العسكرية، والمهارة الفنية، وغير ذلك مما ورد في القصيدة بما يتناسب مع مهارته العسكرية، ومنصبه في الجيش الذي يقوده ويتولى أمره ورعايته.
ثالثًا: القيم التي قامت عليها مدائحه قيم نبعت من ظروف عصره ومقتضيات أمته، فقصيدة "رائد نهضة" اشتملت على القيم العلمية والفكرية والأدبية، التي جعلت معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزيرًا للمعارف، وموجهًا للمعاهد العلمية في المملكة العربية السعودية، وكذلك قصيدة "فرحة ولقاء"، وقصيدة "أسفر الصبح" قامتا على قيم سامية نبعت من مكانة الأمير القيادية والعسكرية، وحنكته السياسية، بما هو به جدير، فصار أهلًا لهذه القيادة، وكذلك الأمر في القصيدة الرابعة.
رابعًا: تجردت المدائح عند زاهر من الإطالة في المدح القديم، وتسخيره لحاجة القائل من الرغبة في المنح والعطايا التي يبتغيها من الممدوح؛ حيث كان الشاعر القديم يقصد من شعره العطية ابتداء، فإن لم يفض عليه الممدوح بها انقلب الشاعر هاجيًا ناقمًا، مما جعل القصائد في المدح القديم سلمًا تقليديًّا يتدرج فيه الشاعر على القيم التقليدية في المدح عند الشعراء فلا يخرج عنها.
لكن زاهر حينما ينشد قصيدة في المدح لا يبتغي من ورائها شيئًا من ذلك مما يعبر بصدق عن الصفات التي لا تنفصل عن الممدوح، والتي نبعت من ظروف عصره لا عن تقليد للغير، وفاضت بها طبيعته وروحه ومنهجه في الحياة المعاصرة، ولذلك كانت القيم التي يمتدح بها الشاعر ممدوحه قيمًا جديدة معاصرة، تتلاءم مع شخصية الممدوح، وطبيعة العمل الذي يقوم به، فطبيعة شخصية صاحب السمو الملكي قائد جيش، وصاحب المعالي وزير للمعارف وموجه في التعليم، وطبيعة الأمير السديري تختلف هي الأخرى عن الطبيعتين السابقتين، وهكذا أصبح لشاعرنا اتجاه خاص في مدحه يختلف فيه عن المدح في الشعر القديم.
سادسًا: شعر الحضارة
وهذا غرض جديد من أغراض الشعر الحديث، يصور فيه الشاعر الحضارة المعاصرة بشقيها، الأول: المعنوي والأخلاقي والمثالي، والثاني: المادي من التقدم العلمي الصناعي والزراعي والاقتصادي وغيرها.
وقد يتجاوب بعض الشعراء المحدثين مع التقدم الحضاري في شعر يصور هذه الجوانب، وقد لا يتجاوب البعض الآخر، وشاعرنا زاهر قد أنشد شعره في هذا الغرض الجديد، مثل قصيدته، "مراقي الفضاء" التي ألقاها الشاعر في الحفل الثقافي الكبير "بمعهد أبها العلمي" عام ١٨٤٨هـ، وذلك حينما حدثت ضجة كبرى حول غزو الفضاء، وظهرت بوادر الإنكار.
стр. 177
من بسطاء الناس لذلك التقدم العلمي، فاشتملت القصيدة -كما يقول الشاعر- على هذا الغرض الحضاري، ثم ختمها بجوانب من التوجيه والدعوة إلى العلم، يقول١:
زمجر الركب في مراقي الفضاء ... واعتلى الفكر شامخًا بالضياء
وانطوى هيكل الدواجي فباتت ... شعلة النور راية النجباء
ليت شعري من أي برج أطلت؟ ... أنجم الكون والعلا والبناء
ليت شعري من أين منطلق النور ... الذي كان آية في البهاء
إن إشعاع دعوة الحق قد شاء ... الإله خلوده في البقاء
أيها المسلمون قد أصبح اليوم ... شعاعًا مبشرًا بالهناء
فارتقوا في معارج المجد وابنوا ... من صروح السلام نهج إخاء
وابتنوا في ذرى الأماجد صرحًا ... تعتلي فيه دوحة السعداء
تصعد القادة العظام وتزجي ... أمما في مواكب العلياء
فنرى العلم عندها بمكان ... لا ينال ببيعها والشراء
بل بقدح الزناد للفكر حتى ... تكشف الحجب عن وميض السناء
إن للعلم دولة لا تسامي ... قد حداها فطاحل العلماء
فانهلوا من معين عذب زلال ... لا تغيض فيوضه بالفناء
منهل تنطوي الليالي ويبقى ... متعة للنفوس للنبلاء
يا رجال الإسلام أحيوا علومًا ... من تراث مهذب الآراء
جددوا في العلوم من كل فن ... واستنيروا بشرعة الأنبياء
سبقتنا إلى الفضاء شعوب ... واستطارت على ذري الأرجاء
وغزت عالم الفضاء فدوى ... صوتها في مرابع الكبرياء
فبنوا الشرق يفخرون بما قد ... حققوه من موجبات الرخاء
وبنو الغرب قد تباهوا بعلم ... سخروه في غزوهم للفضاء
فلماذا محا المعالم منا ... باعث الجهل معشر العقلاء
شرعة الله أن نعيش كرامًا ... وبنور نرقى ذرى الكرماء
ثم نبني بقوة ما استطعنا ... لا نبالي بمبدأ الضعفاء
يا شباب الإسلام إني مناد ... فيكم اليوم فاسمعوا لندائي
أنتم اليوم أشبل في ذرانا ... وغدا في مواكب الزعماء
فانشروا الوعي في الجماهير حتى ... تتبنى المجد في ذرى شماء
стр. 178
إنني اليوم لا أروم خيالًا ... فالخيال مشتت الأفياء
بل أقول بدافع من شعور ... حيوي متوّج بالرجاء
هل لنا اليوم في المعالي شباب ... مستجيب بعزة ووفاء
يحملون الأعباء غرًّا كرامًا ... في مراقي شريعة سمحاء
فالبدار البدار يا أمة المجد ... ننادي بوحدة وإخاء
واصرخي في بنيك أحفاد سعد ... والمثنى وخالد العلياء
ففخار الشعوب بالمثل ... الأعلى بجيل مثقف شرفاء
لهموا غاية منار الثريا ... دون أدنى مرامها البناء
بارك الله في شباب تساموا ... للمعالي وللبنا والفداء
وارتقوا في مشارف المثل العليا ... وكانوا أشاوش الهيجاء
يصور الشاعر مدى التقدم العلمي الحضاري الحديث، الذي وصل فيه العلماء إلى الفضاء، وغزوا معالم الأرجاء، ثم يوجّه شباب أمته أن يواصلوا الدأب والكفاح في سبيل تحصيل العلوم، لكي تعيش الأمة الإسلامية كريمة لترقى مشارف الكرماء، ولتبني حضارتها بقوة لا تبالي أحدًا، ولا تتخذ مبادئ الضعفاء منهجًا وسلوكًا، لا يتحمَّلون هذه الأعباء كرامًا، ليرتقوا بها في ظلال شريعة سمحاء، كان سعد وخالد والمثنى ﵃ المثل الأعلى لهذا الجبل المثقف الذي كان دائمًا يسمو للمعالي والبناء والتضحية والفداء.
والشاعر هنا قد مزج بين شِقَيّ الحضارة العلمية المادية والفكرية الأخلاقية، فحثَّ الشباب على سباق الزمن، لكي يصلوا إلى ما وصل إليه الغرب من تقدم في مجال الصناعة العلمية، التي تمَّ بها غزو الفضاء، ولا يصلح هذا التقدم إلَّا في ظلال الحضارة الأخلاقية والقيم الفاضلة التي هي جوهر شريعة الإسلام، والتي جعلت من قوادها مثلًا أعلى يقتدى بهم في كل عصر وجيل؛ لأن الحضارة العلمية المادية وحدها لا تنفع، ولا ترقى بالأمة، بل لا بد من مؤازرة الحضارة الأخلاقية والمثالية لتهذب النفس واستقامتها على الجادَّة في بناء الحياة وتقدمها، وإرسائها على أساس قوي متين من الحضارة الإنسانية النافعة.
