"قال أبو علي محمد بن العلاء كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره وقال: ألا تعجبون وكان مع هذا أحسن الناس أدَّب نفسه، لا يذكره شاعر محسن أو غير محسن إلا قرظه ومدحه. وذكر أحسن ما فيه، قال أبو على: ولم لا يفعل ذلك وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر، وذهب بخيرهم".
الصداقة التي توجب أحيانًا على الإنسان أن يجامل صديقه وينافح عنه بمثل هذا أو أكثر تعد هدمًا له لا بناء. وقضاء عليه لا أحياء له. وإجحافًا بالنقد لا إنصافًا له؛ لأن التماس الحق والصواب والإنصاف. لا يعترف بالتحيز، ولا المحاباة، ولا المجاملة، ولا الصداقة، ولا غير ذلك مما يشبهه.
ولا أدري لم جعل الآمدي أصحاب البحتري وشهود قضيته من أخلص أصدقاء الشاعر مثل السجستاني هذا. وأشدهم بغضًا وحسدًا لأبي تمام مثل الخزاعي وابن الأعرابي، وأظن أن ثقة الآمدي في أصحاب الشاعر البحتري هي التي جرحت نقده عند الخارجين على الآمدي، حتى رموه بالتحامل على أبي تمام والتعصب للبحتري.
على أن رواية السجستاني ذلك الصديق فيها خمس كلمات -على قصرها- ولا أدري أكانت مدحًا في الرجل أو قدحًا، وإليك الكلمات:
١- كان البحتري "إذا شرب" بمعنى تعاطي الخمر، وتماجن. وعليه فهي حطة في عقيدة الرجل. وكان البحتري أبو نواس عصره.
٢- أنشد شعره وقال: "ألا تعجبون" وتلك مذمة أخرى في طوية الرجل ومنقصة في طبعه، ودليل مؤكد عما قيل عن حياته وطبعه ولنستمع إليه١:
"وكان من أوسخ خلق الله ثوبًا وآلة. وأبغضهم إنشادًا" وأكثرهم افتخارًا بشعره، حتى ليروي عنه أنه كان إذا أنشد شعرًا قال لمستمعيه: لم لا تقولون أحسنت. هذا والله ما لا يقدر أحد أن يقول مثله".
وفي يقيني: إنه ليس هناك أسمح ولا أشد وقاحة من شاعر يمدح نفسه ويزكيها. بل ويطلب من مستمعيه. في الحاج وعتاب أن يطروه ويجاروا هواه، ويقولون له: أحسنت.
стр. 72
٣- "لا يذكر شاعر محسن أو غير محسن" ولم هذا الاستدراك؟
وماذا يجدي تقريظ ومدح غير المحسن من الشعراء؟
٤- ألا قرظه ومدحه وذكر أحسن ما فيه" ولم أفعل التفضيل هذا ليذكرني أفعل التفضيل هذا بشهادة أخرى وضعها السجستاني في صديقه البحتري رواية على لسان الآمدي.
"قال الآمدي: سمعت أبا علي محمد بن العلاء أيضًا يقول١:
كان البحتري عند نفسه أشعر من أبي تمام: وسائر الشعراء المحدثين: حيث قيد شهادته بذلك القيد الذي أكل ألفاظ الشهادة كلها فلم يبق على حرف واحد، وكان لها كالأرضة عند نفسه ويخيّل أن أفعل التفضيل في الشهادة الأولى وهذا القيد في الشهادة الثانية إن هما إلا مذمة في الرجل، ومنهما يشتم رائحة التنقيص والسخرية.
٥- وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر وذهب بخيرهم" وعلى الرغم من هذا العدد الجرار أسقطهم البحتري. وفوق هذا ذهب بخيرهم.
والذي نعرفه عن البحتري أنه ولد عام مائتان وست من الهجرة. وتُوفي عام مائتان وأربع وثمانون ومدة حياته ثمان وسبعون سنة، وهذا العمر لا يتسع لخمسين شاعرًا على مثاله يسقطهم البحتري ويذهب بخيرهم.
ولقد اعترف البحتري نفسه بتلمذته على أستاذه أبي تمام واغتراله من فيضه ونهله من نبعه؟
وقيل للبحتري يومًا٢: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام؟ فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخير إلا به ولوجدت أن الأمر كما قالوا: ولكني والله تابع له أخذ منه لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي انخفض عند سمائه".
لقد كانت منزلة أبي تمام عند الخلفاء والأمراء والشعراء والنقاد لا تقل عن منزلة البحتري ولا أدلّ على ذلك من أن النقاد تحاملوا على أبي تمام، وتعصبوا للبحتري وفي التحامل دلالة على شأوه وعلوّ منزلته، وفي التعصب للبحتري حماية له من خصمه وأستاذه.
стр. 73
٤- أبو العباس محمد بن يزيد المبرد:
كان هذا الإمام يفضل البحتري ويستجيد شعره، ويكثر أنشاده ولا يمليه لأن البحتري كان باقيًا في زمانه "وكان يقول١.
"ما رأيت أشعر من هذا الرجل يعني البحتري - لولا أنه ينشدني لملأت كتبي من أمالي شعره".
وهذه شهادة كان الواجب قبولها خاصة وأنها من رجل عالم. وإمام فاضل لم يشهر عنه البغض لأبي تمام مثل ابن الأعرابي والخزاعي، ولم يعرف عنه أنه كان خليلًا للبحتري مثل السجستاني.
لولا أن البحتري وهو المشهود في حقه طعن المبرد هذا وهو الشاهد طعنة نجلاء، أطاحت بشهادته من بين أيدينا، فلم يبق للبحتري شيئًا. إذ وصفه بأنه لا يعرف الشعر ولا ذوق له فيه: وليس بناقد ولا مميز للألفاظ، وإليك وصف البحتري للمبرد دون أن نحذف منه حرفًا.
"في رواية الإمام عبد القاهر الجرجاني "٤٧١ هـ" عن بعضهم أنه قال٢. وأني البحتري ومعي دفتر شعر فقال: ما هذا؟ فقلت شعر الشنقري قال: وإلى أين تمضي به؟ قلت: إلى أبي العباس المبرد أقرؤه عليه قال: قد رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة فما رأيته ناقدًا للشعر ولا مميزًا للألفاظ ورايته يستجيد شيئًا وينشده وما هو بأفضل شاعر. فقلت له: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى. ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه فما كان ينشد؟
قال: قول الحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا -أميم أخي- ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون مجللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
فقال: أين الشعر الذي فيه عروق الذهب؟
فقلت مثل ماذا؟ فقال: مثل أبي ذؤاب.
