← Адаб

Адаб · id 22860

المذاهب الأدبية في الشعر الحديث لجنوب المملكة العربية السعودية

علي علي صبح

Полный текст (312 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمات: مقدمة: الحمد لله تعالى الذي جعل الإسلام عقيدة وشريعة ... والصلاة والسلام على خير خلق الله ... كان خلقه ﷺ القرآن الكريم ... ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . في العصر الحديث عاد إلى الشعر العربي وجهه المشرق، وأصالته العربية الإسلامية العريقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي والعربي، فأوت إليه الأصالة بعد الزيف والإسفاف، والحيوية والتجديد بعد الجمود والتقليد، والإبداع والابتكار بعد النقل والتكرار، والتحرر والرجوع إلى الذات بعد التقيد والتبعية. ولهذا نال الشعر العربي الحديث عناية الباحثين والدارسين؛ لتحديد الدوافع لأصالته وعراقته، وإبراز خصائصه وسماته واتجاهاته ومدارسه وطابعه ومذاهبه، وخاصة في المجالات التي لم تنل عناية الباحثين، لما تحتاج إلى جهد في تيسير الوسائل والأسباب, وتذليل العقبات والصعوبات. والشعر في "المملكة العربية السعودية" حتى الآن من الحقول البكر التي تضطر إلى التوقف والتأمل كثيرًا، وإلى البحث والدراسة، ولا زال الشعر السعودي يحتاج إلى التقييم والتحليل والنقد والموازنة، للتعرف على خصائصه الفنية، ومدارسه الشعرية، ومذاهبه الأدبية. والدراسة التي دارت حوله حتى الآن أخذت اتجاهًا واحدًا نحو الحركة الفكرية والتاريخ الأدبي، في مؤلفات نادرة ذات الطابع التاريخي في أدب المملكة عامَّة، أو أدب الجنوب خاصة، أو أدب نجد وغيرها١.

стр. 2

وهذا الاتجاه في الأدب عامَّة، يختلف في منهجه وغايته عن الاتجاه في هذا البحث، فقد اختص بالشعر لا بالأدب عامَّة، ولا في تاريخ الشعر بالمملكة، بل في العصر الحديث، ولا بالشعر الحديث في المملكة كلها، بل في شعر منطقة متميزة من مناطقها المتنوعة، التي تختلف باختلاف الطبيعة وواقع البيئة، وليس في شعر الجنوب "منطقة الجنوب" في جميع ما يتصل به لأدنى ملابسة، بل في جزئية واحدة فقط من اتجاهات الشعر الكثيرة وروافده المتعددة، بل في المذاهب الأدبية الحديثة في شعر الجنوب، ومدارسها التي تنتمي إليها، وهذا هو موضوع البحث. ولم يكن هذا الاتجاه عن طريق الصدفة، بل كانت من ورائه دوافع قوية متعددة الجوانب، من أهمها الاتجاه "الأكاديمي" للبحوث في كلية التربية، فرع جامعة الملك سعود في أبها، والتي أعمل فيها عضوًا من هيئة التدريس ... وهو البحث في البيئة التي تحملت أعباءها المؤسسات العلمية والجامعية ومراكز بحوثها، على النمط الذي تقوم عليه الأقسام العلمية في حقول التجارب العملية لدراسة البيئة في عسير من خلال مركز البحوث للكلية. ومن هذا المنطلق "الأكاديمي" تحدد اتجاه البحث. وعندما تكاملت فكرة البحث تقدم به "مركز البحوث" مع بحوث أخرى للاشتراك العلمي في الاحتفال بمرور خمس وعشرين سنة على "جامعة الملك سعود"، ورسالتها العلمية "اليوبيل الفضي" في عام ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م"١ ثم نمت عناصر البحث وتكاملت، ونضجت معالمه، وتحددت أبعاده، فتدفقت روافده بين صفحات هذا الكتاب، ليعبر عن التجربة الواقعية التي عشتها في "منطقة الجنوب" للمملكة العربية السعودية. ومن وراء هذا كله كان الشعر في الجنوب يحث على الدراسة، والاستمتاع به. .. وهو شعر بكر، نبع من منطقة متميزة بروعة بيئتها، وسحر الطبيعة فيها، والتنوع في مجالها، فهي بحق كما وصفتها المملكة. بأنها من أهم المصايف لدول الخليج العربي. ومن هنا كان مجال البحث محدودًا؛ لأنه في منطقة واحدة متميزة، وفي شعرها البكر الذي لم يتعرض للبحث حتى الآن، وفي جانب واحد من الشعر لا في شتى الجوانب، التي تتعلق به في المنطقة. وينبغي منذ البداية أن يكون المنهج واضحًا للقارئ الكريم، فالمنهج يحدد الاتجاه والغاية التي تنتهي بالنتائج، فيميز المذاهب الأدبية، ويحدد اتجاهها وقيمها، ليحكم بالتقليد أو التجديد أو الإبداع.

стр. 3

فالقيم المنهجية التي سرت عليها كانت -بالدرجة الأولى- نابعة من واقع الشعر في المنطقة حسب تطوره التاريخي فيها، ثم تستنتج النتائج، وهذا هو الأساس الأول والأصل في منهج البحث والوصول إلى الغاية منه، أمَّا علاقة الشعر بالتيارات المعاصرة، والمذاهب الأدبية العامة في الشرق وفي الغرب كانت تابعة للأساس الأول، ورافدًا واحدًا من روافده. والحكم على المدرسة في مذهبها الأدبي بالتقليد أو المحافظة أو التجديد أو الابداع يصدر أيضًا نابعًا من الاستقراء للشعر المنشور والمشهور، ومن خلال التصنيف بين شعراء الجنوب وحدهم، فالتفاوت بينهم يتم حسب المذهب الأدبي في مدرسته، لا بين غيرهم من شعراء المملكة، وقد يتفق شعراء المملكة جميعًا في المذاهب الأدبية المتباينة، وحينئذ يكون من الممكن أن ينتسب كل شاعر إلى مدرسته الأدبية تبعًا لاختلاف مذاهبهم، وتطبيقها على الشعر الحديث عامَّة، وهذا مجال لبحث مستقل آخر. ومن المجازفة أن يكون البحث شاملًا للمذاهب الأدبية في شعر المملكة؛ لأسباب من أهمها: إنها ستكون دراسة غير دقيقة، لا تعتمد على جزئية واحدة في مجال البحث العلمي، وأنها أيضًا ستواجه العقبات الصعبة في الاستقراء أو الاستقصاء لهذا الشمول، على العكس من الجزئية في هذا البحث، وأن الدراسة أيضًا تستلزم تحديد أبعاد الجزئية، لتتخذ طريق العمق والبناء السابق، وإلا كانت الدراسة مسحًا سريعًا كالعدو وشمولًا خاطفًا كسرعة البرق. ومن الممكن بعد الوصول إلى الغاية من البحث أن يصح تطبيقها على نظائرها من المذاهب الأدبية في بعض المناطق الأخرى للمملكة بنفس التخصص والاستقراء؛ لأن معظم الروافد التي تغذي الشعر فيها واحدة غالبًا، إلا روافد خاضعة لبيئة المنطقة وخصائصها الطبيعية والبشرية، ولو لم تكن البيئة والطبيعة فاصلًا ومميزًا، لما تميز شعر الجنوب بسحر الطبيعة وروعة البيئة، كما تميَّز شعراء الحرمين بالشعر الإسلامي والوجداني بخصائص تتميز به كل من المنطقتين فيما بينهما، كما تتميز كل منهما عن المناطق الأخري. وجمع مادة الشعر هنا ليس سهلًا، لا من شعراء المنطقة الذين ذهبوا مع الخالدين، فلم تكن لهم دواوين منشورة، وإن كانت- وهذا نادر- فتكاد أن تختفي عن الأنظار كالكنز الدفين، فمن الصعب الحصول عليه، ولا من كبار الأحياء من الشعراء المشهورين لعقبات لا تقل عن العقبات السابقة منها أن الديوان يطبعه الشاعر لحسابه، أو يقوم النادي الأدبي بطبعه، وفي كلتا الحالتين يكون التوزيع محدودًا، يعتمد على الهدايا الشخصية غالبًا، ولم يبق أمامي إلّا وسائل الاتصال المختلفة والشاقة، وعلى سبيل المثال: ديوان "القلائد" للسنوسي أبرز شعراء الجنوب، نشر منذ أكثر من عشرين سنة، فلم نجد منه إلَّا نسخة واحدة خاصَّة بالشاعر نفسه، ضرب عليها الحصار، حتى يعيد الطبع للمرة الثانية، وتكرّرت مثل هذه المحاولات في جميع مادة البحث.

стр. 4

والمذاهب الأدبية النابعة من مدارسها المختلفة، والتي انتهيت إليها، مذاهب ليست شرقية ولا غربية، بل صدرت عن واقع الشعر في الجنوب، فقد يكون اتجاه المدرسة في مذهبها غريبًا في أول الأمر، مثل مدرسة "التجديد المحافظ"، أو مدرسة "التحرر في التجديد"، لكن بعد التوغل في أعماق المدرسة لا نجد غرابة، بل نجد أن القيم نبعت في المدرسة من الشعر ذاته. لهذا جعلت المدارس الأدبية في شعر الجنوب هي مدرسة "التقليد المتحجر"، ومدرسة "المحافظين الحرفيين"، ومدرسة "التجديد المحافظ"، ومدرسة "التحرر في التجديد"، ولكل مدرسة اتجاهها وأسسها، وخصائصها الفنية وشعراؤها، وأغراضها وأسلوبها، وتصويرها الأدبي وميزانها النقدي.. في خطة للبحث تسير على النحو الآتي: أولًا: الإهداء. ثانيًا: مقدمة البحث. ثالثًا: تمهيد.. في توضيح العوامل التي أثرت في المذاهب الأدبية - البيئة في جنوب المملكة العربية السعودية - الطبيعة الساحرة في جنوب المملكة العربية السعودية. رابعًا: أبواب البحث وفصوله: الباب الأول: مدرسة المحافظين: الفصل الأول: التقليد: خصائصه - شعراؤه. ويضم هذه الموضوعات: مدرسة التقليد المجردة من الموهبة الشعرية - سليمان بن سحمان وابنه صالح بن سليمان - الشاعر على السنوسي - الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي - شعراء آخرون. الفصل الثاني: مدرسة المحافظين: ويشمل هذه الموضوعات: خصائصها الفنية - شعراؤها - الشيخ محمد سرور الصبان - الشاعر معيض بن على البختيان - شعراء آل الحفظي. الفصل الثالث: شعراء آل الحفظي: ويضم أشهر الشعراء - شعرهم في الميزان - التصوير الشعري وخصائصه الفنية - الأغراض الأدبية وخصائصها الفنية.

стр. 5

الباث الثاني: مدرسة التجديد المحافظ الفصل الأول: الخصائص الفنية لمدرسة "التجديد المحافظ": ويضمّ الموضوعات: أصول المحافظة على عمود الشعر العربي - دعائم التجديد وخصائصه الفنية - شعراء مدرسة المجددين المحافظين. الفصل الثاني: الشاعر محمد بن علي السنوسي: ويشمل: نشأة الشاعر وحياته - الأغراض الأدبية في شعره وخصائصها الفنية - التصوير الأدبي - خصائص الألفاظ والأساليب - خصائص الوزن والقافية - التشخيص في التصوير الأدبي - الروح الإسلامية في التصوير الأدبي - الصورة الخيالية وخصائصها الفنية - الوحدة الفنية - موازنة ونقد. الفصل الثالث: الشاعر محمد بن أحمد العقيلي: ويضم: نشأة الشاعر وحياته - الأغراض الشعرية والتصوير الأدبي لها - المدح وخصائصه الفنية - الشعر الوطني وخصائصه الفنية - الشعر الإسلامي وخصائصه الفنية - الشعر في الحضارة العلمية وخصائصه الفنية - الشعر الوجداني وخصائصه الفنية - الوصف وخصائصه الفنية - الأناشيد. الفصل الرابع: الشاعر زاهر عواض الألمعي: ويشمل: نشأة الشاعر وحياته - الأغراض الشعرية وخصائصها الفنية - التجربة الشعورية - المناسبات في الشعر - الصدق الفني - الألفاظ والأساليب - الخيال وصوره الجزئية - الوحدة الفنية. الفصل الخامس: الشاعر يحيى إبراهيم الألمعي: ويضم: نشأته وحياته - الأغراض الأدبية في شعره - المدح وخصائصه - الشعر الوجداني وخصائصه - الشعر الإسلامي وخصائصه - الرثاء وخصائصه - وقفات مع الشاعر في التصوير الأدبي - التصوير الأدبي - البديع والضرورات - معالم الجنوب في شعره - الوحدة الفنية وخصائصها. الفصل السادس: شعراء آخرون: ويضم: الشاعر علي خضران القرني - الشاعر علي عبد الله مهدي - الشاعر جبران محمد حسن قحل - شعراء آخرين.

