← Адаб

Адаб · id 22859

في النقد الأدبي

علي علي صبح

Полный текст (231 стр.). Показаны 211–231 · переход к 216.

стр. 211

ومع تقديره لقيمه الخيال في الشعر إلا أنه في تحديد مفهومه. يخلط بينه وبين الوهم، فكلاهما له أثره في الصورة الأدبية الحديثة. ويزداد الأمر وضوحًا عند الإمام حينما يفرق بين التخييل١ والاستعارة، وكلاهما من ألوان الخيال في الصورة "وجملة الحديث الذي أريده بالتخييل ها هنا ما يثبت فيه الشاعر أمرًا هو غير ثابت أصلًا، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولًا يخدع فيه نفسه، ويريها ما لا ترى. أما الاستعارة فسبيلها سبيل الكلام المحذوف، في أنك إذا رجعت إلى أصله ووجدت قائله، وهو يثبت أمرًا عقليًّا صحيحًا، ويدّعي دعوى لها شبح في العقل، وستمرّ بك ضروب من التخييل هي أظهر أمرًا في البعد عن الحقيقة تكشف وجهه في أنه خداع العقل وضرب من التزويق"٢. فهو يرى أن التخييل في قولهم: فلان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى للإنسان المتردد أمر غير ثابت، لأنه دعوى باطلة، يمكن تحصيلها وتحقيقها، وأنه خادع للنفس لأنها ترى غير الحقيقة فيها، كما يرى أن الاستعارة دعوى لها شبح في العقل. وفي هذا يربط الإمام ألوان الخيال بالعقل، ويقيه بالحقيقة، ويرى أنه وهم وخداع للنفس، ودعوى باطلة وشبح وغير ذلك من الأوصاف المبتورة، التي إن كشف عن جانب من مفهوم الخيال في الصورة، فلا تكشف عن الجوانب الحية فيه بل الخيال كالعقل، لكن لغته الصور المحسة من تخيل واستعارة وتشبيه وكناية وغيرها والإمام جعله أشباحًا وصورًا لا صلة لها بالإحساس، تخدع.

стр. 212

النفس لأنها لا تعرف طريقًا إلا طريق العقل، والعقل وحده هو الذي يربط بين الصورة المحسة في المثال السابق وبين المعنى الذهني، ويرى الصلة بينهما في الجامع، فيأنس للصورة لأنها تتفق مع المتردّد حين يأخذ ويعطي في أمرها، كالرجل المتردّد حين يقدم رجلًا ويؤخّر أخرى، وحينئذ يرى العقل أيضًا أن هذا المعنى أصبح حيًّا متحركًا ولذلك يكون تأثيره في النفس أعظم من الحقيقة المكشوفة التي يتلقفها العقل من غير روية ولطف نظر، وموازنة تجرى، وصلات تعقد، ومن غير تقارب واتفاق. هذا هو ما يفهم من الخيال عند الإمام وهو إن كان تفسيرًا غير دقيق وشامل للخيال فهو قريب نوعًا من مفهوم الخيال حديثًا لأسباب هي: أ- أنه يخالف الحقيق بغض النظر عن التشبيه الذي قالوا عنه: إنه فرع الحقيقة لا المجاز، فيكفي فيه حسن التعليل لا المنطق. ب- الخيال الركن الركين للشعر. جـ- الخيال يهز العواطف ويحرك النفس. د- أنه يتخذ مادته من المشاهدات المحسة. هـ- أنه يبعث الحياة والحركة والمعاينة في الجامد والمعدوم والمفقود. و أنه يجتاج في الوقوف عليه إلى دقة ولطف ونظر وروية. ز- أنه يعقد الصلات بين الأشتات حتى تظل مقبولة في النفس. وهذه الخصائص تمثل شوطًا لا بأس به، في تحديد مفهوم الخيال وتوضيحه وبيان أثره في النفس، وهو في نفس الوقت يمثل طورًا من أطوار مفهومة التي مر بها في الأدب العربي، حتى اكتملت معالمه في العصر الحديث.