стр. 74
إن يفتنوك فقد ثلث عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأشدهم كلبًا على أعدائهم ... وأعزهم فقدًا على الأصحاب
ونقول: إن أبا العباس محمد بن المبرد هو من علماء النحو. انتهت إليه رياسة النحاة في الكوفة في القرن الثالث الهجري صحيح أنه لم يكن له باع طويل في فن النقد، ولا يسعنا إلا أن نقبل شهادة البحتري فيه؟.
стр. 75
تحامل الآمدي:
من خلال سطور الموازنة للآمدي دائمًا تجد وأنت تقرأ طريقة العنف الشديد على الشاعر أبي تمام والعطف على الشاعر البحتري. وهذه الطريقة تكشف عن تحامل الآمدي على أبي تمام وتعصبه الشديد عليه مما جعل الرجل يتلعثم في قولهنّ ويتناقض في موازنته.
ولسنا نذهب إلى هذا المذهب وحدنا ولكن هناك من يؤيدني في قضية ظهور التحامل عند الآمدي ومن ذلك:
٨- ما كتبه الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد المحقق لأصول الموازنة والمعلق عليها حيث يقول١:
واذكر ما تجمع لدي من الملاحظات عليه "كتاب الموازنة للآمدي بعد أن صحبته عمرا ليس بالقصير" وأحدثك. على الأخص - عن تحامله "أي الآمدي" على أبي تمام، وإغضائه البالغ عن البحتري".
٢- وأيضا ما كتبه الناقد الدكتور خفاجي حيث يقول:
"تحامل الآمدي في كتابه على أبي "تمام" وذلك ظاهر كما أسلفنا من روح الموازنة واتجاهها".
٣- وثالثة ما كتبه المؤرخ للأديب ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباب حيث يدلي برأيه في كتابه الموازنة للآمدي فيقول ٢:
وكتاب الموازنة للآمدي بين الطائيين في عشرة أجزاء، وهو كتاب حسن وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه، ونسب إليه الميل، مع البحتري فيما أورده ... ثم يقول الحموي عن الآمدي: إنه جد واجتهد في طمس محاسن أبي تمام وتزيين مرذول البحتري.
ولنأخذ بعضًا من الأمثلة التي تدل على اضطراب الرجل في قوله، ذلك لأنه نصب نفسه مدافعًا منافحًا عن البحتري، وواضعًا من أبي تمام، فتجده يقول على لسان أصحاب البحتري١:
١- أما الصحبة فيما صحبه ولا تلمذ له. ولا روى ذلك أحد عنه ولانقله. ولا أرى قط أنه محتاج إليه".
في هذا نفي قاطع لصحبه البحتري لأبي تمام والتلمذة عليه. لأن البحتري ليس محتاجًا لمثل هذا، ثم إنك تجد الآمدي يقول على الفور ثانية وبدون انقطاع.
стр. 76
"ودليل هذا الخبر المستفيض من اجتماعها وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، وقد دخل إليه البحتري بقصيدته التي أولها:
أأقاق صب من هوى فافيقا
وأبو تمام حاضر:
فما معنى هذا التناقض؟ أيمكن أن يطمئن القارئ إلى خبر اجتماعهما وتعارفهما بهذا الدليل الموجود عند أبي سعيد اللغوي، الذي وصفه الأمدي بأنه خبر مستفيض؟
أم أن القارئ يجعل هذا دبر أذنه ويسير مع هوى الآمدي في أن البحتري لم يصحب أبا تمام ولم يتتلمذ له لأنه ليس محتاجًا له.
ولنضرب مثلًا آخر:
"عندما أنشد ابن الأعرابي ذات يوم أبياتًا فاستحسنها واختارها وأمر بكتابتها وهو لا يعلم قائلها فلما علم بعد أن استجادها أن هذه الأبيات لأبي تمام أخذه التحامل والتعصب وقال على الفور: خرقوها وهذا ليس بعدل بداهة، لكن الآمدي سامحه الله يعتقد عن ابن الأعرابي، ويجد له مندوحة في تصرفه هذا فيقول:
"ولا يدخل ابن الأعرابي في التعصب والظلم". لأن الذي يورده ابن الأعرابي وهو محتذ على غير مثال أحلى في النفوس وأشهى إلى الأسماع وأحق بالزيادة والاستجابة مما يورده المحتذي على الأمثلة، وعذر ابن الأعرابي في هذا إذا صح أنه قد سبق الأصمعي:
وذلك أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشد الأصمعي:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروي الصدى ويشفي العليل
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير مما تحب القليل
فقال: لمن تنشدني؟ قال لبعض الأعراب.
فقال الأصمعي: هذا والله هو الديباج الخسرواني.
стр. 77
قال: أنهما لليلتهما؟
فقال: لا جرم والله أن أثر الصنعة والتكلف بيّن عليهما ويكون الآمدي وابن الأعرابي في أبي تمام أقرب عذرًا من الأصمعي في إسحاق.
فانظر بالله هل تجد عذرا أو هي ولا أقبح من هذا؟ وماذا رأى الآمدي فيما لو كانت قصة ابن الأعرابي مع البحتري، أكان يعتذر عن الناقد المتعصب المبين في تحامله كهذا الاعتذار؟ . ويقول عنه ولا يدخل ابن الأعرابي في التعصب والظلم؟
وثالثة: يقول الآمدي ١: وبعد فيبتغي أن تتأملوا محاسن البحتري ومختار شعره، والبارع من معانيه والفاخر من كلامه، فإنكم لا تجدون فيه على غزره وكثرته حرفًا واحدًا مما أخذه أبو تمام"، ولا أدري أن ناقدًا مثل الآمدي يحمله التعصب فيتخبط في قوله مثل هذا التخبط ولنسأله. ما معنى كلمة "ما"؟
أليس سياق النقي معه كان عليه أن يقول:
فإنكم لا تجدون فيه على غزره وكثرته حرفًا واحدًا أخذه من أبي تمام "ولكنه وضع "من" للتبعيض وما الموصولة "مما". من بعض الذي أخذه من أبي تمام. وإذا كان كذلك فما معنى كلمتي ومعناهما: "حرفًا واحدًا"؟ التي قبلها؟
стр. 78
الإنصاف في نقد الآمدي:
لو كان أبو تمام حيًّا حينما تناوله الآمدي في كتابه لاستغاث من تعصبه عليه وتحامله وتمثل بقول الشاعر:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذو الرأي والجدل
والبحتري إن هو إلا تلميذ لأبي تمام أخذ منه. ونأهل من فيضه ومقتفى لأثره. وإذا سألتم البحتري نفسه يقول١:
"كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبعي، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت فيه إليه. واتَّكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي:
يا أبا عبادة: تخيَّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظَّها من الراحة، وقسطها من النوم.
