← Адаб

Адаб · id 22860

المذاهب الأدبية في الشعر الحديث لجنوب المملكة العربية السعودية

علي علي صبح

Полный текст (312 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يحتضن الزهر"، وهكذا تكون الخصائص الفنية التي تدل على الأصالة الأدبية في الألفاظ والأساليب والصور القديمة. وأقرب شعره إلى الأصالة العربية الذي تسير على منهج الفحول من الشعراء القدامي ديوانه الأول "القلائد" يقول في شذى الرياض"، منها: هب نفح الصبا فقم حي نجدًا ... وتنشق شذى الرياض المندى واعتصر من هواك لحنًا ذكيا ... ريقًا كالنسيم صفوا وبردا وتمهل فهذه جلبة الشعر ... ومجرى الجياد قبسًا وجردا سرح الخاط المشوق وجدد ... "امرأ القيس" والنوابغ عهدا تلك آثارهم وهذي مغانيهم ... وروض الشباب ما زال يندى كلما هبت الصبا هبت الروح ... طيوفًا وردّد الفكر أصدا نفحات من الفراديس رفت ... أقحوانًا وأرجوانًا ورندا عب منها الهواء عطرًا وذابت ... فوق صدر الفضاء مسكًا وندا أرج شيق العبير وروح ... عطر الكون بالجمال وندى يسكب النور والعطورويضفي ... من ظلال النخيل والروض بردا حي لحن الصباح وأبسط ذرا ... عيك وضم النسيم شوقا ووجدا وامتزج بالصبا الشغوف وقبل ... نفسا قبل الخمائل خدا نسج الفجر في غلائله الطل ... وجاك السنا حريرا وسدى واصطفاه "رسالة" من ريا ... نجد وأنفاسها سلامًا وودا ترد "النيل" و"الفراتين" و"الأرز" ... و"غمدان" و"الخليج" و"بردى" وترود الضفاف تهمس "للزيتو ... ن" نجوى و"للجزائر" وعدا١ وهكذا إلى نهاية القصيدة "وهي طويلة" تعود بنا إلى عصر أبي تمام والبحتري وابن المعتز والمتنبي وغيرهم من فحول الشعراء. الوزن والقافية: السنوسي يعشق أوزان الخليل وقوافيه، ويعد الخروج على عمود الشعر في الموسيقى تمردًا على الأصالة، وتمزقًا لطبيعة الشعر الأصيل المتميز على النثر الأدبي، والشعر المنثور، وإذا ما تجوز في موسيقاه، كما يتجوز شعراء عصره، نراه ينزل إلى مستوى الموشحات الأندلسية كالمخمسات، والمقطعات الشعرية، التي تختلف فيها القافية في كل مقطع مع الاحتفاظ بالبحر

стр. 107

العروضي حتى نهاية القصيدة في كل المقطعات، هذا أقصى ما يخرج به الشاعر عن السمت الخليلي، وذلك مثل قصيدة "عودة الماضي" تسير على نظام المقطعات وسبق ذكرها١. وقصيدة "أتمنَّى"٢ وقد مرّت هي كذلك. ولا يكتفي السنوسي بالمحافظة على القالب الموسيقي والالتزام به فحسب، بل كثيرًا ما يقلقه الخروج عليه والتمرد على الخليل بن أحمد، من شعراء التفعيلة الذين يطيرون وراء كل هيعة، ويرددون صدى كل ناعق، فيهجم عليهم وعلى عشاق الشعر الحر، تارة بالإفصاح عن اللحن الشعري القوي الذي يعبر فيه الشاعر عن أصالته العربية في الشرق والغرب: نغمة من لغة الإنسان ... في شرق وغرب يفهم القلب معانيها ... بلا حرف ولا كتب ويعيها غير محتاج ... إلى ضم ونصب وإلى أنغامها الحلوة ... يهفو ويلبي ويناغيها إذا ناغت ... بتحنان وحدب إنها أفصح من أفصح ... شعر المتنبي إي وربي إنه ابني ... إنه "عصفور قلبي"٣ ويعبر عن أصالة الشاعر أيضًا في قصيدته "الكلمات والشاعر": في عالم الكلمات دنيا ... للشعر والشعراء عليا في ظلها للفكر منطلق ... وللأرواح لقيا في عالم الكلمات دنيا ... سقيًا لها مني ورعيًا كم بت في أحضانها ... أستلهم الأضواء وحيا وأساهر الأشواق منطلقا ... بها فكرًا ورأيًا وأذيب للظامئين حيا ... وللغافقين وعيًا والشاعر الفنان دنياه ... من الكلمات تحيا٤ وتارة يتفجر السنوسي ثائرًا على الشعر الحر، وعلى شعراء التفعيلة، والخارجين على الشعر

стр. 108

العمودي، وذلك في ثورة عنيفة، ولهيب مشتعل، شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وثائرًا، يقول في قصيدته "الشعر الحر"١: لا العود عودي ولا الأوتار أوتاري ... ولا أغاريدكم من شدوي وأطياري من أين جئتم بهذا الطير ويحكمو ... لا الريش ريشي ولا المنقار منقاري إني أرى في جناحيه وسحنته ... سمات "اليوت" لا سيماء "بشار" وصرت أسمع ألفاظًا مقلقة ... طرق المسامير في دكان نجار ألبستموني ثيابًا لا تشرفني ... كأنها فوق جسمي حبل قصار سود وحمر وصفر لا انسجام لها ... كرسم "بيكاس" يعي فهمه القاري ماذا تقولون: تجديد؟ لقد هزلت ... وسامها كل مهذار وثرثار ما الشعر؟ هل هو ألفاظ مسيبة ... بلا قيود رديء للمنطق الهاري الشعر هندسة كبرى تكاد ترى ... في النسج واللفظ منه روح فرجار والوزن للشعر روح وهي إن فقدت ... أضحى جسادا بلا حس كأحجار قصيدة النثر مثل المشي جامدة ... والشعر كالرقص في سيقان أبكار ورب حرف صغير الشأن يرفضه ... لحن المشاعر في ترنيم قيثار تأبى الحروف التي صيغت نماذجها ... من رعشة الروح في أعماق أسرار إن تلتقي معكم في سبق خاطرة ... عرجاء تحجل في ميثاء مهيار لكل فن أصول يستقل بها ... شتان ما بين سباك وعمار تبينوا بعض ما تبغون وانطلقوا ... في الروض ما بين أزهار وأثمار وجنبونا غثاء لا جمال له ... ولا رواء ولا يوحي بإكبار إن كل لابد من فن نجدده ... فجددوا في مضامين وأفكار وأنطقوا الصخر في ترنيم قافية ... كرعشة الضوء في لمع السنا الساري حرية الشعر في إشراق فكرته ... وفي تساميه عن لغو وإقذار وأن يكون لكم في كل معترك ... رأي جهير وعزم غير خوار أما كفى أننا فقر ومخمصة ... نستورد الغرب نيكلًا بخسًا بدينار والشعر نور ونار والنفوس لها ... طبع الفراشات عشق النور والنار ورب ذي قلم أعطى لأمته ... ما ليس يعطيه فيها نهرها الجاري فالسنوسي شاعر عمودي يسير على درب القدماء في المحافظة على البحر العروضي الخليلي، والالتزام بالقافية؛ لأنها روح الشعر، ودونها يكون جسدًا بلا روح، وجمادًا لا يشعر

стр. 109

ولا يحس، بل نثرًا يقوم على توقيعات جامدة، أشبه بالمثنى الذي لا يثير انتباهًا، ولا يوقظ حسنًا. أما إيقاع الشعر فهو كرقص الغادة، تعزف بسيقانها موسيقى شجية تثير المشاعر، وتستلهم الوجدان؛ لأن الشعر هندسة كبرى، وانسجام بين الألفاظ بعضها مع البعض الآخر، وترابط بينها وبين معانيها. بينما الشعر الحر يقوم على حشد الألفاظ بلا روابط، وانسجام بين إيقاعاتها ومعانيها بما يتجافى مع طبيعة الشعر ومنطق العقل؛ لأنه غريب على الذوق العربي الأصيل، يحمل في طياته سمات الغرب، وينزف بدم "اليوت" لا بسمات الشرق ونشره الفواح الذي يعبق الدنيا بطيب "بشار بن برد"، فالشعر الحر ثرثرة وهذر وغثاء لا روعة فيه ولا جمال، ولا رواء ولا إكبار، وإذا كان للشعراء من دور لا بُدَّ منه في التجديد، فليتسابقوا ويتنافسوا إلى التجديد في المنهج والمضمون، لا في اللغو والعبث، وليتباروا في المعاني البكر والأفكار الجادة البناءة، لا في هدم مباني الشعر، وتمزيق طبيعته، ليكون الشعر جنديا، يدفع بالأمة إلى الحضارة والرقي في عزم وشجاعة وقوة، لنحافظ على الأصالة العربية الإسلامية، ونترفع عن التقليد الأعمى للغرب في كل شيء، بما لا يتناسب مع الروح الشرقية وعراقتها، فقد كان الشعر ولا زال نارًا ونورًا، وينبغي أن يكون كذلك؛ لأن الإنسان لا يزال يعشق نور العلم، ويدفع عن نفسه بنار الحرب، فكثيرًا ما أعطى الشعر، ولا يزال يعطي الشاعر لأمته لبناء الأخلاق والأجيال، أكثر مما تعطيه الأرض من الطعام والشراب فهما معًا قوام الحياة وركيزة الحضارة الإنسانية. وبهذا يحافظ السنوسي في مذهبه الأدبي على الأصالة العربية الإسلامية في شعره كما رأينا، وهو في نفس الوقت يعشق التجديد في المضمون والمعاني والأفكار، والمغازي والأغراض، والخيال والصور، وسبق الحديث عن التجديد في الأغراض، فقد لبست معظمها ثوبًا جديدًا قشيبًا في معانيها ومضامينها وغايتها ومغزاها، وسنتحدث عن التجديد في الخيالات والصور الأدبية في مجال التصوير الأدبي. التشخيص في التصوير الأدبي: خيال السنوسي بعث الحياة في المعاني والمجردات، وحرك الأفكار والجمادات في صور أدبية حية تموج بالحركة والحياة، وتنبض بالحيوية والقوة. وتشع منها الألوان والأضواء والظلال، وترتسم في شكل يتناسب مع طبيعة الغرض، وحجم يتفق مع المغزي وغير ذلك من عناصر التصوير الأدبي الغني بالخيال الخصيب العميق. فالجبل "فيفاء" ليس صخرًا ولا حجرًا، ولا ترابًا ولا مدرًا، ولكنه بخيال الشاعر إنسان

стр. 110

قويّ يتحدى العواصف والزلازل، وشجاع شامخ يصاول العوالي والمعالي، يترفَّع عن الأرض وهو منها وعليها، ليعشق النجوم في السماء وهو غريب عنها وتحت ظلالها، ويزاحم في ذلك كواكب السماء وهم أحق وأجدر بمن في الأرض. مهابته مشرئبة في صلف وغرور، وشموخ وكبرياء، قد تجلت هامته بالخضرة اليانعة، وتعممت بالزهور الفواحة، وهكذا يكون دور الخيال في التشخيص وبعث الحياة وبث الروح يقول السنوسي: "جبل" تعشق النجوم مجاليه ... وتصبو إلى ذراه العوالي يزحم النيرات منكبه الضخم ... ويحتله بالسها والهلال مشرئب إلى السماء برأس ... صلف في شموخه متعال أخضر السفح أزهر السطح مصقول ... الحواشي زاهي الربى والتلال١ فعناصر التصوير الأدبي تظهر في الحركة المتجددة في استمرار من استعمال الفعل المضارع "تعشق - تصبو - يزحم - يحتك" الذي يدل على الحدوث والمستقبل والاستمرار، وتظهر في الألوان الزاهية: في خضرة المجالي وذرى المعالي والسفح الأخضر، والسطح الأزهر، وصقل الحواشي، وزهو الربى والتلال، ولمعان السها، وبريق الهلال، وتظهر في حجم الجبل فهو ضخم من الرواسي يتربَّع على الأرض متطلع إلى المعالي وإلى السماء، وتظهر في شكل "فيفا"، فهو إنسان لا جبل له منكب يشرئب برأسه في شموخ وتعال وكبر وصلف وغرور قد تعممت هامته بالخضرة وفاحت منها نشر الزهور، وهكذا أحكمت الصورة الأدبية بعناصر التصوير الشعري التي تثريها بالألوان والأضواء والحركة والحجم والشكل٢. أما ليل السنوسي في الريف غير الليل في المدن، فهو ملك ضافي الجناحين يضم الحياة والأحياء في دفء وحنين، يسري إلى النفس ليداعب العينين بالنوم، وهو فيلسوف في سكونه ووقاره، يتأمَّل ويتدبر أحوال الناس فيطرق عجبًا وخجلًا من هفواتهم، وهو شاعر عبقري سابح في وحيه وإلهامه، لا يدري عن عمره شيئًا، وهو طاهر متجرد عن المفاسد والمعاطن، وعاشق ذاب غارقًا في حبه، لا يعنيه شيء كان أو لم يكن، وهو صامت يحلق بالأرواح في العالم الغني بالجمال، يسري هدوؤه وسجوه بين الأحشاء في نعومة وصفاء، ليؤلف بين روح السماء

