← Адаб

Адаб · id 22860

المذاهب الأدبية في الشعر الحديث لجنوب المملكة العربية السعودية

علي علي صبح

Полный текст (312 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٤- فتنة الحبيب تقربه إليها، فيزداد وجدًا على وجد، إلَّا أن صوتها الإنساني يوقظه إلى ما يجب عليه من حقوق الحب الطاهر، فيعود ثانية إلى لهيب الوجدان، ليناجيها بالبخل على كبد ذاب حبًّا، ونفس انهارت وجدًا، فرؤيتها نعيم، لكنه يترك وهنًا في الجسد، وحيرة في العقل، وعينًا تسبح في الدموع، وتذهب في الغيوم، وأصبح من الحيرة في حياة استوى فيها الظلام والنور، والماء والنار. ٥- لا تجد في القصيدة لفظًا فاحشًا، ولا عبارة بذيئة، ولا تصويرًا وضيعًا، ولا شهرة محرمة، ولا نزوة حيوانية، وإنما غاية عنده وجدان يغلي وشعور فياض، وتأمل وحيرة، وسياج من التشريع والخلق يمنعه إلّا بحقه، ولا عيب في حب الشاعر، فهذا أمر فطري، ولكن العيب والأسى في اتخاذ الحب طريقًًا لا يرضى عنه صاحبه، ولا ترضاه القيم الفاضلة، ويخضع له معذبًا تائهًا على وجه الأرض. وترى السنوسي إذا أسرف على نفسه في الغزل يكون محتفظًا في تصويره، يقول في"حسناء الريف": ريفية تهتز أعطافها ... خصوبة من مرح وارتياح ترعرعت بين ظلال الربى ... ونسمة الوادي وعزف الرياح تحية مني إلى "غادة" ... هيفاء لفاء كعاب رداح في الشمس والظل نمت واستوت ... فهي مثال للجمال الصراح تختال من دل ومن صبوة ... في حسنها النشوان من غير راحل لا ما رأت عيني على ما رأت ... من الحسان الرائعات الصباح مثلًا لها في حسنها غادة ... باح لها الحسن بما لا يباح عينان ما عين المها والظبا ... وقامة ما البان؟ ماذا الرماح؟ وغرة من غير "تسريحة" ... تربع السحر بها واستراح١ وهذه القصيدة هي الفريدة من نوعها في شعر السنوسي، قصدت ذكرها حتى لا أترك احتمالًا من بعدي، وقد اجتمع فيها من التصوير الحسي للمرأة ما لم يجتمع في غيرها من شعره الوجداني، ومع ذلك تجد أن التصوير فيها لا يعدو منهج الشاعر في غزله من التحفظ وطرح الفحش والابتذال المعروف في شعر الغزل الماجن، وعلى سبيل المثال: فاهتزاز الأعطاف لا الردف، وخصوبتها لا عن مجون وخلاعة وفحش، بل عن طبيعة أصيلة نشأت عليها،

стр. 72

وتكونت من النعيم والوفرة والسخاء، فقد عاشت في بيئة مترعة معشوشبة، غنية بالزروع والأشجار والثمار، تداعبها نسمة الوادي بأوتار الرياح، وهي تروح وتغدو بين أشعة الشمس ودفئها، وبين حنان الظلال ورقته، وتزهو بسحرها في دلال النساء، وصبوة الحسن، ونشوة الجمال، لا نشوة الخمر، ولا دلال الراح، وتضاءلت عيون المها والظبا أمام جمال عينيها، وجفَّ غصن البان عند قدِّها الطري، وتصلب الرماح بجوار خصوبة قامتها، وأما وجهها فلا يحتاج إلى صناعة النساء اليوم من التسريحات والتشكيلات؛ لأن السحر قد أقام عندها واستراح. هذه الأوصاف التي تصور جمال المرأة يستغني عنها الشاعر، وإنما الذي أسف فيه شعراء المجون أنهم صوروا نزواتهم وأبرزوا شهواتهم عند كل وصف، وشاعرنا السنوسي ليس من هؤلاء الشعراء، بل ترفع في غزله وخلقه عن ذلك، ولهذا أطلقت على شعره في الغزل شعر الوجدان والتأمل. ولهذا كان الشعر الوجداني والتأملي لا يشمل الغزل وحده، ولكن قد يصور فيه الشاعر تأملاته في الحياة، كما في قصيدته "أمامك الدنيا" يقول١: أمامك الدنيا ترهق القلب والعقلا ... فيا خاطري رفقًا وناظري مهلا تحير فيها المصلحون وأعجزت ... نهى الفيلسوف الفذ والشاعر الفحلا طلاسم تعيي الفكر فهمًا فينحني ... خضوعا لها مهما تكبر واستعلى يعيش بها الإنسان طفلًا وإن بدا ... لعينيه كهلًا ثم يتركها طفلا إلى قوله: ولذ بحِمَى الإيمان وارض بما قضى ... به الله واعلم أن حكمته أعلى فللدين فضل في الحياة لأنها ... بغير الهدى تغدو جحيمًا به نصلى وثق أن من أعطى الحياة جمالها ... وأقواتها لم يهمل الدود والنملا ومثل قصيدة "الموج والشاطئ"، وقصيدة "لمع السراب" التي يقول فيها: أرح عينيك من لمع السراب ... وقلبك من أمانيه العذاب وعد عن قشور وإن تراءت ... رقاقًا في الضباب وفي السحاب فقد فاض الطلاء على حياة ... تفيض بها الكئوس بلا شراب يضوع عبيرها من غير عطر ... وتزخر كالبحور بلا عباب وتزهو بالرياض بلا زهور ... وتزهو بالثمار بلا لباب

стр. 73

يشيب شبابها من غير شيب ... ويبدو شيبها مثل الشباب تتيه بها الجسوم بلا علوم ... وتفتخر الفهوم بلا كتاب مموهة تروق العين حسنًا ... خضاب في خضاب في خضاب فقد صيغ السراب حياة عصر ... مخضبة الأظافر والإهاب وصرت أشك حتى في مياه ... أخوض بها ولو بلت ثياب١ ثالثًا: شعر الطبيعة تعاطف السنوسي مع مفاتن الطبيعة ومظاهر الحياة الجذابة في إبداع أدبي، وموهبة شعرية صافية، وقريحة وقادة، وعاطفة مشبوبة بالمدينة التي نشأ فيها لا ينساها، بل تؤجج ذكراها شاعريته من حين لآخر، فمرة يناجيها، وثانية يتعاطف مع جبل "فيفاء" فيها، وثالثة يغني له، ويغرد به، ويعزف بأوتارها لحن الخلود، في شعره الخالد، لتظل القرية وجبل فيفاء وأغانيها مشدودة بالأرض، بل تسمو خالدة في أسماع الزمان، ويصير لحنًا يعزف، ووترًا يضرب في كل قرية وجبل، وأغنية حبيبة إلى نفس عاشقها، وحصاد أرضها ومائها ونبتها هو شعر السنوسي الذي يتفجر عن تجربة ذاتية للشاعر. فأما القصائد التي جاءت في ديوان "القلائد" منها "اللحن السجين ص٧٢-٧٥"، وقصيدة "شذى الرياض ص٧٦-٨١"، وقصيدة "موكب السحاب" في سماء تهامة وخاصة أيام فصل الربيع يقول: منها: هب والأفق ديمة وغمامة ... وجبين السماء بادي الجهامة إلى قوله: عيلم تسبح الكواكب فيه ... وتشق الدجى به عوامه ضربته الرياح فاستقبل الأرض ... حثيثًا يبثها آلامه ثائر والسكون يضفي على الكون ... جلالًا والليل يرعى نيامه جل الأرض والسماء واعيًا ... صائل الرعد أن يدك ركامه غدق أيقظ الحياة على الأرض ... وأحيا من الوجود رمامه سال عبر الفضاء ذوب لجين ... واستفاضت به البطاح مدامه وجرى في الشعاب تبرًا مذابا ... وسجى عسجدًا وفاض رخامه دوحة عند جدول وغدير ... عند عشب وظبية وبشامه ومروج تهدلت تملأ الوادي ... وتستوقف النسيم سلامه

стр. 74

سطعت في ظلالها لمع الشمس ... ورقت بها دموع الغمامة ومشت حولها المها تقطف الزهر ... وتحسو الندى وترعى الخزامة وشدا في الفروع صادح أيك ... جاوبت لحنه الرقيق حمامه١ وقصيدة "ساعة في الريف ص١٥٨-١٦٢"، وقصيدة "ليلة الرابية ص١٧٠-١٧٢"، وقصيدة "الجنوب الخصيب" منها: ويا وطني وأنت ولا أغالي ... نجي الشعر شطآنًا وغابا قرأت على شواطئك القوافي ... محبرة تفيض بها عبابا خضمًا تغرف الأمواج منه ... صدى حلوًا وأنغامًا عذابا تنام على جوانبه الرابي ... معطرة مخدرة كعابا وتغضو فوق ضفته الرواسي ... نواهد عز خاطبها وغابا تضم صدورها أغلى الأماني ... وأحلالها وأكرمها رغابا عذاري لم يفض لهن ختم ... ولا كشف النقاب لها نقابا فهل لي أن أراك وقد تجلت ... بك الأحلام رائعة عجابا٢ وأما في ديوان "الأغاريد" فقد ضمَّ قصائد هي: قصيدة "عودة إلى الطبيعة ص٢٢-٢٥"، وقصيدة "جبل فيفاء ص٢٦-٣٠"، وقصيدة "حديث من الظهران ص٦٥-٦٨"، وقصيدة "أغنية فيفاء ص٧٩- ٨١"، وقصيدة "يا ربيع الحياة ص٨٢-٨٥". وأما ديوان "أزاهير" فذكر السنوسي فيه قصيدة "جازان أغنية ص٣٠-٣١"، وقصيدة "شمعة على الطريق ص٣٢-٣٤"، وقصيدة "عرس الفجر ص٤١-٤٣"، وقصيدة "تحية إلى أبها ص٧٤-٧٦". وأما ديوان "الينابيع" فاشتمل على قصيدة "الليل والريف ص٩٠"، وأخيرا ديوان "نفحات الجنوب" يضم قصيدة "نفحة الياسمين ص٦٢-٦٤"، ومنها: عرفتك يا نفحة الياسمين ... كما يعرف العطر جاني الزهر فأجبت فيك جلاء الحياء ... وعز الإباء وطهر الخفر وأكبرت فيك ضياء النهى ... ولمع الذكاء وصفو الفكر

стр. 75

أشاعرة أنت واستضحكت ... وغرد أغن أغر ثملت بألحانه الحالمات ... ورفرفت كالطير بين الشجر يرقرقه نغمًا صافيا ... شهي الحلاوة عذب الشجر١ وقصيدة "لؤلؤة الخليج ص١١٢-١١٩"، ألقاها الشاعر في قاعة المحاضرات بالمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون بدولة البحرين الشقيقة، وذلك في الأمسية الشعرية التي أقامها المجلس تكريمًا لأعضاء الوفد الأدبي السعودي، أثناء زيارته لدول الخليج، وكان الشاعر أحد أعضاء الوفد، وهم "الأساتذ أحمد فرح العقيلان، المستشار الثقافي بالرئاسة العامة لرعاية الشباب، والأستاذ الشاعر حسن عبد الله القرشي، السفير بوزارة الخارجية، والأستاذ الشاعر محمد علي السنوسي رئيس النادي الثقافي بجيزان، والأستاذ الشاعر الباحث والمحقق أبو عبد الرحمن بن عقل الظاهري، رئيس نادي الرياض الأدبي، والأستاذ محمد هاشم رشيد، عضو النادي الأدبي بالمدينة المنورة، والأستاذ الأديب حمد القاضي، مدير تحرير مجلة "المجلة العربية "يقول فيها: ما بين كاظمية وبين زرود ... والمنذر العملاق والجارود أطرقت أصغي للخليج تهزه ... نغمات طرفة وارتجاز لبيد والبحر تلثمه الرياح فينثني ... باللؤلؤ المنثور والمنضود والمسك من دارين معطار الشذى ... يهفو النسيم به ونفح العود والسفن تمخر والضفاف يزينها ... عزف القيان وزعردات الغيد إلى قوله: يجري العباب بها فتجري حفلًا ... بالدر بين فريدة وفريد تهدي إلى التيجان كل يتيمة ... ملء العيون سنا كل مجيد أيام كان الدر سلعة تاجر ... وركاز سلطان وذخر عميد حر الأصول كريمة أعراقه ... صان من التصنيع والتقليد يحظى بتقدير الملوك وعزهم ... ويصان من عبث ومن تبديد٢ وقصيدة "أبو ظبى" ألقاها الشاعر في قاعة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بدولة الإمارات العربية المتحدة "بأبي ظبي" في ٢٣ / ٧/ ١٣٩٩"هـ ويقول: منها:

стр. 76

رفقًا بقلبك من ظباء "أبو ظبي" ... فالسحر في تلك المحاجر مختبي وحذار من تلك العيون فإنها ... لتعيد قلب الشيخ يخفق كالصبي يا حلوة العينين حسبي من هوى ... عينيك تسهيدي فغني واطربي صحراؤنا العذراء لا ينمو بها ... إلا الهوى العذري والحسن الأبي١ ودائمًا تغريه الطبيعة لأنه أحبها، وتلوح له بالمشاركة لأنه امتزج بها، وتهمس إليه بأسرارها فيفض بها في شعره، وتحنو عليه فتلتهب عاطفته، وتشرق له بابتسامتها وزورعها وأزهارها وثمارها فيخلدها في شعره، لأنها تستحق الخلود، فهي تعطي وتنشر الرخاء ولا تضمر كيدًا ولا أذى لأحد؛ لأنها مسرح الجمال، وموطن المتعة والانهيار، كيف تكون؟ والشاعر على أرضها قطع عمره فلم تبتئس وتقصر عن أداء واجبها، وتفجرت أحشاؤها بالعطاء الجزيل لينعم الإنسان عليها فهي جديرة بالحب من الإنسان، وحرية بالمشاركة والتعاطف والحنين، وفي النهاية نحن البشر منها وإليها ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ، والقرآن أعطى صورها بأنها كائن حي يعطي كعطاء الإنسان، وتضن حين تبخل السماء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ٣. وكثيرًا ما يعود السنوسي إلى الطبيعة، وفي "عودة إلى الطبيعة" يقول: قريتي قريتي الوديعة يا عش ... ويا مقر جناحي طبع الله حبك العذب في قلبي ... ولم يمحه سوى الله ماحي يا ربي لج بي هواها فما ينفك ... نشوان من هوى ملحاح كم ترشفت من جمال لياليك ... فتونًا من الصبا والمراح وتنشقت من حلال مجاليك ... فنونًا من الشذى الفواح في الدجى والنجوم تغزل أحلام ... العذاري على صدور البطاح والضحى والغيوم ترسم في الوادي ... طلالًا ندية الأرواح والنسيم النشوان يحتضن الزهر ... رفيقًا كطيبة الفلاح الذي قلبه أرق من الطل ... وأصفى من الزلال القراح والذي يزرع الحقول بذورا ... وزهورًا بهمة وكفاح والذي يملأ القلوب شعورًا ... بجمال الطبيعة الممراح

стр. 77

إلى قوله: قريتي قريتي الوديعة يا عرش ... فؤادي ويا مقر جناحي كلما ضمني دجاك ورقت ... نفحات الصبا على الأدواح وانتشى الكون بالعبير وراح ... السيل يختال في السهول الفساح يغمر الأرض بالنعيم غزيرًا ... ويهز القلوب بالأفراح نعمت روحي الكئيبة بالصفو ... وصحت من الأسى والجراح١ وهكذا إلى آخر القصيدة في طبيعة هادئة وديعة، يحتضن القلب بدفئها وحنانها ويستقر الإنسان ويسعد في أحشائها؛ لأن الله فطر القلب على محبتها، فلن يتزحزح من موطنه مهما عصفت العواصف، فمن رحيق الليالي يرتشف الجمال من الصبا والمراح فتونًا وألوانًا، ويستنشق من الحدائق الطيب الفواح والنشر الشذي، وفي الليل تجسم النجوم أحلام العذاري حقائق الخير على وجه الأرض، والضحى والغيوم ترسم ظلالًا ساحرة بالندى الفواح، والنسيم رقيق طيب كرقة الفلاح، فالطبيعة عنده هي المعلمة والقدوة تعلمه الرقة وتطبع فيه الصفاء، فالرقة ارتشفها من الزهر ومن الطل، والصفاء انساب فيه من الماء العذب الزلال، تجاوب بين الانسان وبين الطبيعة، فيهتز الكون طربًا بالعبير، ويتدفق السيل يختال في السهول وتنغمز الأرض بالنعيم، وتهتز القلوب بالأفراح والسرور. تلك هي خصائص الفن الرفيع في شعر الطبيعة الساحرة، التي أحبها الشاعر وأحبته، وتعاطف معها وتعاطف معه، وهام بها فألهمته أسرارها، وأنس إليها ففاضت عليه من خيراتها، فبادلها من شعوره شعرًا خالدًا لتبقى خالدة ما دامت الحياة. والسنوسي يعشق وطنه، الذي نشأ فيه وترعرع، فيتغنى بسهوله وجباله، وحواضره وبواديه، فيشدو بمدينة جازان ويقول: جيزان يا درة الجنوب ... الباسم الناعم الخصيب لكل قلب اليك شوق ... مضمح من هوى وطيب وأنت في روعة المجالي ... وسحرها الفاتن اللعوب عروسة الشعر والأغاني ... منية النفس والقلوب وأنت أنت الهوى المصفي ... للفن وللحب والحبيب٢ ويحيي أبها عروس الجنوب فيقول:

стр. 78

تنورتها من وراء السحاب ... وبي وله نحوها وانجذاب فلاحت لعيني داراتها ... لآلىء منثورة في الشعاب تألقن والليل وصف الدجى ... وأشرقن والصبح كث الضباب نشاوى ترفرف أنفاسها ... بروح الصبا وعبير الشباب تنام بأحضانها الأمنيات ... كنوم الجداول في حضن غاب وأبهاء من وطني درة ... يفوق المدى قدرها والحساب ترى الشمس في جوها لوحة ... وتحسبها صورة في كتاب وتبدو الكواكب في أفقها ... على قاب قوسين من كل باب تبرح فيها جمال السمال ... وألقى غلائله والنقاب وباحت بأسرارها الكائنات ... فشف السنا وتجلى اللباب كأنك فيها على ربوة ... من النجم أو رفرف من سحاب١ وجبل "فيفاء" متحف رائع يلهم السنوسي فنه، فهو مصدر الشعر ينفث لسانه سحرًا، وقلمه بيانًا، وخواطره فكرًا وعبرًا، ووجدانه خيالًا وانطلاقًا: متحف من أشعة وظلال ... في إطار من نضرة واخضلال سابح في الفضاء يغمره النور ... بفيض من السنا والجلال مسرح الشعر والبيان ومسري ... لمحة الفكر وانطلاق الخيال٢ ويقول في "أغنية فيفاء": لست فيفا أنت جنة ... تلهم الشاعر فنه إنه فوق بياني ... جل من أبدع فنه كل شيء فيك حلو ... أنت يا فيفاء جنه٣ رابعًا: المدح شعر المدح عند السنوسي محدود، لم يستغرق كثيرًا من دواوينه، فقد سبق أن نوَّه النقاد بأن الشاعر لا يتكلف القول، ولا يقول ما لا يعتقد، ولا يمدح إلَّا من يستحق المدح، ولا يثني على أحد إلا بما هو أهل الثناء والتقدير، ولا يمدح إلَّا من يرى أنه أهل للمدح، وإذا مدح كان صادقًا في مدحه، قوي العاطفة في ثنائه وتقديره، في تجربة شعرية متدفقة قوية عميقة.

стр. 79

خصبة في معانيها وخيالها وصورها الأدبية كالشأن في سائر الأغراض الأدبية في شعره. فأمَّا المدح في ديوانه "قلائد" فقد اشتمل على قصيدة "درة التاج ص١، ٢" يمدح فيها الملك سعود في ملكه وحكمه، وقصيدة "البيعة ص٣، ٥" يمدح فيها الملك سعود ووليَّ عهده الفيصل، وقصيدة "خطاب العرش ص٦، ٧" يمدح فيها ملوك العرش السعودي، وقصيدة "وعد ملكي كريم ص٨، ٩"، يمدح الملك سعود -رحمه الله تعالى. وأما المدح في ديوانه "الأغاريد" نجده في قصيدة "أجنحة التاريخ ص٤، ٥"، وقصيدة "وردة ص٨٩-٩٢" مهداة للشاعر الكبير عبد القدوس الأنصاري، وقصيدة "سوزان ص٩٣-٩٦" مهداة للشاعر عبد الله القرشي تحيةً لديوانه "سوزان"، وكذلك "نشيد الجيش العربي السعودي ص٩٧، ٩٩"، وقصيدة "لم يفتك القطار ص١٠٠-١٠٢" مهداة لصديقه الأستاذ شكيب الأموي. وأما ديوانه "أزاهير" فقد ضمَّ قصيدة "البلبل الحيران ص١٧-١٩" مهداة إلى سمو الأمير عبد الله الفيصل، وقصيدة "من شعاع القناديل ص٢٤، ٢٥" مهداة إلى الشاعر الكبير الأستاذ أحمد قنديل، تحية لروحه الشاعرة، وفكاهته الساحرة. وأمَّا ديوانه "الينابيع" فنجد قصيدة "لقاء القائد بالشعب ص٤٥، ٤٦"، وقصيدة "البحر الأخضر ص٦٧-٧٠" تحية وتهنئة، مهداة لصديقه الشاعر محمد حسن عواد بمناسبة انتخابه عضوًا بالمجلس الأعلى للعلوم الآداب والفنون، ورد عليها العواد بقصيدة يمدح فيها السنوسي بعنوان: "مواطن العطاء في الإنسان" يقول في مطلعها: والوشي جاء منمقًا ومنمنمًا ... والظرف طالعنا بها متبسمًا واللمس كان موشَّحًا والحسن كان ... مصرحًا واللطف كان مسلمًا غرًّا من جيزان يرقصها النهى ... تيهًا ويمنعها الحياء تقدمًا أ "محمد بن علي" العالي الذري ... نسبًا سلمت إذا ابن آدم سلما١ وأما ديوانه "نفحات الجنوب" فقد ضمَّ قصيدة "نايف في جازان ص٤٤-٥١" استقبل بها السنوسي سمو الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية لمنطقة جازان؛ للتعرف على مطالبها واحتياجاتها، في شعبان ١٣٩٨هـ، ومنها: لك يا صاحب السمو مواقف ... أنت فيها ملء النهى والعواطف كان عبد العزيز يرنو بنور الله ... لما ولدت سماك نايف

стр. 80

غمرت بالشذي الشواطئ والأرياف ... حتى الذريّ وحتى النتائف تحمَّلت في سبيل الرعايا ... وقدة الصيف والرياح العواصف وهكذا كل حاكم مستنير ... راحة الشعب همه لا المصايف قالها قبل أن أقول أبو حفص ... فكانت أنموذجًا للخلائف أنا لو ضاع في العراق بعير ... جئت يوم الحساب والحشر خائف إلى قوله: إن جازان سلة الخبز ما زالت ... تعاني عوائقًا وصوارف قيدت خطوات وشلت قواها ... فهي ظمأى وأنت كاللغيث واكف فلماذا جازان يبدو محياها ... كئيبًا وثغرها الحلو كاشف وهي أم الحقوق والزروع والضرع ... وبنت السيول طام وجارف وهي مرسى الجنوب تكتظ بالتفريغ ... والشحن من تليد وطارف نحن في عصر نهضة وانطلاق ... عزمها للصعاب والصخر ناسف وحرى بأمة أنت منها ... أن تراها على السحاب نوائف١ وقصيدة "رشة عطر ص٧٥، ٧٦"، أهداها السنوسي لأخيه غازي القصيبي، تحية لهديته النفيسة ديوانه "أبيات غزل" في عام ١٣٩٦هـ، وقصيدة "ضياء الدين رجب"، لكنها أنين وأسى من خلال مدح السنوسي له. والمدح في شعر السنوسي اصطبغ بصبغة طريفة، وارتدى ثوبًا جديدًا، فلم تغلب عليه النزعة الفردية، ولم تسيطر فيه عناصر المدح القديمة الشخصية، فالممدوح كالهزير لا يشق له غبار سيفه بتار، وكالبحر جودًا، وكالشمس رفعة، والقمر ضياء، يفك العاني، ويعفو عن الجاني، وهو الكريم الشجاع الهمام، ذو المروءة، والنجدة، وسليل المجد والرفعة والشرف، وهكذا مما استغرق فيه الشعراء القدامي. لكن السنوسي لم يسلك هذا الطريق من المدح، بل كان المدح عنده يأخذ اتجاهين: أحدهما: المدح للملوك والقادة، ولم ينهج فيه منهج السابقين من المدح الفردي والشخصي، وإنما خرج عنه وجعله مدحًا اجتماعيًّا لا شخصيًّا وتمجيدًا للقيم والمبادئ المتمثلة في الممدوح لا ثناء على الفرد وحده بصفاته الذاتية؛ ليقوم المدح عنده على المشاركة بين الممدوح وبين شعبة ورعيته، وهو شعور متجاوب بين الحاكم والمحكوم في بناء الوطن الحبيب، وهكذا السنوسي كان في مدحه للملك عبد العزيز -طيَّب الله ثراه، وابنه الملك سعود في القلائد،