فإذا أردت التشبيب فأجعل اللفظ رقيقًا، والمعنى رقيقًا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة وقلق الاشتياق ولوعة الفراق.
وإذا أخذت في مدح سيد ذي أباد، فأشهر مناقبه. وأظهر مناسبه وابن معالمه. وشرف مقامه، ونضد المعاني، وأحذف المجهول منها. وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة. ولتكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجساد.
ولهذا عارضك التضجر فأرح نفسك، ولا تتعمل شعرك إلا وأنت فارغ القلب، وأجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه، فإن الشهوة نعم المعين.
وجملة الحال: أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده: وما تركوه فاجتنبه. ترشد إن شاء الله".
ولقد وصف الآمدي شعر أبي تمام فقال فيه١:
стр. 79
ولأن أبا تمام شديد التكلف. صاحب صنعة. ومستكره الألفاظ والمعاني. وشعره لا يشبه أشعار الأوائل. ولاعلى طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة.
بينما نجد الحسن بن وهب يصف شعر أبي تمام هو الآخر من رسالة كتبها إليه فيقول٢:
"أنت -حفظ الله - تحتذى من البيان في النظام مثل ما يقصد بحر في الدرر من الأفهام، والفضل لك -أعزك الله- إذ كنت تأتي به في غاية الاقتدار. لىغاية الاقتصار. في منظوم الاشعار. فتحلّ معقده وتربط متشرده. وتنظم أشطاره. وتجلو أنواءه. وتفصله في حدوده وتخرجه من قيوده ثم لا تأتِ به. مهما اقتبسه مشتركًا فيلبس ولا متعقدًا فيطول. ولا متكلفًا فيحول فهو كالمعجزة تضرب فيها الأمثال، ويشرح فيها المقال".
فأيها الصادق في قوله: المتحرى لحقيقة الشاعر؟ وفي وصفه؟ ليردّ عظم أبي تمام حكم الأمدي. ويدلي بهذه البراهين على براعته. في الشاعرية وأنه أستاذ البحتري ومن فضله عرف الأخير.
فيحدثنا جحظة فيقول٢: "تحادثنا يومًا في أبي تمام الطائي والبحتري أيهما أشعر؟ قال بعض من حضر مجلسنا.
هل يحسن الطائي أن يقول قول البحتري:
تسرع حتى قال من شهد الوغي ... لقاء عدو أم لقاء حبيب
فقلت من الطائي سرقه حيث يقول:
حن إلى الموت حتى قال جاهله ... بأنه حق مشتاقًا إلى وطن
وهذا امتحان لسرعة بديهية أبي تمام. وحضور خاطره في الشعر، وأنه القارض لذلك الفن على الطبع والسليقة، دون قصور منه أو توقف وتجبل وعي. فنجده في نصاعة البيان وسرعة البديهية. وذلك الإلهام المصيب. وعلو الكعب في قرض الشعر فوق الذي كنا نأمل. وذلك عندما أنشد أبو تمام أحمد بن المعتصم مدحته التي مطلعها.
стр. 80
ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي حقوق الأربع الأدراسي
وانتهى إلى قوله:
أقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياسي
قال له الفيلسوف "أبو يوسف الكندي" وكان حاضرًا: الأمير فوق من وصفت فأطرق أبو تمام قليلًا ثم رفع رأسه وقال:
لا تشكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في الندى والباس
والله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس
стр. 81
الهوامش:
حرف ١٥
١ أبو هلال العسكري: الصناعتين ص ١٢٨.
٢ انظر كتاب الوساطة بين المعنى وخصومه.
٣ الموازنة ص ٣٣، ٣٤.
٤ الموازنة ص ٢٠٤.
١ وصية أبي تمام للبحتري.
٢ المرزوقي في شرح ديوان الحماسة.
٣ يحيى بن حمزة العلوي ص ٢٤١
١ العمدة جـ ١ ص ١٥٩ - ابن رشيق.
٢ البيان والتبيان للجاحظ جـ ١ ص ٢٢١.
١ ابن قتبية الشعر والشعراء ص ٢.
٢ البيان والتبيان للجاحظ جـ ١ ص ٢٢١.
٢ طبقات الشعراء: ابن سلام الجمحي.
١ الشعراء والشعراء: لابن قتبية جـ ١ ص ٧٥.
١ نقد الشعراء: القدامة بن جعـ ر ص ١٣٠.
١ الصناعتين لأبي هلال العسكري ص ٥٧، ٦٨ الطبعة الثانية بمطبعة صبيح.
٢ عيار الشعر لابن طباطبا ٥، ٨، ٣١، ٤١.
١ شرح ديوان الحماس للمرزوقي ص ٨، ٩، ١١.
١ أسس النقد الأدبي عند العرب للدكتور أحمد بدوي ص ٥٣٤ وما بعدها.
١ العقد الفريد لابن عبد ربه جـ٣ ص ٣١١.
٢ يتيمة الدهر جـ ١ ص ٢١.
١ العقد الفريد جـ ص ١٧٣: ابن عبد ربه.
١ الموازنة للآمدي ص ٣٩١ وما بع دها.
١ فصول في الأدب والنقد للدكتور خفاجي ص ٨٦، وما بعدها.
١ إعجاز القرآن: الباقلاني.
٢ العمدة: ابن رشيق جـ ١ ص ٩٢.
١ الشعر والشعراء: لابن قتيبة جـ ١ ص ٥٩ وما بعدها.
١ فصول في الأدب والنقد للدكتور خفاجي ص ٨٤ وما بعدها.
١ المرجع السابق د سه ص ٨٤.
١ الموازنة من ص ٤٧ - ٨٨.
١ الموازنة ص ٢٧٧ وما بعدها.
١ الموازنة ص ٢٩١ - ٣٠٠.