стр. 213

والنقاد العرب قطعوا شوطًا كبيرًا في توضيح مفهوم الصورة الأدبية، بعد أن مرت هي كذلك بمراحل النمو والتدرج الطبيعي للأشياء، وإن اتجهت عنايتهم التامة بالصورة الجزئية، مغفلين أمر الصورة الكلية إلا نادرًا، وهذا لا يضر بمفهومها في ذاته. ولا يصح أن نفرض مفهومًا حديثًا، ونطبقه على المفهوم القديم، لنتهمهم بالتنصير لعدم المطابقة بين المفهومين، ليس هذا بمعقول، لأن النقد القديم كان يمثل مرحلة تاريخية في بناء الفهم للصورة الأدبية، ولذلك كان النقاد غالبًا ما يستعملون الشعر والكلام مكان الصورة كالآمدي، أو النظم والتأليف - والصياغة كما هو الشأن عند معظمهم، حتى من فطن منهم إلى التعبير بالصورة كان يمر بها خاطفًا كالبرق، ولعل فن التصوير والرسم لم يبلغوا فيه درجة ما بلغناه في عصرنا، حتى أصبح هذا اللفظ على كل لسان حديثًا، فاستخدموه في التجارب العملية، وفي معامل العلوم الحديثة. وكذلك يرجع الإقلال من التعامل بالصورة قديمًا، وإحلال النظم أو الصياغة إلى غير ذلك محلها، إلى حداثة الامتزاج بالأعاجم وشيوع اللحن في اللغة العربية توجد النقاد والأدباء أن الأنسب في مواجهة هذا التيار المشوب باللكنة والعجرمة، والتعبير باللفظ والمعنى والنظم والتأليف للصياغة والكلام مما يدل بالنص والتصريح على اللغة وخصائصها، لأن الصورة تعبير غير مباشر، لبيان المراد في اللغة، وإن تردَّدت على ألسنتهم متأثرين بما ترجموه من الاعاجم، فما زالت الصورة غير مختمرة بعقولهم ولا ممتزجة بعواطفهم، لذلك تجنبوا التعبير بها إلا قليلًا، حتى يتخمّر وتمتزج بنفوسهم ليعبروا بها عن أصالة وإحساس صادق وقد نبعت من حياتهم ولغتهم وأدبهم.

стр. 214

بين التأثر والتأثير وقضية السرقات الأدبية: أريد أن أوضح في إيجاز محددًا المفاهيم لبعض المصطلحات، التي تلاحقت في نمو" المعنى الفيَّاض وهو التاثر والتأثير، فتشرق الأسس التي ينبني عليها هذا الفصل، وتتضح معالمه، وتسير على قاعدة مقرَّرة، وأرض صلبة، واتجاه واضح، فقضية التأثر، لازمت الفكر الإنساني من زمن مبكر، واختلفت نظرة النقادة لها مفهومًا ودرجة وعمقًا، في شتَّى العصور حسب المستوى الفكري والثقافي لكل عنصر. ويرجع التأثر بمعناه الواسع إلى عوامل فرضت على المجتمع وهي في إيجاز: أ- الرواية. ب- الحفظ. جـ- الإحياء. و المعارضة. هـ عمود الشعر. "و" البيئة الثقافية التي تعاقبت عليها ثقافة الأجيال السابقة، من التذكر التلقائي أو المتعمد كما يدّعي بعض الباحثين١ وإن كان يرجع رأيي إلى العوامل السابقة على اتساعها. واخذت هذه المشكلة من اهتمام الباحثين قديمًا وحديثًا، قدرًا لم يغفل في أي عصر وأفردوها في كتب مستقلّة مثل سرقات أبي نواس لمهلهل بن يموت، والمنصف في الدلالات

стр. 215

على سرقات المتنبي لابن وكيع التنيسي: والإبانة عن سرقات المتنبي لفظًا ومعنًى، لأبي سعيد محمد بن أحمد العميدي. والموازنة للآمدي. والوساطة للقاضي الجرجاني وغيرها كثير. وأما البحوث الحديثة مثل السرقات الأدبية لبدوي طبانة، ومشكلة السرقات في النقد الأدبي لمحمد مصطفى هدارة وغيرهما. وأما الكتب المشتركة بين هذه المشكلة وبين قضايا أخرى، فكثيرة أهمّها طبقات الشعراء لابن سلام والشعر والشعراء لابن قتيبة وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني. والصناعتين لأبي هلال العسكري والعمدة لابن رشيق وغير ذلك. واستطاع ابن رشيق أن يجمع أنواع السرقات المتفرقة في كتب السابقين وهي كثيرة ١. أولًا: الاصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر: فيصرفه إلى نفسه. ثانيًا: الاختلاب أو الاستلحاق: البيت من الشعر عند الشاعر إن صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق. ثالثًا: الانتحال حين يدعي الشاعر جملة البيت ويكون لغيره. رابعًا: الادعاء هو أن يدّعي البيت من الشعر من ليس شاعرًا. خامسًا: الإغارة أن يصنع الشاعر بيتًا، ويخترع معنًى مليحًا، فيتناوله من هو أعظم منه ذكرًا وأبعد صوتًا فيروي له دون قائله. سادسًا: الغصب. هو الاستيلاء على بيت من الشعر الآخر عنوة، فليس له بعد التهديد ويسير في الناس باسمه. سابعًا: المرادفة والاسترقاد: أن يأخذ الشاعر بيتًا من غيره على سبيل الهبة. ثامنًا: الاهتدام. وهو السرقة فيما دون البيت ويسمى أيضًا نسخًا. تاسعًا: النظر والملاحظ: وهي التساوي في المعنيين دون اللفظ مع خفاء الأخذ، أو تضاد المعنيين، ودلالة أحدهما على الآخر وقيل أن الأخير يُسمّى "إلمامًا". عاشرًا: الاختلاس: وهو تحويل المعنى من نسب إلى مديح أو من غرض إلى آخر عامة ويسمى النقل. الحادي عشر: الموازنة: وهي أخذ بنية الكلام فقط.