стр. 6

الباب الثالث: مدرسة التحرر في التجديد: الفصل الأول: الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد: ويضم: التمييز بين "الرومانتيكية" الإبداعية وبين التحرر في التجديد - عوامل تكوين مدرسة التحرر في التجديد - الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد. الفصل الثاني: الشاعر أحمد العسيري: ويضم: نشأة الشاعر وحياته - الأغراض الأدبية وخصائصها الفنية - التصوير الأدبي - التجربة الشعرية - الألفاظ والأساليب - خصائص الخيال والصور الشعرية - الموسيقى الشعرية - شاعرية العسيري في ميزان النقد. الفصل الثالث: الشاعر أحمد بهكلي: ويشمل: نشأة الشاعر وحياته - الأغراض الأدبية في شعره - التصوير الشعري - بين الوجداني الذاتي والالتزام الموضوعي - الوحدة الفنية في شعره - التشخيص في التصوير الشعري - الخيال والصور الأدبية - الإيقاع الموسيقي. والله أسأل أن ينفع به.

стр. 7

تمهيد: ١- العوامل التي أثرت في المذاهب الأدبية. ٢- البيئة في جنوب المملكة العربية السعودية. ٣- الطبيعة الساحرة في جنوب المملكة العربية السعودية. الشعر الحديث في المملكة العربية السعودية بصفة عامَّة، وشعر جنوبها بصفة خاصَّة، تأثر بواقعه الذي عاش فيه، وبيئته التي نبع منها، ومن بواكير هذه المؤثرات: دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي حررت العقيدة والإنسان، والفكر والاتجاه والهدف، فظهر شعر الدعوة، وكان منطلقًا للتحرر من قيود الجمود والتخلف والركاكة والفهاهة وما شابه ذلك١. ثم تتابعت مؤثرات أخرى نبعت من واقع النهضة الكبرى للمملكة العربية السعودية، والوثبة المذهلة التي غيَّرت مجرى الحياة؛ كوحدة الإنسان لبناء الوطن، وتحقيق الهدف لإعادة بناء الأمم الإسلامية المجيدة، فيعود لها وجهها المشرق كما كانت في الماضي، والاهتمام بالتعليم في شتَّى مراحله، وبالصحافة، وبالمجلات، وبالإذاعة المسموعة والمرئية، وكذلك العناية بالمطابع ودور النشر، وإحياء التراث وجمعه من أقطار العالم الإسلامي وغيره، والاهتمام بالمكتبات العامة الخاضعة للمؤسسات المختلفة، وبالمكتبات الخاصة بالعلماء والأدباء والشعراء. ومن أحدث المؤثرات في الأدب السعودي الحديث هو التجاوب الفكري والثقافي والعلمي والأدبي مع التيارات الأدبية المعاصرة، والمذاهب النقدية الحديثة في مصر والعراق والشام وبلاد المغرب، ثم الانفتاح أمام المذاهب الأدبية والنقد في الغرب، والتأثر بجوهرها واتجاهاتها، وتطويع ما يتناسب مع القيم الإسلامية والعربية الأصيلة، وطرح ما يتجافى مع الفطرة الشرقية الملهمة. لا شكَّ أن التجاوب الفكري والأدبي كان أظهر وأقوى مع المذاهب الأدبية العربية العريقة، التي أينعت في الأرض الخصبة للعروبة والإسلام، مثل التأثر بمدارس المحافظين، ومدارس المجددين، ومدارس المبدعين، كالتأثر بمدرسة الديوان، ومدرسة أبوللو، ومدرسة المهاجرة العرب، ورابطة الأدب الحديث، والمتمردين في الشعر، وغير ذلك. تلك هي المؤثرات العامة التي أثرت في الأدب السعودي، ويكاد يسيطر عليه مؤثر ظاهر له دور خطير وعظيم وقوي، وهو سيادة التيار الإسلامي فيه، وسريان الشريعة الإسلامية بين جوانبه بصفة خاصة٢.

стр. 8

وبعد ذلك يأتي مؤثر متميز في شعر الجنوب، نبع من واقع البيئة العربية العريقة، وهو ما يتميز به أدب الجنوب من جمال الموقع، وسحر الطبيعة، وكرم السماء، وتعانق السحب، وفراهة الجبال، ويفاعة الآكام، وعمق الأودية، ورحابة السهول، وتدفق السيول، وتراسل الشلالات، وشموخ الأشجار المتعانقة، وعذوبة المياه الرقراقة، وتلاحم البسط الخضراء على قمم الجبال وفي السهول على السواء، في طبيعة أخَّاذه، وحياة ساحرة، وهواء طري منعش، ومناخ متقارب تتلاحم فيه فصول السنة في توافق وانسجام، فلا تدري في أيِّ فصل تكون، مع ما يتمتع به أهل الجنوب من برود الطبع، ودماثة الخلق، وسعة الأفق، وحِدَّة الذكاء، وغير ذلك مما يلهم الشعراء، ويعين على التأثر السريع بالمذاهب الأدبية التي تعشق الطبيعة، وتهيم بجمال الكون، وتذوب في سحر الحياة. ويحتاج هذا المؤثر المتميز الأخير إلى توضيح أكثر للبيئة التي نبت فيها شعراء الجنوب "منطقة الجنوب"؛ حيث تنوعت فيها مشارب الشعراء، وتدفقت روافدهم من منابعها الصافية العذبة، واختلفت اتجاهاتهم الأدبية ومدارسهم الشعرية. "الجنوب" منطقة واسعة تصل مساحتها إلى ربع المملكة العربية السعودية، يقطنها سكان كثيرون، في عشرة آلاف قرية تقريبًا، وعاصمتها أبها، ترتفع عن سطح البحر الأحمر بسبعة آلاف قدم، وفي القرى تكثر الزراعة والبساتين لأصناف كثيرة من الحبوب والفواكه والخضروات. الأشجار الكثيفة والغابات الملتفة توجد في بعض مناطق الجنوب، مثل منطقة السودة، وتهلل، والباحة، وتمنية، وتهامة، والقرعاء، والجرة، والمحالة، وغيرها. أما مناخها فشبيه بمناخ لبنان في سحره وجماله في الصيف والخريف، ولا سيما في جبال السراة، وفي الشتاء والربيع تشتد البرودة، ويغطي الضباب جبالها وقراها أثناء الربيع من حينٍ لآخر١. ويصف الأستاذ يحيى إبراهيم الألمعي السودة وتهلل، التي ترتفع تسعة آلاف قدم:٢ "فإنك تشعر بجمال الطبيعة وكمال حسنها؛ لما يتوفَّر فيها من مناظر خلَّابة، وأماكن شاعرية أخاذة، غابات تتعانق فيها الأشجار المخضرة المخضلة، وربوات ترى فيها الأزهار المورقة، ذات الألوان المختلفة، وتفوح منها رائحة عطرية عبقة، تتناثر في أجواء تلك الأماكن العالية.. ومن أشجارها المعروفة الوافرة: البلسان، والأثل، والعرعر، والأقحوان، وعندما يهب النسيم، نسيم الصبا، وتشرق شمس الأصيل على تلك الروابي والمرتفعات الشاهقة، تمتزج هذه العطور الفواحة مع الرذاذ الذي يتساقط على الأرض كالدر أو اللؤلؤ، من أثر الطل، حينئذ تستمتع بمنظر جميل

стр. 9

أخاذ، يرغمك على التجوال بين غابات لا ترى لها نهاية، وربما صادفك في طريقك ما يشبه الشلالات، التي تتدفق منها المياه الرقراقة العذبة، وتنساب فيها الجداول الصغيرة الصافية.. أما تهامة وأخصّ بالذكر منها جهات معروفة، فهي معتدلة، لا حر ولا برد، ولا سآمة، وفيها كثير من الأشجار الباسقة، ويعتمد معظم أهلها على الزراعة، ولا تخلو جبالها أيضًا من مراتع الأرانب والعقبان، ومراعي الحجل والغزلان، وفيها من الطيور، البلبل، والحباري، والعندليب، والخضاري، والهدهد، واليمامة". في هذه البيئة الساحرة نبتت ونمت مؤسسات علمية وأدبية راسخة في ظلال المملكة الرشيدة المعطاءة، كان لها الدور الكبير في تعميق الجوانب الفكرية والثقافية، وتوسيع المجالات العلمية والأدبية، وهذه المؤسسات العلمية هي جامعة الملك سعود "الرياض" سابقًا، فرع أبها، وتضم كلية التربية، وكلية الطب، ثم كلية الشريعة وأصول الدين، وكلية اللغة العربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، التابعتين لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم الكيات المتوسطة للبنين والبنات التابعة لوزارة المعارف السعودية، ثم النوادي الثقافية والاجتماعية والرياضية والأدبية في جيزان وبيشه ونجران وخميس مشيط، وأحد رفيده والباحة وأبها وغيرها، ولقد اشتركت في ندوات كثيرة في بعض هذه النوادي مثل نادي "ضمك" بخميس مشيط، ونادي "جرش" بأحد رفيده، وفي أبها وغيرها. واشتركت في حفل افتتاح "نادي أبها الأدبي" حين شهدت أبها حفلًا تاريخيًّا في يوم ١١/ ٣/ ١٤٠٠هـ -نيابة عن صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل- أمير منطقة عسير، افتتح صاحب السمو الملكي الأمير فيصل ابن بندر بن عبد العزيز - وكيل إمارة منطقة عسير- نادي أبها الأدبي في تمام الساعة الثامنة من مساء الثلاثاء الموافق ١١/ ٣ / ١٤٠٠هـ بحضور عدد كبير من المسئولين والمثقفين وأبناء المنطقة"١ وفي هذا الحفل حثَّ المسئولون الشباب والأدباء على الإبداع العلمي والأدبي، قال صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر: "فلقد اهتمَّت حكومتنا الرشيدة، وعن طريق إحدى مؤسساتها ... لإنشاء ورعاية وتأسيس النوادي الأدبية، وقامت على دعمها بكل ما يساعدها لتحقيق أهدافها، والتي على رأسها بعث تراث هذه الأمة المجيدة وأدبها وعلومها، ودعم كافة الطاقات الشابَّة وحفزها؛ لتقديم ما عندها من قدرات على الإنتاج والإبداع العلمي والأدبي"٢. وباسم المؤسسات الجامعية العلمية في الجنوب تحدث الدكتور مزيد إبراهيم عميد كلية

стр. 10

التربية في أبها فقال: "لا يسعنا اليوم إلَّا أن نشكر الله ونحن نشهد تدشين هذه المؤسسة الأدبية الثقافية، التي تعتبر لبنة أساسية في كيان الصرح الثقافي في منطقة عسير.. أما المجتمع فعليه أن يدرك أيضًا انتماءه العميق لهذا الجزء منه، ألا وهو مؤسساته الثقافية، فهي كما ورد الذكر، لم توجد إلّا لخدمته، وهي المصدر الأساسي الذي يمده بالقوة البشرية المؤهلة للمساهمة في تقدُّم البلاد وازدهارها"١. ومما ذكره في كلمته الأستاذ محمد عبد الله الحميد رئيس النادي: "ونحن في هذه المنطقة الجميلة المعطاءة، الموحية بالأفكار البناءة والأخيلة الشعرية الصافية، أحوج ما نكون إلى ملتقى فكري يجمعنا، ومنتدى أدبي نغذي به أرواحنا"٢. ثم تتفجر شاعرية الأستاذ أحمد فرح العقيلان -مدير إدارة الأندية بالنيابة- فأنشد قصيدته من وحي الساعة، بعنوان: "أبها الشاعرة": سلم على أبها وحيِّ جمالها ... واسأل عن السحر الحلال جبالها نفسي الفداء لها ربوع فضائل ... تتشرف الأرواح أن تهدي لها أنشد عن الطهر العفيف نساءها ... واسأل عن الخلق الشريف رجالها الأسد فيها والظباء سوانح ... بأبي وأمي ليثها وغزالها قد كنت أحسبني كبرت على الهوى ... وتركت أحلام الصبا ودلالها حتى رأيت ظباء أبها رتّعًا ... والحب يرتع والعفاف حيالها وإذا الوقار يلومني ويقول لي ... العب وشارك في الصبا أطفالها لولا وفائي للرياض وأهلها ... لنقلت عائلتي هنا وعيالها أو كنت أتركهم هناك وأمهم ... وأسوم بعض الطاهرات حلالها٣ أبها مصيف الطيبين يؤمها ... من كان ينشد في الحياة جمالها بعض المصايف ضلة وفضائح ... وهنا فضائلها تمد ظلالها حورية السروات أنت نموذج ... للحسن ترسمه الحسان مثالها في روض أبها كل شيء شاعر ... فالحسن يصقل في النفوس خيالها ولحكمة رزقت أميرًا شاعرًا ... والشعر يرسم للنفوس كمالها والشعر عبر عصوره أنشودة ... رسمت لروح التضحيات مجالها ما أروع الآداب إن هي أنهلت ... من منهل الخلق الكريم خصالها أنا لم أنل في العمر صحبة خالد ... لكن سمعت الحمد ممن نالها

