الباقلاني والصورة الأدبية:
يربط الباقلاني ١ بين اللفظ والمعنى في الظاهر ولكنه في الحقيقة يفضل المعنى على اللفظ، لأن مقياس الجمال عنده: أن المعنى البارع، إذا جاء في لفظ بارع فهو أفضل من وقوع المعنى المألوف في لفظ بارع.
ومثل هذا يلحقه بأنصار المعنى، وإن كان يرجع الفضل في إشارته إلى علاقة اللفظ بالمعنى، وإن لم يوضحها، ويعمق جوانبها، ويبين مدى الترابط التام بينهما لكن عبد القاهر الجرجاني أفاد منه كما أفاد من غيره.
وعلى ذلك فمجال الصورة الأدبية لا يتحقق إلا في اللفظ البارع، الذي يحمل معنًى لطيفًا، يقول الباقلاني:
"إن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعانٍ مبتكرة، ولكن إذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب، من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر" ٣.
والعبارة الأخيرة تدل على عدم الدقة في فهمه لقضية النظم، لأن الألفاظ البارعة في المعنى تجعله شريفًا لطيفًا.
ابن رشيق:
والحسن بن رشيق ٣ يذكر في باب "اللفظ والمعنى" آراء السابقين عليه بعد ذكر رأيه فيهما فيقول:
стр. 177
"للناس فيما بعد آراء ومذاهب، منهم من يؤثر اللفظ على المعنى، فيجعله غايته ووكده، وهم فرق:
"أ" قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب، من غير تصنيع كقول بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضربة ... هتكنا حجاب الشمس أو قطوت دما
إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة ... ذُرى منبر صلى علينا وسلما
وهذا النوع أدل على القوة، وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار ...
ب وفوقه هي أصحاب جلبة وقمقمة بلا طائل إلا القليل النادر كأبي القاسم ابن هانئ، ومن جرى مجراه، فإنه يقول:
أصاخت فقال وقع أجرد شيظم ... وشامت فقالت لمع أبيض مخذم
وما ذعرت إلا لجرس حليها ... ولا رمقت إلا يرى في مخدم١
وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد.
جـ- ومنهم من ذهب إلى سهولة اللفظ، فعنى بها، واغتفر له فيها الركاكة واللين المفرط، وهم يرون الغاية في قول أبي العتاهية:
يا إخوتي إن الهوى قاتلي ... فيسروا الأكفان من عاجل
ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل
إلخ الأبيات.
ومنهم من يؤثر المعنى على اللفظ، فيطلب صحته، ولا يبالي حيث وقع من هجنة اللفظ وقبحه وخشونته.
وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى" ٢.
стр. 178
وليست هذه الآراء هنا محل مناقشة فقد توقشت قل ذلك، والذي يعنينا منذ هو اتجاه ابن رشيق: والآراء السابقة في النص تحدَّد اتجاهه عن طريق النفي والسلب، فهو يستعرض مذاهب العرب في اللفظ والمعنى، لينفيها عن "جهته"، ويبني رأيه على نقائضها، فيكون من أنصار اللفظ والمعنى معًا: "النظم".
ويرى أن الصورة في الشعر أو للنظم، تقوم على العلاقة بين اللفظ والمعنى، فلا اللفظ ينهض بالصورة والجمال، ولا المعنى كذلك، كالإنسان الحي، فكلاهما يسقط بسقوط الآخرن ويسمو بسموه يقول:
"اللفظ جسم وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته"١.
ولو اختلَّ التركيب في الشعر بعض الخلل، واستقام المعنى، هوى ركن من أركانه لا يقوى إلا به، كالعرج والشلل الذي يغض من تمام الخلقة وكمال الجسم، ويظل صاحبه حيًّا يتحرك هنا وهناك، وكذلك الأمر في ضعف المعنى، ينال من جمال اللفظ، ويكون النظم أشبه بالجسم الأجوف الفارغ الذي لا روح فيه، يقول ابن رشيق:
فإذا سلم المعنى واختلَّ بعض اللفظ، كان نقصًا للشعر، وهجنه علية، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور، وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح - وكذلك إن ضعف المعنى، واختلَّ بعضه، كان اللفظ من ذلك أوفر حظًّا، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح" ٢.
ويقرد ابن شيق أساسًا قويًّا، لم يسبق إليه، في فهمه للنظم، وتقديره للصورة
стр. 179
الأدبية، وهو ما وضحه الإمام عبد القاهر، وانتهى إليه النقد الحديث في أحدث نظرياته مع أن الأول في المغرب والثاني في المشرق.
حيث نرى أن الخلل في المعنى يحدث من خلل في النظم، ورهن في العلاقات بين الألفاظ، فالمفعول الأول على صحة المعنى يرجع إلى النظم، ووضع الألفاظ في مواضعها، والصورة الأدبية لا تبدو إلا في هذه العلاقات، وذلك الالتحام بين الشكل والمضمون، وهو ما سبق به ابن رشيق غيره، وإن كان في إيجاز.
فالفساد في المعنى أو الضعف فيه، يرجع إلى اختلال اللفظ، والمقصود باللفظ عنده هنا هو النظم والتركيب، وإلا كيف يختل اللفظ الواحد؟ كما يقال ألقى الخطيب كلمة، والمعنى كلام، وإلا لما شبه اللفظ بالجسد، وليس هو عضوًا واحدًا، بل أعضاء اشتركت جميعًا في بناء هيكله العام، وهو ما يقصد ابن رشيق من اللفظ، بدليل أنه عبر عنه بعد ذلك بقوله: "وإن اختلَّ اللفظ جملة"، يقول في ذلك:
ولا تجد معنى يختلّ إلا من جهة اللفظ، وجربه على غير الواجب، قياسًا على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح.
ووضح نظريًّا ما وصل إليه فيرى أن اختلال المعنى يرجع إلى تفكّك عرى الألفاظ واختلال مواضعها، التي من شأنها أن تكون فيها، كانغلاق الدائرة الكهربائية، ينتج عنها النور والحياة، وانفصال جزئية واحدة منها يقطع التيار فيعم الظلام، وكذلك لو اختلفت قطعة صغيرة، عن مكانها في آلة "اتوماتيكية" فإنها تتوقف عن عملها، الذي بمنزلة الروح في الجسد، ولا يعلم الإنسان أين مكانها، فربما تكون الروح في الجسد نتيجة لتمام أجزائه، واتخاذ كل جزئية في مكانها، وبذلك تسري في الجسد، واختيار الأعضاء المناسبة.
стр. 180
وتنسيقها وترتيبها وانتظامها وعلاقة بعضها ببعض، سر من أسرار الله وأمر لا يعلمه إلا هو ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
وكذلك الأمر بالكس حين اختلاق الألفاظ يضعف المعنى ويسقط لأنه لا يعقل أن يكون في الحياة النافعة جسدًا بدون روح، ولا روحًا بدون جسد ألبته، يقول "فإن اختلَّ المعنى كله وفسد بقي اللفظ، مواتًا لا فائدة فيه، وإن كان حسن الطلاوة في السمع، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأس العين إلا أنه لا ينتفع به، ولا يقيد فائدة، وكذلك إن اختلّ اللفظ جملة، وتلاشى لم يصح له معنى لأنا لا نجد روحًا في غير جسم البتة ١.
ولهذا يرى الناقد الأدبي، أن الجمال لا يكون إلا في النظم، لا في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، ويترتب على ذلك أن تكون الصورة الشعرية، في العلاقة التي تتم بين الألفاظ، وتكشف عن المعنى والمضمون المستقيم الصحيح. ويزداد تمسكًا بهذه الحقيقة النقدية الخالدة، وما انتهى إليه من جديد في فهم طبيعة اللغة والشعر حينما لم يقتنع بآراء السابقين من أنصار اللفظ مستقلًّا، وهم كثيرون وأنصار المعنى كذلك وإن كانوا قلة، وذكر رأيه أولًا، وطرح أقوالهم بقوله:
"وللناس فيما بعدُ آراء ومذاهب". ثم يعقب على اتجاه ابن هاني، في عنايته بالجلبة والصخب في اللفظ، بدون كبير معنى، وينفي عنه الجودة وبرميه بالفساد يقول معقبًا: "وليس تحت هذا كله إلا الفساد، وخلاف المراد" وإن حكم له وبجودة هذا البيت حين يصف شجاعًا فيقول:
لا يأكل السرجان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر
стр. 181
ليرى أن تنسيق الألفاظ فيه، واختيار الكلمات، ووضع كل كلمة في موضعها، جعل البيت جيدًا، وحقَّق ما يصبو إليه الشاعر، من المدح بالشجاعة، وذلك كله راجع إلى اختيار الألفاظ، وعلاقة بعضها ببعض، حتى انتهت الصورة الشعرية إلى الغاية في الجودة.