стр. 216

الثاني عشر: العكس: هو جعل مكان لكل لفظة ضدها. الثالث عشر: المواردة: اتفاق الشاعرين في المعنى، وتواردهما في اللفظ، مع عدم لقاء أحدهما بالآخر وسماع شعره. الرابع عشر: الالتقاط والتلفيق: تأليف البيت من أبيات، قد ركب بعضها من بعض وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب. الخامس عشر: كشف المعنى من الشعر وتوضيحه بعد إبهامه. السادس عشر: المجدود من الشعر: وهو ما رزق جدًّا واشتهارًا مع تأخر قائله. السابع عشر: سوء الاتباع: أن يعمل الشاعر معنى رديئًا ولفظًا رديئًا مستهجنًا، ثم يأتي من بعده فيتبعه على رداءته. الثامن عشر: تقصير الأخذ عن المأخوذ، فينزل الآخذ عن المأخوذ منه في معناه، درجة أو درجتين، مع بقاء روح الاتصال بينهما. وأما الأخذ الحسن فذكره ابن رشيق في أمور: المخترع معروف له فضله متروك له من درجته غير أن المتبع إذا تناول معنى فأجاده بأن: أ- يختصره إن كان طويلًا. ب- أو يبسطه إن كان كزًا. جـ- أو يبينه إن كان غامضًا. د- أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافًا. هـ- أو رشيق الوزن إن كان جافيًا، فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قلبه، أو عرفه عن وجهه إلى وجه آخر. فأما إن ساوى المبتدع فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها. فإن قصر كان ذلك دليلًا على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته ١. ويرى أنه لو التقى شاعران معاصران كابن الرومي وابن المعتز مثلًا، على معنى واحد، التحق المعنى بأقدمهما سنًّا، أو موتًا، أو أجودهما، وإن تساوى المعنيان في الجودة روى لهما على السواء ٢.

стр. 217

وأنواع التأثر البديعة عنده هي: أ- البديع النادر في العبارات. ب- الخارج عن المألوف في الألفاظ. يقول: السرقة إنما تقع في البديع النادر والخارج عن العادة، وذلك في العبارات التي هي الألفاظ ١ ثم في موطن آخر. جـ الإيغال. د- التتبع. هـ- المبالغة. و التتميم. س- الالتفات ٢. واستطاع الإمام عبد القاهر أن يفرق بين أنواع التأثر، ويحدد مصطلحاتها ويميز الجيد منها والرديء بصورة أوشكت عن الكمال، ولا نقول: إنه ابتكرها ابتداء، ولكنه اعتمد على ما وصل إليه المتقدمون وأخذ يلم الشتات بنظرته الشاملة، وبعمق في قدرة عجيبة على التطبيق، وبإسلوب متنوع يدلّ على أصالته. وشخصيته الفذة، ولذلك جاء من بعده وسار على طريقه من غير تجديد ولا ابتكار. ونراه يقسم المعنى إلى قسمين. أ- معنى عقلي: وهو المعنى الذي يقرّه العقلاء، ويجري في كل أمة وعلى أي لسان، وهو يقابل المعنى المشترك عند من سبقه من النقاد، وهذا لا يصح الحكم فيه بالسرقة وإنما المفاضلة فيه بالتصوير والإجادة في التعبير، وإحكام الصناعة، يقول الإمام: واعلم أن الحكم على الشاعر بأنه أخذ من غيره، وسرق واقتدى بمن تقدم وسبق ... لا يخلو أن يكون في المعنى صريحًا أو في صيغة تتعلق بالعبارة ... فقوله: وما الحسب الموروث لا درّ درّه ... بمحتسب إلا بآخر متكسب ونظائره كقوله.

стр. 218

إني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب معنى صريح محض، ويشهد له العقل بالصحة ويعطيه من نفسه أكرم النسبة، وتتفق العقلاء على الأخذ به، والحكم بموجبه في كل جيل وأمة، ويوجد لها أصل في كل لسان ولغة" ١: ويوضح التفاضل في المعنى المشترك فيرجعه إلى اللفظ، الذي يلبس المعنى، والعبارة التي تكسوه وتوضحه أو تؤدّيه بطريق الاختصار أو التفصيل، أو يكون المعنى على نقيضه". يقول الإمام معقبًا على قول الشاعر. "وكل امرئ يؤتي الجميل محبب" صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب، وإنما له ما يلبسه من اللفظ، ويكسوه من العبارة وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه، والكشف أو ضده، وأصله قول النبي ﷺ :"جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، بل قول الله : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ . ب- معنى تخييلي: وهو ما يمتّ إلى العقل بسبب، بل يرجع إلى الإحساس والشعور وغالبًا ما يختلفا من شخص إلى آخر، وهو ما يسمى عند النقاد المتقدمين بالمعنى الخاص، ويغلب في هذا المعنى السرقة والأخذ إلا من استطاع أن يُولد منه معنى آخر، أو يستوحى منه معنًى تخيليًّا جديدًا، وذلك لا يدخل في باب السرقة المحضة، وهذا ما ذكره الإمام: "وأما القسم التخييلي فهو الذي لا يمكن أن يقال: إنه صدق، وأن ما أثبته ثابت، وما نفاه منفي، وهو مفتن المذاهب كثير المسالك، لا يكاد يحصر إلا تقريبًا، ولا يحاط به تقسيمًا وتبويبًا، ثم أنه يجيء طبقات، ويأتي على درجات، فمنه ما يجيء مصنوعًا قد تلطف فيه، وأستعين عليه بالرفق والحذق، حتى أعطي شيئًا من الحق، وغثي رونقًا من الصدق، باحتجاج يخيل وقياس يصنع فيه ويعمل، ومثاله قول أبي تمام: لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للكان العالي

