← Адаб

Адаб · id 22860

المذاهب الأدبية في الشعر الحديث لجنوب المملكة العربية السعودية

علي علي صبح

Полный текст (312 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عبد الرحمن الهيكلي، وعلماء تلك المنطقة، يدعوهم إلى استجابة الدعوة في نجد، وقصيدة "حدا صيت الألحان ص١١١"، وكتبها عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الحفظي ردًّا على قصيدة "سري بارق الأشواق"، التي كتبها قاضي مكة المكرمة الشيخ عبد الله سراج بن عبد الرحمن وبعثها إلى الشيخ محمد أحمد الحفظي، ولكنها وصلت بعد وفاته، فردَّ عليه ابنه عبد الرحمن بالقصيدة السابقة فقال: حدا صيت الألحان فاحتد بي قصدي ... وغنى جلا ترجيعه شجن البعد وذكرني عهدًا عفا حق وصله ... وقد كان بالآباء في طلعة السعد وكانت ردًّا على قصيدة "سري بارق الأشواق" ومطلعها: سري بارق الأشواق فاشتد بي وجدي ... وذكرني مسراه عرب الحمى النجدي وأقلقني وادي رجال وشاقني ... عبير شذي منه يفوق على الند وجاء في هذا الغرض أيضًا قصيدة "أيها البيت ص١٨٩" للشيخ عبد الخالق، خاطب بها ابنه أحمد الحفظي الثاني. وأما الشاعر الشيخ علي بن زين العابدين الحفظي فقد ولد في بلدة "رجال ألمع"، وتلقى علومه على يد والده وأعمامه، ثم رحل إلى المراوعة بوادي سهام اليمنية ليتزود بالعلم، فقضى بها خمس سنوات تتلمذ فيها على يد علماء الأهدل، ثم سافر إلى جزيرة جاوة فأقام بها سنوات، ثم عاد إلى بلده ليتولى القضاء، وله مؤلفات في الفقه والنحو والشعر، ومات وعمره خمسة وستون عامًا١، وله قصيدة "دموع وأشواق" بعث بها إلى عمه وشيخه الأول يقول فيها: هب النسيم فقلبي كاد ينفطر ... والدمع يجري على الخدين منحدر شوقًا إلى اليمن الميمون مسكننا ... من في "رجال" لنا الأسلاف قد عمروا أيضًا وذكرني عهدًا لإخوتنا ... فهم جناني كذا السمع والبصر مقدم الذكر شيخي قدوتي "حسن"٢ ... نجل الوجيه به الأيام تزدهر علامة شرف الإسلام مجتهد ... مدرس فضله في القطر مشتهر يحيى النواوي فقها فهو "تحفتنا" ... "ومنهاجنا" وكذا "الأنوار" لا نكر مصباحنا "حسن" أيضًا "نهايتنا" ... "إرشادنا" من به الأزمان تفتخر٣

стр. 37

وتمضي القصيدة على هذا النحو حتى نهايتها من التكلف والتصنع الذي يظهر في أسماء بعض كتب الفقه للمذهب الشافعي، ليسلكها في نظم الأبيات قسرًا، كما تسود طريقة التعبير في النثر على القصيدة لا طريقة الشعر فيها، مما كان لها أثر على الألفاظ الأخرى في الأبيات، فنشعر أن في الأسلوب قلقًا واضطرابًا، كما في قول الشاعر: "مقدم الذكر شيخي قدوتي [حسن] ". والمصطلحات العلمية واللغوية هي آفة الشعر، تذهب برونقه، وتطفئ ديباجته المشرقة، وتجمد حيويته النابضة، كما في قوله: "علامة- شرف الإسلام- مجتها- مدرس ... إلخ البيت"، فهذه المصطلحات "علامة - ومجتهد- ومدرس" أفسدت الشعر وجعلته نثرا أدبيا، وكذلك الأمر في أسماء الكتب، التي أصر على ذكرها وهي: "النواوي - التحفة - الأنوار - الحسن - الإرشاد" وغيرها، أخمدت حرارة المشاعر وثورة الانفعال، وتعثرت العاطفة، فتصلبت الأبيات في جمود وتحجر، وفتور وضعف في المشاعر. وهذا يدل على أن شعر آل الحفظي في ديوانهم لا يخلو من هنات العصر، من التكلف والتصنع، وإن كان قليلا بالنسبة لحسنات شعرهم بصفة عامة، وليس هذا عيبا يؤخذ عليهم، فهو أمر واقع حيث كانوا يمثلون بشعرهم مرحلة تاريخية، لا بدَّ منها في تطور الشعر السعودي في الجنوب، لينهض الشعر بعدها في المرحلة المتطورة التالية، التي سنراها في تطور المذاهب الأدبية الحديثة من بعدهم. رابعا: الشعر الوطني الشيخ أحمد بن عبد الخالق بن إبراهيم بن أحمد الحفظي الأول، ويطلق عليه أحمد الثاني، ولد بقرية عثالف مستوطن أبيه، ثم سافر إلى "أبي عريش" ليتلقى العلم على مشايخه من آل عاكش، ثم عاد إلى بلده لكي يساعد والده في القضاء والإفتاء، حتى قبض عليه الأتراك مع صحبه، وأرسلوه إلى استانبول لمدة ست سنوات، حتى عاد سنة ١٢٩٣هـ، ولكنه ظل يدعو إلى الوحدة الإسلامية، فاعتقلوا ابنه عبد القادر تنكيلا بوالده، لكنهم أفرجوا عنه بعد ذلك، وظل الشيخ أحمد في عثالف احدى قري وادي حلى برجال ألمع حتى مات سنة ١٣١٧هـ عن ٦٧ عامًا، ومن مؤلفاته: "فتح المنال" في تفسير القرآن الكريم، وله رسائل في الفقه والأدب، أما شعره فهو كثير، كتب فيه بضعة أجزاء تحتاج إلى النشر١. والشعر الوطني يكاد يكون مقصورًا على الشيخ أحمد الحفظي الثاني المترجم له سابقًا،

стр. 38

ومن أهم قصائده في هذا الغرض الأدبي قصيدة "ذكرى وعتاب ص١٥٨" كتبها وهو بالمعتقل إلى بلده وأهله، وقصيدة "لوعة وعتاب ص١٦١" في الحنين إلى وطنه وقومه الأشاوس، وقصيدة "الدهر والناس ص١٦٣" يتذمَّر فيها من الحكام العثمانيين الذين ذاق بهم مرارة الاعتقال وعذاب الوحشة والعزلة، وقصيدة "بين الماضي والحاضر ص١٦٤" يحنُّ فيها إلى الماضي ذي العزة والفخار، ويئنُّ في الحاضر من مرارة العيش بعد النعيم، وقسوة الأيام بعد الرخاء، وقصيدة "محاكمة ص ١٦٦" وفيها محاكمة وحوار يشف عن ظلم العثمانيين له ولأصحابه، وقصيدة "ذكريات ص١٦٩" يتذكر فيها حالته حينما كان عزيز الجانب في الماضي، وحالته من الأسر في الحاضر، وقصيدة "خماسيات ص١٧٦- ١٨٥"، وكتبها بعد الانتصار في حرب البلقان إلى قومه ابتهاجًا بعودته إلى وطنه، وسار على نظام تغيير القافية في الموشحات، وقصيدة "خواطر من أرض الروم"، وأرسلها مع علي بن طامي شعيب، حين أطلق سراحه إلى بني عمومته ليعبر فيها عن حنينه إلى وطنه يقول فيها: خطرت ومنت في لذيذ وصالها ... فدهشت بين حديثها وجمالها شمس تبدت من سماء فضائل ... وتزينت ببهائها وكمالها درية نورية عربية ... فاقت ببهجتها على أمثالها ترمي بنبل من قسى حواجب ... عمدًا فلم تخطيء برمى نبالها قد أودع السحر الحلال بلفظها ... ولحاظها فالسحر من أكحالها لو أسفرت في الجاهلية مرة ... عن حسنها سجدوا لعذب مقالها برزت من العلياء تنشر عرفها ... كالعطر بين نسائها ورجالها ورمت لنا طيب الحديث بلطفها ... فشفت غليل الشوق من سلسالها ما زلت أذكرها وأذكر حالها ... حتى أتى ما صد عن أحوالها مما جرى في حال أسر شائع ... أنسى لنفوس حليها ورجالها١ أسر به الأحوال صارت هكذا ... شبك ترى ما كان من أشكالها لم تؤخذ الأشياء حسب مرادها ... أو يقتدي بحرامها وحلالها صارت منازلها كأمس عابر ... تبكي منازلها على حلالها وأنا الأسير أسير سير مفكر ... كيف النجاة لطامع في حالها في بلدة الروم أسيرًا مبعدًا ... والنفس طول الوقت في أهوالها جعلت فروع أصولها أجدادها ... أيضا كما أعمامها أخوالها مالي وأرض الروم ماذا حلَّ بي ... وإن كان ذنبًا فهو من أعمالها

стр. 39

لو يأخذ الله العباد بظلمهم ... لم يبق في الدنيا سوى أحبالها لكن رحمته لكل وسعت ... يا رب فاجعلها على منوالها لا تجعل "الحفظي" محرومًا بها ... من ذا سواك مفتح أقفالها طلب التلطف والترحم سيدي ... منكم وأما الغير لا أرض لها كل عبيدك بالسواء وإنما ... تعطي لمن ترضى أليم وبالها لا ينفع العبد الضعيف لمثله ... إلا بأمرك فالرضا أولى بها وأنا الصبور وليس حالي نازلا ... لتطلب الرحمات من عذالها أقسمت ألا أصغي لقول معنف ... أو أشتكي إلا إلى فعالها ما لي وللأعداء أشابت مفرقي ... أقوالهم والموت في أقوالها لا تغترر بتبسم من ضاحك ... فالليث يكثر وهو من أهوالها والسيف يلمع ضاحكًا من صقله ... وبضربه ينهل عظم نصالها فعدونا الشيطان أضحى ضاحكًا ... والنفس لاعبة على أغفالها ما لي وللدنيا أشانت كلما ... لناه نحمده على أحوالها هل كنت تبع حمير في وقتها ... أو كنت سيف حرف ذي أطوالها أو كنت قد جمعت أجناد الورى ... أو قد فعلت فواقرًا يد نالها قطع الرقاب وأسر كل مبعد ... بل كنت مفتقرًا إلى أفعالها "رب العباد" أسير ذنب خائف ... يوم الأراضي زلزلت زلزالها ذاك المقام مقام صدق ظاهر ... إذ أخرجت أراضينا أثقالها والأرض خاشعة لشدة هولها ... لما لها الإنسان نادى ما لها؟ فيها تحدث للورى أخبارها ... أن الإله لأرضه أوحى لها الناس أشتاتًا تراهم كلهم ... لترى الجزا في ذاك من أعمالها من يعمل الخير القليل كذرة ... يومًا يراه وشره أحوالها يا نجل "طامي" أنني أودعتكم ... أسنى السلام لسائل بسؤالها والله أسأله السلامة من لظى ... يوم القضا والنفس في أهوالها على "عسير" جميعهم من مغرم ... أو في التحايا من ذرا أجبالها ما دام ذكر الله أو ما تليت ... خطرت ومنت في لذيذ وصالها١ هذه هي القصيدة كلها بدأها الشاعر على عادة الشعراء القدامى، فاستهل المطلع بالغزل العفيف، وثنَّى بالغرض المقصود، وهو الحنين إلى أهله ووطنه وماضيه، وأروع ما في القصيدة

