Полный текст (231 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ومن ناحية الدلالة يكون اللفظ مستقيمًا إذا لم يجاف الشاعر في استعمال أصله ووضعه اللغوي، ولهذا السبب عابوا أقوال البحتري:
تشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم
فالأيم التي لا زوج لها سواء سبق لها الزواج أم لا١ فالمقابلة بينها وبين البكر غير مستقيمة، وهذه قاعدة مستقيمة لا غبار عليها.
وكذلك يكون اللفظ مستقيمًا إذا تجانس بين قرائنه من الألفاظ، لذا أخذوا على مسلم بن الوليد قوله:
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... يثني عليها السهل والأوعار
فكان الأولى أن يقول السهل والوعر، أو السهول والأوعار، ليكون البناء اللفظي واحدًا بالتثنية أو الجمع، على أن مجال التأويل هنا واسع فالسهل في مستوى واحد، على حين الأوعار مختلفة، ثم إن إطلاق القول بذلك يكذبه الاستقراء الصحيح للشعر العربي القديم، والنثر كذلك.
استأثر الله بالوفاء وبالعدل ... وولى العلامة الرجلا
لأن الملامه تتجه للإنسان أمرأة كان أم رجلًا، ولا تخصّ الرجل وحده، ويتبع الاعتبار الأخير أن تقع الكلمة موقعها في القافية، كأنها الشيء الموعود المنتظر، وبهذا يمدح بيتًا للحطيئة:
هم الذين إذا ألَّمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
فالإضاءة تتطلب ظلام الأيام، وما استجد فيها من أحداث مدلهمة١، وكذلك يحمدون في المعنى أن يكون شريفًا.
стр. 37
خصائص المعنى:
وهي أن يقصد الشاعر فيه إلى الإغراب، واختيار الصفات المثلى إذا وصف أو مدح، لا يبالي في ذلك بالواقع، فإذا وصف فرسًا يجب أن يكون الفرس كريمًا، وإذا تغزَّل ذكر من أحوال محبوبه ما يمتدحه ذو الوجه، الذي برح له الحبّ. وإذا مدح فعليه أن يذكر ما يدلُّ على شرف المقام إبداعًا وإغرابًا لا مراعاة لصدق ولصفات ممدوحه كما يراه١.
وعلى ذلك فنجد العلماء والنقاد يعنون بصحة المعنى، وألا يقع فيه خطأ تاريخي كقول زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم تنتج فتتئم
أو خطأ على حساب العرف السائد ولذلك يعيب الآمدي على البحتري قوله:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصف تصرما٢
وذلك لآن الآمدي يرى أن الشوق يشقيه البكاء، ولا يزيد منه، أو مخالفة العرب المعنوي.
كقول أبي تمام:
إذا ما رحى دارتْ أدرتْ سماحة ... رحى كل إنجاز على كل موعد
إذ جعل إنجاز الوعد بمثابة صحَّته بالرحى، وهو قضاء عليه، وذلك في العرف اللغوي لا يرون إلا خلاف٢.
والإصابة في الوصف يذكر المعاني العامة، التي هي ألصق بمثال الموصوف من حيث هو مثال، فيتجنَّب المجهول والخاص من المعاني والصفات، فزهير مثلًا كأن مصيبًا، لا لأنه مدح عرم بن سنان بصفاته الخاصة، بل لأنه مدحه بالصفات العامة للرجل الكريم من حيث إنه مثال
стр. 38
كريم، ولذلك يروون من عمر ﵁ أنه قال ﵁ "كان لا يمدح الرجل إلا ما كان في الرجال ١.
والأمور الخاصة بتصوير المعاني الجزئية، منها المقارنة في التشبيه وأصدقه "ما لا ينتقض عند العكس".
كتشبيه الورد بالخد، والخد بالورد، وأحسنه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في ال صفات أكثر من انفرادهما، كي يبين وجه التشبيه بلا كلفة، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس٢.
ثم مناسبة المستعار منه للمستعار له على حسب عرف اللغة في مجازها ولذلك عيب على أبي نواس قوله:
بح صوت المال معا ... منه يشكو ويبوح
يريد أن المال يتظلم من إهانته وتمزيقه بالإعطاء لكرم صاحبه. والاستعارة قبيحة لأنه لا صلة بين المال والإنسان٣.
стр. 39
خصائص النظم والتراكيب:
ويقصدون بذلك إلى الانتقال من كل جزء من أجزاء القصيدة التقليدية إلى الجزء الآخر على نحو جيد على حسب ما جرت به تقاليد القصيدة العربية منذ الجاهلية، على الرغم من أن هذه الأجزاء بما تشتمل عليه من وقوف على الأطلال، وذكر الديار والحبيب، والرحلة إلى المحب، ثم المدح، لا صلة في الواقع بينهما، ولا يمكن أن تتكون منها وحدة عضوية، إنما يريدون وصل هذه الأجزاء وكفى، على أن إجادة هذا الوصل، وهو ما يسمونه حسن التخلص من غرض إلى غرض في القصيدة هي ما عنى به المتأخرون دون الجاهلية والمخضرمين -إذا كانت العرب تقول عند فراغها من وصف الإبل وذكر القفار يقولون: دع ذا، أو عد من ذا١. ليأخذوا فيما يقصدون إليه من غرض القصيدة الأصلي، ولهذا لم يؤثر حديث نقاد العرب عن التحام الأجزاء في بنية القصيدة، بل اتخذوا القصيدة الجاهلية نموذجًا على ما بين أجزائها من تفاوت.
يتناقص مع ما نعرفه اليوم من معنى الوحدة.
وحول عمود الشعر وما تفرغ عنه من أمور النقد ثارت عند نقاد العرب كل مسائل الخصومة بين القدماء والمحدثين. إذ أن هؤلاء المحدثين قد انحرفوا قليلًا في صناعتهم عما يقتضيه عمود الشعر من أصول.
وقد اعترف نقاد العرب في أمر هذه الخصومة، فمنهم من تعصَّب للقديم لقدمه، وبخاصة الرواة واللغويون كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي، وكان أبو عمرو لا يحتج ببيت من الشعر الإسلامي وكان يقول: "لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته ١.
ولا وزن لمثل هذه الأراء والقول الفصل في هذا ما قاله ابن قتيبة:
ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين العدل للفريقين، وأعطيت كلا حقَّه ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصَّ به قومًا دون قوم١.
ولقد فطن نقاد العرب في موازنتهم بين الشعراء، وفي الخصومة بين المحدثين والقدماء إلى أثر البيئة الطبيعية والثقافية. وأرجعوا إليها
стр. 40
الاختلاف بين جزالة أدب البدو والأعراب، ورقة أهل الحضر، وسهولة ألفاظها ومعانيها، وبخاصة بعد الإسلام حين "اتسعت ممالك العرب، وكثرت الحواضر، ونزحت البوادي إلى القرى، ونشأ التأدّب والتظرف فاختار الناس من الكلام ألينه وأسهله ٢.
ونلاحظ أن أول من نبَّه إلى أثر البيئة في الشعر هو ابن سلام الجمحي في طبقاته، فقد علَّل لين الشعر عند عدي بن زيد، بأنه كان يسكن الحيرة ومراكز الريف وفي قلَّة الشعر في الطائف ومكة لقلة الحروب؛ لأن الشعر إنما يكثر بالحروب كحرب الأوس والخزرج. ولذا قلَّ الشعر بين قريش إذ لم يكن بينهم ثأرة ولم يحاربوا٢.
ومبدأ تأثير البيئة في ذاته صحيح، ولكن ابن سلام لم يستطع أن يفيد منه كمبدأ من مبادئ النقد الأدبي، وأن يكن قد حاول به أن يعلل تعليلًا موضوعيًّا للظواهر الأدبية.
وبعد هذه الاتجاهات النظرية العامة علينا أن نفضّل القول في مختلف الاتجاهات في النقد العربي مع تقويمها تقويمًا حديثًا.
ويمكن تقسيمها إلى اتجاهين كبيرين:
ما يخصُّ وحدة العمل الأدبي من حيث أجناس الأدب من شعر ونثر، ثم من حيث ترتيب أجزاء القول والأهداف الإنسانية للأدب.
والاتجاه الكبير الآن الذي يتحدث النقاد فيه عن القيم الجمالية للوحدة البلاغية وأزمة التجديد فيها. ثم فيما سموه اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون.
стр. 41
الفصل الثالث: عمود الشعر بين النقاد:
رأي النقاد القدامى في عمود الشعر:
١- ابن قتيبة ١ ٢٢٦ هـ".
