى للوصول إلى الحكم لتحقيق مصالح خاصة، مقنعة بأقنعة العمل السياسي لمصلحة الشعب كل الشعب أمرٌ من عناصر النظام الديمقراطي العلماني، وهو نظام له مجموعة
стр. 685
أسس ومفاهيم يتفق في بعضها مع نظام الإسلام في الحكم، ويختلف في بعضها معه، وشرح عناصر الاتفاق والاختلاف يتطلب بحثاً مستقلاً، وباستطاعة الحريص على المعرفة التفصيلية أن يرجع إلى ما كتبت حول هذا الموضوع في كتابي "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة".
ولست أدري: هل طارحو السؤال علمانيون أن نصارى دينيون؟ فإن كانوا دينيين فقد عرفنا أن تاريخ النصارى الديني يعتمد على النظام الملكي الوراثي، ولا يعتمد على النظام الديمقراطي، وإذا كان الأمر كذلك فما علاقة سؤالهم بقضايا الدين النصراني، في حوارهم مع المسلمين، ومن الأفضل لهم أن يتركوا مثل هذا السؤال للعلمانيين الديمقراطيين، وعندئذٍ فإننا على استعداد لأن نبين لهم نظام الإسلام في الحكم بصورة مقنعة، ونناظرهم في عناصر ديمقراطيتهم، ونكشف لهم أن نظام الإسلام هو الأحسن والأكمل.
وأما أمر الأقليات غير المسلمة في الدولة الإسلامية، فقد سبق بيان أوضاعها في جواب السؤال الثاني من أسئلتهم حول المساواة، فلا داعي لإعادته هنا.
بقي الكلام على التعددية الاجتماعية والثقافية والدينية:
* أما التعددية الاجتماعية فلم أجد في السؤال عنها قضية محددة قابلة للبحث والبيان. وحين يبينون لنا عناصرها فنحن على استعداد تام لبيان موقف الدولة الإسلامية منها بالتفصيل، مع بيان مطابقته لأسس الحق والعدل.
* وأما التعددية الثقافية فالجواب حولها يكون ببيان ما يلي:
(١) من الثقافات أنواع مشتركة بين شعوب الأرض جميعاً، فالوحدة فيها قائمة، ولا تعددية في واقعها.
стр. 686
(٢) ومن الثقافات أنواع مشتركة بين أهل الإيمان بالله، والوحدة فيها قائمة بين أهل الإيمان، ولا تعددية في واقعها.
(٣) ومن الثقافات أنواع خاصة بالملحدين الذين لا يؤمنون بالله، وهذه الثقافات لا تتبناها الدولة الإسلامية، ولا تضعها ضمن أنظمتها، وحين تجعل شيئاً منها في مناهج دراستها فلترد عليها، ولتبين زيفها وبطلانها، وهذا هو ما عليه كل الدول الدينية النصرانية واليهودية وغيرهما.
(٤) ومن الثقافات أنواع خاصة بأديان الأقليات غير المسلمة، والدول الإسلامية تسمح لهذه الأقليات بأن تنشئ ما تشاء من مؤسسات تعليمية خاصة بأبناء ملة كل منها، لتعليمهم ثقافاتهم الدينية الخاصة.
* وأما التعددية الدينية فقد وجدت عبر تاريخ الدول الإسلامية الطول، طوائف نصرانية ويهودية وبوذية وبرهمية، وقد كانت لهم من الدول الإسلامية الحماية التامة والرعاية الشاملة، ولم يضاروا من أجل دينهم في أي أمرٍ من أمورهم الخاصة بهم.
وما هو مباح في دينهم فإنهم يعاملون فيه بمقتضى أحكام دينهم في بيئاتهم الخاصة دون أن يخلوا فيها بما يفضي إلى إفساد أحوال المسلمين الذين هم الكثرة الكاثرة.
أما النظام المشترك العام الذي تحكمه علاقات مدنية وإدارية واقتصادية وأمنية فالجميع فيه سواء، وهذا أمرٌ تتفق عليه نظريات الحقوق الدولية جميعها.
ألا فكفوا أيها المشككون لئلا تعرى أفكاركم الضحلة، وتنكشف عوراتها.
* * *
стр. 687
القِسمُ الثالِث نَظَراتٌ عَامَّة حَوْل دَوافِع الغزو في الناسِ
وَتلخيص وَتوجيه للِمسْلمين
وفيه فصلان:
١- دوافع الغزو
٢- خلاصة وتوجيه
стр. 688
الفصْل الأوّل دَوافع الغزو
إما إصلاحية ربّانية وإما عدوانية ومطامع إنسانية
١- ربّانية أو عدوانية.
٢- الجهاد المقدس:
أ- أهدافه.
ب- الدعوة إليه في الرسالات الربانية.
جـ- وسائل الجهاد المقدس.
د- استخدام وسائل العنف.