стр. 40

شاعرية المطلع الغزلي الذي فاض بوجدان الشاعر الصادق، وعبَّر عن لظى مشاعره المتأججة من لوعة الفراق، فخطرت له في أبهى زينتها، فسحرته بحديثها وبعينيها، لتطفئ غليل الشوق، لكن العاذل يترصده ليقطع وصل الحبيبين، ألا وهو الأسر الذي أنسى النفوس أعز البلاد وأجمل الذكريات في حلى ورجال ألمع، وهكذا يتسلل الشاعر من الغزل العفيف إلى الحنين للوطن ببراعة ولطف، حتى لا يشعر القارئ بأن القصيدة تحتوي على غرضين، وكان غزله بريئًا يصور الخواطر النفسية، وكيف تجاوب وجدانه مع سحر الوصل، وجمال اللحظ، وعذوبة الحديث ولطف الروح، كما اغتلى وجدانه أيضًا بظلم الأسر في بلاد الروم ونار البعاد عن الوطن، ولوعة الفراق عن الأهل والخلان، في تصوير أدبي رائع، وشاعرية قوية متدفقة، وعاطفة صادقة مشبوبة، وذلك في شعر يكاد يخلو من مسحة الكلفة والمبالغة، حتى نشعر بأن أسلوب القصيدة وتراكيبها، بلغت من العذوبة والسهولة مبلغ التعبير الدارج في النصوص النثرية المألوفة، ولولا توقد العاطفة، وميزان الشعر من العروض والقافية، لقلنا بأنها قطعة أدبية تدخل في باب النثر الفني الرفيع. وسقطات القصيدة قليلة، لا تغض من قوة الشاعرية، أو تنقص من قدرة الموهبة الأصلية في الشعر، فالقافية مثلًا فيها ليست مركبًا صعبًا تنتهي إليها، وهذه تعطي تجوزًا للشاعر إذا لم تستجب بنية الكلمة القائمة على الهاء، وجد الشاعر مهربًا من حقله اللغوي الضيق إلى كلمة أخرى يوصلها بالهاء المضافة ضميرًا، يرجع إلى ما قبله، وتلك توسعة على الشاعر حتى لا يخضع لضرورة القافية. وعدم خضوع الشاعر لضرورة القافية يدل على تمكن الشاعر من معامل الاشتقاق اللغوي، واستخدامه استخدامًا جيدًا في القافية، ويعبر أيضًا عن قدرة الموهبة الشعرية عنده، وتلك براعة يتصف بها نوابغ الشعراء. سرى الغموض في بعض المعاني للقصيدة مثل هذين البيتين: طلب التلطف والترحم سيدي ... منكم وأما الغير لا أرض لها كل عبيدك بالسواء وإنما ... تعطى لمن ترضى أليم وبالها فلا أدري المعنى في قوله: "وأما الغير لا أرض لها" أيكون المقصود: أما غير الله فلا تطلب التلطف والترحم منه، وإذا كان كذلك فيكون الغموض واقعان لا يقف عليه القارئ بيسر، وذلك لا بسبب صورة شعرية موحية، تبهره لوقت ما، حتى يقع على المعنى فيرويه كما يروي الظمآن، ولكن بسبب التعقيد في التركيب؛ حيث جعل الشاعر التطلف والترحم عند غير الله لا أرض له، فكان الغموض في اختيار لفظ "الأرض" وفي عود الضمير على اللفظ المؤنث للأرض من أجل القافية. بينما هو يعود على التطلف والترحم، وكلاهما مذكر، ليعود عليهما الضمير مذكرًا لا مؤنثًا، والتقدير "وأما الضمير لا أرض له: أي للتلطف والترحم".

стр. 41

وكذلك قوله: "تعطى لمن ترضى أليم وبالها"، فكيف يعطي الله تعالى أليم العذاب، بل من يرض عنه الله يفض عليه بالنعيم، ومن يسخط عليه يصله بالعذاب الأليم، وهذا تناقض في المعنى. ومما يذكر لبراعة الشاعر، وموهبته الشعرية القوية أنه يستخدم البديع بلا كلفة، بل يأتي منقادًا طائعًا للمعنى، مع تكرار اللفظ الواحد يقول الشاعر في براعة: "وأنا الأسير أسير سير مفكر". وتظهر البراعة أيضًا في الاقتباس من القرآن الكريم والتضمين لصوره ومعانيه، وتظهر روعة التصوير الشعري في اقتباسه لسورة "الزلزلة" في أربع أبيات، مثل قوله: "والأرض خاشعة لشدة هولها". خامسًا: الشعر التعليمي ظهر الشعر التعليمي في أربع قصائد، وهي قصيدة "نصيحة الحاكم ص١٧٤" التي رفعها رؤساء القبائل في عسير، يتزعمهم قائلها الشيخ أحمد الحفظي الثاني إلى السلطان التركي عبد الحميد عام ١٢٩٠هـ، ينصحون الحاكم برفع ظلم العثمانيين عنهم، وقصيدة "ذكر الحبيب ص١٩٦"، التي بعث بها الشيخ علي زين العابدين الحفظي إلى ابنه إبراهيم ليحثه على طلب العلم لدى بني الأهدل في وادي سهام باليمن، ويقول في مطلعها: ذكر الحبيب لدى الساعات لم يزل ... وما غفلت ودمعي فاض من مقلي وبي من الحزن ما يكفي لمنتظر ... شواهد الحال بالتعديل تشهد لي وقصيدة "حادي المطايا ص١٩٩" أرسلها الشاعر علي زين العابدين لابنه المذكور. والشاعر الشيخ أحمد الحفظي الأول بن عبد القادر من بلدة "رجال ألمع"، ولد فيها في ١٥/ ٤/ ١١٤٥هـ، وتعلم على يد والده وأعمامه، ثم رحل إلى "صبيا" لطلب العلم، ثم إلى اليمن ليتعلم على أيدي علمائها، وأخيرًا عاد إلى بلده لينشر العلم وتعاليم الدين الحنيف، ولما ظهرت دعوة التجديد على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمؤازرة الأئمة آل سعود، نشر الشيخ أحمد الحفظي فكرها، ودعا بها، وتوفي عام ١٢٣٣هـ عن ثمان وثمانين عامًا. وله مؤلفات كثيرة منها: "الأزهار الفاتحة في أسرار الفاتحة"، "ضياء الشمعة في شرح خصوصيات الجمعة"، شرح عقد جواهر اللئال في فضائل الآل"، أما شعره فكثير١.

стр. 42

ولهذا الشاعر من الشعر التعليمي قصيدة "نصائح وحكم ص٣٣" يقول فيها: سم في سمات سناها السموات ... اعمل بأعمال أعلام العبادات واحضر جموع جماعات الصلاة فما ... أخس من فاته جمع الجماعات وأجر للجار معروفًا يجيرك من ... جور العذاب وإن جر الجويرات وهكذا يسير الشيخ في قصيدة يتعسف فيها الأسلوب المتكلف والتراكيب المثقلة بألوان الزينة والزخرف، على عادة شعراء عصره؛ لكي تصير الأبيات مثلًا أو حكمة يتندر بها في المجالس، ولا تخلو من موعظة وحكمة ونصيحة، وهذا وحده هو جوهر الحسن فيها. سادسًا: الرثاء: وجاء غرض الرثاء عند آل الحفظي في قصيدتين إحداهما للشيخ أحمد الحفظي، يرثي بها والده المتوفَّى في ليلة عيد الأضحى عام ١١٨١هـ، يقول في مطلعها: ذكر الحبيب لدى الساعات لم يزل ... وما غفلت ودمعى فاض من مقلى وبى من الحزن ما يكفى لمنتظر ... شواهد الحال بالتعديل تشهد لى وقصيدة أخرى بعنوان "روضة الحق" للشيخ محمد بن أحمد الحفظي بعث بها إلى الإمام سعود الكبير، ليرثي فيها الإمام عبد العزيز طيب الله ثراه، ويعلن عن دوام مناصرته لدعوة التجديد يقول في مطلعها: خليلي هذه روضة الحق فأعدلا ... قلوصيكما في طلها وطلولها٢ سابعًا: الوصف وغرض الوصف في ديوانهم يضم قصيدة "في طريقه إلى المعتقل" للشيخ أحمد الحفظي الثاني، أنشدها الشاعر وهو في طريقه إلى تركيا حين اعتقله العثمانيون، فوصف هذه الرحلة، وفيها يقول: شكاية مشتاق لدار ومعتقل ... وأهل وإخوان وخل ومنزل وصحب وجيران وقوم أعزة ... لوافدهم حسن القرى والتجمل مشى عنهم ليلًا فلما اعتلى على ... حفير اللوي في ليل ظلماء أليل لاقتبس النيران من كل شاهق ... كمثل نجوم الصيف ذات التحول

стр. 43

وهب نسيم البان من أيمن الحمى ... فزاد فلما آن رآني حن لي١ وقصيدة أخرى "تحية القنفذة" وهي له أيضًا: يقول في مطلعها: على البندر الغربي أهدي تحيتي ... مضاعفة تترى بصافي المودة تؤم رجال الخير والفضل والتقى ... وكل أولي علم بتلك المدينة بها أهلها كالغيث حل لجارهم ... ووافدهم فيها بأوفر نعمة٢

стр. 44

الباب الثاني: مدرسة التجديد المحافظ الفصل الأول: الخصائص الفنية لمدرسة التجديد المحافظ ... الباب الثاني: مدرسة النتجديد المحافظ الفصل الأول: الخصائص الفنية لمدرسة التجديد المحافظ أصول المحافظين على عمود الشعر العربي: عمود الشعر العربي له قواعد وأصول اصطلح عليها النقدالعربي القديم، إذا ما توفرت في قصيدة أطلق عليها النقاد أنها عمودية، وإذا التزم الشاعر المحدث بهذه القواعد والأصول أطلق عليها النقاد شاعرًا محافظًا؛ لأنه حافظ على عمود الشعر العربي في شعره، ولهذا كان لا بد أن نعرف هذه الأصول في عرف النقد القديم: فالأصول في عمود الشعر هي تلك التقاليد الفنية الموروثة في استخدام اللفظ والمعنى والخيال والصور والوزن والقافية، ومنهج القصيدة عند الشعراء الجاهليين والإسلاميين في القصيدة العربية، حتى صارت هذه التقاليد الفنية الموروثة عرفًا متبعًا، ومنهجًا متوارثًَا لا يحيد عنه الشاعر، وأصبح عمود الشعر مصطلحًا نقديًّا مشهورًا ومتداولًا، وخاصة عند النقاد العرب في القرن الرابع الهجري، فقد نضج على أيديهم. يقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي مقررًا عمود الشعر: "هو كل التقاليد الفنية التي التزمها القصاد في قصائدهم من الأفكار والمعاني والأخيلة والأوزان والقوافي والألفاظ والأساليب والصور وغيرها، فهذه التقاليد جميعها هي عمود الشعر"١. وأصول التقاليد الفنية تقوم على خصائص فنية لكلٍّ من اللفظ، والمعنى، والصور، والأسلوب، والوزن والقافية، والمنهج في القصيدة. أما اللفظ فيقتضي الجزالة والاستقامة والمشاكلة للمعنى وشدة اقتضائه للقافية، ومعنى جزالة اللفظ ألَّا يكون غريبًا ولا سوقيًّا مبتذلًا٢، ومعنى استقامة اللفظ هو تناسق حروفه في جرس متساوق، وإيقاع رتيب، فيسلم حينئذ من تنافر الحروف، ومعاناة الثقل في اللسان وعلى السمع، واستقامته أيضًا تكون بدلالة اللفظ على أصله ومعناه في اللغة٣. ومعنى مشاكلة اللفظ لمعناه، حيث لا يزيد على معناه أو ينقص عنه، وشدة اقتضائه للقافية هي أن تقع الكلمة في موطنها من القافية والوزن، فلا يقبل غيرها؛ لأنها هي الموعود المنتظر٤.

стр. 45

وأما مفهوم خصائص المعنى، فلا بد من تحقيق الشرف والصحة، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ثم التحام أجزاء النظم والتئامها١. ومفهوم الشرف في المعنى هو الإغراب فيه واختيار الصفات المثلى، والصحة فيه هو السلامة من الخطأ، ومطابقة المعنى الموضوع له في اللغة. ومفهوم الإصابة في الوصف هو ذكر المعاني العامة، والابتعاد عن المعاني المجهولة والصفات الخاصة. ومعنى المقاربة في التشبيه هو ما لا ينقض عند العكس، ومناسبة المستعار منه للمستعار له هو ما تعارف عليه أهل اللغة في المجاز٢. وأما خصائص الأسلوب والنظم في الشعر فهي جودة السبك وإحكام النسج وصحة التراكيب، والتآخي بين المعاني والألفاظ فتوضع اللفظة بجوار أختها، وفخامة الأسلوب. فالأصمعي وابن سلام الجمحي يحرصان على فخامة الأسلوب، ويقول أبو هلال العسكري: وليس الشأن في إيراد المعنى.. وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه.. من صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف. ويقول ابن طباطبا: "وللمعاني ألفاظ تشاكلها فتحسن فيها وتقبح في غيرها"، ويقول المرزوقي: "والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن"٣. ويقول الآمدي: "وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها"، ويقول أيضًا: "صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء: جودة الآلة - وإصابة الغرض - وصحة التأليف - والانتهاء إلى تمام الصنعة من غير نقص فيها ولا زيادة عليها"٤. وأما مفهوم منهج القصيدة فهو حسن الانتقال من غرض إلى غرض ومن موضوع إلى موضوع. فينتقل الشاعر من ذكر الديار والأطلال إلى الحبيب والرحلة ثم إلى المدح، وهكذا في براعة وحسن تخلص. يقول ابن قتيبة: "إن مقصد القصيدة إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن.