واهتمَّ الشاعر كثيرًا في شعره بإبراز الحضارة الأخلاقية التشريعية التي جاء بها الإسلام، فهي الركن السامي، والجادِّ في بناء الحضارة المادية الصناعية والزراعية، وذلك في قصيدته "تحية مؤتمر الفقه الإسلامي" الذي دعت إليه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المنعقد في الفترة من ١/ ١١/ ١٣٩٦هـ إلى ١٨/ ١١/ ١٣٩٦هـ، ليشيد بعلماء الإسلام وفقهائه ومحدثيه والدعوة إلى الاقتداء بهم منهجًا وهدفًا وتضامنًا١:
стр. 179
أقول وقد لاحت بآفاقنا البشري ... أتلك رياض العلم تستقبل الفجرا
أتلك مراقي مالك وابن حنبل ... تفجر من عرفانها في الدنا بحرًا
أتلك رحاب الشافعي وصحبه ... تفيض على الأنفاس من روحها نشرًا
أتلك ربا النعمان والصحب حوله ... أناروا لنا دربًا وأثروا لنا فكرًا
أتلك بلاد الشام فاحت تضوعًا ... وقد أنجبت أسمى فطاحلها قدرًا
أتلك ربوع القيروان تحركت ... وتاقت إلى القادات إذ يمت مصرًا
أتلك بخارى تنفح المسك أذفرًا ... وقرطبة الغراء كانت لنا فخرًا
بلاد أقامت للحضارات منهجًا ... يطاول في عليائه الأنجم الزهرا
ومؤتمر الفقه الذي ذاع في الورى ... وأمسى بحمد الله في ليلنا بدرًا
ويممه من كل فج فطاحل ... وقد سبرت أبعاد أغواره سبرًا
وأهل بكم يا قادة الفكر والنهى ... ومؤتمرات الخير أنتم يا أحرى
فسيروا على نهج الألى شيدوا لنا ... صروحًا من التشريع ناصعة غرًّا
وقد حلقوا للمجد في عزم صامد ... تخطى صعاب الدهر واستسهلَّ الوعرا
تولوا كتاب الله بحثًا وخدمة ... وغاضوا من اللجات أعمقها غورًا
وللسنة الغراء قد جد جدهم ... فجابوا فجاج الأرض ما تركوا قطرًا
فأصبح ينبوع المعارف مترعًا ... تطوف على رقراقه أمم تترى
وإن هدى القرآن للناس ساطع ... فأحيوا بتشريعاته في الورى ذكرًا
كما واصل الأسلاف في هدأة الدجى ... دراساتهم للذكر فاكتسبوا أجرًا
فشادوا من التشريع صرحًا مخلدًا ... ألا ننضوي في ظلة مرة أخرى
هو الأمن والإيمان والنعمة التي ... بها تسعد الأجيال في شأنها طرًّا
وهكذا يمضي الشاعر إلى نهاية القصيدة، يشيد فيها بحضارة الشريعة الغرَّاء والفقه الإسلامي الذي يقيم منهجًا جادوا وسلكوا فاضلًا، أقام أصوله وجمع أبوابه أئمة أجلاء في العلم والمعرفة مثل الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي وصحبه، والإمام أبي حنيفة النعمان وصحبه، وقد أينعت هذه حضارة الفقه الإسلامية في بلاد الشام فأنجبت أسمى فطاحلها، وفي ربوع القيروان، وفي قادات مصر، وفي بخارى وقرطبة الغراء، وغيرها من الحواضر الإسلامية القديمة التي أقامت للحضارات منهجًا تطاول إلى النجوم في الشرف والرفعة، فشادوا من التشريع الإسلامي صرحًا شامخًا خالدًا، يرفرف على الأجيال بالأمن والإيمان والنعمة والسعادة، فقد أنقذهم من الضلال والتيه والفساد في البر والبحر والجو كتاب الله وسنة رسوله، والجهاد المقدس في سبيل الله وسنة رسوله، فالخير العميم للأمة الإسلامية والأجر الجزيل للمؤمنين، إنما يكون بالسير على منهج الإسلام وتنفيذ حكم الله في مجالات الحياة، وفي الوحدة الإسلامية الكبرى.
стр. 180
تلك هي القيم الأخلاقية والروحية التي تعد أساسًا في بناء الحضارة في أيِّ عصر وفي كل جيل، وليس هذا فحسب، فحضارة الإسلام أيضًا تقوم على ذلك النظام الاقتصادي الإسلامي المادي الفريد في منهجه وممارسته لهذا الاقتصاد، الذي تولَّى تنظيمه وتوضيحه الفقه التشريعي، على نحوٍ لا مثيل له في المذاهب الاقتصادية الحديثة من اشتراكية ورأسمالية.
فالفقه الإسلامي أرسى قواعد النظام الاقتصادي المادي في كتاب المعاملات على النحو الآتي:
اهتمَّ بموضوع المقاييس الصحيحة في تحديد القيم العليا ليجعلها أساسًا للتفاضل بين الناس، وهي الأخلاق وحسن الأعمال لا الأموال والعقارات، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرِمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولو كان التفاضل وبلوغ المنزلة السامية عند الله بكثرة الأموال لتحوَّلت البشرية إلى وحوش ضارية يفترس فيها القوي الضعيف بلا مبالاة؛ لأن ذلك شريعة، ... ولكن الله لطيف بعباده.
أقرت الشريعة الإسلامية أنَّ المسلم مستخلف على هذا المال وأمين عليه، وموظَّف فيه من قِبَل الله ، الذي جعل مهمته على المال المستخلف عليه هي التنمية والإنفاق، لا الكنز ولا الاحتكار.
اهتمَّ بالمصادر التي يكتسب فيها العبد المال، فحثَّ على أن تكون مصادر طيبة أحلها الله وشرَّعها لعباده، وحرَّم المصادر الخبيثة والكسب الحرام ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وفرض الله على المسلمين في أموالهم حقوقًا واجبة مثل حق النفقة على الزوجة والأولاد والآباء والأمهات، والنفقة على الأقارب، وحق الزكاة وحق الإنفاق في سبيل الله.
أقام نظامًا تشريعيًّا فقهيًّا عادلًا في العقود والمعاملات حتى لا يتظالم الناس، فوضع الأصول والقواعد والشروط والواجبات في أبوابه المختلفة من بيع وشراء وهبة وإجارة وإعارة وإحياء مواضت وزراعة، وشركة ومضاربة، وقرض وسلم، وخيار ووصية وغيرها من أبواب المعاملات في الفقه الإسلامي.
كما نظم عملية الإنتاج والعمل، ونظَّم السوق والحركة الاقتصادية فيه من وضوح السلعة، وضبط الأسعار، والوفاء بالكيل والميزان، وغير ذلك لمن أراد أن يستزيد.
وبهذا يتضح لنا أن الفقه الإسلامي في باب العقود والمعاملات يحمل بين طياته النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يبني الحضارة المادية، ويسمو بالأمة الإسلامية حضاريًّا، لا من
стр. 181
الجانب المادي فحسب، بل سبب الأسباب هو البناء الأخلاقي المثالي الذي يتلاحم مع الجانب المادي.
فإخلاص العمل الماديّ ليكون لوجه الله تعالى يسبغ عليه طابعًا تعبديًّا أخلاقيًّا.
والجوانب المادية تتحرَّك من خلال مراقبة ذاتية داخلية في ضمير المسلم يخشى الله ويخاف عذابه وحسابه، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
وكذلك قصيدته "تحية المغرب العربي" التي يشيد فيها بحضارة الإسلام في المغرب العربي وبلاد الأندلس، ومطلعها١:
عبقت بالنشر في أسنى مكان ... وبدت شماء في أفق الزمان
إلى قوله:
أنا في أرض سما المجد بها ... ونمت أيامه في كل آن
فاذكروا القادات في راياتها ... عندما خاضت عباب المعمعان
وتسامى "طارق" في أوجها ... يتخطَّى فوق أطراف السنان
واستقامت في ربا أندلس ... جنة الدنيا ونبراس المغاني
أنا إن حلقت في الأفق وإن ... غصت في الأعماق فالمجد حماني
ألمح الشطئان من أندلس ... وابن زيدون أمامي وابن هاني
فاذكروا بالفخر أرباب النهى ... من رقوا فيه إلى أسنى مكان
стр. 182
التصوير الأدبي:
أولًا: التجربة الشعرية
هو انفعال الشاعر بمشهد أو حدث أو فكرة أو موضوع أو عاطفة أو خاطرة، أو غير ذلك مما يهز المشاعر ويحرك الأحاسيس ويثير الوجدان، ويلهب العاطفة، ويحيي الخواطر ويبعثها، لتتلاحم كلها في عالم الشعور، أي: في معامل النفس والوجدان والمشاعر والعواطف في تجربة شعرية تتحرك إلى مجالها، مجال الأسلوب والإبداع في التصوير، الذي يتعاون فيه العقل والخيال معًا في انتقاء الألفاظ والأساليب والصور والموسيقى والإيقاع، ليتناسب الجميع مع الغرض والموضوع والمعاني والعاطفة والمحسنات، في اتزان وتوازن بين العقل والخيال؛ بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر في داخل النفس.
فإن طغى الخيال، وانطلقت العاطفة والمشاعر والوجدان انصهرت القصيدة في تصوير أدبي ينساب كالسراب بعيدًا عن الواقع والالتزام، مسرف في الذاتية والأنانية، ومتحرّر من كل ما يشد المشاعر إلى واقعه في الأرض، فيحلق الشاعر إلى برج بعيد يملؤه التمرد والتحرر المطلق، والذاتية المسرفة والأنانية الزاهدة.
وإن طغى العقل تنوعت القصيدة إلى عدة أشكال نتيجة للتحجر العقلي والإسار المنطقي، بما لا يتناسب مع طبيعة الشعر، فإما أن تكون القصيدة في أسلوب علمي يقرر القواعد والأصول، ويطلق الأحكام، ويعلن النتائج، وهو ما يطلق عليه النظم العلمي، مثل ألفية ابن مالك والبديعيات كالقصيدة البديعية لصفي الدين الحلي وغيرها.
وإما شعري تقليدي أثخنته الزخارف والأثقال، وتعثَّر في الجمود العاطفي والفكري، وتجمدت فيه المشاعر والأحاسيس، في نظم يدور على ما قاله القدماء، في تقليد أعمى بلا موهبة شعرية ولا استعداد أدبي لقول الشعر، وذلك مثل الشعر قبل البعث الأدبي المعاصر على يد البارودي ومن معه.