стр. 111

وجسم الأرض متجسدًا في أسمى المعاني وأروع الصور، يقول السنوسي في "الليل في الريف"١: الليل في الريف غير الليل في المدن ... فافتح ذراعيك للأرياف واحتضن واستقبل الليل فيها إنه ملك ... ضافي الجناحين يغري العين بالوسن كأنه فيلسوف مطرق عجبًا ... مما يرى في حياة الناس من درن أو شاعر عبقري الفكر منغمر ... في لجة الوحي لا يدري عن الزمن أو خاطر في ضمير بات منفصلًا ... بطهره ومزاياه عن الإحن أو عاشق غارق في حب فاتنة ... فليس يعنيه شيء كان أو لم يكن صمت يحلق بالأرواح في أفق ... من الكون ثري بالجمال غني يضفي الهدوء عليه من نعومته ... صفو يضيء به الإحساس في البدن وتلتقي في معانيه وصورته ... روح السماء وجسم الأرض في قرن الروح الإسلامية في التصوير الأدبي: الخيال في الشعر قد ينحت صوره الأدبية من صخور الطبيعة وجبالها وأنهارها وبحارها، وأرضها وسمائها، وطيورها وبلابلها، وزروعها وأشجارها، وقد ينسجها الخيال من تاريخ أمة قد اندثرت حضارتها، وحطم الفساد شموخها، وأذل الضلال أنوفها. وقد يمنح صوره من حضارة خالدة، ورسالة طاهرة، شع نورها في جنبات الدنيا، وتردد صداها بين جوانب الحياة، وهذا الخيال هو الذي سيطر على شعر السنوسي، فترى الصورة عنده تستمد روافدها من نبع الإسلام الصافي، وتتلاحم عناصرها من نور الحضارة الإسلامية، ويكون ذلك بالضرورة إن كان الغرض إسلاميًّا، مثل قصائده في الشعر الإسلامي التي سبق ذكرها في فصل الأغراض مثل قصيدة "الرسالة والرسول"، وقصيدة "ثاني اثنين"، "أذان الفجر"، "دعوة الحق" وغيرها. وحينما يتخيل السنوسي "الجزيرة" العربية، يصورها بقوله:

стр. 112

هي الجزيرة فاقبس أيها الساري ... هدى من البيت أو نورًا من الغار واستلهم الرشد من آي ومن سور ... وضاءة وأحاديث وآثار ترقرقت في شفاه الضاد وامتزجت ... بقلبه وجرت كالسلسل الجاري واطلعت أمة كالشمس عالية ... هي العروبة ذات المجد والغار مجد يدعمه الإسلام لا صنم ... من الأساطير مشدود بأحجار١ وهكذا إلى آخر القصيدة؛ حيث يريد الشاعر أن يتحدث عن الجزيرة العربية ذاتها، وعن أهلها الذين اشتهروا بالكرم والنجدة والمروءة، فإذا بخياله يجتاز التاريخ بسرعة فينسى منه كل شيء إلَّا نور الإسلام الذي تبددت أمامه أساطير الجزيرة، وتجسدت عروبتها في البيت الحرام والوحي والغار، والقرآن والحديث، والسير والآثار، وغيرها من الصور الرائعة التي نسجها من نور الإسلام لا من أساطير الجزيرة ومتاهاتها وغيلانها وجنها وشياطين الشعراء. وربما يرد على الخاطر أن الشاعر مضطر إلى صبغ صوره الخيالية بالروح الإسلامية حين يكون الغرض في الشعر الإسلامي بالذات، فهذا القول مردود لأمرين: أحدهما: إنَّ الشاعر قد يستغني عن التصوير الخيالي بالتعبير الحقيقي كما هو الحال في شعر آل الحفظي السابق، وعندهم قد خلا الشعر من الصور الخيالية الرائعة، التي توقظ الاحساس وتلهب العواطف، وليس السنوسي كذلك، بل نسخ خياله بالصور الأدبية من النبع الإسلامي الصافي. ثانيهما: وهو أدل من الأول، أنَّ الصور الخيالية التي نبعت من الروح الإسلامية عند السنوسي سيطرت على شعره كله في جميع الأغراض حتى في شعره الوجداني وغزله العفيف، فترى الصور الإسلامية تطل في الغزل من حين لآخر، يقول في "رحلة القمر": قال لي وهو ساخر ... وهو لا يحسن السخر أيها الشاعر الكبير ... أما جاءك الخبر وصل القوم للسماء ... وطافوا بها زمر واستفاقت حبيبتي ... من خداع ومن خدر لم يعد حسن وجهها ... أبدًا يشبه القمر بعد ما ديس وجهه ... ومشى فوقه البشر

стр. 113

قلت مهلًا خلني ... من هواء وهذر ذاك شيء علمته ... منذ وعى قلبي الفكر كانت الأرض والسماء ... أما تقرأ السور فتق الله رتقها ... فاندحى الكون وانتشر إلى قوله: سوف تبقى حبيبتي ... أبدًا تشبه القمر١ فهو مستمد من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. ومن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ٣. ويقول السنوسي في "حسناء الريف": تختال من دل ومن صبوة ... في حسنها النشوان من غير راح٤ فهي تزهو بجمالها وتختال بدلالها، وتميس بحسنها كالنشوان لا من خمر وراح، فقد حرمها الإسلام، ولكن من سحر حلال وجمال مشروع، وليس هذا القول مردودا يقول السنوسي في آخر بيت لهذه القصيدة وهو: فإنها في مهجتي منية ... وفي فمي لحن وشهد وراح فالراح في البيت الأخير على العكس من الراح في البيت الأول، الذي لا يحتمل في معناه غير الخمر، بدليل أنَّ الشاعر نفاه بكلمة "غير"، أمَّا الراح في البيت الثاني فيحتمل الطيب أو الراحة أو الخمر، واحتماله الخمر بعيد؛ لأن المقصود من الخمر أثرها في نشوة القلب والعقل والبدن، ولا عبرة في تذوقها بالفم؛ لأن التذوق بالفم ليس هو مقصودها، فالشاعر يريد من الراح الثانية مجرد الطعم والتذوق وليس السكر في الصورة، بدليل أن الشاعر جعل اللحن أيضًا من مذوقات الفم "وفي فمي لحن" بينما الأذن تهتز للحن وتطرب لا الفم، إلا إذا قصد الشاعر أن يتحدث الفم عن طرب الأذن باللحن الجميل.

стр. 114

وأما سبحات السنوسي في الليل، فيحلق خياله بين دياجيره؛ لينسج صوره مما طواه الليل بين صفحاته من نور الإسلام وحضارته، يقول في قصيدته "الليل والشاعر": هدأ الليل فاهدئي يا مشاعر ... ودعيني من الرؤى والخواطر هذا الليل وانطوت في دياجيه ... قلوب كليمه ونواظر بات قلبي يحنُّ شوقًا إلى الماضي ... وروحي تئن حزنًا لحاضر أنا من أمة رعى الله ماضيها ... لقد كان جوهرًا من جواهر كان منها الهادي إلى الحق والحامي ... حماه من كل طاغ وفاجر كان منها محمد وأبو بكر ... وعثمان والزبير وعامر وعلى وطلحة والمثنى ... وأبو حفص والشهيد ابن ياسر١ الصور الخيالية: للسنوسي صورة الأدبية التي صاغها على النهج القديم على نحو ما عند الشعراء الفحول، وسبق أن ذكرت بعضها في الحديث عن الأسلوب. وله أيضًا صوره الخيالية الجديدة والمبتكرة التي نبعت من حياته وعصره، وتجربته الذاتية التي تعبر عن شخصه، فهي توحي بأنه أوّل من استولدها على نمط لم يسبق إليه، وذلك حين يصور ترفع الصائم عن الكذب والزور والإثم بصورة المستاك مما يضر الفم والأسنان والجسد كله فيقول: واستاك إذ يستاك من ... كذب وزور واحترام٢ وحين يصور العابرة الفاتنة في أناقتها ورشاقتها وتقاسيمها وتوقيعاتها بصورها بلحن مناسب، وتوقيع موسيقي مراق، وجلال ملائكي طاهر، لا جمال بشري. خطوات ممسوقات وجسم ... في تقاسيمه لحون مراقه غيد آسر ودل فتون ... وجمال ملائكي الطلاقة٣ وحين يحلق خياله في أبها، وهو محلق بالطائرة في الفضاء، يتنورها من وراء السحاب في وله وشوق، والطائرة تطوي الأفق طي السجل الكاتب تتهادى في حمحمة، لتستوي على الجو

стр. 115

اندفاعًا كالعقاب، وتطفو فوق الذرى كالحباب، وإذا بدارات أبها كاللآليء المنثورة في الشعاب ... صورة أدبية بديعة للطائرة، وهي تحمحم في سماء أبها، وتطوي السحب طيًّا، وهي من الصور الحديثة والجديدة في شعرنا العربي الحديث، يقول السنوسي في قصيدة "تحية إلى أبها": تنورتها من وراء السحاب ... وبي وله نحوها وانجذاب وقد طار في نحوها طائر ... طوى الأفق طي السجل الكتاب تهادى وحمحم ثم استوى ... على الجو منطلقًا كالعقاب وحرم يلوي الذرى الشامخات ... وينساب من فوقها كالحباب فلاحت لعيني داراتها ... لآليء منثورة في الشعاب تألقن والليل وحف الدجى ... وأشرقن والصبح كث الضباب١ ومن الصور البديعة التي اخترعها خيال السنوسي في شعر عسير من الأدب السعودي صورة "المنظار الكاشف": قالها لي وهو يستزيد المرايا ... شكل نظارتيك حلو الزوايا قلت لكنها تريني قشورًا ... حين أرنو ولا تريني الخفايا لم؟ لم يخترع لنا العلم منظارا ... يرينا ماذا تسر الحشايا قال: لو كان ذاك أقفرت الدنيا ... ولم تأتلف عليها البرايا هبه. قد كان. لا. ولن ... ترني بعد إذا ما كشفت عنيا٢ وهي من الصور الأدبية الكلية التي تعبر عن لقطة واحدة من مشاهد الحياة بعمق ودقة، مع أنَّها تضم بين أجزائها صورًا جزئية لا تقوم بذاتها، ولكن يحتاج القارئ في فهمها أن تكون متلاحمة مع ما قبلها وما بعدها، لتعطي تصويرًا كليًّا دقيقًا عن المنظار المكبَّر، وما يوحي بالطلاء الكاذب، حين تصور الأشياء على غير ما تراه العين المجردة القوية، حتى تنقل الشيء المرئي بدقة دون خداع وتزييف للحقائق. ويوم أن يكون للمنظار الكاشف دور في إطهار ما يخفيه الإنسان ستكون نهاية التآلف والتواد؛ لأن البشر لا يخلو من عوارض النقصان، الذي هو من طبيعة الإنسانية، عند ذلك لا تجد صاحبًا ولا صديقًا ولا معينًا ولا أخًا.