стр. 46

والآثار، فبكا وشكا، وخاطب الربع واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق؛ ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن النسيب قريب من النفوس لائط بالقلوب، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقَّب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر وسري الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، ودمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في السير، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدرة الجزيل"١. وأما خصائص القالب الشعري: فهي أن يلتزم الشاعر في الوزن البحور التي سار عليها الشعراء القدامى، والتي حصرها الخليل بن أحمد في البحور والأوزان التي اشتهرت عند العرب، فتقوم القصيدة على بحر واحد من المطلع حتى الخاتمة، ويلتزم الشاعر أيضًا مع البحر قافية واحدة متحدة الرويّ لا يعدل عنها في بيت واحد. أما من خرج عن البحر الواحد كشعر التفعيلة والشعر الحر فهو متمرد على عمود الشعر العربي في قالبه الموسيقي، وأما من عددت قوافيه في القصيدة الواحدة كالشعر المرسل، ونظام المقطعات فهو أيضًا متمرد على عمود الشعر العربي في القالب الموسيقي؛ لأنه خرج عن وحدة القافية في القصيدة ذات البحر الواحد. هذه هي أصول عمود الشعر العربي وخصائصه الفنية بإيجاز اصطلح عليها النقد العربي القديم، وقد وضحته بالتفضيل في كتاب مستقل٢؛ لأن الحاجة هنا تقتضي الإيجاز بقدر المطلوب. دعائم التجديد وخصائصه الفنية: ومدرسة المجددين المحافظين تسير في مذهبها الأدبي الجديد على نحو من المزاوجة بين الحفاظ على عمود الشعر العربي السابق وبين التجديد بما يتناسب مع العصر والبيئة والثقافة والتقدم العلمي والفكري وغيرها من مقتضيات العصر وظروفه وأحداثه، ولذلك نرى شعراء هذه المدرسة مع محافظتهم يغترفون من الثقافة الحديثة أكثر من غيرهم، ويتجاوبون مع التيارات الفكرية والعلمية والأدبية المعاصرة، وكذلك المشكلات الاجتماعية والعسكرية، والمجالات السياسية والإعلامية وغيرها.

стр. 47

وبهذا يتلقف الشعراء كل جديد في مجال الثقافة والعلم والفكر والفلسفة والسياسة والاجتماع، والقضايا الإنسانية والعسكرية، والمذاهب الأدبية والنقدية المعاصرة، بل يتسارعون إليه، ويقبلون عليه في نهم وشوق. وساعدهم على ذلك تيسير اقتناء الكتب والصحف والمجالات والدواوين من لبنان ومصر والعراق وتونس والمغرب وغيرها من شتَّى بقاع العالم. وكان لأجهزة الإعلام المختلفة عن طريق السماع أو الرؤية تنقل إليهم الندوات والمحاضرات والمقالات والحوار، وغيره مما يدور حول قضايا الفكر والأدب والنقد ومذاهبه. وأخذ شعراء الجنوب يتجاوبون مع أعمال المازني وشكرى والعقاد، وطه حسين والزيات، وأحمد أمين وزكي مبارك وسيد قطب ومحمود شاكر، وأحمد الشايب وشوقي صيف، وعبد المتعال الصعيدي وسعيد العريان، ومصطفى عبد الرزاق ومحمد عبد المنعم خفاجي وحسن جاد وإبراهيم أبو الخشب، ومحمد سرحان وعبد السلام سرحان وغيرهم. وتابع الشعراء المعارك الأدبية والنقدية بين المفكرين والنقاد، وخاصة حول شعر شوقي وحافظ، وشعر مدرسة الديوان، ومدرسة أبوللو، ورابطة الأدب الحديث، وشعر المهاجر العربية وغيرها. وهز مشاعرهم شعر الزهاوي والرصافي في العراق، والبارودي واسماعيل صبري والجارم، وحافظ وشوقي، ومحمود طه وأحمد زكي أبو شادي وناجي ومحمود أبو الوفا وشكري والعقاد وغيرهم في مصر، وإبراهيم اليازجي والأخطل الصغير، وأبو ريشة وبدوي الجبل وفؤاد الخطيب في سوريا ولبنان١. وكان شعراء هذا المذهب الأدبي ينقسمون على أنفسهم، فيشايعون مذهبًا يفضلونه على آخر، وشاعرا على آخر، وناقدًا على ناقد، فمنهم من هام بشوقي، وآخر من أحب محمود طه أو ناجي، ومنهم من ناصر مدرسة الديوان، وآخر سار على نهج مدرسة أبوللو وهكذا. لذلك كله ترى روح التجديد للمحافظين من شعراء الجنوب في الشكل والمضمون، فكان شعرهم تجديدًا محافظًا في المعاني والأفكار، وفي الأغراض والأهداف، وفي المنهج والأسلوب، وفي الخيال والصور الأدبية وفي الموسيقى والإيقاع، بما يتلاءم مع ظروف العصر، وحاجات المجتمع الجديد المتطور.

стр. 48

شعراء مدرسة المجددين المحافظين: وشعراء هذه المدرسة كثيرون، وكلهم ينشرون في مختلف المجالات والصحف والنوادي الأدبية الكثيرة في أبها وجازان ونجران، وخميس مشيط وبيش وغيرها. ونذكر منهم على سبيل المثال الشعراء: أحمد بيهان وحسن يحيى ضائحي، وعلي عبد الله مهدي، وإبراهيم مفتاح وأحمد باهي، وعلي أحمد حيقل، وعمر صعابي، وجبران قحل، وعمر سالم فرساني وسواهم. أما الشعراء الذين يمثلون هذا المذهب الأدبي أصدق تمثيل ليس بما نشروه في وسائل الإعلام السابقة فحسب، بل كانت لهم دواوين صدرت من أكثر من عشرين عامًا، وهؤلاء هم الشعراء الذين سيكونون محل الدراسة التفصيلية الأدبية النقدية للتعرف على الخصائص الفنية للتجديد المحافظ، ومن أهمهم الشاعر محمد بن علي السنوسي، والشاعر محمد بن أحمد العقيلي، والشاعر زاهر عواض الألمعي، والشاعر يحيى إبراهيم الألمعي.

стр. 49

الفصل الثاني: الشاعر محمد بن علي السنوسي نشأة السنوسي وحياته: هو الشاعر محمد بن علي السنوسي، ولد بمدينة جازان عام "١٣٤٢هـ"، وأبوه شاعر وقاض سبق أن تحدثت عنه في مدرسته، ألحقه بمدرسة يديرها الأستاذ الشيخ علي بن حمد عيسى رئيس كتاب محكمة جازان في عام "١٣٨٠هـ"، فتعلم على يديه القراءة والكتابة والحساب، ثم قرأ علوم العربية على والده، وعلى الشيخ عقيل بن حمد، ثم انكب على مطالعة مكتبة أبيه الزاخرة بالعلوم والآداب، فاتسعت مداركه عن طريقه الذاتي. ظهرت ملكته الشعرية، وميوله الأدبية في وقت مبكر من حياته عام "١٣٥٩هـ"، وهكذا ظل يصقل فنه حتى سما إلى مكانة مرموقة بين زملائه الرواد في المملكة حتى نال الجائزة الأولى في المسابقة الشعرية التي عقدتها "مجلة الرياض" السعودية عام "١٣٧٥هـ" في قصيدته: "حطم المارد القيود". التحق الشاعر بالوظائف الحكومية، فعمل في سلك الجمارك عام ١٣٥٧هـ"، وظل فيها ينتقل من منصب إلى آخر حتى صار مديرًا لها عام "١٣٧٠هـ"، وكان عضوًا في المجلسين البلدي والإداري، ثم عمل رئيسًا لبلدية جازان، ثم مديرًا لشركة كهرباء جازان، ثم تفرغ للأدب ولأعماله الخاصة، وأخيرًا هو الآن رئيس للنادي الأدبي الثقافي في جازان١. تأثر الشاعر بالفحول من الشعراء القدامى والمحدثين مثل أبي تمام والبحتري والمتنبي، وشوقي وحافظ وعزيز أباظة، فسار على منوالهم ونهج نهجهم. ونشر شعره مبكرًا في مجلة "اليمامة"، وجريدة "البلاد" و"أم القرى" و"الحج" و"الأضواء" و"الرائد" و"الرائد" وتلقبه المجلات بشاعر الجنوب. ترجمت بعض قصائده إلى اللغة الإيطالية، ونشرت الترجمة في مجلة "المشرق" الإيطالية’ يقول عنه الدكتور كامل السوافيري: "والسنوسي غني بشهرته عن التعريف، وله مكانته بين شعرائنا البارزين، وهو أول شاعر يترجم بعض شعره إلى لغة أوروبية، ومن أهم سماته أنه لا يتكلف أو يقول ما لا يعتقد، أو يمدح من لا يرى أنه أهل للمدح٢.

стр. 50

حاز جائزة التكريم "ميدالية ذهبية" من جامعة الملك عبد العزيز، وحصل على "ميدالية المتنبي" من وزارة الثقافة العراقية. والسنوسي رائد من رواد الأدب في المملكة العربية السعودية، ويلقب شاعر الجنوب، له حتى الآن خمسة دواوين شعرية هي على الترتيب حسب الظهور: القلائد عام ١٣٨٠هـ - الأغاريد - أزاهير - الينابيع - نفحات الجنوب عام ١٤٠٠هـ. وله دراسات أدبية في كتاب "مع الشعراء"، وكتاب "رجال ومثل" تحت الطبع، وكتب أخرى١. يقول عنه الأستاذ محمد سعيد العامودي: "إن للسنوسي مكانة بين شعرائنا البارزين، فهو صاحب القلائد، وقد كان لديوانه "القلائد" وما يزال صداه الطيب الجميل في أوساطنا الأدبية، إنه أول شاعر من شعرائنا يترجم بعض شعره إلى لغة أوروبية ... إن أهم سمات شاعرنا السنوسي في اعتقادنا أنه لا يحاول أن يتكلف، أو يظهر بغير حقيقته، أو يقول ما لا يعتقد، أو يمدح من لا يرى أنه أهل لثناء أو مدح، وإنما هو في كل ما طالعته من شعره، لا أراه إلا حريصًا كل الحرص على التزامه لهذه السمة، سمة الصدق في التعبير.. لعل ميزات السنوسي إكثاره من القراءة والاطلاع.. وإني لأغبط السنوسي حقًّا أن أراه مولعًا إلى حد النهم بالقراءة والاطلاع٢. ويصف الشاعر السعودي عبد الله بن محمد بن خميس شعر السنوسي فيقول: قد عرفت القريض غضًّا طريًّا ... يصطفيه جازان من عليائه وقف الشاعر المحلق يروي ... بهجة العيد حسنه وروائه فوقفنا الأسماع نلقط درًّا ... أرخص الدر منتقى من غلاته٣ وكثيرًا ما كان يحتفي به الشعراء والأدباء، ويلتقون جميعًا في مواكب الفن، فيتطارحون الشعر، ويخوضون في موضوعات شتى. فقد دعا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري "صاحب مجلة المنهل" لفيفًا من الشعراء والأدباء السعوديين في حفلة تكريمًا لشاعر الجنوب الأستاذ محمد علي السنوسي، يقول أحد الشعراء المدعوين: في ندوة سمر ساحر جمعتني دعوة كريمة من الأستاذ الجليل عبد القدوس الأنصاري "صاحب مجلة المنهل" بصفوة من الشعراء والأدباء السعوديين في حفلة أقامها في داره العامر ليلة

