← Адаб

Адаб · id 22859

في النقد الأدبي

علي علي صبح

Полный текст (231 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فموطن الجمال عنده في العمل الأدبي، يرجع إلى ارتباط اللفظ بالمعنى، فلا بد للمعنى الشريف من لفظ شريف، ويريد بذلك أن يفصح عن العلاقة بينهما، فليس في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، ولكن في العلاقة بينهما، وهي محلّ الصورة الأدبية التي توضح المعنى، وتسمو بالصياغة والتعبير، وليسمها بشر علاقة، أو اهتمام باللفظ والمعنى كما يشاء، لمناسبة التسمية مع ذوق أدباء عصره، ونشأة النقد الأدبي قبل أن يعرف المصطلحات الأدبية. وهذا الاتجاه قريب من مفهوم الصورة التي تحدَّدت معالمها فيما بعدُ، بل أضاف لما سبق معالم جديدة في مفهومها، منها التلاؤم بين اللفظ والمعنى، وقوة العاطفة، والوحدة الفنية، وتلاؤم الصورة مع العاطفة والمقام والغرض التي ذُكرت من أجله. يقول أبو سهل بشر بن المعتمر في مناسبة اللفظ للمعنى والتلاؤم بينهما "ومن أراد معنًى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف.. إلى قوله: أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا وقريبًا معروفًا". أما قوة العاطفة في الأسلوب والصورة يقول فيها: "خذ من نفسك ساعة نشاطك" وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف حسبًا وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وقوة من لفظ شريف، ومعنى بديع، وأعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمماودة". أليس هذا حديث العاطفة في الكلام؟ فإنها لا تتولَّد إلا ساعة النشاط والحيوية والحرارة والانفعال، وعند ذلك تعطى الكثير في وقت قليل، كمًّا وكيفًا في النظم والتصوير، وتتوافر لديها المعاني البكر والألفاظ الغرر.

стр. 142

وفي غير هذا الوقت الذي تتوهَّج فيه العاطفة، يعاود الأديب ويطاول سليقته، ويتكلَّف ويجاهد نفسه وجسمه، حتى يحقّق نظمًا وصياغة، لا يخلو من كلفة ونثور عاطفة. والعاطفة القوية هي التي تلهب التصوير، وتسري حرارتها في الصورة الأدبية وتبعث في النظم قوة التأثير وهو ما أراده بشر وإن لم يصرح بلفظها، أليس من الحق بعد وضوح معالمها وتحديد مفهومها حديثًا أن تقرّر التشابه بين الحديث عنها عند بشر وفي العصر الحديث؟ ألم يكن بينهما توافق كبير؟ فحديث العاطفة في الصورة اليوم هو نفسه حديث أبي سهل عنها منذ اثنى عشر قرنًا من الزمان؟ أظن أنه لا فرق في الجوهر واللب، وإن كان هناك فرق بينهما في التصريح بالعاطفة وعدمه. ويتحدث أبو سهل عن الدعامة الثالثة للصورة الأدبية، أو النظم والكلام البليغ وهي الوحدة الفنية أو مناسبة الكلمة لموقعها، يقول: "فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسنح لك عند أول نظرك وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصر إلى قرارها، وإلى حقِّها من أماكنها المخصوصة لها، والقافية لم تحلّ في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تغصبها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإن ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك للطباع في أول وهلة، وتعصى عليك بعد إحالة الفكرة فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة أوجرت من الصناعة على عرق". فالشعر عند أبي سهل ليس ميسورًا وصياغته ليست سهلة، والتصوير لمعنى

стр. 143

ما يحتاج إلى دفة وبراعة، وعلى الشاعر بعد اختيار الألفاظ والمعاني الكريمتين أن يختار لكل كلمة موقعها من الصورة" لتستمر في مكانها المخصوص لها، وكذلك القافية لا بد أن تقع في نصابها، وتتوازن مع نظائرها وتنشأ كل مع أخواتها، وبذلك يصير كلٌّ من الكملة والقافية غير قلق في مكانه، ولا نافر من موضعه، وغير مكره على اغتصاب ولا مضرب في غير أوطان. وإذا لم يتيسر للشاعر التناسب في الصورة الأدبية الوحدة الفنية بين الألفاظ فيها بحيث لا توافق الكلمة أختها، بأن تعبّر إحداهما عن العشق والصبابة والأخرى عن الحماسة والفخر، مما يهلهل النسج، ويضعف التماسك، وعلى الشاعر حينئذ خوفًا من الخلط والاضطراب أن يترك العمل الأدبي يومًا أو ليلة، حتى يستطيع أن يحكم النسج، ويضع كلًّا في مكانه المناسب، فتقع الكلمة مع أختها، لا مع الغريبة عنها وبذلك يتم التلاؤم بين أجزاء الصورة، ودور الصياغة المنثورة، وتتحقَّق الوحدة الفنية فيها. وليسمها بشر بن المعتمر بين الكلمات، وتوافق في القوافي، حين تأخذ الكلمة موطنها وتتلاءم القافية مع أخواتها فيتحقق من عناصر الصورة دلالة الألفاظ في مدلولها وبموسيقاها على غرض الشاعر، وقد أخذ اللفظ والقافية مكانهما من النظم أو البيت وليسمّها النقاد اليوم الوحدة الفنية أو العضوية، مما يدلّ على التناسب بين الكلمات في التركيب، والتلاؤم بين الأجزاء في التصوير. ويتحدث أبو سهل عن الدعامة الرابعة للصورة الأدبية، أو عن النظم والتأليف.

стр. 144

بين الكلم وهي تلاؤم الصورة أو التركيب، مع المقام والغرض الذي يهدف إليه الشاعر فيقول: "وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار للمعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين، على أقدار تلك الحالات، فإن كان الخطيب متكلمًا، لم يتجنب ألفاظ للمتكلمين، كما أنه إن عبَّر عن شيء من صناعة الكلام واصفًا أو مجيبًا أو سائلًا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحسم، وبها أشغف ". وعالم البلاغة عندنا يسمع حديث بشر يحكم عليه هنا بأنه لا يصلح إلا لمطابقة الكلام لمقتضى الحال، لارتباطه القوي بالبلاغة، ولا يمت للصورة الأدبية إلا بأدنى ملابسة، والحق أن كلام بشر السابق وما قبله لا يستطيع أحد ألا يلحقه بعلم البلاغة فحديثه وثيق الصلة بها، وينبغي أن يدخل في باب الصورة الأدبية، لأن الغرض من التصوير هو التأثير في النفس بحيث يسيطر على العقل والمشاعر، وهذا التأثير للصورة لا يتمّ ولا يقوى إلا إذا اتفقت مع الحالة التي تعبر عنها، في المقام الذي يبرزه الشاعر للصور مثل قول ابن الرومي في "النقيل البارد": يا أبا القاسم الذي ليس يدري ... أرصاص كيانه أم خلايد أنت عندي كما يثرك في الصيف ... ثقيل بعلوّه برد شديد وأجزاء الصورة هنا تبرز معالم الثقل في شخص أبي القاسم، فهو ثقيل النفس عديم الحركة ناقد الإنسانية، ميت الشعور، بارد العاطفة، كالرصاص أو الحديد

стр. 145

اللذين لا ينتفع الناس بكل منهما، إلا إذا انصهرا في الغار واتخذا أشكالًا وجسومًا تصلح للاستعمال والانتفاع. فأبو القاسم بارد كهذين المعدنيين، اللذين يظهر فيهما تأثير البرودة واضحًا وبسرعة، فهما جيدا التوصيل، كما يقول علماء الطبيعة حديثا، بخلاف الخشب فهو رديء التوصيل ولكي يبلغ ابن الرومي الغاية في الصورة، ويمنحها القدرة على التأثير، أضاف إلى البرودة السابقة برودة أشدّ وأقوى، وهي برودة الماء التي ترتفع فيه الدرجة ليغلانه وليونقه، ثم يرتفع بها إلى معدن غير عادي، وهو ما بعد الصفر، فيصور الماء في بئر تحت الأرض، بعيدًا عن حرارة الشمس، وفي ظل دائم، ثم أخيرًا يكسبه بطبقة من الجليد والبرد. وقد اختار الألفاظ في النظم التي تناسب مع أبي القاسم، واستقطب الأجزاء في الصورة التي تتلاءم مع حالة الثقيل البارد من الرصاص والحديد وماء البئر في الصيف، والثقل والبرد الشديد كل ذلك ليؤدي الشاعر الغرض الذي من أجله كانت الصورة ويتآلف مع مقام الهجاء العنيف الذي أراده الشاعر، فقد رمى أبا القاسم في صورته ينقل النفس، وجمود العاطفة وتجريده من الإنسانية وموت الشمور فيه، مما يتناسب مع مقام الإقذاع والتنكيل به. وهذا هو نهاية ما يتطلبه بشر بن المعتمر من التركيب والتصوير، وما اهتمَّ العلماء بالبلاغة إلا ليبلغوا بالكلام والصور مبلغ التأثير والإقناع، ولعل هذه الشبهة هي التى وقفت دون النقاد عن فهم ما يقصده بشر من صحيفته المشهورة من العناية وبالنظم، وإيضاح معالم التأليف والصور، حتى تكون جديرة بوصفه إياها بالبلاغة وقوة التأثير في النفس، إن كانت هذه إشارات خاطفة منه في مفهوم النظم والتصوير، إلا أنها نبهت من بعده، فأخذ ينميها ويعمقها، ليبلغ بها الغاية في الدقة والكمال وقوة التأثير والإمتاع.