стр. 82
الهوامش حرف ١٥
١ معجم الأدباء ياقوت الحموي. ص ٧٥.
٢ ١٨٣ الموازنة: الأمدي: تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد - الطبعة الأولى ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤ م.
٢ البيان والتبيين ص ١٧٦.
١ نقد الشعر: قداحة بن جعفر.
١ ٨٧ جـ معجم الأدباء.
٢ تاريخ النقد الأدبي لطه إبراهيم.
١ ٢٥ الموازنة: الآمدي.
٢ ٢٨٢ المثل الشاعر: ابن الأثير.
١ الموازنة ص ١٧٦: الآمدي.
٢ الموازنة ص ٢: الآمدي.
١ الموازنة ص ٢١: الآمدي.
١ الموازنة ص ٣. الآمدي.
١ الموازنة ص ١٧٦ - ١٨٠.
١ الموازنة ص ٣: الآمدي.
١ الموازنة للآمدي من ص ١ - ص ٤٥٥ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. الطبعة الأولى ١٣٦٣ هـ - ١٤٤ م.
١ اتجاهات النقد الأدبي. د. محمد السعدي فرهود ص ١٦١ وما بعدها.
١ الموازنة: الآمدي ص ٢٨١.
١ الموازنة: المقدمة.
٢ طبع ونشر دار الحارثي بالطائف: السعودية.
١ فصول في الأدب والنقد للدكتور خفاجي ص ٨١ وما بعدها.
١ الأدب المقارن للدكتور خفاجي ص ١٠١.
١ الشعر والشعراء لابن قتيبة ص ٧٤، ٧٥.
١ الأدب العرية في العصر العباسي الأول للدكتور خفاجي ص ١٧٤، ١٧٥.
١ اتجاهات النقد الأدبي للدكتور فرهود ص ٢٥٦ وما بعدها.
٢ ديوان المتنبي ص ١٨٣.
١ المرزدقي: شرح ديوان الحماسة ص ١.
٢ أبو هلال العسكري: الصناعتين ص ٤٩.
٣ القلقشندي: صبح الأعشى جـ ٢ ص ٢٠٢.
١ ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة ص ٧٣.
стр. 83
الهوامش حرف ١٥
١ أصول النقد: للدكتور خفاجي ص ١٨٨.
١ أصول النقد: ص ١٨٨.
١ الموازنة ص ٣٩٦ وما بعدها.
١ أصول النقد للدكتور خفاجي ص ١٧٢.
١ أصول النقد ص ١٨٠.
١ الموازنة ص ١٢، ١٧.
١ الموازنة ص ٩.
١ الموازنة ص ٦ مقدمة.
١ الموازنة ص ٩.
٢ الموازنة ص ١٧.
١ الموازنة ص ١٦.
٢ دلائل الإعجاز ص ١٩٥ الطبعة الرابعة دار المنار سنة ١٣٦٧ هـ.
١ مقدمة الموازنة ص ٣.
٢ أصول النقد د. خفاجي ص ١٨٥، ١٨٩.
١ الموازنة ص ٥٢٤.
١ العمدة لابن رشيق جـ ٢ ص ١١٤.
١ الموازنة ص ٤.
٢ زهرة الآداب جـ ٣ ص ٢٦٣.
٣ الأمالي لأبي علي القالي جـ ٣ ص ٩٣.
١ أنظر أخبار أبو تمام ص ٢٤٦.
١ الموازنة ص ١١.
١ أخبار أبي تمام للصولي ص ٢٣١.
٢ طبقات الأدباء لابن الأنباري ص ٢١٣.
١ إعجاز القرآن ص ٥٣.
١ الموازنة ص ٦.
стр. 84
القسم الثاني: قضايا المعنى واللفظ والأسلوب والنظم والصورة والموسيقى:
الفصل الأول: القضايا النقدية في صحيفة بشر بن المعتمد
صحيفة بشر بن المعتمر وأثرها في النقد الأدبي:
بشر بن المعتمر:
هو أبو سهل بشر بن المعتمر المتوفى عام ٢١٠ هـ، من طبقة الكتاب والنقاد والمتكلمين، عاش في القرن الثاني الهجري، وعاصر الشاعر أبا تمام "١٧٢ - ٢٣١ هـ] وكذلك الأديب الناقد ابن سلام الجمحي [م ٢٣١ هـ] .
ولد أبو سهل في الكوفة، ثم تحول عنها إلى البصرة، واستقر في بغداد، وطار ذكره فيها، وتوثقت صلته بالرشيد وبالفضل بن يحيى البرمكي، ويعدّ بشر شيخ فرقة البشرية التي سميت باسمه، تسمو بالعقل، وتعتدّ بمقاييسه في جوانب الفكر والكلام، ومن شعره الذي يذم فيه التقليد:١
стр. 85
قد غمر التقليد أحلامهم ... فناصبوا القياس ذا السبر
ويذم إباضية الخوارج ورافضة الشيعة، الذين يعتقدون أن كتابهم "الجفر" جمع العلوم كلها إلى يوم القيامة: فيقول:
لست إباضيًّا غبيًّا ولا ... كرافضي غره الجفر
كما يغر الآل في سبب ... سفرًا فأودى عنده السَّفر
لسنا الحشو الجفاة الأولى ... عابوا الذي عابوا ولم يدروا
لا تنجح الحكمة فيهم كما ... يبنو عن الجرولة القطر
ولئك الداء العضال الذي ... أأعيا لديه الصاب والمقر١
стр. 86
ومن شعره هذا وغيره يظهر لنا أنه شاعر، لكنه في شعره تعليمي، ومن ذلك قصيدته التي يعتز فيها بالعقل، ويشيد بمنزلته السامية في الإنسان يقول:
لله درُّ العقل من رائد ... وصاحب في العسر واليسر
وحالكم يقضي على غائب ... قضية الشاهد للأمر
وإن شيئًا بعض أفعاله ... أن يفصل الخير من الشر
لذو قوى قد خصه ربه ... بخالص التقديس والطهر
وله قصائد كثيرة تصوّر الطبيعة والحياة، يستدل من خلالهما بعقله على قدرة الخالق المبدع لها سبحانه وتعالى٢:
стр. 87
وهو بهذا الاتجاه العقلي كان يتصدَّى لأهل الملل والنحل، ويحاورهم بالعقل والبرهان، ليردّ الحجة بالدليل العقلي القاطع١.