стр. 51

الجمعة الموافق ٢/ ٦/ ١٣٧٦هـ تكريمًا لشاعر الجنوب الأستاذ محمد بن علي السنوسي، وكانت بحق حفلة أنيقة؛ حيث تبودلت فيها شتى الأحاديث الأدبية والاجتماعية، ومما زاد الحفلة متعة وروعة طلب الأستاذ الأنصاري من المحتفى به إنشادنا آخر ما عنده من شعره الحديث، فتفضل وأسمعنا قصيدة ممتعة من شعره الوثاب، وتلاه الأستاذ حسن عبد الله القرشي، فأنشدنا من ذارته القوية مطولة من شعره الواعي بعنوان "سجين الحياة".... وكان من أبرز المدعوين إلى هذه الندوة الأدبية الأساتذة محمد سعيد العامودي، وعبد المجيد شبكشي، وحسن عبد الله القرشي، وعبد الفتاح أبو مدين، وأحمد السباعي، وشكيب الأموي ... فإلى هؤلاء جميعًا أبعث بهذه القصيدة "صوفية شاعر" تذكارًا لهذه الندوة الأدبية وتقديرًا للفن في شخصيات رواد الأولمب الخالد ومطلعها: ظلموه فعاش في إخوانه ... يتلظى على لظى أحزانه أي ظلم أشد في النفس وقعًا ... من أذى صحبه وظلم زمانه قد رماه الصحاب بالكبر إذا كان ... يناجي بالبعد طهر جنانه إلى قوله: آمن الشاعر الغريب وقد عاش ... سعيدًا بمنتهى إيمانه عاش في نجوة من الناس يستصغر ... معنى النعيم في تبيانه مستلذًّا كزازة العيش في الوحدة ... والليل ضارب بجرانه وصلاة الصوفي فيض من الروح ... كفيض العبير من ريحانه كل نفس صوفية تتمنى أن ... تنال السمو في أحضانه١ يقول صاحب مجلة المنهل عن الحفل وعن قصيدة محمود عارف السابقة: "وقد تلقى صاحب المنهل بعد يومين من الحفل القصيدة العصماء التي تلي هذه، وهي من وحي الحفل ومن نظم الشاعر محمود عارف عضو مجلس الشورى٢. والسنوسي يرى أن فنه الشعري مستمد من فن شاعر الأكبر أبي الطيب المتنبي. يقول: يا أبا الطيب المحسد إني ... مستمد من فنك الفذ فني٣

стр. 52

يصور شاعريته في أبيات يصدر بها ديوانه الأول "القلائد": هذه ألحان قلبي ... وأغاريد شبابي هي أحلامي وآمالي ... وكأسي وشرابي وصاباتي وأشجاني ... وحبي وعذابي إنها صورة نفسي ... قد تجلت في كتابي١

стр. 53

الأغراض الأدبية في شعر السنوسي وخصائصها الفنية: يتميز شعر السنوسي بأنه كثير الأغراض الشعرية العميقة، ومتعدد الاتجاهات في الأهداف الدقيقة، ومتشعب الموضوعات الأصيلة والجديدة المعاصرة، التي عاش الشاعر تجربتها الشعورية من واقعه المعاصر، واقعه الإسلامي والعربي والإنساني والوجداني، وكان شاعر الجنوب بحق لغزارة شعره وتنوع الأغراض التي تبني مجتمعًا إنسانيًّا فاضلًا، وتحت على التئام الأمة الإسلامية ووحدتها في جبهة واحدة لتواجه بقوة عصر التحديات الجماعية لا الفردية، وعصر الماديات المشتركة في السوق الأوروبية المشتركة، وعصر الدول العظيمة في تعاون الدولتين العظيمتين أمريكا وروسيا ضد غيرها من الدول في الشرق وفي الغرب، إنه شعر الأمة العربية الإسلامية التي يحيي فيها أمجادها وآمالها، ويذود عنها ويدافع في سبيلها، سواء أكان الشعر في العالم الإسلامي والعربي الكبير أو في قضاياه الإسلامية والعربية والمعاصرة، أو كان في وطنه السعودي الصغير، أو كان من خلال وجدان العربي المسلم الثائر وجدان الشاعر السنوسي، أو كان في غير ذلك من موضوعات وأغراض من وحي العالم العربي والإسلامي والإنساني الكبير. وهذه هي أغراضه الشعرية حسب أهميتها وغزارتها وعمقها، في دواوينه الخمسة التي ذاعت في العالم العربي الإسلامي بل والأوروبي على السواء. أولًا: الشعر الإسلامي هذا الغرض الأدبي يسيطر على شعر السنوسي في دواوينه الخمسة، تفجر من واقعه الذي يعيشه إيمانًا بعقيدته، وتمجيدًا لمقدسات الإسلام وشعائره، واعتزازًا وفخرًا بحضارته وإنسانيته، وسموًّا بمبادئه وتعاليمه، وكشفًا عن المثل العليا للبشرية إيمانًا وقدوة، وتصويرًا لقادة الإسلام، ودفاعًا عن تشريعاته وحرماته، وثناء على حماة الاسلام ودعاته، وحرصًا على العمل به، والجهاد في سبيله، وحفزًا للهمم القوية والعزائم الشديدة. والشعر الإسلامي عند السنوسي عميق في جوانبه الكثيرة، وخصب في معانيه واتجاهاته، وواسع الأفق تزهر تحت سمائه الإسلامية قضايا العالم الإسلامي والعربي، والحق الإنساني بصفة عامة، لذلك تدفق شعره الاسلامي في اتجاهين كبيرين هما:

стр. 54

الاتجاه الأول: وهو الشعر الإسلامي الذي يتناول الرسول محمدًا ﷺ ، وأصحابه ﵃ جميعًا، والتشريع الإسلامي وحضارته، وتعاليم الشريعة الغراء وسماحتها، وهو الدين الحق والشامل الذي يصلح للناس والحياة في كل مكان، وفي جميع الأزمان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد احتوى هذا الاتجاه قصائد كثيرة هي: صور الشاعر هذا الاتجاه في الديوان الأول "القلائد"١ في قصيدة "أم القرى" التي كانت من وحي المؤتمر الإسلامي المنعقد في موسم حج عام ١٣٧٤هـ، يقول في مطلعها: نور على البطحاء لماح الذرى ... يهدي القرون ضياءه والأعصرا أنست فيه سنا من القبس الذي ... "موسى" تشوفه هدًى وتنورا ينصاح من فلك الرسالة "فجره" ... ويشع من فلق "النبوة" نيرا في هالة يحني الرءوس جلالها ... عظة ويجتذب النفوس تذكرا لمعت على الوادي المقدس شعلة ... تركت دجى الدنيا نهارًا مسفرا مست شرارتها الحياة فأشعلت ... "مثلا" أشف سنا وأكرم جوهرا هزمت أشعتها الظلام وزلزلت ... "كسرى" وراء الخافقين "وقيصرا"٢ وقصيدة "قوس حاجب ص٨٢، ٨٧" ويصور فيها لمحات من التاريخ الاسلامي المجيد، وقصيدة "ليلة الهجرة ص١٩٢، ١٩٦" ومن قصيدة قوس حاجب: بني العروبة إن الحادثات وإن ... جلت هي الريح نستشري بها لهبا "القوة" اللغة الفصحاء وعصركم ... أصم لا يسمع "الأشعار" والخطبا هزوا الجزيرة من أركانها حردًا ... وأشعلوا الشرق من أقطاره غضبا ذودوا عن الحق إيمانًا بقوته ... من غالب الحق عدوانا به غلبا واسترشدوا بهدي القرآن تنجدكم ... عزائم صرع الباغي بها وكبا وجددوا عزة الإسلام إن له ... في جيد كل عظيم منة وحيا٣ إن الجياة جهاد والجدير بها ... من غالب العاصفات الهوج والنوبا

стр. 55

وفي الديوان الثاني "الأغاريد" نجد قصيدة "هي الجزيرة ص١، ٣" وقصيدة "أجنحة التاريخ ص٤، ٥"، وقصيدة "طيبة ص٦، ٨"، وقصيدة "خلق المسلم ص٩، ١٢"، وقصيدة "رمضان ص١٣، ١٧"، وقصيدة "هوية الإنسان ص٦٢، ٦٤" يقول السنوسي في قصيدة "طيبة" التي فازت بجائزة وزارة الإعلام للتلحين والغناء، منها: هذه طيبة فحيِّ الرسولا ... بوركت منزلًا وطابت نزيلا هذه طيبة التي خصها الله ... بما خصها به تفضيلًا هب منها الهداة وانطلق الإيمان ... والمؤمنون صفًّا طويلا ومشى في ظلالها موكب الحق ... إلى العالمين يهدي السبيلا عب من فيضها الوجود جمالًا ... وجلالًا وحكمة وأصولا إنها روضة أفاض الله عليها ... من فضله عطاء جزيلا فدع القلب يستجم ويرتاح ... ويطفي الصدى ويشفي الغليلا١ وفي "الينابيع" نجد قصيدة "الرسالة والرسول" التي ألقاها في المؤتمر الأول للأدباء السعوديين المنعقد بمكة المكرمة في ١/ ٣/ ١٣٩٤ إلى ٥/ ٣/ ١٣٩٤هـ، بجامعة الملك عبد العزيز بحدائق الزاهر في العاصمة المقدسة، يقول٢: من الجزيرة من أرضي ومن بلدي ... تألق النور نور الحق والرشد ومن رباها رباها الطاهرات ثري ... أبيض تنفس الصبح من بدر ومن أحد نور تألق من نور فرق به قلب ... الحياة ونض الصخر بالبرد وفاض عبر شعوب الأرض مندفقا ... يحيي القلوب ويشفي ثغر كل صدى جرى فأخصبت الدنيا ندى وهدى ... تمازجا كامتزاج الروح بالجسد وأشرفت "بابن عبد الله" واتلقت ... "رسالة الله" زاه نورها الصمدي "محمد" خير خلق الله قاطبة ... خَلْقًا وخُلقًا على السراء والنكد نديم "جبريل" يسقيه فما لفم ... "وجبا" يرتله شاد إلى غرد أحلى من الشهد آيات مفصلة ... تهدي إلى البر في قول ومعتقد تنزلت بالهدى والنور في لغة ... تلألأت بمعان فذة جدد تبلى الدهور ولا تبلى نضارتها ... صفاء لفظ ومعنى خالد أبدي

стр. 56

كانت ولما تزل تمحو أشعتها ... ضلال كل ذوي أمت وذي أود حكم وعلم وأمثال فلسفة ... وحكمة لو وعاها ذو الضلال هدى وهكذا يمضي السنوسي في ستة وتسعين بيتًا يصور فيها الشريعة الإسلامية وسماحتها وحضارتها، وفضل محمد ﷺ على البشرية، وما قام به السلف الصالح من ترسيخ الحضارة الإسلامية. وليت الشاعر أتى بلفظ "صدر" مكان كلمة "ثغر" في البيت الرابع مع الاحتفاظ بصحة الوزن، لكانت الصورة الأدبية أدق وأعمق، لأن ريّ الثغر الذي قد يكتفي فيه بالبلل وترطيب الجفاف لا يسمو إلى ري الجسد كله بما فيه القلب والعقل والعاطفة والوجدان، فتدب الحياة فيه بعد ظمأ الموت، وينبض ظمأ الموت، وينبض القلب بالقوة في تجويف الصدر، فيتدفق الجسد كله بالدم والحرارة والنشاط. وكذلك قوله في البيت الثامن: "نديم جبريل يسقيه" فالشاعر يقصد جليس جبريل على حد قول النبي ﷺ : "مثل الجليس الصالح.." إلى آخر الحديث الصحيح، وجليس لفظ يتضمن معنى أدق وأفضل، وأوقع وأجمل في هذه الصورة الشعرية الرائعة، فكلمة "جليس" وزان كلمة "نديم"، التي وردت في مقام النبوة مع الوحي، وهذا المقام الجليل تتلائم معه كلمة توحي بالإجلال والتقدير، وينأى عن كل كلمة يتسرب إليها أي احتمال لا يليق بهذا المقام الرفيع، فالمعنى الذي يقصده الشاعر في الصورة الأدبية من وراء كلمة "نديم" هو مجالسة النبي لجبريل في مدارسة القرآن الكريم، وهذا جائز في باب المجاز والخيال، لكن التصوير الحقيقي هنا خاصة أولى وأفضل، فلا بد لكلمة "جليس" وهي لفظ حقيقي في تصوير المعنى فقد أشرفت على الغاية؛ لتعلم أن التصوير الأدبي باستعمال اللفظ الحقيقي قد يكون أبلغ في التأثير والإقناع من التصوير الأدبي باستعمال اللفظ المجازي الخيالي. وبهذا لا نترك لأعداء الإسلام منفذًا يتسللون منه في الجدل والتمحل بلا وجه حق، فيتذرعوا بالمعنى الذي يظهر على سطح لفظ "نديم" الذي يعبر عن واقعه المحس المأخوذ من "المنادمة"، وأعتقد أن الشاعر لا يقصد هذا مطلقًا، وإنما الذي أقصده هنا هو من باب "سد الذرائع" أمام أعدء الإسلام. وقصيدة "ثاني اثنين" في خمسين بيتًا، يصور فيها عظمة الصديق ﵁ ومطلعها١. يا ثاني اثنين في دار هي الغار ... إن اختيارك للمختار مختار ويا رفيق الهدى والليل معتكر ... والأرض ترجف والأهوال إعصار