стр. 146

موقف الجاحظ من الصورة الأدبية: بعد أن نشط التدوين، وراحت الكتابة، وتسابقت الأقلام، أصبح من السهل أن نقف على آراء النقاد في الصورة والشكل، وكان أول من أثار هذه القضية هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ١، وبعضها كنظرية نقدية، وظاهرة أدبية، وقضى فيها بما يراه لائقًا بالأدب والشعر، وما عدَّه مناطًا للحسن والجودة، ومرتقى للسبق والفضل والتفوق. ووضح موقفه منها، حينما انتهى إلى سمعه أن أبا عمرو الشيباني استحسن بيتين من الشعر لمعناهما، مع سوء العبارة التي تصورهما، فقال الجاحظ وهو يتهجم عليه: "ذهب الشيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمى والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير٣. فهو يرى أن المعاني ممتدة واسعة بعكس الألفاظ، فإنها محصورة محدودة، يقول: المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدَّة إلى غير نهاية ٣". وبين أن البلاغة والجمال، إنما يرجعان إلى اللفظ، لأن المعنى الشريف قد يؤدي باللفظ الرديء يقول: "ومن الدليل على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ، أن الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة، ما عملت لإفهام المعاني فقط لأن الرديء، من اللفظ، يقوم مقام الجيد منها في الأفهام٤".

стр. 147

والجاحظ في اتجاهه يفصل بين اللفظ والمعنى "وينظر إلى اللفظة والجملة ١ "، وهذا حديث المضمون والشكل، والمحتوى والصورة، وأن المعنى قد يكون واحدًا، ولكنه يعرض في صورة متعدَّدة وصياغات مختلفة، لأن الشأن في الصياغة والشعر ضرب من التصوير، ونطاق الصياغة والتصوير ضيق صعب، لا يلينان إلا لمن وهب القدرة والموهبة. بخلاف المعنى فهو ممتدّ ميسور يقع للغبي والذكي ويقصد الجاحظ بالصورة في حديثه الأسلوب والصياغة، وإحكام النسج في العبارات وتخير الالفاظ والأوزان، لأن الحديث عنده نبع من الهجوم على أبي عمرو الشيباني نصير المعنى، ونعى عليه اتجاهه، وأقرَّ بأن اللفظ هو مقياس الجمال وحدّه. وهذا الرأي ردَّده كثير ممن أتى بعده من أنصار اللفظ، الذين انتصروا له وأيدوا الصورة، بينما كان هناك من اهتمَّ بالمعنى بجوار اللفظ، وانتصر كل على حدّة، حتى جاء بعد ذلك من انتصر لهما معًا بدعوة النظم، ورأى أن الصورة إنما تسكون في النظم، لا في اللفظ المفرد، ولا في المعنى المفرد. موقف ابن قتيبة من الصورة الأدبية: كان ابن قتيبة من أنصار المعنى الذي شايعوه، ولم يعتبروا اللفظ إلا بشرف معناه، ولم يرفعوا الشكل إلا بنبل مغزاه، فلا قيمة للصورة عندهم إلا بشرف مضمونها، ولكنهم تفاوتوا في النظرة إلى درجة الجودة في اللفظ والمعنى، فمنهم من سوَّى بينهما في الشرق والجودة، ومنهم من رجح المعنى على اللفظ.

стр. 148

ويرى ابن قتيبة١ أن القصيد يعلو ويهبط، ويسمو ويقبح حسب قيمة اللفظ والمعنى فيه، ولكنه رجح جانب في الشعر على جانب اللفظ حينما قسمه على أربعة أضرب: أولًا: ضرب حسن لفظه وجاد معناه: ثانيًا: ضرب حسن لفظه وحلا، فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى. ثالثًا: ضرب جاد معناه، وقصرت ألفاظه عنه. رابعًا: ضرب تأخر معناه، وتأخر لفظه ٢. ويظهر ترجيحه للمعنى حينما يفقد أبيات كثير المشهورة التي يقول فيها: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسَّح بالأركان من هو ماسح وشدَّت على حدب المهاري رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح فهي عنده خالية من كل معنى مفيد، على أنه يجب بمثل قول أبي ذؤيب: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وذلك لتضمنه معنى أخلاقيًّا٣، ومن هنا يظهر "باد$$ رأيه في العلاقة بين اللفظ والمعنى٤" وهذا الاتجاه يوضح عدم اعتداده بالصورة الأدبية إلا إذا صور الشاعر بها معنى لطيفًا ومغزى شريفًا، أما التي تحمل معنًى وسطًا أو ساقطًا - وإن اكتملت عناصرها وتلاءمت أجزاؤها، فلا تعدّ صورة عنده، ولا يقيم لها ورنًا كأبيات كثير السابقة، لأن الأساس عنده في الشعر هو شرف المضمون.

стр. 149

ابن طباطبا والصورة الادبية: ويؤيّد ابن طباطبا١ ما جاء به بشر بن المعتمر في صحيفته المشهورة فيقول: "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة، فحضر المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا أو أعدّ له ما يلبسه إيَّاه، من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي سلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت، يشاكل المعنى الذي يرومه، ابتدأ وعمل فكرة في شغل القوافي، بما تقتضيه من المعاني، على غير تنسيق للشعر، وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت، يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله فإذا أكملت له المعاني وكثرت الأبيات، وفق بيتها بأبيات تكون نظامًا لها، وسلسكًا جامعًا لما اتشتت منها، ثم يتأمّل ما قد أدَّاه إليه طبعه، ونتجته فكرته، فيستقصى انتقاده، وبرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظه مستكرهة، لفظ سهلة نقية، وإذا اتفق له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضاد المعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار، الذي هو أحسن وأبطل ذلك البيت، أو نقض بعضه، وطلب لمعناه قافية تشاكله، ويكون كالمنساج الحاذق، الذي يفوق وشيه بأحسن التفويف ويسديه ... ولا يهلهل شيئًا منه فيشينه، وكالنقاش الدقيق الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم تنشئه، ويشبع كل صبغ منها، حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجواهر، الذي يؤلّف بين النفيس منها، والثمين الرايق ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها، وكذلك الشاعر إذا أسس شعره على أن يأتي فيه بالكلام البدوي والفصيح، لم يخلط به الحضري المولد، وإذا أتى بلفظة غريبة أتبعها أخواتها٢".

стр. 150

وهذا هو العمل الفني في القصيدة الشعرية وهو ممتزج بالصورة الأدبية امتزاجًا كاملًا في العملية الشعرية، عندما ينقل الشاعر بموضوع ما ويعاقبه، فيعمد إلى نظمه في قصيدة، ويحضر المعاني، ويعيش معها في صراع داخلي، يعمل فيه العقل والوجدان والمشاعر، فإذا استوى لديه الشكل في ألفاظ تتلاءم معها، ثم اختار لها القالب الموسيقي الذي يتناسب معها قافية ووزنًا، شدَّ جزئيات القالب بألفاظ وصور على هذا النمط، حتى يستقيم البيت من الشعر، وهكذا بقية الأبيات يختار لكل معنى في أبيات القصيدة صورة أدبية، تتفق معه دلالة وإيقاعًا، فإذا فرغ من القصيدة عاودها مرة مرة، فإذا وجد هناك ثغرات ملأها في المعاودة والمراجعة، فيصل ما انقطع بين المعاني بمعنى مناسب، أو ما قدر بين الصور "الأبيات" بصورة تتآلف مع أخواتها، وكذلك الأمر في لفظة شاردة أو قافية قلقة، فيأخذ بيده هذه ويضع بالأخرى تلك. والشاعر في تصويره وتأليفه كالنساج الحاذق، الذي يحكم نسجه، ويصقل ثوبه وكالنقاش الذي يختار في نقشه أحسن الألوان، ويرتبها، يمزجها بالقدر اللازم، ويركز فيها حتى تخلب العيون، وكناظم الجواهر، الذي يؤلف بين حباته النفسية لتأخذ كل حبة مكانها الأصغر فالصغيرن فالكبير فالأكبر، وهكذا يصنع في نظم العقد وتنسيقه، والناقد الكبير يبين: أولًا: عملية التحضير للقصيدة بما فيها من إعداد المعنى الذي هو هنا أوسع نطاقًا من الفكرة والغرض والتجربة الشعرية، يدل عليه قوله "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة، فحضر المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه". ثانيًا: المعاني المجردة إنما تكون في الذهن "في فكر الشاعر نثرًا". ثالثًا: أن الشاعر وهو يعاني التجربة، يشكل أثناء ذلك عن المعاني صورًا شعرية متناثرة: "ويعدّ لها ما يلبسها إيَّاه من الألفاظ التي تطابقه".