стр. 81

ومدحه للملك فيصل بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- في قصيدته "لقاء القائد بالشعب" يقول فيها: يا أبا خالد يحييك شعب ... حبه فيك قد أذاب فؤاده أنت أعطيته الرعاية والعطف ... فأعطاك قلبه ووداده أنت أعطيته السعادة والعز ... فأعطاك مخلصًا أكباده أنت حققت حلمه وأمانيه ... وحسدت بالفعال مراده كل يوم لنا ابتهاج وعيد ... بأياديك نهضة وإشادة أيّ شعر يوفيك حقك والشعر ... عيي وإن أجاد جياده أنت فوق القصيد فوق الأناشيد ... خلالا وعزة ومجاده غير أن الشعور يتخذ الشعر ... سبيلًا إلى العلا مستجاده وإذا الروض جاده القطر ... غني كل طير ورغردت كل غادة عشت يا فيصل العروبة للشعب ... إمامًا وفي يديك القيادة١ وأشاد السنوسي بالملك فيصل في قصائد كثيرة ذكرتها في مكانها من الغرض الأول وهو الشعر الإسلامي؛ لأنني رأيت فيصلًا فيها قد أصبح شخصية عالمية، وزعامة إسلامية كبرى، ذابت فيها فرديته في قضايا الأمة الإسلامية ومبادئها السامية، فأصبحت هذه القصائد لا تمجِّد شخصه، وإنما هي تصوير لواقعنا الإسلامي والعربي، وتعبير عن مبادئ التشريع الإسلامي، فخرجت عندي بذلك على قصائد المدح المعروف، والتي دخلت فيها القصيدة السابقة "لقاء القائد بالشعب" لأنها أدخل في باب المدح، لكنها مع ذلك ليست مدحًا فرديًّا، لكنه مدح تجاوبت فيه أصداء الراعي مع الرعية يتمسكون جميعًا بالقيم والمباديء في سبيل نهضة بلادهم ووطنهم السعودي، فهو مدح جديد وهو "المدح الاجتماعي". ولست مع الدكتور بكري شيخ أمين في أنَّ السنوسي كان معظم شعره في الغزل والمدح كسائر الشعراء في عصره، فيقول ما نصه: "فريق من الشعراء انحاز إلى الموضوعات التقليدية فكانت معظم قصائده في الغزل أو المديح أو في غيرهما كابن عثيمين، وعبد الله الفيصل، وغادة الصحراء، ومحمد بن علي السنوسي، وفؤاد شاكر، وأحمد الغزاوي، وأحمد جمال"٢. والسنوسي ليس كذلك، فقد رأينا أن معظم الأغراض عنده غلب عليها غرض الشعر

стр. 82

الإسلامي، ولم يكن عنده غزل بالمعنى التقليدي الذي ذكره، ولكن غزله صبه الشاعر في شعر وجداني تأملي جديد، وكذلك المدح لم يكن تقليديًّا كما قرنه بغيره من الشعراء، بل صبغ مدحه بصبغة جديدة في ثوب طريف، وهو المدح الاجتماعي لا الفردي. ثانيهما: والاتجاه الآخر في مدحه جديد كله، في طريقه عرضه وفي موضوعه، وفي طريقة أدائه، وفي مزجه بالطبيعة ومظاهر الحياة، فهو مدح للعلم والشعر في ذات عالم وذات شاعر، أخذ إطارًا محدودًا محليًّا ووطنيًّا، لا إطارًا عالميًّا حضاريًّا كما سنرى في غرض عند الشاعر أطلقت عليه شعر الحضارة والعلم وسيأتي بعد، ومن شعره في هذا الاتجاه الثاني قصيدة "البلبل الحيران" التي أهداها الشاعر إلى صاحب السمو الملكي الأمير الشاعر المبدع "عبد الله الفيصل" قال١: رُبَّ لحن جماله لا يبيد ... صاغه للقلوب قلب عميد نحسد الطير في رباها ولا ... نعلم ماذا يكابد الغريد ووراء السنا فؤاد شقي ... ووراء الدجى فؤاد سعيد قلت للصادح المرفرف في ... الروض علام الأنين والتسهيد ولك الظل والشذى والأزاهير ... نشاوي يحلو بين الوجود والزلازل النمير والنور والنوار ... والنبع صافيًا والورود والندى والنسيم والأفق الطليق ... ورحب من الفضاء مديد وسماء كما تشاء وآفاق ... كما تشتهي وكيف تريد وليس الأمس مشرق يملأ النفس ... جلالًا واليوم زاه مجيد فشدا شاكيًا وردد صوتًا ... عبقريًّا له جمال فريد ماج في رحبة السكون وفا ... ضت في معانيه روعة وخلود كان "وحي الحرمان" من فيضه ... السمح ومنه أنغامه والقصيد في طراز من البيان رشيق ... لا غموض فيه ولا تعقيد في ثغور الحسان منه أغاريد ... ومنه على النحور عقود وله في فم المغني أناشيد ... وفي عوده له تغريد وهو كالماء سلسبيلًا وكالنور ... صقيلًا قديمه والجديد

стр. 83

كان "ابن المعتز" يعتز بالشعب ... وإن رفرفت عليه البنود ومضى واسمه يردده التاريخ ... لحنًا يزينه الترديد وحياة الهنا أجل وأبقى ... يا أمير العلا رعتك السعود فالسنوسي هنا لا يمدح سمو الأمير الشاعر بصفات المدح التقليدية المشهورة عند الشعراء القدامى، ولكنه يمدح عبقريته الشعرية، وإلهامه الأدبي في القصيد، فالشعر الجميل لا يبيد؛ لأن عميد الشعر صاغه للقلوب من وحي عبقريته التي امتزجت بالطبيعة والحياة، فهي خير وسيلة للوحي والإلهام؛ لأننا لا ندري لغة التغريد عند الطيور، ولا ما وراء السنا، ولا في حنايا الظلام والظل، والشذى والأزاهير، والزلال النمير والنور والنوار، والنبع الصافي، والندى والنسيم، والأفق الطليق، والفضاء الواسع، والماء والآفاق، والأمس المشرق، والنهار الصافي ... لا ندري ما وراء ذلك، لكن "وحي الحرمان" صور كل ذلك من فيض الشاعر السمح، وأنغامه في بيان رشيق، لا غموض فيه ولا تعقيد، فأصبح في ثغور الفاتنات أغاني وأناشيد، وعلى نحورهنَّ عقود ولآليء، وفي الحياة كان ماء عذبًا سلسبيلًا، ونورًا مشرقًا مصقولًا؛ لأنه لحن الخلود الذي يبقى يردده التاريخ، كما رددته من قبل ألحان الخليفة الشاعر "ابن المعتز" يرن صداه خالدًا في جنبات الخلود. وأظنك أنت معي الآن فيما اتجهت إليه، وهو أن هذا المدح جديد في أسلوبه ومنهجه، حيث تقمص مظاهر الطبيعة، لتعبر بوحيها كما يهدف الشاعر، ولها من الإيحاء والألغاز والأسرار ما يبهر العقل، ويستبد بالقلب، ومن وحي الطبيعة وأسرارها كان ديوان الشاعر "وحي الحرمان"، وليس فيه نبرة من مقومات المدح القديم، اللهم إلا أن الشاعر شبَّه الملوك بالملوك، شبَّه الأمير عبد الله الفيصل بالأمير العباسي عبد الله بن المعتز، إن كلًّا منهما ملك شاعر سطر التاريخ لهما الخلود بشعرهما وإبداعهما الفني. ومن شعر المدح للسنوسي في هذا الاتجاه قصيدة "من شعاع القناديل" التي أهداها الشاعر إلى أخيه الشاعر الكبير أحمد قنديل يقول١: حلوة هذه القناديل حلوه ... فترنم بها سرورًا ونشوه مرح آسر ولفظ ضحوك ... لطفه يجذب الكسائي نحوه كلما تموج بالهزل والجد ... وفي هزلها وفي الجد صحوه تنطوي في دعابها حكم العقل ... رقاقًا بلا جفاء ونبوه صاغها شاعر يرفرف كالطير ... على نبعه ويختار صفوه شعره مثل روحه رفة الزهر ... رواء ورنة العود غنوه

стр. 84

وكذلك قصيدته "وردة" التي أهداها إلى الأستاذ الكبير عبد القدوس الأنصاري تحية لكتابه "تاريخ جده" ومطلعها: أضاف إلى سنا التاريخ جده ... كتاب صيغ في "تاريخ جده" إلى قوله: كتابك تحفة للتاريخ فنًّا ... وأسلوبًا وتحقيقًا وجوده زففت به إلى الدنيا عروسًا ... لأعتاب مقدسة وسده تألق حسنها وأضاء حتى ... أعاد شبابها للبحر مده ففاض على جوانبها غزيرًا ... ومد ذراعه خيرًا وزنده وصفق قلبه الجياش شوقًا ... إلى ثغر الحجاز وهز قده وغازل في شواطئها الأماني ... ترف نضارة وتموج رغده وغرد للجمال وقد تجلى ... يضم الروض سوسنه ورنده بلغت أبا نبيه ذرى المعالي ... بنفس للمعالي مستعده ومن حمل اليراع وكان جلدًا ... على تبعاته أعطاه مجدة١ وفي هذه القصيدة يمدح السنوسي العلم والتاريخ في شخص العالم المؤرخ، لا على طريقة المداحين المقلدين للقدماء، ولكن في نهج جديد، وأسلوب طريف، فكتاب الأنصاري تحفة في التاريخ أسلوبًا وتحقيقًا وجودة، وعروس زفت إلى الدنيا على أبواب الأرض المقدسة الطاهرة، وفي حصن من حصونها، فأشرق جمالها على الحياة، وأعادت للبحر سيادته وقوته، ففاض غزيرًا على جوانبه، يصفق قلبه شوقًا إلى ثغر الحجاز في رقصات رشيقة ودلال مع الشواطئ، يرف نضارة، ويموج ثراء، ويعزف أوتار الجمال، فتهتز الأزهار والسوسن طربًا وشوقًا؛ لأن كتابه قد بلغ المعالي بهمته، ومنحه التاريخ مجدًا وخلودًا. لا تجد وصفًا من أوصاف المدح التقليدي في هذه الأبيات التي اقتصرت عليها، وبقية القصيدة التي تسير على هذا النهج والأسلوب والطريقة الجديدة في المدح والثناء. وكذلك مثل قصيدة "سوزان"، فهي كما يقول السنوسي باقة من شعور كريم ... مهداة للصديق الشاعر حسن عبد الله القرشي تحية لديوان "سوزان" ومطلعها: "سوزان" هذا الاسم من ركبه ... يا ما أحيلاه وما أعذبه من ذوب السكر في جرسه ... فذاب حتى كدت أشربه

стр. 85

وهكذا إلى آخر القصيدة، وكذلك قصيدته "البحر الأخضر" مهداة للصديق الشاعر محمد حسن عواد ومطلعها: الأرض يحيها السحاب إذا همر ... ويحيلها قلبًا وينطقها فما١ وهكذا في قصائده كثيرة وردت في الينابيع والأغاريد والأزاهير والقلائد، تسير على هذا النمط من المدح في ثوب طريف واتجاه جديد. خامسًا: الشعر الاجتماعي: وهذا الغرض لا نستطيع أن نحكم عليه بأنه غرض أدبي قديم، بل هذا الغرض لا بُدَّ أن يكون جديدًا؛ لأنه يصور المجتمع الذي يخالطه الشاعر، ولا شك أن هذا المجتمع يختلف عن المجتمعات التي سبقته بما يتناسب مع المرحلة التاريخية التي يعيشها الإنسان، فإنسان اليوم الاجتماعي غيره بالأمس، والمجتمع في المستقبل يختلف كثيرًا؛ لأنه يمثل مرحلة تاريخية نابعة من عصره ومجتمعه، ولذلك كان هذا الغرض جديدًا في أسلوبه ونهجه ومعانيه وموضوعاته. وجاء هذا الغرض في بعض دواوينه مثل قصيدة "صورة شعرية ص٤٤، ٤٥"٢، وقصيدة "اليتيم السعيد"٣، وقصيدة "أتمنى"٤، وقصيدة "لكل صابون ليفة"٥، وقصيدة "كوكب الشرق"٦. وفي "صورة شعرية" يقول السنوسي في مقدمتها: "مهداة إلى كل وزير في بلادي الفتية" منها: يا معالي الوزير إن الوزارة ... علم رائع السنا بل مناره يرقب الشعب نورها وصداها ... أينما حلَّ ليله ونهاره مثل ما ترقب المراصد نجمًا ... تجتلي نوره وترعى مداره ومن الشعب تستمد المعالي ... ما لها من جلالة ونضاره