стр. 57

وهكذا يمضي الشاعر مع الصديق صاحبًا الرسول ﷺ ومصدقًّا ومهاجرا ومؤازرًا، وخليفة للمسلمين، وقائد لحروب الردة، ومنتصرًا على الإلحاد والنكوص، ثم ينخطف إلى عصرنا الحديث ليناجي منه أبا الصديق، ويستغيث ليقيم بجزمه المعروف حربًا شعواء ضد الردة في العصر الحديث، وما أقساها مرارة على المسلمين!! يقول: في ردة من ثياب العصر لابسة ... تحرر قيل عنها وهم آصار تفرق الجميع وانحلت شكيمتهم ... وانهار إيمانهم بالله فانهاروا نقلد الغرب إلحادًا وزندقة ... ومن "تحلله" نجني ونشتار ولا نقلده علما وتقنية ... ولا انطلاقًا له نفع وإثمار يا ثاني اثنين في ذكراك موعظة ... وفي جهادك للسارين أنوار١ وقصيدة "رصيد الحياة ص٢٠، ٢٢"، وقصيدة "أذان الفجر ص٢٣، ٢٥"، وقصيدة "نور القلوب ص٢٦، ٢٧"، وقصيدة الحق المهان ص٤١، ٤٢"، وقصيدة "التضامن الإسلامي ص٤٤"، وقصيدة "دعوة الحق" يقول: على التاريخ أن يصغي إلينا ... ويملأ سمعه مما لدينا فنحن حماته سلمًا وحربا ... ونحن بناته دينًا ودنيا ونحن هداته قولًا وفعلا ... ونحن كماته شدًّا ولينا أضاء على منابرنا نجومًا ... وأطلق في مواكبنا لحونا وكنا خير أمته خلالًا ... بدين محمد متمسكينا طريقًا واضحًا لا أمت فيه ... ولا عوجًا هداة مهتدينا فماذا ينقم الأعداء منا ... وماذا يدعون ويفترونا سوى إيماننا بالله ربًّا ... وبالإسلام تشريعًا متينا أَبِي الإسلام ينبزنا الأعادي ... كفى شرفًا بذلك لو يعونا لنا إسلامنا ولهم هواهم ... سواء كان "مركس" أو لينينا فقد وضح الطريق لكل سار ... وكان الحق منبلجًا مبينا أترحمني يد بالأمس كانت ... تضافحني وتملئني يقينا ويغدر بي أخ قد كنت أسمو ... به ظنًّا وأحسبه أمينا ومن هدي الجزيرة وهي مهد ... لنور محمد في العالمينا تطلعت الشعوب إلى شعاع ... محا ظلماتها والظالمينا

стр. 58

وكان لهم منارًا في خصم ... وكان حيًّا أغاث الظامئينا١ وفي ديوانه الأخير "نفحات الجنوب"٢ قصيدة أيها الإنسان يقول٣: أيها الإنسان في كل مكان ... يا أخي قلبًا ولبًّا وكيان حبك الأوطان لا يعميك عن ... حبك الإنسان في أي لسان اجعل الحب شعارًا ثابتًا ... وانتزع عنك طباع الحيوان وليفض قلبك خيرًا ولتفض ... بالندى من ساعديك الراحتان وتكلم بلسان هادئ في الخلاف ... ات ودع عنك الحران شابت الأرض وما زلت فتى ... أرعنا تفرض رأيًا بالسنان حطم المدفع لا تحمله ثم حا ... ورنى بفكر وبيان ولتكن مفتاح خير وهدى ... ولتكن مغلاق شر ودخان نحن إن فكرت شيء واحد ... نحن إنسانان أنا توأمان ما الذي تطلب مني إننا ... إن تأملت كلانا فانيان فاملأ الأرض سلامًا ورضى ... علنا نحيا عليها في أمان سوف تطوينا غدًا أحشاؤها ... يستوي رب العصا والصولجان في هذه القصيدة يناجي السنوسي الشاعر الإنسان، مهما اختلفت أجناسه في جميع أنحاء العالم، ليعشق السلام، وينشر رايته، ويعيش في ظله، ويمتلئ قلبه بالحب لأخيه الإنسان؛ ليكون الشعار الدائم لكل إنسان الذي يؤثره أي فرد عن حب الأنانية في الأوطان؛ لأن الوحشية والكره والحقد والعداوة ليست من طبيعة الإنسان، ولكنها في تكوين الحيوان، ولنكسر السلاح، ونحطم المدافع، وندفه الأحقاد والشرور، ونبدد دخان الحروب، لنفتح الصدور للحوار الفكري، والرأي السديد بلغة صريحة، وأسلوب واضح مكشوف، فهو السبيل إلى الحب والسلام، ودونه الحرب الزؤام، فتفيض الأرض سلامًا ووئاما، وتزدهر حبًّا وأمانًا؛ لأنها في الغد القريب ستطوي العالم في أحشائها، فيستوي بين جوانبها الغني والفقير، والمتكئ على عصاه، والذي يضرب بالصولجان. أدب إنساني عالمي استمد السنوسي إنسانيته العالمية من رسالة الإسلام العالمية، التي

стр. 59

تجاوبت مع كل الأجناس من بني الإنسان، فشريعة الإسلام هي التي كرمت الإنسان لأنه "إنسان"، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ ، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ . ومن تكريم الإسلام للإنسان أنه جعل من طبيعة تكوينه الأنس والوئام والمحبة والسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ، وما يتجافى مع طبيعة الأنس فيه مرفوض مذموم، وهو العداوة والبغضاء، والحقد والجفاء، والظلم والاعتداء، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . وكذلك قصيدة "أخي المسلم" يقول في مطلعها١: أخي المسلم الداعي إلى الرشد والهدى ... حري بداعي الرشد إن يك أرشدا لقد طال مسعاك الحميد فلا تكن ... عنيفًا فإن العنف يغري التمردا وكن هادئًا في قوله وفعاله ... رفيقًا فإن الرفق ما زال أحمدا وصية طه المصطفى وهو قدوة ... لكل دعاة الرشد شيخا وأمردا فخذ بيد الغاوي ومهد سبيله ... إلى الرشد يمشي مستقيما مسددا الاتجاه الثاني: ويتناول فيه السنوسي الجهاد في سبيل الإسلام والدفاع عن مقدساته وتشريعاته، والذود عن المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي، ودفع الظلم عن الإنسان في كل مكان، ويتناول أيضًا قضية الحرية، وتحرير أراضي المسلمين والأرضي المقدسة، وحث المسلمين على الجهاد في سبيلها، والوقوف صفًّا واحدًا أمام الطغاة المستعمرين المستبدين، ثم قضية المؤاخاة بين أفراد الأمة الإسلامية، والتعاون بين شعوب الأرض، والتضامن في سبيل نصرة الإسلام ورد حقوق الإنسان. والشعر الإسلامي في هذه الاتجاه ليس أقل من الاتجاه الأول بل كثير وكثير، فأما الديوان الأول "القلائد" فقد اشتمل على قصيدة "حطم المارد القيود" بمناسبة "جلاء" الإنجليز عن جزء من أجزاء الأمة الإسلامية العربية، عن مصر عام ١٩٥٤م، وقد فازت بالجائزة الأولى التي أقامتها مجلة "الرياض" في جمادى الآخرة سنة ١٣٧٤هـ، ومطلعها ٢:

стр. 60

هتفت والشعور روح وراح ... ويك غرد فقد أضاء الصباح الصباح الذي له من منى النفس ... انبلاج ومن هواها انصياح قف على قمة الزمان مع التاريخ ... واهتف يهزك الارتياح وتأمل شواطئ النيل والبشرى ... على ضفتيه والأفراح هدأت ثورة الخصم وقرت ... ونجا بالسفينة الملاح وثبت "مصر" وثبة في سماء ... يحسد البرق في مداها الرياح إنها وثبة يرن صداها ... عاليًا ملؤها العلا والنجاح هزت "الغرب" في محافلها الكبرى ... وقد صفقت من الشرق راح وعلت راية العروبة شماء ... يزين السماء منها وشاح إلى قوله: عبروا عن مرادهم في "حلاء" ... يدعم الحق في سناه الكفاح طلبوا الموت في ثراها ففازوا ... بحياة كريمة لا تتاح حطم المارد القيود فلا النيل ... فرات ولا "الفرات" قراح لا "قناة السويس" حوض ولا ... "البيضاء" روض ولا "البريمي" مراح قد تلظى اللهيب في كل فج ... رق فيه الصبا ورف الأقاح واعتصمنا بعروة الوحدة الوثقى ... وشدت على القلوب الصفاح وأضاءت لنا الطريق معان ... وأمان غر وضاء وصاح وانطلقنا تهز أقدامنا الأرض ... ويطوي السماء منا جناح هدف واحد تلاقت عليه ... مهج حرة النيات صحاح وهكذا إلى آخر القصيدة في فرحة الانتصار لعضو من أعضاء جسد الأمة الإسلامية: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر"، وقصيدة "العالم العربي ص٦٢، ٧٢" يحض فيها الشاعر العالم العربي على الوحدة أمام أعدائه، والتمسك بأمجاد الأمة الإسلامية، والسير على منهج السلف الصالح. وقصيدة "تأميم وتصميم" بمناسبة تأميم قناة السويس في مصر ومطلعها١: أجل إنها الحرب الصليبية الأخرى ... وإن جعلوا حوض القناة لها سترا لم تك إسرائيل إلا ذريعة ... قد اتخذوا منها لأهدافهم جسرا

стр. 61

فجند لها الأرواح والمال والقوى ... وجرّد لها الإيمان والعزم والصبرا وثق أن للإيمان بالحق قوة ... وأن له في كل معركة "بدرًا" تلفت "أنطوني" و"موليه" رهبة ... وقد صكت الآذان خطبتك البترا تعاووا كما تعوي الذئاب وأجلبوا ... إلى بلد كانت لقواتهم "قبرًا" وفي الجانب النجدي حشد وفيلق ... يقود "سعود الشرق" راياته الخضرا تحفز عملاق الجزيرة وانبرى ... يصيب على أعدائها الويل والقهرا يساورهم في كل ركن وبقعة ... ويفضحهم في كل مؤتمر "جهرًا" لنا الحق في بترولنا وبلادنا ... وخيراتنا والحق لا يقبل الحجرا وهي قصيدة طويلة تصور وحدة الأمة الإسلامية العربية أمام أعدائها في كل عصر، يقول السنوسي فيها أيضًا: أخي في ضفاف النيل ليتك أمة ... ترى كل شبر من مواطنها "مصرا" ونحن على الأحداث أبناء وحدة ... تبض دمّا حرًا "عروبتها" الحمرا على القدس في الأرض زحف وثورة ... وفي جلق الشهباء تعبئة كبرى١ وقصيدة "بطولة الجزائر ص١٤١، ١٤٩"، وقصيدة "اليقظة العربية"، ومنها: حي صقر الجزيرة العربية ... بطل الشرق نخوة وحميه حتى صقرا محلقًّا بجناحيه ... على قمة المعالي السنية من هنا من ذرى الجزيرة من ... وديانها الفيح من رباها الرويه راية لم تزل بكف "سعود" ... أمل العرب في الخطوب الدجية إرث آبائه الكرام المغاوير ... حماة الحقائق السلفية ضاربًا حولها نطاقًا من الإسلام ... حكمًا ومنهجًا وقضيه سار في ظلها الدعاة إلى الحق ... نقيًا لما رأوها نقيه وهي قصيدة طويلة تصور يقظة الأمة العربية إلى أمجادها وإلى عقيدتها الإسلامية ومنهج شريعتها المستقيم، الذي أقام أعظم حضارة في تاريخ العالم كله.. وكذلك قصيدة "جنكيز خان ص٢٠٤، ٢٠٧" يصور فيه الشاعر كفاح الجزائر، ومشاركة الأمة الإسلامية لها في جهادها المقدس ضد أعداء الإنسانية والإسلام، في جهادها المرير ضد فرنسا المستعمرة الغاصبة.