ولو يدل الشاعر في النظم بتغيير بعض الألفاظ أو التقديم أو التأخير فيها، بأن كان الأعداء، هم كثير من قتل ممدوحه باليد؛ لكانت الصورة هجوًا له، وأنه ما ثبت في ساحة النضال لحظة، حتى قتل، ولكن الشاعر انتقى الكلمات، وأحكم النظم، ليحقق الغرض ويسمو بالمعنى، فأراد رياحًا لا رمحًا واحدًا - تتساقط عليه من كل جانب حتى كست جسده، وتعذر على الذئب أن ينهشه، فهو مصون في حياته ومماته، يقول ابن رشيق مع الإيجاز، الذي يوحي بما سبق:
"والعقير ههنا منهم، أي: لم يمت لشجاعته، حتى تحطم عليه من الرماح -ما لا يصل معه الذئب إليه كثيرة، ولو كان العقير هو الذي مقرّره هم، لكان ليت هجوًا لأنه كان يصفهم بالضعف والتكاثر على واحدًا١.
ولا يعتمد أيضًا برأي ابن وكيع الذي مثل المعنى بالصورة، واللفظ مثل، واللفظ حذو، والحذو يتبع المنال، فيتغير بتغيره، ويثبت بشانه"٢.
ولا يرضى عن قول العباس بن حسن العلوي في صفة البليع: "معاقبة قوالب ألفاظه" وغير ذلك من الآراء التي خالفها ليتميز رأيه ويتحدَّد اتجاهه وينفرد هو به.
стр. 182
ابن شرف القيرواني والصورة الأدبية:
يفضل ابن شرف المعنى على اللفظ، ويقدَّمه عليه، فمرجع الجمال في العبارة، ومجال الروعة في الصياغة، يكون في المعنى، ثم يأتي بعد ذلك اللفظ، فهو دونه في المرتبة والدرجة، فإن كان المتفي رائقًا، فلا عليه أن يقع في لفظ رائق بارع. ولا يعتمد إلا بالمعنى الذي يسكن اللفظ، أي: لفظ يقول:
فإن كان "أي المعنى" في البيت ساكنًا، فتلك المحاسن، وإن كان خاليًا فاعدده جسمًا باليًا"١
الإمام عبد القاهر الجرجاني ٢:
وبعد الشوط الطويل يأتي فارس الميدان، وأستاذ النقد العربي القديم الإمام القاهر، ويصلنا وهو في القرن الخامس الهجري بما انتهى إليه النقد الحديث في القرن الخامس عشر، في توضيح معالم الصورة الأدبية.
ولا يظن القارئ الكريم أن من ذكرتهم قبل الإمام من النقاد العرب ليسوا هم وحدهم الذين تكلموا في اللفظ والمعنى، وما تفرع عن ذلك من النظم والصورة. بل هناك غيرهم كثيرون منهم الصاحب بن عباد، والمرزوقي وغيرهما، وكذلك فعل جار الله الزمخشري بعده، وغيره مما سار على نهج ما ذكرت من فهمهم للصورة وتحليلها ونقدها. مما جعلني أستقصي في نمو وتحليل، وتفصيل وموازنة واستنتاج كل المراحل التي مر بها مفهوم الصورة الأدبية، وذلك ما دعاني إلى الاكتفاء بأشهر الأعلام في النقد القديم. على أن الإمام عبد القاهر، يكفي عمن ذكرتهم، ومن لم أذكرهم، لسعة ثقافته، وفرط ذكائه، فقد أفاد من هؤلاء جميعًا حتى انتهى إليه القول في النظم والتصوير الأدبي قديمًا.
стр. 183
فإذا حدَّد الإمام معنى النظم، ليصل عن طريقه إلى الصورة، فإنما يحدِّده بناء على مشاركة منه مع النقاد الذي سبقوه، فهم جميعًا قد شاركوا كلٌّ بقدر، واستقطبت عبقرية الإمام كل المنابع الثرة، وتجمعت في نفس واحدة، لتخرج قضية النظم والصورة، ممتزجة بروح ذلك الناقد القديم، وفاضت عن ذوقه الأدبي وأصالته المتميزة، مما يخيل للدارس أنها من صنعته، ومن ابتكار شخصه. وتلك عظمة العباقرة في قدراتهم، فإنها توهم الغير بأن أصحابها وحدهم هم أهل الفضل فيها وصلوا إليها، ولا فضل للعصور السابقة عليهم، ولا لمن سبقه ومهد له الطريق ولا لعصره عليه.
والحق أننا في الحكم عليه بشخصيته الفذة وعقليته الخارقة، وعبقريته المجددة المتنكرة، لا يصح أن نغمط حق من قبله، وحق العصور السالفة عليه، وفضل عصره عليه، الذي هام الناس فيه باللفظ، وقد ثبت أركانه الجاحظ، حتى كاد الشكل في الصورة يقضي على الأدب، ووقف بجانب أنصار اللفظ وهم كثير، وجمع قليل بناصر المعنى، ثم تلك العامية التي انتشرت في عصره، وأوشكت أن تقضي على جمال اللغة.
وفي وسط هذا الصراع بتياراته المختلفة تمكن أهل المجال والطاعنون في إعجاز القرآن وبلاغته من المساس بأعظم مقدساتنا لرأي باللفظ جعل الطاعنين يذهبون إلى دعاوى باطلة كمثل قولهم: إن اللفظ عربي، والعرب أقدر على الناس على مجاراته، ولذا فهم يستطيعون الإتيان بمثله، ولكن الله صرفهم عن ذلك لتظل هيبة القرآن في النفوس متفردًا بالجلال والإعجاز، والرأي بالمعنى جعل طائفة تنفي الإعجاز أيضًا لأن الأمر يتصل بالمعنى وليس هذا في طاقة العرب وفي قدرة البشر.
وفي كلا الأمرين تسقط المعارضة، ولا تصح المجارة فالتفوق والتفاوت لا يتم
стр. 184
في أحدهما، إلا إذا أمكن التحدى حتى يتحقق العجز من المعترض من ناحية، ويسمو القرآن بإعجازه في ميدان المعارضة من ناحية أخرى، يقول الإمام عبد القاهر في خط نصرة المعنى:
"واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه، إلا لأن الخطأ فيه عظيم وأنه يقضي بصاحبه، إلى أن ينكر الإعجاز، ويبطل التحدِّي من حيث لا يشعر، وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أنه لا يجب فضل ولا رمزية إلا من جانب المعنى ١".
وهذا الصراع هذا الذي اضطر الإمام إلى حسم القضية في عمق، وإلى أن يقيم الأدلة والبراهين - في تحليل أدبي وإطالة وتفصيل- ليقف على مصادر العظمة، وموارد البلاغة في كتاب الله، وأساس التفرد والإعجاز في معجزته الخالدة.
ويضيف في حديثه عن القرآن الكريم نماذج رائقة من الأدب العربي، لأن اللغة واحدة وهي اللغة العربية، وردَّ الأساس والمصدر في ذلك إلى ما نحن بصدده الآن وهو النظم، وما يتبع ذلك من التصوير الفني الأدبي، في لغتنا الحية الثرية.
والإمام عبد القاهر يتناول الصورة الأدبية في موطنين: أحدهما حينما يتحدث عن قضية النظم، وثانيها حينما يتكلم عن مشكلة السرقات الأدبية في الشعر العربي، وسنتناول ذلك بإيجاز، نقصد من ذلك بيان مفهوم للصورة الأدبية ومعالمها في نقدنا العربي الأصيل القديم، ومدى الصلة بينها وبين مفهومها في النقد الحديث.