стр. 219

فهذا قد خَيّل إلى السامع أن الكريم، إذا كان موصوفًا بالعلو والرفعة في قدره، وكان الغني كالغيث في حاجة الخلق إليه، وعظم نفسه وجب بالقياس أن ينزل عن الكريم نزول ذلك السيل عن الطود العظيم، ومعلوم أنه قياس تخييلي، وإبهام لا تحصيل وإحكام، فالعلة في أن السيل لا يستقر على الأمكنة العالية، وإن المال سيال لا يثبت إلا إذا حصل في موضع له جوانب تدفعه عن الإنصاب، وتمنعه من الانسياب، وليس في الكريم والمال شيء من هذه الخلال:" ١. ويعقب بقوله: "مع أن الشعر يكفي فيه التخييل والذهاب بالنفس إلى ما ترتاح إلى من التعليل ١: ويفسر الإمام المعنى المشترك والخاص بتفسير أوضح. من التفسير السابق ويرى أن الشاعرين لا يعدو اتفاقهما في أحد أمرين. أولهما: أن يتفقا في الغرض العام والمعنى المشترك كالشجاعة والسخاء، وهذا لا يقع فيه الأخذ والسرقة والاستعداد والاستعانة يقول: "والاشتراك في الغرض على العموم أن يقصد كل واحد منهما، وصف ممدوحه بالشجاعة والسخاء أو حسن الوجه والبهاء، أو وصف فرسه بالسرعة وما جرى هذا المجرى ... فأما الإنفاق في عموم الغرض فما لا يكون الاشتراك فيه داخلًا في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة، لا ترى من به حس يدعى ذلك، ويأبى الحكم بأنه لا يدخل في باب الأخذ ٢. وهذا ما يسميه الإمام بالمشترك العامي، والظاهر الجلي، ولا يدخله التفاضل ولا يقوم به التفاوت، ما دام صريحًا ظاهرًا ساذجًا، لا حذق فيه، ولا تعمل وإفراغ بحث. أما إن تعمل في المعنى العامي المشترك، أو عرضه إليه معنًى آخر، أو استولد لطيفه، أو أدخله في باب الكناية والتعريض. أو عرضه في صورة الزمن والتلويح فقد لبس طريقة جديدة وصورة لطيفة، ومعرضًا حديثًا، ودخل في دائرة الخاص، لأنه كثيرًا ما تدبّر فيه وتأمَّل يقول الإمام: واعلم أن ذلك الأول هو المشترك العامي والظاهر، والجلي، والذي قلت: إن التفاضل لا يدخله والتفاوت لا يصح فيه، إنما يكون كذلك منه، ما كان صريحًا ظاهرًا، لم تلحقه صنعه، وساذجًا لم يعمل فيه نقش فأما إذا ركب

стр. 220

عليه معنى ووصل به لطبقة، ودخل إليه من باب الكناية والتعريض والرمز والتلويح، فقد صار بما غير من طريقته. واستؤنف من صورته واستجد من المعرض١، وكسى من ذلك التعرض داخلًا في قبيل الخاص الذي يملك الفكرة، والعمل، ويتوصل إليه بالتدبير والتأمل، وذلك كقولهم وهم يريدون التشبيه "سلين الظباء العيون" كقول بعض العرب: سلين ظباء ذي قفر طلاها ... ونجل الأعين البقر الصوارا٢ فقد أوهم أن ثمّ سرقة وأن العيون منقولة إليها من الظباء، وإن كنت تعلم إذا نظرت أنه يريد أن يقول: أن عيونا كعيون الظباء في الحسن والهيئة، وفترة النظر٣. ثانيهما: أن يتفق الشاعران في الإتجاه الخاص وجهة الدلالة التي يهدف إليها كل منهما، والانفراد بحسن التعليل، كإثبات دلائل الشجاعة وعلامات السخاء، وهذا الأمر على ضربين: أحدهما إن كان الإتفاق في هذا مما يشترط فيه الناس وتألفه العقول، وتجاري العادات، فيدخل في القسم الأول وهو المشترك العامي. وثانيهما: هو ما ينتهي إليه الشاعر عن تدبر واجتهاد وبعد منال ومعاناه، وغوص وعرق فيختص صاحبه به، ويجوز فضل السبق والتقدم ويكون مجال المفاضلة والتفاوت، وهذا ما يسميه الإمام بالمعنى الخاص. يقول: وأم وجه الدلالة على الغرض، فهو أن يذكر ما يستدل به على إثباته له بالشجاعة والسخاء مثلًا ... كالتشبيه بالأسد وبالبحر في الناس والجود، وبالبدر والشمس في الحسن والبهاء والإنارة بالإشراق ... وأما الاتفاق في وجه الدلالة على الغرض، فيجب أن ينظر: فإن كان مما اشترك الناس في معرفته وكان مستقرًّا في العقول والعادات، فإن حكم ذلك وإن كان خصوصًا