стр. 151

رابعًا: أن العقل والفكر يتدخل في النهاية، ليؤلف بين الصور، التي تكون بيتًا يتفق مع المعنى" فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى، ابتدأ وأعمل فكرة في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني ... إلخ". خامسًا: أنه يربط بين اللفظ بإيقاعه ودلالته وبين المعنى، ويشير بذلك إلى قضية النظم وبه تتحقق الصورة الشعرية. "وأعدَّ له ما يلبسه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي سلس له القول عليه". سادسًا: أن التجربة الشعرية في الذهن، التي تحسمها الصورة في الخارج، غامضة ومزلقة للشاعر، فيحتاج إلى معاودة الصور مرات ليستردّ ماند من الصور أو ما خفي منها، ويبرزها في مكان تتناسب فيه مع أخواتها في الخارج. "فإذا أكملت له المعاني، وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظامًا لها ... إلى قوله وطلب لمعناه قافية تشاكله". سابعًا: والفقرة السابقة تؤكد التلاحم بين الصور والأبيات، فتشيع بيتها الوحدة ويسري فيها الترابط، وابن طبا طبا يشير إلى الوحدة في الصورة الأدبية في موطن آخر فيقول: "بل يجب أن تكون القصيدة كلها كلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجًا وحسنًا وفصاحة وجزالة ألفاظ، ودقة معانٍ، وصواب تأليف. ... حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغًا، لا تناقض في معانيها، ولا وهي في مبانيها ولا تكلف في نوعها ١" وهذه هي الوحدة الموضوعية بأدقّ معناها، كما يراها النقاد المعاصرون فهو يرى أن تكون الألفاظ في الصورة، والصور في البيت، والبيت في القصيدة، كلمة واحدة في تلاؤم النسج والحسن والفصاحة والجزالة وصواب التأليف، حتى لا يحدث ضعف في مبنى الصورة، ولا ثغرة فيها، ولا تتكلف في نسجها.

стр. 152

ويؤكد هذه الوحدة في موطن آخر فيقول: - "وينبغي للشاعر أن يتأمَّل تأليف شعره وتنسيق أبياته ... فلا يباعد كلمة عن أختها، ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد مصراع كل يشاكل من قبله "١. على الشاعر أن يتأمل نظمه وتأليفه فيتجنب الحشو فيه، ولا يفصل بين الأخوات من الكلام بأجنبي، ويضع الصراع متلائمًا مع قرينه. ومن الخطأ أن تذهب كما ذهب بعض الدارسين إلى أن ابن طباطبا لا يهتم بالوحدة العامة في القصيدة أو في الصورة الكلية، وإنما يهتم بالوحدة في البيت الواحد، أو في الصورة الجزئية كما يقول د. غنيمي هلال٣، لأن ابن طباطا ناقدنًا الجليل قد حدَّد الوحدة الموضوعية تحديدًا كاملًا. والذي أعنيه ويتصل بالبحث، هو موقف ابن طباطبا من الصورة الأدبية في الشعر ومدى إدراكه لها وكيف عالجها، ولا يضر هنا كثيرًا أنه عالجها في صورها الجزئية أو في البيت الواحد أو أنها ترتبط بالنظم والتأليف، أو كانت رافدًا قويًّا من روائد النصوح في النظم والصورة الأدبية كما عند الإمام عبد القاهر الجرجاني بعد ذلك. ثامنًا: الذي يدل على أنه اهتم بالصياغة والتأليف وسلامة النظم، أنه جعل الشاعر كالتاج الحاذق والنقاش الماهر، وناظم الجواهر الدقيق، هنا يربط ابن طباطبا بين التصوير الأدبي، وبين فنون التصوير الأخرى المحسة من نسج ونقش وصوغ ليوضح أن هذه الصناعة من تلك، إذن بالصورة الأدبية عنده

стр. 153

كالنسج والنقش والصوغ، وبهذا المفهوم وتلك الموازنة تأثر عبد القاهر فيما بعد "ويكون كالنساج ... إلى قوله وكذلك الشاعر". تاسعًا: التلاؤم الشديد بين اللفظة واللفظة في الجزلة والدقة، وفي غرابة اللفظ وبداوته في الحضرية المولدة يقول: "إذا أسس شعره على أن يأتي فيه بالكلام البدوي - الفصيح، لم يخلط به الحضري المولد، وإذا أتى بلفظة غريبة أتبعها أخواتها" وكذلك قوله: "في اشتباه أولها بآخرها نسجًا وحسنًا، ونصاحة وجزالة ألفاظ، ودقة معانٍ وصواب تأليف". قدامة بن جعفر والصورة الأدبية: وممن أشار إلى الصورة الأدبية قدامة بن جعفر الذي اعترف بها عنصرًا من عناصر الشعر، وربطها بغيرها من العناصر الأخرى فهو يرى "أن المعاني كلها معرضة للشاعر وله أن يتكلم منها فيما أحبَّها وآثر، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذا كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لا بد ليها من شيء موضوع يقل تأثير الصورة منها، مثل المحب للتجارة، والفضة للصباغة ١". وكلام قدامة أدخل في باب التصوير من رأى الجاحظ فيه، فقد جعل للشعر مادة وهي المعاني، وصورة وهي الصناعة اللفظية، وبالتجويد في الصياغة، يقول: "وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من الرفعة أو الصنعة.... وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة أن يتوخَّى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة ٢".

стр. 154

ويضيف قدامة عنصرًا جديدًا في بيان مفهوم الصورة الشعرية، حيث يشبه صناعة الشعر بغيره من سائر الصناعات كالتجارة للخشب، والصياغة للفضة، فالجميع يعتمد على مادة وشكل، فالفضة مثلًا يتخذ منها أشكالًا مختلفة، وكل شكل يسمى صورة كالخاتم مثلًا، وكذلك الأمر في الشعر لأنه كسائر الصناعات يقول ابن سلام الجمحي عن الشعر "صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات"١. ويبيّن أيضًا فضل الصورة في العمل الأدبي، إذ بها تقاس قدرة الشاعر ومهارته في صناعة الشعر، فالقطعة من الخشب أو الفضة في ذاتها لا تفصل قطعة أخرى إلا بالصورة التي ظهرت فيها، وقد يتناولها الصانع في صورتين، فتظهر إحداهما ذميمة، والأخرى جميلة، مع أن المادة من الخشب أو الفضة واحدة فيها. وكذلك الشعر عند ابن جعفر، قد يتناول الشاعر موضوعًا واحدًا، يصوره تصويرًا حسنًا في مواطن، ويعرض إيَّاه في معرض قبيح في موطن آخر، ويدل هذا -مع اتحاد المادة- على قدرة الشاعر ونبوغه، التي ترجع إلى التصوير يقول في ذلك. "إن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين، بأن يصف شيئًا وصفًا حسنًا، ثم يذمه بعد ذلك ذمًّا حسنًا بينًا غير منكر عليه، ولا معيب من نعله، إذا أحسن المدح والذم، بل ذلك يدل على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها٢". وفي مكان آخر ينتصر اللفظ والصورة، ويقدمها على المعنى والمادة، فيرى أن