هـ- الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال.
و الروح المعنوية العالية لدى حملة رسالة الجهاد المقدس.
٣. أهداف محاولات التسلط المادي المرتبط بالدوافع العدوانية.
٤- تآزر الغزاة لتحقيق الأهداف المشتركة.
стр. 689
(١) ربانية أو عدوانية
تنحصر أهداف امتداد بعض الأمم أو الشعوب إلى بعضٍ مؤدياً ذلك إلى بسط سلطان إحداها على الأخرى في هدفين رئيسين:
الهدف الأول:
ما تحدده الشرائع الربانية من إعلاء لكلمة الله، وإقامة للحق والعدل، وحكم بما أنزل الله، ووسيلته الجهاد المقدس.
الهدف الثاني:
ما توسوس به مطامع النفوس وشهواتها وغرائزها وأهواؤها ونزواتها، وألوان عدوانها، ووسيلته الحروب العدوانية المختلفة، المادية والمعنوية، الحارة والباردة.
(٢) الجهاد المقدس
أ- أهدافه:
إن الجهاد المقدس يهدف إلى غاية نبيلة مثالية، هي العمل على نشر عقيدة دينية ربانية بين الناس، آمنت بها أمة، ودعاها إيمانها بها إلى أن تسعى في نشرها وتعميمها على الناس، حباً للخير، وغيرة على بني الإنسان، وطاعة لله، وهي أيضاً تمكين المؤمنين بها من إقامة الحق والعدل بين الناس والحكم بينهم بما
стр. 690
أنزل الله والسعي في جلب الخير لهم، على حب ورحمة وإخاء.
هذه هي غاية الجهاد المقدس في أصول تعاليم الأديان الربانية كلها، وليست غايته الأساسية طلباً لثراء المؤمنين، أو رغبة بانتصارهم أو غلبتهم، أو سعياً وراء السلطان والعلو في الأرض، إلا أن تكون هذه الأمور وسيلة للغاية الأساسية.
وبناء على هذه الغاية الأساسية للجهاد المقدس يغدو المستجيبون الجدد لدعوته مثل المجاهدين الفاتحين، دون أي فروق بين حامل العقيدة الأول وحامل العقيدة الجديد، إلا الفروق التي تقتضيها طبيعة الأمور لدى كل أمة، وهي الفروق التي تعتمد على التفاوت في مقدار الثقة، والكفاءات الذاتية أو العلمية أو المكتسبة بالخبرات والمهارات العملية، ويدل على إقرار اعتبار ذلك قول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
فهذا يشعر باعتبار فروق العمل لدى قياس نسب التفاوت بين الأفراد، ويدل عليه بوضوح أيضاً قول الله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ .
ويدل عليه أيضاً قول الله تعالى في سورة (الزمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) :
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
وقوله تعالى في سورة (الزخرف/٤٣ مصحف/٦٣ نزول) :
﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ .
стр. 691
ويدل عليه قول الرسول: "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير".
أما عند الله تعالى فالتفاوت في التكريم يستند إلى مقدار التفاوت في تقوى الله لا غير، وهو المقياس الذي يقاس به الجزاء الرباني يوم القيامة، ويدل عليه قول الله تعالى في سورة (الحجرات/٤٩ مصحف/١٠٦ نزول) :
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
فأفضلية التكريم عند الله متناسبة طرداً مع أفضلية نسبة التقوى، ويلزم من ذلك عقلاً أن تتنازل الأفضلية بمقدار تنازل درجات التقوى.
والغاية المثالية العظيمة التي هي هدف الجهاد المقدس لا يخدشها ما يلزم عنه من أمور مادية ترافق حركته، دون أن تكون مقصودة في الأصل لرسالته.
فقد يفضي الجهاد إلى تحقيق بعض المغانم المادية، وقد يفضي إلى ضرورة بسط سلطان المجاهدين الفاتحين، لإقامة الحق والعدل والدعوة إلى الخير، وفعل الخير وتأمين حرِّيَّة انتشار دين الله، نظراً إلى طبيعة الأحوال الإنسانية التي تقتضيها ظروف الجهاد والفتح من جهة، وظروف عناد أعداء دين الله وصراعهم للحق وكيدهم له من الجهة المضادة، مع إلحاح الدواعي المثالية التي توجب إضعافهم كبحاً لجماح الشر والفتنة.
ومع ذلك فإن رسالة الجهاد المقدس تظل في جميع الأحوال رسالة مثالية، لا تهدف في أساسها إلى إرضاء شهوة الحكم عند أمة ضد أخرى، أو كسب مغانم لها، أو تسليط شعب على شعب.