стр. 62

وأما القصيدة التي في ديوان "الأغاريد" هي قصيدة "انتصار الحرية ص١٨، ٢١"، وأما القصائد في ديوان "أزاهير" فهي قصيدة "اليوم الخالد ص٢٠، ٢١، وقصيدة "خواطر لاجئ ص٤٤، ٤٧"، وقصيدة "يوم الكرامة ص٥١، ٥٣"، وقصيدة "جهاد واتحاد ص٥٤، ٦٠"، وقصيدة "حديث فدائي ص٦١، ٦٣"، وقصيدة "يا فتح ص٦٤،٦٧"، وقصيدة "فرحة اليمن ص٦٨، ٧١". وأما ديوان الينابيع نجد قصيدة "عقدة الأسى ص٣٨، ٤٠" وقصيدة "المدينة العسكرية ص٤٣"، وقصيدة "التضامن الإسلامي ص٤٤"، وقصيدة الزعيم العظيم ص٤٧، ٤٨"، وقصيدة "الأرز والنخيل ص٤٩، ٥٠"، وقصيدة "الكيان الكبير ص٥١، ٥٤"، وقصيدة "فيصل الهدى والسؤدد ص٥٥، ٥٨"، وقصيدة "وا فيصلاه ص٥٩، ٦٢"، وقصيدة "المغرب الأقصى ص٧٩، ٨١"، وقصيدة "المعهد العلمي ص٨٥، ٨٦". وأما القصيدة التي في ديوان "نفحات الجنوب" فهي "إرتيريا الباسلة ص٨٩، ٩١" وهي تصور كفاح المسلمين ضد أعداء الإنسانية والإسلام نظمها الشاعر في ٩/ ٥/ ١٣٩٨هـ ومطلعها: ثورة الشعب من رحاب مصوع ... ثورة نورها من الحق يسطع إنها ثورة الغياري على الإيمان ... والعرض تستباح وتصرع إلى قوله: فأفيقي "أديس أبابا" أفيقي ... فجرنا يصدع الظلام ويصفع١ وحينما ينادي السنوسي بقصيدته "انتصار الحرية" في الجزائر، أعدَّ هذا شعرًا اسلاميًّا؛ لأن الجزائر كان عضوًا مشلولًا من الاستعمار الفرنسي في جسد الأمة الإسلامية، ثم أصبح بعد تحرره عضوًا حيًّا قويًّا فيها، يقول الشاعر٢: مرحبًا "بالجزائر" العربية ... دولة حرة الكيان فتيه وسلامًا لها شبابًا وشيبًا ... ولأبنائها فتى وصبيه إلى أن يقول: عزة "غافقية" وإباء ... "مضري" ونخوة "طارقيه". فسلام لهم وطوبى لأرض ... أنجبتهم سهولها السندسية وسلام "لدولة" يفخر الضاد ... ويزهو بها ويشدو تحيه

стр. 63

فهذا الشعر وإن كان يتجه إلى إقليم عربي مسلم معين كالجزائر أو اليمن أو فلسطين أو السعودية أو غيرها، إلا أنه جزء من الأمة الإسلامية الكبرى الذي ينتمي إلى الوطن الإسلامي العربي الكبير، مهما اختلف الجزء في شكله وحجمه وبنائه الدولي، فإنه يمثل عضوًا من جسد الأمة الإسلامية وإن كان مختلفًا عن بقية الأعضاء، فاليد غير القدم، والعين خلاف السمع، لكن الجسد الواحد لا يستغني بعضو عن الآخر، فالعين لا تحل محل السمع، ولا الرجلان تحلان محل اليدين، وهكذا، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وحين يترجم السنوسي في صور شعرية "حديث فدائي" يتحول هذا الحديث إلى شعر إسلامي، يقول: أأنت تقول إن يدي قصيرة ... وإن عشيرتي بئس العشيره وإن مدافعي خطب طوال ... وأسلحتي "تصاريح" مثيره وإني لن أعود إلى بلادي ... ولن ألقى مغانيها النضيره كذبت فإني وأنا الفدائي ... سليل أبي عبيدة والمغيره جعلتك يا ابن اسرائيل رعبًا ... تعيش من المخاوف في جزيرة١ وجعلت من الشعر الإسلامي أيضًا الشعر الذي يقوله الشعراء مدحًا أو رثاء في القادة والزعماء الذين كان لهم دور بارز وفعَّال في كيان الأمة الإسلامية؛ بحيث يمثل جهادهم وكفاحهم طورًا تاريخيًّا بارزًا من تاريخ الإسلام، وتترك بصماتهم دلالات واضحة في تاريخ أمتنا الرشيدة، ليبقى خالدًا بخلود الإسلام، ويظل علمًا شامخًا من أعلامه، وقد حفر الملك الزعيم فيصل طيب الله ثراه مجلدًا خالدًا في التاريخ الإسلامي، كالشمس التي تغشى الأبصار حينما تستبطن أغوار الحقيقة، فالحقيقة أكبر مما تعرف ويعرف الجميع. فالله وحده هو الذي يوجه جنده المخلصين للدفاع عن دينه، يقول السنوسي في قصيدة "فيصل الهدى والسؤدد": هو فيصل علم الهدى والسؤدد ... فاصدح بألحان البيان وغرد إلى قوله: يا صاحب الرأي الصريح إذا رأى ... رأيًا تبلور في الفعال الأمجد إن الكنانة نورها يك "أنور" ... ودمشق حافظها يلوح باليد

стр. 64

لما وقفت بكل ثقلك في الوغى ... ترمي العدو وتسحق الغر الردي وتصول بالرأي الحصيف موحدًا ... شمل العروبة في الصراع المجهد وتهز أعمد السياسة معلنًا ... أن العروبة لن تلين لمعتد الحق غايتنا ومهما أجلبوا ... فالحق يهزم كل طاغ مفسد والزيت في يدنا وكل محرك ... للشر يشذح رأسه كالأسود فتجاوبت بصداك آفاق النهى ... في كل معترك هناك ومشهد فاسلم فإنك للعروبة فيصل ... هزت به الدنيا أجل مهند١ حتى الرثاء لتلك الشخصية الفذة في عالمنا المعاصر، والنموذج الرائع في تاريخنا الإسلامي، ينبغي ألا يكون رثاء شخصيًّا؛ لأن هذا النموذج ذات في الأمة الإسلامية كلها، لذلك لا يصح أن نرثيه لشخصه، وإنما نرثي الأمة الإسلامية كلها، ومن هنا كان منطقيًّا وواقعيًّا أن يكون الرثاء لشهيد الإسلام والعروبة - "فيصل" طيب الله ثراه - شعرًا إسلاميًّا، لا رثاء شخصيًّا فرديًّا، يقول السنوسي في قصيدته "وا فيصلاه": رن في سمعي فكذبت صداه ... نبأ روع قلبي وشجاه "فيصل" مات ولكن ذكره ... يغمر العالم والدنيا شذاه مات جسمًا وتوارى هيكلًا ... وهو حي في قلوب وشفاه إلى قوله: في أياديه التي خلدها ... تغمر الشعب بفيض من نداه ومساعيه التي قلدها ... أمة الإسلام في أقصى مداه ومعانيه التي رددها ... لبني العرب جميعا في حداه ومباديه التي أعلنها ... عالي الصوت فخافتها عداه قطب أقطاب العلى كيف انتهى ... عجبًا هل يقتل الابن أباه لم يغب عنا مليك صنعت ... يده التاريخ فينا وبناه يا عظيم الشرق يا مصباحه ... في لياليه ويا فجر دجاه كيف ضم القبر طودا شامخا ... كيف بالله طواه واحتواه حفظ الله علينا "خالدا" ... ورعى "فهدا" أخاه وحماه وسقى الرحمن قبرًا طاهرا ... مرغت فيه أنوف وجباه٢ وبهذا يكون هذا الاتجاه جديدًا في بنائه وأفكاره ومعانيه والغاية منه.

стр. 65

ثانيًا: الشعر الوجداني هو الغرض الثاني عند السنوسي، جاء بعد الشعر الإسلامي مباشرة، ولم يكن هذا الغرض غزلًا بالمعنى المعروف في الشعر العربي القديم، فالفرق بينهما كبير في نظري، مما يجعل هذا الغرض يتصل بالوجدان: وجدان الشاعر أكثر من الوصف الغزلي الخارجي للمرأة، فقد كانت القصيدة الغزلية قديمًا تعتمد على أساسين هامين: أحدهما: انهيار الشاعر بمفاتن المرأة، وسحر أجزاء البدن فيها، فيأخذ في تصوير هذه الأجزاء جزءًا جزءًا، وقد يتعرض لما هو أخطر من ذلك، فيصور العلاقة بينه وبينها تصويرا ظاهرًا مكشوفًا، وواضحًا مفضوحًا، من غير رعاية لحرمات أو محرمات، وهو الجانب الحسي في الغزل القديم، كما في غزل امرئ القيس، وكثير عزة، وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم. وقد تطور هذا الغزل الحسي إلى غزل آخر عرف بالغزل "العذري" في تاريخ الأدب العربي، ترفع قليلًا عن الفحش الظاهر في التصوير الشعري، لكنه وقع فيما هو أخطر من ذلك، وهو "الفناء" أي فناء العاشق في سبيل المعشوق، وفناء المعشوق في سبيل العاشق، فيذهبان معًا ضحية للحب العذري، مثل عذرية جميل وبثينة، وقيس بن ذريح وغيرهما. والغزل الحسي والعذري كلاهما مسرف في اتجاهه، فالأول مسرف في الجانب الحسي المرذول والمبتذل، والثاني مسرف في الجانب المجرد الذي يؤدي إلى الفناء، وكلاهما أيضًا بعيد كل البعد عن الاتزان الاسلامي في معالجة عاطفة الحب، وضبط شهوات النفس، لتنسجم مع الفطرة السليمة، في معالجة هذا البناء الاجتماعي عند الفرد. ثانيهما: والأساس الثاني وهو أثر الغزل الحسي والغزل العذري بالمعنيين السابقين في وجدان الشاعر، وهذا نتيجة للأساس الأول، فالوجدان عند الشاعر في الغزل الحسي وجد أن ليس محمومًا، ولا حارًّا متدفقًا؛ لأن صاحبه قد أرضى نزواته وشهواته من مفاتن المرأة في تصويره الحسي الماجن، فتطفئ كل صورة من شعره جمرة من وجدانه وهكذا، وإذا ما انتهت القصيدة صورة صورة، لا تجد عرقًا ينبض من وجدان في نفس الشاعر، وتلك طبيعة الشهوة البهيمية التي يجب أن يترفع عنها المسلم. أما الوجدان عند الشاعر العذري فهو وجدان يغتلي ويفور، ويلتهب فيحرق العروق التي تنبض بالحياة؛ لأن الشاعر لم يضبط وجدانه المسرف، ولم يحدد مساره وطريقه، فهو أشبه بنار تندلع في هشيم الجسد، فيأتي عليه فلا يترك أثرًا ولا بقية. وكلاهما أيضًا وجدان هابط لا يسمو إلى شرف الإنسانية، ومعدوم لا ينبض بالحياة؛ لأنه هبط بالشاعر الحسي إلى مستوى الحيوان، فلا يكون في عداد الأناس الذين يعيشون