стр. 86

والوزير العظيم يحتضن الشعب ... وآماله ويلقي دثاره يتبنى أحلامه وأمانيه ... بروح قوية جباره بسهر الليل كي يحقق رؤيا ... قومه في تقدم وحضاره واضعًا عينه على كل فرع ... وجهاز وشعبة وإداره يتقصى ويستحث ويوصي ... ويهز الكراسي الدواره ويمد الموظفين بروح ... منه وهاجة تشع حراره وهكذا إلى آخر القصيدة التي يصور فيها كل وزير في أي بلد كان، ولا في تصويره ما يشير إلى الحدود الوطنية، ولا إلى بلد معين، بل جعل صورته الشعرية إلى كل مسئول وزيرًا كان أو غيره، في تصوير عام يشمل كل من يتحمل مسئولية الشعب، وينوب عن المجتمع في كل مشاكله ويسهر على راحته؛ ليحقق آماله وأمانيه، ويدفع الأذى عنه، ويرفض التأخر والرجعية، وذلك بروحه القوية الجبارة، ويمدده البناء الوهاج، حتى يدفع أمته قُدُمًا إلى الأمام، لترقي إلى مدارج الرقي والحضارة. وهذا تصوير اجتماعي لكل وزير، بل لكل مسئول في أي موقع من مواقع العمل والإنتاج، في أي بقعة من بقاع العالم، ولذلك احتل شعره الاجتماعي مركزًا عالميًّا، فهو شعر إنساني عالمي بروح إسلامية عالمية، تحب الخير للإنسان في أي مكان، فكان السنوسي الشاعر السعودي الوحيد التي ترجمت قصائده إلى لغة أوروبية، ولعل هذا الجانب الإنساني الإسلامي العالمي في شعره هو الدافع الأساسي لانتشار شعره في العالم الغربي بلغة أخرى غير لغته العربية. ومن روائع شعره الاجتماعي قصيدته "اليتيم السعيد"١: راح يزهو عليه ثوب جديد ... وعلى ثغره ابتسام سعيد "برعم" من براعم الجيل مازال ... طريًّا غصينه الأملود أيقظته أشعة "العيد" ينساب ... على الكون فجرها المولود فصحا تشرق البراءة في عينيه ... والطهر والرضا والسعود هب من نومه يغني كما غنى ... على الأيك بلبل غريد وارتدى ثوبه القشيب وهزت ... قلبه الطاهر النقي البرود فمضى يملأ الشوارع رقصًا ... وغناء يفيض منه الوجود مرحًا في طفولة يستحب الر ... قص منها ويستلذ النشيد

стр. 87

مرَّ من جانبي يزقزق كالعصفور ... في كل خطوة تغريد فهفت مهجتي إليه حنانًا ... أبويًّا يضمه ويزيد وتأملته مليًّا وفي قلبي ... سؤال به لساني يميد وسألت الوليد في نشوة العيد ... وقد سر بالسؤال الوليد أين من أنت يا بني؟ وأصغيت ... إليه وبي اشتياق شديد فرنا باسمًا إليَّ بعين ... شاع في لحظي الجواب السديد أنا يا سيدي يتيم ولكني ... "سعيد" لا بائس أو شريد سكني وارف ومائي مسكوب ... وزادي مرفه منضود وفؤادي تربة من يد العلم ... يدبره وقلب ودود فانتشى قلبي المغرد وانثالت ... قوافيه واستفاض القصيد صورة شعرية طريفة، تجسدت في تجربة شعرية عميقة وصادقة لكل يتيم، لا في شخص اليتم الذي تسلطت عليه منافذ الإدراك عند الشاعر أثناء التقاطه الصورة الحية النابضة، فاليتيم صوَّره الشعراء قديمًا وحديثًا، ولكن السنوسي تميِّز عن غيره من الشعراء في طريقة العرض ومعالجة الموضوع، من أهم المميزات: أولًا: أقام الشاعر حوارًا قصصيًّا بينه وبين اليتيم الذي خدعه عن اليتم مظهره وشكله، وصرفه عن الحقيقة فرحه وبهجته بالعيد، حتى تورط الشاعر في سؤال قد تكون عاقبته غير محمودة لو كان الولد يتيمًا بائسًا شقيًّا؛ لأن صورة اليتيم في القصيدة تتحرك في إطار مجمع مثالي، يؤمن بواجبه نحو الضعفاء والمساكين، فلا يرضون لأنفسهم أن يتجمد عضو مشلول في جسد الأمة الواحدة التي توحد بينها صفة الإنسانية والعلم والمعرفة، وحينما يكون المجتمع كذلك، يصير مجتمعًا أخلاقيًّا مثاليًّا رفيعًا، لا تجد فيه بائسًا ولا شقيًّا، بل ترفرف على الجميع ألوية السعادة وبنود الحبور، يقول اليتيم: أنا يا سيدي يتيم ولكني ... سعيد لا بائس أو شريد سكني وارف ومائي مسكوب ... وزادي مرفه منضود ثانيًا: إن الشاعر جعل سبب الأسباب في سعادة اليتيم لا ترجع إلى العطف والحنان، ولا في كفاية الزاد والكساء، ولا في بحبحة العيش والثراء، وإنما ترجع إلى العلم، فهو وحده كفيل بتحقيق السعادة لليتيم، فبالعلم والمعرفة تعمر القلوب والعقول، فتفيض بالبر والخير والمودة والمحبة؛ لأن العلم هو الغنى الحقيقي، والثراء الدائم، الذي يطيل كنزًا خالدًا لصاحبه. والعلم والشريعة والقرآن يسمو باليتيم محمد ﷺ إلى شرف الرسالة، فيكون خير البشر.

стр. 88

جميعًا وأشرفهم وأفضلهم عند الله ، وعند الناس خلودًا وبقاءً وتشريعًا ونورًا ومعرفة واستقامة وبناءً وتقدمًا وحضارة. وفؤادي تربة من يد العلم ... يدبره وقلب ودود فانتشى قلبي المغرِّد وانثالت ... قوافيه واستفاض القصيد ومن شعره الاجتماعي أيضًا قصيدته "أتمنَّى" ومطلعها١: أتمني أنني لا أتمنى ... فلقد بت بآمالي معني المنى يا للمني من زورق ... مارسًا يومًا ولا نحن وصلنا يصور صديقًا يتمنى له موفور السعادة وراحة البال ورضى النفس؛ لأنه يطوي بين أحشائه قلبًا فاسدًا، وصدرًا يغتلي حقدًا، ونفسًا تفيض حسرة وألمًا، وفكرًا محمومًا بالبغض والكراهية. ثم يتمنى لعدوه أن يبصره الله بالحق، وأن يدير يديه لا بالسلاح والنار، ولكن بالدليل والعقل والبرهان، وإلَّا كان فظًّا غليظ القلب، جهولًا لدودًا. ثم يتمنَّى لرئيسه حكمة وللمرءوسين نشاطًا وأمانة، كل يؤدي واجبه، مهما كان الإنسان مظلومًا. ثم يتمنى لوليده أن ينشأ نشاة صالحة مثله، ينزع في شبابه عن إجلال وحب ورياسة مترفعًا عن صغائر الأمور، عاشقًا للمعاني النبيلة والأخلاق السامية. وفي المقطع الأخير يتمنى لمجتمعه أن يكون رائد الفكر قوي المشاعر، ميقوظ الوجدان، يرفض الزيف، ويعشق المجد، ويسمو إلى المعالي في فكر أصيل، ومنهج قويم، وضمير حي طاهر.. يتمنى كل ذلك لكن الأماني زورق تتلاعب به الأمواج وتعصف به الرياح، ويرتطم بالصخور والعقبات عبر الأزمان والأجيال يقول في المطلع الأخير: أتمنى أن أرى مجتمعي ... لوذعي الفكر مصقول الشعور يرفض الزيف نهاه ويرى ... وعيه اليقظان ما خلف القشور يعشق المجد ويمشي للعلا ... مستقل الفكر شفاف الضمير المنى يا للمنى من زورق ... لم يزل يجري بنا عبر العصور أما قصيدته "لكل صابون ليفة" يصور فيها "النفاق والمنافق" في أبشع صورة، وأقبح.

стр. 89

منظر، فهو كالحرباء يتلوّن حسب أغراضه وحاجاته بألوان كثيرة، بل الحرباء قد استحيت منه؛ لأنه بلغ في طبعه المر، وخداعه العلقم، ونفاقه اللاذع حدًّا، اندفع به إلى مواطن الخزي والاعتداء، حين أخذ المنافق مكان الحرباء ودورها ليؤدي وظيفتها التي خلقت من أجلها ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ... يقول السنوسي١: أصدقائي أم أصدقاء الوظيفة ... أنتم يا ذوي النفوس الضعيفه الأولى تهزأون بالمثل العليا ... وتلهون بالمعاني الشريفه بسمات ملونات وأخلاق ... وصولية غلاظ سخيفه ونفاق ملون تخجل الحرباء ... منه فتثني مكسوفه تتدلى وتستكين وتنماع ... وتغدو لكل صابونة ليفه فإذا ولت الوظيفة ولوا ... وأثاروا عليك حربًا عنيفه خلق يشمئز منه كريم النفس ... والطبع الخصال المنيفه يا لنفسي من أنفس تقذف الحبر ... عداء من الثياب النظيفه وعلى كل جانب من قذاها ... قذر يزكم الأنوف وجيفه خضت في بحرها وكنت غريرًا ... فطفا موجهًا وكانت حصيفه أوجه كالبلاط لا تنبت الزهر ... وإن كانت المياه كثيفه وقلوب مثل الكهوف ظلامًا ... والضحى يغمر الوجود مخيفه غير أني وإن تألم قلبي ... فهو ما زال كالظلال الوريفه لست خبًّا والخب قد يخدع ... البر وهذه حكاية معروفه سادسًا: شعر الحضارة الحديثة ومن الأغراض الجديدة في شعر السنوسي ما أنشده في التقدم العلمي والأدبي الحديث، ومظاهر الحضارة المعاصرة، فيصور هذا التقدم من خلال مشاعره وخواطره في تجربة شعورية مشحونة بالعاطفة القوية التي تجاوبت مع أحداث عصره، واستجابت لوسائل التقدم الحضاري، فأخذت موقعها من شعره، بعد أن أخذت مواقعها من حياتنا كلها العملية والنظرية على السواء، فالشعر القوي النابض والصادق هو قطعة من الحياة التي يعاني تجربتها الشاعر، ومقطع من شريط الدنيا له منزلة كبيرة بمقدار ما يسهم في تطور الحياة ويشارك في بناء حضارتها كجزء من أجزاء التاريخ البشري إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

стр. 90

فأمَّا الديوان الأول "القلائد" فنجد قصيدة "في موكب الفن ص٤٢-٥١" يصور فيها السنوسي شخصيات روَّاد الأولمب الخالد، تقديرًا لفنِّهم الشعري الذي يمثل حضارة الأدب السعودي المعاصر، وكانت هذه الندوة في هذه المرة في دار الأستاذ عبد القدوس الأنصاري صاحب مجلة المنهل تكريمًا للسنوسي في ٢/ ٦/ ١٣٧٦هـ، وفيها كوكبة من شعراء الأولمب وأدبائه سبق ذكرهم، وقصيدة "أحمد أمين العالم والأديب المصري الكبير ص٨٨-٩٥" يسمو بما قدمه الرجل للعلم والأدب والنقد في عصره، وهذه أبيات منها: ثمن المجد أن تعيش غريبًا ... فيلسوفًا أو شاعرًا أو أديبًا تتحدى عواصف الفكر والرأي ... وتلقي سلم النهى والخطوبا يا حياة كانت على العلم أزكى ... من حياة الربيع خصبًا وطيبًا فجرت في مسارب الكون نبعًا ... وهي تستقطر الحياة حبوبًا "فجرها" و"الضحى" على الأفق ... العلمى مجدًا يخلدان الغروبا حملت من رسالة الفكر نورًا ... ومضت تنشر اللواء القشيبا تستثير الحقول من كل فن ... من فنون النهى وتحيي الجديبا دقة العالم الذي يزن اللفظ ... ويستخلص النضار المشوبا وخيال الأديب وهو شعور ... جنحت روحه وهبت هبوبًا أيها الباحث المجدد للشرق ... تراثا يحيى النهى والقلوبا عجب هذه الحياة وسر ... أعجز العلم كشفه والطبيبا في رحاب الوجود تحتل ذكراك ... مكانًا من الخلود رغيبًا عاليًا عاليًا تمر به الأيام حسرى ... والدهر يمشي دبيبا١ وقصيدة المنهل ص١٧٩-١٨٦" بمناسبة اليوبيل الفضي للمجلة، وما شاركت به في بناء حضارة المملكة في الفكر والأدب، وقصيدة "مولد النور ص١٩٧-٢٠٣" بمناسبة افتتاح محطة الكهرباء بجازان في الليلة الأولى من شهر ذي القعدة عام ١٣٧٨ هـ، ومنها: قلت ماذا أرى وقد برق النور ... ولم ترتجز هناك بروق تتسامى إلى الفضاء ويعلو ... كعمود الصباح منها العمود تتدلى بها المصابيح "كالطلح" ... على كل "قائم" عنقود لا فتيل ولا ذبال ولا شمع ... فماذا إذن وكيف الرقود همست كهرباؤنا وأجابت ... وعلى ثغرها المشح نشيد