ومتى تحول الجهاد عن غايته الربانية إلى الغايات الإنسانية الأخرى، المتصلة بالمطامع المادية أو الغرائز النفسية، أمسى شكلاً من أشكال محاولات سيطرة بعض الشعوب على بعض. ولقد عرف التاريخ منها في بحر الزمن أمواجاً كثيرة مقبلة أو مدبرة، تبعاً لرياح المطامع والشهوات الإنسانية، مع الشعور بالقوة القادرة على التغلب والاستيلاء.
وحينما ينحرف الجهاد عن غايته التي حددها الله في رسالاته، يكلُ الله
стр. 692
القائمين به إلى أنفسهم، وإلى إمكاناتهم الإنسانية البحتة، ويحجب عنهم العون والمدد والتأييد، ويقذف في قلوبهم الرعب، ويطرحهم مع حشد الأمواج البشرية التي تتلاطم في حدود إمكاناتها المادية الخالية من القوى المعنوية المؤثرة الغلابة. وكذلك حينما يستثمر المجاهدون الفتح والنصر لغير الغاية التي قام الجهاد المقدس من أجلها، فإن الله يكل الفاتحين إلى أنفسهم، ويرفع عنهم يد التثبيت والمعونة، فتموج بهم الأرض التي فتحوها، وترتج بهم العروش التي اعتلوها، وتأتيهم إنذارات الانهيار، ليصلحوا نياتهم وأعمالهم، فإذا استمروا في الانحراف عن الطريق الذي حدده الله لهم، آذنهم بنقمته، وأنزل بهم عذابه، فدالت دولتهم، وانهارت قوتهم، وظفر بهم عدوّهم.
ب- الدعوة إلى الجهاد المقدس في التوراة والإنجيل والقرآن:
ولقد ظهرت الدعوة إلى الجهاد المقدس في الأديان الربانية الثلاثة، التي جاء بها موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وكان ظهورها فيها بشكل بارز قوي، يدل على ذلك قول الله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
أما موسى ﵇ فقد طلب من بني إسرائيل أن يباشروا هذا الجهاد المقدس ليحقق الله لهم الفتح فرفضوا طلبه، وقالو له كما أخبرنا الله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) :
﴿
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ .
فقضى الله عليهم أن يتيهوا في الأرض أربعين سنة، وتوفي موسى
стр. 693
وهارون ﵉ دون أن يباشر بنو إسرائيل الجهاد، ثم باشروه في عهد طالوت بشكل إقليمي محدود، ولما فتح الله عليهم وأظفرهم بالملك، وتمتعوا بخيراته، وانتهت موجة الملك النبوي بانتهاء عهدي داود وسليمان، استكانوا وفسدوا، وتحولت غاية الجهاد في نفوسهم من رسالة ربانية إلى غايات مادية وقومية عنصرية بحتة، وأخلدوا إلى الأرض فضرب الله قلوب بعضهم ببعض.
وأما عيسى ﵇ فقد دعا قومه إلى الجهاد، وباشر منه المراحل الأولى، وهي الدعوة اللسانية، ولكن لم تمر عليه فترة من الزمان كافية تمكنه من أن ينتقل من طور جهاد الدعوة إلى طور جهاد النضال والكفاح المسلح، إذ رفعه الله إليه بعد ثلاث سنوات فقط من بدء دعوته.
وأما الذين اضطلعوا بأعباء الجهاد المقدس وأعمال الفتح بشكل واسع في التاريخ وعلى ما يجب، فقد حدثنا القرآن منهم عن ذي القرنين، وحدثنا منهم عن جهاد الرسول محمد وعن جهاد الذين معه ممن آمن به وصحبه، وحدثنا التاريخ عن جهاد المسلمين وفتوحاتهم بعد الرسول صلوات الله عليه.
لقد أخبرنا القرآن عن ذي القرنين، فقال الله تعالى في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) :
﴿
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا
стр. 694
حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾
فمن خلال هذا النص القرآني يتبين لنا أن ذا القرنين قد قاد جيوش الجهاد المقدس، وقام بأعمال الفتح الديني على نطاق واسع جداً، فقد مكن الله له في الأرض، وآتاه أسباب التمكين والقوة بحسب عصره، فاستعمل هذه الأسباب في نشر دين الله في الأرض، وامتدت فتوحاته حتى بلغ أقصى المعمور من جهة مغرب الشمس، وأدرك القسم الذي يعظم الليل فيه، وتغرب الشمس فيه سريعاً وهي في عين حمئه ووجد هنالك أقواماً فدعاهم إلى الله فعذب من كفر منهم، وأحسن إلى من آمن، ثم توجه شطر مشرق الشمس، حتى بلغ أقصى المعمور من جهة المشرق، وأدرك القسم الذي يعظم فيه النهار، فدعاهم إلى الله، فعذب من كفر منهم، وأحسن إلى من آمن، ثم توجه إلى أمكنة آهلة بالسكان من الشرق، حتى بلغ بين السدين، وأقام حاجزاً بين بعض سكان تلك البلاد وبين قبائل يأجوج ومأجوج الشريرة، ودعا إلى الله ونشر دينه.