стр. 155

معيار الجمال يرجع إلى الشكل أكثر مما يرجع إلى المعنى، مما لا يستغنى عنه شاعر ولا خطيب ويذكر الخصائص التي تتصل به وتنبني عليه، وهي موسيقى الصورة التي ترجع إلى الشكل لا إلى المعنى كالترصيع والسجع. واعتدال الوزن وغيرها مما يتصل بالشكل ويرجع إلى بنائه يقول: "وأحسن البلاغة الترصيع والسجع، واتساق البناء، واعتدال الوزن، واشتقاق لفظ من لفظ، وعكس ما نظم من بناء وتلخيص العبارة بألفاظ مستعارة، وإيرادها موقورة بالتمام، وتصحيح المقابلة بمعانٍ متبادلة. وصحة التقسيم بإنفاق النظوم وتلخيص الأوصاف بنفي الخلاف، والمبالغة في الرصف بتكرير الوصف، وتكافؤ المعاني في المقابلة والتوازي، وإرداف اللواحق، وتمثيل المعاني ... فهذه المعاني مما يحتاج إليه في بلاغة المنطق، ولا يستغنى عن معرفتها شاعر ولا خطيب ١". والحديث هنا حديث الألفاظ والصياغة، والإيقاع والوزن وغيرها مما تعتمد عليه الصورة الأدبية من ترصيع وسجع، وتلاؤم وزن، وطباق واستعارة، وتقسيم ومقابلة وتكافؤ ومبالغة في الوصف، وتوازن وكناية، وغير ذلك مما يتصل بالشكل واللفظ اتصالًا مباشرًا لا بالمادة والمعنى. ومن هذا نعلم أن قدامة قد اعترف بالصورة الأدبية وعرف لها مكانها في العمل الأدبي ولم يجحد العناصر الأخرى المكونة مع الصورة للعمل الأدبي". ابن بشر الآمدي والصورة الأدبية: والآمدي٢ في تحديده للنظم، والاهتمام به، وعنايته بالصورة الجزئية كمعاصرة القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني، ويتفق معه في جميع الوجوه التي ستأتي ولكن

стр. 156

معالم الصورة عنده زادت وضوحًا أكثر من القاضي، كما سيظهر من خلال اهتمامه باللفظ والمعنى "أي النظم" والصورة التي تقوم عليها معًا، وسنعرض اتجاهه على النحو التالي: أولًا: رجع الآمدي البحتري على أبي تمام في شعره، وذكر أدلة قوية تؤيّد اتجاهه حيث فرق فيها بين العلم والشعر، فلكل منهما طابعه وخصائصه فالشعر عنده غير العلم، والعلم حكمة وفلسفة، والشاعر مصور، وليس حكيمًا أو فيلسوفًا، والصورة الأدبية تكون من اللفظ والمعنى، في حسن تأنٍ، وقرب مأخذ، واختيار الوضع المناسب لكل لفظ، الذي يطابق المعنى في الاستعمال المعتاد، من غير كلفة ولا صنعة، مع اللياقة في الاستعارة والتمثيل للمعنى، حتى لا يقع بينهما تأثر، وبذلك يكتسي النظم رونقًا وبهاء، وهذا هو الأصل في بلاغة الصورة، من إصابة المعنى بألفاظ سهلة بعيدة عن التكلف، لا تزيد عن الغرض، فإن اتفق للنظم معنى لطيف، زاد من روعته، وإلا - فالصورة غنية في نفسها ودلالاتها يقول وليس الشعر عند أهل العلم به، إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يُورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير مغافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسى بالبهاء والرونق، إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة للبحتري.... والبلاغة إنما هي إصابة المبنى، وإدراك الغرض، بألفاظ سهلة عذبة، مستعملة سليمة من التكلف لا تبلغ الهذر الزائد، على قدر الحاجة ... فإن اتفق مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن، فذلك رائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق، فقد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه.... قالوا:

стр. 157

وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدرك لما يستمدّ دقيق المعاني من فلسفة اليونان، وحكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر مما يُورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة، ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيمًا، أو سمعناك فيلسوفًا، ولكن لا نسميك شاعرًا، ولا ندعوك بليغًا"١. ويلتقي الآمدي مع القاضي في النص السابق، في أن جلال الصورة وجمالها لا يرتبط بفخامة اللفظ، ومهارة الصنعة، وكثرة ألوان البيان والبديع. ثانيًا: يدرك الآمدي الجمال في اللغة، وسحره في الصورة، فيجعل اللغة غاية في ذاتها ولو مجردة عن حكمة أو فلسفة، فهي كفيلة في ذاتها بالروعة والجمال، لأن الغرض منها إصابة المعنى، وإدراك الهدف، لا أن يحمل الشاعر لغته ما لا تطيق، وهو متأثر في هذا يقول البحتري: والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه يقول الآمدي: "وإن اتفق له معنى لطيف، زاد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق قد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه" ٢. ويرى د. مندور أن الآمدي اهتدى بهذا إلى أن اللغة ليست وسيلة، ولكنها غاية لأنها تتضمن عناصر التصوير والموسيقى: "ويكون من حسن الذوق، وسلامة الحس بحيث يقيم للنسب الدقيق بين اللغة كوسيلة، واللغة كغاية في

стр. 158

الأدب فلا يسرف في اعتبارها وسيلة لأنه يحرم نفسه بذلك من عناصر هامة في التأثير، عناصر التصوير، وعناصر الموسيقى" ١. "الجلال الحق في حسن التأليف، وبراعة اللفظ، ومهما يرتفع المعنى حتى يبدو غريبًا، وذلك مثل شعر البحتري، الذي هو عكس أبي تمام في شعره يقول: "وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف، ورديء اللفظ، يذهب طلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميهنّ حتى يحتاج مستمعه إلى تأمّل، وهذا مذهب أبي تمام في معظم شعره، وحسن التأليف وبراعة اللفظ، يزيد المعنى المشكوف بهاء وحسنًا ورونقًا حتى كأنه أحدث فيه غرابة لم تكن وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولذلك قال الناس لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام" ٢: رابعًا: ويرفع من جانب التصوير في الشعر، ويفضله على المعنى اللطيف، فلا جمال للصياغة الرديئة، وإن تضمنت معنًى نادرًا، أو مغزى لطيفًا، بل لا بد أن يكون المعنى اللطيف نتاج الصورة نفسها جاء من غير قصد ابتداء، وعلى ذلك فالشعر للشعر لا للعلم، وللعلم مجال آخر. ويشبه الآمدي المعنى اللطيف في نسج رديء بالطراز الجيد على الثوب المتهتك، أو كرائحة الطيب على وجه جارية قبيح. يقول: "وإذا كان لطيف المعاني في غير غرابة، ولا سبك جيد، ولا لفظ حسن، كان مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خدّ الجارية القبيحة الوجه" ويقول: "فقيمة التأليف في الشعر وكل صناعة هي أقوى دعائمه، بعد

стр. 159

صحة المعنى، وكلما كان أصبح تأليفًا كان أقوم بتلك الصناعة مما اضطرب تأليفه". ويؤكد النص الأخير عنايته التامة بالتأليف والنظم، كالشأن في كل صناعة تتألف من مادة وصورة، فقيمة التأليف له المنزلة الأولى ما دام المعنى صحيحًا، وأما اضطراب التأليف فلا مدخل له في الشعر، كالشأن في سوء التشكيل لمادة من المواد المعدنية وغيرها. خامسًا: ويكاد الآمدي يبلغ الغاية في توضيح الصورة التي فضل بها البحتري أستاذه أبا تمام وهو يتحدث في باب العلاقة بين اللفظ والمعنى، فقد فسَّر التأليف وهو النظم في الصورة، حينما عقد موازنة بين صناعة الشعر وبين غيرها من الأشياء في سائر للصناعات الأخرى، فيبنى الشعر الجيد المحكم وكذا الصناعات الأخرى، على دعائم أربع: أولًا: جودة الآلة. ثانيًا: إصابة الغرض. ثالثًا: صحة التأليف. رابعًا: بلوغ الغاية في التأليف بدون نقصان لولا زيادة. وكذلك الأمر في كل محدث مصنوع في الخلق والإيجاد، يحتاج إلى أربعة أشياء: أولًا: علة هيولانية، وهي الأصل. ثانيًا: علة تصويرية.

стр. 160

ثالثًا: علة فاعلة. رابعًا: علة تمامية١. وعلى هذا تقابل الآلة الأصل "الهيولانية"، وإصابة الغرض: وهو التأليف والنظم يساوي العلة الصورية، وصحة التأليف، وهي استقامة الفكر الناتجة من التأليف تساوي العلة الفاعلة. ووفاء الجودة وتمام الصنعة: يقابل العلة التمامية والمقابلة الأخيرة هي التي أراد بها الآمدي البلاغة في الصورة في قوله السابق: "فالبلاغة: إنما هي إصابة المعنى، وإدراك الغرض، بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة.... إلخ ". يقول الآمدي في الموازنة التي عقدها بين صناعة الشعر وغيره من الصناعات الأخرى "زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء: جودة الآلة وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة، من غير نقص فيها، ولا زيادة عليها، وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة في جميع الحيوان والنبات. ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوع محتاج إلى أربعة اشياء، علة هيولانية وهي الأصل وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية. وأما الهيولي فإنهم يمنون الطينة متى يبتدعها الباري ﵎، ويخترعها ليصور ما يشار تصويره من رجل أو فرس أو غيرهما من الحيوان، أو برة أو كريمة من أنواع النبات. والعلة الفاعلة. هي تأليف الباري ﷻ لتلك الصورة، والعلة التمامية هي أن ينميها تعالى ذكره، ويفرغ من تصويرها