стр. 91

إنني شلة تحكم في العلم ... والعلم حاكم لا يجيد موقدًا ما تشاء منِّي إذا أحببت ... نورًا مطفئًا ما تريد أنا من "طاقة" يولدها الماء ... ومن قوة حواها الحديد جل من سخر السموات والأرض ... وما فوقها لمن يستفيد إن "فلتًا" وإن "واتًا" و"أمبيرًا" ... عقول عظيمة وجهود تلك أسماؤهم تشير إليهم ... في رموز لها جمال فريد أي عصر هذا وأية دنيا ... شادها سيد البلاد سعود المطارات والقطارات والأضواء ... والهاتفات والتعبيد والرقي الحديث والعمل البناء ... والانطلاق والتشييد قد قرأنا عن الحضارة والعمران ... والملك وما روته الجدود واستمعنا إلى التاريخ والأسفار ... تبدي حديثها وتعيد ورأينا حضارة ما رآها ... "قيصر" في جلاله و"الرشيد" إي وربي لم يركب "التكسي" ... هارون ولا سار في القطار الوليد سهر الليل بالقناديل كسرى ... وعلى الشمع كان يقرأ يزيد أين تلك العصور من عصرنا العلمي ... نورًا لا يعتريه الخمود ويصوغ الأقمار تجري مع ... الأفلاك سيارة مداها بعيد خضعت للورى المسافات فيه ... وتهاوت حواجز وحدود وتساوي بنعمة العلم ... الآلات والفن سيد ومسود وجرت هذه الحياة كما تجري ... الينابيع كل يوم تزيد. لو رآها لبيد ما سئم الدنيا ... ولا ضاق بالحياة "لبيد"١ وهكذا إلى آخر القصيد من مطلعها حتى نهايتها تصور حضارة العلم الحديث، وما قدمه للبشرية من وسائل التقدم والرقي التي لا تحتاج إلى جهد في أناقة ورقة وانتظام، فقد تعددت وسائل الحضارة في القصيدة التي تفجرت عن الكهرباء وهي التكسي والقطار، والهاتف والمطار والطيران، وتعبيد الطرق وتشييد العمارات والمؤسسات، والأقمار الصناعية العابرة للقارات والمحيطات، والطاقة والذرة، والآلات والمعدات الحديثة، وغيرها من وسائل التقدم العلمي والحضاري في تصوير أدبي رائع وخيال خصب موفور، وأفكار عميقة رحبة، وصور شعرية غزيرة بالأضواء والألوان والظلال والإيحاء والأشعة التي تخطف الأبصار ويغوص في أعماقها العقل -عقول عظيمة وجهود- في رموز لها جمال فريد، والرموز هي الفولت - الوات - الأمبير" أي عصر هذا وأية دنيا؟!

стр. 92

وقصيدة "جامعة سعود ص٢١٢-٢١٩" التي توارت وراء جامعة الرياض حينًا، ليعود سعود إليها كما كانت من قبل جامعة الملك سعود بعد خمس وعشرين عامًا من افتتاحها، وذلك في الاحتفال باليوبيل الفضي لها في عام ١٤٠٢هـ، ومطلعها: العلم أقوى سلاح في يد الأمم ... فاصرع به الجهل تحيا خافق العلم واملأ حجاك به نورًا فإن له ... فجرًا من الحق يجلو كل مبهم وجددوا عزة الأجداد وإنكموا ... أحفاد قوم محو أمية الأمم كانوا أساتذة الدنيا وسادتها ... في الحرب والسلم والتشريع والنظم١ وأما الحضارة في "الأغاريد" في قصيدة "طموح ص٥١-٥٣"، وقصيدة "إلى غزاة الفضاء"، ومنها ٢: عيشوا على الأرض أحبابًا وإخوانًا ... ونسوقها أزاهيرًا وريحانا وطهروها من الأحقاد واتخذوا ... طريقكم في سبيل الحق أعوانًا وأنفقوا ذهب الدنيا وفضتها ... للخير والبرِّ أرواحًا وأبدانا وانقذوها من الوحش الذي ابتليت ... به الحضارة آمادًا وأزمانًا وامشوا على ظهرها هونًا فما برحت ... تحس في خطوكم بغيًا وعدوانًا ليس الحضارة "صاروخًا" و"قنبلة" ... ولا التمدن "أقمارًا" و "أفرانا". إن الحضارة أسماها وأرفعها ... أن تحسن المشي فوق الأرض إنسانًا إلى قوله: "محمد" رائد الدنيا وقائدها ... إلى المحبة أجناسًا وألوانًا شريعة كشعاع الشمس نيرة ... الناس في ظلها كالمشط أسنانًا فاءت إليها شعوب الأرض واعتصمت ... بحبلها وسمت أمنًا وإيمانًا من المدينة من أطوادها انطلقت ... لا من "نيورك" ولا "موسكو" وإيفانا "مدينة النور" عاد النور منطلقًا ... من لا بتيك قويا مثل ما كانا وفي "أزاهير" من الحضارة العلمية "رحلة القمر ص٢٦، ٢٩"، وفي "الينابيع" قصيدة "تحية المعهد العلمي ص٨٥، ٨٦"، وفي نفحات الجنوب" قصيدة "جزيرتي ص٩، ٢٣، في عام ١٣٩٧هـ، وقصيدة "على آلة التلفاز ص٧١، ٧٤" في عام ١٣٩٧هـ ومطلعها:

стр. 93

على آلة "التفاز" للفن ألوان ... بها ابتسمت أبها وأشرق جازان ضغطت على أزراره فتألقت ... بشاشته البيضاء حور وولدان روائع علم أتقن العقل صنعها ... وكم رفع الإنسان علم وإيمان رأيت بها من صحن بيتي عوالما ... تطالعني والجو برق وهتان لقيت بها صحبي وبيني وبينهم ... مسافات أبعاد طوال وأزمان١ وقصيدة "المنهل في عامه الثاني والأربعين ص٧٧-٧٩" في عام ١٣٩٨هـ، باعتبارها تؤدي رسالتها العلمية والأدبية والحضارية، في اثنين وأربعين عامًا مضت عليها، وقصيدة "هموم الحياة ص٩٢-٩٤"" يصوّر فيها الحضارات المعاصرة، من فلسفات شيوعية ورأسمالية، وكيف هوت وسقطت أمام حضارة الإسلام، وشموخها في كل عصر، فالسكينة والنور واليقين في الإسلام، ومطلعها: يا هموم الحياة إن فؤادي ... لا يباليك فاقصري أو تمادي إنني في سكينة من هدى الدين ... ونور اليقين ذخري وزادي كتب الله لي حياتي ورزقي ... فتنحِّي يا فلسفات العباد من شيوعية يصير بها الإنسان ... ترسًا في آلة الحداد و"رأسمالية" يزيد يها الإنسان ... بؤسًا في سعيه لازدياد أنا آمنت بالذي خلق الكون ... وما فيه من هدى وفساد٢ وقصيدة "على ضفاف دجلة" ألقاها الشاعر في قاعة ابن النديم بمقر اتحاد الأدباء العرب ببغداد، في الملتقى الأدبي الذي أقامه الاتحاد تكريمًا لأعضاء الوفد الأدبي السعودي، وكان السنوسي أحد أعضاء الوفد٣. أما قصيدة "العقاد العملاق" يقول فيها السنوسي، منها: عاش للفكر عيشة الزهاد ... وهو في ثروة من الأمجاد ثروة ثرة من العلم والجسم ... تجلَّى بها رفيع العماد علم تنتهي إليه ذرى الأعلام ... والنابغين والرواد كان في الشرق قلعة من قلاع الفكر ... جبارة لصد الأعادي

стр. 94

لم يكن ينحني لغير جلال الحق ... والحق منطق العقاد قلم رائع البيان وعقل ... عبقري ذو قوة واعتداد إن أفاض الحديث قلت جرى ... السيل وفاض العباب من كل واد وإذا أوجز الكلام ترامت ... قطرات الندى على الأوراد وإذا ما عدا يوضح فهمًا ... نشر النور في سواد المداد وإذا ما مضى يجادل خصمًا ... جاء برهانه كما الفجر هادي حجة النابغين في أدب الضاد ... ونبراس كل هادٍ وشاد كم له من يد على اللغة الفصحى ... وتاريخها تبزّ الأيادي تحتمي في ذراه من كل أفاك ... وتزهو به على كل ناد مات يا للمصاب.. الله.. إني ... لأحس الأسى يذيب فؤادي لا لم يمت أبو "العبقريات" ... النشاوي و"الترجمات" الجياد إلى قوله: وأفاقوا على الحقيقة "والمذياع" ... يهتز من فم رعاد كان صوت العقاد يصهل من فيه ... فأضحى صدًى لذاك الجواد رحم الله ذلك الكاتب العملاق ... في كل مذهب واعتقاد١ لا أظن أحدًا يقول إن هذه القصيدة في رثاء العقاد، نبرات الحزن والأسى والدموع التي تسير في ركاب الرثاء ولا نحس بها هنا، وإنما الذي نراه ونسمعه هي شموخ العقاد العملاق الذي ما زال خالدًا في التراث الحضاري من بعده، الذي ملأ الأفق، مما جعل السنوسي ينسي الغرض وهو الرثاء، ويصور ما هو أهم وأجدى للبشرية، وهو الأعمال الجبارة التي شيدها العقاد في الفكر والعلم والأدب والفلسفة والإسلام واللغة الفصحى وسواها موسوعات العقاد، في كل مذهب واعتقاد. لهذا يا أخي لا تلمني إن قلت: إن هذه القصيدة وأمثالها والتي تسير على نهجها مدحًا أو رثاء هي أدخل في غرض الحضارة لا في غرض الرثاء، كما لا أرضى أن تكون هذه مرحلة متطورة من مراحل تطور الرثاء؛ لأن شعر الحضارة في العصر الحديث ينبغي ألا يكون غرضًا أدبيًّا تابعًا، بل يجب أن يكون غرضًا أساسيًّا يقف شامخًا بجوار الأغراض الأدبية الأخرى، كيف لا وقد أصبحت وسائل التقدم الحضاري تسد الأفق، وتسيطر على الحياة وتأخذ المنزلة الرفيعة في قلوب الناس وعقولهم إنها ليست غرضًا مستقلًّا فحسب، بل هي أساس الأغراض ومصدرها، وفي النهاية غرض الأغراض الأدبية الحديثة.

стр. 95

ومثل هذا الغرض الجديد في شعر السنوسي يسمو بالشاعر إلى منزلة رفيعة بين شعراء العصر الحديث، الذي يعيش مع عصره بعقله وقلبه ووجدانه وعاطفته وأدبه وتصويره الشعري. سابعًا: الوصف: والوصف من الأغراض الأدبية في شعر السنوسي، نجد في ديوانه "الأغاريد" قصيدة "يا قلمي ص٣٣-٣٥"، وقصيدة "الكتاب ص٦٩-٧٢، وفي أزاهير" نجد قصيدة "الحصان المقيد ص٧٢، ٧٣"، يقول في قلمي: هلمَّ إليَّ يا قلمي ... هلم فقد طغى ألمي فأنت إذا أشرت يدي ... وأنت إذا صرخت فمي وأنت نجي أهاتي ... وأناتي ونبض دمي وأنت إذا بكيت أسى ... دموعي فضن في كلمي وأنت إذا صبوت هوى ... وغنيت الهوى نغمي وأنت ملاذ آمالي ... إذا ضاقت بها هممي أبثك ما أنوء به ... من الأرزاء والنقم فتصغي لي بلا ضجر ... ولا ملل ولا سأم حملتك في سبيل الحق ... والآداب والقيم وكنت وما أزال بها ... رضيعًا غير منفطم أهيم بها وإن جرحت ... مناي وحطمت حلمي وأعشقها على الآلام ... والضراء والسقم وأسري في ظلام الدرب ... مرفوعًا بها علمي كما سار الدليل على ... ضياء النجم في الظلم١ مع أن خصائص الوصف تقوم على تصوير ظواهر الأشياء من غير استبطان لأعماقها، وتجاوب معها، لهذا انصرف السنوسي عنه إلى الأغراض الحية النابضة ولم نجده إلَّا في ثلاث قصائد. لكن الشاعر تجاوب مع القلم وكأنه صديق له ونجيّ يناجيه إليه آلامه، فهو هواه ونغمه الشجي يبثه همومه، فيصغي إليه بلا سأم ولا ضجر، وهو خير من يحمل الأمانة في سبيل الحق والعلم والآداب والقيم، مهما لقي في سبيل ذلك من العنت والآلام وتجشم الضراء والأسقام، يسير إلى غايته مرفوع الجبين في ظلام الليل وعقبات الحياة لتحقيق الهدف الواضح أمامه كوضوح النجم في الظلام الدامس.