وأخبرنا القرآن أيضاً عن الجهاد المقدس الذي قام به محمد رسول الله صلوات الله عليه والمسلمون في غزواته، وكان به ظهور الإسلام، وذلك في سور كثيرة ومواطن متعددة.
وحدثنا التاريخ عن الجهاد المقدس والفتح المبين الذي قام به المسلمون بعد الرسول محمد في عصورهم الزاهرة الأولى، فأثمر ذلك لهم فتحاً مبيناً، وامتد الإسلام به شرقاً وغرباً، وتحققت للمسلمين بالجهاد المقدس معجزة الفتح التاريخية، إذ التزموا بحدود غايته المثلى، وظل أمر المسلمين كذلك حتى تسرب
стр. 695
إلى نفوسهم مرض الانحراف عن الهدف المثالي الحق، ودخل إلى قلوبهم داء الوهن، والطمع بالدنيا، وحب الشهوات، والتثاقل عن الجهاد في سبيل الله، والإخلاد إلى الأرض، فوكلهم الله إلى نفوسهم، وسلط عليهم عدوَّهم.
ولن يستطيع المسلمون أن يرفعوا عن صدورهم ضغط أعدائهم، وأعداء دينهم الكثيرون، ما لم يراجعوا دينهم، ويلتزموا بما يوجبه عليهم، ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، أما الحروب التي خمل فيها المنتسبون إلى الإسلام شعارات وطنية أو قومية أو غير ذلك مما لا يقره الإسلام، فلم تجن لهم إلا الخيبة والهزائم، لأن الله لم يمدهم فيها بعونه وتأييده، وتركهم فيها لوسائلهم، وهي وسائل أضعف من وسائل أعدائهم.
جـ- وسائل الجهاد المقدس:
نظرة إجمالية عامة إلى وسائل الجهاد المقدس تكشف أنها ذات نسق مثالي رائع. فهي تبدأ أولاً بمجاهدة النفس، ثم تثني بمجاهدة الآخرين، ومجاهدة الآخرين تبدأ بوسائل الدعوة المختلفة التي تتدرج من الأخف إلى الخفيف، فإلى الشديد فالأشد، وتراعي في كل ذلك أحوالهم النفسية والاجتماعية، ومكاناتهم ومنازلهم في أقوامهم، وتنتهي هذه الوسائل في آخر الأمر بالقيام بأعمال القتال، وفق الدواعي الذي تقتضيه، من دفاع، أو كسر أسوار تحجب عن الشعوب نفوذ أنوار الحق والهداية إليها.
وابتغاء مرضاة الله، وإعلاء كلمته في الأرض، وإقامة الحق والعدل بين الناس، والحكم بما أنزل الله، هي الغايات المثلى من الجهاد المقدس في قلوب المؤمنين الصادقين.
أما جاهد النفس فيكون بمقاومة جهلها وانحرافاتها الفكرية والاعتقادية بالعلم والمعرفة الحقة، وبمقاومة شهواتها الجامحة وأخلاقها الجانحة بوسائل التربية الفضلى والسلوك الأقوم. كمقاومة الطمع فيها بالقناعة، وتحويل أطماعها إلى ما عند الله من أجر عظيم لأهل طاعته. وكمقاومة الحسد فيها بالرضى عن قسمة الله، والاعتقاد بأن العطاء والمنع بيده، وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، وأن كلاً من عطائه ومنعه لا بد أن يكون لحكمة يعلمها، وقد
стр. 696
يكون كل منهما خيراً للإنسان متى رافقه طاعة الله ورضوانه. وكمقاومة الشهوات الملحلة بالصبر، وإطماع النفس بما عند الله من أجر، وتغذيتها بما أحل الله والكف عما حرم. وكمقاومة الجبن والشح فيها وبوسائل الإقناع والترغيب التي تغذيها بأن الآجال والأرزاق محتومة، وتفتح أمامها أبواب الأمل والرجاء بما أعد الله لباذلي أرواحهم وأموالهم في سبيله من أجر عظيم وثواب جزيل، وباستثارة كوامن الإيمان في القلب، حتى تندفع النفس إلى مرضاة الله مشحونة العاطفة بقوة الإيمان، ومهدية السبيل بنور الإيمان. وهكذا، وقد كان الصدر الأول من المسلمين يسمون جهاد النفس الجهاد الأكبر، فإذا قفلوا من معركة من معارك القتال مع عدوهم قالوا: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، أي: إلى مجاهدة نفوسهم.
وأما جهاد الآخرين فله وسائل شتى، يرتقي المجاهد فيها على سلم متعدد الدرجات، وليس كل مخالف عدوّاً ما لم يمارس عداوته بشكل عملي، والمخالفون في نظر حملة لواء الجهاد المقدس جاهلون ومرضى، والرسالة الخيرة التي يحملها العلماء الأصحاء إنما هي تعليم الجاهلين، وتطبيب المرضى، ومساعدتهم، والرفق بهم، والأخذ بأيديهم في طرق الصحة والسلامة الفكرية والقلبية والنفسية.