وإما محافظ "كلاسيكي" يطبق فيه الشاعر عمود الشعر العربي، لكنه في جفاف العقل ومقاييس المنطق، ويأبى أن تمتد شرايين الخيال، لتبعث فيه الحياة، ويكفيه أن يصور الحقيقة مقنعة، تأخذ مكانها من العقل لا الوجدان ولا القلب، وهذا الشعر يذهب عن قارئه بمجرد أن ينتهي لا يجد له أثرًا مثل شعر ابن عثيمين في السعودية، وشعر ابن نباتة المصري، والشيخ العطار من مصر وغيرهم.
стр. 183
أما إن سار العقل والخيال في اتزان ومطاوعة للفكر والمشاعر والعاطفة والواقع، جاء الشعر في تصوير أدبي يحرِّك المشاعر ويهز العواطف ويحيي الخواطر ويبعث النشاط الفكري، وبهذا الاتزان في الشعر تتحقق الغاية منه، وهي: التأثير، والاقناع معًا. وهو ما يعتمد عليه الشعر القوي الملتزم، فيؤدي دوره في الحياة، من تربية الذوق الأدبي، وتنمية الملكة الشعرية، وبناء الحياة وتقدمها، وهذا ما يجب علينا نحو الحياة والإنسان والمجتمع وقضاياه المعاصرة.
والصدق الفني في التجربة يتحقق عن طريق التلاؤم بين العاطفة والخيال، والمعاني والأفكار، والموضوع والغرض، والمشاعر والأحاسيس، وبين التصوير الأدبي من ألفاظ وأساليب، ونظم وصور، وإيقاع موسيقي، وفي التلاؤم بين هذين الشطرين يتحقق الصدق الفني في التجربة الشعورية.
والتجربة الشعورية عند زاهر فيها الخواطر والأساليب، والعواطف والصور، بتآزر العقل والخيال معًا على السواء في تجربة شعرية قوية، التزم فيها الشاعر بقضايا وطنه وأمته وعالمه الإسلامي الكبير، وكان من وراء ذلك دوافع في بناء تجربته، أسبغت عليها تلك الخصائص، من أهمها:
الأول: حضور زاهر مؤتمرات الحجيج في جميع أقطار العالم الإسلامي في كل عام، وإن في هذا الموقف دافعًا قويًّا، ودفعة شعرية، وإثارة للوجدان والعاطفة، بما يقل شأنًا عن المواقف الشاعرية المتدفقة، التي ينثال فيها الشعر انثيالًا، ويتراسل التصوير الأدبي بالصور المتزاحمة إرسالًا، في شاعرية أخاذة، يستمد الشاعر تجربته من رافدين قويين، أحدهما: الموقف الروحي الذي يتفجّر من الوحدة الإسلامية بين الحجيج، مع اختلاف أجناسهم وألوانهم، وتباين لغاتهم واتجاهاتهم، وتدفق الجانب الروحي والنفسي يدفع إلى تدفق المشاعر، وقوة الانفعال، وإثارة الوجدان، وحمم العاطفة وبعث الخواطر.
ثانيهما: إيحاء المشاعر المقدسة في مكة المكرمة، وفي منى وعرفات بما جاء في الإسلام من شعرية بناءة، وحضارة مشرفة للعالم أجمع، يدفع بالشاعر إلى بحر الشريعة الإسلامية العميق، فتنساب روافده القوية في شعره، التي تفي بالقيم الإسلامية والأخلاق القرآنية، ليناجي أمة الإسلام في ممثليها الحجيج بالعودة إليها، وتطبيق تعاليمها وقيمها، فهو السبيل الأوحد في انتصار الأمة الإسلامية على أعدائها، كما أقام السلف الصالح على هذه الأرض الظاهرة تلك الحضارة الإسلامية الشامخة، وذلك مثل قصيدة "مشاعر الإلهام"، وقصيدة "في ربا الحرمين"، وقصيدة "في مشاعر الحج" وقد مرت أمثلة منها.
الثاني: روح الجندية التي بدأ بها حياته، فقد رسمت طريقه ومنهجه في الحياة، الذي يقوم على أساس من الصمود وتخطي العقبات مهما كانت شاقة، فقد قطع شوطًا طويلًا في الجندية ثم
стр. 184
حصل على أعلى الدرجات العلمية بعدها، حصل على الدكتوراة وأصبح أستاذًا في الشريعة، وانعكست حياة الجندية على شعره، فوجَّه غايته الكبرى إلى شعر الجهاد والحث عليه في سبيل نصرة الإسلام والمسلمين، فلا يرى إلّا البارود والنار، ولذلك كانت أغراضه الشعرية تصور القضايا الإسلامية وخلود الشريعة وأمجادها في الماضي.
ويذكرني هذا الاتجاه برائد البعث الشعري محمود سامي البارودي في مصر، مع الفارق الزمني بينهما، فقد كان البارودي فارسًا وجنديًّا، لكنه وجه عنايته إلى البعث اللغوي والإحياء الأدبي لإعادة اللغة العربية وآدابها إلى وجهها المشرق، الذي كان لها في عصورها الزاهرة عصر الأمجاد.
واتجاه زاهر متفق مع اتجاه البارودي من حيث المنبع والمصدر والهدف، لكنه يختلف من حيث الوسيلة لا الغاية، فالوسيلة عند زاهر هي الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، وتحرير الأرض من الصهاينة واليهود؛ لتعود أمجاد الأمة كما كانت، لكن البارودي جندي فارس أعاد المجد إلى اللغة العربية وأدبها، لغة القرآن الكريم والشريعة الإسلامية ... وشتان بين الوسيلتين.
وشتان بين عصري الشاعرين، فالبارودي بمعارضاته رائد البعث الشعري في العصر الحديث، وزاهر من مدرسة المحافظين التي افتتحها البارودي، يسير شاعرنا على الديباجة العربية الأصيلة وإشراق الأساليب والتزام العمود الشعري، مع تجنبه المعارضات الشعرية؛ لأن قضية الجهاد شغلته عنها، أما نصاعة الأسلوب وتحرر الشعر من قيود الزينة وأغلالها فقد كفاه البارودي مشقة معاناتها والتخلص منها، ومهَّد بذلك الطريق لمن بعده من الشعراء، ومنهم شاعرنا زاهر الألمعي، الشاعر الجندي الفارس المحافظ في تجديده١.
ثانيًا: المناسبات الشعرية: من الدوافع التي أثرت في تجربة الشاعر المواقف والأحداث والمناسبات، التي تفرضها على شعره إنسانيته، ويدفعه إليها دينه وعقيدته، كحق إنساني، وواجب ديني، فالقضايا الإسلامية المعاصرة تحض الشاعر على أن يجنِّد شعره لجهاد أعداء الإسلام وهم الصهيونية واليسارية واليمينية، وأن يعود المسلمون إلى الشريعة الإسلامية، التي أقام السلف الصالح حضارتها الراسخة.
وسيطرت قضية فلسطين على شعره كله، فلا تخلو قصيدة من الإيماء إليها على الأقل أو تكاد، أما التصريح بالقضية فقد جاء في قصائد كثيرة سواء أكانت القضية هي الغرض من القصيدة، أم جاءت تبعًا لغرض آخر، وسيتضح هذا عند الحديث عن الوحدة الفنية، وذلك مثل القصائد التي قالها في مؤتمرات الحجيج كل عام.
стр. 185
ويحث زاهر على التعليم والتعلّم والتربية الإسلامية الفاضلة، وذلك في المناسبات التي تتصل بذلك؛ كافتتاح المعاهد العلمية، والاحتفالات التي تقام فيها، أو في مناسبات أخرى مثل الرثاء لعالم أو رائد، أو صاحب جهود في إرساء العلم وتدعيمه، مثل قصائد "مراقي الفضاء"، "نجم هوى"، "تحية المعهد"، "جحافل المجد"، "دولة الإسلام في ماضيها المجيد"، "صيحة الجهاد"، "بطولة وفداء"، "صخرة العرب"، "رائد نهضة"، "صدى المؤتمر"، "دهى الخطب"، "نجدة الإسلام"، "ترحيب وأمل"، "إشراق الأمل"، "فقيد العلم"، "تحية إجلال وتقدير"، "فقيد الإسلام"، "وحدة العرب"، "يا قادة الدين".
ويحث في مناسبات أخرى على بناء الوطن الصغير والكبير، والنهوض به، والإشادة بالمنجزات التي تحققت، وذلك في قصائد كثيرة مثل: "ربوع الجنوب"، "في ربوع القصيم"، في ربوع القرعاء"، "في ذرى نجران"، "مواكب المجد"، "سد جازان"، "تحية بغداد"، "فرحة ولقاء"، "أسفر الصبح"، "أمتي"، "حمادة المجد"، "تحية نجران".
لا يستريح الأستاذ عبد العزيز الرفاعي إلى المناسبات في شعر زاهر؛ لأنه يفسد على الشاعر الصدق الفني في التجربة الشعورية، فيقول: "صاحب هذا الديوان يملك النواة، وتأبى عليه عصاميته إلَّا أن يصقلها، فهو يريدها ويريد معها اهتمامات أخرى، وفي غمرة كل شواغله، لا يهمل الشعر، ولكنه لأمر ما لا يعطينا كل شعره، أو هذا ما أحسبني قد رجحته بعد أن فرغت من ديوانه، فهو يعطينا من شعره الجانب الخطابي، ... يعطينا شعر المناسبات، التي أحسبه يساهم فيها، وهو يعتقد أنه يؤدي واجبًا أدبيًّا مفروضًا تفرضه عصاميته، ويفرضه تطلعه"١.