стр. 161

من غير انتقاص منها وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله إيَّاها، لا تستقيم له وتجود إلا بهذه الأربعة. وهي آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار ... وألفاظ الشاعر والخطيب وهي العلة الهيولانية، التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة للغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته، من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية فهذا قول جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنًى لطيفًا مستنريًا، كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض فذلك رائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها". وهكذا يوضح الآمدي، ما يعتمد عليه الشعر وغيره من سائر الصناعات والصور التي يسببها الشعر في التركيب والبناء، وينص أيضًا على الصورة الشعرية نصًّا واضحًا، ولا يكتفي بالنظم والتأليف والصياغة كالسابقين، الذين اكتفوا بمجرَّد الذكر أو بإشارات مهمة وهم يقصدون الصورة، ولكنه قطع شوطًا في توضيح الصورة وذكر معالمها لمرحلة نامية دافعة في أطوار مفهومها. فاقترن الشعر عنده -كصناعة- بسائر الفنون والصناعات، وتناول الصورة -باستقامة ذوقه ودقة فهمه، وحددها بحدود ينبغي مراعاتها في التصوير، ومن أخلَّ بشيء منها اختلت هي كذلك، وهذه الحدود هي: ١ حسن التأتي وقرب المأخذ في اللفظ والمعنى. ٢ انتقاء الألفاظ، واختيار الكلام الجيد الحسن.

стр. 162

٣- وضع الألفاظ في مكانها، وهذا ما يسمى حديثًا، بالوحدة في الصورة والملاءمة بين أجزائها. ٤- ألا يحمل اللفظ أكثر من معناه بالتكلف والتصنع، وهو ما يسمى حديثًا بالخروج عن التصوير الدقيق الواقعي. ٥- الترابط التام بين الصور الجزئية بعضها مع بعض، وبينها وبين المعنى المصور من غير تنافر "وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة ... إلخ " وكما سيأتي في بيت أبي تمام "ملطومة بالورد.... إلخ". ٦- قوة العاطفة في الصورة لتعلق في القلوب وتتداخل في النفس من غير تريث، وهذه هي البلاغة في الصورة التي يقصدها الآمدي من قوله: "والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة". ٧- الشعر غير العلم فالأول عماده العاطفة والشعور، والثاني عماده العقل والفكر وهو نفسه الفرق بين الشاعر والعالم. ٨- حسن التأليف، وتنسيق النظم، وتلاؤم الصياغة، يكشف عن المعنى في وضوح وروعة، وكذلك الأمر بالعكس فاضطراب النظم وفساد الصورة، يعقد المعنى، ويزداد به غموضًا. ٩- العبرة في الشعر بالصورة، لأنها هي التي تنقل ما في النفس، من خواطر ومشاعر بصدق ودقة، وتبرزه للغير، فلو كانت رديئة التأليف، مضطربة التنسيق، ولو اشتملت على نادرة أو حكمة فإنها تسقط في الاستعمال وتقبح في مرأى العين وتضعف في تأثيرها على النفس. "كان مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق. ١٠- الشعر صناعة وتصوير كسائر الحرف والصناعات، والجميع تشكيل وتجسيد للعواد وتصوير لها.

стр. 163

سادسًا: وفي مجال التطبيق لفهمه الواعي للصورة نذكر شاهدًا ومثلًا واحدًا، لبيان مدى إدراكه لمفهومهما أولًا. وذوقه الأدبي في فهمه للصور الشعرية ثانيًا. فيقول في نقد صورة أبي تمام، القائل فيها: بيضاء تسري في الظلام فيكتسى ... تورًا وتبدو في الضياء فيظلم ملطومة بالورد أطلق طرفها ... في الخلق فهي مع المنون محكم وقوله ملطومة بالخدّ يريد حمرة خدّها، فلو لم يقل مصفوعة بالقار؟ يريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء جسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها، إن هذا الأحمق ما يكون من اللفظ وأسخفه وأوسخه، وقد جاء مثل هذا في كلام العرب، ولكن بوجه حسن، قال النابغة "مقذوفة بدخيس اللحم" يريد أنها قذفت بالشحم، أي كأنه رمي على جسمها رميًا، وإنما ذهب أبو تمام إلى قول أبي نواس: "وتلطم الورد بعضاب" وهذه كانت تلطم في الحقيقة في ماتم، على ميت بأنامل مخضوبة الأطراف، فجعلها عنابًا تلطم به وردًا، فأتى بالظرف كله، والحسن أجمعه والتشبيه على حقيقته، وجاء أبو تمام بالجهل على وجهه والحمق بأضره، والخطأ بعينه" ١. وفي نقده لصورة أبي تمام، يتجلَّى فهمه للصورة الأدبية، لأنه يكشف بذوقه الأدبي الرفيع عن وجه الخطأ فيها، وأن على الشاعر تجنّب مثل هذه الأخطاء حتى تصح له الصورة، وتعلم جودتها، وأن لكل لفظ له معنى، وكل فكرة تخضع لصورة تتناسب معها، فالمقام في بيتي الشاعر هو مقام المدح، والمعنى الذي كسته

стр. 164

الصورة في الأبيات هو سحر جمال المرأة، الذي يصعق المقيم كالموت. وعلى ذلك فلا محلّ في صورة المدح للنظم، الذي يتأدَّى به السمع، فهو يفسد التلاؤم فيها ويذهب انسجام أجزائها. فالشاعر لم يضع الألفاظ في مواضعها، ولم يورد للمعنى باللفظ المعتاد فيه ووقع تنافر في المعنى بين طرفي الاستعارة، وغير ذلك مما سبق ذكره، مما جعل الآمدي بتهكم بالشاعر، ويرميه بالحمق والجهل والخطأ، كما هو واضح من النص السابق ويرى ايضًا أن التقليد الأعمى في الصورة ذهب برونقها وصحتها، ويطمس معالم الأصالة فيها، وقد يجعل المقلد الغرض الذي كسته الصورة. فأبو تمام لم يستعمل اللطم في مكانه المناسب في نظم الصورة، مقلدًا النابغة الذي أحسن أداءه في التصوير، حيث قال: "مقدومة بدخيس الشحم" وهي على نصيب موفور من الجودة والحسن، لأن القذف بالشحم معناه: أنه رمى على جسمها رميًا وهو مصيب في حكمها هذا الذي يدلّ على سلامة ذوقه في فهم الصور، وإصابته في الحكم عليها. فصورة النابغة بلغت غاية الجمال على عكس صورة أبي تمام، فقد أحسن الشاعر الجاهلي التعبير بالقذف لغزارة الشحم المتزايد في تتابع كسرعة القذف والرمي واختيار لفظ "القذف" هنا لا بديل عنه، لأن كثرة الشحم وغزارته، كما هو مفهوم من لفظ "دخيس" ينقص من جمال المرأة، ويودي برشاقتها ويسوي النتوء في جسدها، فلا يكون لها ردف وخاصرة، ولا ثدي ظاهر، وتقاطيع بارزة، مما يزيد من جمال المرأة وفتنة جسدها، ولكن التي طغى عليها الشحم، تستحق، لإهمالها نفسها - ألفاظ السباب والشتم، وهو ما اختاره النابغة في

стр. 165

صورته، حيث قال: "مقذوفة" و"دخيس" أظن أن ليس هناك صورة أروع من هذه الصورة، وخاصة وقد وقعت لشاعر جاهلي. ولكن أبا تمام على الرغم من إيغاله في حضارة الدولة الإسلامية وفي عصورها الذهبية أساء التقليد والفهم معًا لموطن الكلمة السابقة في صورته، وقد نقده الآمدي نقدًا لاذعًا. وتعقب الناقد صورة أبي تمام ليكشف عن عيبها، ويفضح عجزه فيها، ويبين فهمه الخاطئ لصورة أبي نواس، وهي "وتلطلم الورد بعناب" فلم يفهم الفرق بين المقامين، فمقام صورة أبي نواس يقتضي هذا، لأن المرأة التي صورها كانت في الحقيقة كذلك، تلطم في مأتم خدها الأحمر بأصابعها المخضبة كالخضاب. وصحيح أن أبا تمام أساء الفهم والتقليد لصورة ابي نواس، التي تطابق واقع المرأة اللاطمة، وهو ما ذهب إليه الآمدي. ولكن الذي قصر فيه الناقد أن الغرض في صورة أبي نواس هو الحزن والبكاء، ولا يتلاءم معه ذكر الورد والعناب بجوار اللطم فيها، ولذلك نرى أن صورتي أبي تمام وأبي نواس دون صورة النابغة بكثير. وبهذا يكون الناقد قد حقق كثيرًا في مفهوم الصورة الأدبية وفي إيضاح بعض معالمها ليمثل مرحلة هامة من مراحل نضوجها وتمامها في النقد القديم، وذلك في جانبيها النظري والعملي التطبيقي.