يرى أن نهج الشعر الجاهلي في القصيدة ومسلكه القديم من الوقوف على الديار واستبكاء الأصحاب ونعت الآثار، والتخلص من ذلك في حذق ولطف إلى الغرض الذي أنشأ الشاعر من أجله قصيدته. بعد أن امتلك الإصغاء. ومهد النفوس لما يعد هو مقبل عليهم. انتقل إلى غرضه وما بنى بسببه القول.
يعتبر ابن قتيبة هذا المسلك في منتهى الإجادة شعرًا وشاعرية وهو القائل: "فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب. وعدل بين هذه الأقسام فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين ولم يقطع وبالنفوس ظمأ إلى المزيد ثم يقول ابن قتيبة:
"وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، فإن المتقدمين وقفوا على المنزل الدائر، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير".
وأضاف ابن قتيبة في نهجه الوحدة الفنية في القصيدة. واقتران المعنى بين الأبيات، وأن تكون الأبيات الشعرية كلًّا واحدًا. وكأنما صبت في قالب واحد، فلا تباين بينها في الألفاظ أو المعاني واعتبر من التكلفة والصناعة في الشعر أن ترى البيت مقرونًا بغيره ومضمونًا إلى غير لفقه.
وليدلل على صحة قوله يورد قصة "عمر بن لجأ" الذي قال لأحد الشعراء أنا أشعر منك. قال: وبم فضلتني؟ فأجابه: لأني أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه.
وجعل ابن قتيبة ذلك هو مناط المفاضلة بين الشعراء.
стр. 42
٢- قدامة بن جعفر "٣٢٨ هـ":١
يوجب تألف اللفظ والمعنى، وكذلك الوزن والقافية، ولكنه مع ذلك يخصص بالدرجة الأولى وحدة البيت، ويشترط أن يكون لكل بيت معنى تام مستقل.
وعقده أن الشاعر إذا أتى بالمعنى الذي يريد في بيت واحد، كأن ذلك أشعر من الذي أتى بذلك في بيتين كقول الشاعر:
إذا أنت لم تستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
مع قول الآخر:
إذا أنت في كل الأمور معا ... تبا صديقك لم تلق الذي لا تعانيه
فعش واحدًا أو صل أخاك ... فإنه مقارف ذنبًا تراه ومجانبه
ومن العيب الواضح عند قدامة الناقد احتياج البيت إلى آخر ليتم معناه، فالمعنى يطول عن أن تحتمل العروض تمامه في بيت واحد فيقطعه الشاعر بالقافية ويتمَّه في البيت الذي يليه.
وقد سئل حماد الراوية:
بم تقدم النابغة؟
فأجابه باكتفائك بالبيت الواحد من شعره. لا بل بنصف بيت. لا: بل بربع بيت مثل قولي:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
وقوله كل نصف بيت يغنيك عن صاحبه.
وقوله: أي الرجال المهذب.
وقوله: وربع بيت يغنيك عن غيره.
стр. 43
٣ - "أبو هلال العسكري١ "٣٩٥ هـ":
وأبو هلال يكتفي من المعنى أن يكون صوابًا. ويشترط جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهاءه وصحة السبك والتركيب. والخلو من إعوجاج النظم والتأليف إذ يقول:
"وليس الشأن في إيراد المعنى، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبادي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، من صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف".
"وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابًا. ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التي تقدمت.
وذهب أبو هلال إلى أن الكلام إذا كان لفظه حلوًا عذبًا، وسلسًا سهلًا، ومعناه وسطًا دخل في جملة الشعر الجيد، وجرى في صفته مع النادر، واستشهد الناقد البلاغي على صحة مذهبه هذا بقول الشاعر:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهاري رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
يقول العسكري: "وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى وهي رايقة معجبة".
٤- ابن طباطبا٢ "٣٣٢".
أما ابن طباطبا فذكر في كتابه عيار الشعر أن الشعر صناعة وأن الصناعة تقتضي الفصل بين اللفظ والمعنى مما قال في ذلك:
стр. 44
تألَّت الحكماء: "إن للكلام الواحد جسدًا وروحًا. فجسده النطق وروحه المعنى. فالواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة. بمعنى أن يتقنه لفظًا ويبدعه معنًى".
ثم يجرى ابن طباطبا الألفاظ والمعاني في لفق واحد فيقول:
"وللمعاني ألفاظ تشاكلها فتحسن فيها، وتقبح في غيرها".
"فهي لها كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسنًا في بعض المعارض دون بعض".
وفضل القول فيما أسماه الأشعار المحكمة وأضدادها:
"والأشعار المحكمة عنده هي المحكمة الوصف، المستوفاة المعنى، السلسلة الألفاظ، الحسنة الديباجة، فهو يهتم باستيفاء المعاني. إلى جانب ثلاثة أمور تحكم الشعر في نظره وهي:
الوصف المحكم -اللفظ السلس- الديباجة الحسنة.
وثلاثتها تحتوي على عمود الشعر، ثم مثل ابن طباطبا لهذه الأمور الثلاثة يقول أبو ذؤيب الهذلي في هذه الأبيات:
من المنون وريها تتوجع ... أوالدهر ليس بمعقب من يجزع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألغيت كل تميمة لا تنفع
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
المرزوقي١ "٣٢١ هـ":
على أننا لا ندري أحدًا فصل في عمود الشعر، ورتبه وشرح عليه، وهمشه وأفاض في ذلك. وقارب الغاية، وأضفى على النهاية، وأجاد مثل المرزوقي الناقد، يقول المرزوقي:
"الواجب أن يتبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب. ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نظام القريض من الحديث".
стр. 45
ويتحدَّث المرزوقي عن عمود الشعر، مبينًا ليناته الفنية، التي يبنى منها فيقول: "إنهم كانوا يحاولون شرف فالمعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف. والمقاربة في التشبيه. والتحام أجزاء النظم والتثامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائها للقافية، حتى لا منافرة بينهما، فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها عياره.
فعيار "١" المعنى أن يكون شريفًا صحيحًا مصيبًا، فإذا عرض على العقل الصحيح والقيم الثاقب واقتنع به كأن مقبولًا. وإلا نقص بمقدار ما فيه من باطل وخطأ. والعقل الصحيح يحكم على المعنى بعد أن يعرضه على واقع الحياة حينًا وعلى معارف العلم حينًا آخر. ومن ذلك:
ذهب جرير يمدح عبد الملك بن مروان فأنشأ يقول:
أتصحوا أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح
فحينما سمع منه الخليفة الشطر الأول من البيت تطير منه ولامه بقوله:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
فجعل الخليفة يهتز طربًا ويقول: نحن كذلك. ردَّها على. فأعادها عليه والخليفة يزداد زهوًا ويقول: من مدحنًا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت. ولقد استجاد الخليفة بيت الشاعر وجعله نموذجًا للمديح، ولم يكن طربه للفظ أو للنظم فالقصيدة على نمط واحد منهما، ولكن الذي شدا به وآثر هو معنى البيت، فقد يكون الركوب للحرب والنزال أو للصيد والطرد، أو للسبق والمباراة. أو للهلك والحكم، أو لغير ذلك مما يجري على هذا النمط، ومن أجل هذه المعاني جميعًا انتخب البيت، وطرق كوامن الفخار والعزة في نفس الخليفة١.
ب- وعيار اللفظ الذوق المرهف الذي هذبته الرواية، وصقلته الثقافة وكان جزلًا مشاكلًا للمعنى المراد منه.
стр. 46
عندما أنشد المتنبي سيف الدولة قصيدته. التي يهنئه فيها بالانتصار على الروم في موقعة الحدث٢ وانتهى إلى قوله فيها:
وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
قالوا: عاب سيف الدولة البيتين بأن شطريهما لا يلتئمن وكان حقهما عنده:
وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
وحجة سيف الدولة أن طريقته هذه والموت لا شك فيه مع الإشراق والابتسام أدلّ على تناهي الشجاعة وبلوغ الجرأة الغاية، فالألفاظ لم تقع مواقعها في نظر سيف الدولة ودافع المتنبي عن وجهة نظره.
بأنه لم ذكر الموت في أول البيتين أتبعه بذكر الردى ليجانسه. ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسًا. وعينه من أن تكون باكية. اتبعه بذكر وجه الممدوح الوضاح الباسم، وذلك ليوجد أساسًا للمقابلة بين الشطرين.