стр. 11

وقرأت في صحف روائع شعره ... ما كان أحلى نظمها وصقالها ورأيت في أبها غراس يمينه ... نشرت على قمم الجبال ظلالها ورأيت رأي العين إنجازاته ... غراء يسبق فعلها أقوالها لا تعجبن فخالد من أسرة ... يتفيأ الشرف الرفيع ظلالها عفوًا شغلت بخالد عن فيصل ... حرس الإله حياته وأطالها نور على نور بجانب خالد ... بهما غدت أبها تسوق دلالها١ ومن أشهر مناطق الجنوب أبها، وتهامة عسير، أو رجال ألمع، وبلاد الحجر، والنماص، وتثليث، وجاش، وظهران الجنوب، وبلاد بلقرن، وبلاد شهران، ومحائل، وجازان وغيرها، وترجع القبائل فيها إلى أصول العدنانية والقحطانية، وأشهر من فيها: رجال ألمع، وآل حفظي، وبنو شهر، وبنو عمرو، وبنو الأحمر، وبنو الأسمر، وبنو مسعود، وبنو شهران، وغيرهم. ذكر الهمذاني المتوفَّى سنة ٣٣٤هـ بلاد الحجر: "أن عبل من أوطان عسير، ويقع في بلاد بني الأحمر، وهم من رجال الحجر بن الهنو بن الأزد"٢. وقال الهمداني أيضًا: "وأول بلاد الحجر من يمانيها عبل: واد فيه الحبل، ساكنه بنو مالك بن شهر، وصبح وادي زرع، وباطنه بهوان: وادي زرع وأعناب، وساكنه بنو شهر"٣. وفي الحجر نشأ الشنفرى الأزدي العداء المشهور، صاحب اللامية التي أولها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل٤ في هذه الطبيعة الساحرة، والبيئة الأخاذة، مرَّ الشعر الحديث في الجنوب بالأطوار التي مرَّت بالشعر السعودي بصفة عامَّة، واتخذ في سيره التاريخي مراحل متنوعة في التطور والتجديد، ويمثل في كل مرحلة من مراحله مدرسة فنية ومذهبًا أدبيًّا يتميز بخصائصه وسماته، ومن خلال هذه المدارس الأدبية برزت معالم المذاهب الأدبية في هذا الشعر، وسنفصِّل القول في أشهر هذه الاتجاهات المدرسية في شعر الجنوب، وذلك في الأبواب والفصول التالية:

стр. 12

الباب الأول: مدرسة المحافظين الفصل الأول: التقليد - خصائصه-شعراؤه مدرسة التقليد المجرَّد من الموهبة الشعرية: أصحابها هم الذين عكفوا على محاكاة الشعر الذي دار في فلك العصر، فقد ساد فيه الضعف الفكري والركود الأدبي، وضحالة الثقافة، وخمود العاطفة، وبلادة المشاعر والأحاسيس، وجمود الحياة، مما كان له آثاره الهابطة على الفكر والأدب، فاصطبغ الشعر بالتكلُّف والتصنُّع، واشتدَّ الغرام بألوان البديع الباهتة، وازدادت المبالغة في التصوير، حتى زاغ المعنى وضلَّ الهدف، وتكاثف الزخرف في الأسلوب وأثقال الزينة، فناء بحمل المعنى المراد، واختفت شخصية الشاعر الفنية، فتجرَّد الشعر من العاطفة الجياشة، والأحاسيس الرقيقة، والمشاعر الحية والخواطر الذاتية، وشرف المعنى، ونبل الهدف، وأصبح الأدب لا يثير العاطفة عند الآخرين، ولا يحرّك مشاعرهم، ولا يثير فكرهم ولا يربِّي أذواقهم، ولا يثير نخوة المنافسة بين المتطلعين إلى الأدب، مما أدَّى إلى فقر ساحة الأدب والشعر، وجدب المواهب، وانهيار الذوق الأدبي، وعزوب الأديب، وندرة الشاعر١. هذه خصائص الجمود في الشعر، تسرَّبت سمومه القاتلة إلى شعر المقلِّدين من شعراء جنوب المملكة، الذين سلكوا هذا الاتجاه الجامد، ولا حيلة لهم في غير ذلك، ما دامت هي السلعة الرائجة في سوق العصر الراكد، ومن أشهر شعراء التقليد الذين خضعوا لنوبة التقليد، واتَّسم شعرهم بهذه الخصائص القاتمة الجامدة، من أهمهم: سليمان بن سحمان، وابنه صالح بن سليمان: نشأ سليمان في قرية "السقا" إحدى قرى أبها؛ حيث وُلِدَ فيها وعاش ما بين "١٢٦٦-١٣٤٩هـ"، وتتلمذ على والده الذي اشتهر بحفظ القرآن وتجويده، وحسن الخط، والإحاطة بالعلوم الشرعية والعربية، ثم سافر هو ووالده إلى الرياض؛ ليتردَّد على حلقات العلم، ويتتلمذ على يد كبار العلماء، ومن أشهر مؤلفاته: "الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد"، وكتاب "كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام"، وكتاب "إرشاد الطالب إلى أسنى المطالب"، وغيرها، وله ديوان شعر "عقود الجواهر المنضدة الحسان" ٢. ومن نظمه العلمي التقليدي في تعليم الكتابة:

стр. 13

أكتب ككتبي كما قد كنت أكتبه ... كتبًا ككتبي لهذا الكتب في الكتب سطر بسطر كهذا السطر أسطره ... سطرًا سليمًا سويًّا تسم في الرتب حرف بحرف على حرف كأحرفه ... واحذر من الحيف في حرف بلا سبب١ وهذا نظم -وليس بشعر- جامد جافّ يتعثَّر فيه اللسان، وحروف مكتظة تثاقلت بها الأفواه؛ لهيام الشاعر بحشد الحروف الواحدة، وتوارد المشتقات المتجانسة، وترادف الجناس المتضاعف أضعافًا مضاعفة، مما أدَّى إلى ركاكة النظم، واضطراب الأساليب، وضعف المعنى، وضحالة الفكرة، وجمود المشاعر، وخمود العاطفة، وذهاب ريح الشعر في سرق التقليد النافقة الخاسرة. ويقول ابن سحمان أيضًا في قصيدة يشيد فيها بجلالة الملك عبد العزيز -رحمه الله تعالى: هو الملك السامي إلى منتهى العلا ... وقد أمَّه في نيلها الطالع السعد إمام الهدى عبد العزيز الذي به ... تضعضعت الأملاك واستعلن الرشد تحمل -هداك الله- منِّي تحية ... هدية مشتاق أمض به الوجد وأورى به من لاعج الشوق جذوة ... ولكنه قد عاقه النأي والبعد وخامره من نشأة البشر نشوة ... وفي قلبه سكر من البشر ممتد إلى الملك الشهم الهمام أخي الندى ... مذيق العدا كأس الردى عندما يعد ومن أصله المجد المؤثل والعلا ... ومن جوده الجدوى لمن مسه الجهد٢ فهذا الشعر خلوّ من العاطفة الجياشة، ومجرد من الإحساس الدافق والمشاعر الرقيقة؛ لأنه يقوم على رصف الألفاظ، ونظم ورص الكلمات في سلك البحر الخليلي، والقافية العمودية، هائما بالترادف بين "السامي ومنتهى، والعلا والطالع السعد، والنأي والبعد، وبين: أخي الندى ومن جوده"، والتقابل بين "تضعضعت الأملاك واستعلن الرشد"، وغير ذلك من أثقال اللفظ، وركاكة التعبير، واللعب بالزخرف. وكذلك نجد فقدان العاطفة الجياشة في شعر ابنه صالح بن سليمان "١٣١٩هـ". الآن فليفتخر في مصر واليها ... ولتفتخر هي بالنيل الذي فيها واليخت والبحر والسكان أجمعهم ... بمن له الفخر لما حلَّ ناديها عبد العزيز مليك الناس قاطبة ... برًّا وبحرًا وحضارًا وباديها من آل فيصل أمجاد غطارفة ... شوس أماجد ما حيّ يحاكيها يا أيها الملك الميمون طائره ... يا ناصرًا الملة السمحاء وحاميها

стр. 14

قلوبنا ارتحلت لما ارتحلت وقد ... آبت بأوبتكم يا نور داجيها فأبت بالسعد ميمونًا تحفكمو ... سلامة الله لا ينفك حاديها فمرحبًا بك يا شمس البلاد ويا ... نور البسيطية قاصيها ودانيها١ لكن الشاعر تخفَّف من أثقال الزينة والمبالغة في الزخرف والبديع، ولا زالت مسحة قليلة منه، أمَّا المعنى فلا زال ضحلًا، والمشاعر ما زالت فوق السطح، والأحاسيس ليست عميقة، والصور الأدبية لا تنبض إلَّا بعرق واحد فقط، وهو سلامة الأسلوب من الركاكة، وترفعه عن القلق والاضطراب، وخيط رفيع من صدق العاطفة وحرارة الانفعال. الشاعر علي السنوسي: وهو من شعراء هذه المدرسة التقليدية "١٣١٥ هـ"، وُلِدَ في مكة المكرَّمة، لكنَّه هاجر إلى المراوغة وزبيد، وعاش في الجنوب، ومن شعره يمدح الملك عبد العزيز -رحمه الله تعالى- في درس نحوي يقول: ومفرد بالمعاني جاء منحصرًا ... في نعته المبتدأ المرفوع والخبر وجازم الفعل والماضي بظاهره ... ومن سواه ضمير جاء يستتر والحذف والنقص من حرف البناء إذا ... ما جاء فهو على شانيه ينحصر٢ الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي: وهو من شعراء هذه المدرسة، عاش في جازان، واشتهر بعلمه ومدرسته التي تعلَّم فيها هذا الجيل من أبناء جازان وما حولها، وله ديوان "نيل السول من تاريخ الأمم وسيرة الرسول"، وكذلك أربع رسائل شعرية وهي: "رسالة سلم الوصول في التوحيد والسنة"، و"رسالة ميمية الآداب في الوصايا العلمية"، و"رسالة نظم اللؤلؤ المكنون في مصطلح الحديث"، و"رسالة القصيدة اللامية في الناسخ والمنسوخ". يقول الشاعر الناظم في سيرة الرسول: مولده كان بعام الفيل ... ونقل الخلاف عن قليل ثاني عشر من ربيع الأول ... في يوم الاثنين بلا تحول كم بدا في ليلة الميلاد ... من آية في سائر البلاد منها سطوع النور في الأقطار ... إضاءة كذا خمود النار وارتجَّ إيوان كسرى وسقط ... منه الشرافات إلى الأرض تحط ٣

стр. 15

ويقول في أرجوزته أيضًا في "سنة تسع من الهجرة": كان بها غزو تبوك في رجب ... وقصده الروم فإذا ذاك انتدب معه ثلاثون من الآلاف ... مقاتلون كل ذي خلاف وابن سلول عنه قد تخلفا ... في حزنه وبعض من قد تخلفا عذرهم الحاجة إذ لم يجدوا ... نفقة وآخرون وجدوا١ ويقول أيضًا في أحوال الأسانيد والمتون: والمتن ما إليه ينتهي السند ... من الكلام والحديث ما ورد عن النبي وقد يقولون الخبر ... كما أتى عن غيره كذا الأثر متابع وشاهد له انجلى ... ثم صحيح حسن قد قبلا ومحكم معارض ومختلف ... وناسخ قابل منسوخًا عرف والراجح المرجوح ثم المشكل ... معلق ومرسل ومعضل منقطع مدلس قد احتمل ... موضوع ومتروك وموهوم معل٢ يوضِّح الشيخ حافظ الحكمي في نظمه -لا شعره- هنا أصول الأسانيد، فمنها ما هو صحيح، وحسن، ومحكم، ومعارض، ومختلف، وناسخ، ومنسوخ، وراجح، ومرجوح، ومشكل، ومعلق، ومرسل، ومعضل، ومنقطع، ومدلس، وموضوع، ومتروك، وموهوم، إلى آخر ما جاء في علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل من علوم الحديث الشريف. هؤلاء هم أشهر شعراء مدرسة التقليد في جنوب المملكة العربية السعودية، ولم نذكر نماذج الشعر غيرهم ممن سار على نهجهم من هذه المدرسة اكتفاءً منَّا من أن ذكر البعض يدل على تحقيق المنهج كله في بقية الشعراء، ما داموا هم جميعًا من مدرسة واحدة وهي مدرسة التقليد. وهنا سؤال يطرح نفسه وهو: لماذا جعلت مدرسة التقليد داخلة وتابعة لشعر المحافظين ومدرسيهم، كما هو واضح؛ حيث كانت مدرسة التقليد فصلًا، بل أوَّل فصل من فصول هذا الباب؟ والرد على هذا السؤال واضح أيضًا، وهو أنَّ مدرسة التقليد أقرب إلى مدرسة المحافظين من أيِّ مذهب آخر، فبعيد جدًّا أن يدخل في إطار مدرسة المجددين، ولا في إطار مدرسة المبدعين.