لذلك تعين على هؤلاء المجاهدين أن يبدأوا من أول درجة من درجات سلّم الجهاد، وهي درجة الدعوة إلى الله على بصيرة، ضمن الأساليب الحكيمة. ووسائل الدعوة هي كل ما أن يوصل فكرة الحق وتطبيقاته إلى عقول المعارضين ونفوسهم وأعمالهم.
أ- فتكون بالدعوة الحكيمة باللسان، ويقتدي المجاهد في ذلك بجهاد الدعوة الذي قام به الرسول صلوات الله عليه، وقامت به النخبة ال ممتازة من أصحابه وتابعيهم بإحسان، وتتضمن الدعوة الحكيمة باللسان، الإقناع بالحديث الخاص، والإقناع بالخطابة العامة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويدل على ذلك قول الله تعالى في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
стр. 697
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ....﴾ .
ويمكن أن يكون المراد من الحكمة وسائل الإقناع بالعلم والحجج المنطقية البرهانية، وأن يكون المراد من الموعظة الحسنة وسائل التأثير الخطابي بالترغيب والترهيب، أما الجدال فهو صراع الأدلة والحجج وفق أصول المناظرة السليمة من المماراة والمغالطات.
ب- وتكون أيضاً بالدعوة عن طريق الكتابة والنشر، في نثر الكلام أو شعره، بتأليف المؤلفات، وكتابة المقالات، ونظم القصائد والدواوين، وإعداد البيانات، وتوزيع المطبوعات، والعمل على نشر الجيد النافع منها، إلى غير ذلك من كل مكتوب نافع يدخل إلى النفوس عن طريق الإقناع الفكري، أو لتأثير الوجداني.
جـ- وتكون أيضاً بالدعوة العاملة الصامتة، عن طريق الأسوة الحسنة، وذلك بأن يكون الداعي في نفسه قدوة حسنة محببة، يؤثر بلسان حاله العلمي التطبيقي، فيقتدي به الآخرون اعتقاداً وسلوكاً، قولاً وعملاً.
د- وتكون أيضاً بالتربية والتعليم، والبدء بهذه الوسيلة ينبغي أن يكون منذ المراحل الأولى للطفولة، لأنها حينئذٍ تكون أنفذ إلى أعماق النفس وأكثر تأثيراً وأبقى مع الزمن.
هـ- وتكون أيضاً ببذل عرض الحياة الدنيا من مالٍ أو متاع، أو ببذل الخدمات والمعونات، لتأليف القلوب على الخير، وجلبها إلى تقبل الهداية، فللمعونات والصلات المادية والمعنوية آثارها في السيطرة على القلوب واستمالة النفوس، وإزاحة العقبات منها، وما أكثر ما كان رسول الله يبذل من ذلك لتأليف القلوب، إضافة إلى كون حب العطاء خلقاً أصيلاً فيه صلوات الله عليه.
وبالجملة: فعلى الداعي المجاهد أن يتدرج في وسائل الدعوة، وأن ينزل الناس منازلهم، وأن يقتدي بأساليب الدعوة التي قام بها أنبياء الله ورسله.
стр. 698
د- استخدام وسائل العنف في الجهاد المقدس:
إذا لم تجد لدى القيام برسالة الجهاد المقدس الوسائل الهينة اللينة البيانية والتربوية والترغيبية المختلفة، دعت الضرورة إلى اللجوء إلى وسائل أخرى تترقى فيها أساليب العنف شيئاً فشيئاً، مع ضبط النفس وعدم اتباع الهوى، والرغبة بالانتصار لله فقط، دون تدخل عوامل نفسية أخرى.
فمن هذه الوسائل استخدام القوة، ويكون ذلك بتسخير قوة السلطان المعنوية ثم المادية لهداية الناس إلى الخير، وإلزام المنتسبين إلى الإسلام أو الخاضعين له بتطبيق أحكامه، ولاستخدام قوة السلطان وجوه تطبيقية كثيرة جداً:
منها إصدار القرارات والتنظيمات، وتوجيه الأوامر المكتوبة، وترتيب الجزاءات المعنوية والمادية، واعتبار الالتزامات الدينية جزءاً من الكفاءات التي تدخل في شروط التوظيف والترقيات، واعتبار عدم الالتزام بها إخلالاً بالوجبات المسلكية التي تستدعي الإنذار ثم المعاقبة، ومنها تنفيذ الأحكام الشرعية على الجناة والمجرمين، إلى غير ذلك من وسائل كثيرة.