ذكر المرتضى أن له أرجوزة تحمل مذهبه العقلي بلغت أربعين ألف بيت٢، والجاحظ يفضل بشرًا في الشعر التعليمي على إبان بن عبد الحميد، فهو أقوى منه، وخاصة في نظم المخمس والمزدوج٣. ومنها أرجوزته في تفضيل علي بن أبي طالب على الخوارج يقول فيها:
ما كان في أسلافهم أبو الحسن ... ولا ابن عباس ولا أهل السنن
غير مصابيح الدجى مناجب ... أولئك الأعلام لا الأعارب
كمثل حرقوص ومَنْ حرقوص؟ ... فقعة قاع حولها قصيص
стр. 88
ليس من الحنظل يشتار العسل ... ولا من البحور يصطاد الورل١
وذكر له الجاحظ قصيدتين طويلتين في موطن آخر بقوله: أول ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعر بشر بن المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين قد جمع فيها كثيرًا من هذه الغرائب والفرائد. ونبَّه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة والموعظة البليغة.... وإذا قسمنا ما عندنا في هذه الأصناف على بيوت هذين الشعرين وقع ذكرهما مصنفًا، فيصير حينئذٍ آنق في الأسماع، وأشدّ في الحفظ٢.
ويذكر فيها طبائع الإنسان وما تأصَّل فيه من الطمع، وكذلك طبائع الحيوان والطير، وما فيهما من غرائب، وعدَّه العلماء والنقاد قديمًا وحديثًا من أشهر بلغاء ونقاد القرن الثاني الهجري، إذ تركت صحيفته المشهورة أثرًا واضحًا وكبيرًا في
стр. 89
علماء البلاغة والنقد، ومن ذلك ما ذكره الجاحظ من إشادة إبراهيم السكوني، "مر بشر بإبراهيم بنجيلة بن مخرمة السكوني الخطيب، وهو يعلم فتيانهم الخطابة فوقف بشر، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد، أو ليكون رجلًا من النظارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صفحًا، واطووا عنه كشحًا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه ... ثم قال بشر: فلما قرأت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان"١.
ثم بعد الجاحظ بشرًا من الطبقة المتميزة عنده، ذات النبع الثرار الصافي، وهي طبقة الكتاب في القرن الثاني الهجري، ومنها أيضًا عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع وسهل بن هارون، والحسن بن سهل، والفضل بن سهل، وابن الزيات وغيرهم، قال الجاحظ: "أما أنا فلم أَرَ قومًا قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرًا وحشيًّا، ولا ساقطًا سوقيًّا"٢.
стр. 90
منزلة الصحيفة من الفنون الأدبية:
الأدب شعر ونثر، ويتنوع النثر الأدبي إلى فنون من أهمها الخطبة والرسالة والقصة والأقصوصة، والمسرحية النثرية وفن السيرة والمقالة بأقسامها المختلفة، وهي المقالة الأدبية، والمقالة النقدية، والمقالة الفلسفية، والمقالة التاريخية، والمقالة العلمية، والمقالة الاجتماعية، والمقالة السياسية ولكل من هذه الأقسام والفنون بناؤه وتركيبه، وخصائصه الفنية وأغراضه، وطريقته في المعالجة والكتابة١.
وتعدُّ هذه الصحيفة لبشر بن المعتمر مقالًا أدبيًّا في النقد والبلاغة، إذا أردنا أن نقيسها بمقياس النقد الحديث، لتطابق الخصائص الفنية فيها، على ما اصطلح عليه النقد الحديث، من خصائص المقالة في هذا الجانب المتعدد، فيشمل المقال في الأدب والنقد والبلاغة، وبذلك تكون صحيفة بشر مقالة أدبية نقدية، جمعت بين خصائصهما
стр. 91
معًا، أي بين خصائص المقال الأدبي وبين خصائص المقال في النقد.
فالمقال الأدبي في النقد لا يحتاج كثيرًا إلى الخيال، لتحلق صورة في كل عبارة فصاحب الصحيفة هنا يحدّد معالم الأسلوب الجيد، وخصائص الأدب الرفيع، ويضع المنهج في الصياغة الجيدة، ويحدّد الأصول والقواعد في التراكيب، ويشخّص معالم البلاغة في باب "مقتضى الحال"، وما يتناسب من مقال مع كل مقام، ومثل هذه الموضوعات لا تحتاج كثيرًا إلى الخيال بصوره المختلفة من التشبيهات والاستعارات والكنايات، ومع استغنائه عن الخيال غالبًا، فقد كانت الصحيفة تتفجر قوة، وتنساب جمالًا، وذلك في التعبير عن هذه الحقائق في أسلوب قوي، وتركيب محكم، ونظم بديع، لا قلق فيه ولا اضطراب، فصارت قطعة أدبية رائعة، تشدّ انتباه السامع، وتأخذ بعقله وقلبه.
وليس من الضروري أن يعتمد التصوير الأدبي في كل الحالات على وسائل البيان السابقة، فقد تخلو الصورة عن الألوان البيانية، وتعتمد على دعائم أخرى، تقوم عليها
стр. 92
الصورة، مثل انتقاء الألفاظ، وسلكها في نظم دقيق، يتوخى فيه الأديب معاني النحو، من تقديم وتأخير، وتنكير وتعريف، وغير ذلك مما ورد في علم المعاني وموافقة الصورة لمقتضى الحال، وهذه الدعائم هي التي اعتمد عليها بشر في التصوير الأدبي لهذا المقال النقدي البلاغي.
ومع ذلك لم يخل كلام بشر من ألوان الخيال البياني: مثل: خذ من نفسك ساعة نشاطك - واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول - فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد - والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك -ويشين ألفاظك- والمعنى ليس يشرف وكذلك ليس يتصنع - أن تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ الواسطة - التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء.... وغيرها من الصورة البيانية التقليدية في الأسلوب الذي اشتمل على المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية والتجريد.
وإن كنت أرى أن هذه الصور البيانية صور لم يقصد بها الكاتب التصوير الخيالي كعادة الشعراء والأدباء، وإنما كان يقصد الحقيقة، والكشف عنها بأسلوب دقيق يشدُّ انتباه النفس، ويثير كوامن الشعور، ليكون من باب الإيقاظ.