стр. 166

القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني: ويقفز القاضي ١ خطوات إلى الأمام بالصورة الأدبية فتزداد وضوحًا وعمقًا وتشيع في مفهومها ألوان جديدة فوق ما سبق. أولًا: يرى أن ليس من الضروري في كل نظم أو تأليف أن يكون فيه تصوير أدبي، يشير النفوس بسحره، ويهز الأعطاف بجماله، يقول في فصل "ما عيب على أبي الطيب من معانيه وألفاظه٣". وأنا أعدل إلى ذكر ما رأيتك تفكر من معانيه وألفاظه، وتعيب من مذاهبه وأغراضه، وتحيل في ذلك الإنكار على حجة أو شبهة، وتعتمد فيما تعيبه على بينة أو تهمة، إذ كان ما قدمت حكاية عنك، وما عددته من مطاعنك، وأثبته من الأبيات التي أسقطتها وملَّت على هذا الرجل لأجلها من باب ما يمتحن بالطبع لا بالفكرة". ثانيًا: يوضح النظم الساقط الذي لا يرقى إلى مستوى التصوير الأدبي، والجمال الفني، من التأليف الذي به جهامة تعافها النفس، وكزازة تنفر منه، ويصبح خاليًا من بهاء ورنقه وحلاوة ومنظره، وعذوبة وقعه، وجمال نثره ورشاقة عرضه، متعسف الديباجة متعمل الطلاوة أفسده التصنع، وأخفى التعقيد معناه، فالنظم الذي يكون بهذه الطريقة يصير قلقًا متكلفًا، والصورة التي تتسم بهذه الصفات تكون متعسفة منحوتة، لا حياة فيها ولا روح، وقد حشيت بالتزويق والتجنيس، والترصيع والمطابقة، والبديع والغموض واختلاف الترتيب واضطراب

стр. 167

النظم، وقد وصف مندور، هذا اللون الذي لا يستقيم من النظم عند القاضي بقوله: "ظاهر شكلي تخطيطي سقيم وهو يصدر عن البديع ١". يقول القاضي في بيان ذلك: "والقسم الذي لاحظ فيه للمحاجة، ولا طريق له إلى المحاكمة، وإنما أقصي ما عند عائبه، وأكثر ما يمكن معارضه أن يقول: فيه جهامة سلبته القبول، وكزازة نفرت عنه النفوس، وهو خال من بهاء الرونق وحلاوة المنظر وعذوبة المسمع، ودمائه النثر، ورشاقة العرض، وقد حمل التعسف على ديباجته واحتكم التعمل في طلاوته، وخالف التكلف بين أطرافه، وظهرت فحاجة التصنع في أعطافه، واستهلك التعقيد معناه، وقيد التنوص مراده ... ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظًا مزوقًا، قد حشي تجنيسًا وترصيعًا وشحن مطابقة وبديعًا، أو معنى غامضًا ... ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب واضطراب النظم وسوء التأليف، وهلهلة النسج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها ٣". ثالثًا: ويقرّر القاضي الجرجاني من معالم الكمال في الصورة، أن تكون مهمة اللفظ فيها ليست للكشف عن المعنى فحسب بل لا بد أن يصير حلوًا رشيقًا، أحظى في القلب، وأوقع في النفس "ولا يرى اللفظ إلا ما أدَّى إليه المعنى" ولكنه "أحلى وأرشق، وأحظى وأوقع٢ " والكلام فيها لا يصور الغرض فقط، ولكن ينبغي أن يكون ذا وقع قوي، يشتقّ الآذان ويستولى على القلوب، كما تشدّ مناظر الطبيعة الفاتقة إليها النواظر، فلا ترى غير الجمال فيها، يقول: "ولا الكلام إلا ما صور له الغرض" إنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار ٤".

стр. 168

وليس الحسن مقصورًا على البديع، ولا الرونق للتصنيع فحسب ولكن لا بد من التهذيب فيهما، والتثقيف لهما، والترشيح لمنطقها يقول: "ولا الحسن إلا ما أفاده البديع، ولا الرونق إلا ما كساه التصنيع" ولكن لا بد أن "نجد منه الحكم الوثيق، والجزل القوي، والمصنع المحكك، والمنطق الموشح، قد ذهب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف ١". هذه هي الصورة الحقة عند القاضي، وذلك هو النظم القوي الموحي، والتأليف الرائق الخلاب، وبه يفوق بين الشعر المطبوع والمصنوع، ثم يقول: إن هذا الحسن في النظم والجمال في تصويره والمعنى لا نهاية له "ولو احتمل مقدار هذه الرسالة استقصاءه، واتسع حجمها، للاستيفاء له، لاسترسلت فيه ولأشرفت بك على معظمه ٢ ". رابعًا: ليس من الضروري في كل نظم أن تكون ألفاظه رصيفة جزلة، ولا أجزاء الصورة قوية تخمة تشتمل على استقصاء ألوان البديع، واستقطاب جموع التصنيع لتستكمل شروط الإحسان، وتستوفي كل كمال، ليس من اللازم هذا كله في الصورة الأدبية، فقد يلج الشاعر المصور، والعبقري البارع صورة لا تستوفي أسباب الكمال للمسابقة، فألفاظها سهلة التناول، مألوفة الأخذ، لا تشتمل على حشد من الاستعارات، وقلما تجد فيها بديعًا، أو اتفاقا في الصنعة، ولكن الشاعر يبثها سره، وينفث فيها من سحره، ويبعث فيها الجلال الذي هو أسمى من الجمال، وهنا يعجز الإنسان عن إدراك كل أسبابه، وإن أدرك البعض فقد لا يعرف له سببًا، لا يستطيع أن يستوفي موارد السحر الحلال، ولا يتمكن من نفسه إلا شيء واحد، وهو أثر الصورة فيها، وعلوقها بقلبه كالنور الذي يبهر

стр. 169

البصر. ويهدي البشر، ولا يعرف الإنسان أسراره وتركيبه، مع وضوحه وشيوعه وألفته. وما أشبه الصورتين السابقتين بصورة رجلين، أحدهما اكتملت فيه الأعضاء وأوفت أجزاؤها على الغاية في التمام، واتسقت مقاطعة، وأصبح كل عضو فيه على حدة غاية الجمال، وثانيهما صورة رجل دون السابقة في كمال الأعضاء وتمام الأجزاء ولكنها في حسن موقع كل عضو منها وانسجام الأجزاء فيها، قد تكون أقوى من الأولى وأحظى بالحلاوة، ولا يدري المأخوذ بفتنتها لذلك سببًا، ثم يشير أخيرًا إلى صدق العاطفة في الصورة وقوتها حيث تلقي موقعها من القلب وتسرع إلى النفس، وهو عنصر هام في نجاح الصورة الشعرية. يقول القاضي الجرجاني: "وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال وتقف بالتمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها، وفي انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناسب الأجزاء وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلبن ثم لا تسلم، - وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سببًا، ولما خصَّت به مقتضيًا، ولو قيل لك كيف صارت هذه الصورة، وهي مقصرة عن الأولى في الإحكام والصنعة، وفي الترتيب والصبغة، وفيما يجتمع أوصاف الكمال، وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وأوقع، لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددت ردّ المستهجم الجاهل، ولكن أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك، أن تقول موقعة في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق ... كذلك الكلام منثورة ومنظومة، ومجمله ومفصله تحد منه المحكم الوثيق، والجزل القوي والمصنع المحكك،

стр. 170

والمنطق المرشح قد هذب كل التهذيب وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى أضحى ببراءته عن المعايب، واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم تجد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك نجوة"١. ثم يضرب صورة للمصنوع المثقل بالألفاظ، والبدائع، من البيان، بشتى ألوانها، ويضرب صورة أخرى لما هو دون ذلك في الاهتمام، من لفظ سهل قريب المأخذ، ونظم خالٍ من الصنعة، يكاد يخلو من البيان والبديع، ومع ذلك لا تجد الصورة الأولى طريقها إلى القلب، وتجد الثانية في سحر وبراعة، وتستريح إليها النفس، وتغتريها من الغنوة والطرب، ما يجعلها للثانية، وتقتر من الأولى وتضعف، يقول القاضيك "وقد تنزل أبو تمام فقال: دعنى وشرب الهوى يا شارب الكاسي ... فإنني للذي حسيته حاسي لا يوحشنك استسجت من سقمي ... فإن منزله من أحسن الناس من قطع أوصاله توصيل مهلكتي ... وصل ألحاظه تقطيع أنفاسي متى أعيش بتأمل الرجاء إذا ... ما كان قطع رجائي في يدي باسي فلم يخل بيت منها، من معنى بديع، وصفة لطيفة، طابق وجانس، واستعار فأحسن، وهي معدودة من المختار من غزله -وحق لها- فقد جمعت على قصرها فنونًا في الحسن، وأصنافًا من البديع، ثم فيها من الإحكام والمتانة، والقوة ما تراه ولكن ما أظنك، تجد له من سورة الطرب، وارتياح النفس ما تجده لقول بعض الأعراب: أقول لصاحبي والعيس تهوى ... بنا بين المنيفة فالضمار تمتَّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العنية من عرار