ج وعيار الإصابة في الوصف ما أوتيه الأديب من ذكاء وحسن تمييز، وبها يدرك ما هو أشد لصوقًا بالشيء فيكون من صفاته الأساسية، ولذلك عدوا من نوادر الشعر هذا البيت:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب للقبر دل على القبر
وكذلك البيت الذي وصفه المفضل: بأن أوله أكثم بن صيفي في إصابة الرأي وآخره بقراط الطبيب في معرفته بالداء والدواء:
стр. 47
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
د وعيار المقاربة في التشبيه هو التفطن لما بين الأشياء من صلات، وحسن تقدير هذه الصلات، حتى يوقع التشبيه بين أبرزها وأشدها وضوحًا. ومنه: سمع جرير عدي بن الرقاع وهو ينشد عبد الملك بن مروان قصيدته:
عرف الديار توهمًا فاعتداها ... من بعد ما شمل البلى بلادها
فلما قال:
تترجى أغن كأن إبرة روقة
قال جرير: إنني رحمته من هذا
التشبيه. وقلت بأي شيء يشبه يا ترى؟ فلما قال: قلم أصاب من الدواة مدادها. فقد رحمته من نفسي.
هـ وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن عن الطبع واللسان، فما لم يستثقله الذوق من الأبنية، ولم ينحبس اللسان في النطق به يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة، لأن أجزاءه سليمة متقاربة. ولقد كان النقاد دائمًا يسألون أنفسهم هنا السؤال: أي بيت تقوله العرب أشعر١.
وكانوا يجيبون على هذا السؤال في كل عصر وزمان. ومن ذلك ما رواه ابن عبد ربه. "قال عمرو بن العلاء: هو البيت الذي إذا سمعه سامع سولت له نفسه أن يقول مثله. ولأن يخدش أنفه يظفر كلب أهون عليه من أن يقول مثله.
وقال الأصمعي: هو البيت الذي يسابق لفظه معناه.
وقال زهير:
وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
стр. 48
"و" وعيار الاستعارة كعيار التشبيه السابق وحسن الشبه. ربما أنها مبنية على التشبيه ينبغي أن يكون التشبيه في الأصل قريبًا حتى يتناسب الشبه والمشبه به ومن ذلك قول الطائي:
وكيف احتمالي للسحاب صنيعة ... باسقائها قبرًا وفي جوفه البحر
"ز" وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية هو الدرية الطويلة والمدارسة الدائمة، فإذا حكم بأن اللفظ يؤدي المعنى تمام الأداء. ليس فيه جفوة ولا زيادة ولا قصور، وكان اللفظ مقصورًا على مقادير المعاني، فهو البريء من العيب، وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود به المنتظر. يتم بها المعنى، ويستوفي بها كماله، وإلا كانت قلقة في مقرها.
стр. 49
عمود الشعر عند الآمدي:
وفي كتاب١ الموازنة بين أبي تمام والبحتري نجد أبا القاسم للحسين بن بشر الآمدي ينحاز إلى جانب اللفظ كثيرًا، وذلك عندما يقف بين اللفظ والمعنى أو يطبق نظرية في عمود الشعر على الشاعرين السالفين.
وتراه ينوّه بشعر البحتري ويشيد به فيقول:
ودقيق المعاني موجود في كل أمة. وكل لغة. وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه. المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة. وغير منافرة لمعناه. فإن الكلام لا يكتسى البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف وتلك طريقة البحتري.
قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر. لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى. وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة، مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهزر الزائد، على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصانًا يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري:
والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه
وقال أيضًا:
ومعانٍ لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركن اللفظ الغريب فأدركه ... به غاية المرام البعيد
стр. 50
فإن اتفق -مع هذا- معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن. فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق، فقد قام الكلام بنفسه. واستغنى عما سواه".
ثم يطبق الآمدي الناقد نظرية عمود الشعر على الشاعر الآخر أبي تمام، فيذري بطبقته لاعتنائه بالمعنى والمحسنات اللفظية كثيرًا، ويضع منه فيقول:
"قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدرك لما يعتمد دقيق المعاني من ناصفة اليونان، أو حكمة الهند، أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورد منها بألفاظ متعسّفة، ونسج مضطرب. وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليمه قلنا.
قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيمًا، أو سميناك فيلسوفًا، ولكن لا نسميك شاعرًا. ولا ندعوك بليغًا؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب. ولا على مذهبهم. فإن سميناك بذلك "حكيمًا أو فيلسوفًا" ثم نلحقك بدرجة البلغاء، ولا المحسنين الفصحاء. وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف، ورداءه اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق، ويفسده ويعميه، حتى يحتاج مستمعه إلى طول التأمل، وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره.
وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسنًا ورونقًا، حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب البحتري. ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام.
ونحن نسلم للآمدي بأنه من أتى من الشعراء بالمعنى الدقيق في لفظ رديء، مع سوء في التأليف فقد ذهب بطلاوة المعنى، وأفسدها وعماها، وأحوج المتذوق إلى طول التأمل، وتحير الفهم، وهذا يبعد عن الفطرة والبلاغة العربية.
ولكننا لم نسلم له أن يوازن بين الشاعرين في عمودية الشعر، ومدى التزام شاعرية كلا منهما به، معرفًا مذهب كليهما في الشعر، وهو ينظر إليهما بنظرة الأعور للأشياء المحسوسة.
стр. 51
فهو يركز على اختيار الشاعر لألفاظه ورصفه لحروفه وانتقائه في بنائه. وهذا الاختيار والرصف والانتقاء ووضع الألفاظ مواضعها على اللسان المطبوع في قول الشعر. والذوق المرهف المصقول والملكة الشاعرية. ثم بعد الألفاظ عن التكلف والتصنع والتعقيد. ثم وفائها بالمعاني. فذلك الشاعر عند الأمدي. والآخذ بعمود الشعر، وذلك أيضًا مذهب البحتري.
أما المعاني وهي التي أغرم بها أبو تمام في مذهبه. والدقيق منها بخاصة كما يقول الآمدي فموجودة في كل أمة وكل لغة.
ولأجل اختيار الألفاظ ووفائها بمعانيها بعيدة عن التكلف والتعقيد في سلاسة وسهولة، انفردت اللغة العربية من بين سائر اللغات بالبيان المعجز.
وصاحب المعاني الدقيقة البعيدة الغور. والتي تحتاج إلى طول تأمل وأعمال فكر وكد ذهن. هو في نظر الآمدي حكيم أو فيلسوف. ولا يليق أن ندعوه شاعرًا أو بليغًا.
والحقيقة أن لكل شاعر منحاه الذي ينهج، فهذا شاعر فيلسوف مثل المعري وذلك شاعر حكيم كالمتنبي، وشاعر ثالث ولُوع بالغوص على المعاني كأبي تمام، ولكل شاعر أن يبتعد عن عمود الشعر أو يمتلكه، ولكل نغمه وشدوه، ورخيم صداه وعذوبة لحنه، ولكن ليست الحقيقة أن يوصف الشاعر بالعندليب الصداح وآخر يذكر بالبوم النعاب.
стр. 52
الفصل الرابع: عمود الشعر بين الالتزام والتحرر:
بين القدماء والمعاصرين:
ويتقدم الزمن مع كل جديد. ويجيء الشعراء المحدثون من ذوي الثقافات الجديدة كأبي تمام وابن الرومي وغيرهما. ويخرج شعرهم على عمود الشعر خروجًا واضحًا، ويختلف فيهم النقاد اختلافًا ظاهرًا. كما ترى في أحكام كثيرة على أبي تمام بالخروج على عمود الشعر، وكذلك ابن الرومي الذي قال فيه ابن رشيق:
أولى الناس باسم شاعر. لكثرة اختراعه وحسن افتنائه".
ومع ذلك: أهمله أبو الفرج، وذمَّه القاضي الجرجاني في كتابه الوساطة، بينما أعجب به النقاد المعاصرين أمثال طه حسين والعقاد والمازني وغيرهم. وسلفًا تعصَّب لعمود الشعر في القرن الثاني الهجري فريق من النقاد وأهملوا شعر المحدثين من الشعراء لخروجهم على عمود الشعر ١.
وينقسم النقاد القدامى إلى قسمين ولكل رأيه ووجهة نظره:
١- فأبو عمرو بن العلاء "١٥٤ هـ" رأس مدرسة المحافظة كان شديد التعصب على المحدثين لخروجهم على عمود الشعر، وهو صاحب الكلمة المأثورة عن تعصّبه، وذلك عندما سُئل عن شعر المولدين فقال:
"ما كان من حسن فقد سبقوا إليه. وما كان من قبيح فهو من عندهم".
ويتحدث عنه الأصمعي فيقول:
"جلست إليه عشر سنين فما سمعته يحتج ببيت إسلامي فضلًا عن أن يحتج، بشعر المحدثين، وهو القائل: "لو أدرك الأخطل يومًا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدًا".
فأبو عمرو كان شديد التعصب للشعر الجاهلي، ولا يعدّ الشعر إلا ما كان للمتقدمين ويتابع أبا عمرو بن العلاء في الإزراء لشعر المحدثين، ويشيد بشعر القدماء ابن الأعرابي، الذي كان يقول في شعر أبي تمام، "إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل".