стр. 221

في المعنى حكم العموم الذي تقدم ذكره من ذلك التشبيه بالأسد في الشجاعة، وبالبحر في السخاء. .. وإن كان ما ينتهى إليه المتكلم بنظر وتدبر، ويناله بطلب واجتهاد ولم يكن الأول في حضوره إياه، وكونه في حكم ما يقابله، الذي لا معاناة عليه فيه، ولا حاجة به إلى المجادلة والمزاولة والقياس والمباحثة والاستنباط والإستنارة، بل كان من دونه حجاب إلى خرقه بالنظر، وعليه كم١ يفتقر إلى شقة بالتفكر ... نعم إذا كان هذا شأنه وههنا مكانه وبهذا الشرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن يدعى فيه الاختصاص والسبق والتقدم والأولية، أن يجعل فيه سلف وخلف، ومفيد ومستفيد، وأن يقضي بين القائلين فيه بالتفاضل والتباين، وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر وأن الثاني زاد عن الأول أو نقص عنه وترقى إلى غاية أبعد من غايته، أو انحط إلى منزلة هي دون منزلته ٢". ثم يبين هذا التدبر والإهمال والمعاناة في قوله: "فالاحتفال والصنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم، والتخيلات التي تهز الممدوحين وتحركهم، وتقول فعلُا شبيهُا بما يقع في نفس الناظر، إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق والتخطيط والنقش، أو بالنحت والنقر، فكما أن تلك تعجب وتخلب وتروق وتونق ... كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور، ويشكله من البدع ويوقعه في النفوس من المعاني، التي يتوهم بها الجامد الصامت، في صورة الحي الناطق ... حتى يكسب الدنيء رفعة والغامض القدر نباهة ٢". وبه أبو هلال العسكري قبل عبد القاهر إلى هذا الاتجاه في التأثير، وأن العبرة عنده مكسورة المعنى من الصياغة والألفاظ وعنهما تكون السرقة والتأثر. ويرد أبو هلال الأخذ الحسن إلى أن يكسي التابع معنى المتبوع تعبيرات من عنده، أو يصوغه صياغة جديدة أو يضفي عليه زيادة في حسن تأليف وجودة تركيب وتمام حلية ١، إلا أن عبد القاهر جعل الصورة الأدبية هي عماد التأثر بأنواعه المختلفة، وموطن

стр. 222

الإبداع الفني للشاعر، الذي به يستحق المعنى وينفرد بالصورة ولو كان المعنى قد ملت منه الأسماع، وتلاقت عنده العقول. والاطمئنان الإمام لما وصل إليه، وهو غاية ما وصل إليه النقاد العرب، أخذ بعض قضية التأثر في كتابه دلائل الإعجاز بصورة أوسع وأبعد عمقًا، وقد بناها على فكرة النظم وعلاقات الألفاظ التي اعتمد عليه الكتاب كل الاعتماد. ويربط التأثر بمشكلة النظم، وضحت أنواع التأثر وانكشفت معالمه وظهر الفرق بين السرقة والأخذ وبين الاحتذاء والتوليد والتأثر. وأساس الاختلاف في مفاهيم أنواع التأثر، يرجع عند المتقدمين على الإمام إلى قضية اللفظ والمعنى، فمن نصر اللفظ منهم جعل السرقة في التصوير والتعبير، ما لم يولد الشاعر في المعنى أو يستوحي أو يتأثر بالاتجاه العام فقط، فإن فعل واحدة منها، لا يتهم بالسرقة، ويحكم على تصويره بقدر درجة جودته، ومدى التباعد بين السابق واللاحق، والمعنى عندهم يستوي فيه كل الناس فالمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ فالشعر صياغة وضرب من التصوير كما قال الجاحظ في ردِّه على أبي عمرو الشيباني نصر المعنى١. ومن نصر المعنى جعله بحال السرقة والتأثر فيه وإن فرق أنصاره بين المعنى المشترك العام والمعنى الخاص إلا أن المعنى عنده هو أساس الشاعرين أو اختلافهما فيه وانفراد أحدهما به عن الآخر وإن اختلف التصوير، وتباينت التراكيب وتغاير النظم، ومن أنصار المعنى أبو عمرو الشيباني وابن قتيبة ٢. وبانتصار عبد القاهر لفكرة النظم، وصل إلى الغاية في تحديد أنواع التأثر والسرقات وقرب فيها إلى الكمال، وردّ على أنصار المعنى وكشف عن أخطائهم في انتصارهم للمعنى وحده، الذي اختنق بسببه النقد لفترة طويلة وانحطّ شأن التصوير والنظم والجمال والتأليف ولهذا فهو يؤيّد الجاحظ الذي انتصر للفظ والصياغة، لأن المعاني في الطريقة تعرفها الناس جميعًا، لا فرق بين حضري وبدوي، وعربي وعجمي.