стр. 185
أولا النظم:
وقف الإمام قبل أن يرسي قواعد النظم ويحدّد معالم الصورة موقف الباحث الدقيق، والناقد الذواقة الأديب، من أنصار اللفظ، وأنصار المعنى، ليضع الأساس الثالث وهو النظم ويفنّد ما انتهى إليه السابقون حيث قالوا: "إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث ١ نبيّن موقفه من المعنى على حدّة، ثم اللفظ على حدّة، ليسلم له الأساس الفني الدقيق في الصورة وهو النظم. وما تلجلج الإمام في موقفه من كل من اللفظ والمعنى، قبل أن يستقر في النهاية إلى قضيته كما زعم بعض المعاصرين ٢. ولكن الرجل على عادته، كان يهدم جزءا جزءا وقيل أن يهدم يحدّد الخصائص اللازمة للفظ على انفراد، وكذلك المعنى، فيحدد صفات اللفظ البليغ، ويتخير منه ويعلي من قدره منفردًا على المعنى ثم في موطن آخر يبرز سمات المعنى ويعلي من شأنه منفردًا فإذا انتهى إلى النظم، لم يعط الميزة للفظ وحده حتى يفضل المعنى، ولا يمنح الدرجة للمعنى حتى يسمو على اللفظ، فلا هذا ولا ذاك، وإنما الفضل الحق أن يكون للثالث وهو النظم وكفى٣ فالإمام أعطى لكل حقه على انفراد، ولا قيمة لكل منهما وحده في الصورة وإنا يستحقان هذه القيمة، بل أكثر منها، إذا ارتبطا بالنظم وهو وحده له القيمة الكبرى في الصورة الأدبية. فأما سمات اللفظ عنده، والخصائص التي ينبغي أن تكون فيه هي كما يقول: "أن اللفظة مما يتعارفه الناس واستعمالهم، ويتدا$$ ولونه في زمانهم، ولا يكون وحشيًّا غريبًا، أو عاميًّا سخيفًا
стр. 186
سخفه بإزالته عن موضوع اللغة، وإخراجه عما فرضته من الحكم والصفة ١ ويقول: "أن يكون حروف الكلمة أخف وامتزاجها أحسن، ومما يكد اللسان أبعد٢ ولكن الإمام يخشى على نفسه أن يكون متهمًا بأنه من أنصار اللفظ وحده، والجمال مقصور عليه فبعثور عليهم وينكر عليهم ذلك بشدة فيقول: "لا جمل في اللفظ من حيث صوت مسموع، وحروف تتوالى في النطق، وإنما تكون ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب٣.
ويقول: "هل تجد أحدًا يقول هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمته معناها لمعاني جارتها، وفضل مواستها أخواتها ٤ ".
ويضربهم بأنصار المعنى فيقول: "إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيب الألفاظ بل تجدها تترتب لك بحكم أنها حدم للمعاني وتابعه لها وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ والدالة عليها في النطق٥ ". ويطمئن أنصار المعنى لمذهبهم لوقت ما، بعد أن انتقض مذهب منافسيهم فيقرّر الخصائص التي يشرف بها المعنى، بأن تكون غريبة نادرة، أو تشتمل على حكمة أو أدب " يقول:
"واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه، من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبًا، أو حكمة، وكان غريبًا نادرًا، فهو أشرف مما ليس كذلك بل عابوه.
стр. 187
لأجل الاعتداد بهذا الشرف وحده، وعدم النظر إلى ما سواه، وإن كان من الأول بسبيل أم متصلًا به اتصال ما لا ينفكّ عنه١".
ثم ينور عليهم ليحطم مذهبهم في المعنى مع اعتماده خصائص في ذاته فيقول: "واعلم أن الداء الدري والذي أعيا أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه، وأقل الاحتفال باللافظ، وجعل لا يعطيه من المزية، إن هو أعطى إلا ما فضل من المعنى يقول: ما في اللفظ لولا المعنى، وهل الكلام إلا بمعناه٢".
وبعد أن هوى بالمذهبين أخذ يترفق بأصحابهما، لعلهما يجدان الصواب معه كما وقع له فيقول: "أتراك استصغت تجنيس أبي تمام":
ذهبت بمذهبه السماحة فالقوت ... فيه الظنون مذهب أو مذهب
أو استحسنت تجنيس القائل:
حتى تحيا من خوفه وما يحب
وقول المحدث:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني
لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول، وقويت في الثاني ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفًا مكررة، تروم لها فائدة، فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة
стр. 188
ووفاها ... إن ما يعطي التجنيس من الفضيلة لم يتم إلا بنصرة المعنى، ولو كان فيه مستحسن ولما وجد فيه معيب مستهجن".
إذن فلا بد عند الإمام من الانتصار لهما معًا، ولن يتم الفضل للكلام إلا بالنظم وبعد أن أقنع الفريقين، أخذ يقرّر مبدأه الهام ونظريته في اللغة، وليست هي حشدًا من الألفاظ، ولا اهتمامًا بالمعاني الغريبة النادرة، بل اللغة علاقات بين ألفاظها لا تعرف إلا بارتباط بعضها ببعض لتوضح ما في الذهن من علائق على جهة الرمز لا النقل يقول الإمام:
"إن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسهان ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علم شريف، وأصل عظيم والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة، إنما وضعت ليعرف معانيها في أنفسها، لأدَّى ذلك إلى ما لا يشكّ عاقل في استحالته وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لتعرفها بها....
حتى كأنهم لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنها تجهل معانيها، فلا نعقل نفيًا ولا نهيًا ولا استفهامًا ولا استثناء، وكيف والمواضعة لا تكون ولا نتصور إلا على معلوم؟ فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة فكما أنك إذا قلت: خذ ذاك لم تكن هذه الإشارة، لتعرف السامع المشار إليه في نفسه، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي نراها ونبصرها، كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له، ومن هذا الذي يشك أننا لم نعرف الرجل والفرض والضرب والقتل إلا من أساعها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل زيد أن تعرف المسمى بهذا.
стр. 189
الاسم، من غير أن تكون قد شاهدته، أو ذكر لك بصفته ... وإذا عرفت هذه الجملة، فاعلم أن معاني الكلام كلها معانٍ لا نتصور إلا فيما بين شيئين الأصل والأول هو الخبر، إذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع، ومن الثابت في العقول، والقائم في النفوس أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبريه ومخبر عنه، ومن ذلك استمتع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء، وكنت إذا قلت أضرب لم تستطيع أن تريد منه معنى في نفسك من غير أن تريد الخير به عن شيء مظهر أو مقدر، وكأن لفظك به إذا أتت لم ترد ذلك، وصوت تصوته سواء ١".
والإمام هنا يقرر أن ألفاظ اللغة لا أهمية لها مفردة، لنتعرف على معانيها في ذاتها، ولكنها وضعت لأن يضم بعضها إلى بعض، ويتعلق بعضها ببعض حتى تعرف معانيها، وتبلغ الغرض منها، فلو أردنا أن نعرف ما يدل عليه كلمة "فرس" محددًا محصورًا، لما استطعنا ذلك، لأنه اسم جنس عام لا وجود له، إلا في أفراده فإذا وقع بين ألفاظ أخرى في عبارة كما تقول: "فرس في الحديقة" فقد دلَّت الكلمة في التركيب على منظور، ورمزت إلى شيء معين، ولم يكن المسمى في الحديقة هو كل المعنى للكملة السابقة.
ولذلك استطاع عبد القاهر عن طريق الكشف لرمزيه اللغة، أن يعتبر اللفظ الذي يرمز إلى معنى لا وزن له مفردًا، ولا ينهض وحده بتصوير معناه، إلا إذا اشترك مع غيره، وارتبط بألفاظ أخرى، في نظم محكم، عند ذلك يكون لكل لفظ قيمة يقدر اشتراكه في تحديد الصورة العامة للمعنى المراد، ويكون حينئذ للنظم
стр. 190
وحدُّه الميزة في الكشف عن المعاني المبهمة واضحة ومحددة، بينما يعجز اللفظ عن النهوض بالمعنى وحده، ولا يتصور حدوث ذلك بالمعنى الذهني المجرد، لأن السامع لا يعرف عنه شيئًا إلا إذا أشار المتكلم إليه بكلمة ترمز إليه، فيحرك الرمز الصورة الذهنية المترسبة في الباطن، ازدحام الصور الأخرى في الذهن لألفاظ اللغة التي اكتسبها الإنسان في حياته".
وقد فسر ذلك د. مندور بالرمزية في اللغة، التي وصل إليها النقد حديثًا في القرب وألحق عبد القاهر يواضع هذه النظرية "فقت"١.
وألا مع الدكتور نايل ٢ في أن الإمام قد سبق النقد الحديث إلى هذه النظرية وبرع فيها واتخذها وسيلة للكشف عن أهمية النظم، وقدرته على تصوير المعنى والغرض بدقة وإحكام.
ولم يبق للإمام عبد القاهر بعد هذا الصراع إلا أن يحدّد معنى النظم، لترتقي منه في النهاية إلى توضيح معالم الصورة الأدبية عنده.
وفي تحديد معنى النظم يقول: "واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علمًا لا يعترضه للشك، أنه لا نظم في الكلم، ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك ... وإذا كان كذلك تعاقبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبقاء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها، ما معناه وما محصوله ٣؟..