стр. 16

وكذلك آمر آخر، وهو أنَّ المقلدين والمحافظين يجمعهم اتجاه واحد في الشعر، هو منهج القصيدة واحد والتزام عمود الشعر كذلك واحد، والحرص على الوزن والبحر والقافية عندهما سواء. وقيل هذين أمر جوهري، وهو أنَّ مدرسة التقليد لا تقيم في هذا البحث بابًا مستقلًّا له فصوله الكثيرة، وذلك لضعف شعرهم من حيث الكمِّ والكيف معًا، وتعذُّر الحصول عليه حتى لو كان موجودًا، وعلى سبيل المثال ظللت سنوات للحصول على شعر الحكمي في مشقَّة مضنية وقيود تحمل على اليأس وفقدان الأمل، وأخيرًا حصلت عليه، وكأني حصلت على كنز العمر كله. ومادة الشعر لهذا البحث لقيت مثل هذا العنت في جمعه وتحصيله؛ لأنَّ الشاعر يطبع شعره لحسابه بلا دار نشر، وبهذا يحتفظ به لنفسه كالدر الثمين وقد يهدي منه، ولا يفكر في توزيعه عن طريق دار نشر حتى يتمكَّن الباحث من اقتنائه، أو يطبعه النادي الأدبي في مدينة من مدن المملكة، وهنا تكون مشقة الحصول عليه أشد وأصعب؛ لأنَّ النادي لا يعرضه للبيع، كما أنَّ المهدى إليه يكون أشد حرصًا على كتمانه. ومع هذه الظروف القاسية حصلت على المادة الشعرية عن طريق رهط من طلاب العلم والأدب المخلصين، الذين كانوا يجوبون الجنوب الوعر للحصول على دواوين الشعر، والله وحده- يضاعف لهم الأجر والثواب الجزيل. لهذا السبب الجوهري، ولأنَّ شعراء التقليد من الجيل السابق والماضي كان من المعتذَّر الحصول على شعرهم، وكثيرًا ما ألحَّ عليًَّ المنهج في أن أضمَّ التقليد مع التمهيد، ولهذه الأسباب رأيت أنه أقرب إلى الباب الأول من التمهيد ومن غيره. ومن أشهر شعراء التقليد في هذه الفترة أيضًا: محمد بن مهدي بن أحمد الضمدي "١١٩٣-١٢٦٩هـ"، علي بن عبد الرحمن النعمي، ومحمد حيدر القبي النعمي "م. ١٣٥١هـ"، وعلي بن إبراهيم النعمي "م. ١٢٧٥هـ"، ومحمد بن علي الإدريسي "م. ١٣٤١هـ"، والحسن بن أحمد بن عبد الله بن عاكش الضمدي "١١٩٣-١٢٦٩هـ"، والحسن بن خالد بن عز الدين الحازمي "١١٨٨-١٢٣٥هـ"، وأحمد بن الحسن بن علي الهيكلي "١١٥٣-١٢٣٣هـ"١. ولد الشاعر أحمد بن الحسن بن علي الهيكلي بالمخلاف السليماني عام ١١٥٣هـ، وتلقَّى العلم على يد أخيه عبد الرحمن، ثم رحل إلى زبيد وصنعاء للتزود من العلم ليعود قاضيًا على مدينة "صبيا"، لكنَّه ما لبث أن سُجِنَ في مدينة أبي عريش عام ١١٨٨هـ، ثم أطلق سراحه فهاجر.

стр. 17

إلى اليمن، وبقي في صنعاء حتى رحل إلى بلده المخلاف السليماني، ومات بأبي عريش عام ١٢٣٣هـ، ومن شعره يقول: ١. لخالقنا في أمرنا الحل والعقد ... وليس لما يقضيه منع ولا رد وأفعاله محفوفة بمصالح ... ولا شح يعلوها وإن جهل العبد تنزه عن جور وظلم على الورى ... فما أن له في عدله أبدًا ند رضينا بما قدرته يا مهيمن ... على كل حال يعترينا لك الحمد فهو شعر فاتر المشاعر، ضعيف المعنى، ضحل الفكرة، قلق الأسلوب، مع أن الشاعر قد تخفَّف من ألوان البديع والزينة، لكن القارئ مع ذلك يشعر بثقل البيت على السمع، ولا يتلاحق الشعر مع قراءته؛ لأنه وإن كان موزونًا مقفَّى، لكن الإيقاع الموسيقي في داخله لا ينساب مع المعنى والوزن، لهذا كان الثقل فيه يرجع إلى روح التقليد لا لأصالة في قرض الشعر. وأمَّا الشاعر الحسن بن خالد الحازمي فقد وُلِدَ عام ١١٨٨هـ بالمخلاف السليماني، وتعلَّم على يد القاضي أحمد بن عبد الله الضمدي، ثم أصبح وزيرًا لأمير المخلاف السليماني، وفتح المدارس، وشجَّع العلماء، وأصبحت بلاده مقصدًا لطلاب العلم، وله مؤلفات ورسائل، وتوفِّي عام ١٢٣٥هـ في عسير أثناء اشتراكه في قتال الترك٢، ومن شعره الذي يناصر به دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قال: الله أكبر كل هم ينجلي ... عن قلب كل مكبر ومهلل وموحد لله ﷻ ... والشرك عنه والضلال بمعزل وبدايتي اسم الله فيما أبتغي ... من نظمي العذب الرحيق السلسل ثم الصلاة على النبي محمد ... خير الورى النبأ العظيم المرسل. ثم الصلاة على النبي محمد ... خير الورى النبأ العظيم المرسل والآل أرباب الهداية والتقى ... من ودهم نص الكتاب المنزل ولقد عثرت على نظام صاغه ... من رام نصحًا شأنه لم يجهل وأمَّا الشاعر الحسن بن أحمد عاكش فهو من أسرة علمية مشهورة٣، وُلِدَ في بلدة "ضمد" بالمخلاف السليماني في عام ١٢٢١هـ، ورحل في سبيل العلم إلى بيت الفقيه، وزبيد وصنعاء ومكة المكرمة، وعاد إلى بلدة ليشتغل بالتدريس، فأقبل عليه الدارسون من كل

стр. 18

مكان، وكان من أشهر أدباء هذه المنطقة، وله مؤلَّفات كثيرة، وتوفِّي عام ١٢٨٩هـ، ومن شعره يقول١: لا تعجبوا إن صار خلى عاتبًا ... إنَّ الزمان اليوم بالمقلوب ولئن غدا قلب الحبيب مصرفًا ... فالقلب مشتق من التقليب. قد كنت أحسب عين دهري أغمضت ... عينًا ولكن وكلت برقيب صبرًا على مضض الزمان وفعله ... والصبر منعقد بكل نجيب إني جفاني كل خل صادق ... فكففت في الإبلاج والتأويب٢

стр. 19

الفصل الثاني: مدرسة المحافظين خصائصها الفنية: وشعراء هذه المدرسة في الجنوب هم الذين اتخذوا منهج الفحول من القدامى مذهبًا في شعرهم، فحافظوا على نظام القصيدة القديمة، وعلى عمود الشعر العربي فيها، آخذين بما أخذه الفحول في شعرهم من جزالة الألفاظ، وإحكام التراكيب، ودقة الأساليب، وروعة التصوير، وشرف المعنى ووضوحه، ونبل الغرض، والاهتمام بالهدف والمضمون، والتزام الوزن والبحر والقافية، كما جاء في علم العروض والقافية للخيل بن أحمد، وما جرى عليه الشعراء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، والتقارب في التشبيه، وقرب الاستعارة، وما اشتهر في استعمالاتها عند الفحول من الشعراء الرواد، ثم الخيال القريب المألوف، ثم الكناية المشهورة التي أصبحت كالمثل يضرب به، والبديع الذي يأتي عفوًا من غير قصد وعلى سبيل الندرة، وإشراق الديباجة، وروعة الاستهلال، ولطف الانتقال، وغير ذلك من عناصر بناء القصيدة العربية القديمة على أساس عمود الشعر العربي المعروف في شرح الحماسة المرزوقي، وفي الموازنة للآمدي، وفي الوساطة للقاضي بن عبد العزيز الجرجاني وغيرهم١. ويضاف إلى خصائص عمود الشعر خصائص فنية أخرى في شعر المحافظين في الجنوب، هي أنَّ شعر عسير يصور واقع عصرهم الذي يعيش فيه الشاعر، فيعالج القضايا التي تمس شغاف قلبه، وتهز وجدانه، وتتجاوب مع اتجاه عصره، وأحداث زمانه. وهذه المدرسة المحافظة قد انتهى الشعراء فيها إلى اتجاهين مختلفين، ومذهبين أدبيين متميزين: أحدهما: مذهب المحافظين على تقليد الفحول من الشعراء القدامى، مع بروز موهبتهم الشعرية، وأصالة قريحتهم الصافية الصادقة، من غير تجديد في المعاني، ولا في الأغراض، ولا في الأسلوب. ثانيهما: مذهب المحافظة، لكنها في ثوب جديد، يتفق شعراؤها مع الفحول من الشعراء القدامى في التزامهم بعمود الشعر العربي مع التميز عنهم في المعاني والأغراض، وفي بعض الصور الأدبية التي تعبّر عن ثقافة العصر وواقعه، ثم التشخيص الحي في التصوير الأدبي، وكذلك يتميزون في منهج القصيدة الحديثة، وبوحدة الموضوع، والوحدة الفنية.

стр. 20

وهذا المذهب الأدبي الجديد المحافظ، هو المنطلق لبناء مدرسة المجددين فيما بعد، وسنوضح هذه المذاهب ومدارسها كلًّا على حدة في مكانه إن شاء الله تعالى. أمَّا مذهب المحافظة على تقليد الفحول من الشعراء القدامى، فقد التزموا عمود الشعر العربي عندهم، مترَّسمين خطى جرير والفرزدق، وأبي تمام والبحتري، وابن المعتز وابن الرومي والمتنبي والمعري وغيرهم، ويمثل هذا المذهب الأدبي، ويشترك في هذه المدرسة الفنية شعراء كثيرون في جنوب المملكة. الشاعر الشيخ محمد سرور الصبان: ومن أشهر الشعراء الشاعر الشيخ محمد سرور الصبان، وُلِدَ في مدينة القنفذة، من قرى الجنوب "١٣١٦، ١٣٩٢هـ"، وهو من أعلامها، ثم ذهب إلى مكة المكرمة وجدة ليتعلَّم في مدارسها حينئذ، وبعد أن أخذ قسطًا من التعليم المتواضع، عمل أستاذًا، ثم تاجرًا فموظفًا حكوميًّا، ثم وزيرًا للمالية والاقتصاد الوطني، وأخيرًا أمينًا عامًّا لرابطة العالم الإسلامي، ومن أشهر مؤلفاته: "أدب الحجاز" وكتاب "المعرض"، ومن شعره: القوم قومك والبنون بنوك ... والطامحون إلى العلا أهلوك إن جد الأمر يا سورية ... فهم الذين جنودهم تحميك وإذا الوغى قد صاح صائحها فلا ... تدعو الوغى إلَّا وقد جاءوك والعبقرية والحماسة والنهى ... صدق الذين بهنَّ وصفوك أدمشق يا بلد الكرام ومعقل الأبطال ... في يوم القنا المشبوك يا موطن الأحرار والسادات من ... أهل الوفا إذا دعا داعيك أنت الفريدة بالسماحة والندى ... بالفضل والعلياء قد عرفوك١ ويقول الصبان أيضًا: من لي بشعب نابه متيقظ ... ثبت الجنان وصادق العزمات من لي بشعب عالم متنور ... يسعى لهدم رذائل العادات من لي بشعب باسل متحمس ... حتى نقوم بأعظم النهضات من لي بشعب لا يكل ولا يني ... يسعى إلى العلياء بكل ثبات٢.

стр. 21

ويخاطب وطنه فيقول: أنا لا أزال شقي حبـ ...