стр. 116

لذلك كان الإسلام حكيمًا حينما بنى أحكامه على التنفيذ والعمل والتصرف والفعل والسلوك، لا على البنية وحدها مجردة من العمل؛ لأن الإنسان قد يضمر شرًّا لآخر، فإن رجع عنه أو بقي في صدره ولم يخرج إلى حيز التنفيذ لا يعاقب عليه صاحبه، إلا إذا تحولت النية إلى سلوك، وحينئذ يستحق الإنسان العقاب. صورة أدبية كلية بديعة رائعة؛ لأنها أوحت إلينا بتلك المعاني البكر عن طريق ذلك المنظار الكاشف، وهي آلة حديثة من وحي علم العصر الحديث. ومن الصور الكلية الفريدة في شعر الجنوب، صورة "لمع السراب"١: أرح عينيك من لمع السراب ... وقلبك من أمانيه العذاب وعد عن القشور وإن تراءت ... رقاقا في الضباب وفي السحاب فقد فاض الطلاء على حياة ... تفيض بها الكئوس بلا شراب يضوع عبيرها من غير عطر ... وتزخر كالبحور بلا عباب وتزهو بالرياص بلا زهور ... وتزهو بالثمار بلا لباب يشيب شبابها من غير شيب ... ويبدو شيبها مثل الشباب تتيه بها الجسوم بلا علوم ... وتفتخر الفهوم بلا كتاب مموهة تروق العين حسنا ... خضاب في خضاب في خضاب فقد صبغ السراب حياة عصر ... مخضبة الأظافر والإهاب وصرت أشك حتى في مياه ... أخوض بها ولو بلت ثياب وفي قصيدة "وحشة قلب" ٢ يقول في مطلعها: عالم صاحب ودنيا عنيفة ... ميكانيكية الحياة مخيفة كهربتنا سلوكها بسلوك ... أحرق الروح والمعاني اللطيفة كل شيء فيها تعقد حتى ... الأكل والشرب والتحايا الخفيفة إلى قوله: حرت يا نفس فيك فالتمسي دربًا ... وعيشي أحلامك الفيلسوفة تعسَّفت من حضارة ما لها قلب ... ولا للسلام فيها وظيفة

стр. 117

صورة أدبية رائعة نبعت من تجارب الشاعر في حياته ومن واقع عصره الذي يعيشه بوجدانه ومشاعره، وجدان الشاعر ومشاعر الأدب، عاش السنوسي ردحًا من حياته مديرًا لشركة كهرباء جازان، تصدّع أذنيه حركة الماكينات المولدة للكهرباء بأصواتها القاسية العنيفة، وأسلاكها المعقدة الكثيفة، فيكاد الإنسان أن يفقد نفسه وسط هذا الزحام الصاخب، ولا ترتد إليه حتى يعود إلى سحر الطبيعة والحياة الفطرية التي نأت بعيدًا عن تعقد الإنسان باسم الحضارة والتقدم. هذا المقطع "الميكانيكي" الصغير المعقد، انتقل إلى العالم الصاخب، والدنيا العنيفة، فأصيبت هي الأخرى "بميكانيكية" مخيفة، كهربت سلوكها سلوك الإنسان، فأحرقت القيم والمبادئ الإنسانية في الحياة لا الأسلاك، فتعقد فيها كل شيء، حتى الأكل والشرب والتحية، لهذا أصبح القلب في وحشة والنفس في حيرة من هذه الحضارة التعيسة، فلا قلب فيها ينبض بالحياة، ولا مكان فيه للأمن والسلام. صورة بديعة جديدة نبعت من واقع عصر الشاعر وحياته، وتجربته مع الحياة.. إنها صورة قائمة حزينة تعبِّر عن وحشة القلب، وغربته في هذا الزمان. وعناصر الصورة قد تلاحمت من هذا المقام، فالحركة بطيئة من كثرة المدات في الكلمات "حروف اللبن" وألوانها قائمة، فالصخب والعنف والميكانيكية والخوف والكهربة والحرق، والتعقيد والحيرة والفلسفة والتعاسة.. كلها توحي باللون القائم، والضباب المحير، والتيه الضليل. وطعم ذلك كله مر وعلقم، ورائحته تشمئز منه النفوس ذات عادم يخنق النفس. تلك عناصر التصوير الأدبي من حركة، وطعم، ورائحة في هذه الصورة الأدبية البكر الرائعة. وفي قصيدة "الظل والضوء" يقول السنوسي١:خرافة كل مفتون بها فان أعيش في الظلِّ أو في الضوء سيان ... خرافة كل مفتون بها فإن الظل والضوء ألوان وأصبغة ... لا باهت ثابت منها ولا قاني فهم ووهم ولا شيء خلافهما ... الوهم من مارج والفهم روحاني فإن ركبت جناحا وانطلقت به ... محلقًا غير آفاق وألوان فلا تظنن أن الأرض قد ذهبت ... أو أنها خليت من كل إنسان

стр. 118

الأرض ثابتة والنفس ذاهبة ... وأنت منها وفيها عائد ثاني ضحكت من زمني هزؤًا وسخرية ... وربما ضحك المجني للجاني ترف شم الرواسي نضرة وندى ... وملء أعماقها نيران وبركان وتغضب القمة القعساء إن سقطت ... فيها النسور وأضحت وكر غربان فعش حياتك مرفوع الجبين ولا ... تكن عبدها في أي ميزان التقسيم العقلي يفسد الشعر، وينقله من عالمه إلى عالم العلم والمنطق، والتدليل الصريح على الحقيقة في الشعر يتناقض مع منهجه لأمرين لا ثالث لهما، هما، فهم أي "عقل وحق"، ووهم أي "وسوسة وباطل"، فالأول مصدر الدين والروح، والثاني يتفجر من مارج من نار. فالعجيب ليس في هذا التقسيم العقلي، ولكنه في الشاعر ذاته، كيف نبضت صورته الشعرية هنا بمشاعره، واصطبغت بوجدانه المحموم، وسرى الروتين العقلي فيها، كما يسري النسيم على الطل والندى والشذى، فيتضوع الجو أريجًا رقيقًا كرقة مشاعره في هذه الصورة الشعرية البديعة. كما نجد إبداع السنوسي في تصوير التناقض على نحو غير مألوف ومتعارف، فيصور الإنسان الضعيف المغلوب على أمره، المهزوم من دهره، بصورة القوي المنتصر الذي لا يأبه لأحداثه، فيضحك وهو الضعيف المجني عليه من الدهر، وهو القوي الجاني استهزاء وسخرية. وكذلك يصور هذا التناقض بصورة الجبل الذي ازدهى بالخضرة وتوفر بالنضرة، وتلطف بالماء والندى، ولكنه في باطنه يتفجر لهيبًا وبركانًا، ويندلع موتًا ونيرانًا. وكذلك تغضب الشوامخ، موطن النسور ملوك الطيور، حين يعشش في جنباتها الغربان، وبين أوكارها الخسيس من الطيور؛ لأن شموخها يناجي شوامخ الطيور، ويأبى في جنباته سواقطها، التي تجد السكن والأمن في أوكاره. صورة أدبية رائعة تفيض بعناصر التصوير بما يتناسب مع الظل، وهو "الباطل والفساد والشيطان والضلال"، وما يتلاءم مع الضوء، وهو "الحق والعقل والدين والخير"، فيمنح الشاعر صوره الأدبيه عناصرها الشعرية بما ينسجم مع الظل أو الضوء: فالوهم نار، لونها أحمر حارق، وريحها سموم لافح، وطعمها لاذع يكوي، والفهم روحاني، لونه لطيف، وريحه نسيم عليل، وطعمه حلو كحلاوة الإيمان، والوهو أيضًا كالبركان في أعماق الجبال، والبركان نار ولهيب، لها لونها وطعمها وريحها كما سبق، والفهم كذلك كالنضرة والخضرة والماء في شم الرواسي، لونها أخضر، وطعمها لذيذ وممتع، ورائحتها طيبة زكية، وحركتها تتماوج مع النسيم في الصباح، وتتعانق مع الرياح في النهار والليل.

стр. 119

إنها صورة شعرية اكتملت فيها عناصر التصوير الأدبي من لون وحركة وطعم ورائحة، مثل القطعة الحية من الطبيعة الساحرة، والحياة النابضة. ومن الصور الجديدة البديعة التي تسير مع عصر الشاعر، وتتجاوب مع أصداء الحياة العالمية، وما يموج فيها من طغيان وظلم للذين أزهقت أرواحهم، وانتزعت أموالهم، واستعمرت أوطانهم بالباطل ... وباسم المبادئ الإنسانية المتحضرة، وباسم حرية الإنسان في عصر استعمار الإنسان لا حريته، يقول السنوسي في "الحق المهان" ١: يخزي الضمير ويجرح الإحساسا ... حق يهان فلا يثير الناسا وعجيبة أن تستمر عصابة ... تطأ الهدى وتلوث الأقداسا رعنا أسكرها الغرور فأمعنت ... بطرًا وزادت خسة وشراسا تلهو وتبعث لا تقيم لمنطق ... وزنًا ولا لمبادئ مقياسا ومنظمات الحق ... كل جهودها ... للحق لا تتجاوز القرطاسا لا مجلس الأمن استعاد وقاره ... وأقام هيبته وثار حماسا كلا ولا جمعية الأمم انتهت ... يوما إلى حكم يرد شماسا ويقال إن العصر عصر مبادئ ... فضلى تقيم الوزن والقسطاسا الوحدة الفنية: قضية الوحدة في القصيدة من أهم قضايا النقد الحديث الجديرة بالدراسة والتطبيق في الشعر ونقده الحديثين، فقد شغلت النقاد والشعراء على السواء، وخاصة بعد المنافسة بين المذاهب الأدبية الحديثة ومدارسها النقدية، مثل مدرسة المحافظين ومدرسة الديوان، ومدرسة أبولو، ومدرسة المهاجر، وكذلك المذاهب "الكلاسيكي"، والمذاهب "الرومانسي"، والمذهب "الواقعي"، وغيرها، ووقف الجميع في صمود يدافع عن الوحدة الفكرية في بناء القصيدة، بل بالغ بعضهم في تطبيق الوحدة العضوية على الشعر الغنائي أيضًا، كالشأن في الموضوعي والمسرحي والتمثيلي، وأن منهج القصيدة القديمة التي تقوم على تعدد الأغراض والموضوعات لا يتناسب مع هذا العصر، الذي يتسم بالتقدم في العلوم والفنون والآداب على أساس من الذوق الرفيع، والفكر العميق، والعقل التجريبي. لذلك كان من الضروري أن تكون القصيدة الشعرية صدى لهذه الحضارة العميقة، فتقوم على أساس من الوحدة الفكرية والموضوعية في بناء فني متكامل، وتصوير أدبي تنسجم فيه

стр. 120

الصور الجزئية والألفاظ والأساليب والإيقاع والموسيقى مع المعاني والأفكار والعرض والعاطفة والتجربة الشعورية، في تلاحم قوي وتلاؤم انسيابي، فلا يصطدم الذوق الأدبي حين يتذوق القصيدة باضطراب في أسلوبها، أو تناقض في معانيها، أو تعدّد في أغراضها، أو يفزع بنشاز في إيقاعها أو بقلق في موسيقاها، ولا يشعر بتهتك يبدد تلاؤم الصورة مع الخيال والعاطفة والمعاني، غير ذلك مما يؤثر في تمزيق الوحدة الفنية في القصيدة فتنهار في ميزان النقد المستقيم. وعلى ذلك فالوحدة الفنية هي: أن تتلاءم التجربة الشعورية والعاطفية والخيال والمشاعر والأحاسيس والمعاني والأفكار والغرض والمغزى وغير ذلك مما يتصل بالمضمون والمحتوى للقصيدة فيتلاءم هذا كله مع البناء الفني لها، وهو انسجام الألفاظ والأساليب والصور الجزئية والتجسيم والتشخيص، والإيقاع الداخلي والخفي والموسيقى الخارجية في الوزن والقافية، لتتلاحم هذه العناصر كلها في انسجام وتناسب، واتساق وتلاحم، كالشأن في المخلوق السوي، الذي تكاملت أجزاؤه في أحسن تقويم١. والسنوسي في شعره يلتزم الوحدة الفنية غالبًا، فتقوم القصيدة عنده من المطلع إلى آخر بيت على غرض واحد، تدور حوله الأفكار والمعاني، وتتجاوب مع المشاعر والعاطفة والخيال في البناء الفني للقصيدة وحينئذ يتلاءم المضمون في العمل الفني مع الألفاظ والأساليب والصور والموسيقى والإيقاع. ولا تجد قصيدة في دواوين السنوسي الخمسة قد تعددت فيها الأغراض، بل تحقق الاتساق والتلاحم بين الغرض وبين تصويره الأدبي، وهذا لا يحتاج إلى ذكر أمثلة وشواهد، فقد سبقت قصائد كثيرة في باب الأغراض، وبقية القصائد في الدواوين تسير على هذا النهج من الوحدة الفنية. لكن الذي يحتاج إلى التنصيص عليه، وهو ما يخرج فيه الشاعر عن الوحدة الفنية من صور لا تتلاءم مع الغرض في القصيدة، وهذا قليل ومتناثر بالنسبة لمنهجه في الالتزام بالوحدة الفنية في شعره، وسأوضح بعض الشواهد على ذلك بالتحليل والنقد. صورغير متلائمة: الرثاء غرض أدبي ينصهر في بوتقة التجربة الحزينة وفي محمى العاطفة الشعورية القائمة،