стр. 53
وكذلك: أبو عبيدة الذي يرى أن أشعر الناس امرؤ القيس والنابغة وزهير. وأشعر الإسلاميين جرير والفرزدق والأخطل. كما كان الخليفة المأمون يتعصب للأوائل من الشعراء ويقول:
وأيضًا إسحاق بن إبراهيم الموصلي. الذي كان شديد العصبية لشعر الأوائل وينصرهم دائمًا على المحدثين، فطعن على أبي نواس وعلى أبي العتاهية وعلى أبي تمام ولكن لا يعتدّ ببشار.
كما كان زعيم مدرسة تعظم الإقدام على الغناء بالقديم. وتنكر تغييره بالحديث ولنضرب لذلك التعصب مثلًا:
أنشد إسحق الموصلي يومًا الأصمعي هذين البيتين:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروي الصدى ويشفي العليل
أن ما قل منك يكثر عندي ... وكثيرًا مما تحب القليل
فقال: لمن تنشدني؟ قال لبعض الأعراب.
فقال: والله هذا هو الديباج الخسرواني. قال إنهما لليلتهما؟؟
فقال: لا جرم والله إن أثر الصنعة والتكلف بين عليهما.
والسؤال: لم كان هذا التعصب من القدماء على المحدثين من الشعراء؟ ولعلَّه في اعتذار الباقلاني عن تعصب هؤلاء حيث قال:
إن هذا لميلهم وحبهم للشعر الذي يجمع الغريب والمعاني.
وفي اعتذار ابن رشيق الذي قال٢:
لحاجتهم إلى الشاهد وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون.
ذلك مما يجيب عن سؤال السائل. ويطمئن من النفس بعضًا من تساؤلها وإن كان لا يشفي، وهنا ابن رشيق يعود ثانية ليقول:
"إنما مثل القدامى والمحدثين كمثل رجلين ابتدأ هذا بناء فأحكمه
стр. 54
وأتقنه ثم أتى الآخر فنقشه وزينه فالكلفة ظاهرة على هذا وإن حسن والقدرة ظاهرة على ذلك وإن خشن".
وهذا مثال إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على مقدرة الشعراء القدامى على المحدثين.
٢- والقسم الثاني هو مدرسة الإنصاف بين القديم والحديث. والمحدث وعلى رأسها الناقد خلف الأحمر فارس حلبة النقد، وكان يفاضل بين النماذج المحدثة على الشعر الجاهلي، وهو الذي فضل لامية مروان على لامية الأعشى، وكذلك من النقاد الذين يتابعونه ويسيرون خلف لوائه: الجاحظ وابن قتيبة الذي قرَّر في مقدمة كتابه: مبدأ الإنصاف:
"ولم أنظر إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه. ولا إلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره.
بل نظرت بعين العدل على الفريقين. وأعطيت كلًّا حظه ووفرت عليه حقَّه. فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف قائله. ويضعه في متخيره ويرذل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأى قائله. ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصَّ به قومًا دون قوم".
ولقد كان الجاحظ ينكر غلوَّ المتعصبين على المحدثين. ومن أمثاله. المبرد وابن المعتز وابن قتيبة وغيرهم.
وظهر الشعراء المحدثون والمولدون إبان العصر العباسي يأخذون في التجديد في الشعر. ذلك لنشأتهم في هذا العصر وحضارته. والنهل من ثقافته ومن ذلك الامتزاج القوي، الذي حدث بين العرب والأمم الأجنبية في كل شيء، من فكر وحضارة وثقافة وغير ذلك: تجدهم زادوا في معاني المتقدمين من الشعراء, واهتدوا إلى معانٍ جديدة. وأتوا بأخيلة وتشبيهات مبتكرة. وكتبوا في أغراض غير الأغراض القديمة فوق ما صنعوه من تسهيل الأساليب والوزن الشعري، فصبغة الثقافات الجديدة من يونانية وفارسية لعقلية المولدين كانت لها آثارها عليهم
стр. 55
في التفكير والمعاني والتقسيم وطرافة الخيال. وخرجوا في أحيان كثيرة عن عاطفة الشاعر إلى عقل المفكر وحكمة الحكيم، فاشتهر صالح بن عبد القدوس وأبو العتاهية ومحمود الوراق في فن الحكمة والمثل.
وكان العتابي يذهب شعره في البديع الذي تكلفه مسلم من المولدين وتبعه أبو تمام. وكانت موجة البديع وتكلفه خروجًا على عمود الشعر في رأي الأكثرية الغالبة من النقاد.
وجاء العصر الحديث وقد نظر الشعراء المعاصرون إلى عمودية الشعر نظرة خاصة، وانصرفوا عن الأوزان القديمة والمولدة جملة. وأقبلوا على الشعر الحر والمرسل والمنثور وغيرها من ضروب التجديد. في القصيدة الشعرية، فيمعنون كل الإمعان في الخروج على عمودية الشعر، وعلى رأسهم رائد مدرسة أبولو الشعرية "دكتور أحمد زكي أبو شادي" ١.
وكذلك مدرسة الديوان وجميع الثائرين على القصيدة العمودية، ومن وجهة نظرهم. أنهم يرون أن الخروج على الوزن التقليدي يجر الشاعر إلى استخدام أسلوب وإيقاع "وتكنيكات" تضرب جذورها في اعماق عقله الباطن وتملي عليه الإيقاع والأسلوب والإعجام، فتغلبه على إبداعه وعلى شخصيته، وتجعله غير قادر على التعبير في كل الموضوعات والحالات الشعرية.
ويحسن بنا أن نسأل:
هل ما يزعمه الدكتور أبو شادي على لسان أصحابه الثائرين على القصيدة العمودية صحيحًا أو مجردًا من قيود الفن؟
أو ضريبة الإبداع؟ وثمن الخلود؟
وقد أعجبني ردّ الدكتور خفاجي على هذه التساؤلات فيقول: ١ ونحن لا نتابع مذهب الذين يرمون الصياغة الكلاسيكية بأنها تغلب الشاعر على إبداعه وشخصيته، ففي رأينا أنها لا تقف حائلًا بينه وبين الإبداع وإظهار شخصيته المستقلة، وحريته الفنية الواسعة، إن الشاعر الموهوب لا تعوقه أبدًا قيود الوزن والقافية".
وقد يتسنى لنا أن نقول:
إن النظم أحسن من النثر الذي هو من جنسه، ومع هذا فالنظم قيد على الشعر ولكنه قيد ضروري لا بد منه.
стр. 56
والذين يتداعون إلى الشعر الحر، ويهتفون بحياة الشعر المرسل والمنشور تحت ستار دعوى الحرية والانطلاق في تصوير مشاعرهم وانفعالاتهم وأخيلتهم وأفكارهم وأحاسيسهم زاعمين أن هذه الحرية، وذلك هو الانطلاق يتيح لهم الصور الجميلة والألفاظ العذبة الرقيقة والجرس السلس المنغم.
وإن هذا النظم قيد حديدي. والقافية وثاق يحدّ من انطلاق هؤلاء، وقد يكون من الضروري أن نذكرهم بشعراء خلدهم التاريخ أمثال زهير والنابغة وأبي العلاء والمتنبي والبحتري والبارودي وشوقي وغيرهم. لم يربطهم قيد الأوزان العروضية على العي والتبلد. ولم تكبح القافية انطلاقاتهم الوجدانية، ولم تغل مشاعرهم أو تخبو أفكارهم على صخرة القوانين الإيقاعية، ولم تقف أبحر الخليل بن أحمد حجر عثرة في طريقهم. وإنما كانت في ركابهم ومقياسًا على براعتهم.
والحقيقة أن دعوى الشعر الحر هي دعوة للخمود والتبلد والضعف والعجز، ومناصرة للعي واللحن وهي أيقاظ للعامية والابتذال.
لأن الحقل اللغوي للشعر الحر جدب وقحط، لا تنوع فيه بين الألفاظ ولا بين الأساليب يكتفي فيه الشاعر المتحرّر بما انتهى إليه من ألفاظ وتراكيب في مرحلة زمنية محددة لا يثريها ولا ينميها، ولا يسمو ذوقه الأدبي فيها.
ويكون هذا المستنقع الشعري الراكد مباءة لألفاظ السوقة، وكلمات العامة، وآفات اللغة، وقوارض الإيقاع، واضطراب الوزن، ومنحيات الموسيقى ومطباتها.