стр. 93
والاندماج مع القارئ، ومن ناحية أخرى أن هذه الصور من لوازم التعبير، بحيث لا يستطيع بشر أن يتخلى عنها، فقد جاءت مساقة مع الفكرة، ومتجاوبة مع التعبير، وضرورية في تصوير الحقيقة، فهي لا بديل لها في إقامة هذا البناء الفني في منهج المقال النقدي والبلاغي، ولهذا المنهج الفني عرض بشر الحقائق عرضًا دقيقًا يقوم على تنظيم الفكرة، وتوزيعها توزيعًا منسقًا مثل قوله: وكن في ثلاث منازل.... ثم يقول: فالمنزلة الأولى.... فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك. فإذا انتهى من المنزلة الثانية قال: فإن تمنع عليك بعد ذلك فالمنزلة الثالثة إلى غير ذلك.
ولكي يقع القارئ يدعم رأيه بالدليل، فرأى أن للمتلكملين ألفاظًا واصطلاحات لا بد من رعايتها في الكلام فقال: "إذا كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحن...." وغير ذلك كثير في صحيفته.
هذه المقومات في صحيفة بشر يجعلها متميزة في اتجاهها الفني، وذلك بالخصائص والسمات التي اصطلح عليها النقد الحديث للمقال الأدبي في النقد والبلاغة، وقد
стр. 94
اتضحت خصائصه وهي: بناؤه على فكرة واضحة، وترابط بين أجزائها، والتدليل عليها، والإقناع بأدلة من ذات الأسلوب مرة، وعقلية ثانية، وتمثيلية تطبيقية ثالثة، وكذلك البناء التركيبي في الصحيفة يعتمد على اختيار اللفظ، الذي يفصح عن معناه بدقة، حتى في الألفاظ البيانية السابقة، التي انسابت مع التعبير، ثم انتقاء الأساليب التي تعبر عن الحقيقة بوضوح سافر، وجلاء كاشف، وكذلك لم تسيطر العاطفة على بشر، ولم تظهر مشاعره فيها، لأن العاطفة والمشاعر الذاتية تطغى على الحقيقة، وتستهلك منهج الإقناع العقلي والواقعي في مجالي علمي النقد والبلاغة، ولذلك ظهرت الصورة البيانية فاترة من الشعور، وخلوا من العاطفة الجياشة، التي تلبد سماء الحقيقة بالغيوم، فيذهب العقل فيها كل مذهب، لكن بشرًا يقصد من وراء الصحيفة مذهبًا واحدًا فقط لا كل مذهب.
ومع هذه القيم الفنية للصحيفة، فهو مقال أدبي أيضًا في النقد والبلاغة لأنه خلا من المنهج الفني للمقال العلمي، الذي يقوم على الإحصائيات والأرقام وسوق الفروض والمقدمات صريحة لاستنتاج البرهان، وغيرها مما تجردت عنه الصحيفة، وبذلك دخلت في باب المقال الأدبي، الذي يتضمن النقد والبلاغة.
стр. 95
وإذا تأملنا موضوع الصحيفة وانسجام الأفكار والمعاني فيها، وجدنا أن الفكرة في موضوعها تشدُّ الفكرة، والمعنى يتفجر من المعنى، وجميع الأفكار والمعاني تسير في اتساق وانسجام، وتتقدم في تآلف ومؤاخاة، متآزرة في الكشف عن موضوع الصحيفة، وهو بلاغة الأدب وروعته، ولذلك تحدَّث بشر عن الصدق العاطفي ثم عن المشاعر الحارة والإحساس الدقيق، ثم عرض خصائص الأدب الرفيع، مما اقتضى أن يوضح مراتب الأدب، وهي الأدب الجيد، والرديء، والوسط، وكذلك مراتب الأديب تبعًا لمراتب الأدب، ثم كان ختام حديثه عن مقتضى الحال، ليكون كالحكم على ما سبق بالجودة أو غيرها، فإن تحقق ما يقتضيه الحال فهو الأدب الجيد وإن خلا من ذلك فهو الأدب الوسط أو الرديء.
стр. 96
مجال التأثير والتأثر:
في التراث النقدي:
يُعدّ بشر في نظرنا أول ناقد كتب في بعض قضايا النقد العربي القديم في صحيفته المشهورة؛ لأنه توفي عام [٢١٠ هـ] وكان يعاصر صاحب أول كتاب في تاريخ الأدب والنقد لابن سلام الجمحي المتوفى [٢٣١ هـ] وكانت نقداته في كتابه "طبقات الشعراء" نظرات عامة، وكل النقاد الذين دوَّنوا نقداتهم أتوا بعد بشر في عصر التدوين، وظهر إنتاجهم النقدي بعد صحيفته التي أشار فيها أبو سهل إلى قيم نقدية، ونظرات واضحة في بعض قضايا النقد الأساسية، ثم تأثر النقاد الذين جاءوا بعده به تأثرًا كبيرًا وخطيرًا، وترسَّموا خطاه، وإن تميَّز بعضهم في بعض الجوانب دون البعض بالإطناب والتخصص والتفصيل.
وأما وصية أبي تمام لتلميذه البحتري الذي عاش ما بين [١٧٢ - ٢٣١ هـ] فإنني أخرجها عن مجال التأثر والتأثير، لأن بشرًا كان يعاصر أبا تمام، يتجاوبان معًا في
стр. 97
تيارات الحركة الأدبية والنقدية في هذا العصر، وهما إن كانا متفقين معًا في بعض الآراء، فلا نستطيع بحال، أن نجزم بمن سبق الآخر في رأيه، ولم أقف على دليل بعين السابق منهما في هذا الرأي، والأقرب إلى الإنصاف أن نقول: بأن العصر الذي جمعهما يحمل طابعًا في النقد الأدبي، هو من سمات ذلك العصر، وبشر وأبو تمام من الذين كان لهم دور كبير في هذا البناء النقدي لعصرهم.
ومن هذا المنطلق نقول: إن وصية أبي تمام لتلميذه لم تخضع لمجال التأثر والتأثيرن الذي يهز كيان بشر في صحيفته، حتى لا نقول بأن بشرًا متأثر بالوصية، ويؤيد رأيي هذا أن شخصية كل منهما متميزة في التعبير عما يقول الآخر، ويظهر ذلك جيدًا حينما أعرض الوصية، ثم ما يتفق معها في الاتجاه من صحيفة بشر.
جاء في وصية أبي تمام لتلميذه: "يا أبا عبادة تخيَّر الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو ضبطه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم.... وإذا عارضك الضجر، فأرح
стр. 98
نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب"١.