وقد يغدو فريق من مخالفي الإسلام أعداءٌ متربصين أو محاربين، لذلك يجد حملة الجهاد المقدس أنفسهم أمام أمرٍ لازب، إنهم دعاة هداة، ولكن فرض عليهم المخالفون المعادون أن يتخذوهم أعداءً. لذلك كان لا بد لحملة لواء الجهاد المقدس من اتخاذ وسائل الدفاع الكافية، والمبادهة في بعض الأحيان قبل المباغتة، مع التزام شروط رسالتهم الربانية التي يضطلعون بمهماتها، ويكون ذلك بأمرين:
الأمر الأول: إعداد المستطاع من القوة، والاجتهاد في إعدادها حتى تربو على قوة العدو، من مالٍ وسلاحٍ ورجالٍ وخبراتٍ وغير ذلك. قال الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .
стр. 699
الأمر الثاني: القتال لإعلاء كلمة الله، وتكون هذه الوسيلة في آخر الأمر، حينما لا تجدي كل الوسائل الأخرى من دونه، وحينما يصبح حملة لواء الجهاد المقدس تحت الخطر الهاجم من قبل عدوّهم.
وإذا ألجأت الضرورة إلى سلوك سبيل القتال فإن القتال يستدعي الجود بالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ولذلك كان لمن يجود بنفسه في هذا السبيل حظ الشهادة في سبيل الله، وكان للمقاتل في هذ السبيل من الضمان الإلهي أن يدخله الله الجنة، وأن ينال ما لا يوصف من أجره عنده.
ولكن للقتال في سبيل الله ركناً أساسياً لا بد منه، وهو أن يكون في سبيل الله، ويعني هذا الركن العام في دلالته ما يشمل تحديد الباعث له على الخروج إلى القتال، والمطلب الذي يسعى إلى تحقيقه في الدنيا، والغاية القصوى التي يرجوها عند الله.
وذلك لأن الضمان الذي ضمنه الله للمجاهدين، إنما هو لمن خرج مجاهداً في سبيله لا يخرجه أي دافع دنيوي، وإنما يخرجه أمور ثلاثة:
أولها: باعث أسمى في نفسه يحركه إلى الخروج مجاهداً، ألا وهو باعث الإيمان بالله، والتصديق برسله. أما من خرج للقتال في سبيل ضلالات شيطانية إلحادية، أو في سبيل وثنيات مادية، فإنه يعرض نفسه إلى تهلكتين، تهلكة الموت أو القرح في الدنيا، وتهلكة العذاب الأليم في الآخرة.
ثانيها: مطلب يسعى إلى تحقيقه في الدنيا إذ يقذفه بنفسه إلى معترك الموت بإذن الله وطاعته فيقتل أو يقتل، ألا وهو نشر دين الله وإعلاء كلمته، وقد أوضح هذا الأمر الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري ﵁، (أنَّ النبي سئل فقيل له: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه والرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل غضباً فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله") .
стр. 700
ثالثها: غاية قصوى يرجوها عند الله، ألا وهي نيل رضوانه، وبلوغ جنته، والظفر بما أعد الله من أجر عظيم للمجاهدين المقاتلين في سبيله وأما الظفر في الدنيا فهو أمرٌ إن قضاه الله فتلك حُسنى عاجلة أكرم الله بها المؤمنين المجاهدين في سبيله، وإن لم يقضه الله فقد حقق المؤمنون غايتهم القصوى، وهي نيل رضوان الله وجنته، والأجر العظيم الذي أعده، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ .
وهكذا تنحصر دوافع الجهاد المقدس: بالباعث الأسمى وهو الإيمان بالله والتصديق برسله، وبالمطلب العاجل وهو العمل على نشر دين الله وإعلاء كلمته، وبالغاية القصوى وهي ابتغاء رضوان الله ونيل ثوابه الذي أعده للمحسنين، وهذه الدوافع هي على النقيض من دوافع العدوان الذي يقوم به أعداء دين الله.
هـ- الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال في جهاد مقدس:
حينما تلجئ الضرورة حملة رسالة الجهاد المقدّس أن يقفوا موقف القتال في مواجهة من ناصبوهم العداوة، وكادوهم وكادوا دينهم، فإن للقتال شروطاً تلزمهم بها رسالة الجهاد نفسُها.
فبعد تحديد الغاية من القتال، وإعداد العدّة له، والتصميم على مباشرته - ابتغاء نشر الدين، ودفعاً لعدوان المعتدين - يجب على المقاتلين في سبيل الله أن يتقيدوا بالمنهج التطبيقي الذي شرعه الله في القتال، وأن يلتزموا جميع الشروط التي أمر الله بها فيه، وأن ينتهوا عما نهى الله عنه.