стр. 121

فتقطر أسى، وتذوب ألمًا وحزنًا، فإذا ما جاء الشاعر بلفظ أو صورة من حقل الأعجاب والبهجة والسرور، يبدِّد شمل الوحدة الفنية، ويذهب بتلاحمها. وهذا ما حدث للسنوسي عندما كان يرثي معالي الشيخ محمد سرور الصبان، الذي وافته المنية في مصر بتاريخ ٢/ ١٢/ ١٣٩١هـ يقول١: تصاممت لما قيل مات "محمد" ... سرور "قلوب" كم به جبر الصدع فلا محل لذكر سرور القلوب هنا؛ لأنه يبدد قتام الحزن المتلائم مع الرثاء، وكذلك قوله في نفس القصيدة: أبا حسن غاض السرور الذي جرى ... على كل قلب من تدفقه نبع وضوح روض كان في كل مهجة ... بك اتصلت يندي بها النبت والزرع فالسرور وإن غاض بموته، لكنها تبرق بالبهجة، مما لا يتناسب مع الرثاء والحزن، وكذلك الروض الذي كان يفوح طيبه في حياة المرثي، فيزدهر به النبت والزرع، يبدد قتام الحزن في القصيدة؛ لأن نشر الروض وازدهار الزرع والنبت، كان ينبغي ألا يكون لها مكان من التصوير الأدبي، لعدم التلاؤم بحال مع الرثاء والحزن. ومما يؤخذ على الشاعر تمزيقه جمال التصوير الشعري بكلمة ليست هي من حقل الشعر، وإنما هي من حقل العلوم، ومن مجال العقل لا العاطفة، مثل كلمة "مقياس": يا فتنة القلب ومهوى البصر ... جاوزت مقياس جمال البشر٢ وكذلك الكلمتان "إيجاز - المختصر" فهما يختصان بعلوم البلاغة ومنطق العقل أكثر من التصوير الشعري يقول٣: ورق في خصرك حتى استوى ... إيجازه في قدك المختصر وكذلك مما يبدد التصوير الأدبي العربي الأصيل استعانته ببعض الكلمات الأجنبية التي يمجها الذوق العربي السليم، مثل كلمة "الديزتو"٤:

стр. 122

تجري عليك "الديزتو" ... تختال والفرد فرها وكذلك قوله: زاره ساكن "الألب" "أبوللو" ... رائدًا ينشد الجمال المثالي موازنة ونقد: السنوسي شاعر محافظ في تجديده، يتجاوب مع الواقع الذي يعيشه ويحياه، فالشعراء القدامي صوروا النغم والغناء في الشعر العربي القديم، وخاصة الشاعر المصور ابن الرومي، وتناوله كذلك شعراء في العصر الحديث مثل العقاد والمازني وإبراهيم ناجي وغيرهم١، وتأثر الجميع كثيرًا بابن الرومي في تصويره الغناء الساحر الجذاب في قوله يصور صوت "وحيد" المغنية: ظبية تسكن القلوب وترعا ... ها وقمرية لها تغريد تتغنى وكأنها لا تتغنى ... من سكون الأوصال وهي تميد لا تراها هناك تجحظ عين ... لك فيها ولا يدر وريد من هدوء ليس فيه انقطاع ... وسجو وما به تبليد مدَّ في شأو صوتها نفس ... كاف كأنفاس عاشقيها مديد فتراه يموت طورًا ويحيا ... مستلذ بسيطه والنشيد فيه وشي وفيه حلى من النغم ... مصوغ يختال فيه القصيد في هوى مثلها يخف حليم ... راجح حلمه ويغري رشيد ما تعاطى القلوب إلا أصابت ... بهواها منهن حيث تريد وتر العزف في يديها مضاء ... وتر الرجف فيه سهم سديد عيبها أنها إذا غنت الأحرار ... ظلوا وهم لها عبيد٢ فالصوت الشجي مع هدوئه متصل لا ينقطع، ومع سموه حي غير متبلد، مديد كأنفاس العاشقين، ساعد في مده طول النفس، وأرقه الدلال، ولطفه الوله، حتى كاد أن يختفي، فيموت طورًا ويحيا طورًا، ويتعانق النغم على مسرح الغناء فيتخذ قبة تحيط بالسامعين،

стр. 123

في صورة حيّة نابضة، ينسجم فيها الوشي المنساب مع الألوان، ويتجاوب فيها اللحن المتماوج مع موجات الهواء، فيتراقص معه القصيد، ويختال فيه النشيد، فيستبد بالقلوب، ويشنف الآذان، فيعشقه المستمع؛ ليقع في غرامه لا في غرام وحيد، ويصور ابن الرومي الغناء أيضًا في صورة أخرى فيقول: كل طفل يدعى بأسماء شتى ... بين عود ومزهر وكران ذات صوت تهزه كيف شاءت ... مثل ما هزت الصبا غصن بان يتثنى فينفض الطل عنه ... في تثنيه مثل حب الجمان صيغ من طبع صوتها كل لحن ... معها من لحون تلك الأغاني١ ويأتي السنوسي في العصر الحديث ليصور هو أيضًا الغناء في سحر وقوة متأثرًا بابن الرومي فيما سبق؛ لكنه يتجاوب فيه مع أصداء عصره، فيقول الشاعر في صوت "كوكب الشرق أم كلثوم". يا كوكب الشرق طال الليل بالساري ... فقصريه بألحان وأوتاري وسلسلي فيه صوتًا ملء نبرته ... صفو الندى والشذى والكوثر الجاري ورددي في دجاه شدو ساجعيه ... يذوب بين يديها كل قيثار مديه في الليل ينداح الصباح سنا ... وفي الضحى يتردى ثوب أقمار فنانة الضاد كم للضاد من نغم ... على شفاهك منه ذوب مضمار جلوته فجلوت الفن مرتفعًا ... يموج بين أغاريد وأشعار صوت إذا حركته في الدجى سحبت ... أردانها الريح في غيناء معطار يلقاك بالسحر في الألفاظ منطلقًا ... وبالحنان المصفى والجوى النار وغنة ما وعت أذن ولا سمعت ... بمثلها منذ أزمان وأدهار كأنما في أغانيها وفي فمها ... أنغام إسحاق أو ألحان موزار تهزه فتهز الشرق أجمعه ... قلبًا بقلب وأفكار بأفكار يصغي إليها كما يصغي الحبيب ... إلى حبيب في مناجاة وأسرار إن قلت: يا ليل قال الليل من طرب ... أو قلت يا عين لم تهدب بإشقار تعلو به طبقات الجو صادحة ... فينتشي كل نجم في الدجى سار آنا تضخمه أنا ترققه ... فعل الهوى والتصابي بين سمار كأنه في يديها غصن ناضرة ... تسمو به ثم تدنو ذات منقار كم بات يصغى إليها كل ذي كبد ... حرى اللواعج من شوق وتذكار

стр. 124

فراغ يطغى صداه وهي صادحة ... بصوتها العذب من سيل وأنهار غنت للشرق ألحان الخلود هوى ... وللعروبة لحن المجد والغار من كان يجعل شوقيًّا وقد صدحت ... بشعره آب عنه كاتبًا قاري ولا يرى في غناها ذو الحجي حرجًا ... وذو وقار يرزي به زار قمرية النيل ما للنيل واجمة ... ضفافه وأساه مائج جار غاضت بعينيه أنوار الهوى وذوت ... بكفه خضر أوراق وأزهار ولاح في صفحتيه ذعر شاكله ... وحيدها بعد سن يائس هار ما كل طير هزازًا حين تسمعه ... كلا ولا كل ذي ريش بطيار١ صورة أدبية كلية رائعة لتصوير النغم والغناء، تسير على النهج الفني لصورة ابن الرومي، فكلاهما يهزان الوجدان والنفس هزًّا قويًّا، لدقتهما في التصوير، وقوتهما في التأثير، وقد اتفق الشاعران في خصائص، وافترقا في أخرى، فأما الخصائص التي اتفقت عند الشاعرين -والفضل لمن سبق- هي: أولًا: كلاهما وصف المغنية بالجمال، وصورها بصورة جميلة في الطبيعة الساحرة، فمغنية ابن الرومي "وحيد" ظبية وقمرية في الليل، ومغنية السنوسي كوكب الشرق في الليل الساري وقمرية النيل. ثانيًا: سحر الغناء عندهما ينساب إلى الأسماع، ويتسلل إلى القلوب في خفاء، حتى لا يشعر السامع بمصدر اللحن، فالمغنية "وحيد" ثابتة الأوصال منسابة العينين بلا جحوظ ولا حملقة، ولا معاناة في إخراج الصوت، ولا انتفاخ في الأوداج والعروق، فيخرج النغم هادئًا متصلًا، لا انقطاع فيه ولا عواصف، بل يتصاعد ساجيًا ممدودًا دائفًا كأنفاس العاشقين، وأما ألحان "كوكب الشرق" فتتسلل كالندى الصافي، وتفوح كالشذى المعطر، وتعذب كالكوكثر الجاري، فهو ينداح في الليل ممدودًا، حتى يفجر إشراق الصباح ونور الضحى. ثالثًا: الشاعران مزجا سحر النغم بالسحر المذاب في مظاهر الطبيعة، فالصوت تهزه "وحيد" كيف شاءت، يستجيب له كل المعاني والألفاظ طائعة منقادة، مثل ما يستجيب غصن البان لريح الصبا، ويهتز طربًا له، فيتثنى ذهابًا وإيابًا، ويتناثر الطل كحبات الفضة، أما نغم "كوكب الشرق" فينساب في الليل والدجى والصباح والضحى، ويعلو طبقات الجو، فينتشي النجم طربًا، وينقاد طوع أمرها كالغصن اللين، الذي يتراقص مهتزًّا على أنغام الطير الصداح، وهو كالسيل في تدفق الأنهار، وكالماء في النيل عذوبة، وليس كل طير يمتع في الغناء.