وفصل القول في عيوب الشعر الحر أنها تدفع بأصحابها إلى بداية المنزلق، الذي يتدحرجون فيه إلى قبر اللغات، فيخبو نورها، ويذهب سحرها، وينطفئ ضوءها وتتخاوص حيويتها، وأنَّى لهم ذلك فلغة القرآن قد هيأ الله تعالى من يدافع عنها قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
стр. 57
بين الالتزام وهدمه
لكي يكون الشاعر شاعرًا يجب أن يكون قبل كل شيء ذا موهبة فطرية. ثم يكون ذا ذكاء يميزه وحسن تقدير وذوق مرهف يدرك ما في الأوزان من قبح وجمال، وأن يكون عنده ثقافة أدبية واسعة تعتمد على الدربة والدراية، وطول الممارسة والمران للنصوص الأدبية ودواوين الشعراء في كل عصر.
عمود الشعر يتطلب منه معنى صحيحًا وشريفًا ويلبس لفظًا مصيبًا ومختارًا جزلًا منتقى ومشاكلًا للمعنى الذي في النفس، ومطابقًا للأسلوب متفردًا متميزًا. متلائمًا مع نسج التركيب، وموسيقى الوزن ومطابقة الخيال، وقرابة التشبيه. وموافقة الغرض والمقصد، فيكون الشاعر مطبوعًا في كل ذلك. وليس متكلفًا ولا متصنعًا في شيء من ذلك.
فإذا أقام عمود الشعر كان شاعرًا مبرزًا، وإلا فبقدر ما تتضح به قريحته وينزع به دلوه من الشعر.
أما هؤلاء الذين يغوصون على المعاني وبهم نهم إلى سبرها لتخرج على أي معرض التقطت به، ولا يعينهم الأسلوب أو النسج بقدر عنايتهم للمعنى وتهالكهم عليه. فذلك النائون عن عمود الشعر ولهذا اتهم النقاد أبا تمام بالخروج عن عمود الشعر لكلفه بالمحسنات اللفظية. جُلّ هؤلاء يبعتون بأمر الجناس والمطابقة وفنون البديع أكثر من وضوح المعنى وسهولة اللفظ وسلامة الأسلوب. وهم لا يبالون أن يغمض المعنى ويعمى إذا سلم لهم فنم ن فنون المحسنات البديعية.
أولئك البعيدون عن نهج القدماء وعمود الشعر. ومن أجل ذلك أولعوا بالمطابقة والجناس، بينما وصفوا تلميذه البحتري بأنه ملتزم لعمود الشعر لسهولة شعره. وانتقاء لفظه ووضوح معناه وإحكام نسجه، وتوسمه خطى سلفه.
التزام أبي تمام والبحتري:
قد يكون من الإنصاف أن نقدّم نصين للشاعرين أبي تمام والبحتري تحت باب المواجهة بينهما. وكأنهما في ميدان الشعر فرسا رهان.... ننظر أيهما أطول بابًا. وأعلى كعبًا. ونلمس فيها مدى قدرة كل منهما.
стр. 58
الشاعرية على جمال الوصف وأحكام النضج، وسلامة الأسلوب، وانتقاء الألفاظ، ولقد قالا الاثنان في وصف الربيع:
نزلت مقدمة المصيف حميده ... وبين الشتاء جديدة لا تفكر
مطر يذوب الصحو منه وبعده ... صحو يكاد من النضارة يمطر
غيثان: فالأنواء غيث ظاهر ... لكل وجهه والصحو غيث مضمر
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الروض كيف تصور
وقال البحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجى ... أوائل وردكن بالأمس نوما
يفتقها برد الندى فكأنه ... بيت حديثًا كان قبل مكتما
ثمن شجر ردّ الربيع رداءه ... عليه كما ذكرت وشيًا منمنما
ورق نعيم الروح حتى حسبته ... يجيء بأنفاس الأحبة نعما
ولا يخفى على القارئ النصان فيرى ولوع أبي تمام وتكلفه بالمحسنات اللفظية وفن البديع، وولوعه بالطباق والجناس والمقابلة. وانظر: غيثان فالأنواء غيث ظاهر لك والصحو غيث مضمر، كما لا يخفى جمال التعبير وسهولة الألفاظ وقدرة التصوير عند البحتري. وانظر قوله أتاك الربيع الطلق البيت، وهكذا فاق البحتري سلفه وأستاذه.
стр. 59
الباب الثالث: عمود الشعر والموازنات الأدبية
الفصل الأول: رأي الآمدي في سرقات أبي تمام والبحتري
...
الباب الثالث: عمود الشعر والموازنات الأدبية:
الفصل الأول: الآمدي في سرقات الشاعرين:
أوردنا في الفصل السابق موجزًا من سرقات الشاعرين في نظر الآمدي الناقد. ولنا أن نسأل صاحب الموازنة.
أليست القاعدة في نقد السرقات الأدبية أن الشاعر إذا سرق معنى من آخر فأدَّاه بأبلغ من المسروق منه انفرد الأخير بالفضل. ولم يكن ذلك عيبًا عليه. وكان صاحب الزيادة مثله في الفضل إن لم يكن أفضل منه.
وإذا سلم لنا الآمدي بتلك وهو الواجب عليه. لأنها قاعدة في ذلك الفن. فأي شرف احتجز أبو تمام به وأقام الدليل عليه فيما أوردناه؟ أهو البيت الذي وصفه الآمدي نفسه بأنه أحسن ابتداءات أبو تمام؟
السيف أصدق أنباء من الكتب ... البيت
لم هو بيت الرثاء: توفيت الآمال بعد محمد ... البيت؟
أم هو البيت والذي وصفه المدعى بالسرقة لأنه الأحسن وأن الشاعرقد جاء فيه بالزيادة، قد ينعم الله بالبلوى وأن عظمت؟ البيت أم هو الآخر الذي أحسن الطائي في لفظه وأجاد في معناه:
باعتراف الآمدي وفيه يقول الشاعر:
نعود بسط الكف حتى لو أنه ... دعاه لقبض لم تجبه أنامله
ألم هو البيت الذي لا يجحد فضله إلا مكابر؟ وفيه يقول الطائي:
لا تنكري عطل الكريم من الغني ... فالسيل حرب للمكان العالي
قد يتوجب الاتصاف علينا أن نقول: إن الآمدي ينظر إلى الشاعرين في مساوتهما ومزاياهما معًا بعين تختلف، وهو بعد ذلك يقول:
"وأذكر طرفًا من سرقات أبي تمام -وإحالاته - وغلطه - وساقط شعره" فإذا ما التفت إلى البحتري هشّ له وقال:
- أما مساوئ البحتري - من غير السرقات فقد دققت واجتهدت أن أظفر له بشيء يكون بإزاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر الأنواع التي ذكرتها فلم أجد في شعره، لشدة تحرزه وجودة طبعه.
وتهذيب ألفاظه - من ذلك ما أرى إلا أبياتًا يسيرة".
стр. 60
فإذا ما استعرضنا ما أوردناه من سرقات البحتري هذا. وجدنا تعريف السرقة للشاعر. يكاد ينطبق عليه تمامًا وانظر معي:
١- قال أبو تمام:
وإذا أراد نثر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
قال البحتري:
ولن تسبين الدهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
٢- قال أبو تمام:
فكاد بأن يرى للمشرق شرقًا ... وكاد بأن يرى للغرب غربًا
قال البحتري:
فأكون طورًا مشرقًا للمشرق الأقصى ... وطورًا مغربًا للمغرب
٣- قال أبو تمام:
وكيف احتمالي للسحاب صيغة ... بإسقائها قبرًا وفي جوفي البحر
قال البحتري:
ملآن من كرم فليس يضرُّه ... مرُّ السحاب عليه وهو جهام
٤- قال أبو تمام:
وما خبر برق لاح في غير وقته ... وواد نجد ملآن قبل أوانه
قال البحتري:
وأعلم بأن الغيب ليس بنافع ... للناس ما لم يأت في إبانه
وهكذا نجد أن البحتري سرق أبا تمام لفظًا ومعنًى. ثم قصر عنه أسلوبًا وتصويرًا. وكان هو المفضول ولكن الآمدي يرى غير ذلك. ولقد كشف عن هذا التحامل الدكتور خفاجى لائمًا الآمدي بقوله١: "فالآمدي ﵁ لا يترك مؤاخذة أبي تمام على سرقاته في المعاني العابية.
كما فصل مع البحتري. مع أبا تمام في كثير مما أخذ يستبد بشرف المعنى لجودة نظمه، وحسن تأتيه، وارتفاعه بالزيادة على ما أخذه والتأنق في صوغه".
стр. 61
الموازنة بين الشاعرين عند الآمدي:
ينتهي الآمدي في كتابه الموازنة إلى فصل أخير هو الموازنة بين الشاعرين فيقول١: وقد انتهيت الآن إلى الموازنة به وكان الأحسن أن أوزان بين البيتين أو القطعتين إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية. ولكن هذا لا يكاد يتفق مع اتفاق المعاني التي إليها المقصد وهي للمرمى والغرض".