стр. 223

ولكنه ردَّ على أنصار اللفظ من حيث هو لفظ مفرد لا يشترك مع غيره في النظم المتلاحم والتركيب المتسق، وبيَّن الإمام أن كلًّا من الفريقين: نصير المعنى وحده، ونصير اللفظ وحده كان سببًا في اختناق النقد لفترة طويلة، وإنهما أخطأ من شأن التصوير والنظم وجمال التأليف. وأنصار اللفظ مستقلًّا يرون أن الشاعر إذا تأثر بآخر في ألفاظه -الألفاظ المفردة- يعدّ آخذًا ومحتذيًا لا مبتدئًا، ولو أتت ألفاظه المأخوذة من غيره على نظم يختلف عما تأثر به، لأن خيال الشيء عندهم هو الشيء نفسه وهم في ذلك لا يفرقون بين السرقة والاحتذاء، وإن كان كلاهما أخذ، فهم كما يراهم الإمام: "مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء، وذلك أنهم قد اعتدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ، وجعلوا ألا يحتفلون بغيره، ولا يعولون في القصاحة على شيء سواء حتى انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصبح فقرأه ونطق بألفاظه على النسق الذي وضعها الشاعر عليهم، كان قد أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته، إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به، محتذيًا لا مبتدئًا١. ويوضح لهم الإمام خطأهم في اهتمامهم باللفظ كلفظ، فيذكر الاعتبار الصحيح في استعمال الألفاظ وهو النظم، فمن تأثر بنظم آخر وعلى مثاله يعد أخذًا، ومن لم يتاثر بالنظم وإن تأثر بالألفاظ لا يعد آخذًا بل محتذيًا، فالمتأثر بالألفاظ من غير ارتباطها بالنسق النفسي والمعنوى غلط وإفحاش. يقول الإمام عبد القاهر: "ونحن إذا تأملنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء فيها على شيء إنما يقع في النفس، أنه نسق إذا اعتبرنا ما توخى من معاني النحو في معانيها فأما مع ترك ذلك فلا يقع ولا يتصور مجال ٢". وعلى ذلك لا تصح المفاضلة بين العبارتين التي وقع فيها التأثر والتأثير في الألفاظ مفردة، ولكنها تقع المفاضلة بين نظم وآخر يختلف عنه وإن اتفق في الألفاظ، فلكل منها صورة تخالف صورة الآخر ألبتة، ويسمى ذلك عند الإمام عبد القاهر تأثرًا.

стр. 224

واحتذاه، لا سرقة وإنما السرقة تقع في التماثل التام بين النظم الأول والثاني يقول: ولقد غلطوا فأفحشوا، لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين، مثل صورته في الآخر، ألبتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت، فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها، ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في بيت الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس ذلك لأن بيت الخطيئة لم يكن كلّا ما وشعرًا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه مجردة معراة عن معاني النظم والتأليف، بل منها متوخي فيها إلخ ١. ثم يرجع الإمام باللائمة على أنصار المعنى، الذين لا يحفلون إلا بالمعنى، وأن الأخذ بالسرقة إنما تقع فيه، فمن أخذ معنى من آخر من غير أن يولد منه معنًى جديدًا، أو يستوحي منه لطيفة طريقة، يعدّ سارقًا وآخذًا، فإن من ولد فيه أو استوحى منه معنًى آخر، لم يكن سارقًا، ويقولون بأن من أخذ معنًى عاريًا كان أحق به، ولذلك كتب المرزباني "فصل في هذا المعنى حسن" وبيَّن لهم الإمام أن ليس الاعتبار في التأثر بالمعنى وحده، لأنه لا يتصور أن يكون هناك معنًى عاريًا من غير لفظ يدل عليه، ولا يتصور أن يأتي واحد منا بمعنى يلفظ من عنده ابتداء به، ولو صح له ذلك فهو أولى به من غيره وينسب إليه. يقول الإمام: ومما إذا تفكر فيه العاقل أطال التعجب من أمر الناس، ومن شدّة غفلتهم حيث ذكروا الأخذ والسرقة أن من أخذ معنًى عاريًا فكساه لفظًا من عنده، كان أحق به.... وهو كلام مشهور متداول يقرؤه الصبيان في أول كتاب عبد الرحمن٢ ثم لا ترى أحدًا من هؤلاء الذين لهجوا، بجعل الفضيلة في اللفظ يفكر في ذلك فيقول: من أين يتصور أن يكون هنا معنى عار، من لفظ يدل عليه، ثم من أن يعقل أن يجيء الواحد منا لمعنى من المعانى بلفط من عنده، إن كان المراد باللفظ نطق اللسان ثم هب أنه يصح له أن يفعل ذلك فمن أين يجب إذا وضع لفظًا على معنى، أن يصير أحق به، من صاحبه الذي أخذ منه إن كان هو لا يمنع بالمعنى شيئًا، ولا يحدث فيه صفة ولا يكسبه فضيلة.... وفي كتاب "الشعر والشعراء" ٣، للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن قال: وعن الأمثال.