стр. 66

بوجدانهم الصادق والمتزن معًا، وكذلك أسرف الشاعر العذري فأفناه الغلو والمبالغة والإغراق فهما معًا لا يتلاءمان مع الطبيعة البشرية والفطرة الانسانية، لا الغريزة الحيوانية ولا الشهوة البهيمية، ولا التجرد الآدمي، ولا الانعتاق المطلق. وشعر الوجدان والتأمل عند السنوسي يختلف كثيرًا عمَّا سبق في الأساسين، فلا هو هذا ولا هو ذاك، فلا هو غزل حسي ولا هو غزل عذري، وإنما هو وجدان شاعر استغرق في تأملاته العاطفية بلا هبوط ولا إسراف، بل في اتزان الشاعر المسلم الذي يعبر عن وجدانه في صدق فني، وترفع عن الصغائر الحيوانية الصرفة، وعن الإسراف البالغ؛ لأنه وجدان شاعر يحب ويهوى، لكن في أدب وخلق وعفة واتزان، وهذا ما أردت به "شعر الوجدان" والتأمل في أعماق النفس. وعلى هذا فشعر الوجدان يشمل جوانب أخرى غير حب المرأة، تقوم على الحب المجرد الذي يشمل ما في الوجود كله، مثل حب الحياة وحب الناس، وحب الطبيعة، وحب الإنسان وحب المبادئ السامية، وغيره، لكن كل هذا من خلال الوجدان الذاتي للشاعر، لا من خلال موضوع يصطبغ بوجدانه، فلو كان الوجدان من خلال موضوع ما، لا نتقلنا من شعر الوجدان إلى غرض أدبي آخر غير الشعر الوجداني. والشعر الوجداني جاء في ديوان "القلائد" متمثلًا في قصيدة "عودة الماضي ص٣٤-٤١" يصور فيها وجدانه في الماضي، في تأملات عميقة يلتقطها الشاعر من وراء الحس الظاهر وهي تسير على نظام المقطعات، وهو أقصى ما يخرج فيه الشاعر على القالب الموسيقي القديم، ويعد هذا الخروج المحافظ جديدًا في شعره كله، يقول: في لحظة من لحظات الهوى ... والنفس في فردوس أحلامها تهتز أشجانًا وتهفو جوي ... على لياليها وأيامها تلوذ الماضي بها وانزوى ... في صور الذكرى و"أفلامها" ماضي برغمي قد مضى وانطوى ... بلحن أيامي وأنغامها لاح لعيني وفي ناظري ... ظلال أيام براها الضنى وفي سماء الفكر من خاطري ... أضواء "حب" قرمزي السنا أحبابه في عالم ساحر ... وردية أحلامه والمنى صبابة من حلم عابر ... دنا كلمح البرق ثم انثنى

стр. 67

هيجت قلبًا لج في كبره ... جفا الهوى والنفس تشتاقه صد وملء الكف من بدره ... ما يستشير القلب إشراقه مالي وقد مالت على صدره ... أغصانه خضرًا وأوراقه إذا هفا يومًا إلى زهره ... أبت معانيه وأخلاقه١ وهكذا يتأمل الشاعر في أعماق نفسه عن وجدان يلتهب في ذكريات الماضي، فيعيد صورها ويستعرض "أفلامها" على حد تعبيره، من غير ابتذال في وصف حسي للمحبوب، ولا تفاني في سبيله حتى التبتل والرهبة، لا هذا ولا ذاك، وإنما هي هبوب عاصفة الذكريات الماضية لتؤجج نار الوجدان بمقدار عبورها، ليعود كما كان، بل أكثر ثباتًا واتزانًا؛ لأن قلبه الذي يضم وجدانه لج في كبره، وعاف الهوى، ولا تستثيره جمراته؛ لأن المعاني السامية والأخلاق الفاضلة هي التي تضبط الوجدان، وتسمو بالقلب والعاطفة في اتزان خلق المسلم كما ينبغي أن يكون، أليس هذا اللون جديدًا في الغزل يسمو به ويرتقي إلى غرض جديد هو شعر الوجدان والتأمل. وكذلك قصيدة "فارس الأحلام ص١٠٢، ١٠٨" من قصص المجد، وقصيدة "دار جلجل ص١٠٩-١١٤"، صور من الأدب العربي القديم يصورها السنوسي من خلال وجدانه، وقصيدة "قصة شعرية" يترجمها الشاعر من خلال وجدانه عن الكاتب العالمي "مكسيم جوركي"؛ ليضعها في إطار الشعر العربي، بعد أن صبغها بفنه الشعري ووجدانه الذاتي، لتقرب من الذوق العربي الشفاف وأطلق عليها "أنشودة الصقر ص١٣٠-١٤٠" يقول في آخر مقطوعة منها: واستمرت أنشودة الصقر تنساب ... بألحانها على الأكوان يطرب النفس وقعها وتثير الفكر ... أصداؤها وتحيي الأماني في تلاحينها من السحر ألوان ... ومن فتنة الجمال معان نغم ساحر الصدى ونشيد من ... صميم الشعور والوجدان٢ أما "الأغاريد" فنجد قصيدة "إغراء الحب ص٣١-٣٢"، وقصيدة "باقة إلى عابرة ص٣٦-٣٧"، وقصيدة "ماء ونار ص٣٨، ٤٠"، وقصيدة "أنشودة ص٤١-٤٣"، وقصيدة "إفاقة ص٤٧-٥٠"، وقصيدة "عصفور قلبي ص٥٤-٥٧"، وقصيدة "حيرة ص٧٧-٧٨".

стр. 68

وأما شعر الوجدان في ديوانه "أزاهير" فقد ضم قصيدة "أخت القمر ص٣٥-٣٧"، وقصيدة "حسناء الريف ص٣٨-٤٠". وأما ديوانه "الينابيع" فترى شعر الوجدان والتأمُّل في قصيدة "أمامك الدنيا ص٣٠-٣٢"، وقصيدة "الموج والشاطئ ص٣٣-٣٤"، وقصيدة "المنظار الكاشف ص٣٥"، وقصيدة "لمع السراب ص٣٦، ٣٧"، وقصيدة "الحب الكاذب ص٧٥"، وقصيدة "الفيلسوف والطائر ص٨٣"، وقصيدة "شد الحزام ص٩٣"، وقصيدة "كيف أسلوك ص٩٥". وأما ديوان السنوسي "نفحات الجنوب" فيضم قصيدة "عصفور شبابي ص٢٤-٣١ في عام ١٣٩٦هـ"، وقصيدة "وحشة قلب ص ٣٢-٣٦" في عام ١٣٩٦هـ، وقصيدة "رماد شهاب ص٣٧-٤٠" في عام ١٩٣٧هـ، وقصيدة "وجدانها ص٤١-٤٣" في عام ١٣٩٧هـ، ويتأمل فيها الشاعر ويغوص في أعماق وجدانه، ليصور في دقة أحلام الصبابة في المرة الأولى: طواها الأسى واليأس حتى كأنها ... بقايا حطام من رماد شهاب فمالك يا نفس تعيدين ذكرها ... وتودين عن جمر الحنين خوابي ويصور في المرة الثانية ضالته التي يبحث عنها؛ ليصل إلى القاعدة التي يستقر فيها آمنًا مستكينًا، فوجدها في الدين والخلق القويم، يقول: من أي قاعدة وأي رصيف ... تجري سفين مشاعري بحروفي فيبحث عنها في قلبه وهو ينزف بالأسى، أو في أدبه وهو يلفح باللظى، أو نظره وهو يغشى بالقذى، أو فكره وهو مجروح بالهوى، أو سمعه وهو مقصوف بالردى، أو من طبعه وهو موقوف، أسير التيار.. ليس في هذا كله.. لكنه وجده في قوله: لا لن أضل فقد وجدت سكينتي ... في الدين وهو دليل كل كفيف فانضح نهاك به وقلبك إنه ... ري الصدى وجنة الملهوف واجعله نهجًا في الحياة وواقعا ... تحياه لاكتا وراء رفوف فالدين ظل الله في ملكوته ... والله بالإنسان جد رءوف من قال إنه أفيون الورى ... فهو الشقي بعقله المخطوف١

стр. 69

وقصيدة "القلب الكبير ص٥٢-٥٤"، وقصيدة "طبيب العيون ص٥٥-٥٨" ويقول فيها: يا طبيب العيون شكوى عيوني ... من لحاظ حورية التكوين وهي عين لا تعرف النظر الشزر ... ولم تكتحل بغير الفتون فترفق بها ففي نومها المكنون ... أسرار عالم مكنون إن فيها أحلام قلبي وأشواقي ... وأطياف صبوتي وشجون وهي أغلى من العشيرة والمال ... وأغلى من كل شيء ثمين إنها يا طبيب نافذتي الكبرى ... على الكون والرؤى والفنون وهو جسري إلى الحياة ومنطادي ... وفي بحرها العميق سفيني وهي تصبو إلى الحسين فما تنفك ... نشوى من حسن ذاك الحسين وهي ترنو إلى الحزين فتبكي ... حزنًا من أسى لذاك الحزين وهي ترنو إلى المشين فتقذى ... رحمة لا شماتة بالمشين وهي تواقة إلى كل سطر في كتاب ... وهامش في متون وهي ماء فكيف تستخرج الماء ... من الماء بالشبا المسنون كيف تجري السكين فيها وفيها ... رقة لا تطيق همس الجفون وهي من لفظة تذوب حياء ... من عتاب الهوى ولوم الخدين فلتكن في يديك أسرار عيسى ... وهداه ومعجزات الأمين يا إلهي سملت للطب عيني ... وأنت الطيب فالطف بعيني١ وقصيدة "الظل والضوء ص٦٨-٧٠"، وقصيدة "قصيدتي فيك ص ٩٥-٩٦"، وقصيدة "مسافر ص١٠١-١٠٣". ومما فاض به وجده الشاعر قصيدة "حب ونار" يقول فيها: لعينيك في قلبي رموز وأسرار ... ودين من الأهواء يجني ويشتار يرنحني منها صفاء مشعشع ... كما انعكست فوق البحيرة أنوار ويسحرني منها حياء مهذب ... كما انكسرت من مقلة الشمس أزهار ويأسرني منها لقاء محبب ... كقطر الندى يلقاه في الروض نوار إذا عانقتني رفة من جفونها ... ودغدغني منها ابتسام وإسفار تطلعت مشبوب الجوانح والجوى ... وبي وله يحتاجني منه إعصار

стр. 70

وحومت كالطير الذي شفه الصدى ... ورفرف من شوق جناح ومنقار فررت فرار الحلم من عين نائم ... صحا فإذا الرؤيا قفار وآثار فنونك يدنيني إليك فأنتشي ... وصوتك يقصيني فأصحو وأحتار فيا أنت يا أنت البخيلة بالهوى ... على كبد كانت من الحب تنهار لمرآك في قلبي نعيم وفي دمي ... جحيم وفي عيني غيم وأمطار رضيت بما يرضيك قسرًا وليس لي ... خيار ولو خيرتني كيف أختار؟ تحيرت في أمري وأمرك واستوى ... لدى الدجى والنور والماء والنار١ فالشاعر هنا يغتلي وجدانه، وتلتهب مشاعره في سبحة شاعرية يتأمل فيها أحاسيسه، ويتجاوب مع وجدانه، وجدان الحب الطاهر، لا في وصف حسي يثير الشهوات والنزوات كما في الغزل الحسي، ولا في غزل عذري يعزله عن الناس والحياة الأعمال، بل الشاعر كما نعرفه لا يزال يخوض غمار الأعمال، وإدارة المؤسسات بقدرات الرجال، وعزيمة المؤمنين. ولذلك كان غزله تأملًا، ووجدانه يعبر فيه عن حب الإنسان الذي يوقر أخاه الإنسان، ويحافظ على مشاعره وإنسانيته، ويتضح خصائص الشعر الوجداني عند السنوسي على النحو الآتي: ١- السحر في عينها ترك قلبه في حيرة وتأمل، وصرع عقله برمزه ولغزه، ليظل حائرًا لا يستقر على الحقيقة، مما شبب هواه وأثار وجدانه، لكنه هوى مصون بالعفة، ووجدان مأسور بالدين وحسن المعاملة، كذلك السحر في جمالها رقيق طاهر كانعكاس أنوار الحياة على صفحة الماء الرفيق الطاهر. ٢- ليست حبيبته فاجرة عانسة؛ لأن السحر في حيائها وأخلاقها المهذبة كحياء الأزهار من مقلة الشمس، وهذا ما يستبد بعقله ويأخذ بمجامع قلبه، لا تبذل، ولا فحش- لكنه كالندى حين يصافح الورود والأزهار في وقت الصباح. ٣- أما تراسل الأجفان، وبرق الابتسام، وبريد جمال الوجه يشب في وجدان نار، ويغتلي صدره جوى، ويجتاح جسده إعصار فيه نار، فيشفي غلته بالرؤيا والنظر، كما يحوم الطير من بعيد، ليلطف حرارة الشوق بنشاطه وجهده، كما تلطف رفرفة الجناحين حرارة الجسد ولهيب الأحشاء، وليس هذا على سبيل الحقيقة والواقع؛ لأن دينه وخلقه يمنعه من ذلك، لكنه على سبيل الحلم والخيال والتأمل والوجدان، يقول: فررت فرار الحلم من عين نائم ... صحا فإذا الرؤيا قفار وآثار