стр. 96

فالشاعر جعل من القلم شخصًا يحسّ ويتألم ويتحمَّل الأمانة ويدافع عنها في سبيل الحق والقيم، إنه إنسان عاقل له رسالة يؤديها في الحياة كالشاعر تمامًا، ولولا أنَّ القلم لا يدخل في مظاهر الطبيعة لقلنا بأن القصيدة من شعر الطبيعة؛ لما فيها من تشخيص قوي نابض، وهذه أهم سمات الوصف عند السنوسي. ثامنًا: الرثاء: والرثاء هنا يسير على النمط التقليدي القديم غالبًا، على العكس من القصائد التي رثي بها الشاعر الملك فيصل في "وا فيصلاه" فقد غلب على القصيدة معالجة القضايا الإسلامية والعربية، ولذلك أدخلتها في غرض الشعر الإسلامي. وكذلك قصيدة "العقاد العملاق"، فقد أخضعها السنوسي بموهبته الشعرية وثقافته الواسعة إلى شعر الحضارة والفكر التقدمي المعاصر، لذلك أدخلتها في شعر الحضارة كما سبق. أما غرض الرثاء فيظهر عنده في "القلائد" مثل قصيدة "دمعة وفاء ص٢٠٨-٢١١" في ذكرى الفقيد محمد سعيد بامهير، الذي كانت حياته في جازان مثلًا رائعًا للتضحية في سبيل الوطن، ونموذجًا ساميًا من التفاني في خدمة الصالح العام. وقى "الينابيع" قصيدة "أبو حسن ص٦٣-٦٦" يقول الشاعر في مقدمتها "دمعة حزن وأنه أسى على فقيد الأدب والنبل والشهامة والمعالي المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان، الذي وافته المنية في القاهرة بتاريخ ٢/ ٢/ ١٣٩١هـ" يقول: "أبا حسن" لا الحزن يجدي ولا الدمع ... وإن كان في قلبي لوقدهما لذع تصاممت لما قيل مات "محمد" ... سرور قلوب كم به جبر الصدع فلما تبينت الحقيقة لم أجد ملاذًا ... سوى ما سنه الله والشرع إلى الله إنا راجعون وكلنا ... سيذهب لا فرد سيبقى ولا جمع أبا حسن ما العمر إلا مسافة ... من المهد حتى اللحد غايتها القطع مشيت إليها في أناة وحكمة ... بخطو رصين لا غبار ولا نقع وكنت المجلي سيرة وشمائلًا ... يهيم بها الرائي ويعشقها السمع مضيت كما يمضي الشجاع مخلفًا ... وراءك ذكرًا دونه الومض واللمع وأنت العصامي الذي شاد مجده ... بنفس لها في كل مكرمة صنع تساميت حتى بات كل مثقف ... يجلك إجلال الهوى والهوى طبع يرى فيك أخلاق الكرام تجسمت ... ممثلة يزهو بها الأصل والفرع أبا حسن غاض السرور الذي جرى ... على كل قلب من تدفقه نبع وضوع روض كان في كل مهجة ... بك اتصلت يندي بها النبت والزرع

стр. 97

وهكذا إلى نهاية القصيدة في وصف محاسن الممدوح الشخصية وشمائله التي اتصف بها في حياته، وعصاميته التي شاد بها مجده وخلقه الكريم الذي يتسامى به الأصل والفرع، وغيرها من الصفات التي لا يجدي على صاحبها الحزن ولا يرده الدمع، ولا يجبر الصدع، وليس أمام الإنسان إلَّا أن يلوذ بربه ويرجع، ويصير ولا يجزع، فالبقاء لله وحده سبحانه، وهذه صفات فردية تتصل بشخص المرثى، ولم يصورها الشاعر في قيم مطلقة، بل كان الحزن في الرثاء يتجه إلى شخصه لا إلى الإشادة بالقيم وتمجيدها لذاتها، كما في قصيدة رثاء الملك فيصل والعقاد وغيرهما، وعلى ذلك يكون هذا الغرض الأدبي من الأغراض القديمة التي سار فيها الشاعر على منهج القدماء في فن الرثاء. تاسعًا: الهجاء والهجاء عند السنوسي من الأغراض التي تناولها في شعره، لكن في ثوب جديد يخرج عن الهجاء التقليدي عند القدماء؛ لأن الشاعر لا يهجو شخصًا بعينه، ولا يهجو بألفاظ واضحة في السباب، أو صريحة في الشتم، فيهجو الانحراف الذي يخالف ما عليه المجتمع من تقاليد وعادات، ويذم التفسح الذي يخرج به عشاقه عن العرف السائد، وذلك في قصيدته "القدر الفنان" يقول في مقدمتها: "رمزنا بها إلى بعض الشباب المتفسح"١. رأيته وهو يمشي مشي فنان ... كأنه فارس في وسط ميدان يهز عطفيه إعجابًا بحلته ... ويمسح الشعر من آنٍ إلى آن في "بدلة" تبرز الأعطاف ماثلة ... أركانها وزواياها "كفستان" فقلت ماذا أرى يا قوم هل مسخت ... طباع صحبي وإخوتي وأقراني إني أرى بينكم قردًا فكيف أرتي ... وكيف ألبستموه لبس إنسان فقال شيخ طريف الروح يعجبه ... حبك الفكاهة في جد وإتقان لا يا أخي إنه "قرد" مثقفة ... أخلاقه عبقري الفكر والشان وسوف تسمع منه كل رائعة ... من البيان المصفى والنُّهَى البان "فكان ما كان مما لست أذكره" ... من الهراء ومن إسفافه الداني فقلت للشيخ إعجابًا بنكتته ... وبالطرافة في أسلوبه القاني القرد قرد وإن رقت شمائله ... وإن تعلم نطق الإنس والجان تراه يرقص في جد وفي هزل ... ليضحك الناس منه مثل "طرزان". يلغو ويلهو ويأتي من عجائبه ... بالمضحكات كأحلى قرد فنان

стр. 98

فالسنوسي هنا ساخر أكثر منه هجَّاء، وهجاؤه ليس على النهج التقليدي من التصريح بالمهجوِّ حتى يلصق العار باسمه وشخصه، ولم يتخذ ألفاظ السباب والقبح والفحش مادة لتصويره الأدبي، وإذا اضطر إلى ذلك اكتفى بالتكنية والرمز والإيحاء إلى ما يريد في لفظٍ عفّ، وتعبير غير مسفّ، يرتفع السنوسي عن ذكره فيقول مثلًا: "فكان ما كان مما لست أذكره". وكذلك فالشاعر أدار حوارًا في الهجاء بينه وبين شيخ صاحب تجربة وخبرة في السخر والفكاهة؛ ليفيض شعره بالحركة والحيوية، ويكون أقدر على تصوير السخر وأوقع في النفس. وكذلك جعل الشاعر الهجاء في قضية عامة، طرحت على العرف السائد في عادات قومه وتقاليدهم، فهو يهجو القضية ذاتها، ولا يهبط إلى هجاء شخص بعينه ولا إنسان باسمه، وإنما يهجو صورة هذا التغير، ويسخر من ذلك التطور الذي خرج على عادات قومه وتقاليدهم. والسخر أقوى من الهجاء في الشعر، بل هو المرحلة المهذبة من مراحل تطور الهجاء في أدبنا العربي؛ لأن الهجاء شتم وإقذاع للتشفي وردع الخصم بألفاظه المعروفة بلا حجة ولا تعليل، فالمهجو هكذا أمره من الأوصاف الخبيثة مما لا يحتاج إلى برهان. أمَّا السخر فهو هجاء يقوم على المقدمات والأسباب، ويستقر في النفس عن تعليل وتدليل، ويأخذ بالقلب والعقل معًا عن حجة واقتناع. وابن الرومي كان يمثل مرحلة التطور في الهجاء العربي؛ حيث تطور الهجاء على يديه في بعض القصائد والمقطوعات إلى السخر، وإن ابن الرومي قد برع في الهجاء المكشوف، والبذيء في قصائد أخرى، لكنه يعد أول شعراء العرب الذين نقلوا الهجاء إلى طور آخر أسمى منه وهو "السخر"، وشعره الساخر اشتهر بين الأدباء والنقاد ومنه قوله في البخيل: يقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد فلو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخر واحد ولقد ميّزت بين الهجاء والسخر والضحك والعبث واللعب بصورة واضحة، حتى لا أضطر إلى التكرار١. عاشرا: الأناشيد للسنوسي مهارته الشعرية في الأوزان الخفيفة العذبة السائرة، والتوقيعات الموسيقية، التي تحمل المعاني الإنسانية والوطنية، والإسلامية، فيتغنى بها أبناء الوطن لخفتها وعذوبتها، وما تحمل

стр. 99

من شحنات قومية ووطنية وإسلامية، وما تهدف إليه من سمو الهدف ورفعة المقصد، وذلك في أناشيده التي سارت مع الزمان والمكان في المناسبات الوطنية والرسمية، مثل "نشيد الجيش العربي السعودي": نحن أبطال الجزيرة ... المثنَّى والمغيرة نحن جيش الحق ... والحق علم قد رفعناه على ... أسمى القمم وجعلناه منارًا ... للأمم نحن أبطال الجزيرة ... المثنَّى والمغيرة نحن جيش وحَّد الله ولبَّى ... وأجاب الدعوه الكبرى وهبّا ومضى يضرب في الآفاق ضربًا ... في سبيل الله جل الله ربًّا نحن أبطال الجزيرة ... المثنى والمغيرة١ وكذلك نشيد "الحرس الوطني ص١٠٥ - الينابيع"، ونشيد "طلبة مدارس الحرس الوطني ص١٠٦، ١٠٧ - الينابيع" وله أناشيد أيضًا في ديوانه "نفحات الجنوب" مثل "نشيد العروبة ص١٢٧، ١٢٨"، ونشيد "الفرسان ص١٢٩"، ونشيد "فرحة العيد ص١٣٠"، يقول في "نشيد العروبة": أحب الحجاز أحب اليمن ... ونجدًا أحب وأهوى عدن وأعشق لبنان مأوى النجوم ... وأهوى الكنانة أخت الهرم بلادي بلاد الهدى والشيم وفاس ووهران والرافدين ... وعمان والقدس صنو الحرم وأصبو إلى جلق والكويت ... وأهوى المنامة ذات الخضم بلادي بلاد الهدى والشيم بلاد العروبة أنى تكون ... بلادي العزيزة ابنا وعم أحب هواها وشطآنها ... وأهوى منازلها والقمم بلادي بلاد الهدى والشيم وصنعاء صنعاء ذات الذرى ... ومسقط مهوى الندى والكرم يرف على جانبيها الشذي ... ويهفو الصبا نحوها والنسم بلادي بلاد الهدى والشيم٢

стр. 100

الحادي عشر: الشعر الوطني وتناول السنوسي في الشعر الوطني بناء الوطن السعودي والسمو به في منازل الرقي والحضارة، وحثَّ أبنائه على المشاركة والإسهام في التقدم، والعمل المتواصل في المشروعات الضرورية التي تدفع بالأمة إلى الرخاء والكفاية، واشتمل ديوانه "القلائد" على قصيدة "نداء ص١٠، ١١" لأبناء المملكة العربية السعودية ليشاركوا في فجر النهضة، يقول في مطلعها: بني وطني إنَّا على فجر نهضة ... تصد الدجى أنى تدجى وتصدع ومنها: مضى السلف الأبرار يعبق ذكرهم ... فسيروا كما سار على الدهر واصنعوا وما الفخر بالماضي إذا لم يكن له ... من الحاضر الزاهي بناء مرفع خذوا بأكف الأسد من أسهم العلى ... نصيبًا فإن الحاضر اليوم أوسع يد الدهر لا تسخو بمجد لعاجز ... ضعيف ولا تندي ولا تتبرع وما قيمة الأوطان إن لم يكن لها ... "رجال" يلوذون الشقاء لينفعوا جرت حكمة الدنيا على الناس أنها ... تصد لمن صدوا وتسعى لمن سعوا حصدنا الضنى لما زرعنا له المنى ... وجل حصاد المرء من حيث يزرع١ وقصيدة "قطوف وأصداء" قالها الشاعر بمناسبة أنباء المشروع الزراعي في جازان، التي كانت حديث النوادي والأسمار، استحوذت أصداء هذا المشروع على اهتمام الجمهور، لما ينطوي عليه من بشائر النهضة والعمران، ومن خلجات القلوب المتعطشة إلى الحياة السعيدة والمجد الأثيل، فكانت هذه القصيدة تحية للفجر المرتقب والأمل المنشود يقول فيها٢: أمل لاح في سماء الوجود ... ذهبي السنا زكي الورود لبسته تألقًا وأذالت ... فيه جازان ضافيات البرود ومنها: شاقها مولد "النهوض" فهبت ... تتبارى إلى احتضان الوليد وجلته طوالع اليمن والمجد ... وحفت به نجوم السعود وأظلت "رؤاه" أضواء "فجر" ... لغد أسعد وعيش رغيد