стр. 125

فصفة النفاق تأصَّلت في المنافق كالشأن في شجر الخلاف، فمنظره ساحر فتان، ومخبره مر خداع، كالغصن الأخضر أخاذ الشكل والرونق مرير الذوق كالعلقم. ويدل على أصالة النفاق في المنافق ما توحي به الصورة من التجدد والاستمرار عن طريق الفعل المضارع "يورق، ويأبى" وكذلك القصر بتقديم الخبر "وما له ثمر"١. يقول عبد القاهر: "انظر إلى المعنى في الحالة الثانية، كيف يورّق شجره ويثمر، ويفتر ثغره ويبسم، وكيف تشتار الأرى من مذاقه كما ترى الحسن في شارته"٢. وصورة أخرى لابن الرومي في النفاق يقول: ملك النفاق طباعه فتثعلبا ... وأبى السماحة لؤمة فاستكلبا فترى غرورًا ظاهرًا من تحته ... نكد فقبح شاهدًا ومغيبًا ولشر من جربته في حاجة ... من لا تزال به معنى متعبا أما شاعرنا السنوسي فيصور النفاق في قصيدته "لكل صابون ليفه": بسمات ملونات وأخلاق ... وصولية غلاظ سخيفة ونفاق ملون تخجل الحرباء ... منه فتنثني مكسوفة تتدلى وتستكين وتنماع ... وتغدو لكل صابونة ليفة فإذا ولت الوظيفة ولوا ... وأثاروا عليه حربًا عنيفة خلق يشمئز منه كريم النفس ... والطبع والخصال المنيفة يا لنفسي من أنفس تقذف الحبر ... عداء من الثياب النظيفة وعلى كل جانب من قذاها ... قذر يزكم الأنوف وجيفة خضت في بحرها وكنت غريرًا ... فطفا موجها وكانت حصيفة أوجه كالبلاد لا تنبت الزهر ... وإن كانت المياه كثيفة وقلوب مثل الكهوف ظلامًا ... والضحى يغمر الوجود مخيفة غير أني وإن تألم قلبي ... فهو ما زال كالظلال الوريفه لست خبا والخب قد يخدع ... البر وهذه حكاية معروفة٣

стр. 126

ولا كل ريش يستطيع الطير في الهواء، فهو صوت فريد في مجال اللحن والغناء. ومع ذلك فقد غلب على تصوير ابن الرومي للغناء التجرد عن مظاهر الطبيعة وخاصة في القصيدة الأولى، وساد عند السنوسي تجسيم الغناء في مظاهر الطبيعة. أما ما اختلف فيه الشاعران فهو مدى استجابة المستمعين للغناء، فجمهور "وحيد" تجاوزوا حب الطرب والغناء إلى ما هو أكثر من ذلك من الغراء والإغراء، مما يخشى على العاقل الذي رجح عقله، ويخاف على الرشيد؛ لأنها تصبي القلوب بحبها، فالجمهور عندها مزعزع الإيمان ضعيف العقيدة، يخشى على دينه، ويخاف من الوقوع في حبال الشياطين. لكن جمهور كوكب الشرق يحب غناءها المجرد عنها، فذو العقل لا يتردى في حرج من غنائها، وذو الوقار والاتزان يجد في وقارها واتزانها ما تستجيب له نفسه يقول: ولا يرى في غناها ذو الحجي حرجًا ... وذو وقار ولا يزري به زار لأنها غنَّت للشرق الإسلامي ألحان الخلود في حضارة الإسلام وغنت للعروبة التي سما بها الإسلام في سماء المجد، كما غنت للرسول ﷺ الذي نزل عليه الوحي، وصاحب الغار والذي أقام حضارة الإسلام بعد الهجرة النبوية المباركة. فجمهورها قوي في إيمانه متمسك بعقيدته، يزداد إيمانًا حينما ينساب الغناب في حضارة الإسلام، فتسبد بقلبه تلك الحضارة فيزداد اقتناعًا بعقيدته وحبًّا لها لا لكوكب الشرق، التي لم تتخذ الدلال وسيلة للإغراء في الغناء، كما اتخذته "وحيد" مغنية ابن الرومي. ومن الصور التي تأثر بها السنوسي صورة المنافق في الشعر العربي القديم، ذكر عبد القاهر الجرجاني في تعليل بلاغة الكلام قول ابن لنكك: في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر وقول ابن الرومي: فغدا كالخلاف يورق للعين ... ويأبى الإثمار كل الإباء وقوله الآخر: وإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر١

стр. 127

والتأثر ظاهر بصورة النفاق بين الشاعرين وبخاصة في صورة ابن الرومي الأخيرة، فالمنافق في مكره ودهائه ورداءة طبعه كالثعلب يؤثر منفعته، ولا يسعى إلا لحاجته الذاتية، فهو ثعلب في طباعه، يسير هادئًا لينًا في خفاء وتحفظ كالقط الأليف. والمنافق في لؤمه كالكب المسعور يهش للقادم سماحة، ويداعبه غدرًا؛ لينقضَّ على فريسته كالذئب في غدره وخيانته، فهو في الظاهر مستوي الخلقة، متكامل السمت، يتستر وراء الغرور والوقار، ويتشدق بالنصيحة، ويتلاعب بالحكمة، لكنه من الباطن يتفجر عن غدر ونكد، وينطوي على حقد وشر، فلا يسلم من يتعامل معه من مخالب الغدر، فيظل يعاني منه آلامًا ومرارة ومتاعب. والمنافق عند السنوسي كالحرباء، بل الحرباء تخجل منه، وتعرض عنه مكسوفة، وتلك طبيعة المنافق في تكوينه، يلبس لكل حال لبوسها، ويتقلب حسب الأغراض والأهداف، كما تتأقلم الحرباء حسب اختلاف البيئات، وتغاير الألوان في الجبال والرمال، لتكون قطعة متجانسة مع الأرض التي تعيش عليها. لكن الصورة عند ابن الرومي أدق وأعمق حين صور المنافق بالثعلب والكلب المسعور؛ لأن المنافق غالبًا ما يخدع الناس لحسن ظنهم فيه، وينال منهم كما ينهش الكلب المسعور فريسته، بعد الهدوء والمسالمة وحلاوة اللسان على العكس من الحرباء فتتلون ولا تؤذي أحدًا. أما السنوسي يصور المنافق حين يتعامل مع الآخرين، الذين لا يسلمون من شره وأذاه، كمن يلطخ الثياب البيضاء بالحبر الأسود، والمنافق أشد من الوباء الذي يعدي في خفاء، فيزكم الأنوف بمرضه، ويقتل النفوس بجيفته المنتنة. وبصورة أيضًا بأرض بور، بل كالبلاط الذي لا ينبت زهرًا ولا يجلب خيرًا، مهما فاضت المياه، ويصور قلب المنافق في ظلمه وظلامه كالكهوف المظلمة تغشيها الدجنة باستمرار، فتأوى إليه الحيات والعقارب، والحشرات السامة، ومع كل ذلك فهو ضعيف لا يقوى على مواجهة الحق، رقيق كالظلال الوريفة تمزق النسيم اللطيف. وتلك صورة جديدة تفرَّد بها السنوسي عن سابقيه، وكذلك موضوع القصيدة، كانت منه لفتة لطيفة وطريفة حين طوع المثل العام الذي يجري على كل لسان، وهو "لكل صابونة ليفة" ليجعل منه موضوعًا شعريًّا وغرضًا أدبيًّا، ليفيض الشعر عليه بالإيحاء والقوة والشاعرية، والموضوع في ذاته صورة جديدة للمنافق في عصرنا الحديث. والسنوسي بهذه الصورة الطريفة للمنافق التي أطنب فيها حتى صارت قصيدة، تضع الشاعر في مكانه البارز بين شعراء عصره ولا تقل عن صورة المنافق في الشعر القديم، وإن اتصفت بالإيجاز والقصر؛ لأن الشعراء السابقين فضل السبق، ولشاعرنا السنوسي فضل الزيادة.

стр. 128

في صورة الجديدة التي تتناسب مع عصره، ولو خلت منها قصيدته لما وجدت طريقها إلى قلب القارئ، ولما أخذت مجالها في النقد والموازنة الأدبية. وبهذا يكون الشاعر السنوسي أشهر شعراء الجنوب في منطقة عسير، بل شاعر الجنوب كما أطلقت عليه صحافة المملكة، ومن الرواد الأوائل لشعراء المملكة الذين كان لهم دور كبير في القفزة السريعة للشعر الحديث، حتى تعددت مدارسه ومذاهبه الأدبية، وكان أيضًا أشهر شاعر في مدرسة التجديد المحافظ في مذهبها الأدبي لشعر الجنوب خاصة وشعر المملكة عامة. ولقد كانت الدراسة السابقة للسنوسي التي قامت على التحليل والنقد، والاستقراء والموازنة، ووضعت هذه الدراسة الفنية علامات بارزة على الطريق من أهمها: أنَّ السنوسي كان مجددًا في معظم الأغراض الأدبية وفي الموضوعات، وكذلك في معظم الأفكار والمعاني، وخاصة بالنسبة للشعر السعودي خاصة، والشعر العربي بصفة عامة. "إن للسنوسي مكانته بين شعرائنا البارزين، فهو صاحب "القلائد" ولقد كان لديوانه القلائد وما يزال صداه الطيب الجميل في أوساطنا الأدبية، إنه أول شاعر من شعرائنا يترجم له بعض شعره إلى لغة أوربية ... إن أهم سمات شاعرنا السنوسي في اعتقادي أنه لا يحاول أن يتكلف أو يظهر بغير حقيقته، أو يقول ما لا يعتقد، أو يمدح من لا يرى أنه أهل لثناء أو مدح، وإنما هو في كل ما طالعته من شعره لا أراه إلا حريصًا كل الحرص على التزامه لهذه السمة، سمة الصدق في التعبير"١. ويكفي الشاعر الفذ أن يكون في شعره صادقًا يعبر بصدق عن شاعريته، وهل يحتاج التجديد في الأغراض الأدبية إلا الصدق الفني، الذي كان من أبرز مظاهر التجديد في الشعر الحديث بعد الركود والجمود في العصر السابق الذي قضي تمامًا على الصدق الفني في الشعر. وقال باحث عن السنوسي: "ومن أهم سماته أنه لا يتكلف، أو يقول ما لا يعتقد، أو يمدح من لا يرى أنه أهل للمدح"٢. ويقول صاحب المنهل: وأعتقد أن ديوان القلائد لصاحبه الشاعر الأستاذ محمد بن علي السنوسي "والاسم هذا كالمسمَّى" ... سيثبت بصدوره أن الشعر العربي الأصيل الذي جمع بين المبنى والطرافة والتجديد في المعنى، هو حي ولا يزال حيًّا ذا تأثير فعال في المجتمع والأفراد ... يؤز

стр. 129

النفوس الظامئة إلى الحياة الطامحة أزًّا، ويدفعها إلى محيط العمل والنشاط دفعًا، ويوقد فيها جذوة الحربة والحماسة، ويخلق فيها الحركة والانطلاق إلى الأمام على الدوام.. ويساند حركات الاستقلال والاستبسال في نيل المطالب العليا، كما كان من قبل ألف عام، أيام البحتري وأبي تمام، وأيام أبي الطيب المتنبي، وأخيرًا أيام البارودي وشوقي وحافظ، ومن سار على دربهم من فحول الشعراء"١. والسنوسي كان مجددًا في تحفظ للتصوير الأدبي كما رأينا ذلك في مكانه، فقد بعث الحياة والقوة في الألفاظ الشعرية وأساليبه، وأعاد لها عراقتها الأصيلة كما كانت عند الفحول من الشعراء، كما أنه طوَّع الأساليب في جزالة وعذوبة وقوة وإيحاء لقضايا عصره وفكره واتجاهاته، وكذلك كان خياله عميقًا خصبًا يمنح صوره الأدبية جدة وابتكارًا، مما دفع النقاد إلى أن يسجلوا له هذه الخطوات المباركة في التجديد، يقول أحدهم: "إن شعر السنوسي يملأ نفسي ويشعرني أنه يخرج من نفس عربية مؤمنة صادقة قوية اليقين بعروبتها وإسلامها"٢. ويقول الأستاذ محمد سعيد العامودي: "وأعتقد أن لثقافة السنوسي المتعددة الجوانب أثرها في شعره بصورة عامة إلى جانب موهبته الفنية المعطاءة، ولعله من هنا يبدو ما نلمسه في شعره غالبًا من نبض في الأسلوب، وحيوية في الألفاظ وعمق في المعاني، وسمو في الأغراض"٣. وأمَّا الموسيقى الشعرية فقد اتخذ الشاعر القالب الموسيقي العربي العمودي، فالتزم بحرًا واحدًا وقافية واحدة في القصيدة الواحدة، ورأينا ثورته العنيفة على الشعر الحر في القصيدة التي سبق ذكرها، والتي أعلن فيها أن طبيعة الشعر العربي الأصيل تأبى ذلك كل الإباء، وإذا كان ولا بُدَّ من التجديد فيكون في المعنى والمضمون بما يتناسب مع العصر الحديث وقضاياه الكثيرة. ولم يتزحزح السنوسي عن القالب الموسيقى إلّا قليلًا، وذلك في نظام المقطعات القائمة على البحر العروضي مع تعدد القافية في كل مقطع من مقاطع القصيدة، وليس هذا غريبًا على طبيعة الشعر العربي، بل هو نظام الموشحات الأندلسية مثل قصيدة "أتمنى" السابق ذكرها.