стр. 22

ونهضة الأفكار وعمقها، وتقدُّم الأمة ورقيها، وظهر أثر دعوته وريادته في شعر الشعراء الرواد في المملكة العربية السعودية، مثل شعر محمد حسن عواد، فقد كان أصغر شاعر ذكره في كتابه "أدب الحجاز"، وغيره مما عاصر عواد١. الشاعر معيض بن علي بن محمد البختيان: وُلِدَ الشاعر في "تثليث" عام ١٣٧٠هـ، وتدرج في مراحل التعليم متنقلًا بينها وبين أبها والرياض في جامعة الإمام محمد بن سعود، ثم تقلَّب في وظائف مختلفة، وله "ديوانان" صدر منهما ديوان "الهجير" عام ١٣٩٨هـ، أمَّا الديوان المخطوط فهو إلى سيدة القرية"، وله كتاب مخطوط بعنوان الشعر الملحون في لغة العرب"٢، ومن ديوان شعره قصيدته "وعد" يقول فيها: ذات العيون السود والألق ... وغريرة الأحلام والحرق آفاقها كالماس صافية ... ونعيمها من ناعم الورق يزهى بها قدح تراشفه ... مزّ الهوى والعابس الومق وتجن إن ألقت غلالتها ... جن المحب المدنف الشفق يا ومضة منداحة الأفق ... والغيم في زاد من الشفق تدنى العشايا من نسائمها ... نفشا مدى الأعصاب والحدق هل تعذرين الصب سيدتي ... بأن ضاع والآهات في الطرق وانسلَّ منه الفرح وانصهرت ... أحلامه في عالم سحق أم لي إلى غلواء فاتنة ... سلت على تسبيحتي أرقى وعد أغني الغيد أفضله ... روح الأصيل العذب والفلق يترقرق في شعر البختيان رونق الأصالة الشعرية، وينبض بموهبة الشاعر الصافية، فالمعاني فيه واضحة، والألفاظ جزلة رشيقة، والأسلوب محكم مترابط، والصور الأدبية الجزئية على نمط الشعر العربي القديم، في خيال مشدود في روحه ومنهجه وأصالته إلى الخيال الشعري عند فحول الشعر العربي قديمًا، ولا تجد قلقًا في الوزن، ولا اضطرابًا في الإيقاع، اللهمَّ إلا عدم التلاؤم في حرف الرويّ مع الغرض من القصيدة؛ حيث يتناسب مع الغزل حرف رقيق كالسين أو النون أو الراء مثلًا، أما القاف فهو حرف ثقيل غير رقيق مع الحماسة، وجلبة الحروب، وقعقعة السلاح.

стр. 23

ويعتصم البختيان بمذهب القدماء في منهج القصيدة العربية القديمة من الحفاظ على أركانها وعناصرها، وخصائصها الفنية التي تقيم عمود الشعر، وتطبق معالمه الفنية، ولذلك فهو من شعراء هذه المدرسة المحافظة على طريقة القدماء من غير تجديد في المعاني، ولا في الأغراض، ولا في التصوير الأدبي، وسأتناول بعده شعر آل الحفظي بالتفصيل والتوضيح لإبراز أغراضه الأدبية وخصائصها، وتصويره الأدبي وسماته الفنية اكتفاءً به عند التفصيل في شعر البختيان ومن معه في هذه المدرسة، لما يقوم عليه شعر آل الحفظي من الخصائص الفنية للمحافظين، التي تدل على تحقيقها في بقية الشعر لشعراء مدرستهم الأدبية، ولهذا خصصت فصلًا كاملًا بالتوضيح والتفصيل، وهو فضل: آل الحفظي.

стр. 24

الفصل الثالث: شعر آل الحفظي الشعراء: ومن أشهر شعراء آل الحفظي في ربوع عسير وجبالها ووديانها، وخاصة في حاضرة "رجال ألمع"، منهم الشاعر الشيخ أحمد الحفظي الأول "١١٤٥-١٢٣٣هـ"، والشيخ إبراهيم الزمزمي الحفظي "١١٩٩-١٢٥٧هـ"، والشيخ علي بن الحسين الحفظي "١٢١٧-١٢٧٥هـ"، والشيخ عبد الخالق بن إبراهيم الحفظي "١٢٢١-١٢٨٤هـ"، والشيخ أحمد الحفظي الثاني "١٢٥٠-١٣١٧هـ"، والشيخ علي زين العابدين الحفظي "١٣٠٥-١٣٧٢ هـ"، وسواهم من شعراء مضوا مع الخالدين، وشعراء ما زالوا على قيد الحياة١. والتقى هؤلاء الشعراء في ديوانهم الذي نشر عام ١٣٩٣هـ-١٩٧٣م، فقد صدر الجزء الأول منه، على أن يتبعه الجزء الثاني بعد جمعه، كما أشار إلى ذلك محمد بن إبراهيم وعبد الرحمن بن إبراهيم من آل الحفظي في المقدمة، وقد حاولت التعرف على موعد صدور الجزء الثاني من ديوانهم، فعلمت أنه قد جمع والحمد لله، وتسلمه "نادي أبها الأدبي"، على أن يقوم بطبعه ونشره، وذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى، كما وعد بذلك النادي. والجزء الأول الذي تحت أيدينا يعطي الوجه الحقيقي للشعر عندهم، ومنهجه ومدرسته وأغراضه وخصائصه الفنية، بما يدل على شعرهم بصفة عامة، ولا زال حتى الآن منهم الشعراء في الجنوب الذين يسيرون على نهج آبائهم وأجدادهم، بحيث لا تفوتهم المناسبات الأدبية والوطنية في النوادي الأدبية والثقافية، وذلك مثل شاعرهم الأستاذ الحسن بن علي الحفظي مدير مدرسة حسن بن ثابت "برجال ألمع"، ومن شعره الذي ألقاه بمناسبة افتتاح نادي أبها الأدبي عام ١٤٠٠هـ، التي تشارك بها تهامة السراة في احتضان ناديها، يقول: يد من الدولة الغراء بيضاء ... مدت إلينا فأبها اليوم فيحاء يد تشع على الآداب فانبثقت ... منها ينابيع ماء ما إن مسها داء يد من الخالد المثلي فضائله ... كثيرة ما لها عد وإحصاء ناد بأبها تراه اليوم مزدهرًا ... وخالد الفيصل المقدام بناء يرسي القواعد للنادي ويرفعها ... صرحًا مجيدًا وزان الصرح إنشاء

стр. 25

إلى قوله: تهامة وسراة الأزد في جدل ... تختال ألوية النادي وأضواء إني سأعزف أنغامي بقافيتي ... في نشوة يطرب الأسماع إصغاء أرسلتها من ذري العلياء في أفق ... سامي الجلال ووهج العلم وضاء١ الشعر في ميزان الرأي: أشاد بأدبهم وعلمهم كثير من الأدباء، نذكر منهم على سبيل المثال، الأديب الشيخ عبد الله بن علي حميد رئيس بلدية أبها سابقًا، قال مشيدًا بآل الحفظي، وبما جمعه الأستاذ محمد الهلالي من تراث ضخم لهم: لأولئك الذين طبقت شهرتهم الآفاق، وضربت إليهم أكباد المطايا من كل حدب وصوب للاغتراف من مناهل العلوم الرقراقة ... ولما كانت أسرة آل الحفظي عريقة في شتى المعارف والعلوم، فإن التركة التي خلفها القوم حافلة بمؤلفاتهم العديدة ... بدليل أني اطلعت على ديوان ضخم عنوانه "الروض المرضي في ديوان آل الحفظي"، يضم بين دفتيه ما يدل على علو كعبهم، وتضلعهم في فنون العلم ... وغيرتهم على الدين، وحرصهم على الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله، ومناصرتهم لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومؤازرتهم لآل سعود ... وبقي أن أحيل القارئ إلى هذه المجموعة من القصائد بهذه المقطوعة القصيرة: إذا كنت مشتاقًا إلى ورد منهل ... يبل الصدى في سبسب قلَّ رائده فدونك حوض من نمير مسلسل ... كأن رحيق النحل يمزج رافده شتيت تنقاها الهلالي لنظمها ... بعقد تزين النحر منها قلائده ليحيي آثار قوم تقدموا ... قد اقتنصوا لكل فرد شوارده وكم سنة أحيوا وكم بدعة نفوا ... وكم أسندوا حقا بحق يسانده فأرسلوا منار الدين من بعد فترة ... وضاءت بهم سبل الهدى ومقاصده٢ ويشيد بشعرهم الشاعر نديم الرافعي فيقول: ديوان شعر قد بدا للنور ... فزهت بطلعته ربوع عسير يروي لنا أمجاد آحاد الوغي ... لم يرو مجد العرب كل خبير نسج اليراع لآل مقرن بردة ... بيضاء رمز قداسة التقدير فغدت على الأيام حلة رفعة ... ومعزة وكرامة وسرور صانوا المآثر والمفاخر للألي ... صانوا البلاد بشرعة الدستور تهدي عيون الشعر وهي قلائد ... في مدح كل معظم مشهور

стр. 26

في مدح بيت المجد بيت مليكنا ... يعتز بالتهليل والتكبير صاغته من درر البحور قرائح ... تضفي على الأبرار فيض شعور إلهامها القرآن مصباح الهدى ... والوحي صدق القول في التبشير ما مات من بالوعظ خلد دعوة ... خفاقة كالبدر في الديجور١ خصائص شعرهم المحافظ: آل الحفظي لهم ديوان كامل صدر منه الجزء الأول بعنوان "نفحات من عسير" جمعه المرحوم محمد إبراهيم زين العابدين الحفظي، ونسقه للطبع عبد الرحمن بن إبراهيم زين العابدين الحفظي عام ١٣٩٣هـ/١٩٧٣م، وسنعرض بعض شعرهم لنقف على الخصائص الفنية لمدرسة المحافظين في الجنوب. يقول الشيخ أحمد الحفظي الأول في قصيدته "أئمة حق"، وهي تربو على ثمانين بيتًا، ومطلعها: على العارض النجدي أهدي سلاميا ... وأذكى تحياتي لتلك الروابيا سلام على أعلامها وآكامها ... سلام على حضارها والبواديا سقاها الحيا المحي ورعيا لحيها ... وحيًّا محيًّا وسعدًا لثاويا سلام على الشيخ الإمام "محمد" ... وصبت على مثواه سحب هواميا سلام على عبد العزيز وأصله ... فإنهما كانا وكانا مواسيا فقام وقاموا واستقام بحجة ... بحجة قرآن وضرب المواضيا ولا سيما عبد العزيز فإنه ... هو القائم الفاروق بالعدل قاضيا حمى بيضة الإسلام بالبيض والقنا ... وأجرى إلى برك الغماد العواديا وما زال في بعث الجيوش مجاهدا ... وفي شن غارات وتجهيز غازيا بنفس وأولاد وأهل وإخوة ... وكل نفيس والأسود الضواريا وأنفق في ذات الإله شبابه ... وشيبته داع وراع وساعيا٢ فالموهبة الشعرية أصيلة في نفس الشاعر، يسيل الشعر منها دفاقًا بلا كلفة أو تعمل، فكانت العاطفة في هذه القصيدة صادقة، مشبوبة، يدفعها الاخلاص والحب لهؤلاء الأئمة المخلصين العادلين في حكم الرعية، صبها الشاعر في ألفاظ قوية جزلة، وأسلوب ناصع مشرق، وصور أدبية، تفيض حيوية ودقة، وموسيقى شعرية منسابة مع المعنى والغرض، وقافية يلتزمها الشاعر حتى نهاية القصيدة، يلتزم فيها الشاعر بعمود الشعر العربي، لكن القصيدة هنا تتميز بوحدة الموضوع والغرض، بلا تعدد ولا مزاوجة.