стр. 101

هاتف في مواكب "النهضة الكبرى" ... وفي مطلع النجاح الأكيد يعلن الفرحة التي أعلنته ... بلسان العلى رجال السدود تلك بشرى النهى بإقبال عصر ... من عصور التقدم المنشود أشرقت في جلاله الأرض بشرًا ... ومشت في ركابه المشهود إنما هذه "الزراعة" أصل ... لفروع ولبنة لمشيد في تضاعيفها بشائر مشروع ... لعذب من المياه برود أصبحت كالجنان وارفة الظل ... على منهل شهي الورود نحن في فترة التطور والتكوين ... والانتقال والتجديد فاحشدوا حولها الكفايات وامضوا ... حسرا عن سواعد من حديد واستحثوا الخطى هوًى واشتياقًا ... نحو مستقبل أغر مجيد وقصيدة "آل سعود في التاريخ" يشيد فيها بآل سعود وما حققوه للوطن من مجد وتقدم ورقي وحضارة بعد كفاح طويل وجهاد في سبيل الله، يقول١: عرش على الشرق للدنيا وللدين ... أشم يختال بالشم العرانين مدعم بالهدى والحق متشح ... بالنور يسطع من وحي وتلقين أحيا النفوس وأجرى في أعنَّتها ... روح التحرر من غل الشياطين سما "بآل سعود" فرعه ورسى ... بهم على الدهر في عز وتمكين أبطال معركة الإسلام في زمن ... مضرج بالضحايا والقرابين يضمخون ثرى الأوطان من دمهم ... عطرا ويفدونها من كل "نيرون" وينثرون على الآفاق "أمثلة" ... من الشمائل عطراء الرياحين بعرشهم رفع الإسلام رايته ... على الجزيرة خضراء الأفانين وأشرق الحق كالصبح المبين سنًا ... وأصبح العدل مضبوط الموازين إلى آخر القصيدة وقد اقتصرت على بعض أبيات منه، وكذلك قصيدة "القهر"، وهو جبل يبلغ ارتفاعه حوالي "٢٩٠" كيلو مترًا، وقد اشتهر هذا الجبل بصعوبة مسلكه، ووعورة أخلاق ساكنيه، وهم قبائل بدوية تدعى الريث، لعبت في تاريخ الجنوب أدوارًا عديدة غايتها السلب والنهب، وكان آخرها حركة التمرد والعصيان التي قامت بها القبائل عام ١٣٧٥هـ في عهد جلالة الملك سعود المعظم، وهذه القصيدة صدى من أحداث الماضي والحاضر٢ ومنها:

стр. 102

أدر اللحن رائعًا جبارًا ... كصدى "الرعد" يملأ الأقطارا وأتل من رائع البطولات ... فصلًا عربيًّا يخلد الأشعارا إنه موقف يلوح محياه ... جلالًا وعزة وانتصارا قهر "القهر" غازيًا ومغيرًا ... وأذل العصاة والأشرارا أوقدوا فتنة فكانت وقودًا ... للظاها تأججًا واستعارا أيقظت في "تهامة" و"عسير" ... أنفسًا حرة وقومًا غيارا عقدوا الراية السعودية الخضراء ... وساروا في ظلها أحرارا يعلنون الولاء محضًا لعرش ... رفع الله سمكه وأدارا أقبلوا في قبائل وحشود ... تخذت حبها "سعودًا" شعارا إنها دولة لها جعل الله ... من الحق والحق أنصارا هي لم تألهم أناة ولم تب ... خل عليهم روية واصطبارا إلى آخر القصيدة وقد اقتصرت على بعض أبيات منها، وهي تصور رأب الصدع في هذا الجبل وعودة الريث إلى المشاركة في بناء الوطن الحبيب.

стр. 103

التصوير الأدبي في شعر السنوسي: خلعت صحافة المملكة العربية السعودية على شاعرها السنوسي "شاعر الجنوب"، فهو بحق زائد من رواد الشعر الحديث في المملكة، ورائد الشعر في الجنوب منطقة عسير. يقول أحد رواد الشعر الحديث في المملكة يصف زميله في الريادة الحديثة، وهو الشاعر الكبير محمد حسن عواد يصف السنوسي: ولطالما عبق "الجنوب" وطالما ... صدح "الجنوب" بلحنه وترنما١ وهذه المنزلة السامقة ترجع إلى موهبته الشعرية الرائدة، وشاعريته القوية المتدفقة، فقد كان أكثر شعراء الجنوب شعرًا؛ إذ صدر له حتى الآن خمسة دواوين: القلائد - الأغاريد - أزاهير - الينابيع - نفحات الجنوب. وما زال ينشر الجديد من شعره في الصحف والمجلات والندوات حتى الآن. يقول عنه صاحب مجلة "المنهل" الأستاذ عبد القدوس الأنصاري: "قدم الصديق الأديب الأستاذ محمد بن علي السنوسي من جازان وهو شاعرها", ويقول الشاعر محمود عارف: "في ندوة سمر ساحر جمعتني دعوة كريمة من الأستاذ الجليل عبد القدوس الأنصاري صاحب مجلة "المنهل" بصفوة من الشعراء والأدباء السعوديين في حفلة أقامها في داره العامرة، ليلة الجمعة الموافق ٢/ ٦/ ١٣٧٦هـ، تكريمًا لشاعر الجنوب الأستاذ محمد بن علي السنوسي"٢. ولقد كان للديوان الأول "القلائد" وحده صدى عميق في أرجاء العالم العربي، هزَّ به مشاعر الأدباء والنقاد والشعراء حتى أخذ منزلته السامية بين شعراء العصر الحديث المجددين على مستوى العالم العربي، يقول عنه الشاعر الدكتور مختار الوكيل: "إن شعر السنوسي يمتاز بذلك الصفاء الروحي الأصيل، ويبرز لنا صوفية عذبة رقيقة مستحبة، ولعله أقرب ما يكون شبهًا بشاعرين من إخواننا الشعراء المصريين، هم الأستاذ حسن كامل الصيرفي، والأستاذ صالح جودت، وهما من رفاقي في رحاب أبولو"٣. ويقول الأستاذ عبد القدوس الأنصاري أيضًا:

стр. 104

"هو شاعرنا الذي تعتز به المملكة العربية السعودية، وتضعه في الصف الأول من بين شعرائها الأبرار.. شعراء الشباب المبدعين.. شعراء الأدب الرفيع، واللسان العف، والضمير النقي من الشوائب والأوضار"١. والسنوسي الشاعر في مدرسة التجديد المحافظ هو خير من يسير على المنهج في المذهب الأدبي لهذه المدرسة الجديدة في الشعر السعودي الحديث، فهو في تجديده يحافظ على الأصالة العربية الإسلامية في المعاني والأغراض، والألفاظ والأساليب، والنظم والتراكيب، والخيال والصور، والوزن والقافية، والاتجاه والمذهب، وسوى ذلك من خصائص هذه المدرسة التي سبق أن وضحناها بالتفصيل. خصائص الألفاظ والأساليب: والسنوسي مع تطلعه المستمر إلى التجديد يحافظ على أصالته العربية الإسلامية في شعره، فما زالت ألفاظه جزلة فخمة قوية، وكلماته عذبة سهلة مناسبة كانسياب الماء الصافي الزلال، وأساليبه متينة محكمة، وتراكيبه رصينة متلاحمة، ونظمه دقيق متفجر بالمعاني والايحاءات الشاعرية، يقول الأستاذ محمد سعيد العامودي: وأعتقد أن لثقافة السنوسي المتعددة الجوانب أثرها في شعره بصورة عامة، إلى جانب موهبته الفنية المعطاءة، ولعله من هنا يبدو لنا ما نلمسه في شعره غالبا من نبض في الأسلوب، وحيوية في الألفاظ وعمق في المعاني، وسمو في الأغرض"٢. فالأسلوب النابض هو المتدفق بالمشاعر، والمتفجر بالشاعرية والألفاظ الحية هي التي أخذت مكانها من النظم، فمنحها الحركة والحيوية، وانتقلت بذلك إلى عالمها المحس لا المجرد في أوضاع اللغة مع سلامتها من الوحشية والغرابة، وتنافر الحروف وثقلها؛ لأنها نبعت من عاطفة شاعر متمكِّن في اللغة. "ما أروع الشعر، ينبع من عاطفة شاعر متمكن في اللغة، جامع لأعنة الأسلوب العربي الرائع، مع سعة أفق وذهن وإخلاص مبدأ، وصدق عاطفة، وصحة بيان. وهذا الصفات اللامعة احتشدت كلها في هذا الديوان الأغر "القلائد" الذي يخرجه للناس شاعر ضليع، ذو قوة في البيان وإشراقة في الفكر، وروعة في المنطق، وجدة في الأسلوب"٣.

стр. 105

وحينما نقلب النظر في تأمل مع ما ذكرناه من شعره ستقف على هذه الخصائص الفنية للألفاظ والأساليب، ولا يمنع هذا من وضع اليد والحس عليها هنا من خلال هذه الأبيات لنؤكد ما سبق ولنشخص المعالم بالتحليل والنقد، يقول السنوسي في الطبيعة: يا ربا لج بي هواها فما ينفك ... نشوان من هوى ملحاح كم ترشفت من جمال لياليك ... فتونًا من الصبا والمراح وتنشقت من جلال مجاليك ... فنونًا من الشذى الفواح في الدجى والنجوم تغزل أحلام ... العذارى على صدور البطاح والضحى والغيوم ترسم في الوادي ... ظلالًا ندية الأدواح والنسيم النشوان يحتضن الزهر ... رقيقًا كطيبة الفلاح الذي قلبه أرق من الطل ... وأصفى من الزلال القراح إلى قوله: كلما ضني دجاك ورقت ... نفحات الصبا على الأدواح وانتشى الكون بالعبير وراح السيل ... يختال في السهول الفساح يغمر الأرض بالنعيم غزيرا ... ويهز القلوب بالأفراح نعمت روحي الكئيبة بالصفح ... وصحت من الأسى والجراح١ ترى الجزالة والفخامة في الألفاظ، وفي موسيقى قوية تدخل الآذان بلا استئذان في: "نشوان - ترشفت - فنونًا - الصبا والمراح - جلال مجاليك - الشذى الفواح - أحلام العذارى - صدور البطاح - ندية الأدواح - النسيم النشوان - الزلال القراح - إلى آخره من الألفاظ". وكذلك التراكيب محكمة رصينة، والأساليب قوية متماسكة فلا ترى فيها قلقًا ولا اضطرابًا ولا ضعفًا ولا تهتكًا، ولا لحنًا وسوقية، فالنجوم تغزل أحلام العذارى على صدور البطاح، والضحى والغيوم ترسم في الوادي ظلالًا ندية الأدواح، وهكذا وهكذا. أما صور الخيال التقليدية في هذا النص فناهيك عنها، إنها تطل برأسها في كل بيت، فالصور القديمة نراها في "يا ربا لج هواها" - ترشفت من جمال لياليك" - فنونًا من الصبا والمراح" "تنشقت من جلال مجاليك فنونًا من الشذى الفواح"، "تغزل أحلام العذارى على صدور البطاح"، "ترسم في الوادي ظلالًا ندية الأدواح"، "والنسيم النشوان