стр. 191
فيصبح الاسم فاعلًا لفعل أو مفعولًا أو خبرًا أو مجرورًا أو استفهامًا أو شرطًا إلى غير ذلك من ألوان العلاقات في علم النحو، الي يربط بين النظم فيقول عبد القاهر: واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيع عنها ... وذلك أن لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه فينظر في وجوه الحال، وفي الحروف والفرق بينها بعضها عن بعض وفي حروف العطف والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإضمار والإظهار والجمع والتقيم، والتشبيه التمثيلي ١.
وحينما نتخذ الكلمة بخصائصها السابقة مكانها من النظم المبني على معاني النحو، تتألف الصور الأدبية عند الإمام، لأن في الصيغة كلمات مرتبطة، وجملًا مشدودة بعضها ببعض في اتساق وإحكام ليتم عن التصوير الدقيق للغرض من الصياغة والنظم يقول عبد القاهر عن الصورة الناتجة من النظم:
"إنك ترى الرجل فلا يهتدى في الأصباغ، التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يهتد إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، وكذلك حال الشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه، التي علمت أنها محصول النظم ٢".
стр. 192
لذلك أصبح النظم عنده وسبيل الكلام لديه هو "سبيل الصياغة والتصوير وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع عليه التصوير والصوغ كالفضة والذهب، يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم، في جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع عليه العمل والصفعة كذلك محال إذا أنت تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام، أن تنظر في مجرد معناه، وكما أننا لو فضلنا خاتمًا على خاتم، بأن يكون فضة هذا أجود، أو فضته أنفس، لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتًا على بيت من أجل معناه ألا يكون تفضيلًا له، من حيث هو شعر وكلام، وهذا قاطع فأعرفه ١".
هذا إذا كانت الكلمة التي اتخذت مكانها من النظم قامت على الحقيقة، لا تمت إلى الخيال بصلة، فكيف يراها الإمام إذا نبعت الكلمة من منابع الخيال الثرة، والخيال كما نعلم حديثًا عنصر حيّ من أهم عناصر الصورة الأدبية في النقد الحديث، وعبد القاهر يرى أنه رافد من روافدها الكثيرة، وأعظمها هو النظم، وهو الأساس الذي بدونه لا يقبل الخيال ولا تحسن وسائله، فلو وقعت استعارة في نظم، فالجمال في الصورة لا يرجع إلى الاستعارة فقط، ولكنه يرجع أولًا إلى جمال النظم، وإنما الاستعارة التي وقعت موقعها من الجملة، أو التركيب قد زادت النظم جمالًا على جمال.
فالكلمة المستعارة مثلًا هنا حققت غايتين: إحداهما الجمال الذي نبع من موقع الكلمة في النظم، واتخاذها الوضع اللائق بها، وثانيهما الجمال الذي أضافه الخيال على الكلمة، ولكن الجمال الثاني لا اعتبار له إلا بالنظم الذي تتألف منه الصورة،
стр. 193
ولذلك لو اختلَّ النظم - مهما حوى من وسائل الخيال - سقطت الصورة وتجرَّدت من كل عناصر الجمال.
وهذه نظرية دقيقة من الغمام في الصورة، أغفلها النقد الحديث إلا نادرًا كما سنرى ويذكر اتجاهه في مواطن كثيرة منها قوله بشأن الاستعارة:
"واعلم أن هذا - أعنى الفرق ب ين أن تكون المزية في اللفظ، وبين أن تكون المزية في النظم - باب يكثر فيه الغلط، فلا تزال ترى مستحسنًا قد أخطأ بالاستحسان موضعه فينحل اللفظ ما ليس له، ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام، قد حسن من لفظه ونظمه، فظنت أن حسنه ذلك كله للفظ دون النظم، مثال ذلك أن تنظر إلى قول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العدا ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق
فترى أن هذه الطلاوة، وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النظر يجمح، وليس هو لذلك، لأن قال في أول البيت "وإني" حتى أدخل اللام في قوله "لتجمع" ثم قوله: "مني" ثم لأن قال: "نظرة" ولم النظر مثلًا؟ ثم لمكان "ثم" في قوله "ثم" أطرق" وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف كلها، وهي اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله: "على إشفاق عيني أخرى نصرت هذه اللطائف كلها، وهي اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله:
"على إشفاق عيني من العدى"، وغير ذلك كثير من ألوان الخيال التي وفد إليها الجمال عن طريق النظم.
وبهذا العمق في التناول والاستقصاء، اعتدّ عبد القاهر بالنظم وحده في تأليف الصورة وتكون أركانها، كما هو واضح في نقده لأبيات كثيرة عزة، التي استحسنها بعض النقاد قبله لتفرد ألفاظها بالجمال، مع أنها لا تحمل كبير معنى،
стр. 194
وخالفهم الإمام وبين لهم أن الجمال فيما يرجع إلى حسن النظم، وبه يرتفع حيث يقول عقب قول كثير السابق:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
.... إلخ الأبيات.
قال الإمام لائمًا عليهم صفيفهم "ثم انظر هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم متصرفًا إلا إلى استعارة وقعت موقعها، أصابت غرضها، أو حسن ترتيب تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن.... إلى قوله الذي بين فيه وجه الصواب، فقل الآن هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها، حتى إن فضل الحسنة يبقى لتلك اللفظة، ولو ذكرت على الانفراد، وأزيلت عن موقعها من نظم الشاعر ونسجه وتأليفه وتوصيفه، ثم يقول بعد أن يشبه النظم فيه اللآلي، في العقد بل حق هذا المثل أن يوضع في نصرة بعض المعاني الحكيمة والتشبيهية بعضًا، وازدياد الحسن منها بأن تجامع شكل منها شكلًا، وأن يصل الذكر بين متدانيات في ولادة العقول إياها ومتجاورات في تنزيل الأفهام لها".
ولاهتمام عبد القادر بالنظم وعنايته به جعل بعض النقاد يزعم أنه شكلي لا يهتم بشرف المعنى وندرته، لذلك استحسن الصورة الأدبية السابقة للشاعر كثير، مع أنها لم تحفل بمعنى شريف.
والذي أراه أن نظرية عبد القاهر في النظم والصورة بريئة من الشكلية الصرفة التي اتهم بها، ونستطيع دفعها بالتالي:
стр. 195
أولًا: أنه اهتم أولًا بالمعنى المفرد، وأعطى له سمات النبل والشرف وسبق ذلك في موضعه.
ثانيًا: النظم ينبني على اختيار معاني الألفاظ، وانتقائها، ثم تآلف هذه المعاني والتوخي بينها، ولا شك أن هذا يثبت المعنى في النظم شرفًا ونبلًا١.
ثالثًا: الصورة الأدبية التي تألفت من خيوط النظم إنما يرجع جمالها وسحرها إلى ما تحققه من شرف الغرض وسمو المغزى.
رابعًا: وعلى ذلك فاهتمام عبد القاهر بالنظم والصورة إنما هو من أجل المعاني والأغراض، التي تكون الصورة خير سفارة عنها، وأقواها توصيلًا إلى النفس وتأثيرًا فيها.
خامسًا: وأدَّى اهتمامه بالمعنى والغرض، إلى أن يرتقي بالصورة إلى ما وراء الحس الظاهر عن طريق الوحي في الصورة، وهو ما يسميه عبد القاهر "بمعنى المعنى" "الذي يزيد المضمون شرفًا.
ويرى أنه ليس من المراد من الألفاظ في التراكيب ظواهر معناها فقط، ولكن يراد فوق هذا أن يشار بمعانيها إلى معانٍ أخرى "حتى يكون هناك متجاز واتساع، وحتى لا يراد من ألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ولكن يشار بمعانيها إلى معانٍ أخرى" ٢ ويجلي "معنى المعنى" وضوحًا، لعنايته التامة به.
ولكن بذلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية إلى الغرض٣ ويضرب لذلك أمثلة عدَّة منها قولهم: "كثير
стр. 196
رماد القدر" وينتقل اللفظ فيه إلى المفهوم الذي هو المعنى الوضعي للغة إلى معنى الكرم، وهذا المعنى هو معنى المعنى، والمعنى الأول، هو الوضعي بمثابة الوشي والمعارض للمعنى الثاني، الذي قصد إليه عن طريق معنى المعنى، والمعنى الثاني، هو الذي كسى ذلك الوشي وزينه وحلى به ١.
ويضيف إلى مفهوم الصورة فوق ما تقدم إيضاحًا لمعالمها، وكشفًا لجوانبها، مشاركة الألفاظ، بموسيقاها، ودلالتها الصوتية مما يزيد حسن النظم وجمال التأليف فتثري الصورة بعناصر عديدة تمنحها القوة والتأثير.