стр. 27

ولا تخلو القصيدة من ميل إلى تكلف البديع نادرًا، وإلى الزخرف بقدر لا بإفراط، مثل البيت الثالث، وكذلك قوله: "فقام وقاموا واستقاموا بحجة - بحجة قرآن"، والبيت الأخير في شبابه وشيبته، وداع وراع، ويقول الشيخ محمد أحمد الحفظي في قصيدته "دين الله باق" ومطلعها: بدا الخير العظيم وقد تجلى ... لنا نور الهدى والشر ولى وصار الناس إخوانًا جهارًا ... وولى الله كلًّا ما تولى ودين الله باق في ظهور ... له كل العلو وليس يُعلَى فعض عليه واستمسك بخير ... وشد إليه راحلة ورحلا وقول إلهنا غض طري ... جديد ليس يخلق ذا ويبلى مكين في الصدور له بيان ... كذاك بألسن القراء يتلى وهذه السنة الغراء فيها ... بيان وهي بين الناس تملى وقد روت الصحابة كل عدل ... بلا علل لما علا وأملى وما قرن من الأعوام إلا ... وفيه مجدد كثيرًا وقلا وفي هذا الزمان بلا خفاء ... بدا تجديدها فرعًا وأصلا من الشيخ الإمام أبي حسين ... محمد الذي للحق جلى وآزره الإمام أبو سعود ... وسلسل مسند والسيف سلا١ وهكذا إلى نهاية القصيدة، في قوة شاعرية، وسلامة في التعبير، وروعة في التصوير، وسيولة في الألفاظ والتراكيب، بلا تعمل أو تكلف، مع شرف الغرض، وسمو الهدف، ونبل الغاية، ووحدة الموضوع في القصيدة من أول بيت فيها إلى نهايتها، وتلاؤم في التصوير الأدبي بين المعاني والأفكار وبين الألفاظ والأساليب والصور الخيالية، وانسجام بين العاطفة الدينية القوية وبين صورها في القصيدة مستخدما وسائل التعبير التي تتناسب مع الغرض الديني من القصيدة، وهذه الخصائص الفنية تسير على منهج المحافظين وطريقتهم الفنية. وهذا الشاعر الشيخ محمد أحمد الحفظي ولد في بلدة "رجال ألمع" في ١٦/ ٥/ ١١٧٨هـ، وتلقى علومه على يد أبيه، ثم رحل إلى المخلاف السليماني في سبيل العلم، ثم إلى اليمن ليكمل علومه، ثم إلى حضرموت، ثم إلى بلدته، وكان يحارب ببسالة مع الجيش السعودي، ثم عين نائبًا للقضاء، ثم قاضيًا في عسير، وله "الألفية الحفظية" و"درجات الصاعدين إلى مقامات الموحدين"، و "النفحات العنبرية في الخطب المنبرية"

стр. 28

"ذوق الطلاب في علم الإعراب" وغيرها. وتوفي في "رجال ألمع" يوم الاثنين غرة ربيع الثاني عام ١٢٣٧هـ -رحمه الله تعالى١. ويقول الشيخ أحمد الفظي الثاني، يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في قصيدته "الشرع ينادي". الشرع نادى ملوك الأرض بل طلبا ... حكمًا صحيحًا يزيل الشك والريبا وقدم العرض لكن ما استجيب له ... وحقه في ملوك الأرض قد وجبا نادى بصوت بليغ للعباد معًا ... إني جعلت لأغراض الدنا سببا وها أنا طالب منهم محاكمتي ... فصورتي قد بقيت والجسم قد ركبا والناس في غفلة عني وقد شغلوا ... من الحطام بما يكفيهم نصبا والله ما سكنوا عني ولا غفلوا ... إلا لأغراض دنيا تجلب العطبا كل يريد من الحكام مقربة ... ويطلب العز والأموال والرتبا إن تنصروني فإن الله ناصركم ... أو تخذلوني رأيتم كلكم تببا أنا الذي أسس الرحمن بنيته ... وشيد المصطفى أمري بكل نبا أنا الذي قد بناني المصطفى علمًا ... ركنًا منيعًا وأعلى مني القببا وأنتم تهدموني بعده علنًا ... يا صنيعة العمر لما صرت مغتربا٢ وخصوبة الخيال في القصيدة بثت الحياة في القيم الإسلامية، وحركت المعاني السامية المجردة، وأقام الشاعر منها شخصًا يناجي أمته وقومه ويعرض صفاته وأخلاقه ومبادئه وتشريعه عليهم ويحثهم على التمسك به والتعلق بأهدابه، والعمل على نصرته ومؤازرته وعدم خذلانه، وكيف تخذلونه والرحمن هو الذي وضع أساسه، والمصطفى شيد بنيانه، فأصبحت ركنًا منيعًا. هنا تشخيص حي متحرك للقيم والمعاني المجردة منح المعاني والمجردات حيوية وقوة تركت أثرًا واضحًا في التصوير الأدبي، الذي يهز العواطف، ويحرك الشاعر بالحب للشريعة الإسلامية والتعاطف معها في سبيل نصرة دين الله، وتطبيق شريعته الغراء، وفي هذا دلالة واضحة على موهبة الشاعر الفذة وقدرته على التصوير الأدبي، وهو يترسَّم خطى مدرسة المحافظين. الأغراض الأدبية في شعرهم: يضم ديوان آل الحفظي "نفحات من عسير" أغراضًا شعرية كثيرة على نمط الشعر

стр. 29

العربي الذي كان في الدولة الأموية، والدولة العباسية من أغراض اشتهرت في شعرهم. وعنوان القصيدة عندهم لا ينص صراحة على الغرض منها، ولذلك فإني سأقف على الغرض منها من خلال مضمونها، وما تدل عليه الأبيات والمعاني؛ لأن شاعرهم لم يحدد الغرض منها في الديوان، ولكن وضع لها عنوانًا وموضوعًا يوهم الغرض أحيانًا، ولا يوهم حينًا آخر، ولذلك قمت بتصنيف الديوان إلى الأغراض الأدبية التي اشتهرت قديمًا في شعرنا العربي الأصيل. أولًا: المدح وخصائصه وهو أكثر الأغراض الأدبية في شعر آل الحفظي، وكان المدح في قصيدة "أئمة حق ص٢٨"، وقصيدة "تهنئة بالفتح ص٦٣"، وقصيدة "ود إخلاص ص٦٥"، وقصيدة "أمصباح مشكاة ص٦٦"، وقصيدة "شهدت شواهد ص٧٤"، وقصيدة "تداعت دواعينا ص٧٨"، وقصيدة "من النعم العظمى ص٨١"، وقصيدة "زبدة الأقوال ص٨٥"، وقصيدة "من تبع الإخوة؟ ص١٢٠"، وقصيدة "تهنئة بالفتح ... ونصيحة ... وحكم ص١١٢"، وقصيدة "هزائم جيش عباس بن طوسون في عسير ص١٢٦"، وقصيدة "تهنئة بالنصر ص١٣٥". وكذلك قصيدة "جبل الفخر ص١٨٨"، وقصيدة "عبد العزيز المفدي ص٢٠٦"، وقصيدة "تهنئة ص٢٠٩"، وقصيدة "ما كل بيضاء شحمة ص٢١١"١. ومن قصائد المدح السابقة قصيدة للشيخ إبراهيم الزمزمي بن أحمد الحفظي، الذي ولد في ٢٢/ ٣/ ١١٩٩هـ ببلدة طرجال ألمع"، ثم درس في "أبي عريش" على شيخه أحمد عبد الله الضمدي حتى أجازه، ثم رحل إلى اليمن ليأخذ عن علماء بني الأهدل ... وله مؤلفات في الزهد والنحو، منها كتاب "عبق الجلاب"، وكتاب "قيد الشوارد"، وله رسائل وشعر كثير، وقد ترجم له تلميذه القاضي العلامة الحسن بن أحمد عاكش في كتابه "حدائق الزهر"٢. وهذه القصيدة هي "تهنئة فتح ... ونصيحة.... وحكم" قال الزمزمي بمناسبة تغلب الأمير سعيد بن مسلط بمن معه من قبائل عسير، ومنهم "رجال ألمع" على الترك، وإخراجهم من "طبب" سنة ١٢٣٨هـ في عهد الإمام تركي بن عبد العزيز مهنئًا ومناصحًا، قال: ألا إني أهني للأمير ... بنصر الله والفتح الشهير

стр. 30

وذاك عليه بل وعلى من ... جسيم حقه شكر الشكور فلله الثنا وله سألنا ... دوام الشكر في كل العصور فإن الشكر للموجود قيد ... وصيد أوابد النعم النفور إلى قوله: ألا فتيقظوا يا ناس مهما ... بقت مندوحة في ذي الدهور وبالماضيين فاعتبروا تفوزوا ... فيا سعدًا لأرباب العبور وعينكم الأمير حباه ربي ... وعوفي في الحياة وفي المصير سعيد طابق الاسم المسمى ... وشاهد ذا الفتوح مع النصور عليك تحية تغشاه مني ... دوامًا بالأصائل والبكور١ وتقوم هذه القصيدة على غرض واحد يجمع فيها الشاعر الصفات الكريمة للممدوح، والشمائل الفاضلة، وكريم الأخلاق، وما حققه من نصر مؤزَّر، وتنبع هذه الصفات من روح الشريعة الإسلامية وأخلاقها، مما يدل على تدين الشاعر وحسن أخلاقه. ولم تتجرد القصيدة من فلتات لا تتناسب مع لغة الشعر الشاعرة كالأسلوب السهل القريب، الذي قد ينزل أحيانًا إلى مستوى الكلام العادي بين الناس في حياتهم اليومية، مثل "الفتح الشهير" و"شكر الشكور" و"يا ناس"، بل قد يجره القرب والتداول في التعبير إلى الوقوع في خطأ مثل قوله: "بقت" فحذف لام الكلمة بلا داع للحذف، مع أن الفعل لحقت به تاء التأنيث الساكنة، ولا تحذف معها اللام، والصواب "بقيت مندوحة" وهذا مما يستعمله العامة خطأ، وأن الشاعر اضطره الوزن إلى هذا الخطأ، وكلاهما غير محمود ويؤخذ عليه. وكذلك الشيخ علي بن الحسين الحفظي ولد ببلدة "رجال ألمع" وعاش ما بين عامي "١٢١٧ - ١٢٧٥هـ"، وفي سبيل طلب تنقل الشيخ بين البلدان، فغادر وطنه إلى المراوغة باليمن، قضى بها سبع سنوات ثم عاد ليتولى منصب القضاء في عهد الأمير عائض بن مرعي، واشترك معه في الحروب، وله شعر جزل في المراسلات٢. ومن قصائده في المدح قصيدته بعنوان "هزائم جيش عباس بن طوسون في عسير" أنشدها الشاعر في عهد الإمام فيصل بن تركي حين غزت عسيرًا جحافل الترك القادمة من مصر في أيام عباس الأول بن طوسون سنة ١٢٦٨هـ، وهاجمت الكثير من البلاد: سراة وتهامة، فهب أشداء العزم والبأس، أقوياء الشكيمة الأباة أهل الأقليم جميعًا، بقيادة الأمير.

стр. 31

عائض بن مرعي لصد الجيوش المعتدية، حتى هزموهم شر هزيمة في عدة وقائع بأماكن كثيرة، وبمناسبة هذا الظفر قال علي بن الحسين هذه القصيدة في عام ١٢٦٩هـ، ومطلعها: أيا "أم عبد مالك"١ والتشرد ... ومسراك بالليل البهيم لتبعد ومأواك أوصاد الكهوف توحشًا ... ومثواك أفياء النصوب وغرغد٢ فقالت رويدًا يا أبا عبد إنما ... أضاق بنا ذرعًا شديد التوعد عرمرم جيش سيق من مصر معنفًا ... يهتك أستار النساء ويعتدي ويسبي ذراري الأكرمين جهارة ... وينظم سادات الرجال بمقلد فقلت لها من دونكن ودونهم ... ضروب حماة بالحديد المهند وضرب يزيل الهام عام ربت به ... ويظهر مكنونات أجواف أكبد قفي وانظري يا أم معبد معاركا ... يشيب لها الوالدان من كل أمرد وفيها ليوث الأسد من كل شيعة ... ياصلون نار الحرب حزنا لمفسد وفيها رئيس عائض حول وجهه ... حياض المنايا أصدرت كل مورد إلى قوله: وأشرف على واد اليمامة٣ قائلًا ... ودمعك سفاحًا على الخد والثدي سلام على عبد العزيز وشيخه ... وتابع رشد للإمام المجدد دعا الناس دهرًا للهدى فأجابه ... فئام فمنهم عالمون ومقتدي وقفاهما حذوا سعود بسيفه ... مميز مجرد النقود من الردي وعرج بها ذات اليمين وقد هوت ... على عرصات للرياض بمقصد ونادى بأعلى الصوت بشرى "ليفصل" ... وفي نسل سادات الملوك مسدد٤ وقصائد المدح عند آلي الحفظي تقوم على غرض واحد غالبًا إلَّا نادرًا، فلا تتجاوز أغراضًا أخرى غير المدح إلا في قصيدة علي بن الحسين؛ حيث ابتدأها بحوار دار بين أبي عبد وأم عبد، وإن كان سبب الحوار هو تلك المعركة التي انتصر فيها الجيش السعودي على المغيرين ثم تسلل الشاعر إلى مدح الجيش، وما حققه من نصر مؤزر في ظل رعاية الإمام تركي بن فيصل.