стр. 106

يحتضن الزهر"، وهكذا تكون الخصائص الفنية التي تدل على الأصالة الأدبية في الألفاظ والأساليب والصور القديمة. وأقرب شعره إلى الأصالة العربية الذي تسير على منهج الفحول من الشعراء القدامي ديوانه الأول "القلائد" يقول في شذى الرياض"، منها: هب نفح الصبا فقم حي نجدًا ... وتنشق شذى الرياض المندى واعتصر من هواك لحنًا ذكيا ... ريقًا كالنسيم صفوا وبردا وتمهل فهذه جلبة الشعر ... ومجرى الجياد قبسًا وجردا سرح الخاط المشوق وجدد ... "امرأ القيس" والنوابغ عهدا تلك آثارهم وهذي مغانيهم ... وروض الشباب ما زال يندى كلما هبت الصبا هبت الروح ... طيوفًا وردّد الفكر أصدا نفحات من الفراديس رفت ... أقحوانًا وأرجوانًا ورندا عب منها الهواء عطرًا وذابت ... فوق صدر الفضاء مسكًا وندا أرج شيق العبير وروح ... عطر الكون بالجمال وندى يسكب النور والعطورويضفي ... من ظلال النخيل والروض بردا حي لحن الصباح وأبسط ذرا ... عيك وضم النسيم شوقا ووجدا وامتزج بالصبا الشغوف وقبل ... نفسا قبل الخمائل خدا نسج الفجر في غلائله الطل ... وجاك السنا حريرا وسدى واصطفاه "رسالة" من ريا ... نجد وأنفاسها سلامًا وودا ترد "النيل" و"الفراتين" و"الأرز" ... و"غمدان" و"الخليج" و"بردى" وترود الضفاف تهمس "للزيتو ... ن" نجوى و"للجزائر" وعدا١ وهكذا إلى نهاية القصيدة "وهي طويلة" تعود بنا إلى عصر أبي تمام والبحتري وابن المعتز والمتنبي وغيرهم من فحول الشعراء. الوزن والقافية: السنوسي يعشق أوزان الخليل وقوافيه، ويعد الخروج على عمود الشعر في الموسيقى تمردًا على الأصالة، وتمزقًا لطبيعة الشعر الأصيل المتميز على النثر الأدبي، والشعر المنثور، وإذا ما تجوز في موسيقاه، كما يتجوز شعراء عصره، نراه ينزل إلى مستوى الموشحات الأندلسية كالمخمسات، والمقطعات الشعرية، التي تختلف فيها القافية في كل مقطع مع الاحتفاظ بالبحر

стр. 107

العروضي حتى نهاية القصيدة في كل المقطعات، هذا أقصى ما يخرج به الشاعر عن السمت الخليلي، وذلك مثل قصيدة "عودة الماضي" تسير على نظام المقطعات وسبق ذكرها١. وقصيدة "أتمنَّى"٢ وقد مرّت هي كذلك. ولا يكتفي السنوسي بالمحافظة على القالب الموسيقي والالتزام به فحسب، بل كثيرًا ما يقلقه الخروج عليه والتمرد على الخليل بن أحمد، من شعراء التفعيلة الذين يطيرون وراء كل هيعة، ويرددون صدى كل ناعق، فيهجم عليهم وعلى عشاق الشعر الحر، تارة بالإفصاح عن اللحن الشعري القوي الذي يعبر فيه الشاعر عن أصالته العربية في الشرق والغرب: نغمة من لغة الإنسان ... في شرق وغرب يفهم القلب معانيها ... بلا حرف ولا كتب ويعيها غير محتاج ... إلى ضم ونصب وإلى أنغامها الحلوة ... يهفو ويلبي ويناغيها إذا ناغت ... بتحنان وحدب إنها أفصح من أفصح ... شعر المتنبي إي وربي إنه ابني ... إنه "عصفور قلبي"٣ ويعبر عن أصالة الشاعر أيضًا في قصيدته "الكلمات والشاعر": في عالم الكلمات دنيا ... للشعر والشعراء عليا في ظلها للفكر منطلق ... وللأرواح لقيا في عالم الكلمات دنيا ... سقيًا لها مني ورعيًا كم بت في أحضانها ... أستلهم الأضواء وحيا وأساهر الأشواق منطلقا ... بها فكرًا ورأيًا وأذيب للظامئين حيا ... وللغافقين وعيًا والشاعر الفنان دنياه ... من الكلمات تحيا٤ وتارة يتفجر السنوسي ثائرًا على الشعر الحر، وعلى شعراء التفعيلة، والخارجين على الشعر

стр. 108

العمودي، وذلك في ثورة عنيفة، ولهيب مشتعل، شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وثائرًا، يقول في قصيدته "الشعر الحر"١: لا العود عودي ولا الأوتار أوتاري ... ولا أغاريدكم من شدوي وأطياري من أين جئتم بهذا الطير ويحكمو ... لا الريش ريشي ولا المنقار منقاري إني أرى في جناحيه وسحنته ... سمات "اليوت" لا سيماء "بشار" وصرت أسمع ألفاظًا مقلقة ... طرق المسامير في دكان نجار ألبستموني ثيابًا لا تشرفني ... كأنها فوق جسمي حبل قصار سود وحمر وصفر لا انسجام لها ... كرسم "بيكاس" يعي فهمه القاري ماذا تقولون: تجديد؟ لقد هزلت ... وسامها كل مهذار وثرثار ما الشعر؟ هل هو ألفاظ مسيبة ... بلا قيود رديء للمنطق الهاري الشعر هندسة كبرى تكاد ترى ... في النسج واللفظ منه روح فرجار والوزن للشعر روح وهي إن فقدت ... أضحى جسادا بلا حس كأحجار قصيدة النثر مثل المشي جامدة ... والشعر كالرقص في سيقان أبكار ورب حرف صغير الشأن يرفضه ... لحن المشاعر في ترنيم قيثار تأبى الحروف التي صيغت نماذجها ... من رعشة الروح في أعماق أسرار إن تلتقي معكم في سبق خاطرة ... عرجاء تحجل في ميثاء مهيار لكل فن أصول يستقل بها ... شتان ما بين سباك وعمار تبينوا بعض ما تبغون وانطلقوا ... في الروض ما بين أزهار وأثمار وجنبونا غثاء لا جمال له ... ولا رواء ولا يوحي بإكبار إن كل لابد من فن نجدده ... فجددوا في مضامين وأفكار وأنطقوا الصخر في ترنيم قافية ... كرعشة الضوء في لمع السنا الساري حرية الشعر في إشراق فكرته ... وفي تساميه عن لغو وإقذار وأن يكون لكم في كل معترك ... رأي جهير وعزم غير خوار أما كفى أننا فقر ومخمصة ... نستورد الغرب نيكلًا بخسًا بدينار والشعر نور ونار والنفوس لها ... طبع الفراشات عشق النور والنار ورب ذي قلم أعطى لأمته ... ما ليس يعطيه فيها نهرها الجاري فالسنوسي شاعر عمودي يسير على درب القدماء في المحافظة على البحر العروضي الخليلي، والالتزام بالقافية؛ لأنها روح الشعر، ودونها يكون جسدًا بلا روح، وجمادًا لا يشعر

стр. 109

ولا يحس، بل نثرًا يقوم على توقيعات جامدة، أشبه بالمثنى الذي لا يثير انتباهًا، ولا يوقظ حسنًا. أما إيقاع الشعر فهو كرقص الغادة، تعزف بسيقانها موسيقى شجية تثير المشاعر، وتستلهم الوجدان؛ لأن الشعر هندسة كبرى، وانسجام بين الألفاظ بعضها مع البعض الآخر، وترابط بينها وبين معانيها. بينما الشعر الحر يقوم على حشد الألفاظ بلا روابط، وانسجام بين إيقاعاتها ومعانيها بما يتجافى مع طبيعة الشعر ومنطق العقل؛ لأنه غريب على الذوق العربي الأصيل، يحمل في طياته سمات الغرب، وينزف بدم "اليوت" لا بسمات الشرق ونشره الفواح الذي يعبق الدنيا بطيب "بشار بن برد"، فالشعر الحر ثرثرة وهذر وغثاء لا روعة فيه ولا جمال، ولا رواء ولا إكبار، وإذا كان للشعراء من دور لا بُدَّ منه في التجديد، فليتسابقوا ويتنافسوا إلى التجديد في المنهج والمضمون، لا في اللغو والعبث، وليتباروا في المعاني البكر والأفكار الجادة البناءة، لا في هدم مباني الشعر، وتمزيق طبيعته، ليكون الشعر جنديا، يدفع بالأمة إلى الحضارة والرقي في عزم وشجاعة وقوة، لنحافظ على الأصالة العربية الإسلامية، ونترفع عن التقليد الأعمى للغرب في كل شيء، بما لا يتناسب مع الروح الشرقية وعراقتها، فقد كان الشعر ولا زال نارًا ونورًا، وينبغي أن يكون كذلك؛ لأن الإنسان لا يزال يعشق نور العلم، ويدفع عن نفسه بنار الحرب، فكثيرًا ما أعطى الشعر، ولا يزال يعطي الشاعر لأمته لبناء الأخلاق والأجيال، أكثر مما تعطيه الأرض من الطعام والشراب فهما معًا قوام الحياة وركيزة الحضارة الإنسانية. وبهذا يحافظ السنوسي في مذهبه الأدبي على الأصالة العربية الإسلامية في شعره كما رأينا، وهو في نفس الوقت يعشق التجديد في المضمون والمعاني والأفكار، والمغازي والأغراض، والخيال والصور، وسبق الحديث عن التجديد في الأغراض، فقد لبست معظمها ثوبًا جديدًا قشيبًا في معانيها ومضامينها وغايتها ومغزاها، وسنتحدث عن التجديد في الخيالات والصور الأدبية في مجال التصوير الأدبي. التشخيص في التصوير الأدبي: خيال السنوسي بعث الحياة في المعاني والمجردات، وحرك الأفكار والجمادات في صور أدبية حية تموج بالحركة والحياة، وتنبض بالحيوية والقوة. وتشع منها الألوان والأضواء والظلال، وترتسم في شكل يتناسب مع طبيعة الغرض، وحجم يتفق مع المغزي وغير ذلك من عناصر التصوير الأدبي الغني بالخيال الخصيب العميق. فالجبل "فيفاء" ليس صخرًا ولا حجرًا، ولا ترابًا ولا مدرًا، ولكنه بخيال الشاعر إنسان

стр. 110

قويّ يتحدى العواصف والزلازل، وشجاع شامخ يصاول العوالي والمعالي، يترفَّع عن الأرض وهو منها وعليها، ليعشق النجوم في السماء وهو غريب عنها وتحت ظلالها، ويزاحم في ذلك كواكب السماء وهم أحق وأجدر بمن في الأرض. مهابته مشرئبة في صلف وغرور، وشموخ وكبرياء، قد تجلت هامته بالخضرة اليانعة، وتعممت بالزهور الفواحة، وهكذا يكون دور الخيال في التشخيص وبعث الحياة وبث الروح يقول السنوسي: "جبل" تعشق النجوم مجاليه ... وتصبو إلى ذراه العوالي يزحم النيرات منكبه الضخم ... ويحتله بالسها والهلال مشرئب إلى السماء برأس ... صلف في شموخه متعال أخضر السفح أزهر السطح مصقول ... الحواشي زاهي الربى والتلال١ فعناصر التصوير الأدبي تظهر في الحركة المتجددة في استمرار من استعمال الفعل المضارع "تعشق - تصبو - يزحم - يحتك" الذي يدل على الحدوث والمستقبل والاستمرار، وتظهر في الألوان الزاهية: في خضرة المجالي وذرى المعالي والسفح الأخضر، والسطح الأزهر، وصقل الحواشي، وزهو الربى والتلال، ولمعان السها، وبريق الهلال، وتظهر في حجم الجبل فهو ضخم من الرواسي يتربَّع على الأرض متطلع إلى المعالي وإلى السماء، وتظهر في شكل "فيفا"، فهو إنسان لا جبل له منكب يشرئب برأسه في شموخ وتعال وكبر وصلف وغرور قد تعممت هامته بالخضرة وفاحت منها نشر الزهور، وهكذا أحكمت الصورة الأدبية بعناصر التصوير الشعري التي تثريها بالألوان والأضواء والحركة والحجم والشكل٢. أما ليل السنوسي في الريف غير الليل في المدن، فهو ملك ضافي الجناحين يضم الحياة والأحياء في دفء وحنين، يسري إلى النفس ليداعب العينين بالنوم، وهو فيلسوف في سكونه ووقاره، يتأمَّل ويتدبر أحوال الناس فيطرق عجبًا وخجلًا من هفواتهم، وهو شاعر عبقري سابح في وحيه وإلهامه، لا يدري عن عمره شيئًا، وهو طاهر متجرد عن المفاسد والمعاطن، وعاشق ذاب غارقًا في حبه، لا يعنيه شيء كان أو لم يكن، وهو صامت يحلق بالأرواح في العالم الغني بالجمال، يسري هدوؤه وسجوه بين الأحشاء في نعومة وصفاء، ليؤلف بين روح السماء
следующие страницы →