أما قول بشر: "خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة، أكرم جوهرًا، وأشرف نسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش القول، وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة"٢.
والفرق بينهما كبير، وهما في عصر واحد، فأبو تمام في وصيته أديب شاعر وبشر في صحيفته أديب ناقد، وكل منهما يعبر عن رأيه وشخصه في هذا الجانب وليس ببعيد أن يتلقى كل منهما رأي الآخر، ولا يتهمه بالتأثر، لأنهما يعيشان معًا في جو أدبي وفكري وثقافي واحد.
وأما ابن سلام الجمحي فله اتجاه في تاريخ الأدب العربي ونظرات في النقد تختلف عن اتجاه بشر في
стр. 99
صحيفته، وإن اتفقا في بعض الوجوه، فذلك أيضًا خارج عن مجال التأثر والتأثير، لأنهما يعيشان معًا في جو أدبي وفكري وثقافي واحد أيضًا.
لأن مجال التأثر والتأثير الدقيق يكون في عصرين أحدهما سابق والآخر لاحق، ولا مجال للحاضر والمعاصر، وبشر وابن سلام وأبو تمام كانوا جميعًا يعيشون في عصر واحد. فمجال الصحيفة في التأثير والتأثر كان له دور كبير في العصور اللاحقة في البلاغة والنقد، وعند الأدباء والنقاد وعلماء البلاغة، وسنوضح هذا المجال في التأثير عندما نتحدث عن القضايا النقدية التي أثارها بشر في صحيفته.
القريحة والاكتساب:
يعدّ بشر أول ناقد كتب في النقد عن الموهبة والاكتساب والطبع والصنعة في صحيفته، فقد ميز بين الأدب الذي خرج عن طبع وسليقة وبين الأدب الذي صدر عن تعب وجهد، وتأمل وصنعة، فالأدب المطبوع يكون صاحبه
стр. 100
ملهمًا، فإذا ما أراد موضوعًا تزاحمت عليه المعاني، وتفتحت موهبته عن مخزونها من أفكار وخواطر، وانقادت له الألفاظ، وتلاحقت على لسانه الكلمات، وانصاعت له الأساليب، وكان عليه أن يتجاوب مع طبعه، فيكتب عن طبع بلا جهد ولا معاناة وينساب مع موضوعه بلا تأمل ولا ضجر، وهذا ما أطلق عليه النقاد فيما بعد "أدب الطبع" فمصدره القريحة الصافية، والطبع الأصيل، والاكتساب يأتي بعد ذلك تبعًا لا أصلًا.
أما الأدب المصنوع فلا يخلو من الموهبة أولًا، لكن صاحبه يعاني أثناء الكتابة والصياغة جهدًا شاقًّا، ووقتًا مضنيًا، يفتش فيه بين جوانب نفسه ليصطاد الخواطر التي تنسجم مع موضوعه، ويبحث خارج ذاته عن أفكار وأساليب وصور، وربما يترك الكتابة وقتًا، ليستعين عليها بوقت آخر، يعاني فيه من المعاودة والتكرار، والتهذيب والصقل والمتابعة، حتى يكتب في النهاية، ويصدر عن صنعة في أدب مصقول مهذب، كان الاكتساب فيه أظهر وأقوى من الطبع والقريحة. أما من لا طبع له، ولا موهبة قادرة على الاكتساب والتهذيب، فالأولى له أن ينصرف عن الأدب إلى صناعة أخرى، تتجاوب معه، وهذا ما أشار إليه بشر في صحيفته:
стр. 101
"كن في إحدى ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا وفخمًا سهلًا ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا وقريبًا معروفًا ... فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسمح لك عند أول نظرك في أول تكلفك ... فإن أنت ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة: إن كانت هناك طبيعة أو جريت من الصناعة على عرق ... فإن تمنع عليك.... فالمنزلة الثالثة أن تتحوَّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك" ١.
ثم يتناول أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ "م ٢٥٥ هـ] الطبع والصنعة بصورة أوسع وأعمق متأثرًا بما سبق من كلام بشر، فيرى أن المعاني مشتركة لكن تميز الأديب يرجع إلى صحة الطبع في الصياغة والتصوير يقول: "والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي ... وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ،
стр. 102
وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير"١.
ويقول الجاحظ في الطبع والإلهام عندما تحدث عن الخطابة عند العرب: فكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إحالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام ... فتأتيه المعاني أرسالًا وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا"٢.
ثم يتحدث الجاحظ عن الصنعة في الأدب لأنه يعرف أن: "من شعراء العرب من كان يدع العقيدة تمكث عنده حولًا كريتًا "كاملًا"، وزمنًا طويلًا، يردَّد فيها نظره، ويقلب فيها رأيه اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله ذمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات، والمنقحات والمحكمات"٣.
стр. 103
وأما ابن قتيبة [م ٢٧٦ هـ] فيصف الشاعر المطبوع بأنه إذا امتحن لم يتلعثم ... ومن الشعراء المتكلف والمطبوع، فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش وأعاد فيه النظر، كزهير والحطيئة، وكان الأصمعي يقول: زهير والحطيئة وأمثالهما من الشعراء عبيد الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين"١ والمقصود بالمتكلف عنده هو المصنوع لأن المتكلف ساقط من باب الأدب الجيد جملة.
ويوضح ابن قتيبة الطبع أكثر حين يقول: والشعراء بالطبع مختلفون فمنهم من يسهل عليه المديح ويتعذَّر عليه الهجاء ... فهذا ذو الرمة أحسن الناس تشبيبًا، وأجودهم تشبيهًا، وأوصفهم لرمل وهاجرة وفلاة وماء وقراد وحية، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع وذلك الذي أخره عن الفحول" ٢.
والذي يدل على أن المتكلف عنده هو أدب الصنعة قوله: "والمتكلف وإن كان جيد الشعر محكمه فليس فيه
стр. 104
الشعراء يتفاوتون في شعرهم بالطبع، ثم يعين الطبع أمورًا أخرى كالرواية والذكاء والدربة يقول: "إن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه"١.