ونستطيع أن نجمل الشروط التي يجب توافرها اقتباساً من الآيات القرآنية في القتال، وذلك فيما يلي:
الشرط الأول: وحدة الغاية، وذلك بأن تكون غاية المقاتلين واحدة، وهي ابتغاء مرضاة الله، بالعمل لنشر دينه وإعلاء كلمته، والحكم بما أنزل
стр. 701
لعباده، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
الشرط الثاني: وحدة صف المقاتلين وتماسك جماعتهم، وذلك لأن تفرق صفوف المقاتلين دون خطة موحدة جامعة مبدد للقوى، موهن للعزائم، ممكن للعدو من أن يظفر بكل قسم على حدة، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الصف/٦١ مصحف/١٠٩ نزول) :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .
الشرط الثالث: الاعتماد على الله في تحقيق النصر، وعدم الاغترار بالنفس، وهذا الشرط مهم جداً لإحراز النصر، لأن الاعتماد على الله مع ملاحظة أوامره بوجوب بذل قصارى الجهد لنيل تأييده ونصره من شأنه أن يضاعف القوة، ويزيد من إمكانات القتال، عند حملة رسالة الجهاد.
أما الاغترار بالنفس فإنه يفضي إلى الاستهانة بقوة العدو، ومع الاستهانة يحصل التهاون والتباطؤ والتواكل، وهذه من أبرز عوامل الخذلان ومسبباته. ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾ .
وقوله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ .
стр. 702
الشرط الرابع: شدة البأس في القتال، وذلك لأن شدة البأس تجعل قلوب الأعداء فريسة الخوف، ومتى وجد الخوف سبيله إلى القلوب انهارت قوى الهجوم، ثم تنهار من ورائها قوى المقاومة ويفضل المقاتل حينئذ الفرار أو الاستسلام، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
فقوله تعالى: "فشرد بهم من خلفهم" يدل على الإلزام بإيقاع البأس الشديد في العدو المقاتل حتى تنخلع قلوب الذين من خلفهم ذعراً، فيشردوا ويفروا من وجوه المقاتلين من المسلمين، طلباً للسلامة، وإيثاراً للعافية، ومخافة أن يقع بهم مثل هذا البلاء العظيم.
الشرط الخامس: الثبات والمصابرة وعدم تولية الأدبار، مع الاعتصام بالإكثار من ذكر الله تعالى، وذلك لأ، من طبيعة الثبات والمصابرة أن تفل حد العدو المقاتل، وتسقيه كؤوس اليأس من الظفر، وبذلك تنهار قوته، ويساعد على الثبات والمصابرة الاشتغال بذكر الله والأمل بمدده المادي والمعنوي، ويدل على هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وقوله تعالى في سورة (الأنفال) أيضاً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
الشرط السادس: طاعة القيادة، وعدمُ التنازع في الأمر، ذلك لأن فقد الطاعة يجعل القيادة غير قادرة على استعمال القوى في مواجهة العدو، فتجمد القوى أو تتصارع فيما بينها، أو تستعمل في غير صالح المعركة، وذلك من
стр. 703
أسباب الفشل الكبرى، كما أن التنازع في الأمر باختلاف وجهات النظر في القتال يؤدي إلى هذه النتائج نفسها التي تسبب الفشل، وليس من شأن حملة رسالة الجهاد المقدس العصيان والتنازع، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال) أيضاً:
﴿
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
وقوله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وبتحقيق هذه الشروط في القتال مع شرط إعداد المستطاع من القوة الكافية السابق له، ومع تحديد الهدف منه كما أمر الله، يستطيع حملة رسالة الجهاد المقدس أن يظفروا دائماً بالنصر على أعداء الإسلام.
و الروح المعنوية العالية لدى حملة رسالة الجهاد المقدس:
حينما تلجئ الضرورة حملة رسالة الجهاد المقدس أن يقفوا موقف المقاتلين في مواجهة أعدائهم وأعداء دينهم فإن الروح المعنوية سترتفع في قلوبهم ارتفاعاً عالياً جداً.
وذلك لأنهم يتلمسون في أنفسهم أن الباعث لهم على القتال أنبل غاية تقصد، ويجدون أنفسهم مندفعين إلى التقيد بشروط القتال التي حددها الله لهم، وأمرهم بالتزامها، ويشعرون بأن شوقاً يقذف بهم إلى الظفر بما وعدهم الله، إما النصر وإما الشهادة وجنّة الخلد.
وما من جيش استجمع كل ذلك إلا نزع الجبن من قلوب أفراده، فلم يخشوا الموت، وأقبلوا على القتال وهم شديدو البأس، ثابتو الأقدام، وعندئذ يجد هذا الجيش معونة الله المعنوية والمادية مصاحبه له مهما كر أو فر في مساجلات القتال.