ثم يقول: وأنا ابتدئ بإذن الله من ذلك بما افتتحا به القول من ذكر الوقوف على الديار وللآثار ووصف الأمن والأطلال إلى أن يقول: ونحو هذا مما يتصل به من أوصافها ونعوتها وأقدم من ذلك ابتداءات قصائدهم في هذه المعاني إن شاء الله".
١- الابتاءات بذكر الوقوف على الديار:
قال أبو تمام:
ما في وقوفك ساعة من بأس ... تقضي حقوق الأربع الأدراس
قال الأمدي "وهذا ابتداء جيد صالح وقوله الأدراس جمع دارس وقليل ما يجمع فاعل على أفعال.
قال البحتري:
ما على من وقوف الوكاب ... في مغاني الصبا ورسم القصابي
وقال أيضًا:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلًا ... مقصرًا عن ملامة أو مطيلا
فقال الآمدي: وهذان ابتداءان في غاية الجودة
٢- التسليم على الديار:
قال أبو تمام:
سلم على الربع من سلمى بذي سلم ... عليه وسم من الأيام والقدم
قال الآمدي: وهذا ابتداء وليس بالجيد، لأنه جاء بالتجنيس في ثلاثة ألفاظ وإنما يحسن إذا كان بلفظتين:
стр. 62
وقال البحتري:
هذي المعاهد من سعاد فلم ... أسأل وإن وجمت ولم تتكلم
قال الآمدي: وهذا ابتداء جيد.
٣- البكاء على الديار:
قال أبو تمام:
قرى دارهم من الدموع السوافك ... وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالك
قال الآمدي: وهذا ابتداء جيد.
وقال البحتري:
أبكاء في الدار بعد الدار ... وسلوا عن زينب بنوار
قال الآمدي: وهذا من البحتري وصف في البكاء على الديار حسن. ومعان فيه مختلف عجيبة، كلها جيد نادر، وأبو تمام لزم طريقة واحدة لم يتجاوزها والبحتري في هذا الباب أشعر.
وانتهى الحكم وهو أن البحتري أشعر من أبي تمام في باب افتتاح القصائد ولقد قسم الآمدي هذا الباب إلى فصول وهي:
١- الوقوف على الديار.
٢- التسليم على الديار.
٣ تعفية الديار.
٤- إقواء الديار.
٥- تعفية الرياح للديار.
٦- البكاء على الديار.
٧- سوائل الديار.
٨ ما يخلفه الظاعنون في الديار.
٩- فيما تهيجه الديار.
١٠- الدعاء للديار بالسقيا.
стр. 63
١١- أوصاف الديار:
وهكذا يستمر الآمدي في موازنته بين الشاعرين على هذا النحو، ولا يتزيد عقب كل بيت منهما إلا بقوله: وهذا ابتداء جيد، أو حسن أو صالح أو غاية في البراعة أو رديء وما شبه ذلك. ونسأل الناقد. هل الموازنة بين البيتين من الشعر هي كل ما فيها أن يكتب الناقد هذه الكلمة أو تلك عقب البيت: جيد أو رديء؟
ثم إن الكاتب تحت عنوان "الموازنة. وليس فيه بابًا إلا هذا فقط وازن فيه الناقد على قدر باعه بين الشاعرين في افتتاح القصائد. والباقي في سرقات أبي تمام وأغلاطه وإحالاته. ومرذول شعره، وساقط كلامه وهكذا، ولكن الدكتور خفاجي يعتذر عنه في ذلك ويقول١: لقد جاء على ذلك تكرار الآراء عند المؤلف ونقده في غضون الصفحات المتباعدة وهو ما عليه أغلب التأليف العربية، فلا داعي للوم الآمدي وحده والنسخ التي بين أيدينا من كتاب الموازنة، والتي طبعت في مصر ناقصة، فليس فيها من الموازنة بين الشاعرين إلا الموازنة في معنى واحد من معنيهما. وهو بكاء الديار وما يتبعه".
وقولنا: ربما كان العذر للآمدي إذا صح القول بأن النسخة ناقصة وقد يكون في الناقص موازنة بين الشاعرين في اتجاهات أخرى الأسلوب، والابتكار والمعاني، والألفاظ والتشبيه وإصابة الأمثال وغير ذلك من احتذاء القدماء في نهج عمود الشعر، وتناول القصيدة العربية، ولذلك قال الدكتور خفاجي في كتابه أصول النقد١.
"ونقد الآمدي لشعر الطائيين ليس نقدًا للروح الشعرية. بما فيها من جوانب "شتى ومن مظاهر متنوعة، وآراء ذهب إليها الشاعر، وشخصية فرضت نفسها على إنتاجه، وحياة تلون هذا الإنتاج بلونها".
стр. 64
قال الآمدي بعد أن أتم محاجة خصمي أبي تمام والبحتري في نحو ست وأربعين صفحة اختتمها على هواه وكما أراد، ووقف بين الشاعرين موقف القاضي العابس، والباش، وموقف المحامي للبحتري والحاجب أيضًا يقول:
وأنا ابتدئ بذكر مساوئ هذين الشاعرين لأختم بذكر محاسنهما وأذكر طرفًا من سرقات أبي تمام وإحالاته وغلطه وساقط شعره. ومساوئ البحتري في آخذه من معاني أبي تمام. إلى أن يقول: وأنا أذكر ما وقع في كتب الناس من سرقاته، "يعني أبا تمام" وما استنبطته أنا منها واستخرجته، فإن ظهرت بعد ذلك منها على شيء ألحقته بها إن شاء الله".
وهذا بعض بعضها$$ مما عدد الأمدي على أبي تمام من السرقات١:
١- قال الكميت الأكبر:
ولا تكثروا فيه اللجاج فإنه ... فما السيف ما قال ابن دارة أجمعا
أخذه الطائي فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
وقال الآمدي في ذلك: وهو أحسن ابتداءات أبي تمام.
٢- قال أبو تمام:
أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح فيك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طابق عرضك ... إنه عرض عززت به وأنت ذليل
أخذه من قول هشام المعروف بالحلو يهجو بشارا:
بذلة والديك كسبت عزا ... وباللؤم اجترأت على الجواب
стр. 65
٣- وقال مسلم بن الوليد:
يصيب منك من الآمال طالبها ... حلمًا وعلمًا ومعروفًا وإسلاما
أخذه أبو تمام فقال وبرز عليه. وإن كان بيت مسلم أجمع للمعنى:
ترمي بأشباحنا إلى ملك ... تأخذ من ماله ومن أدبه
٤- وقال مسلم بن الوليد يرثي:
سلكت بك الحرب السبيل إلى العلا ... حتى إذا سبق الردى بك دارو
نفضت بك الآمال إخلاص المنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار
أخذه أبو تمام فقال:
توفيت الآمال بعد محمد ... فأصبح مشغولًا من السفر السفر
٥- وقال مسلم بن الوليد وهو معنى سبق إليه:
لا يستطيع يزيد من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاما
أخذه الطائي "أبو تمام" المعنى فكشف وأحسن اللفظ وأجاد فقال:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... معاها لقبض لم تجبه أنامله
٦- قال أبو العتاهية:
كم نعمة لا يستقل بشكرها ... لله في على المكاره كامنه
أخذه الطائي فقال وأحسن. لأنه جاء بالزيادة التي هي عكس الشيء الأول:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
стр. 66
٥- وقال حسان بن ثابت الانصاري ﵁:
والمال يغشي رجالًا لا طباع لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
أخذه الطائي فقال:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي
ثم يورد الآمدي فصلًا آخر يعقده لسرقات البحتري من أبي تمام يقرر في بدايته ١.
"أن أقبح مساوئ الرجل أن يقصد ديوان واحد من الشعراء فيأخذ من معانيه كما فعل البحتري مع أبي تمام، ولو كان فقط عشرة أبيات فكيف والذي أخذه منه يزيد على مائة بيت؟ "
وأما غير السرقات من المساوئ عند البحتري، فقد اجتهد الآمدي أن يظفر له بشيء منها مثل أبي تمام فأعيته الحيلة وعبثًا وجد.
وذلك لشدة تحرز البحتري في شعره وجودة طبعه، وتهذيب ألفاظه التهم إلا أبيات لا تذكر، وهذه السرقات للبحتري من الآمدي:
وبعض مما استقصاء أبو الضياء بشر بن تميم. ذلك الرجل الذي بالغ في استقصاء سرقات البحتري، حتى يتجاوز في نظر الآمدي ما ليس بمسروق فعدده وأحصاه عليه.