стр. 130

وأشاد بشعر السنوسي الشاعر الأمير عبد الله الفيصل بقصيدة عنوانها "حيرة" يقول في مطلعها: أنا في حيرة أموت وأحيا ... كل يوم وأدمعي في شهود١ ويصف الشاعر محمد حسن عوّاد أحد رواد الشعر العربي في السعودية شعر السنوسي، ويشيد بروعة شعره في قصيدته "مواطن العطاء من الإنسان" منها هذه الأبيات: الوشي جاء منمقًا ومنمنمًا ... والظرف طالعنا بها متبسمًا واللمس كان موشحًا والحسن كان ... مصرحًا واللطف كان مسلمًا غراء من جيزان يرقصها النهى ... تيها يمنعها الحياء تقدمًا أنسيت أنك آنذاك منشأ في ... حلبة والنسج لم يك محكمًا إني وأنت مواطني ومسايري ... في الشعر أصمت إذ أراك ملعثمًا لكن سواك من الذين تعاظموا ... أو كابروا الفكر القوي القيما من كل من جعل التشاعر مهنة ... فإذا انبريت له أسف وبرطمًا فقد امتطوا عوجاء حين تأثموا ... والفكر أكبر أن يرام تأثمًا والفن يرفض أن يكون ممرغًا ... والحسن يشجب أن يداهن نومًا مسخ الفتي منهم رواء شبابه ... فكأنه هرم ولما يهرما ورسالة التجديد عند لفيفهم ... "خطب" يراه مذمما ومحرمًا هي ذي المفاهيم التي أصليتها ... نقدا وكان كما عرفت مسممًا هم هؤلاء -ولست أنت- هم الأولى ... قد خوصموا نقدا مضى متجهما عش للوفاء "أبا علي" مثلما" ... يرجو الوفاء من الوفاء وفوق ما ولأنت من أهليه فابق أرومة ... عربية نسلت عزيزًا مسلمًا٢ والسنوسي ... "شاعر ضليع ذو قوة في البيان، وإشراقة في الفكر، وروعة في المنطق، وجدة في الأسلوب، هو شاعرنا الذي تعتز به المملكة العربية السعودية، وتضعه في الصف الأول من بين شعرائها الأبرار شعراء الشباب المبدعين.. شعراء الأدب الرفيع، واللسان العف، والضمير النقي من الشوائب والأوضار٣.

стр. 131

الفصل الثالث: الشاعر محمد بن أحمد العقيلي نشأة العقيلي وحياته: هو الشاعر محمد بن أحمد العقيلي، ولد في مدينة "صبيا" عام "١٣٦٦هـ-١٩١٦م". تلقى علومه على أحد المدرسين، وعلى الده، وعلى الشيخ عقيل بن أحمد في الفقه والنحو والصرف وعلم المعاني وعلم البيان، وغيرها من علوم العربية. تقلَّب في وظائف مختلفة في الهيئات الحكومية، واشتُهِرَ في المملكة بكتاباته الصحفية التي كانت تستهوي القراء والعلماء والباحثين، يقول الأستاذ حمد الجاسر في ذلك: "لقد عرفت الأستاذ العقيلي أول ما عرفته مؤرخًا وباحثًا حينما كان يمد مجلة "اليمامة" منذ تسعة عشر عامًا بأبحاثه التي كنت أحس وأنا أقرأها بأنني أجد فيها ما لا أجده في غيرها من أبحاث كثيرة من كتابنا، مما تزخر به صحفنا، ثم يقول: إنني أوفيته حقه في كتاب "مؤرخو الجزيرة" ... "١. واشتهر العقيلي بمؤلفاته وتحقيقاته، منها: "المخلا السليماني في ثلاثة أجزاء، وتحقيق ديوان "القاسم بن علي بن هثيميل"، "التصوف في تهامة"، وديوان "السلطانين من شعراء القرن السادس"، وديوان "الجراح بن شاجر الأروي"، وكتاب "شعراء الجنوب" بالاشتراك مع محمد بن علي السنوسي ٢. وفي عام "١٣٩١هـ-١٩٧١م" صدر ديوان "الأنغام المضيئة - نشر دار اليمامة بالرياض، ومن الغريب أن صاحب كتاب شعر العصر الحديث الذي كانت طبعته الأولى عام ١٩٣٩هـ- ١٩٧٩م" لم يذكر هذا الديوان، بل أغفله تمامًا، مع العلم بأن ديوان العقيلي منشور قبل ذلك بثماني سنوات٣.

стр. 132

وقسَّم الشاعر ديوانه إلى فصول، أعطى لكل فصل عنوانًا على النحو التالي: سعوديات - في ربوع الوطن - عربيات - حضارة - الغزليات - تحيات - الوصف - أناشيد. والعقيلي شاعر معروف بين شعراء المملكة العربية السعودية بشعره الإسلامي المشرق والعربي الناصع، الذي يغلب الالتزام بتصوير المعاني السامية والأخلاق الفاضلة من نفس مؤمنة مفعمة بالإيمان الصادق، والإخلاص للمسلمين، والوفاء لوطنه والقائمين عليه، وهو من أشهر شعراء الجنوب الذين كان لهم دور كبير في مدرسة التجديد المحافظ، يقول الأستاذ حمد الجاسر: "ولكن إذا قصد بالشعر التعبير عن المعاني والأخلاق النبيلة والاتصاف بها، ففي شعر العقيلي مما يعبر عن عمق إيمانه بالله ، وصدق إخلاص، ووفاء لأمته ووطنه، وصادق ولاء لمن ولاهم الله أمر هذه البلاد ولاء قائمًا على المحبة الخالصة. ولعلَّ نظرة العقيلي إلى الشعر تتفق مع نظرته إلى الأدب، ومن ثَمَّ يصح القول بأنه يرى الشعر ما عبر عن كريم الخلال، وأبرز مجالي الحسن وقوم معوج الخلق سيرًا على أن الغايات لا الوسائل هي أولى ما يجب أن يعنى به ويتجه إليه، ولا شيء سوى ذلك"١. والشاعر العقيلي تناول في "الأنغام المضيئة" أكثر الأغراض الأدبية التي سيطرت على الشعر في الجنوب، وسنوضح هذه الأغراض وخصائصها الفنية في الموضوع والمعاني والألفاظ والأساليب والخيال وصوره الأدبية والموسيقى الشعرية وغيرها من القيم الفنية في العمل الأدبي.

стр. 133

التصوير الأدبي للأغراض الأدبية: أولًا: المدح وخصائص التصوير الأدبي تناول الشاعر العقيلي في ديوانه غرض المدح في قصائد كثيرة ذكرها في موطنين: أحدهما: تحت عنوان "السعوديات"، وتشمل هذه القصائد قصيدة " على صهوات الجو ص١٣"، وقصيدة "تألفت في سماء الشرق ص١٨"، وقصيدة "عهد الخفاء الراشدين ص٢٣"، وقصيدة "يوم على صفحة التاريخ ص٢٧"، وقصيدة "باقة شعر ص٣٠"، وقصيدة "موكب التاح ص٣٥"، وقصيدة "تحية التاج ص٣٨"، وقصيدة "في سنا تاجه وصولجانه ص٤٠"، وقصيدة "لك الود ص٤٣"، وقصيدة "أبو الشعب ص٤٦"، وقصيدة "الفرحة الكبرى ص٤٨"، وقصيدة "تلألأ الحق ص٤٩"، وقصيدة "يا ابن عبد العزيز ص٥١". ثانيهما: تحت عنوان "تحيات"، ويضم هذه القصائد وهي: "حي الشباب ص١٢٣" يحيى شباب مدرسة جازان عام ١٣٦٨هـ، وقصيدة "تحية الجيش ص١٢٥"، وقصيدة "عين من الخلد ص١٢٧"، وهي عين ماء جازان، وقصيدة "قصر الإمارة في جازان ص١٣١"، بمناسبة إضاءة القصر بنور الكهرباء، وقصيدة "تحية الشعر ص١٣٦"، قالها العقيلي في تكريم الأستاذ الشاعر عبد الله بن خميس يمدحه في جازان بتاريخ ٢/ ١٠/ ١٣٨٨هـ، وقصيدة "زهرة ص١٣٨" يمدح بها الشاعر الأستاذ حسين سرحان. يقول العقيلي في إحدى قصائده التي يمدح فيها صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم، ومطلعها:١ شذى يتعالى بالتجلة أو شدوا ... تضوع من فيفا عبيرًا ومن رضوى وزن بها جازان علوية الشذى ... سماوية الأنفاس وقدسية النجوى لها ومضات البرق في كل مطلع ... سطوعًا وصوت الرعد مرتجزًا دوَّى وأنسام أزهار الفراديس نفحة ... على الأفق المخضل والمنظر الأحوى

стр. 134

إلى قوله: طلعت بعهد عبقري طرازه ... تطاول أمجاد أوراق الدنا صفوا مواسم للإصلاح في كل مرفق ... وأعياد أعمال تفوق الورى شأوا مضت لم تشاهدها الجزيرة أو ترى ... لها في تقصي عهد سالفها صنوا إلى أن يقول: لك الود منا خالصًا لا يشوبه ... رياء ولا يلتات بالزيف والدعوى يمجد فيك الفكر ريان مشرقًا ... ويكبر فيك العقل والخلق الأقوى وعزمًا لإنهاض البلاد بهمة ... "سعودية" التصميم "نجدية" العزوى وهكذا يسير المدح على النمط من المدائح التي تقوم على استقلال القصيدة على غرض واحد من المطلع حتى نهاية القصيدة بلا تعدد في الأغراض، وهذا منهج في القصيدة يخالف منهج القدماء فيها؛ حيث تعددت فيها الأغراض كما هو معروف في الشعر العربي القديم. ومن الخصائص الفنية في مطالعه أنه يشرك الطبيعة في الابتهاج بالممدوح فهي تتغنَّى معه بالثناء على الممدوح والحفاوة به، وذلك في الأبيات الأولى من القصيدة. وكذلك فالقصيدة التي معنا تعتمد على ذكر الصفات الخاصة بشخص الملك فيصل المعظم، فهو عبقري جنَّد نفسه لإصلاح بلاده، وسمت أعماله فيها إلى درجة التمجيد والبهجة والسرور مثل بهجة الأعياد، وقد سبق سلفه فيها تقدميًّا ورقيًّا. كما يتصف أيضًا بالفكر العميق المثمر، والعقل الكبير، والخلق القوي، والعزم الشديد لإنهاض بلاده بهمة اشتهرت بها الأسرة السعودية، وبتصميم نجدي في المضاء والإنجاز. وتلك صفات شخصية يمدح بها الملك لا يتعدَّى أثرها إنهاض المملكة العربية السعودية ذلك الوطن العربي السعودي فقط، ولذلك أدخلت هذه القصيدة في غرض المدح. أما التصوير الأدبي عند الشاعر في المدح فقد امتازت الألفاظ والأساليب بالجزالة والفصاحة، والأسلوب بالوضوح والسلامة من الخطأ، وإن كنت أرى أن بعض الأساليب تجد قلقًا في مكانها من البيت بلا أحكام قوي في التركيب مثل قوله: "وأعياد أعمال تفوق الورى شأوا" والمعنى وأعمال سارة كالأعياد البهيجة، ولكن هذا المراد من العسير إخراجه بسرعة من هذا الأسلوب وهو أعياد أعمال. والتصوير الأدبي يعتمد على العقل والفكر أكثر من اعتماده على الخيال بصوره البيانية، ومن التعبير العقلي الحقيقي قوله: "لا يشوبه رياء ولا يلتات بالزيف والدعوى" فالشوب والزيف