стр. 171

ألا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة غب القطار وعيثك إذ يحل القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زاد شهور يقتضين وما شعرنا ... بإنصاف لهن ولا سرار فأما ليلهن فخير ليل ... واقصر ما يكون من النهار فهو كما تراه بعيد عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التنايل ١. خامسًا: وبهذا الفهم الواعي للصورة الأدبية يسبق القاضي الزمن، ويفرق بين الجمال والجلال فيها٢، فالجمال موضوعي، يستطيع للفنون بروعته أن يقف على أسبابه، ويحدّد بعض عناصره، ويدرك خصائصه فيها، ويتعرّف على مصادره في انتقاء الألفاظ، وسحر الكلمات، وإحكام التراكيب، وانسجام أجزاء النظم ومناسبة الوزن والقافية للمعنى، وسمو الخيال، وروعة التشبيهات، وحيوية الاستعارات، ووحى الكنايات، إلى غير ذلك من زهرات الرياض المتفتحة، ولا يحتاج في التعرف عليه من الناقد إلا ذوقه المستقيم، وإحساسه الصادق، ونفاذ البصيرة وحذق اللغة والإيمان بالفن الجميل. وأما الجلال وهو فوق الجمال وغايته التي يسمو بها إلى مرحلة الإعجاز، ولم يكن ذلك ولن يكون إلا في "القرآن الكريم" المتفرد بالإعجاز، وسمو البيان.

стр. 172

والجلال لا يعرف الناقد البصر كل وسائله، وجميع مصادره، وليس في طاقته القدرة على كشف دلائل ومعامله، وإن انتهى إلى البعض فيمظل حائرًا إلى الأبد، عن البعض الآخرن وينتهى في حيرة إلى القول، بأن الجلال في الصورة الأدبية، أو في نفسه، أو فيها معًا، وهنا يعجز العقل الذي يبرهن ويدلّل، ويترك للإحساس، والوجدان مملكته وسلطانه، فالقفل لوضوحه وتحديه له مجاله وله غاية ونهاية غالبًا، أما الإحساس والشعور لغموضه، فلا غاية له ولا نهاية فهو يدرك ما وراء الظاهر، ويحس وحده بالجمال المطلق، الذي هو في ذاته مصدر الجمال، وهو ما يقصده القاضي بالجلال في قول الأعرابي السابق: "لا نعلم - وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت بهذه المزية سببًا، ولما خصت به مقتضيًا..... إلى قوله: وهو بالطبع أليق". سادسًا: ويتعرض للصورة الأدبية في دفاعه عن المتنبي حين يقول: بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه ويردّ القاضي العيب الذي وجَّهه النقاد إلى هذه الصورة، حيث إن المشبه به وهو "وقوف الشحيح" الذي ضاع في الترب خاتمه، لا يوفي بالغرض في المشبه لأن الاستمرار في الوقوف على أطلال الحبيب، وترديد ذكريات الصبابة والعشق، فهذا يحتاج إلى وقت طويل يغيب فيه المحب عن الوجود، بينما البخيل لحرصه وشراهته فهو يجيد البحث عن خاتمة، ليحصل عليه بسرعة ولكن القاضي يصحح هذا الخطأ الذي ظنه النقاد عيبًا. في صورة المتنبي السابقة فيقول: "إن التشبيه والتمثيل قد يقع تارة بالصورة والصفة، وأخرى بالحال والطريقة فإذا كان الشاعر وهو يريد إطالة وقوه قد قال: إني أقف وقوف شحيح صناع.

стр. 173

خاتمه فإنه لم يرد للتسوية بين الوقولين في القدر والزمان والصورة، وإنما يريد: لأقفن وقوفًا زائدًا على القدر المعتاد، خارجًا عن حدِّ الاعتدال، كما أن وقوف الشحيح يزيد على ما سعرف في أمثالهن وما جرت به العادة في أضرابه". والقاضي يرى أن الصورة لا عيب فيها، لأن الشاعر يقصد في تصوره وقوف المحب وغيبوبته في ذكريات الحبيب، واقفًا في جنبات الأطلال، إنه وقوفه خارج عن المألوف، وكذلك الشأن في وقوف الشحيح في هذه الصورة، فهو يخرج عن عادة الناس، وإن أشار إلى الصورة بسرعة، ولم يقف عندها كثيرًا على عادة النقادة في عصره. وأنا مع القاضي في هذا، بل إن المتنبي أحكم صوره الصبّ، وأتقنها غاية الإتقان لأن البخيل يفني كله في سبيل جمع الأموال، وتراه في حرصه يبحث عنه كالمجنون ويقوم بحركات غريبة وتصرفات، متتابعة، ويقلب اليدين ويحرك الرجلين ويتابع النظرات ويستقصى كل جزئية حوله، ويعاود ويطاول ويجاهد من غير ملل ولا سأم ويصرعلى ذلك حتى يجد بغيته، وينال طلبته. وكذلك الشأن في المحب المقيم، حيثما يقف بطلل حبيبه، ومنازل ذكرياته الخوالي مشدوها مأخوذًا، غائبًا عن نفسه وعن الوجود كله، إلا في هذه الذكريات ومع تلك المنازل والأطلال. أبو هلال العسكري والصورة الأدبية: يتعصَّب أبو هلال للفظ، ويتعقَّب خطوات الجاحظ فيه، فينقل عباراته. كاملة في تفضيل الصياغة، وإنها موطن الجمال وحده فيقول:

стр. 174

وليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي، والقروي والبدوي وإنما هو في جودة اللفظ وصفاته: وحسنه، وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف" ١. تحديثه عن اللفظ وطلاوته، والسبك والتركيب، والنظم والتأليف، إنما يرجع غالبًا إلى التصوير، الذي لا يتمّ إلا بهذه الأمور، وبه يتحقَّق الجمال في العمل الأدبي فلولا الشكل لما تميَّز شاعر عن آخر، واتَّصف بالحذق والمهارة، حتى لو كان المعنى الذي يصوره وسطًا، فإنه يدخل في جملة الرائع من القول، لحسن عرضه، وحذق صناعته، وحلاوة لفظه وعذوبته وسلاسته. وهذا كله يدفع الخطيب والشاعر إلى المبالغة في التجويد والتصوير، ولو كان الأمر يرجع إلى المعنى لوفرا على أنفسهما تعبًا طويلًا ٢. وعدَّ أبو هلال قول الشاعر كثير عزة من الرائع النادر، مع بساطة معناه ودنوّ مادته، وإنما حظى بالجمال، بجودة صوغة، وروعة تصويره، قال كثير: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح إلى آخر الأبيات الثلاثة المشهورة، يقول أبو هلال معقبًا عليها: "وليس في هذه الألفاظ كثير معنى، وهي رائقة معجبة" ٣. وإن كان اهتمامه بالشكل واللفظ لا ينسيه المضمون والمعنى، فالشاعر يحتاج إلى شرف المعنى والإصابة نيَّة، كاحتياجه إلى الحسن في الصياغة، ونسج الألفاظ.

стр. 175

والمعاني كالأبدان والصورة كالثوب الذي يلف البدن، ويكسوه وقارًا ونبلًا، يقول أبو هلال: "الكلام ألفاظ تشتمل على معانٍ تدل عليها، ويعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى، ولأن المعاني تحلّ من الكلام محلّ الأبدان، والألفاظ تجري معها مجرى الكسوة" ١. وهكذا ترى أبا هلال العسكري يعوق للعمل الأدبي عناصره المكونة له كما فعل قدامة ويرفع مع ذلك من شأن اللفظ والصياغة كما فعل الجاحظ. واتجاه أبي هلال يجعله دون الجاحظ وقدامة في فهمه لصورة المعنى، فقد عدَّ الصورة كالكسوة، التي هي منفصلة عن البدن، ومستقلة عنه، فأصبح اللفظ عنده أجوف مجردًا من كل معنى وروح، ويجرّد اللفظ من القوة والحيوية. وهذا يدل على عدم أصالته، على عكس الجاحظ وقدامة، اللذين أعطيا الصياغة والتصوير نوعًا من الحيوية، من غير فصل يفقد الروح في اللفظ، فصورة الخشب ليست منفصلة عن مادته انفصال الثوب عن البدن، كما هو واضح في اتجاه العسكري الذي أوقفه في التقليد والخطأ، لأن العقل لا يتصور مطلقًا لفظًا من غير معنًى يرتبط به، وصنيع ابن سنان الخفاجي في كتابه سر الفصاحة هو صنيع أبي هلال نفسه ٢.