وإليك بعض من سرقات البحتري لمعاني أبي تمام خاصة:
١- قال أبو تمام:
وكيف احتمالي للسخاب صنيعه ... بأسقائها قبرا وفي جوفه البحر
وقال البحتري:
ملآن من كرم فليس يضره ... مر السحاب عليه وهو جهام
قال أبو تمام:
وإذا أرد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
стр. 67
وقال البحتري:
ولن تستبين الدهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
٢- قال أبو تمام:
رأيت رجائي فيك وحدك همة ... ولكنه في سائر الناس مطمع
وقال البحتري:
ثني أملى فاحتازه عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
٣- قال أبو تمام:
فكاد بأن يرى للشرق شرقًا ... وكاد بأن يرى للغرب غربًا
وقال البحتري:
فأكون طورًا مشرق للمشرق الأقصى ... وطورًا للمغرب
٤- قال أبو تمام:
وما خير برق لاح في غير وقته ... وواد نجد ملآن قبل أوانه
وقال البحتري:
وأعلم بأن الغيب ليس بنافع ... للناس ما لم يأت في إبانه ١
стр. 68
الفصل الثاني: الشاعران في ميزان النقد الأدبي:
أصحاب البحتري بين الجرح والتعديل:
سلفا أوردنا في هذا البحث أن الآمدي ﵀ ذكر في الباب الأول من كتابه الموازنة محاجته مفتدة ومدعمة بالأدلة والبراهين، وذلك بين كل من أصحاب أبي تمام المتعصبين له، وأصحاب البحتري المفضلين إيَّاه.
وللأمانة والإنصاف في ذلك الفن، يجب علينا أن نلقي نظرة على عدالة الشهود. ومدى صحة شهادتهم. وتحري الصدق والإنصاف لديهم، وخاصة الذين ذكرت أسماؤهم من أصحاب البحتري، وربما لم يورد لنا الآمدي غير هؤلاء الأربعة وهم:
١- دعبل الخزاعي.
٢- ابن الأعرابي.
٣ أبو على السجستاني.
٤- المبرد.
وذلك لنطمئن إلى حكم محكمة الآمدي. وإن حكم الناقد: إنما ينزع عن ضمير منصف ثم إنه رائد في هذا المجال وهو مجال النقد الأدبي، والرائد لا يكذب أهله "أي تلامذته" وهذا ابن قتيبة أستاذ النقد "من الأوائل" يقول:
"ولم أنظر إلى المتقدم منهم -شعراء الصف الأول- بعين الجلالة لتقدمه ولا إلى المتأخر منهم "المولدون والمحدثون" بعين الاحتقار لتأخره. بل نظرت بعين العدل على طريقين، وأعطيت كلًّا حقَّه، ووفرت عليه حقَّه، ومع هذا يقول فيه أستاذ النقد الأول. أبو عمرو بن العلاء:
"لو أدرك الأخطل يومًا واحدًا في الجاهلية ما قدمت أحدًا عليه".
وربَّ قائل يقول: إن قوله ابن العلاء لهي دليل على التعصب بين النقاد، وليس دليل إنصاف، لأن القائل معلوم تعصبه على الشعراء المحدثين والمولدين وهو رأي مدرسة المحافظين في النقد العربي القديم.
والجواب لقد كان الرجل أولا: شديد التعصب على المحدثين لخروجهم على عمود الشعر. وتلك هي علة التعصب عنده، وثانيًا: فقد اتفقنا نحن وإياك على وصف القدامى والمحدثين كما نعتهم ابن رشيق.
стр. 69
الأديب الناقد بقوله: "أنما مثل القدامى والمحدثين كمثل رجلين ابتدأ هذا بناء فأحكمه، ثم أتى الآخر بنقشه وزينته. فالكلفة ظاهرة على هذا وإن حسن. والقدرة ظاهرة على ذلك وإن خشن".
ولنتفق الآن على أن الناقد الأدبي كقاضي المحكمة المنصف العادل. فإذا ما أشتم من أحدهما ريح التعصب وقع الحكم باطلًا، وبات مطعونًا في سلامته وصلاحيته. ولنعد إلى أصحاب البحتري أو هؤلاء الشهود. الذي قبل الآمدي الناقد شهادتهم من أحد الخصمين:
١- دعبل بن علي الخزاعي:
كان يقول في أبي تمام١: "أن ثلث شعره محال. وثلثه مسروق. وثلثه صالح" وكان يقول فيه أيضًا:
"ما جعله الله من الشعراء. بل شعره كالخطب والكلام المنثور وهو أشبه منه بالشعر" ولم يدخله في كتاب المؤلف في الشعر وقال: أهذا شاهد أم خصم.
يقول الدكور خفاجي: "ولعمري لقد كان دعبل يضع من شأن أبي تمام". ثم يدلل على صحة ذلك ويقول أيضًا تحت باب التنديد على الآمدي الناقد. وتعديد هفواته "يقبل الآمدي ما وضعه دعبل على أبي تمام مع معرفته بحقيقة موقفه منه، ومع ظهور تحامله عليه" ويدلّل أيضًا على صحة ذلك في كتابه "أصول النقد ص ١٨٨، ١٨٩".
والآمدي نفسه يقول في دعبل هذا: "قال صاحب أبي تمام: "فقد بطل احتجاجكم بالعلماء، لأن دعبلا كان يشنا أبا تمام ويحسده وذلك مشهور معلوم منه، فلا يقبل قول شاعر في شاعر".
ونسأل الآمدي: "بعد هذا تضع شهادة دعبل؟ وهو رجل حاسد لأبي تمام متحامل عليه بشهادتك أنت؟ وإذا لم تحكم بشهادته فلم أوردتها؟ وما الفائدة منها؟
٢- ابن الأعرابي:
وفي هذا الرجل سوف نفسح المجال للآمدي نفسه ليحدثنا عنه -الآمدي قاضي الموازنة- والحكم في حلبة السباق بين الشاعرين يقول الآمدي١: في صاحب البحتري، وشاهد الوقائع:
стр. 70
"وكان شديد التعصب على أبي تمام، لغرابة مذهبه، ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه، فكان إذا سأل عن شيء منها يأنف أن يقول: لا أدري، فيعدل إلى الطعن عليه. والدليل على ذلك "والكلام للآمدي" أنه أنشد يومًا أبياتًا من شعره. وهو لا يعلم قائلها.
فاستحسنها وأمر بكتابتها، فلما عرف أنه قائلها قال: خرقوه: والأبيات من أرجوزته التي أولها:
فظن أني جاهل من جهله
عجبا للآمدي. وابن الأعرابي معًا، وهل الإنصاف في النقد أن يكون الناقد متحاملًا؟ يحكم على الشاعر لا على النص الأدبي، وبلا دليل ومقدما نؤمن الحكم ونوثقه، أن الذاتية في الناقد أضرّ على الشعر والنقد من الشاعر والناقد، لأنها طريق للهدم والتدمير والأنانية والعجز والشأن في منهج النقد الموضوعي، أن يكون منهجيًّا قاليًا على الذوق الأدبي الأصيل.
وهل يثق الآمدي في رجل وصفه هو بشدَّة التعصب على الشاعر ومن رجل اتَّسم بعدم الفهم وعدم الدراية والتحامل على الشاعر ومن رجل يستكبر ويأنف أن يقول قوله الصدق والحق إذا عجز: وهي لا أدري، ومن رجل يعدل الحق إلى الطعن سترًا لقصوره؟ ومن رجل يغمط الحق، ويشوه العدل، وبعد استحسانه وتحيزه يعلن النكرات وينكث على الجحود، ويمزق الأبيات المختارة، لا لشيء إلا لأنها تنسب إلى أبي تمام؟
ولنسأل الآمدي:
لم وضعت هذا الرجل في زمرة البحتري؟ واستشهدت بقوله ورويت خصومته لأبي تمام؟ وما الفائدة من حشو الكتاب بمثل هذا إن لم يستمع إليه الآمدي؟
٣- أبو على محمد بن العلاء السجستاني:
وكان السجستاني هذا صديقًا للبحتري. باعتراف الآمدي نفسه وأسمعه يقول ١:
"والذي نرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني، وكان صديق البحتري" وأستمع إلى ما يرويه الآمدي عن هذا الصديق:
стр. 71
"قال أبو علي محمد بن العلاء كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره وقال: ألا تعجبون وكان مع هذا أحسن الناس أدَّب نفسه، لا يذكره شاعر محسن أو غير محسن إلا قرظه ومدحه. وذكر أحسن ما فيه، قال أبو على: ولم لا يفعل ذلك وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر، وذهب بخيرهم".
الصداقة التي توجب أحيانًا على الإنسان أن يجامل صديقه وينافح عنه بمثل هذا أو أكثر تعد هدمًا له لا بناء. وقضاء عليه لا أحياء له. وإجحافًا بالنقد لا إنصافًا له؛ لأن التماس الحق والصواب والإنصاف. لا يعترف بالتحيز، ولا المحاباة، ولا المجاملة، ولا الصداقة، ولا غير ذلك مما يشبهه.