وهذا الكلام يحتاج إلى وقفة منصفة في مجال النقد الأدبي، فالناقد الرفاعي يرى أن الشاعر يعطينا الجانب الخطابي من شعره، ويفسر الخطابية بالمناسبة في الشعر بقوله: يعطينا شعر المناسبات، وهذا تفسير بعيد عن الصواب؛ لأن معنى الخطابية هو الاستطراد والحشد والتأليف بين عناصرها على أساسيين رئيسيين هما: التأثير في الجمهور والإقناع مع المناسبة أيضًا، والتأثير والإقناع إن خلا منهما الشعر يكون ميتًا لا حياة فيه، ومهملًا مرذولًا، وعلى ذلك فلا بُدَّ منهما في الخطابة والشعر على السواء.
стр. 186
والحق أنَّ ما يستوقف النظر من شق واحد فقط هو المناسبة، فليست هي الفيصل بين الشعر والخطابة، وليس كل شعر جيد هو الذي خلا من المناسبات، وإلَّا لسقط شعر الفحول من شعراء العرب القدامى، وإلا لما قلد الأدب والنقد شوقيًّا إمارة الشعر، وهو المتهم من العاد من شعراء العرب القدامي، وإلَّا لما قد الأدب والنقد شوقيًّا إمارة الشعر، وهو المتهم من العقاد وغيره من شبابهم بأن المناسبة أفسدت شاعرية شوقي، ثم يرجع العقاد وزملاؤه عن هذا الحكم في مرحلة الكهولة والاتزان، وأثناء خصوماته الأدبية، ليقرر الحقيقة التي بقيت للتاريخ في شعر شوقي وحافظ فيقول: إن الخصومات حول الشاعرين كانت من حماقة الشباب١.
والخطابية إذا كانت بمعنى المناسبات التي يقصدها الرفاعي لا تستلزم عدم الانفعال؛ لأن التجربة الصادقة تتفجر من موقف معين ومناسبة دافعة، وعند ذلك تكون المناسبة هي المثيرة للانفعال، ولا أدري كيف ينشد الشاعر قصيدة دون دافع أو مناسبة مفجرة، وإلَّا لما تحقق الانفعال الذي يلهب العواطف، ويحرك المشاعر والخواطر.
وعلى ذلك أرى أن كلام الرفاعي بعيد عن الصواب حين يقول: "بيد أن شعر المناسبات وإن أعطى للحوادث تسجيلًا، ولصاحبه ذكرًا، إلا أن عناصر الانفعال فيه قد لا يرتقي إلى المستوى الأول المأمول، فإن شعر المناسبة تحكمه ظروف المناسبة ذاتها، فقد لا يكون مهيئًا تهيئة نفسية كافية حينما تطرأ المناسبة، فقد يمر على شاعر المناسبة أن يطلب إليه أن يقول شعرًا في عرس، بينما تكون نفسه ذاتها في مأتم، ومع ذلك فلا يملك إلا أن يستجيب"٢.
هذا الكلام مقبول وصحيح لو كان مجردًا عن نسبته إلى ديوان زاهر، الذي حكم الرفاعي على شعره بالمناسبات، وأشد على يديه لو كان القول مجردًا عن النسبة؛ لأن المناسبة قد تفرض على الشاعر وهو غير متهيء وجدانيًّا لموضوع المناسبة، فهذا نظم وليس بشعر مطلقًا، ولكن زاهر لم يكن كذلك، بل كان متهيئًا وجدانيًّا ونفسيًّا للمناسبة التي قال فيها شعره إذا أمعنا النظر طويلًا فيه، وعلى سبيل المثال: المرثيات التي ذكرناها، لا تجد فيها تصوير إلّا يتناسب مع الغرض من الحزن والتأسي، بل كانت الصور كلها قاتمة حزينة مما يدل على قوة الانفعال وصدق التجربة الشعرية، مع أنَّ الشاعر أنشد المرثيات في مناسبات ذكرتها آنفًا.
وكذلك لو رجعنا إلى القصائد التي قالها في مناسبات العلم والتعليم وفي مؤتمرات الحجيج كل عام فعلى الرغم من هذه المناسبات تجد انفعالًا قويًّا وتجربة حية صادقة مثل قصيدة "عودي إلى درب الجهاد"، وقصيدة "في رحاب البيت"، "مشاعر الإلهام"، "ضيوف الرحمن"، "في ربا الحرمين"، "في مشاعر الحج"، وغيرها وقد مرت الأمثلة.
стр. 187
ويؤيد ما اتجهت إليه من أنَّ المناسبة عند زاهر كانت مفجرًا انفعاله في معظم شعر المناسبات، وأقرَّ به الرفاعي بعد ذلك بقليل: وهو أن الشاعر كان في شعر المناسبات مدفوعًا بمشاعره الذاتية وصادرًا عن إرادته لا عن إرادة غيره، يقول الرفاعي ما نصه:
"غير أني أعتقد أن صاحب هذا الديوان يشترك فيما يشترك فيه من المناسبات مدفوعًا بمشاعره الذاتية ... صادرًا عن إرادته هو لا عن إرادة سواه، وهو كثير ما يجول في ميدان أحبه وآثره هو ميدان العلم والتعليم، فلا تكاد تفوته مناسبات الحفلات التعليمية في مجاله دائمًا أن يشيد بها"١.
وماذا يريد الرفاعي من الشاعر أكثر من أن يكون مدفوعًا للمناسبة بمشاعره الذاتية، هل الشعر إلا مشاعر ذاتية، ويوم أن يكون غير ذلك فلا يكون شعرًا، بأن يكون مدفوعًا بغير ذاته، أي: خارجًا عن ذاته ومنفصلًا عن مشاعره، وما اعترف به الرفاعي هنا هو نفسه ما أخذته عليه مسبقًا ومنذ قليل.
وهذا نفسه هو ما رجع إليه الرفاعي في نهاية كلامه حينما تحدث عن قضية التزام الأدباء والشعراء، فيتجاوبوا مع الأحداث ومع الناس، وألا ينغلقوا على أنفسهم وذاتياتهم، وينصرفوا إلى وجدانهم، بشرط ألا يفقدوا الصدق الفني ... يقرر هذا في قوله:
"ولا يجب أن ننسى أننا ندعو أدباءنا وشعراءنا أن يتجاوبوا دائمًا مع الأحداث، وأن يعيشوا مع الناس، وألّا ينغلقوا على ذاتياتهم، وينصرفوا إلى وجدانياتهم فحسب، ولكنني لا أغفل في هذا شرطًا هامًّا هو ألا يفقدوا الصدق الفني في كل أثر من آثارهم، وصاحب هذا الديوان حينما يتجاوب مع دعوة التضامن الإسلامي، وحينما يخطب شعرًا في منابر الحجيج التي يقيمها العاهل العظيم، إنما يجد في ذلك ارتياحًا حقيقًا في نفسه، ويشعر أنه إنما يؤدي واجبًا مفترضًا يجب أداؤه بقدر ما يسعه من طاقة، أو بقدر ما يستطيع أن يقدم من جهد ... ولست أشك أن هذه الأفكار الصالحة مع مرور الزمن ستكون أكثر رسوخًا في نفسه، ومع تطور شعره سيكون هو أقدر على الإفصاح عنها، والإبداع فيها".
وهذا ما صنعه زاهر في معظم شعره حين التزم بقضايا عصره ولم ينغلق على وجدانه، أو يتمدد في ذاتيته وأنانيته، ولكن الذي أرفضه أن الشاعر لم يفرض عليه واجب في مناسبة ما فرضًا غير مقبول منه أو كارهًا له؛ لأنه لم يحمل على شيء يقوله من خارج ذاته وإرادته، ويؤديه بقدر ما يسعه من طاقة، فما دمت قد أيدت الالتزام عند الشعراء وفي منهج صاحب الديوان، فالمناسبة عنده هي التي فجرت الانفعال من ذاته، وانصهرت في وجدانه ومشاعره، فأخرجها
стр. 188
من ذاته وأحاسيسه وإرادته، لا من شيء خارج عن ذاته.
أما الصدق الفني فقد ربطه الرفاعي بالمناسبة، فما دام زاهر قد أنشد شعره في المناسبات، حينئذ يتجرد من الصدق الفني، وينسلخ عن شعر الذات أو عن شعر العاطفة والوجدان، إلا قصيدة واحدة فقط وهي "رسالة العيد" يقول الرفاعي:
"لقد قلت أن وراء شعر هذا الديوان شعرا لم نره فيه هو الشعر الذاتي أو شعر العاطفة والوجدان، وهو الشعر الذي يخرج من القلب ليصل إلى القلوب، فمن أين أثبت بهذا الادعاء؟ لقد وجدت في الديوان طرف الخيط، إنه قصيدته "رسالة العيد" فقد عاد الشاعر بعد صلاة عيد الفطر إلى غرفته وحيدا بعيدا عن أهله وخلانه.... يشكو الغربة والوحدة فلا أنيس ولا زائر ... وهي قصيدة جميلة تنساب في رقة بلا تكلف ولا افتعال.... "١.
لا أنكر على الرفاعي أن رسالة العيد شعر وجداني عاطفي، وبالتالي لا أنكر الصدق الفني فيها، فهذا ما لا يقبل الإنكار، أما الذي يحتاج إلى تأمل وهو أن الصدق الفني يساوي شعر الوجدان فقط، بل شعر الوجدان غرض من أغرض الشعر، والشعر الإسلامي الذي قيل في مؤتمرات الحجيج غرض من أغراض الشعر، والرثاء كذلك ... وهكذا بقية الأغراض عند الشاعر. وعندي أن الأغراض كلها لا تصلح ولا تسمو إلى مواطن الجودة إلا بالصدق الفني بين التجربة الشعورية وبين التصوير الأدبي لهذه التجربة، وقد تكون التجربة وجدانية أو التزمت بقضايا المجتمع، لكن الجودة ترتبط فيها بالصدق الفني، هذه ناحية.