стр. 176

الباقلاني والصورة الأدبية: يربط الباقلاني ١ بين اللفظ والمعنى في الظاهر ولكنه في الحقيقة يفضل المعنى على اللفظ، لأن مقياس الجمال عنده: أن المعنى البارع، إذا جاء في لفظ بارع فهو أفضل من وقوع المعنى المألوف في لفظ بارع. ومثل هذا يلحقه بأنصار المعنى، وإن كان يرجع الفضل في إشارته إلى علاقة اللفظ بالمعنى، وإن لم يوضحها، ويعمق جوانبها، ويبين مدى الترابط التام بينهما لكن عبد القاهر الجرجاني أفاد منه كما أفاد من غيره. وعلى ذلك فمجال الصورة الأدبية لا يتحقق إلا في اللفظ البارع، الذي يحمل معنًى لطيفًا، يقول الباقلاني: "إن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعانٍ مبتكرة، ولكن إذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب، من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر" ٣. والعبارة الأخيرة تدل على عدم الدقة في فهمه لقضية النظم، لأن الألفاظ البارعة في المعنى تجعله شريفًا لطيفًا. ابن رشيق: والحسن بن رشيق ٣ يذكر في باب "اللفظ والمعنى" آراء السابقين عليه بعد ذكر رأيه فيهما فيقول:

стр. 177

"للناس فيما بعد آراء ومذاهب، منهم من يؤثر اللفظ على المعنى، فيجعله غايته ووكده، وهم فرق: "أ" قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب، من غير تصنيع كقول بشار: إذا ما غضبنا غضبة مضربة ... هتكنا حجاب الشمس أو قطوت دما إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة ... ذُرى منبر صلى علينا وسلما وهذا النوع أدل على القوة، وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار ... ب وفوقه هي أصحاب جلبة وقمقمة بلا طائل إلا القليل النادر كأبي القاسم ابن هانئ، ومن جرى مجراه، فإنه يقول: أصاخت فقال وقع أجرد شيظم ... وشامت فقالت لمع أبيض مخذم وما ذعرت إلا لجرس حليها ... ولا رمقت إلا يرى في مخدم١ وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد. جـ- ومنهم من ذهب إلى سهولة اللفظ، فعنى بها، واغتفر له فيها الركاكة واللين المفرط، وهم يرون الغاية في قول أبي العتاهية: يا إخوتي إن الهوى قاتلي ... فيسروا الأكفان من عاجل ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل إلخ الأبيات. ومنهم من يؤثر المعنى على اللفظ، فيطلب صحته، ولا يبالي حيث وقع من هجنة اللفظ وقبحه وخشونته. وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى" ٢.

стр. 178

وليست هذه الآراء هنا محل مناقشة فقد توقشت قل ذلك، والذي يعنينا منذ هو اتجاه ابن رشيق: والآراء السابقة في النص تحدَّد اتجاهه عن طريق النفي والسلب، فهو يستعرض مذاهب العرب في اللفظ والمعنى، لينفيها عن "جهته"، ويبني رأيه على نقائضها، فيكون من أنصار اللفظ والمعنى معًا: "النظم". ويرى أن الصورة في الشعر أو للنظم، تقوم على العلاقة بين اللفظ والمعنى، فلا اللفظ ينهض بالصورة والجمال، ولا المعنى كذلك، كالإنسان الحي، فكلاهما يسقط بسقوط الآخرن ويسمو بسموه يقول: "اللفظ جسم وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته"١. ولو اختلَّ التركيب في الشعر بعض الخلل، واستقام المعنى، هوى ركن من أركانه لا يقوى إلا به، كالعرج والشلل الذي يغض من تمام الخلقة وكمال الجسم، ويظل صاحبه حيًّا يتحرك هنا وهناك، وكذلك الأمر في ضعف المعنى، ينال من جمال اللفظ، ويكون النظم أشبه بالجسم الأجوف الفارغ الذي لا روح فيه، يقول ابن رشيق: فإذا سلم المعنى واختلَّ بعض اللفظ، كان نقصًا للشعر، وهجنه علية، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور، وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح - وكذلك إن ضعف المعنى، واختلَّ بعضه، كان اللفظ من ذلك أوفر حظًّا، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح" ٢. ويقرد ابن شيق أساسًا قويًّا، لم يسبق إليه، في فهمه للنظم، وتقديره للصورة

стр. 179

الأدبية، وهو ما وضحه الإمام عبد القاهر، وانتهى إليه النقد الحديث في أحدث نظرياته مع أن الأول في المغرب والثاني في المشرق. حيث نرى أن الخلل في المعنى يحدث من خلل في النظم، ورهن في العلاقات بين الألفاظ، فالمفعول الأول على صحة المعنى يرجع إلى النظم، ووضع الألفاظ في مواضعها، والصورة الأدبية لا تبدو إلا في هذه العلاقات، وذلك الالتحام بين الشكل والمضمون، وهو ما سبق به ابن رشيق غيره، وإن كان في إيجاز. فالفساد في المعنى أو الضعف فيه، يرجع إلى اختلال اللفظ، والمقصود باللفظ عنده هنا هو النظم والتركيب، وإلا كيف يختل اللفظ الواحد؟ كما يقال ألقى الخطيب كلمة، والمعنى كلام، وإلا لما شبه اللفظ بالجسد، وليس هو عضوًا واحدًا، بل أعضاء اشتركت جميعًا في بناء هيكله العام، وهو ما يقصد ابن رشيق من اللفظ، بدليل أنه عبر عنه بعد ذلك بقوله: "وإن اختلَّ اللفظ جملة"، يقول في ذلك: ولا تجد معنى يختلّ إلا من جهة اللفظ، وجربه على غير الواجب، قياسًا على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح. ووضح نظريًّا ما وصل إليه فيرى أن اختلال المعنى يرجع إلى تفكّك عرى الألفاظ واختلال مواضعها، التي من شأنها أن تكون فيها، كانغلاق الدائرة الكهربائية، ينتج عنها النور والحياة، وانفصال جزئية واحدة منها يقطع التيار فيعم الظلام، وكذلك لو اختلفت قطعة صغيرة، عن مكانها في آلة "اتوماتيكية" فإنها تتوقف عن عملها، الذي بمنزلة الروح في الجسد، ولا يعلم الإنسان أين مكانها، فربما تكون الروح في الجسد نتيجة لتمام أجزائه، واتخاذ كل جزئية في مكانها، وبذلك تسري في الجسد، واختيار الأعضاء المناسبة.

стр. 180

وتنسيقها وترتيبها وانتظامها وعلاقة بعضها ببعض، سر من أسرار الله وأمر لا يعلمه إلا هو ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وكذلك الأمر بالكس حين اختلاق الألفاظ يضعف المعنى ويسقط لأنه لا يعقل أن يكون في الحياة النافعة جسدًا بدون روح، ولا روحًا بدون جسد ألبته، يقول "فإن اختلَّ المعنى كله وفسد بقي اللفظ، مواتًا لا فائدة فيه، وإن كان حسن الطلاوة في السمع، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأس العين إلا أنه لا ينتفع به، ولا يقيد فائدة، وكذلك إن اختلّ اللفظ جملة، وتلاشى لم يصح له معنى لأنا لا نجد روحًا في غير جسم البتة ١. ولهذا يرى الناقد الأدبي، أن الجمال لا يكون إلا في النظم، لا في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، ويترتب على ذلك أن تكون الصورة الشعرية، في العلاقة التي تتم بين الألفاظ، وتكشف عن المعنى والمضمون المستقيم الصحيح. ويزداد تمسكًا بهذه الحقيقة النقدية الخالدة، وما انتهى إليه من جديد في فهم طبيعة اللغة والشعر حينما لم يقتنع بآراء السابقين من أنصار اللفظ مستقلًّا، وهم كثيرون وأنصار المعنى كذلك وإن كانوا قلة، وذكر رأيه أولًا، وطرح أقوالهم بقوله: "وللناس فيما بعدُ آراء ومذاهب". ثم يعقب على اتجاه ابن هاني، في عنايته بالجلبة والصخب في اللفظ، بدون كبير معنى، وينفي عنه الجودة وبرميه بالفساد يقول معقبًا: "وليس تحت هذا كله إلا الفساد، وخلاف المراد" وإن حكم له وبجودة هذا البيت حين يصف شجاعًا فيقول: لا يأكل السرجان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر
следующие страницы →