ويوضح التصنع ليفرق بينه وبين المطبوع فيقول: "إن رام أحدهم الأغراب لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلف، وأتمّ تصنع، ومع التكلف المقت، وللنفس عن التصنع نفرة، وفي مفارقة الطبع قلة حلاوة، وذهاب الرونق، وإخلاق الديباجة، وربما كان ذلك سببًا لطمس المحاسن فصار هذا الجنس إذا قرع السمع لم يصل إلى القلب، إلا بعد إتعاب الفكر، وكدّ الخاطر، والحمل على القريحة.... وهذه جريرة التكلف"٢.
ويفصل ابن رشيق بين المطبوع والمصنوع فيقول: [م ٤٦٣ هـ] "ومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولًا، وعليه المدار، والمصنوع وإن وقع
стр. 105
عليه هذا الاسم، فليس متكلفًا تكلف أشعار المولدين"١
ثم يقرّر ذلك ابن الأثير [م ٦٢٧هـ] فيقول: "اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى الآت كثيرة ... وملاك هذه كله الطبع فإنه لا تغنى تلك الآلات شيئًا، ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد والحديدة التي يقدح بها ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار، لا تفيد تلك الحديدة شيئًا" ٢.
وغيرهم من النقاد وعلماء البلاغة كثيرون، الذين تأثروا بصحيفة بشر في حديثه عن الطبع والصنعة مثل أبو هلال العسكري [م ٣٩٥ هـ] وابن طباطبا [م ٣٢٢ هـ] والآمدي "م ٣٧٠ هـ] .
стр. 106
منزلة العاطفة من الأدب:
العاطفة القوية الصادقة هي التي تجعل الأدب قويا والشعر نابضًا بالحياة، فهي من النص الأدبي بمنزلة الروح من الجسد، فيها يسمو الأدب ويخلد الشعر، ولذلك تنبه لها النقاد القدامى، وأشادوا بمنزلتها من الأدب، وتحدثوا عن مصادرها القوية، ومنابعها المندفقة، وأوارها المتأجج، فاختاروا لها أنسب الأوقات وأصفاها، وأجمل الأماكن وأهدأها، ووضح أبو سهل في صحيفته وقت احتدام العاطفة، ومنطلق صدقها، وحرارتها، ومنزلتها من الأدب، حين تبعث فيه القوة والحياة قال بشر: "خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف نسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش القول، وأجلب لكل عين وغرة١، من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة" ٢.
стр. 107
ينبغي على الاديب أن ينتقي أنسب الأوقات لكتابة الأدب أو إنشاد الشعر أو إلقاء الخطب، ويمتنع عن الكتابة في وقت فتور العقل، وخمود البدن، وتبلد الإحساس وامتلاء المعدة، فكما قالوا: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. وإنما يكتب الأديب أثناء النشاط في البدن، واليقظة في العقل، والحركة في الذهن، وانفعال المشاعر، ورقة الأحاسيس، لتكون العاطفة صادقة، والخيال خصبان فتتمكن منه الألفاظ الكريمة، والكلمات الفصيحة، والنظم البليغ، والتراكيب القوية، والمعاني البديعة، والأفكار المبتكرة، فإن مثل هذه الفترة، مهما كانت وجيزة فهي أفضل من أيام خفتت فيها العاطفة الصادقة، حين يعاني منها الأديب أثناء الصياغة من آلام الكد والمطاولة ومتاعب الجهد والمحاولة.
فالعاطفة الصادقة هي التي تؤجج في الأدب شعورا متدفقًا، وإحساسًا عميقًا، ونشاطًا فكريًّا وذهنيًّا، فينبض الأدب بالحياة، والحياة فيه هي الصدق العاطفي والفني، فيرتفع إلى سمو الغرض، وشرف الهدف، ووضوح المعنى، وينقاد اللفظ خفيفًا سهلًا على اللسان، ويجري رقيقًا عذبًا، كالماء العذب الرقيق، والينبوع الثر الصافي.
стр. 108
وحرارة العاطفة لا تزج بالأديب في دروب الخطأ، ومنحنيات التيه، لأن العقل يوجهها ويسدّد خطاها، وينظم شراراتها، فلا تهبط في الشعاب المتوعرة، أو تنزل في مخالق التعقيد، الذي يلف المعنى في ضباب كثيف، أو يدرج الغرض في أثواب قائمة، فيكون الأديب في أسلوبه الذي اختفى فيه المعنى، أسوأ حالًا قبل أن يكشف عنه.
وأبو تمام الذي عاصر بشرًا تحدَّث عن وقت نشاط العاطفة، وعن مصدر القوة والصدق في الأدب بما وصَّى به تلميذه البحتري: يا أبا عبادة تخيَّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، وأعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر.... فإذا عارضك الضجر، فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب.
وسار ابن قتيبة على نهج بشر، متأثرًا به في حديثه عن العاطفة، ووقتها وصدقها قال: "وللشعر أوقات يسرع أتيه١، ويسمح فيها أبيه، منها أول الليل قبل تغشي
стр. 109
الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في المجلس وفي المسير، ولهذه العلل تختلف أشعار ورسائل المترسل"١. ويسير أبو هلال العسكري [م ٣٩٥ هـ] في هذا الطريق الذي بدأه بشر، فيذكر الأديب بالكف عن الأدب إذا شعر بفتور أو ملل، ويحثه على العمل يقول فاعمل: "ما دمت في شباب نشاطك، فإذا غشيك الفتور، وتخونك الملال، فأمسك، فإن الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضجر خسيس، والخواطر كالينابيع، يسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من الري، وتنال إربك من المنفعة فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلَّ عنك غناؤها"٢.
وغيرهم من النقاد الذين تأثروا بالصحيفة مثل الآمدي٣، والقاضي الجرجاني ٤، وعبد القاهر الجرجاني٥.
стр. 110
الوزن والقافية:
وتحدث بشر عن قوة الوزن والقافية، وتناسبهما، وحسن موقعهما بين الألفاظ، وتلاحم المعاني في الأبيات، يقول بعد أن تحدث جودة الألفاظ: "والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاطى قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفتك، ولم تكن حاذقًا مطبوعًا.... عابك من أنت أقل عيبًا منك"١.
ويتأثر أبو هلال بما ذكره بشر عن الوزن والقافية، فيقول أبو هلال: "وإن أردت أن تعمل شعرًا، فأحضر المعاني التي تريد نظمها فكرك وأخطرها على قلبك وأطلب لها وزنًا، يتأتى فيه إيرادها، وقافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية، ولا تتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقًا، وأيسر كلفة منه في