وناحية أخرى وهل شعر الوجدان فقط هو الذي يصل من القلب إلى القلب، وماذا نقول في الشعر الإسلامي، الذي نبع من تجربة صادقة في عاطفة ملتهبة مثل بردة البوصيري، ونهج البردة لشوقي، هل مثل هذا الشعر لم يخرج من القلب إلى القلب، مع أنه لم يكن شعرا وجدانيا؟ !! لكن الحق أن البردة ونهجها لا زالت تهتز لها أعماق القلوب، وكذلك الأمر في شعر زاهر الإسلامي مثل قصيدة "مشاعر الإلهام"، "في رحاب البيت"، "في مشاعر الحج"، وغيرها، فقد عبر فيها الشاعر عن تجربة صادقة قوية تهز أعماق النفس، وتتفتح لها جوانب القلب.
وناحية أخرى وهي أن قصيدة "رسالة العيد" لم تكن وحدها هي الشعر عند زاهر، ولم تكن هي الخيط الرفيع الذي يدل على موهبة الشاعر وأصالته الشعرية، بل لديه قصائد كثيرة تدل على ذلك منها معظم القصائد التي قالها في مؤتمرات الحجيج مثل "دعوى إلى درب
стр. 189
الجهاد" وقصائد الرثاء مثل "فجيع الأيام"، وقصيدة "زلة القول" فهي من شعر الطبيعة الذي ينبع من وجدان مفعم بالحب لأبهان ولتوازنها بقصيدة "رسالة العيد" لتكون هي الثانية وليست الوحيدة في نظر الناقد، عند ذلك يكون في شعره أكثر من خليط يدل على موهبته، وسنذكر القصيدتين حتى نلحظ مدى القوى فيهما معًا، لا في رسالة العيد فقط، يقول زاهر في "رسالة العيد"١:
يا عيد بلغ أسرتي وبلادي ... أزكى تحياتي وشوق فؤادي
وانقل لهم يا عيد وصف مشاعري ... وأين لهم من لوعتي وودادي
أنا في الرياض وحال دون أحبتي ... شرف من الواحات والأطواد
والقلب ملتاع بحارق لوعة ... والعيد عيد الأنس والإسعاد
لكني أنسى أن أكون ببلدة ... لحقت بها الأعياد بالأعياد
بلد بها للمكرمات منارة ... وهاجة بمفاخر الأجداد
تمشي طيوف الشعر بين جوانحي ... خفاقة الرايات والأعتاد
فتهزني شوقا إلى تلك الذرى ... بمعاقل شماخة الأنجاد
وبها شراة قد تأصل مجدها ... واستوطنت في ذروة الآساد
يمتد طرفك من مشارف "تهلل" ... فيرى الربا منداحة الأبعاد
في ربوة "الشعبين" في "واد حلى" ... في رأس "غمرة" موطن الأصياد
حي المعاقل والربوع ومن بها ... بلد الجمال وجنة المرتاد
أنا لا أزال أقيم في أرض بها ... جسمي وفي أخرى يهيم فؤادي
ما زلت في لوعات شوق حارق ... وتطلع وترقب وجهاد
فأزف أشواقي إلى بلد بها ... قومي وفي ذرواتها أولادي
وأزفها من قلب نجد نفحة ... فاح العبير بها مدى الآباد٢
وأما قصيدة "زلة القول" فقد ذكرتها ولنعد قراءتها مرة ثانية في مجال الموازنة مع هذه القصيدة، تجد أن الصدق الفني في القصيدتين يكاد يكون واحدًا.
стр. 190
ثانيًا: الألفاظ والأساليب
زاهر الألمعي شاعر من شعراء التجديد المحافظ الذين يتخذون العمود الشعري منهجًا وطريقًا في شعرهم، فيحافظ زاهر مثلهم على الأوزان الخليلية، ويحافظ على القافية الواحدة، التي يلتزمها في القصيدة كلها، وتراه لا يخرج عن ذلك في شعره، فلا يعرف الشعر الحر، ولا شعر التفعيلة، ولا الموشَّحات، ولا المقطعات، ولا غيرها، مما يخرج عن العمود الشعري القديم في الوزن والبحر والقافية، والأمثلة على ذلك شعره كله في ديوانه.
وكذلك الشاعر يحافظ على العمود العربي في الألفاظ والأساليب وبناء التراكيب، فينتقي من الألفاظ ما هو جزل قوي وعذب ينساب إلى الشعر في قوة واقتدار، ويقيم الأسلوب بإحكام ودقة، بلا تعقيد ولا ألغاز، بل تجد المعاني ساحرة، والأفكار واضحة مكشوفة لا تحتاج إلى كبير عناء في تحصيلها، ولا إلى مشقة في الوصول إلى الغرض منها، ولذلك كان شعره واضحًا لدرجة أنَّ الرفاعي حكم عليه بالخطابية، ومن صفات الخطبة أن تكون واضحة، تصل إلى السامع في يسر وسهولة، ولذلك كان من أهم خصائص الأسلوب عنده:
الأولى: جزالة الألفاظ وإحكام التراكيب، وسبك الأسلوب مع وضوح الدلالة على المعنى والغرض بلا جهد أو أدنى تأمل، لا يحتاج معه القارئ إلى معجم يفسر الغموض في الألفاظ أو الأسلوب، والأمثلة على ذلك شعره كله، يقول في قصيدة "مواكب المجد"١:
يمضي الزمان وتخلد الأمجاد ... والمجد صرح بالجهاد يشاد
والمجد منطلق على درب الهدي ... تسمو به القادات والأجناد
تأبي الأشاوس أن تدين لغاصب ... أو أن يطوف عرينها مصطاد
هي كالجبال الراسيات شوامخ ... تهفو لها الأرواح والأجساد
وإذا التقى الجمعان كان قوة ... تعنو لها الأغوار والأنجاد
ويقول في قصيدته "عودي إلى درب الجهاد"٢:
المسجد الأقصى وخفق حشاشتي ... منه ونبض تألمي وترنمي
ما بين نغمة شاعر إيمانه ... حبي ووثبة ثائر متجهم
لكنه جهاد عادل متطاول ... فتأهبي يا أمتي وتقدمي
في فيلق صاروخه عزماته ... بالله يقصف كالقضاء المبرم
стр. 191
يا قادة الإسلام ما زالت جراح ... القدس في الأمان راعفة الدم
فتشبثوا بالله والتزموا التقى ... وثبوا على الأعداء وثبة ضيغم
لا ترهبوا خوض المعامع إنها ... مهر العلا في نصرنا المتحتم
الثانية: أقام الأسلوب في شعره على ألفاظ تعبر عن بيئة الشاعر التي عاش فيها، في جنوب المملكة العربية السعودية، كما في قصيدته "في ربوع القرعاء"١، وقصيدة "في ذرى نجران"٢:
تسامى في ذرى "نجران" وفد ... جدير بالوفا والمكرمات
وقل ما شئت من أخبار قوم ... ففي "الأخدود" أنواع العظات
فإن يأن لموكبكم رحيل ... "لأبها" حيث زهر الطيبات
وجو ساحر ورياض نبت ... مطرزة بوشي خيرات
فعرجوا في ضواحيها ومروا ... جبال "السودة" المتبخرات
فالموقع نجران، والأخدود، وأبها، والسودة، كلها من بيئة الشاعر في الجنوب، وكذلك الألمعيين، وتهلل، وتوالب، كلها من بيئة الشاعر في قصيدة "خواطر" ٣، وقصيدة "في ربوع الجنوب"٤، وقصيدة "سد جازان"٥، وقصيدة "زلة القول"٦، وقصيدة "تحية نجران"٧، وقصيدة "فوق أرض الجنوب"٨، وقصيدة "تحية الفهد"٩، وقصيدة "سد أبها"١٠.
الثالثة: ومن خصائص الأساليب شيوع ألفاظ تدل على عالمه الإسلامي الكبير في قضاياه المعاصرة قديمًا وحديثًا، فمن عالمه الإسلامي القديم ألفاظ كثيرة مثل بدر، وحطين، واليرموك، والقدس، ويذكر السلف الصالح من كبار قواد المسلمين مثل سعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، والمثنى بن حارثة، وطارق بن زياد، وغيرهم من قواد المسلمين الذين أقاموا الحضارة الإسلامية في جهادهم وكفاحهم.
стр. 192
وفي عالمه الإسلامي الحديث يذكر ما وقع للمسلمين في جميع العالم من بلاء وحرب من أعداء الإسلام، فيذكر غزو باكستان وزنجبار والفلبين والقدس وغيرها، يقول في قصيدته "في مشاعر الحج":
قد اجتاح "باكستان" غزو مدمر ... يسانده الإلحاد والشرك والكفر
وقد روعت في "زنجبار" ضمائر ... وأزهقت واستفحل القهر
وعاثت على أرض "الفلبين" عصبة ... فلم يبق للإسلام في أرضها أمر
وظن الورى في مجلس الأمن نجدة ... فلم يغن منه لا هراء ولا هذر
وإذا ما اعتلت في الصين صيحة مسلم ... تجاوب في أم القرى البيت والحجر
ودوت أرجاء الرباط استجابة ... وهبت لها بغداد وانتفضت مصر١
رابعًا: الخيال
وخيال الشاعر يمضي فيه على نسق عمود الشعر العربي في معظم صوره من تشبيه واستعارة وكناية، وغيرها من وسائل التصوير الأدبي، مثل قوله:
لنا إخوة في الدين عاث بها الضنى ... تمد عنان الصوت من ذا تجاوبه
فيا قادة الإسلام لموا جراحها ... وكونوا لها ردءًا تهاب جوانبه
ويا فيصل الإسلام أحكم شباكها ... وجرد لها غصبًا توقد لا هبه
فمن لازم الإقدام في ساحة الوغى ... تناهت إلى المجد الرفيع تجاربه
فالاستعارات والكنايات هنا قديمة على النمط الذي جاء في الشعر العربي القديم، وهذا على سبيل المثال، ولنرجع إلى ما ذكرناه من شعر لتجد الصور موصولة بمنبعها الأصيل من الخيال العمودي.