стр. 704
ومن المستبعد جداً أن يصاب في وقت من أوقاته بالضعف أو التخاذل والوهن، ما دام مستجمعاً لما سبق بيانه، وذلك لأنه على يقين بأن وعد الله بالنصر للصادقين معه، والمخلصين له، لا بد محقق، فهو شديد الثقة بذلك، كيف لا وهو فيما يقوم به إنما يقاتل عدو الله وعدو دينه، وعدو رسالة الخير التي أمر الله بها عباده، وهو يعتقد أنه يقاتل بإذن الله وأمره، مؤيداً بعون الله وقهره، موعوداً بأجر الله ونصره.
من أجل كل ذلك ترتفع قوة المقاتلين في سبيل الله بنسبة ما في قلوبهم من إيمان وصبر، وصدق مع الله، حتى يكون الواحد كفؤاً للعشرة من العدو في الحد الأعلى، وكفؤاً لاثنين من العدو في الحد الأدنى.
ويدلّ على ذلك قول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ *) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
وكذلك تكون قوة المؤمنين الصابرين بخلاف الذين يخرجون بطراً ورئاء الناس ويقاتلون حميةً وعصبية، أو يقاتلون للفخر والعلو في الأرض بغير الحق أو يقاتلون ليثني عليهم بين الناس بالشجاعة أو بغية الوصول إلى مال أو الحصول على شهوات ولذات أو الوصول إلى مجد دنيوي لا يهدف إلى غاية من غايات الجهاد المقدس، أو يقاتلون في سبيل فرد أو جماعة من الناس أو غير ذلك من أمور لا تعادل غايتها بذل الروح في سبيلها، فإن هؤلاء إن يخرجوا إلى القتال فما أسرع ما يدب الذعر إلى قلوبهم، ويصيبهم الخوف والهلع، ثم إنهم في أغلب أحوالهم متى وجدوا لأنفسهم منفذاً للفرار من المعركة أخذوا سبيلهم إليه، إلا أن يغلب على ظنهم أ، هم بقوتهم المادية منتصرون، وأن عدوهم ضعيف أو جبان، أو أن يقوم في أنفسهم أنهم قد أمسوا ملزمين بالقتال وإلا قتلوا وأبيدوا. ومن أجل ذلك نلاحظ أن الجيوش
стр. 705
التي لا تحمل رسالة جهاد مقدس تعاني أكبر ما تعاني مما يمسى عند العسكريين بفقد الروح المعنوية، وتحاول قياداتها رفع هذه القوة بوسائل مختلفة دعائية ونفسية ومادية، ومن الوسائل المادية ما يتم به سلب الشعور العاقل عند الجندي المقاتل، عن طريق المسكرات، ولكن كل وسائلهم لا تحقق بعض النتائج التي يحققها الإيمان.
أما الجيوش التي تحمل رسالة الجهاد المقدس بصدق فإنها قلما تصاب بفقد الروح المعنوية، ولو لم يتحقق لها الظفر المادي على العدو، لأن كل مقاتل فيها يعتقد أنه قد ظفر بما يقاتل من أجله، وهو بلوغ رضوان الله، واستحقاق الأجر عنده، وأنه يقاتل لغاية هو يرجوها ويطلبها، ولم يفرض عليه القتال لمصلحة غيره من الناس.
أما النصر المادي فيعتقد أنه بيد الله يؤتيه من يشاء لحكمة يعلمها، وحكمة الله غير متهمة في قلوب المؤمنين.
وقد لاحظ أعداء الإسلام هذه العقيدة القوية الراسخة التي تجعل جيوش حملة رسالة الجهاد المقدس كأنها الجبال الراسيات قوة وثباتاً، وامتحنوها بشكل عملي خلال قرون، فوقفوا أمامها وقد مستهم صدمة عنيفة من الذعر والدهش والحيرة، ثم لم يجدوا سبيلاً لتفتي هذه القوة الهائلة إلا بأن يأتوا إلى جيوش رسالة الجهاد المقدس فيفرغوها من سر قوتها الحقيقية، ويضعوا مكانها قوة خلبية باردة، ثم يوجهوا عليها ضرباتهم القاصمة، ورأوا أنه لن يتم لهم الظفر عليها إلا بذلك، وكذلك فعلوا فوجهوا جهودهم لإزالة قوة الإيمان بالله وتهديم البواعث على الجهاد المقدس، وأتبعوا ذلك بإلغاء شروط القتال في سبيل الله، ووضعوا مكان كل ذلك قوى صورية تعطي صوتاً عظيماً مدوياً، ولكنها لا تحدث إلا أثراً يسيراً، وقد لا تحدث أي أثر إلا أثراً ضد حاملها، ووضعوا مكان الشروط الربانية شروطاً أخرى، فأحلوا محل الاعتماد على الله الاعتماد على إمدادات الدول الطامعة ذات المصالح الشخصية، والاغترار بالنفس، وأحلوا محل ذكر الله عبارات قومية وعنصرية، وأغانٍ مشحونة بتبجحات حقيرة وحميات جاهلية وبردوا حرارة الاندفاع الحقيقي إلى القتال، ففقدت
следующие страницы →