ولذلك ينبغي ألا تكون الكلمة غريبة وحشية، بل مألوفة للسمع، مستعملة غير مهجورة، وحروفها خفيفة، منسجمة بعضها مع بعضن متلائمة مع معناها، وأن تتواءم بسماتها الساقة مع جاراتها في النظم، إذ لا اعتداد بها مفردة، إلا حينما يتسق مغانيها بعضها مع بعض يقول "أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن، وهل تجد أحدًا يقول هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها " ٢.
ويقول: "فلا جمال إذن في اللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوالى في النطق، وإنما يكون ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب.
فالملاءمة بين حروف الكلمات، وخفة المنطق بها، وتناسبها مع معناها شدة أو لينًا وخفة وثقلًا، كل ذلك حسن للألفاظ لا شكّ فيه، راجع إلى ذاتها ولكنه يزيد النظم فضلًا، إذا وقعت منه في مكانها، كالشأن في ألوان الخيال.
وينتقي أقوى أنواع الإيقاع في النظم، وأعمق موسيقى في التأليف،
стр. 197
كالمزاوجة بين معنيين في الشرط والجزاء، والتعليق والتقسيم مع الجمع، والتنبه المتمدد والمركب حيث تتجاوب أصداء النظم مع أنغام الموسيقى، التابعة من زوايا متعدّدة لتشارك في جمال النظم الذي تتألف منه الصورة الأدبية ويذكر تحت عنوان "فصل في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع" فيقول:
"واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتحد أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتدّ ارتباط ثانٍ منها بأول وأن يحتاج في الجملة إلى أن تصعها في النفس وضعًا واحدًا، وأن تكون حالت فيها حال الباني، يضع بيمينه ها هنا في حال ما يضع بيساره هناك نعم وفي حال ما يبصر مكانًا ثالثًا، ورابعًا بعضهما بعد الأولين، وليس لما يجيء في هذا الوصف حدّ يحصره أو قانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتَّى، وأنحاء مختلفة فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط، والجزاء معًا كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج به الهوى ... أصاخت إلى فلج بها الهجر
ويضرب الأمثلة لأنواع مختلفة من موسيقى النظم إلى أن يقول: ونوع ثالث هو ما كان كقول كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للعقيل اضمحلت
ثم ذكر منه التنسيم مع الجمع والتشبيه المتعدد والمركب١.
وملاءمة وضع الكلمة مع أختها في الشطرة، ثم ملاءمتها مع الشطرة الأخرى،
стр. 198
ثم ملاءمة البيت مع البيت، ومع أبيات القصيدة، وهكذا حتى يتم النظام الهندسي الموسيقي للقصيدة، لأن الرجل مغرم في الاهتمام بالأجزاء إلا نادرًا، لاعتقاده أن استقامة الجزء، وملاءمته مع الآخر سيؤدي في النهاية إلى سلامة الإيقاع في القطع أو القصيدة ١.
واهتمام الإمام بالجزئيات في النظم دعا بعض النقاد ٢ أن يقصر عنايته التامة بالجزئية فحسب، ولم يهتم بالصورة الكلية في الأدب العربي ونقده.
والحق أنه وجه اهتمامه للصورة الجزئية إلا نادرًا، وكان الدكتور نايل موفقًا حينما أثبت أن الإمام تناول الصورة الكلية في نقده قليلًا، نظريًّا وتطبيقيًّا، ومن أراد تفصيلًا فليرجع مشكورًا إلى كتابه دفعًا للإطالة ٣.
والذي أحب أن أذكره هنا ما أشار إليه الإمام من العناية بالصورة الكلية في قوله:
"واعلم أن من الكلام، ما أنت ترى المزية في نظمه الحسن، الأجزاء من الصيغ تتلاحق، وينضم بعضها إلى بعض، حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لم تكبر شأن صاحبه ولا تقضي له بالحذق، والاستاذية، وسعة الذرع، وشدة المنة، حتى تستوفي القطعة وذلك ما كانت من الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري ٤:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
إلخ الأبيات ٥.
стр. 199
ومن الصور الكلية التى تناولها أيضًا قول ابن الرومي:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلًا توردها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورد لونه ... إلا وناحله الفضيلة عاند
للنرجس الفضل المبين وإن أبي ... آبٍ وحاد عن الطريقة حائد
وفضل القضية أن هذا قائد ... زهر الرياض وأن هذا طارد
شتان ما بين اثنين هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد
ينهى النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسماع مساعد
اطلب بعقلك في السماع سميه ... أبدًا فإنك لا محالة واحد
والورد إن فكرت في اسمه ... ما في الملاح له سمى واحد
هذي النجوم هي التي ربيتها ... بحيا السحاب كما يربى الوالد
فانظر إلى الأخوين من أدناهما ... شبهًا بوالده فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد
وترتيب الصفة في القطعة أنه عمل أولًا على قلب التشبيه فشبَّه حمرة الورد بحمرة الخجل، ثم تناسى ذلك وخدع عنه نفسه، وحملها على أن تعتقد أنه خجل على الحقيقة، ثم لما اطمأن ذلك في قلبه، واستحكمت صورته طلب لذلك الخجل علة، فجعل علته أن فضل على النرجس، ووضع في منزلة ليس يرى نفسه أهلًا لها، فصار يصوب من ذلك ويتخوف عقيب الغائب وغميرة المستهزي وتجد ما يجد من مدح مدحه يظهر الكذب فيها، ويفرط حتى تصير كالهزء بمن قصد بها، ثم زادته القطنة الثاقبة الطبع المثمر في سحر البيان، ما رأيت من وضع وحجاج في شأن النرجس، وجهة استحقاقه على الورد فجاء يحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له١.
стр. 200
أشار الإمام إلى للصورة الكلية في القطعة السابقة لابن الرومي وإن لم يصرح بها وقد ذكرها في معرض التنبيه؛ حيث شبه حمزة الورد بحمرة الخجل تشبيهًا مقلوبًا، ولو كان حديثه عن الصورة الجزئية لوقف عند هذا الحد، ولكنه استمرّ في تحليل الصورة كلها ليقف على مواطن الحسن فيها غير مكتفٍ بالتشبيه فقط، الذي يدل على ذلك الفقرة الأخيرة حيث قام النرجس بقطنته الثاقبة لتقديم الحجج والأدلة ليستحق الفضل على الورد وينال الشرف وحده ثم ختم حديثه بقوله فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له.
وصحيح أن الإمام لم يصرح بلفظ الصورة الكلية إلا أن تحليله يدل عليها، وتناول غيرها في الدلائل في قطع صغيرة تشبه السابقة، وفي بعض آيات القرآن الكريم.
ثانيًا: للصورة الشعرية في باب السرقات:
ولن يكون حديثنا هنا عن السرقات الأدبية فذلك له مجال آخر، ولكن الحديث سيكون عن الصورة الأدبية التي كشف عنها الإمام أثناء حديثه عن السرقات.
ولذلك تراه يتصدَّى للقوم، ويصف رأيهم بالخطأ المحض، لأنهم اعتبروا الصورتين المختلفتين لمعنًى واحد يعدان شيئًا واحدًا، ولا تفاوت بينهما؛ لأن المعنى في الصورة الأولى هو نفسه في الصورة الثانية، إنما الاختلاف في هئة النظم وتركيب الصورة وهذا لا يفيد شيئًا.
ويوضح لهم بأن التفاوت بين الصورتين على هذه الصفة السابقة أمر محتم ولازم، وأن التغاير في المعنى بعد التصوير جاء نتيجة الاختلاف في هيئة الصورة،
стр. 201
مع أن المعنى كان واحدًا في البداية، فتباين الصورتين عليه أعطى لهما معنًى جديدًا.
ولا يعقل أن يتم الاتفاق بينهما إلا في حالة واحدة، حينما يغيّر الشاعر المتأثر كل لفظة عند الشاعر الأول بلفظة تشبهها في المعنى، وهكذا حتى آخر الصورة فيكون بين الصورتين اتفاق تام ولا تفاوت بينهما؛ لأن الشاعر الثاني لم يعرض للمعنى في نظم أو صورة جديدة يقول الإمام عن القوم: "وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا للكلامين على الكلمتينن فلما رأوا إذا قيل في الكلمتين أن معناهما واحد لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن للمعنى في أحدهما حال لا يكون له في الأخرى، ظنوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل، وقد غلطوا فأفحشوا، لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين مثل صورته في الآخر البتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في بيت الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبنيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ذر الفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس
وما كان هذا سبيله كان بمنزل من أن يكون به اعتداد.... ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحل من يوصف بأنه أخذ معنى، ذلك لأنه لا يكون بذلك صانعًا شيئًا يستحق أن يدّعى من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة وقائل شعر ١....".