وإذا نشط الخيال حينًا عند زاهر، منح بعض الصور الجزئية الأدبية من شعره ثوبًا جديدًا، وبعث فيها روح عصره الجديد، فتتماوج فيها ألوان من النشاط الإنساني الحي، وترقرقت في جوانبها ظلال من الثقافات المعاصرة، وانسابت في مجاليها روافد العصر ومقتضياته، وتسطرت على صفحاتها الثقافة الجديدة، ونبضت شرايينها بما يموج في الحياة من التقدم العلمي والحضاري، وذلك مثل بعض الصور التي جاءت في قصيدته "مراقي الفضاء" منها٢:
стр. 193
زمجر الركب في مراقي الفضاء ... واعتلى الفكر شامخًا بالضياء
وانطوى هيكل الدياجي فباتت ... شعلة النور راية النجباء
ليت شعري من أي برج أطلت ... أنجم الكون والعلا والبناء
ليت شعري من أين منطلق النور ... الذي كان آية في البهاء
إن إشعاع دعوة الحق قد شاء ... الإله خلوده في البقاء
خيال ترى في صوره الأدبية نبضات التجديد، وروح العصر، فسفينة الفضاء التي زمجرت في الكون صورة متحركة توحي بالتقدم العلمي في مراقي الفضاء، وتشف عن روح العصر التي حلقت في أدبنا المعاصر، والفكر الذي تجسم شامخًا في الفضاء يفيض بالتقدم والنهضة الحديثة، ونور العلم لون من ألوان الحضارة العلمية والتجريبية المادية، التي تمثل عصر الشاعر، وسفينة الفضاء التي شعشعت بنور العلم في الدجى، ورفرفت براية التقدم الإنساني في مدارج الفضاء كالشعلة الوهاجة التي تطوي الظلام والدياجي طيًّا سريعًا خاطفًا.
والشاعر يناجي نفسه ورواد الفضاء، ليقفوا على مواطن أبراج النجوم وحقيقتها في الكون، ما دامت السفينة تبحث عن حقائق الفضاء، لا عن حقائق الأرض، ويسائلهم أين مصدر النور في الوجود الذي ما زال آية في البهاء؟ ثم يجيب الشاعر عن مصدر النور الحقيقي، إنما هو في شريعة الإسلام وهي حق، وأساس الحقيقة، والدعوة الخالدة التي أراد الله لها أن تبقى إلى قيام الساعة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
صور جزئية تسري فيها روح التجديد المنساب من روح التقدم العلمي والانطلاق الفكري في العصر الحديث، ولكن الشاعر ما زال مرتبطًا بقيود الخيال القديم في هذه القصيدة تطل صوره من حين إلى آخر مثل. زمجر، وهيكل الدياجي، وشعلة النور، وأنجم الكون، ومنطلق النور، وآية في البهاء، وهكذا.
أما عناصر التصوير الأدبي من حركة ولون وحجم وشكل وغيرها تموج بين حنايا الصور، فالحركة العنيفة والسريعة للسفينة تندفع من الزمجرة والمراقي والاعتلاء والشموخ، وانطواء الهيكل، والإطلال، والمنطلق وغيرها، واللون يشع بأطياف الأمل والتقدم في مراقي الفضاء، واعتلاء الفكر وشموخه بالضياء، وشعلة النور التي تطوي هياكل الظلام، وأنجم الكون والعلا والبناء، ومنطلق النور وآية في البهاء، وإشعاع دعوة الحق، والخلود في البقاء، كل هذه الصور تموج بألوان التقدم والرقي والحضارة والأمل في تحقيق السعادة للإنسان في العوالم الأخرى لا في الأرض فحسب.
أما عنصر الحجم في التصوير الأدبي هنا فيتحدد في السفينة التي تحتضن رواد الفضاء وتسبح كالذرة في مراقي الجو، فتقف على أحجام الأبراج والنجوم؛ لأنها أقرب إليها من أهل
стр. 194
الأرض، كما أن حجم دعوة الحق تملأ الفضاء وتسد الآفاق، وشتان بين الحجمين، سفينة كالذرة في الكون، ودعوة باتساع الكون كله.
وأما عنصر الشكل هنا في الصور، فتمتد فيه خيوط السفينة لترسم الغاية منها وهي الجانب المادي فقط لإسعاد الإنسان؛ حيث يبحث عن أرض جديدة بعد أن ضاقت عنه أرضه، وخاب ظن الذين يرون السعادة في الجانب المادي وحده، بل هي في الإسلام دعوة الحق لتكون الغاية منها هي الخلود والبقاء، وشتَّان بين الشكل المادي الزائل في سفينة الفضاء وبين الشكل الخالد والباقي في دعوة الحق في الإسلام.
ومن الصور الأدبية التي دبت فيها روح العصر قوله في القصيدة السابقة يحث المسلمين على التمسك بشريعتهم، فهي المعين الخالد الذي لا يفنى ولا يتبدل، بينما العلم الذي وصل إليه علماء الفضاء قد يتبدل ويتغير تبعًا لطبيعة العلوم التجريبية التي تختلف من عصر إلى عصر حسب حاجات الإنسان ومقتضياته، وظروف حاضره ومتطلباته، يقول١:
أيها المسلمون قد أصبح اليوم ... شعاعًا مبشرًا بالهناء
فارتقوا في معارج المجد وابنوا ... من صروح السلام نهج إخاء
وابتنوا في ذرى الأماجد صرحًا ... تعتلى فيه دوحة السعداء
تصعد القادة العظام وتزجي ... أممًا في مواكب العلياء
فترى العلم عندها بمكان ... لا ينال ببيعها والشراء
إن للعلم دولة لا تسامي ... قد حداها فطاحل العلماء
فانهلوا من معين عذب زلال ... لا تغيض فيوضه بالفناء
منهل يطوي الليالي ويبقى ... متعة للنفوس للنبلاء
يا رجال الإسلام أحيوا علومًا ... من تراث مهذب الآراء
جددوا في العلوم من كل فن ... واستنيروا بشرعة الأنبياء
سبقتنا إلى الفضاء شعوب ... واستطارت على ذرى الأرجاء
وغزى عالم الفضاء فدوَّى ... صوتها في مرابع الكبرياء
فبنو الشرق يفخرون بما قد ... حققوه من موجبات الرخاء
وبنو الغرب قد تباهوا بعلم ... سخروه في غزوهم للفضاء
شرعة الله أن نعيش كرامًا ... وبنور ترقى ذرى الكرماء
стр. 195
ومن الصور التي أخذت ثوبًا جديدًا أيضًا تصوير العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م، يقول من قصيدة "جحافل المجد"١:
فلاذت بأذيال الفرار وإنها ... لتشبه قردًا فر من أعسر اليد
وما زال فينا قوة وعزيمة ... تصون بها الأبطال في كل مشهد
فالشاعر يصور حربًا حديثة على أمة إسلامية عربية، تصدت في شجاعة وقوة لدولتين كبيرتين آنذاك، ومن ورائهما صنيعة الاستعمار إسرائيل، لكنها دافعت في شجاعة وبسالة بقليل من العتاد والسلاح، فلاذ العدوان الثلاثي بالفرار كما يفرّ القرد من الرجل المجرد من السلاح؛ لأن العزيمة والقوة التي أشادتها الشريعة الإسلامية هي سلاح الأبطال في كل معركة من معاركنا الإسلامية والعربية.
وصورة جديدة أخرى غذيت بروافد جديدة من روح العصر وتياراته المعوجة التي حادت عن المنهج الإسلامي المستقيم، يقول في قصيدته "دعوى إلى درب الجهاد"٢:
شغلتهم الثارات فيما بينهم ... وتنكبوا نهج الصراط الأقوم
هذا يميني ورجعي، وذا ... حزب اليسار يقال عنه تقدمي
بئس التهاتر ضاع في غمراته ... أمل بوحدة صفنا المتثلم
هذه الأمة الإسلامية الواحدة قد مزقتها التيارات المعاصرة والمعادية للشريعة الإسلامية، وأصبحت أحزابًا متصارعة متطاحنة على حساب أمتها الإسلامية ولمصلحة أعدائها، فأصبحت بعض الشعوب توصب بالرجعية والتخلف في نظر الأعداء، حتي يكون ذلك منفذًا لطعن الإسلام وصرف أهله عنه، فيلهثوا وراء مدنيتهم الزائفة.