ولا أدري لم جعل الآمدي أصحاب البحتري وشهود قضيته من أخلص أصدقاء الشاعر مثل السجستاني هذا. وأشدهم بغضًا وحسدًا لأبي تمام مثل الخزاعي وابن الأعرابي، وأظن أن ثقة الآمدي في أصحاب الشاعر البحتري هي التي جرحت نقده عند الخارجين على الآمدي، حتى رموه بالتحامل على أبي تمام والتعصب للبحتري.
على أن رواية السجستاني ذلك الصديق فيها خمس كلمات -على قصرها- ولا أدري أكانت مدحًا في الرجل أو قدحًا، وإليك الكلمات:
١- كان البحتري "إذا شرب" بمعنى تعاطي الخمر، وتماجن. وعليه فهي حطة في عقيدة الرجل. وكان البحتري أبو نواس عصره.
٢- أنشد شعره وقال: "ألا تعجبون" وتلك مذمة أخرى في طوية الرجل ومنقصة في طبعه، ودليل مؤكد عما قيل عن حياته وطبعه ولنستمع إليه١:
"وكان من أوسخ خلق الله ثوبًا وآلة. وأبغضهم إنشادًا" وأكثرهم افتخارًا بشعره، حتى ليروي عنه أنه كان إذا أنشد شعرًا قال لمستمعيه: لم لا تقولون أحسنت. هذا والله ما لا يقدر أحد أن يقول مثله".
وفي يقيني: إنه ليس هناك أسمح ولا أشد وقاحة من شاعر يمدح نفسه ويزكيها. بل ويطلب من مستمعيه. في الحاج وعتاب أن يطروه ويجاروا هواه، ويقولون له: أحسنت.
стр. 72
٣- "لا يذكر شاعر محسن أو غير محسن" ولم هذا الاستدراك؟
وماذا يجدي تقريظ ومدح غير المحسن من الشعراء؟
٤- ألا قرظه ومدحه وذكر أحسن ما فيه" ولم أفعل التفضيل هذا ليذكرني أفعل التفضيل هذا بشهادة أخرى وضعها السجستاني في صديقه البحتري رواية على لسان الآمدي.
"قال الآمدي: سمعت أبا علي محمد بن العلاء أيضًا يقول١:
كان البحتري عند نفسه أشعر من أبي تمام: وسائر الشعراء المحدثين: حيث قيد شهادته بذلك القيد الذي أكل ألفاظ الشهادة كلها فلم يبق على حرف واحد، وكان لها كالأرضة عند نفسه ويخيّل أن أفعل التفضيل في الشهادة الأولى وهذا القيد في الشهادة الثانية إن هما إلا مذمة في الرجل، ومنهما يشتم رائحة التنقيص والسخرية.
٥- وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر وذهب بخيرهم" وعلى الرغم من هذا العدد الجرار أسقطهم البحتري. وفوق هذا ذهب بخيرهم.
والذي نعرفه عن البحتري أنه ولد عام مائتان وست من الهجرة. وتُوفي عام مائتان وأربع وثمانون ومدة حياته ثمان وسبعون سنة، وهذا العمر لا يتسع لخمسين شاعرًا على مثاله يسقطهم البحتري ويذهب بخيرهم.
ولقد اعترف البحتري نفسه بتلمذته على أستاذه أبي تمام واغتراله من فيضه ونهله من نبعه؟
وقيل للبحتري يومًا٢: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام؟ فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخير إلا به ولوجدت أن الأمر كما قالوا: ولكني والله تابع له أخذ منه لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي انخفض عند سمائه".
لقد كانت منزلة أبي تمام عند الخلفاء والأمراء والشعراء والنقاد لا تقل عن منزلة البحتري ولا أدلّ على ذلك من أن النقاد تحاملوا على أبي تمام، وتعصبوا للبحتري وفي التحامل دلالة على شأوه وعلوّ منزلته، وفي التعصب للبحتري حماية له من خصمه وأستاذه.
стр. 73
٤- أبو العباس محمد بن يزيد المبرد:
كان هذا الإمام يفضل البحتري ويستجيد شعره، ويكثر أنشاده ولا يمليه لأن البحتري كان باقيًا في زمانه "وكان يقول١.
"ما رأيت أشعر من هذا الرجل يعني البحتري - لولا أنه ينشدني لملأت كتبي من أمالي شعره".
وهذه شهادة كان الواجب قبولها خاصة وأنها من رجل عالم. وإمام فاضل لم يشهر عنه البغض لأبي تمام مثل ابن الأعرابي والخزاعي، ولم يعرف عنه أنه كان خليلًا للبحتري مثل السجستاني.
لولا أن البحتري وهو المشهود في حقه طعن المبرد هذا وهو الشاهد طعنة نجلاء، أطاحت بشهادته من بين أيدينا، فلم يبق للبحتري شيئًا. إذ وصفه بأنه لا يعرف الشعر ولا ذوق له فيه: وليس بناقد ولا مميز للألفاظ، وإليك وصف البحتري للمبرد دون أن نحذف منه حرفًا.
"في رواية الإمام عبد القاهر الجرجاني "٤٧١ هـ" عن بعضهم أنه قال٢. وأني البحتري ومعي دفتر شعر فقال: ما هذا؟ فقلت شعر الشنقري قال: وإلى أين تمضي به؟ قلت: إلى أبي العباس المبرد أقرؤه عليه قال: قد رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة فما رأيته ناقدًا للشعر ولا مميزًا للألفاظ ورايته يستجيد شيئًا وينشده وما هو بأفضل شاعر. فقلت له: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى. ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه فما كان ينشد؟
قال: قول الحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا -أميم أخي- ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون مجللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
فقال: أين الشعر الذي فيه عروق الذهب؟
فقلت مثل ماذا؟ فقال: مثل أبي ذؤاب.
стр. 74
إن يفتنوك فقد ثلث عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأشدهم كلبًا على أعدائهم ... وأعزهم فقدًا على الأصحاب
ونقول: إن أبا العباس محمد بن المبرد هو من علماء النحو. انتهت إليه رياسة النحاة في الكوفة في القرن الثالث الهجري صحيح أنه لم يكن له باع طويل في فن النقد، ولا يسعنا إلا أن نقبل شهادة البحتري فيه؟.
стр. 75
تحامل الآمدي:
من خلال سطور الموازنة للآمدي دائمًا تجد وأنت تقرأ طريقة العنف الشديد على الشاعر أبي تمام والعطف على الشاعر البحتري. وهذه الطريقة تكشف عن تحامل الآمدي على أبي تمام وتعصبه الشديد عليه مما جعل الرجل يتلعثم في قولهنّ ويتناقض في موازنته.
ولسنا نذهب إلى هذا المذهب وحدنا ولكن هناك من يؤيدني في قضية ظهور التحامل عند الآمدي ومن ذلك:
٨- ما كتبه الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد المحقق لأصول الموازنة والمعلق عليها حيث يقول١:
واذكر ما تجمع لدي من الملاحظات عليه "كتاب الموازنة للآمدي بعد أن صحبته عمرا ليس بالقصير" وأحدثك. على الأخص - عن تحامله "أي الآمدي" على أبي تمام، وإغضائه البالغ عن البحتري".
٢- وأيضا ما كتبه الناقد الدكتور خفاجي حيث يقول:
"تحامل الآمدي في كتابه على أبي "تمام" وذلك ظاهر كما أسلفنا من روح الموازنة واتجاهها".
٣- وثالثة ما كتبه المؤرخ للأديب ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباب حيث يدلي برأيه في كتابه الموازنة للآمدي فيقول ٢:
وكتاب الموازنة للآمدي بين الطائيين في عشرة أجزاء، وهو كتاب حسن وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه، ونسب إليه الميل، مع البحتري فيما أورده ... ثم يقول الحموي عن الآمدي: إنه جد واجتهد في طمس محاسن أبي تمام وتزيين مرذول البحتري.
ولنأخذ بعضًا من الأمثلة التي تدل على اضطراب الرجل في قوله، ذلك لأنه نصب نفسه مدافعًا منافحًا عن البحتري، وواضعًا من أبي تمام، فتجده يقول على لسان أصحاب البحتري١:
١- أما الصحبة فيما صحبه ولا تلمذ له. ولا روى ذلك أحد عنه ولانقله. ولا أرى قط أنه محتاج إليه".
في هذا نفي قاطع لصحبه البحتري لأبي تمام والتلمذة عليه. لأن البحتري ليس محتاجًا لمثل هذا، ثم إنك تجد الآمدي يقول على الفور ثانية وبدون انقطاع.
следующие страницы →