стр. 71

٤- فتنة الحبيب تقربه إليها، فيزداد وجدًا على وجد، إلَّا أن صوتها الإنساني يوقظه إلى ما يجب عليه من حقوق الحب الطاهر، فيعود ثانية إلى لهيب الوجدان، ليناجيها بالبخل على كبد ذاب حبًّا، ونفس انهارت وجدًا، فرؤيتها نعيم، لكنه يترك وهنًا في الجسد، وحيرة في العقل، وعينًا تسبح في الدموع، وتذهب في الغيوم، وأصبح من الحيرة في حياة استوى فيها الظلام والنور، والماء والنار. ٥- لا تجد في القصيدة لفظًا فاحشًا، ولا عبارة بذيئة، ولا تصويرًا وضيعًا، ولا شهرة محرمة، ولا نزوة حيوانية، وإنما غاية عنده وجدان يغلي وشعور فياض، وتأمل وحيرة، وسياج من التشريع والخلق يمنعه إلّا بحقه، ولا عيب في حب الشاعر، فهذا أمر فطري، ولكن العيب والأسى في اتخاذ الحب طريقًًا لا يرضى عنه صاحبه، ولا ترضاه القيم الفاضلة، ويخضع له معذبًا تائهًا على وجه الأرض. وترى السنوسي إذا أسرف على نفسه في الغزل يكون محتفظًا في تصويره، يقول في"حسناء الريف": ريفية تهتز أعطافها ... خصوبة من مرح وارتياح ترعرعت بين ظلال الربى ... ونسمة الوادي وعزف الرياح تحية مني إلى "غادة" ... هيفاء لفاء كعاب رداح في الشمس والظل نمت واستوت ... فهي مثال للجمال الصراح تختال من دل ومن صبوة ... في حسنها النشوان من غير راحل لا ما رأت عيني على ما رأت ... من الحسان الرائعات الصباح مثلًا لها في حسنها غادة ... باح لها الحسن بما لا يباح عينان ما عين المها والظبا ... وقامة ما البان؟ ماذا الرماح؟ وغرة من غير "تسريحة" ... تربع السحر بها واستراح١ وهذه القصيدة هي الفريدة من نوعها في شعر السنوسي، قصدت ذكرها حتى لا أترك احتمالًا من بعدي، وقد اجتمع فيها من التصوير الحسي للمرأة ما لم يجتمع في غيرها من شعره الوجداني، ومع ذلك تجد أن التصوير فيها لا يعدو منهج الشاعر في غزله من التحفظ وطرح الفحش والابتذال المعروف في شعر الغزل الماجن، وعلى سبيل المثال: فاهتزاز الأعطاف لا الردف، وخصوبتها لا عن مجون وخلاعة وفحش، بل عن طبيعة أصيلة نشأت عليها،

стр. 72

وتكونت من النعيم والوفرة والسخاء، فقد عاشت في بيئة مترعة معشوشبة، غنية بالزروع والأشجار والثمار، تداعبها نسمة الوادي بأوتار الرياح، وهي تروح وتغدو بين أشعة الشمس ودفئها، وبين حنان الظلال ورقته، وتزهو بسحرها في دلال النساء، وصبوة الحسن، ونشوة الجمال، لا نشوة الخمر، ولا دلال الراح، وتضاءلت عيون المها والظبا أمام جمال عينيها، وجفَّ غصن البان عند قدِّها الطري، وتصلب الرماح بجوار خصوبة قامتها، وأما وجهها فلا يحتاج إلى صناعة النساء اليوم من التسريحات والتشكيلات؛ لأن السحر قد أقام عندها واستراح. هذه الأوصاف التي تصور جمال المرأة يستغني عنها الشاعر، وإنما الذي أسف فيه شعراء المجون أنهم صوروا نزواتهم وأبرزوا شهواتهم عند كل وصف، وشاعرنا السنوسي ليس من هؤلاء الشعراء، بل ترفع في غزله وخلقه عن ذلك، ولهذا أطلقت على شعره في الغزل شعر الوجدان والتأمل. ولهذا كان الشعر الوجداني والتأملي لا يشمل الغزل وحده، ولكن قد يصور فيه الشاعر تأملاته في الحياة، كما في قصيدته "أمامك الدنيا" يقول١: أمامك الدنيا ترهق القلب والعقلا ... فيا خاطري رفقًا وناظري مهلا تحير فيها المصلحون وأعجزت ... نهى الفيلسوف الفذ والشاعر الفحلا طلاسم تعيي الفكر فهمًا فينحني ... خضوعا لها مهما تكبر واستعلى يعيش بها الإنسان طفلًا وإن بدا ... لعينيه كهلًا ثم يتركها طفلا إلى قوله: ولذ بحِمَى الإيمان وارض بما قضى ... به الله واعلم أن حكمته أعلى فللدين فضل في الحياة لأنها ... بغير الهدى تغدو جحيمًا به نصلى وثق أن من أعطى الحياة جمالها ... وأقواتها لم يهمل الدود والنملا ومثل قصيدة "الموج والشاطئ"، وقصيدة "لمع السراب" التي يقول فيها: أرح عينيك من لمع السراب ... وقلبك من أمانيه العذاب وعد عن قشور وإن تراءت ... رقاقًا في الضباب وفي السحاب فقد فاض الطلاء على حياة ... تفيض بها الكئوس بلا شراب يضوع عبيرها من غير عطر ... وتزخر كالبحور بلا عباب وتزهو بالرياض بلا زهور ... وتزهو بالثمار بلا لباب

стр. 73

يشيب شبابها من غير شيب ... ويبدو شيبها مثل الشباب تتيه بها الجسوم بلا علوم ... وتفتخر الفهوم بلا كتاب مموهة تروق العين حسنًا ... خضاب في خضاب في خضاب فقد صيغ السراب حياة عصر ... مخضبة الأظافر والإهاب وصرت أشك حتى في مياه ... أخوض بها ولو بلت ثياب١ ثالثًا: شعر الطبيعة تعاطف السنوسي مع مفاتن الطبيعة ومظاهر الحياة الجذابة في إبداع أدبي، وموهبة شعرية صافية، وقريحة وقادة، وعاطفة مشبوبة بالمدينة التي نشأ فيها لا ينساها، بل تؤجج ذكراها شاعريته من حين لآخر، فمرة يناجيها، وثانية يتعاطف مع جبل "فيفاء" فيها، وثالثة يغني له، ويغرد به، ويعزف بأوتارها لحن الخلود، في شعره الخالد، لتظل القرية وجبل فيفاء وأغانيها مشدودة بالأرض، بل تسمو خالدة في أسماع الزمان، ويصير لحنًا يعزف، ووترًا يضرب في كل قرية وجبل، وأغنية حبيبة إلى نفس عاشقها، وحصاد أرضها ومائها ونبتها هو شعر السنوسي الذي يتفجر عن تجربة ذاتية للشاعر. فأما القصائد التي جاءت في ديوان "القلائد" منها "اللحن السجين ص٧٢-٧٥"، وقصيدة "شذى الرياض ص٧٦-٨١"، وقصيدة "موكب السحاب" في سماء تهامة وخاصة أيام فصل الربيع يقول: منها: هب والأفق ديمة وغمامة ... وجبين السماء بادي الجهامة إلى قوله: عيلم تسبح الكواكب فيه ... وتشق الدجى به عوامه ضربته الرياح فاستقبل الأرض ... حثيثًا يبثها آلامه ثائر والسكون يضفي على الكون ... جلالًا والليل يرعى نيامه جل الأرض والسماء واعيًا ... صائل الرعد أن يدك ركامه غدق أيقظ الحياة على الأرض ... وأحيا من الوجود رمامه سال عبر الفضاء ذوب لجين ... واستفاضت به البطاح مدامه وجرى في الشعاب تبرًا مذابا ... وسجى عسجدًا وفاض رخامه دوحة عند جدول وغدير ... عند عشب وظبية وبشامه ومروج تهدلت تملأ الوادي ... وتستوقف النسيم سلامه

стр. 74

سطعت في ظلالها لمع الشمس ... ورقت بها دموع الغمامة ومشت حولها المها تقطف الزهر ... وتحسو الندى وترعى الخزامة وشدا في الفروع صادح أيك ... جاوبت لحنه الرقيق حمامه١ وقصيدة "ساعة في الريف ص١٥٨-١٦٢"، وقصيدة "ليلة الرابية ص١٧٠-١٧٢"، وقصيدة "الجنوب الخصيب" منها: ويا وطني وأنت ولا أغالي ... نجي الشعر شطآنًا وغابا قرأت على شواطئك القوافي ... محبرة تفيض بها عبابا خضمًا تغرف الأمواج منه ... صدى حلوًا وأنغامًا عذابا تنام على جوانبه الرابي ... معطرة مخدرة كعابا وتغضو فوق ضفته الرواسي ... نواهد عز خاطبها وغابا تضم صدورها أغلى الأماني ... وأحلالها وأكرمها رغابا عذاري لم يفض لهن ختم ... ولا كشف النقاب لها نقابا فهل لي أن أراك وقد تجلت ... بك الأحلام رائعة عجابا٢ وأما في ديوان "الأغاريد" فقد ضمَّ قصائد هي: قصيدة "عودة إلى الطبيعة ص٢٢-٢٥"، وقصيدة "جبل فيفاء ص٢٦-٣٠"، وقصيدة "حديث من الظهران ص٦٥-٦٨"، وقصيدة "أغنية فيفاء ص٧٩- ٨١"، وقصيدة "يا ربيع الحياة ص٨٢-٨٥". وأما ديوان "أزاهير" فذكر السنوسي فيه قصيدة "جازان أغنية ص٣٠-٣١"، وقصيدة "شمعة على الطريق ص٣٢-٣٤"، وقصيدة "عرس الفجر ص٤١-٤٣"، وقصيدة "تحية إلى أبها ص٧٤-٧٦". وأما ديوان "الينابيع" فاشتمل على قصيدة "الليل والريف ص٩٠"، وأخيرا ديوان "نفحات الجنوب" يضم قصيدة "نفحة الياسمين ص٦٢-٦٤"، ومنها: عرفتك يا نفحة الياسمين ... كما يعرف العطر جاني الزهر فأجبت فيك جلاء الحياء ... وعز الإباء وطهر الخفر وأكبرت فيك ضياء النهى ... ولمع الذكاء وصفو الفكر

стр. 75

أشاعرة أنت واستضحكت ... وغرد أغن أغر ثملت بألحانه الحالمات ... ورفرفت كالطير بين الشجر يرقرقه نغمًا صافيا ... شهي الحلاوة عذب الشجر١ وقصيدة "لؤلؤة الخليج ص١١٢-١١٩"، ألقاها الشاعر في قاعة المحاضرات بالمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون بدولة البحرين الشقيقة، وذلك في الأمسية الشعرية التي أقامها المجلس تكريمًا لأعضاء الوفد الأدبي السعودي، أثناء زيارته لدول الخليج، وكان الشاعر أحد أعضاء الوفد، وهم "الأساتذ أحمد فرح العقيلان، المستشار الثقافي بالرئاسة العامة لرعاية الشباب، والأستاذ الشاعر حسن عبد الله القرشي، السفير بوزارة الخارجية، والأستاذ الشاعر محمد علي السنوسي رئيس النادي الثقافي بجيزان، والأستاذ الشاعر الباحث والمحقق أبو عبد الرحمن بن عقل الظاهري، رئيس نادي الرياض الأدبي، والأستاذ محمد هاشم رشيد، عضو النادي الأدبي بالمدينة المنورة، والأستاذ الأديب حمد القاضي، مدير تحرير مجلة "المجلة العربية "يقول فيها: ما بين كاظمية وبين زرود ... والمنذر العملاق والجارود أطرقت أصغي للخليج تهزه ... نغمات طرفة وارتجاز لبيد والبحر تلثمه الرياح فينثني ... باللؤلؤ المنثور والمنضود والمسك من دارين معطار الشذى ... يهفو النسيم به ونفح العود والسفن تمخر والضفاف يزينها ... عزف القيان وزعردات الغيد إلى قوله: يجري العباب بها فتجري حفلًا ... بالدر بين فريدة وفريد تهدي إلى التيجان كل يتيمة ... ملء العيون سنا كل مجيد أيام كان الدر سلعة تاجر ... وركاز سلطان وذخر عميد حر الأصول كريمة أعراقه ... صان من التصنيع والتقليد يحظى بتقدير الملوك وعزهم ... ويصان من عبث ومن تبديد٢ وقصيدة "أبو ظبى" ألقاها الشاعر في قاعة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بدولة الإمارات العربية المتحدة "بأبي ظبي" في ٢٣ / ٧/ ١٣٩٩"هـ ويقول: منها:
следующие страницы →