стр. 32

ومثلها أيضًا هذه القصيدة التي سارت على منهج القدماء في المدح، فتصدرت بغرض آخر مع المدح، قصيدة "رياض الأنس" للشيخ إبراهيم الزمزمي، فقد استهلَّها الشاعر بمشهد من مشاهد الطبيعة الساحرة، ثم انتقل إلى مدح الإمام سعود الكبير وتهنئته حين دخل مكة فاتحًا سنة ١٢١٨هـ، قال في المطلع: رياض الأنس مزهرة توالي ... بها قطف دنى ما إن تعالى وماء المأذنيات اللواتي ... تحاكى البحر لم تبق انتحالا وفي ملد الغصون سمعت لحنًا ... لطير السعد إذ ثنى المقالا فأطربني غناه وليس بدعًا ... ولو نظمت في السمط الثقالا وإني لا وقد أوفى علينا ... بشير للكآبة قد أزالا بمقدم صدر أرباب المعالي ... حليف المجد من في الله والى ومن في حلبة العلياء جلَّى ... وصلى فاسألن عنه الرجالا "محمد" الذي حاز المعالي ... بوقت أهله عنها كسالى ثم يتسلل من "محمد" ﷺ ، الذي أقام الهدى بمكة المكرمة إلى مجيء الإمام سعود إليها؛ ليعيد إليها المجد كما كانت من قبل، فيقول: فلما جاء من نجد "سعود" ... تواروا لم يطيقوه نزالا وأضحى الدين في طرب وعز ... يغيض قلوب من يهوى الضلالا١ وهكذا يسير في المدح إلى آخر القصيدة. أما بقية القصائد في هذا الغرض فقد خلصت للمدح من المطلع حتى نهاية القصيدة، كما وضح ذلك من القصيدتين السالفتين. التزم شعراء آل الحفظي في مدحهم المنهج القديم في شعر الفحول الذي يقوم على عمود الشعر العربي، وعلى تصوير الخصال المألوفة في المدح من الشيم المعروفة عند الشعراء القدامى كالشجاعة والنجدة والقوة، وشدة البأس والضرر المؤزر، والذود عن الشرف والكرامة والعرض، ثم تصوير أخلاق الإسلام، التي حفزت الرجال على النصر والدفاع عن أرضهم، والذود عن نسائهم وأولادهم، ورد كيد المعتدى. ثم مدح أئمة البلاد، فهم أئمة حق، نصروا الدين وآزروه، وثبتوا دعائمه في ربوع البلاد بالحق والعدل والمساواة.

стр. 33

ويستعين الشاعر في هذا الغرض بالصور الخيالية المتعارف عليها في شعر المدح عند القدماء؛ ليحافظ على منهج القدامى في التصوير الأدبي، وذلك مثل هذه الصورة من قصيدة "أئمة حق". حمى بيضة الإسلام بالبيض والقنا ... وأجرى إلى برك الغماد العواديا وكذلك التصوير عند الزمزمي من خيال قديم معروف، يقول: فإن الشكر للموجود قيد ... وصيد أوابد النعم النفور ثم الصور الخيالية في القصيدة الأخيرة، مثل "الليل البهيم"، "عرمرم جيش" و"يهتك أستار النساء"، و"وضرب يزيل الهام" و"يشيب لها الوالدان من كل أمرد"، وغير ذلك مما لم نذكره في ديوانهم الكبير الذي يسير على هذا النمط القديم في التصوير الأدبي. ثانيًا: الشعر الإسلامي وهو أكثر الأغراض الأدبية بعد المدح، ويشتمل على قصائد كثيرة أهمها للشاعر الشيخ محمد أحمد الحفظي، وهي "عصائب في نجد ص٤٦"، وقصيدة "تألق برق الحق ص٥١"، وقصيدة "إن النجائب ص٥٤"، وقصيدة "ودين الله باق ص٩٩"، وقصيدة "الحج والحجاج ص١٠٤"، وقصيدة "في الصلح بين متحاربين ص١٠٧"، وقصيدة "جاءت الساعة في أشراطها ص١٠٩". أما عبد الخالق الحفظي فله قصيدة "ماذا بعد الممات؟ ص١٣٩"، وأما قصائد الشيخ أحمد الحفظي الثاني هي: "في وصف طه ص١٤٥"، وقصيدة "أسماء سور القرآن الكريم ص١٤٨"، وقصيدة "الشرع ينادي ص١٥٠"، وقصيدة "الله أكبر ص١٨٦"، وقصيدة "آخر سطر من عبس ص١٩٠". وللشاعر الشيخ إبراهيم زين العابدين الحفظي قصيدة "عمرة المسجد ص٢١٢"، والشاعر عبد الخالق بن إبراهيم بن أحمد الحفظي الأول ولد عام ١٢٢١هـ في بلدة "رجال ألمع"، ثم تعلم على يد والده، ليرحل إلى "أبي عريش" فيتزود بالعلم على يد علماء آل عاكش، وتولى منصب القضاء في عسير، وبعد عودته من الحج توفى أثناء الطريق بالقنفذة عام ١٢٨٤هـ -رحمه الله تعالى١. وله قصيدة "ماذا بعد الممات؟ " يصور فيها ما يلاقيه الإنسان بعد الموت من أهوال القبر، ويستعرض آلامه وأحزانه، فتفيض القصيدة بالشكوى والألم، ويخيم عليها مسحة الخوف من الله الذي يرجو منه المغفرة والرحمة.

стр. 34

ذكر الممات طوال الليل أرقني ... والخوف أزعجني والكرب آلمني وعاذلي لم يزل جدًّا يؤنبني ... دع عنك عذلك لي يا من يعاذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني إلى قوله: ماذا ألوذ به في كشف مكربتي ... وأستجير به من كل معضلة؟ سواك يا من له ذلي ومسألتي ... وقد ترى يا إله الخلق مسألتي فجد عليَّ فليس الخلق ينفعني واغفر لي الذنب واصفح عن خطا زللي ... واستر على بستر مسبل عجل وبدل السوء بالإحسان في العمل ... وامنن على بعفو منك يا أملي وجد على مذنب بالذنب مرتهن فليس للعبد من يعفو برحمته ... ومن يجيب المضطر برأفته؟ سواك يا سامع الشاكي لفاقته ... ثم الصلاة على الهادي وعترته والصحب ما غرد القمري على فنن١ وهي طويلة اكتفيت بمطلعها ونهايتها، وتبنى في قالبها الموسيقى على نظام المخمسات، فتمثل كل مقطوعة خمس شطرات، يتفق حرف الروي في الأربع من كل مقطوعة، ويتفق في الشطرة الخامسة في جميع المقطوعات حتى نهاية القصيدة، وفي هذا القالب تنوع في الإيقاع والموسيقى، وتطور في نظام الموشحات الأندلسية، مع الاحتفاظ بالبحر العروضي في القصيدة كلها. سيطرت الحقيقة على القصيدة في التصوير الأدبي بما يتناسب مع الغرض وهو الشعر الإسلامي، أما الصور الخيالية فلا تهز النفس ولا تحرك المشاعر، فهي كتل جامدة، وصور تقليدية مجردة من الحيوية، وعلى سبيل المثال قوله: "الخوف أزعجني والكرب آلمني" فلا نشعر بحيوية الخيال والمشاعر الفياضة، وغاية الخيال تظهر حينما تجري الاستعارة بالكناية فتقول: شبه الخوف بإنسان مزعج، والكرب بإنسان مؤلم، ثم حذف المشبه به، وبقيت صفة من صفاته، وهي الإزعاج والألم على سبيل الاستعارة بالكناية، وليس هذا في خيال شعر يصلح للتصوير الأدبي، بل الصورة هنا إلى الحقيقة أقرب. ولا يغض هذا من قدر الشاعر، وإنما قد يرفعه، وقد يسمو به؛ لأن الغرض الذي ينظمه الشاعر هو شعر إسلامي، يقوم في مضمونه على الحقائق التي لا يشتط بها الخيال، ويعتمد

стр. 35

على التصوير القريب بلا مبالغة أو غلوٍّ أو إفراط، والمقصود من الخيال وصوره في غير حقائق الإسلام أن يحقق في السامع التأثير والإقناع، والحقائق الإسلامية في ذاتها تحتوي في مضمونها على التأثير باعتبارها حقائق مذهلة لا يقدر عليها البشر، ويسلم بها الإنسان لقوتها في الحجة والإقناع، فلا يحتاج كثيرًا إلى الخيال الذي يعتمد على الاتجاه البعيد في الأضواء والظلال والإشعاع. هذه الخصائص الفنية في الألفاظ والأساليب والحقيقة والخيال وصورهما والموسيقى والإيقاع هي من خصائص المذهب الأدبي لمدرسة المحافظين، الذين اتبعوا مذهب القصيدة القديمة وخصائصها، لكن من خلال شاعرية الشاعر، وبموهبته الأصيلة، من غير تقليد أعمى، يسوده الجمود والتحجر، ويتسم بالمحاكاة المجردة من الموهبة الشعرية، كالشأن عند المقلدين من شعراء التقليد لا المحافظين. ويسير على هذا المنهج الشاعر الشيخ محمد أحمد الحفظي في هذا الغرض مثل قصيدته "تألق برق الحق"، ومطلعها: تألق برق الحق في العارض النجدي ... فعم حياة الكون في الغور والنجد وأورقات الأشجار وانتهضت بها ... يوانع أنواع من الثمر الرغد دعانا إلى الإسلام دين إلهنا ... وتوحيده بالقول والفعل والقصد هدانا به بعد الضلالة والعمى ... وأنقذنا بعد الغواية بالرشد حبانا وأعطانا الذي فوق وهمنا ... وأمكننا من كل طاغ ومعتد وأيدنا بالنصر واتسعت لنا ... ممالك من كل طاغ ومعتد فنسأله إتمام نعمته بأن ... يثبتنا عند المصادر كالورد١ ثالثًا: في الرسائل والإخوانيات الشعرية ويأتي هذا الغرض الأدبي عند شعراء الحفظي في المرتبة الثالثة، ويضم قصائد كثيرة، من أهمها ما ينسب إلى الشاعر الشيخ أحمد الحفظي الأول، وهي قصيدة "والورد أهدى ص٣٥" كتبها إلى صديقه السيد أحمد إبراهيم الأخرس، وقصيدة "وميض البرق ص٣٦"، كتبها إلى ابنه محمد وهو مقيم بالقنفذة، وأجابه عليها بقصيدة "الشمس أشرقت ص٣٧"، ومن قصائد الشاعر الشيخ محمد أحمد الحفظي كذلك "لك الحمد مولى الحمد ص٥٦"، كتبها إلى أمام اليمن "المنصور علي" يدعوه لمناصرة أئمة الحق في نجد، وقصيدة "أغراض الدعوة ص٥٨"، كتبها إلى المخلاف السليماني بأبي عريش في منطقة جيزان إلى الشريف علي بن حيدر، وقاضيه.

стр. 36

عبد الرحمن الهيكلي، وعلماء تلك المنطقة، يدعوهم إلى استجابة الدعوة في نجد، وقصيدة "حدا صيت الألحان ص١١١"، وكتبها عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الحفظي ردًّا على قصيدة "سري بارق الأشواق"، التي كتبها قاضي مكة المكرمة الشيخ عبد الله سراج بن عبد الرحمن وبعثها إلى الشيخ محمد أحمد الحفظي، ولكنها وصلت بعد وفاته، فردَّ عليه ابنه عبد الرحمن بالقصيدة السابقة فقال: حدا صيت الألحان فاحتد بي قصدي ... وغنى جلا ترجيعه شجن البعد وذكرني عهدًا عفا حق وصله ... وقد كان بالآباء في طلعة السعد وكانت ردًّا على قصيدة "سري بارق الأشواق" ومطلعها: سري بارق الأشواق فاشتد بي وجدي ... وذكرني مسراه عرب الحمى النجدي وأقلقني وادي رجال وشاقني ... عبير شذي منه يفوق على الند وجاء في هذا الغرض أيضًا قصيدة "أيها البيت ص١٨٩" للشيخ عبد الخالق، خاطب بها ابنه أحمد الحفظي الثاني. وأما الشاعر الشيخ علي بن زين العابدين الحفظي فقد ولد في بلدة "رجال ألمع"، وتلقى علومه على يد والده وأعمامه، ثم رحل إلى المراوعة بوادي سهام اليمنية ليتزود بالعلم، فقضى بها خمس سنوات تتلمذ فيها على يد علماء الأهدل، ثم سافر إلى جزيرة جاوة فأقام بها سنوات، ثم عاد إلى بلده ليتولى القضاء، وله مؤلفات في الفقه والنحو والشعر، ومات وعمره خمسة وستون عامًا١، وله قصيدة "دموع وأشواق" بعث بها إلى عمه وشيخه الأول يقول فيها: هب النسيم فقلبي كاد ينفطر ... والدمع يجري على الخدين منحدر شوقًا إلى اليمن الميمون مسكننا ... من في "رجال" لنا الأسلاف قد عمروا أيضًا وذكرني عهدًا لإخوتنا ... فهم جناني كذا السمع والبصر مقدم الذكر شيخي قدوتي "حسن"٢ ... نجل الوجيه به الأيام تزدهر علامة شرف الإسلام مجتهد ... مدرس فضله في القطر مشتهر يحيى النواوي فقها فهو "تحفتنا" ... "ومنهاجنا" وكذا "الأنوار" لا نكر مصباحنا "حسن" أيضًا "نهايتنا" ... "إرشادنا" من به الأزمان تفتخر٣