وبعض الشعوب الأخرى تجر أذيال المعسكر اليميني الغربي، والبعض كذلك عميل للمعسكر الأوروبي الشرقي اليساري.. صراعات حزبية بين أبناء الأمة الواحدة، ومهاترات تموج بالعداء والتمزق بين العالم الإسلامي، مما يؤدي إلى تبديد صفوفها، وتصدع وحدتها، فلا مكان لدولة ممزقة، ولا لشعوب متفرقة في عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، فقد توحدت لهدف مشترك دول غرب أوروبا في السوق الأوروبية المشتركة لتواجه القوى في العالم، وبالأمس القريب كانت تموج فيما بينها الصراعات والعداوات، ولو ظلت كما كانت لذلّت لإحدى القوتين العظميين روسيا وأمريكا، التي التقت مصالحهما المشتركة اليسارية واليمينية في
стр. 196
هدف واحد وهو توحيد ضد الأمم الممزقة الضعيفة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
ومن الصور الجديدة أيضًا قوله١:
لا مجد للعرب ما دامت حناجرهم ... في كل أمر تنادي هيئة الأمم
وكذلك الصور التي سبق ذكرها؛ حيث صوَّر الشاعر حرب باكستان وزنجبار وكشمير والقدس والفلبين، وصوَّر مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة وردت في قصائد كثيرة.
والجديد في هذه الصور كلها يرجع إلى أنها استمدت روافدها من روح العصر، وتجاوبت مع تياراته الحديثة والقضايا الراهنة؛ لأن زاهر يعيش مع الأحداث بعقله ووجدانه، ويصورها بقدر ما تمده مدرسته المحافظة، والتي يأبى أن يتزحزح عنها إلّا قليلًا، لذلك كان زاهر من الشعراء المجددين المحافظين في شعر الجنوب خاصة، وفي الشعر السعودي بصفة عامة.
خامسًا: الوحدة الفنية
من القيم النقدية التي لا بُدَّ منها في الشعر الجيد حديثًا هي الوحدة الفنية، وهي تقوم على التلاؤم والانسجام في العمل الأدبي بين عناصر القصيدة كلها، وبين أركانها، فتتآلف الألفاظ والأساليب وصور الخيال والإيقاع والموسيقى مع التجربة الشعورية والعاطفة والوجدان والمعاني والأفكار التي تنمو داخل الغرض الأدبي من القصيدة.
وعلى ذلك فالوحدة الفنية تستلزم الوحدة الموضوعية، والوحدة في الغرض من القصيدة، حتى يتمّ التلاحم والتلاؤم بين المضمون والشكل، ولذلك نجد تناقضًا فيها للقصيدة التي تحتوي على غرضين، فالغرض الأول عند الموهبة الشعرية يأخذ شكلًا وأسلوبًا وتصويرًا وعاطفة يختلف عنه الغرض الآخر في الشكل والأسلوب والتصوير والعاطفة.
والوحدة الفنية في شعر زاهر قد اتخذت اتجاهين، فبعض القصائد قد التزم فيها الشاعر بالوحدة الفنية، فاشتملت على موضوع واحد من المطلع حتي النهاية، والبعض الآخر قامت القصيدة فيه على غرضين أدبيين، لا غرض واحد، مما يضطر الشاعر أن يزاوج في التصوير حسب اختلاف الغرض بما يتناسب مع كل غرض.
الاتجاه الأول: تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، وخاصَّة في ديوانه الثاني "على
стр. 197
درب الجهاد"، فنرى بعض القصائد اشتملت على مقدمات غزلية في المطلع أو في الخاتمة، فمن المقدمات الغزلية التي أخذت موقعها من المطلع قصيدة "عودي إلى درب الجهاد"، بدأها الشاعر بالغزل العفيف الطاهر، ثم انتقل إلى غرض آخر وهو الجهاد في سبيل المسجد الأقصى، ويحذر المسلمين من انشقاقهم إلى أحزاب متصارعة من يمينية ويسارية ورجعية، يقول في المطلع١:
عودي فذكرك بالثناء على فمي ... ومكان حبك من فؤادي في دمي
وتذكري محض الوداد أبثه ... لحنًا فيحلو منك طيب ترنم
حتى إذا ندت طيوفك وانبرى ... حبي يثلم بالصدود ويرتمي
أحجمت لا أرضى ببذل مودتي ... إلّا لمؤتلق المناقب أكرم
وهكذا يصور الشاعر غزله العفيف في سبعة عشر بيتًا إلى أن يقول:
ثقتي تقول بأن ليلى برة ... وغدًا سترجع والفؤاد لها ظمي
ولسوف يجمعنا الجهاد ونلتقي ... ويضمنا ورد لمنهل زمزم
ويرمز الشاعر بليلاه إلى الوحدة الإسلامية الكبرى التي ينشدها في شعره؛ لتكون الأمة صفًّا واحدًا لمواجهة عدوها اللئيم، وتحرير المسجد الأقصى من بين أيديهم، ثم يتسلل في هدوء وانسياب بعد أن مهَّد للغرض في البيتين السابقين ليبدأ الغرض الأساسي من القصيدة فيقول:
المسجد الأقصى ويا لإهابة ... حرّى مضرجة تحشرج في فمي
خجلًا وحزنًا من مواقف معشر ... من مأثم يتخبطون بمأثم
شغلتهم الثارات فيما بينهم ... وتنكبوا نهج الصراط الأقوم
وكذلك قصيدته "مشاعر الإلهام" ابتدأها بمقدمة غزلية، فاشتمل المطلع على الغزل الطاهر في تسعة عشر بيتًا يقول٢:
طلعت فلاح اليمن في طلعاتها ... وبدا جمال الورد في وجناتها
وسرى النسيم على مشارف ثغرها ... تتضوع الأرجاء من نسماتها
ورنت بألحاظ الجفون نواعسًا ... تتراقص الأطياف في ومضاتها
فتبسمت عن ثغر حسن باسم ... فشقائق الأكمام من بسماتها
стр. 198
وهكذا يصور فتاة أحلامه في غزل عفيف طاهر، يشف عن روح المؤمن ومنهج المسلم، حينما يعبِّر عن غريزة النفس وهي الحب، يعبر عنها في تصوّن وطهر وعفة، لكي يمهد للغرض من القصيدة فيقول:
لكن أطيافي وإن جنحت بها ... فتن الجمال تعف عن زلاتها
وتتوق أشواقي إلى سنن الهدى ... فمشاعر الإلهام في رحباتها
ثم ينتقل إلى الغرض من القصيدة وهو الإشادة بالرسول الأعظم ورسالته الخالدة، فيعبِّر عن مشاعر الحب الصادق للرسول ﷺ ، وعن حبه للرسالة الخالدة، فيقول في ثلاثة وعشرين بيتًا١:
تمتد آفاقي وترقى همتي ... سبل الجهاد أخوض في غمراتها
ويشدني حب النبي محمد ... من شاد بالسمحاء مجد دعاتها
يا من حملت أبر قلب في الورى ... وأعز نفس جانبت شهواتها
تهفو إليك قصائدي ومشاعري ... في ظل هديك واصلت رحلاتها
وهكذا يستمر الشاعر في تصويره للغرض إلى آخر القصيدة.
وبتعدد الغرض يختلف التصوير الأدبي حسب كل غرض، فتصوير الغزل له اتجاهه وأسلوبه وألفاظه وصوره، وتصوير الحب الصادق للرسول العظيم ولرسالته الخالدة له ألفاظه وأسلوبه وصوره واتجاهه الذي يتناسب معه، ومن هنا تتمزق الوحدة الفنية في القصيدة الواحدة تبعًا لتعدد الأغراض فيها.
فإذا ما تأملنا مطلع هذه القصيدة في الغزل العفيف نرى الرقة في اللفظ، والحلاوة في الأسلوب، والسحر في التصوير، والتراقص للأطياف، وابتسام الثغور، وجمال الورود في وجناتها، وشقائق النعمان في بسماتها، وغير ذلك من الصور التي تتناسب مع الغزل، وإن كان هنا عفيفًا طاهرًا، لا ابتذال فيه ولا قبح، وكيف لا وهو مطلع لموضوع طاهر ورسالة خالدة.
وحينما ينتهي الشاعر إلى الغرض الأساسي من القصيدة يتخذ اتجاهًا آخر، وطريقة في التصوير الأدبي لهذا الموضوع، ولذلك تنعدم الوحدة الفنية بين المطلع وبين الغرض الأساسي الذي اقتضى من الشاعر أن يصوره بمنهج آخر يختلف عمَّا سبق فترى قوة في الألفاظ وجزالة في الأسلوب، وفخامة في التراكيب، مثل "امتداد الآفاق"، "وارتقاء الهمة إلى سبل الجهاد"، "خوض الغمرات"، "ويشدني حب محمد"، "من شاد بالسمحاء
стр. 199
مجد دعاتها"، وهكذا يكون التصوير الأدبي إلى نهاية القصيدة بما يتناسب مع النبي العظيم -محمد ﷺ ، ومع رسالته القوية الخالدة.
وعلى النمط المتنوع في الموضوع والغرض لا يمكن أن تتحقق الوحدة الفنية في القصيدة؛ لأن وحدة الموضوع والغرض لم تتحقق فيها.
والذي ينبغي ألَّا نغمط حق الشاعر فيه، أنه يحاول في قصيدته المتعددة الأغراض ألَّا يهبط بالغزل إلى الإسفاف والسفور المرذول، كما هو معروف في الغزل عند الشعراء القدامى والمحدثين؛ لأن الشاعر يدرك تمامًا الشرف في الغرض الثاني، فلا بُدَّ أن يكون هناك اتساق وتلاحم على نحوٍ ما مع المطلع بما يتناسب مع هذا الغرض، ولذلك لم يجد الشاعر بدًّا من أن يعبر عن طبيعته وعن خلقه الإسلامي، فيصور الحب وهو غريزة إنسانية في مظهرها اللائق بالمؤمن الحق، ويخلق المسلم كما ينبغي أن يكون.