стр. 202
لأن اللفظ للفرد، لا يمكن أن يخفى المعنى، إنما الذي يخفيه النظم والصورة ولو كان المعنى معادًا على صورته وهيئته وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئًا غير أن يبدل لفظًا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالًا؛ لأن اللفظ لا يخفى المعنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها١".
وكذلك ليست العبرة بمعنى اللفظ في نفسه وذاته، بل في نظمه وصورته كما لا يكون الذهب بنفسه وإنما بصورته خاتمًا كان أو سوارًا يقول الإمام: "وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة خاتمًا، أو الذهب سوادًا أو غيرهما من أصناف الحليّ بأنفسهما ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك لا تكون الكلمة المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلامًا وشعرًا من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخّي معاني النحو وأحكامه ٢".
وتأسيسًا على ذلك يضع الإمام عبد القاهر الأساس في التفاوت والمفاضلة بين شاعرين في صورتهما، إذا تناولا معنى متحدًا، فيقسمه قسمين: قسم يكون فيه أحد الشاعرين قد أخفق في تصويره، والآخر جاء بصورة فائقة، قسم جاء فيه كل من الشاعرين في المعنى الواحد بصورة غريبة جديدة.
يقول الإمام في الشاعرين اللذين صورا معنًى واحدًا: "وهو ينقسم قسمين: قسم أنت ترى أحد الشاعرين قيمة قد أتى بالمعنى غفلًا ساذجًا وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب.
وقسم أنت ترى واحد من الشاعر قد صنع في المعنى وصور.
ويعلل سر التفاوت في القسم الأول بقوله: "إما لأن متأخرًا قصر عن متقدم،
стр. 203
وإما لأن هدى متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم ومثال ذلك قول المتنبي:
بئس الليالي سهرت من طربي ... شوقًا إلى من ببيت يرقدها
مع قول البحتري:
ليل يصادفني ومرهفة الحشا ... ضدين أسهره لها وتنامه١.
والقسم الثاني: ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرًا وأستاذية على الجملة، ويُورد أمثلة كثيرة منها قول النابغة:
إذا ما غدا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوائح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الصفان أول غالب
مع قول أبي نواس:
يتأبَّى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
قال عمرو الوراق لأبي نواس: "أما تركت للنابغة شيئًا حيث يقول:
إذا ما غدا بالجيش: البيتين فقال "أي أبي نواس": اسكت فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع.
يقول عبد القاهر: وهذا الكلام من أبي نواس من دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة ذلك؛ لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئًا لكان قوله فما أسأت الاتباع محالًا، لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ.
ويبين عبد القاهر بعد ذلك الفرق بين الصورتين البارعتين فيقول: "ثم إن الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها، في شعر النابغة إلى صورة أخرى، وذلك أن هاهنا معنيين أحدهما أصل، وهو علم الطير بأن الممدوح
стр. 204
إذا غزا عدوا كان الظفر له، وكان هو الغالب، والآخر نوع، وهو طمع الطير في أن تتسع عليها المطامع من لحوم القتلى، قد عمد النابغة إلى الأصل، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب نذكره وصريحًا وكشف عن وجهه، واعتمد في الفرع الذي هو طمعها في لحوم القتلى وإنها لذلك تحلق فوقه على دلالة الفحوى، وعكس أبو نواس القصة نذكر الفرع الذي هو طعمها في لحوم القتلى صريحًا فقال كما ترى "ثقة بالشبع من جزره" وعول في الأصل الذي هو علمها بأن الظفر يكون الممدوح على الفحوى، ودلالة على علمها أن الظفر للممدوح هي في أن قال: "من جزره" وهي لا تثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح حتى تعلم أن الظفر يكون له، فيكون شيء أظهر من هذه في النقل من صورة إلى صورة١"؟
ولعل القارئ الكريم معي في نقل النص كله كاملًا هنا؛ لأنني أقصد ذلك وأعنيه فالمقام هنا يستدعي ذكر هذا النص الذي يكشف عن وجهة نظر الناقد ورأيه في الصورة الأدبية، لأنني في مجال بيان مفهوم الصورة عند النقاد القدامى المفترى عليهم حديثًا في أنهم لم يفهموا معنى الصورة الأدبية، ولم يتذوَّقوها ولعلَّ النص الأخير للإمام يعطي لنا صورة صادقة عن وعيه التام بالصورة الأدبية فهمًا وتذوقًا وتحليلًا أدبيًّا وتطبيقًا في الشعر العربي على اختلاف صوره، وقد أثبت الفرق الكبير بين اختلاف الصورتين مع أن الغرض واحد وهو الظفر الممدوح وهما في نفس الوقت صورتان بارعتان ورائعتان، ثم ذلك الاعتداد القوي بالصورة الأدبية في الموازنة والتقدير، والحكم على صاحبها بالسرقة أو بالإنكار فيها، مع إهمال اللفظ منفردًا؛ إذ لا قيمة له وحده في الشعر والتصوير، وإنما تكون له إذا ظهر دوره مع غيره في النظم والصورة،
стр. 205
وبعدُ فهذا ما وصل إليه النقد العربي القديم في شخص الإمام عبد القاهر -لتوضيح مفهوم الصورة الأدبية التي نبعت في النهاية من النظم المحكم الجيد، وبيان أراكانها ومعالمها وخصائصها عن طريق التحليل للنصوص الأدبية وإيراد النماذج القوية من الصور، والتعرف على خصائص الجمال والجلال فيها من غير قصد إلى التبويب أو العنونة لها والنص الصريح، أو التقعيد لخصائصها وأركانها، هذا هو ما ينقص النقد القديم في تناوله لمفهوم للصورة وليس عيبًا، لأنه كان يمثل مرحلة من المراحل التاريخية في التعرف عليها وبيانها وتوضيحها.
وفي نهاية المطاف مع الإمام عبد القاهر، نُجمل ما وصل إليه في توضيح الصورة الأدبية والتعرف على خصائصها وذلك في إيجاز:
أولًا: أنه أعطى للفظ حقَّه، كما أعطى للمعنى حقه كذلك.
ثانيًا: أنكر الإمام إتيان الصورة من اللفظ وحده، كما أنه ينبغي ألا يكون جمل الصورة راجعًا إلى المعنى فقط.
ثالثًا: اللفظ عنده تابع للمعنى وعند ابن خلدون وغيره أن المعنى تابع للفظ والأصح ما ذهب إليه الإمام لأنه مجال لظهور العبقريات في التصوير، والواقع أن بينهما فوارق كبيرة أهمها:
أ- الصورة الأدبية عند الإمام تشكل في الذهن أولًا، ثم تبرز إلى الخارج بعد انتظامها، بعكس رأي ابن خلدون، فهي عنده تشكل خارج الذهن، لأن الأديب يجمع ألفاظًا قد تفرّقت هنا وهناك، وأحيانًا يخطئ الغرض بذلك الجمع الخارجي.
ب- الصورة عند الإمام ما دامت داخلية أولًا، فيكون للعقل والعاطفة والمشاعر أثر في حيويتها وقوتها، بينما نجدها على رأي ابن خلدون ربما لا يعمل فيها غير العقل، في عملية جمع الألفاظ لتحقيق غرض ما.
стр. 206
جـ- الصورة عند الإمام يكون لها معنى مقصود، وغرض يهدف إليه الشاعر، وعلى ذلك ينظمها في ذهنه حسب الغرض، بينما في رأي ابن خلدون قد يخطئ الشاعر الغرض، لأن عملية الجمع التي يقوم بها الشاعر ابتداء، ربما تكون على غير اتفاق مع الغرض الذي يهدف إليه.
د- الصورة عند الإمام فيها احتمال للإيحاء بمعنى ثانٍ خلاف المعنى الأول - الذي بنيت عليه الصورة في الذهن، بخلافها عند أمثال ابن خلدون، فإن لها معنًى واحدًا ناتجًا عن نظم الألفاظ، بعد اختيار موقع كل كلمة فيها.
هـ - اتجاه عبد القاهر فيه مجال لظهور العبقريات في الفن، أما اتجاه ابن خلدون فالمجال فيه ضعيف يأتي عن طريق المصادفة غالبًا، كالطفل الذي يلعب بالمكعبات، حتى يقع على تشكيل فريد بالمصادفة، وهذا نادر بينما في الأول تكون له الإرادة، والتحكم في التشكيل، وذلك أقرب إلى العبقرية من الثاني.