стр. 37

وتمضي القصيدة على هذا النحو حتى نهايتها من التكلف والتصنع الذي يظهر في أسماء بعض كتب الفقه للمذهب الشافعي، ليسلكها في نظم الأبيات قسرًا، كما تسود طريقة التعبير في النثر على القصيدة لا طريقة الشعر فيها، مما كان لها أثر على الألفاظ الأخرى في الأبيات، فنشعر أن في الأسلوب قلقًا واضطرابًا، كما في قول الشاعر: "مقدم الذكر شيخي قدوتي [حسن] ". والمصطلحات العلمية واللغوية هي آفة الشعر، تذهب برونقه، وتطفئ ديباجته المشرقة، وتجمد حيويته النابضة، كما في قوله: "علامة- شرف الإسلام- مجتها- مدرس ... إلخ البيت"، فهذه المصطلحات "علامة - ومجتهد- ومدرس" أفسدت الشعر وجعلته نثرا أدبيا، وكذلك الأمر في أسماء الكتب، التي أصر على ذكرها وهي: "النواوي - التحفة - الأنوار - الحسن - الإرشاد" وغيرها، أخمدت حرارة المشاعر وثورة الانفعال، وتعثرت العاطفة، فتصلبت الأبيات في جمود وتحجر، وفتور وضعف في المشاعر. وهذا يدل على أن شعر آل الحفظي في ديوانهم لا يخلو من هنات العصر، من التكلف والتصنع، وإن كان قليلا بالنسبة لحسنات شعرهم بصفة عامة، وليس هذا عيبا يؤخذ عليهم، فهو أمر واقع حيث كانوا يمثلون بشعرهم مرحلة تاريخية، لا بدَّ منها في تطور الشعر السعودي في الجنوب، لينهض الشعر بعدها في المرحلة المتطورة التالية، التي سنراها في تطور المذاهب الأدبية الحديثة من بعدهم. رابعا: الشعر الوطني الشيخ أحمد بن عبد الخالق بن إبراهيم بن أحمد الحفظي الأول، ويطلق عليه أحمد الثاني، ولد بقرية عثالف مستوطن أبيه، ثم سافر إلى "أبي عريش" ليتلقى العلم على مشايخه من آل عاكش، ثم عاد إلى بلده لكي يساعد والده في القضاء والإفتاء، حتى قبض عليه الأتراك مع صحبه، وأرسلوه إلى استانبول لمدة ست سنوات، حتى عاد سنة ١٢٩٣هـ، ولكنه ظل يدعو إلى الوحدة الإسلامية، فاعتقلوا ابنه عبد القادر تنكيلا بوالده، لكنهم أفرجوا عنه بعد ذلك، وظل الشيخ أحمد في عثالف احدى قري وادي حلى برجال ألمع حتى مات سنة ١٣١٧هـ عن ٦٧ عامًا، ومن مؤلفاته: "فتح المنال" في تفسير القرآن الكريم، وله رسائل في الفقه والأدب، أما شعره فهو كثير، كتب فيه بضعة أجزاء تحتاج إلى النشر١. والشعر الوطني يكاد يكون مقصورًا على الشيخ أحمد الحفظي الثاني المترجم له سابقًا،

стр. 38

ومن أهم قصائده في هذا الغرض الأدبي قصيدة "ذكرى وعتاب ص١٥٨" كتبها وهو بالمعتقل إلى بلده وأهله، وقصيدة "لوعة وعتاب ص١٦١" في الحنين إلى وطنه وقومه الأشاوس، وقصيدة "الدهر والناس ص١٦٣" يتذمَّر فيها من الحكام العثمانيين الذين ذاق بهم مرارة الاعتقال وعذاب الوحشة والعزلة، وقصيدة "بين الماضي والحاضر ص١٦٤" يحنُّ فيها إلى الماضي ذي العزة والفخار، ويئنُّ في الحاضر من مرارة العيش بعد النعيم، وقسوة الأيام بعد الرخاء، وقصيدة "محاكمة ص ١٦٦" وفيها محاكمة وحوار يشف عن ظلم العثمانيين له ولأصحابه، وقصيدة "ذكريات ص١٦٩" يتذكر فيها حالته حينما كان عزيز الجانب في الماضي، وحالته من الأسر في الحاضر، وقصيدة "خماسيات ص١٧٦- ١٨٥"، وكتبها بعد الانتصار في حرب البلقان إلى قومه ابتهاجًا بعودته إلى وطنه، وسار على نظام تغيير القافية في الموشحات، وقصيدة "خواطر من أرض الروم"، وأرسلها مع علي بن طامي شعيب، حين أطلق سراحه إلى بني عمومته ليعبر فيها عن حنينه إلى وطنه يقول فيها: خطرت ومنت في لذيذ وصالها ... فدهشت بين حديثها وجمالها شمس تبدت من سماء فضائل ... وتزينت ببهائها وكمالها درية نورية عربية ... فاقت ببهجتها على أمثالها ترمي بنبل من قسى حواجب ... عمدًا فلم تخطيء برمى نبالها قد أودع السحر الحلال بلفظها ... ولحاظها فالسحر من أكحالها لو أسفرت في الجاهلية مرة ... عن حسنها سجدوا لعذب مقالها برزت من العلياء تنشر عرفها ... كالعطر بين نسائها ورجالها ورمت لنا طيب الحديث بلطفها ... فشفت غليل الشوق من سلسالها ما زلت أذكرها وأذكر حالها ... حتى أتى ما صد عن أحوالها مما جرى في حال أسر شائع ... أنسى لنفوس حليها ورجالها١ أسر به الأحوال صارت هكذا ... شبك ترى ما كان من أشكالها لم تؤخذ الأشياء حسب مرادها ... أو يقتدي بحرامها وحلالها صارت منازلها كأمس عابر ... تبكي منازلها على حلالها وأنا الأسير أسير سير مفكر ... كيف النجاة لطامع في حالها في بلدة الروم أسيرًا مبعدًا ... والنفس طول الوقت في أهوالها جعلت فروع أصولها أجدادها ... أيضا كما أعمامها أخوالها مالي وأرض الروم ماذا حلَّ بي ... وإن كان ذنبًا فهو من أعمالها

стр. 39

لو يأخذ الله العباد بظلمهم ... لم يبق في الدنيا سوى أحبالها لكن رحمته لكل وسعت ... يا رب فاجعلها على منوالها لا تجعل "الحفظي" محرومًا بها ... من ذا سواك مفتح أقفالها طلب التلطف والترحم سيدي ... منكم وأما الغير لا أرض لها كل عبيدك بالسواء وإنما ... تعطي لمن ترضى أليم وبالها لا ينفع العبد الضعيف لمثله ... إلا بأمرك فالرضا أولى بها وأنا الصبور وليس حالي نازلا ... لتطلب الرحمات من عذالها أقسمت ألا أصغي لقول معنف ... أو أشتكي إلا إلى فعالها ما لي وللأعداء أشابت مفرقي ... أقوالهم والموت في أقوالها لا تغترر بتبسم من ضاحك ... فالليث يكثر وهو من أهوالها والسيف يلمع ضاحكًا من صقله ... وبضربه ينهل عظم نصالها فعدونا الشيطان أضحى ضاحكًا ... والنفس لاعبة على أغفالها ما لي وللدنيا أشانت كلما ... لناه نحمده على أحوالها هل كنت تبع حمير في وقتها ... أو كنت سيف حرف ذي أطوالها أو كنت قد جمعت أجناد الورى ... أو قد فعلت فواقرًا يد نالها قطع الرقاب وأسر كل مبعد ... بل كنت مفتقرًا إلى أفعالها "رب العباد" أسير ذنب خائف ... يوم الأراضي زلزلت زلزالها ذاك المقام مقام صدق ظاهر ... إذ أخرجت أراضينا أثقالها والأرض خاشعة لشدة هولها ... لما لها الإنسان نادى ما لها؟ فيها تحدث للورى أخبارها ... أن الإله لأرضه أوحى لها الناس أشتاتًا تراهم كلهم ... لترى الجزا في ذاك من أعمالها من يعمل الخير القليل كذرة ... يومًا يراه وشره أحوالها يا نجل "طامي" أنني أودعتكم ... أسنى السلام لسائل بسؤالها والله أسأله السلامة من لظى ... يوم القضا والنفس في أهوالها على "عسير" جميعهم من مغرم ... أو في التحايا من ذرا أجبالها ما دام ذكر الله أو ما تليت ... خطرت ومنت في لذيذ وصالها١ هذه هي القصيدة كلها بدأها الشاعر على عادة الشعراء القدامى، فاستهل المطلع بالغزل العفيف، وثنَّى بالغرض المقصود، وهو الحنين إلى أهله ووطنه وماضيه، وأروع ما في القصيدة

стр. 40

شاعرية المطلع الغزلي الذي فاض بوجدان الشاعر الصادق، وعبَّر عن لظى مشاعره المتأججة من لوعة الفراق، فخطرت له في أبهى زينتها، فسحرته بحديثها وبعينيها، لتطفئ غليل الشوق، لكن العاذل يترصده ليقطع وصل الحبيبين، ألا وهو الأسر الذي أنسى النفوس أعز البلاد وأجمل الذكريات في حلى ورجال ألمع، وهكذا يتسلل الشاعر من الغزل العفيف إلى الحنين للوطن ببراعة ولطف، حتى لا يشعر القارئ بأن القصيدة تحتوي على غرضين، وكان غزله بريئًا يصور الخواطر النفسية، وكيف تجاوب وجدانه مع سحر الوصل، وجمال اللحظ، وعذوبة الحديث ولطف الروح، كما اغتلى وجدانه أيضًا بظلم الأسر في بلاد الروم ونار البعاد عن الوطن، ولوعة الفراق عن الأهل والخلان، في تصوير أدبي رائع، وشاعرية قوية متدفقة، وعاطفة صادقة مشبوبة، وذلك في شعر يكاد يخلو من مسحة الكلفة والمبالغة، حتى نشعر بأن أسلوب القصيدة وتراكيبها، بلغت من العذوبة والسهولة مبلغ التعبير الدارج في النصوص النثرية المألوفة، ولولا توقد العاطفة، وميزان الشعر من العروض والقافية، لقلنا بأنها قطعة أدبية تدخل في باب النثر الفني الرفيع. وسقطات القصيدة قليلة، لا تغض من قوة الشاعرية، أو تنقص من قدرة الموهبة الأصلية في الشعر، فالقافية مثلًا فيها ليست مركبًا صعبًا تنتهي إليها، وهذه تعطي تجوزًا للشاعر إذا لم تستجب بنية الكلمة القائمة على الهاء، وجد الشاعر مهربًا من حقله اللغوي الضيق إلى كلمة أخرى يوصلها بالهاء المضافة ضميرًا، يرجع إلى ما قبله، وتلك توسعة على الشاعر حتى لا يخضع لضرورة القافية. وعدم خضوع الشاعر لضرورة القافية يدل على تمكن الشاعر من معامل الاشتقاق اللغوي، واستخدامه استخدامًا جيدًا في القافية، ويعبر أيضًا عن قدرة الموهبة الشعرية عنده، وتلك براعة يتصف بها نوابغ الشعراء. سرى الغموض في بعض المعاني للقصيدة مثل هذين البيتين: طلب التلطف والترحم سيدي ... منكم وأما الغير لا أرض لها كل عبيدك بالسواء وإنما ... تعطى لمن ترضى أليم وبالها فلا أدري المعنى في قوله: "وأما الغير لا أرض لها" أيكون المقصود: أما غير الله فلا تطلب التلطف والترحم منه، وإذا كان كذلك فيكون الغموض واقعان لا يقف عليه القارئ بيسر، وذلك لا بسبب صورة شعرية موحية، تبهره لوقت ما، حتى يقع على المعنى فيرويه كما يروي الظمآن، ولكن بسبب التعقيد في التركيب؛ حيث جعل الشاعر التطلف والترحم عند غير الله لا أرض له، فكان الغموض في اختيار لفظ "الأرض" وفي عود الضمير على اللفظ المؤنث للأرض من أجل القافية. بينما هو يعود على التطلف والترحم، وكلاهما مذكر، ليعود عليهما الضمير مذكرًا لا مؤنثًا، والتقدير "وأما الضمير لا أرض له: أي للتلطف والترحم".
следующие страницы →