стр. 135

والدعوى تعبيرات عقلية لا خيالية، وحين نتذوق صورة خيالية عنده مثل "شذى يتعالى بالتجلة"، نحس فيها بالجمود لا الحركة والحيوية، فالشذى يتضوع أو ينساب أو يعبق أو يسمو، ولا يتعالى بالتجلة، فليس ذلك مألوفًا مع الشذى. وأما الموسيقى الشعرية فالشاعر ملتزم بالعمود الشعري والقالب الخليلي من المحافظة على البحر والقافية. ثانيًا: الشعر الوطني وخصائصه الفنية: وهذا الغرض في الديوان تحت عنوان "في ربوع الوطن"، وضم قصائد وهي: قصيدة "المشاعر المقدسة ص٥٥"، وقصيدة "الجزيرة العربية ص٥٨"، وقصيدة "جازان ص٦١"، وقصيدة "صبيا ص٦٤"، وقصيدة "جبل فيفا ص٦٦"، وقصيدة "البلاد العربية ص٦٨"، وقصيدة "بين جمال الطبيعة وجلال البحر ص٧١"، يقول العقيلي في قصيدة "الجزيرة العربية" ١: شبه الجزيرة منعة وإباء ... وحمى العروبة منبرًا ولواء وفضاء أرض قد تالق وازدهى ... أفقًا يشع رسالة وهناء أرنو إليك فأستشف جلاله ... شماء توحي العزة القعساء أعتزّ بالماضي العظيم وأنتشي ... أملًا بات يفرع الجوزاء أرضًا على التاريخ من أمجادها ... عبق يردده الزمان ثناء خففت بأعلام الفتوح فحدثت ... أممًا وعممت الوجود رخاء حملت مصابيح الحضارة للورى ... تبني الشعوب وتنشر الآراء تتوسدين ذراع أحمر زاخر ... كالتبر ذوبًا والشعاع رواء متلألئ الأمواج في رأد الضحى ... متألقًا ضافي الجلال مساء يرتاد منه اللحظ أضفى زرقة ... من "لازورد" يغمر الأحياء إلى قوله: حي الخليج وحي بحرًا ماؤه ... در على وجه الخضم تراءى حيث المعادن والكنوز دفينة ... والزيت منبجس العيون سخاء وهكذا إلى آخر القصيدة التي يحدد معالم وطنه العزيز والمفدى ويوضح حدود الجزيرة،

стр. 136

وهي البحر الأحمر الزاخر بالتبر والشعاع المتألق، والمحيط في الجنوب، والخليج العربي الذي فاض بكنوزه ومعادنه الثمينة، وتفجر البترول من أحشائه فعمَّ الثراء في الوطن وسادت حضارته قديمًا وحديثًا. والقصيدة هنا وغيرها من القصائد في هذا الغرض تقوم على غرض واحد فقط، تدور معانيه حول موضوعه، كما هو واضح من قصيدة الجزيرة العربية، فاتجهت عناصر القصيدة ومعانيها، وخواطر الشاعر في الموضوع، وتلك هي الوحدة الموضوعية التي التزمها الشاعر في أغراضه الأدبية. والألفاظ والأساليب جاءت هنا جزلة قوية عذبة، والتراكيب محكمة قوية رصينة، وأما الخيال كان عميقًا، وما زالت الحيثيات العقلية تستحوذ على شعره مثل لفظ "حيث" ليس من حقل الشعر، وإنما هو من ألفاظ العقل والأسلوب العلمي لا الأدبي. ثالثًا: الشعر الإسلامي وخصائصه الفنية: تناول العقيلي هذا الغرض الأدبي تحت عنوان "عربيات"، ويشتمل على قصائد هي: قصيدة "هزوا اللواء ص٧٥"، وقصيدة "تحية الأقطاب الكبار ص٧٩"، وقصيدة "يوم الجزائر في جيزان ص٨٢"، بمناسبة استقلال الجزائر، يقول العقيلي في "تحية الأقطاب الكبار" بمناسبة الاجتماع التاريخي في جدة عام ١٣٧٤هـ لأقطاب العالم العربي الكبار١: روعة الفتح وشاع الجلال ... قد أعادوها على أسمى مثال ورنا التاريخ في ذروته ... ساطعًا والشرق وهاج الخلال وخطا خطوة جبار إلى ... ساحة العز وأجواء الكمال هتفت أصواته قاصفة ... تملأ الدنيا بأمجاد الفعال أي روح أيقظوها فسمت ... تلهب الشرق حماسًا واشتعال نفثوا في كل صقع قوة ... للكفاح الحر في دنيا النضال فأقضوا مضجع البغي على ... قدم العهد وإفساح المجال في الجنوب الحر في الأردن في ال ... مغرب الأقصى وفي سوح القتال لم يفق من عشية الهول على ... صفعة إلا وأخرى في القذال خطط محكمة التدبير في ... سرعة التنفيذ من جد النضال

стр. 137

إلى قوله: حيوا أقطابًا كبارًا وثبوا ... وثبة عظمى إلى أسمى مجال دعموا الوحدة من أساسها ... وبنوا صرح العلا سامي المثال في اجتماع وجف الغرب له ... واحتفى العرب به أي احتفال أطلع الشرق بهم في أفقه ... فيض أضواء شموس وجلال سادة من أعظم القادة في ... منهج الرأي وميدان القتال ينضح الإخلاص من أعطافهم ... عبق المجد ولألاء الخصال نذروا الأنفس للذود عن الوطن ... الأكبر أرواحًا ومال وبناء الوحدة الكبرى على ... كرم الأهداف لا حلف الضلال مستمدين على إخلاصهم ... ناصع التاريخ في أزكى الخلال إنها التهيئة العظمى لمن ... يثبت الذات على أسنى مثال وبناء لوجود صادق ... في صراع الكون إن جد النضال وانتفاضات حياة حرة ... وارتعاشات بها التاريخ صال هزت الأمة من أطرافها ... هزة البعث لأجيال طوال إلى قوله: شهدت مكة في ساحاتها ... موكب القادة يسمو في اختيال تخفق الأعلام نشوة عزة ... وتميد الأرض فخرا والجبال الشموس الغر من يعرب قد ... سطعت في مكة ذات الجلال الأبيات كلها تدور حول الغرض منها وهو وحدة الأمة الإسلامية في كفاحها ضد أعدائها، فأقضوا مضاجع البغاة وارتجف الغرب، في تصوير أدبي يقوم على ألفاظ جزلة وكلمات فخمة، وأسلوب قوي، أحكم صنعته، وعاطفة صادقة مشبوبة، ومشاعر حية نابضة، لكن لا أدري كيف ينضح الإخلاص من الأعطاف؟ أما الموسيقى الشعرية في القصيدة فلا تتناسب مع الحماسة في الغرض، الذي يقوم على حفز همم القادة والأمة العربية ضد الغرب أعداء الإسلام والعربية، وهذه الحماسة تقتضي بحرًا كثير التفاعيل، وقد كان هذا على نحو ما، لكن الذي لم يكن الإيقاع المناسب للغرض، فالحماسة تقتضي إيقاعًا عنيفًا يعصف بالحمم، وموسيقى داخلية ثائرة تتفجر بركانًا ملتهبًا، والعنف والعاصفة، والثورة والبركان تتنافى مع كثرة حروف اللين والمدات في داخل الأبيات، التي تحدث رخاوة وهدوءًا وبطأً وامتدادًا، انظر إلى حروف اللين في البيت في أصواتها الرخية التي تحتاج إلى نفس طويل لا أنفاس حماسية متتابعة مما يجعل اللسان يتعثر في النطق بهما بما لا

стр. 138

يتناسب مع السرعة في الحماسة فمثلًا في البيت الأول فيه: "شاع الجلال - أعادوها على - أسمى - مثال" ثماني مدات في بيت واحد، وفي البيت الثاني "رنا - التاريخ - في - ساطعًا- وهاج - الخلال" سبع مدات بالإضافة إلى تعثر اللسان بشدتين في التاريخ وفي وهاج، مما يزيد التثاقل والبطء، وهكذا في كل الأبيات حتي نهاية القصيدة، وكان الأولى بالشاعر تبعًا للحماسة أن يستبدل كلمات يحلّ السكون فيها محل حروف اللين، وكلاهما واحد في مقياس التفعيلة والوزن، ولكنهما مختلفان في الإيقاع المناسب للغرض، فاللين يتناسب مع الأغراض التي تحتاج إلى تأمل وطول نقص كالرثاء والاعتذار وشعر الوجدان، أما التسكين لما فيه من القطع والعنف لا الرخاوة والامتداد يتناسب مع الحماسة والمدح والفخر، وأغراض القوة كلها. وكذلك كان الأمر في القافية، فقد أخلَّ حرف اللين مما ينبغي أن يكون في الحماسة من القوة والدفقة العنيفة التي لا تتأتى من حرف اللين في القافية، وإنما يوحي بها السكون الذي يجزم الأصوات ولا يمط فيه، وإذا أعدنا النظر إلى القافية كلها لكان الأمر كذلك مثل "مثال - الخلال - الكمال - ... إلخ". رابعًا: شعر الحضارة وخصائصه الفنية: وجاء هذا الغرض في الديوان تحت عنوان "في الحضارة" واشتمل على قصائد، منها قصيدة "برسي شيلي ص٨٩"، وهو من أشهر شعراء الإنجليز "١٧٩٢، ١٨٢٢م ومن دواوينه "أدونيس"، ومن أشهر كتبه "ثورة الإسلام" ومطلعها١: روح على الفن من إشعاعه ألق ... يلوح في ومضات الفكر يأتلق وشعلة من ذكاء ظل يلهبها ... قلب غدا بأوار الحب يحترق وقصيدة "قمة افرست ص٩٢" بمناسبة اكتشاف القمة الخالدة، وقصيدة "القنبلة الذرية "ومطلعها٢: صدى نبأ قد رددته الجوانب ... وسر اكتشاف حققته التجارب أصاخت له الأفلاك والدهر واجف ... وحازت له الأفكار والكون واجب به رجحت للسلم في الكون كفة ... وأدرك أسمى غاية النصر غالب قوى طاقة الذر الذي في اكتشافها ... تحقق من أسمى المطامح جانب قوي لو بها راموا البناء أحدثت ... أمورًا تعم الكون منها الغرائب

стр. 139

قوي من شعاع لا تقاس إذا بدت ... تزلزل من شم الجبال المناكب إذا فجروها غيم الجو فجأة ... وسح رذاذ يغمر الأرض ساكب وأظلم قرص الشمس وامتقع الضحى ... وذاب الثرى قد صهرته الكهارب ودوي انفجار ترجف الأرض رهبة ... وترتج منه الشهب والنجم ذائب أمن "ذرة" لا تبصر العين جرمها ... ولا لمستها في الأكف الرواجب هباء من الأجرام طار مفرقًا ... كما طار في أفق الفضاء الجنادب تئول قوى حصاده أنفس الورى ... ويمسي بها العمران وهو خرائب تضاءل عنها الكهرباء وسرها ... وموجب تياراتها والسوالب إلى قوله: أفي العدل أم في العرف أم أي شرعة ... من الشرع قد قامت عليها المذاهب ترى يستجار الظلم في حق أمة ... مسالمة أخنت عليها النوائب ويقضي على حق الليوث بذلة ... لتحيى على أوطانهن الثعالب ومن شعر الحضارة قصيدة "باكستان ص٩٨" قالها العقيلي حين زار الملك فيصل باكستان عام ١٣٨٨هـ، ومنها قصيدة "ديجول ص١٠١" الرئيس الفرنسي في ذي الحجة عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "الحية" للشاعر الإنجليزي "رسكن" عام ١٣٨٨هـ. ومن خصائص شعر الحضارة عند العقيلي أنَّ موضوعاته متنوعة، فتارة يصور في شعره العربي أدب الحضارة والرقي في انجلترا، وحضارة الإسلام التي فرضت وجودها كحقيقة مقررة على أعداء الإسلام، وذلك في قصيدته "برسي شيلي" الشاعر الإنجليزي الفذّ الذي سجَّل حضارة الإسلام في كتابة "ثورة الإسلام"، وهذا يدل على سعة ثقافة شاعرنا العقيلي. وكذلك الأمر بالنسبة للشاعر الإنجليزي "رسكن". وتارة يصور في شعره الحضارة المادية العلمية في عصر التقدم الذري، وذلك في قصيدته "القنبلة الذرية"، فيرى أنها ستكون من دوافع السلم لا الحرب، بل ينبغي أن تستخدم الطاقة الذرية في تقدم الأمم وحضارتها لا في دمار الحرب والقضاء على التقدم البشري؛ لأنها في ذاتها تقدم علمي حضاري، فكيف تستخدم في التدمير والإرهاب. وتارة يصور في شعره حضارة الإسلام في باكستان التي أوجبت على زعماء الأمة الإسلامية أن يتعاونوا ويقفوا صفًّا واحدًا ضد أعدائهم، وهذه الروح الوثابة تبدو في أسمى مظاهرها حين التقى الملك فيصل -رحمه الله تعالى- بالأمة الإسلامية في باكستان؛ ليوثق هذه الروابط الإسلامية العالمية، وذلك في قصيدة "باكستان". وتارة يصور في شعره الحضارة الغربية البناءة في شخصية زعيم من زعمائها "ديجول" الرئيس الفرنسي الذي أعلن شعار الإسلام في هذا العصر، فقد انتهى عصر الحروب