وعلى ذلك فإذا حضر المعنى للصورة عند الإمام أتت إليه الألفاظ ميسورة سهلة وأما عند أمثال ابن خلدون فسنجد صعوبة في تحضيرها، وحتى إذا تيسر ذلك فلن نصل إلى المعنى إلا بعد محاولات عديدة.
رابعًا: أساس الجمال عنده يرجع إلى النظم والصياغة والتصوير.
خامسًا: الصورة الادبية الحقة تتكون من العلاقات بين الألفاظ، وتتألف من خيوط النظم الجيد.
سادسًا: كل كلمة في النظم أو الصورة لا بد أن تاخذ مكانها بين أخواتها، يرتبط معناها بمعاني الكلم تيهما على أساس التوخي لمعاني النحو ١.
стр. 207
سابعًا:
لهذا تحقَّقت الوحدة الفنية والترابط الوثيق بين أجزاء النظم والصورة والتلاؤم بين عناصرها.
ثامنًا:
الصورة عنده لا تتعلق بالشكل وحده، ولكنها تتعانق مع المضمون، من حيث التبع والنتيجة، وإنما جاءت الصورة لتوضيح المعنى وتعميقه، والكشف عن الغرض من القصيد، الذي يترابط فيه التصور لتأدية المراد.
تاسعًا:
ولصلة الصورة بالمضمون صلة وثيقة، توحي بمعان جديدة لتأكيد المعنى الأول فيزداد جلاء ووضوحًا، وهو ما سمَّاه الإمام "معنى المعنى".
عاشرًا:
قيمة الخيال في الصورة لا يعدو أن يكون رافدًا واحدًا من الروافد العديدة فيها، وإن وقع في نظم زاد الصورة جمالًا على جمال النظم المحكم.
الحادي عشر:
أهم روافد الصورة هو النظم، أما ما عدا ذلك من روافد اللفظ الحسن والخيال والموسيقى والمزاوجة وغيرها، فهي روافد إضافية تزيد من جمال النظم.
الثاني عشر:
الإمام عبد القاهر صرَّح بوسائل الموسيقى الداخلية التي يتدفق بها النظم، وجعلها من أدق أنواع الصنع، وأشرف ألوان النظم، كالمزاوجة والتقسيم وغير ذلك مما سبق، ولم يهتم بالموسيقى لشيوعها.
стр. 208
الثالث عشر:
أنه ركَّز اهتمامه على نقد الصور الجزئية والتعرف على خصائصها، والتحليل لها، إلا القليل من الصور الكلية.
الرابع عشر:
أدى كشفه لنظرية الرمز في ألفاظ اللغة لتوحي معانيها إلى توفيقه في توضيح معاني النظم، وتثبيت دعائمه، واعتماد الصورة الأدبية عليه وحدة أولًا وقبل كل شيء.
الخامس عشر:
أفاد الإمام من سابقيه فيما انتهى إليه، فأصبح اتجاهه في الصورة الأدبية واضحًا لا غموض فيه.
السادس عشر:
المرجع في التفاضل عنده بين الصور في الشعر والأدب إلى الصورة الأدبية في ذاتها، وما أوحت إليه من معانٍ، لا إلى ذات المعنى والمضمون وحدهما.
السابع عشر:
اختلاف النظم عنده، وتباين التعبير لمعنى واحد لا يمكن بحال أن تتفق فيه صورتان لشاعرين مختلفين يستقلّ كل منهما بنظم يخالف الآخر مع اتحاد المعنى، مثل ما سبق بين النابغة وأبي نواس بل لا بد من الاختلاف في التأليف والإيحاء ودرجة التأثير في النفس.
الثامن عشر:
استطاع عبد القاهر بذوقه الأدبي أن يربط بين النظم وصورته في الشعر وبين الفنون الأخرى، مما يصح فيه التصوير، كالنقش والصياغة للمعادن وأصباغها،
стр. 209
وأن الصورة تلائم النظم كتلاؤم الهيئة والشكل للمعادن في صورها المختلفة من خاتم وأسورة مثلًا، أو ملازمة الألوان والأصباغ وتوزيعها ومقاديرها على قرعة الصورة، في تشابه تام بين الصناعتين، صناعة الشعر وغيرها من الصناعات الأخرى.
التاسع عشر:
عرض الإمام وسائل الخيال من تشبيه واستعارة وغيرها، وأنها أحد الروافد في النظم، والنظم فوقها، لأنه لم يعتد بألوان الخيال إلا بعد اعتداده بالنظم في تأليف الصورة، وأما تحديد معالم الخيال في ذاته، فقد تردَّد عبد القاهر في مفهومه وسماه التخييل أو الإبهام، وذكر د. غشيمي هلال أن النقاد العرب القدامى لم يصلوا إلى مفهوم دقيق للخيال وأثره في الصورة ١.
ويعبر الإمام عن الخيال بالتخيلات، فيذكر بعد قول الشاعر:
إن السحاب لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها
وعلق عليه بقوله: وكذلك بوهمك بقوله: "إن السحاب لتستحتي" إن السحاب حيّ يعرف ويعقل، وأن يقيس فيضه بفيض كفّ الممدوح، فيخزى ويخجل.
فالاحتفال والصنعة في التصورات التي تروق السامعين وتروعهم، والتخيلات التي تهزّ الممدوحين وتحركهم شبيه بما يقع في نفس الناظر إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش والنقر، فكما أن تلك تعجب وتخلب، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه
стр. 210
كذلك حكم الشعر، فيما يصنعه من الصور، ويشكله من البدع، ويوقعه في النفوس من المعاني، التي يتوهم بها الجامد الصامت في صورة الحي الناطق ... والمعدوم المفقود في حكم الموجود الشاهد، كما قدمت القول في باب التمثيل حتى يكسب الدني رفعة والغامض القدر نباهة١.
والإمام يعبّر عن الخيال في الصورة الشعرية التي تشبه الصناعات الخلابة الرائقة بالتخيلات، فترى الصورة التي قامت عليها تحيل الجامد حيًّا ناطقًا، والمعدوم منظورًا مشاهدًا أمام الحسن والعين، وبذلك يكتسب المعنى الغامض قدرًا ونبلًا.
ومع اعترافه بأن التخييل له قدرة وقيمته، إلا أنه يخلط بينه وبين الوهم، وهو غير الخيال كما في قوله: "من المعاني التي يتوهم بها الجامد الصامد ... الخ ".
وهو مع ذلك يفضله في الشعر عن الحقيقة، فيقول معقبًا على بيت البحتري:
كلفتمونا حدود منطقكم ... في الشعر يكفي عن صدقه كذبه
أراد كلفتمونا أن تجري مقاييس الشعر على حدود المنطق، ونأخذ نفوسنا فيه بالقول المحقق، حتى لا ندعي إلا ما يقوم عليه من العقل برهان يقطع به، ويلجأ إلى موجبه مع أن الشعر يكفي فيه التخييل، والذهاب بالنفس إلى ما ترتاح إليه من التعليل، ولا شك أنه إلى هذا النحو قصد وإياه عمد ٢.
وما ذهب إليه الإمام هنا يفسره النقد الحديث بالخيال، لأن الشعر يعتمد أساسًا على هذا الركن، وأنه لا يهتم بالحقيقة، بقدر ما يصور إحساس الشاعر بصدق ودقة، ما دام هذا تطمئن إليه النفس، وتستريح إلى سماعه لقيامه لا على القياس والحقيقة بل على حسن التعليل.
стр. 211
ومع تقديره لقيمه الخيال في الشعر إلا أنه في تحديد مفهومه. يخلط بينه وبين الوهم، فكلاهما له أثره في الصورة الأدبية الحديثة.
ويزداد الأمر وضوحًا عند الإمام حينما يفرق بين التخييل١ والاستعارة، وكلاهما من ألوان الخيال في الصورة "وجملة الحديث الذي أريده بالتخييل ها هنا ما يثبت فيه الشاعر أمرًا هو غير ثابت أصلًا، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولًا يخدع فيه نفسه، ويريها ما لا ترى.
أما الاستعارة فسبيلها سبيل الكلام المحذوف، في أنك إذا رجعت إلى أصله ووجدت قائله، وهو يثبت أمرًا عقليًّا صحيحًا، ويدّعي دعوى لها شبح في العقل، وستمرّ بك ضروب من التخييل هي أظهر أمرًا في البعد عن الحقيقة تكشف وجهه في أنه خداع العقل وضرب من التزويق"٢.
فهو يرى أن التخييل في قولهم: فلان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى للإنسان المتردد أمر غير ثابت، لأنه دعوى باطلة، يمكن تحصيلها وتحقيقها، وأنه خادع للنفس لأنها ترى غير الحقيقة فيها، كما يرى أن الاستعارة دعوى لها شبح في العقل.