стр. 225

القديمة قولهم ... "حرًّا أخاف على جانبي كمأة لأقرأ ١ ويضرب مثلًا للذي يخاف من شيء فيسلم منه ويصيبه غيره ما لم يخفه فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال ٢: وحُذِّرتُ من أمر فمرَّ بجانبي ... لم ينكني٣ ولقيت ما لم أحذر٤ وسرّ الخلط عند الفريقين كما يراه الإمام أنهم بنوا قاعدتهم على أساس اللفظ أو المعنى ولا ثالث عندهما، وليس الأمر مجرد لفظ أو مجرد معنى، إنما هو أمر ثالث جهلوه وهو الصباغة والتصوير والنظم والتأليف، فمن شأن المعاني أن تختلف عليها الصورة، ومن شأن الألفاظ أن تنتظم بمعاني النحو وأحكامه. مثل ذلك الحاذق في الصناعة حينما يصنع خاتما أو سوارا من ذهب، فالذهب في ذاته وحجمه لا ميزة فيه ولا تفاضل بين قطعة، وإنما الميزة والتفاضل يكون في صناعتها وصقلها، وتنسيق أجزائها، ووضع كل جزء في مكانه المناسب، فتروق النظر وتستهوي اللهب، وتأخذ من النفس مأخذا كبيرا. يقول الإمام: وقد علنا أن أصل الفساد وسبب الآفة هو ذهابهم من أن شأن المعاني أن تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواص ومزايا من بعد ألا تكون، فإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصانع الحاذقن إذا هو أغرب في صنعة خاتم، وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحلي، فإن جهلهم بذلك من حالها هو الذي أغواهم واستهواهم وورطهم فيها تورطوا فيها من الجهالات، وأداهم إلى التعلق بالمحالات، وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة وضعوا لأنفسهم أساسا، وبنوا على قاعدة، فقالوا ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث٥ ". وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة خاتما، أو الذهب أسوارا أوغيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما، ولكن يحدث فيهما من الصورة، وكذلك لا تكون الكلمة المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلاما وشعرا من غير أن يحدث فيها النظم الذي هو حقيقة توخي معاني النحو وأحكامه " ٦.

стр. 226

ثم يقرّر الإمام عبد القاهر المصطلح الدقيق في التأثر، للاحتذاء ويفرق بينه وبين السرقة والأخذ فالاحتذاء عنده أن ينظم شاعر معنى في أسلوب، ثم يتناول شاعر آخر هذا النظم في نظم من عنده لذلك أنكر ابن الرومي ادّعاء البحتري بالسرقة والأخذ في بيت أبي نواس: ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرقي ساباط الديار البسابس فقد أخذه الشاعر من قول أبي خراش الهذلي: لم أدر من ألقي عليه رداءه ... سوى أنه قد سل من ماجد محصي وقال ابن الرومي لأبي نواس، فقد اختلف المعنى فيهما، قال أبو هلال العسكري الذي حكى الخبر، فهذا من حلى الأخذ والحذو مع أن حذوا الكلام حذوًا واحدًا، وأما الأخذ والسرقة عنده، فهو ألا يكون في المعنى جديدًا، حينما ينظم شاعرًا على مثال آخر، ويتفق معه في النظم والمعنى ويكون الفضل للسابق. يقول الإمام: واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه، أن يبدأ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبًا -والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه- فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب فيجيء به في شعره فيشبه بمن يقطع من أديمة فعلًا على مثال فعل قد قطعها صاحبها فيقال: قد احتذى على مثاله ... وحكى العسكري في صنعه الشعر أن ابن الرومي قال: قال لي البحتري: قول أبي نواس، ثم ذكر البيتين السابقين. قال فقلت: قد اختلف المعنى فقال أما ترى حذوًا واحدًا، وهذا الذي كتبت من حلي الأخذ في الحذو ١". ثم يفصل الإمام المعنى بين الأخذ والمأخوذ فيجعله قسمين: أ- قسم أنت ترى فيه أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلًا ساذجًا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب. وهو القسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلًا، وفي الآخر مصورًا مصنوعًا، ويكون ذلك إما لأن متأخرًا قصر عن متقدم، وإما لأن هدى متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم ومثال ذلك قول المتنبي: إذا اعتلّ سيف الدولة اعتلّت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض

стр. 227

مع قول البحتري: ظللنا نعود الجود من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اعتلّ عضو من المجد١ ب- وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى، وصور من الأمثلة لهذا القسم قول لبيد: وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل مع قول نافع بن لقيط: وإذا صدقت النفس لم تترك لها ... أملًا، ويأمل ما اشتهى المكذوب٢ وبهذا كله يحسم الإمام القضية، ويبين في غير خفاء الأخذ القبيح والأخذ الحسن ويميز بين السرقة والأخذ وبين الاحتذاء. والاحتذاء هو المحمود عنده، وهو الذي ينبغي أن يرعاه الشعراء لا الأخذ والسرقة، وهما مذمومان عنده، والاحتذاء وإن كان فيه أخذ إلا أن الشاعر قد جدد في المأخوذ، وابتكر في بعض أجزائه، بينما الأخذ في السرقة تجديد فيه ولا ابتكار. وفي الاحتذاء نوعان: - أحدهما: التأثر وقد ذكره الآمدي حينما مدح البحتري في معانيه التي أخذها من أستاذه أبي تمام وصاغها من طبعه، ولم ينكر عليه ذلك فقال: غير منكر لشاعرين متناسبين من أهل بالدين متقاربين أن يتفقا في كثير من المعاني٣". والنوع الثاني: وهو التوليد: وضحه ابن رشيق بقوله "والتوليد أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة، فلذلك يسمى التوليد، وليس باختراع لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له أيضًا سرقة، إذ كان ليس آخذًا على وجه٤". إذن فالسرقة والأخذ هما أحسن أنواع التأثر لما فيهما من التقليد وانعدام شخصية الشاعر، والتكرار الذي يبعث الملل في النفس، ويأخذها بالضيق والسأم. وإما الاحتذاء فهو أشرف أنواع التأثر لأن فيه خلقًا وابتكارًا في جانب، وتقليدًا واتباعًا في جانب آخر، وتبعًا لذلك ربما يسمو متأخر في تصويره عن متقدم حذا حذوه.

стр. 228

محتويات الكتاب الموضوع الصفحة المقدمة ٣ القسم الأول عمود الشعر العربي في موازنة الآمدي ٥ الباب الأول الآمدي الناقد الأدبي الفصل الأول الآمدي الناقد الأدبي ٧ منهج الآمدي في نقده الأدبي ١٣ ذوقه الأدبي ١٦ الآمدي وتحقيقه للنصوص الأدبية ١٩ النقد الموضوعي عند الآمدي ٢٢ الفصل الثاني تبويب كتاب الموازنة الآمدي أبواب الكتاب ٢٥ الموازنة ٢٧ الشاعر ٢٩ النقد عند الآمدي ٣١ الباب الثاني عمود الشعر العربي عند النقاد الفصل الأول مفهوم عمود الشعر العربي ٣٥ الفصل الثاني الخصائص الفنية لعمود الشعر العربي

стр. 229

الموضوع الصفحة خصائص اللفظ ٤٣ خصائص المعاني ٤٥ خصائص النظم والتراكيب ٤٧ الفصل الثالث عمود الشعر بين النقاد رأي النقاد القدماء في عمود الشعر ٤٩ عمود الشعر عند الآمدي ٥٧ الفصل الرابع عمود الشعر بين الالتزام والتحرر القدماء والمعاصرون ٦١ الالتزام والتحرر ٦٧ الباب الثالث عمود الشعر والموازنات الأدبية الفصل الأول رأي الآمدي في سرقات أبي تمام والبحتري ٦٧ الفصل الثاني أبو تمام والبحتري في ميزان النقد الأدبي أصحاب البحتري بين الجرح والتعديل ٧٧ تحامل الآمدي ٨٤ الإنصاف في نقد الآمدي ٨٧. القسم الثاني قضايا المعنى واللفظ والأسلوب ٩٤ والصورة والخيال والموسيقي الفصل الأول صحيفة بشر بن المعتمر في هذه القضايا ٩٥

стр. 230

الموضوع الصفحة بشر بن المعتمر ٩٦ منزلة الصحيفة من الفنون الأدبية ١٠٣ مجال التأثر والتأثير في التراث النقدي ١٠٧ القريحة والاكتساب ١١٠ منزلة العاطفة في الأدب ١١٨ الوزن والقافية ١٢١ منازل الأديب ومراتب الأدب ١٢٥ مقتضى الحال والصدق الفني ١٣٣ النظم والتصوير الأدبي ١٣٦ الفصل الثاني موقف النقاد من هذه القضايا في النقد القديم ١٤٦ الصورة الأدبية في النقد الأدبي القديم ١٤٧ الصورة الأدبية في العصرين الجاهلي والإسلامي ١٥٠ بشر بن المعتمر والصورة الأدبية ١٥٢ موقف الجاحظ من الصورة الأدبية ١٥٩ موقف ابن قتيبة من الصورة الأدبية ١٦٠ ابن طبا طبا والصورة الأدبية ١٦١. قدامة بن جعفر والصورة الأدبية ١٦٥ الآمدي والصورة الأدبية وموقفه من الجمال والجلال ١٦٨ القاضي الجرجاني والصورة الأدبية وموقفه من الجمال والجلال ١٧٨. أبو هلال العسكري والصورة الأدبية ١٨٦. الباقلاني والصورة الأدبية ١٨٩. ابن رشيق والصورة الأدبية ١٨٩. ابن شرق القيرواني ١٩٤. الإمام عبد القاهر الجرجاني وموقفه من هذه القضايا ١٩٤.

стр. 231

الموضوع الصفحة موقف عبد القاهر من اللفظ والمعنى والنظم والخيال والصورة الأدبية ... ١٩٥ موقفه من النظم ١٩٨ موقفه من السرقات الأدبية والصورة الأدبية ٢١٣ مظاهر التجديد في موقفه من النظم الصورة الأدبية ٢١٨ بين التأثر والتأثير وقضية السرقات الأدبية ٢٢٧. محتويات الكتاب ٢٤١. خاتمة الكتاب ٢٤٤. ثم بحمد الله تعالى وتوفيقه