стр. 140

والاستعمار والظلم والاستبداد بالشعوب الضعيفة، والإنسان اليوم في أشد الحاجة إلى بناء الحياة على أساس والتقدم والرفاهية وترسيخ الحضارة العلمية التي تسمو بالأمم، وتحقق للإنسان حريته واستقراره، وترفرف عليه السعادة والرفاهية، وذلك في قصيدة "ديجول" الذي أنشدها العقيلي في ذي الحجة عام ١٣٨٨هـ. وتلك التجارب الشعرية تدل على سعة ثقافة الشاعر العقيلي واهتمامه بقضايا الإنسان بصفة عامة، ومواكبة الحضارة والرقي البشري في أي موقع من مواقع الإنسان في العالم، والدقة في اختيار الموضوعات تدل على ذكاء الشاعر وعمقه، وإدراكه الواعي والدقيق للقضايا التي تنبني عليها حضارة الإنسان في العصر الحديث. والتصوير الأدبي في شعر الحضارة جديد في صوره الخيالية البديعة من حيث المضمون وخصوبة الخيال وروعته، فالقنبلة الذرية اكتشاف علمي جديد يقتضي من الشاعر خيالًا واسعًا وخصبًا عميقًا، يستمد التصوير الأدبي روافده القوية من خصوبته وعمقه. والإيقاع الموسيقي هنا يتلاءم مع الغرض، فكان رافدًا قويًّا من روافد الإبداع في التصوير الأدبي، وقوة الإيقاع في القصيدة ترجع إلى تناسب حروف اللين الكثيرة مع التروي والتأمل وطول النظر في مجال العلم وساحة البحث والفكر. وقد يصور الشاعر الحضارة العربية في الوطن السعودي من خلال التقدم في الفكر والعلم في هذا البلد الأمين، وذلك حينما يمدح رائدًا من رواد الفكر والعلم والأدب والنقد، وهو الأستاذ حمد الجاسر، يصور ذلك كله في قصيدته "يا ومضة الفكر" يهديها إلى علامة الجزيرة حمد الجاسر في ٢٤/ ٧/ ١٣٩٠ هـ١ ومطلعها: يا قمة شامخة في الذري ... وكوكبًا بين مسار الخلود وومضة للفكر وهاجة ... تضيء في العصر ضياء البدور وفيض علم زاخر دافق ... مستفحل التيار طامي المدود شموخك البكر سنا روعة ... علوية من نجوات الحدود يا قلمًا كالبراق في ومضة ... ورعشة النجم وسحر المساء كالجدول المنساب في رقة ... وكالأعاصر وعصف الهواء يعطر الضاد بأمجاده ... في العلم والبحث وكشف الخفاء يستنطق الآثار مستلهمًا ... روائع التاريخ فيها مضاء

стр. 141

إلى قوله: من رادة العلم ورواده ... ومن حداة العلم في كل ناد من معشر حياتهم منجم ... ثر يمد الفكر منه امتداد تراث علم خالد في الورى ... وإرث فن نوره في اتقاد ونبع خير وجمال سمت ... بها نفوس وتعالت بلاد إليك أستاذي صدى نغمة ... من قمم الإلهام تستنطق من يشق سامي الرؤى والهوى ... لنفحها الأرواح تستنشق تبقى على الآماد في نضرة ... يشع من لألائها رونق قد رسمت لكم فيها سيرة ... وضيئة أو خلق مشرق وتقوم هذه القصيدة في قالبها الموسيقي على نظام المقطعات وهو خروج محافظ. خامسًا: شعر الوجدان وخصائصه الفنية تناول العقيلي هذا الغرض في ديوانه تحت عنوان "الغزليات"، وتشمل قصيدة "الغرام الأول ص١٠٩"، وهي أول قصيدة للشاعر في عام ١٣٥٩ هـ، وقصيدة "نظرة في الغسق ص١١١" في عام ١٣٦٠هـ، وقصيدة "كنت يا دار ص١١٢"، وقصيدة "على ضفاف فوار انطلياس ص١١٥" أنشدها العقيلي في لبنان وهو يعالج، وكان في صحبته صديقه الأستاذ حمد الجاسر، وقصيدة "الباخرة العربية كليوباترا ص١١٨". يقول العقيلي في "كنت يا دار" حين مر على دار غرامه الأول فشجاه دثورها، فأنشدها وأهداها إلى السيد محمد عقيل بن أحمد ومطلعها١: كنت يا دار على الرغم البلى هيكل الحب ومحراب الهوى حرما للحسن قد شع على ساحة الطهر وقد حام السنا

стр. 142

طالما رفت قلوب وهفت مهج صوبك في جنح الظلام حومت خفاقة تمنعها هيبة الوجد ويدنيها الغرام كان مصباحك قلبًا نابضًا وشعاعًا في الدياجي يهتف فإذا لألأ في أفق الدجى دنت الأرواح منه تلهف تتملاك لحاظ عربدت تحتسي حسنك سكرى لا تفيق غرقت في نشوة الحب وقد طاف جام الحسن يطفو بالرحيق فلك أنت لشمس أفلت طالما شعت على تلك الخدور حجب الموت سناها فهوت وكذا تغرب في الأفق البدور هكذا وردت القصيدة في الديوان مقطعة الأبيات إلى شطرات كل مقطعة بيتان منثورة في أربع شطرات، والمقطع متحد القافية ومختلف فيها مع بقية المقطعات الأخرى، وهذا أقصى ما يخرج فيه الشاعر على القالب الموسيقي العمودي، وخروجه في القافية لا في الوزن والبحر حيث التزمه في شعره كله، وتخيل أن الشاعر بهذا التفتيت للأبيات والتمزق فيها أن يضفي على المقطعات هيلمانًا أكبر؛ ليكون المقطع في أربعة أسطر لا في بيتين على سطرين، ولا أظنّ أن الشاعر يريد أن ينهج طريق شعراء التفعيلة في اكتناز المسافة في السطور والأطناب من غير داع في كثرتها؛ لأن الشاعر معتد بمدرسته المحافظة على شكل القصيدة ومنهجها الموسيقي. والتصوير الأدبي في القصيدة بناء فني قوي يستمد قوته من العاطفة المشبوبة، والمشاعر العميقة المتدفقة، والألفاظ الرقيقة العذبة، والأسلوب السهل المنساب، والخيال القوي الخصب، والموسيقى الممتعة الجذابة. فالدار الدثورة لا زالت هيكل الحب ومحراب الهوى وحمى

стр. 143

للحسن، وساحة للطهر، ترف حولها القلوب خفاقة يؤججها الشوق، ويمنعها هيبة الوجد، مصباحها قلب نابض يهتف شعاعها بالحياة فتستجيب لها الأرواح في لهفة وشوق، تعود إلى الماضي والذكريات، وإذا بالحقيقة ضاعت بين الدثور، والغرام قد انطوى في الغيوب، واختفى في الحذور، وهكذا الشأن في البدور حينما يلفها الأفق وراء الغروب. .. صور خيالية رائعة تعد أروع الصور في شعر العقيلي ... حيوية وحركة وقوة وتأثيرًا. وهكذا يمضي الشاعر في الشعر الوجداني، وهو من أقوى الأغراض الأدبية في ديوان الشاعر من حيث التجربة الشعورية الصادقة والعاطفة المشبوبة والمشاعر الحارة المتدفقة، والروعة في التصوير الأدبي وخصوبة الخيال، في صوره الأدبية النابضة البديعة. سادسًا: الوصف وخصائصه الفنية وجاء هذا الغرض بعنوان "الوصف"، واشتمل على قصيدتين الأولى قصيدة "كماج النحل ص١٣٩" والثانية قصيدة "قلم ص١٤٠ " ومطلعها١: هنا قلم شخت الشباه نحيل ... به الفن يسمو والبيان يصول ترشف أضواء الكواكب وانثنى ... يداعب ومض البرق وهو صقيل يحوم بآفاق الخيال محلقًا ... ويمرح في دنيا الهوى ويقيل ويدع في تصوير ألوان شعره ... ظلالًا وأضواء تكاد تجول خطوط من الإلهام في الشعر صورت ... عواطف تسمو بالحجا وميول لها من جلال الفن ما يبهر النهى ... جلالًا ومن زهو الحياة دليل لها روعة الليل البهيم إذا دجى ... ومن بهجة الصبح المبين شكول وهكذا إلى آخر القصيدة يصوّر فيها القلم يصف شكله ودروه في جودة الخط وجمال التصوير، وما يصول فيه العلم والبيان الذي تبدد أنواره ظلام الجهل مثل الكواكب التي تبدد الظلام، وومض البرق وسط الغيوم، كما يخلق مع الخيال ويسجل أحاديث الهوى وشجون المحبين، ويديح الشعر ألوانًا وظلالًا، فيسير بين الناس ينقل إليهم عواطف الشعراء وخواطرهم وميولهم، فيأخذ بالعقول ويستولي على القلوب بجلاله وسحر فنه، ويبث الروعة في الليل البهيم، وينشر البهجة في الصبح المنير، وغير ذلك من معاني القصيدة وأفكارها العميقة في صور أدبية رائعة وخيال عميق، وألفاظ عذبة رقيقة، وأسلوب واضح محكم لا قلق فيه ولا اضطراب، يلتزم فيه بخصائص مدرسة التجديد المحافظ على منهج القصيدة العربية القديمة.

стр. 144

سابعًا: الأناشيد: ويشمل هذا الغرض نشيدين: أحدهما "نشيد المملكة العربية السعودية ص١٤٣"، وثانيهما نشيد "أبناء الجزيرة العربية ص١٤٥" ومطلعه١: نحن أبناء الجزيرة أمجد الأحياء في التاريخ سيره نحن نسمو للمعالي نحن نسعى للصلاح نحن أصل العرب في كل البلاد زاننا صفوة خلق الله من بين العباد إنه سامي الفعال خير داع للفلاح وهكذا إلى آخر النشيد في خفة وزن وحلاوة أسلوب وشرف المعنى وسمو الهدف، وجمال التصوير، ليدل على أن العقيلي يستطيع بملكته الشعرية أن يتناول كل الأغراض في شعره، يتناول القصيد، والمقطوعات الغنائية الخفيفة مع فصاحتها وسلامة الأعراب فيها.

стр. 145

الفصل الرابع: الشاعر زاهر عواض الألمعي نشأة الشاعر وحياته: هو الشاعر الدكتور زاهر عواض الألمعي، من مدينة رجال ألمع في الجنوب، ولد عام "١٣٥٣هـ". وفي مقتبل شبابه انخرط جنديا في سلك الخدمة العسكرية "بجازان" عام "١٣٧١هـ"، ومن خلال عمله كان يواصل دراسته عند بعض المشايخ في جازان، وخاصة بعد فراغه من العمل اليومي. وفي عام "١٣٧٦هـ" استقال من الجندية ليلتحق بمعهد "شقراء العلمي" ليكون طالبًا في عام "١٣٧٧هـ". وبعد أن استكمل دراسته في المعهد العلمي التحق بكلية "العلوم الشرعية" بالرياض. وحينما تخرج من الكلية انتدب للتدريس "بمعهد أبها العلمي" في عام "١٣٨٩هـ"، ثم ارتقى مديرًا "لمعهد نجران العلمي" في عام ١٣٨٥هـ". وفي زحام الحياة والعمل حصل على "الليسانس" من "كلية الشريعة" بالرياض في عام "١٣٨٦هـ" ثم "الماجستير" من كلية "أصول الدين" بجامعة الأزهر في عام "١٣٨٩هـ". وبعد حصوله على "الماجستير" عُيِّنَ أستاذًا بكلية "العلوم الشرعية" خلال عامي "٩١-١٣٩٢هـ"، وفي أثناء ذلك حصل على درجة "الدكتوراة" من كلية "أصول الدين" جامعة الأزهر. وبعد حصوله على "الدكتوراة" تقلّد منصب العمادة لشئون المكتبات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. والشاعر زاهر له مؤلفات مطبوعة ومخطوطة، منها: كتاب "مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش"، "مداخل الأصول الفقهية"، "أصحاب الأخدود"، "مناهج الجدل في القرآن الكريم"١.
следующие страницы →