وفي هذا يربط الإمام ألوان الخيال بالعقل، ويقيه بالحقيقة، ويرى أنه وهم وخداع للنفس، ودعوى باطلة وشبح وغير ذلك من الأوصاف المبتورة، التي إن كشف عن جانب من مفهوم الخيال في الصورة، فلا تكشف عن الجوانب الحية فيه بل الخيال كالعقل، لكن لغته الصور المحسة من تخيل واستعارة وتشبيه وكناية وغيرها والإمام جعله أشباحًا وصورًا لا صلة لها بالإحساس، تخدع.
стр. 212
النفس لأنها لا تعرف طريقًا إلا طريق العقل، والعقل وحده هو الذي يربط بين الصورة المحسة في المثال السابق وبين المعنى الذهني، ويرى الصلة بينهما في الجامع، فيأنس للصورة لأنها تتفق مع المتردّد حين يأخذ ويعطي في أمرها، كالرجل المتردّد حين يقدم رجلًا ويؤخّر أخرى، وحينئذ يرى العقل أيضًا أن هذا المعنى أصبح حيًّا متحركًا ولذلك يكون تأثيره في النفس أعظم من الحقيقة المكشوفة التي يتلقفها العقل من غير روية ولطف نظر، وموازنة تجرى، وصلات تعقد، ومن غير تقارب واتفاق.
هذا هو ما يفهم من الخيال عند الإمام وهو إن كان تفسيرًا غير دقيق وشامل للخيال فهو قريب نوعًا من مفهوم الخيال حديثًا لأسباب هي:
أ- أنه يخالف الحقيق بغض النظر عن التشبيه الذي قالوا عنه: إنه فرع الحقيقة لا المجاز، فيكفي فيه حسن التعليل لا المنطق.
ب- الخيال الركن الركين للشعر.
جـ- الخيال يهز العواطف ويحرك النفس.
د- أنه يتخذ مادته من المشاهدات المحسة.
هـ- أنه يبعث الحياة والحركة والمعاينة في الجامد والمعدوم والمفقود.
و أنه يجتاج في الوقوف عليه إلى دقة ولطف ونظر وروية.
ز- أنه يعقد الصلات بين الأشتات حتى تظل مقبولة في النفس.
وهذه الخصائص تمثل شوطًا لا بأس به، في تحديد مفهوم الخيال وتوضيحه وبيان أثره في النفس، وهو في نفس الوقت يمثل طورًا من أطوار مفهومة التي مر بها في الأدب العربي، حتى اكتملت معالمه في العصر الحديث.
стр. 213
والنقاد العرب قطعوا شوطًا كبيرًا في توضيح مفهوم الصورة الأدبية، بعد أن مرت هي كذلك بمراحل النمو والتدرج الطبيعي للأشياء، وإن اتجهت عنايتهم التامة بالصورة الجزئية، مغفلين أمر الصورة الكلية إلا نادرًا، وهذا لا يضر بمفهومها في ذاته.
ولا يصح أن نفرض مفهومًا حديثًا، ونطبقه على المفهوم القديم، لنتهمهم بالتنصير لعدم المطابقة بين المفهومين، ليس هذا بمعقول، لأن النقد القديم كان يمثل مرحلة تاريخية في بناء الفهم للصورة الأدبية، ولذلك كان النقاد غالبًا ما يستعملون الشعر والكلام مكان الصورة كالآمدي، أو النظم والتأليف - والصياغة كما هو الشأن عند معظمهم، حتى من فطن منهم إلى التعبير بالصورة كان يمر بها خاطفًا كالبرق، ولعل فن التصوير والرسم لم يبلغوا فيه درجة ما بلغناه في عصرنا، حتى أصبح هذا اللفظ على كل لسان حديثًا، فاستخدموه في التجارب العملية، وفي معامل العلوم الحديثة. وكذلك يرجع الإقلال من التعامل بالصورة قديمًا، وإحلال النظم أو الصياغة إلى غير ذلك محلها، إلى حداثة الامتزاج بالأعاجم وشيوع اللحن في اللغة العربية توجد النقاد والأدباء أن الأنسب في مواجهة هذا التيار المشوب باللكنة والعجرمة، والتعبير باللفظ والمعنى والنظم والتأليف للصياغة والكلام مما يدل بالنص والتصريح على اللغة وخصائصها، لأن الصورة تعبير غير مباشر، لبيان المراد في اللغة، وإن تردَّدت على ألسنتهم متأثرين بما ترجموه من الاعاجم، فما زالت الصورة غير مختمرة بعقولهم ولا ممتزجة بعواطفهم، لذلك تجنبوا التعبير بها إلا قليلًا، حتى يتخمّر وتمتزج بنفوسهم ليعبروا بها عن أصالة وإحساس صادق وقد نبعت من حياتهم ولغتهم وأدبهم.
стр. 214
بين التأثر والتأثير وقضية السرقات الأدبية:
أريد أن أوضح في إيجاز محددًا المفاهيم لبعض المصطلحات، التي تلاحقت في نمو" المعنى الفيَّاض وهو التاثر والتأثير، فتشرق الأسس التي ينبني عليها هذا الفصل، وتتضح معالمه، وتسير على قاعدة مقرَّرة، وأرض صلبة، واتجاه واضح، فقضية التأثر، لازمت الفكر الإنساني من زمن مبكر، واختلفت نظرة النقادة لها مفهومًا ودرجة وعمقًا، في شتَّى العصور حسب المستوى الفكري والثقافي لكل عنصر.
ويرجع التأثر بمعناه الواسع إلى عوامل فرضت على المجتمع وهي في إيجاز:
أ- الرواية.
ب- الحفظ.
جـ- الإحياء.
و المعارضة.
هـ عمود الشعر.
"و" البيئة الثقافية التي تعاقبت عليها ثقافة الأجيال السابقة، من التذكر التلقائي أو المتعمد كما يدّعي بعض الباحثين١ وإن كان يرجع رأيي إلى العوامل السابقة على اتساعها.
واخذت هذه المشكلة من اهتمام الباحثين قديمًا وحديثًا، قدرًا لم يغفل في أي عصر وأفردوها في كتب مستقلّة مثل سرقات أبي نواس لمهلهل بن يموت، والمنصف في الدلالات
стр. 215
على سرقات المتنبي لابن وكيع التنيسي: والإبانة عن سرقات المتنبي لفظًا ومعنًى، لأبي سعيد محمد بن أحمد العميدي. والموازنة للآمدي. والوساطة للقاضي الجرجاني وغيرها كثير. وأما البحوث الحديثة مثل السرقات الأدبية لبدوي طبانة، ومشكلة السرقات في النقد الأدبي لمحمد مصطفى هدارة وغيرهما.
وأما الكتب المشتركة بين هذه المشكلة وبين قضايا أخرى، فكثيرة أهمّها طبقات الشعراء لابن سلام والشعر والشعراء لابن قتيبة وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني. والصناعتين لأبي هلال العسكري والعمدة لابن رشيق وغير ذلك.
واستطاع ابن رشيق أن يجمع أنواع السرقات المتفرقة في كتب السابقين وهي كثيرة ١.
أولًا: الاصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر: فيصرفه إلى نفسه.
ثانيًا: الاختلاب أو الاستلحاق: البيت من الشعر عند الشاعر إن صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق.
ثالثًا: الانتحال حين يدعي الشاعر جملة البيت ويكون لغيره.
رابعًا: الادعاء هو أن يدّعي البيت من الشعر من ليس شاعرًا.
خامسًا: الإغارة أن يصنع الشاعر بيتًا، ويخترع معنًى مليحًا، فيتناوله من هو أعظم منه ذكرًا وأبعد صوتًا فيروي له دون قائله.
سادسًا: الغصب. هو الاستيلاء على بيت من الشعر الآخر عنوة، فليس له بعد التهديد ويسير في الناس باسمه.
سابعًا: المرادفة والاسترقاد: أن يأخذ الشاعر بيتًا من غيره على سبيل الهبة.
ثامنًا: الاهتدام. وهو السرقة فيما دون البيت ويسمى أيضًا نسخًا.
تاسعًا: النظر والملاحظ: وهي التساوي في المعنيين دون اللفظ مع خفاء الأخذ، أو تضاد المعنيين، ودلالة أحدهما على الآخر وقيل أن الأخير يُسمّى "إلمامًا".
عاشرًا: الاختلاس: وهو تحويل المعنى من نسب إلى مديح أو من غرض إلى آخر عامة ويسمى النقل.
الحادي عشر: الموازنة: وهي أخذ بنية الكلام فقط.