ولهذا السبب لا يدرك القارئ كثيرًا في القصيدة عنده أنها قامت على غرضين، لصعوبة الفصل بين المطلع في الغزل العفيف الطاهر، وبين الغرض الأساسي الشريف، فكلاهما يعبر عنفس شفافة مؤمنة هذبتها شريعة الإسلام بأخلاقه السامية.
وكذلك تعدد الغرض في قصيدة "في ربا الحرمين"، فاستهلَّها بمطلع في الغزل العفيف مع ليلاه في خمسة أبيات يقول١:
سرى في هجعة المسرى تسامي ... وترمق في تطلعها المراما
وكأن الشوق يحدوها ابتهاجا ... ويذكي في مشاعرها الغراما
وفي جنباتها تمشي طيوف ... كأطياف المحب إذا استهاما
فقلت لها وفي نبرات صوتي ... وداد، أين أزمعت المقاما
فقالت: في ربا الحرمين أشدو ... أناجي البيت والبلد الحراما
ثم ينتقل إلى الغرض من القصيدة، فيصور المآسي التي مزَّقت صفوف المسلمين وفرقت شملهم، فهبَّت رحى الخلاف والتنازع بينهم، مما يمزق قلب الشاعر، ويدمي مشاعره، ولا يجد سبيلًا أمامه إلَّا أن يحث المسلمين وهو في "منى" في هذه الأيام الطاهرة، يحثهم على التمسك بالشريعة والسير على منهجها، ونبذ الخلاف والنزاع حتي يعودوا صفًّا واحدًا في جسم الأمة الإسلامية، فيقول في تسعة وثلاثين بيتًا:
стр. 200
وعند الركن تنحسر الخطايا ... ململمة حوائجها انهزاما
فتنشرح الصدور بطيب ذكر ... أماط الكرب عنها والقتاما
سأعشق موطن القربى وإني ... على حب القداسة لن ألاما
وكذلك في قصيدة "تحية المغرب العربي"، استهلَّها الشاعر بمطلع غزلي عفيف في ثلاثة عشر بيتًا يقول١:
عبقت بالنشر في أسنى مكان ... وبدت شماء في أفق الزمان
وتهادت بين أزهار الربا ... غضة هيفاء كالدر المصان
قلت يا حسناء إني مفعم ... بوداد يتنامى في كياني
إلى قوله:
وانبرت ترهف سمعا كالذى ... في الذرى يشتف أطياف الجنان
نظرت حينًا وقالت: إنني ... ألمح الموكب خفاق الجنان
فإلى المغرب تنساب الرؤى ... فتخطى شوقنا شمّ الرعان
وهنا ينتقل إلى الغرض الأساسي من القصيدة التي يعبر فيها الشاعر عن حبه الصادق للعرب، والمغرب البلد الإسلامي الشقيق، وعن الإيمان العميق بالأخوة العربية الإسلامية، ثم يربط ذلك بحضارة الإسلام في الأندلس؛ حيث كانت المغرب نقطة انطلاق الجيش الإسلامي في الأندلس بقيادة طارق بن زياد، وذلك في ثمانية عشر بيتًا، يقول٢:
أيها المغرب يا رمز الفدا ... يا عرين الدين والمجد المصان
لك من قومي تحيات الوفا ... لك من أرض الهدى غر الأماني
أنا في الشرق وفي الغرب معًا ... ديني الإسلام والفصحى لساني
نحن من بغداد من أم القرى ... من دمشق الشام أو من قيروان
وحد الإسلام من راياتنا ... وبنانا للدنى خير كيان
نحن في المغرب في مهد العلا ... معقل الأبطال في يوم الطعان
وهكذا إلى آخر القصيدة.
стр. 201
وتعدَّد الغرض أيضًا "من قصيدة حرب رمضان" في مطلع غزلي عفيف يضم ثمانية أبيات يقول فيها١:
تثنت أمامي وهي لا تعرف الخطبا ... وقالت: لهيب الحب في القلب قد شبَّا
تثنت بأعطاف وألوت بمعصم ... ورنت بأنغام لتأسر لي قلبا
فكانت كغصن البان لامس فرعه ... نسيم الصبا فاهتز من أنه عجبا
إلى قوله:
فلا تمتطي صهو السفاهة والردى ... ولا تركبي في الحب مركبه الصعبا
وكوني مع الأحداث سبرًا لغورها ... إذا انتظمت سلمًا أو اشتعلت حربًا
فلما أفلحت في موكب المجد أمة ... إذا لم يكن درب الجهاد لها دربًا
ويتسلل إلى الغرض فيقول حتى نهاية القصيدة:
أتلك رحاب القدس ضجّت فروعت ... قلوبًا وأزجت في ضمائرها رعبًا
أما قصيدة "في رحاب البيت" فيستهلها بالغرض الأساسي من القصيدة وهو الإشادة برسالة الإسلام الخالدة، وأثرها العظيم في الفتوحات العظمى وقهر الفرس والرومان، ثم أشاد بانتصارات المسلمين في حطين وذات الصواري؛ ليحث المسلمين في هذا العصر على استعادة مجد الآباء والأجداد، يقول في ثلاثة وعشرين بيتًا٢:
أرى في رحاب الله منطلقًا رحبًا ... يضم شتات الشمل مؤتلفًا خصبًا
وقد عظمت لله في مسمع الدنا ... شعائر ما زالت لوحدتنا قطبًا
فبالأمس قد لبت جموع غفيرة ... وشدت وثاق العزم وانطلقت وثبًا
إلى آخر الغرض، ثم يختم بليلاه في غزل عف طاهر٣:
وما شمت من ليلاي إلّا تحفزًا ... لترقى سماء المجد أو تبلغ الشهبا
فبوركت يا أرض القداسة والهدى ... ولا زلت ميدانًا لآمالنا رحبًا
ولم تكن المطالع الغزلية وحدها هي التي زاوجت أغراضه الأدبية، ولكن هناك غرضًا آخر كان يتسلل من حين إلى آخر في أغراضه خلال قصائده، وهو "تحرير القدس"، وكثيرًا ما نجد
стр. 202
هذه القضية تسيطر على عقل الشاعر وحسه ووجدانه، فنراه ينظم القصيدة لغرض معين، ولأدنى ملابسة تنفجَّر شاعريته بقضية الساعة، وهي إعادة المسجد الأقصى إلى المسلمين، وكانت هذه الظاهرة في الديوانين، وأحيانًا يكون الغرض من القصيدة عامًّا يشمل القضية، فتندرج تحتها، ولا تعد غرضًا ثانيًا؛ لأن الموضوع يشملها، وحينئذ فالوحدة الفنية لا تفارق القصيدة، وذلك في مثل قصيدة "الحج الأكبر"١، فالغرض هنا يشمل أشتاتًا من الموضوعات تدخل تحت كلمة "مؤتمر"، وبهذا يأتي الشاعر بقضية فلسطين وتحرير القدس، ولا لوم عليه؛ لأن الموضوع عام تدخل فيه القضية.
وكذلك قصيدة "من رحاب البيت"٢، وفيه تلتقي الشعوب المختلفة، ولكل شعب قضيته، ومن بينها شعب فلسطين، فهو يدخل في موضوع القصيدة.
وكذلك قصيدة "أم القرى ص٨٢ الألمعيات"، وقصيدة "فرحة ولقاء ص٩٥ الألمعيات"، في تحية الجيش السعودي الذي يعتبر القدس قضيته المعاصرة، وقصيدة "حماة المجد ص١٣٧ الألمعيات"، ومثل قصيدة "ضيوف الرحمن ص٧٦ على درب الجهاد"، ومنهم أبناء فلسطين، وغيرها من القصائد التي وردت على هذا النمط.
أمَّا إذا كان الغرض خاصًّا وليس عامًّا، فينبغي ألَّا يكون لهذه القضية دخل فيها، وإن وجدت مكانها في القصيدة تعد مزدوجة الغرض، وذلك مثل قصيدة "دعوة الحق"٣، وهي الإسلام، فيثني الشاعر من خلالها بغرض آخر، وهي قضية فلسطين، وبذلك يتعدد الغرض، فتتفك عرى الوحدة الفنية؛ لأن لكل غرض من هذين تصويره الأدبي الذي يتناسب معه، وذلك ما صنعه الشاعر في قصيدة "مجد الشباب" حينما أدخل فيها القضية، فزواج فيها مع الغرض الأساسي، وهو تصوير المجد الذي ينبغي أن يسعى إليه الشباب في مقتبل حياته.
ولقد تنبه لهذه الظاهرة الأستاذ عبد العزيز الرفاعي، وردَّ السبب في ذلك إلى روح الجندية التي بدأ بها زاهر حياته العملية يقول:
"وإذا روح الجندية قد انعكست على طموحه وآماله، فإنها أيضًا قد انعكست على ديوانه، فرأيته يشيد بالجهاد، ويحثّ على القتال في سبيل الله لنصرة فلسطين، ولإخراج الإسرائيليين من ثالث الحرمين"٤.
стр. 203
ولا حاجة بنا إلى ذكر الشواهد هنا، فقد سبقت أمثلة كثيرة تدل على ذلك، فلنرجع إلى هناك.
الاتجاه الثاني: وهو الوحدة الفنية التي تتحقق في وحدة الغرض، وذلك في قصائد كثيرة، وخاصَّة في ديوانه الأول "الألمعيات"، وبعض القصائد في ديوانه الثاني "على درب الجهاد"، ولذلك تلاحم التصوير الأدبي مع الغرض والمضمون من القصيدة، من مطلعها حتى نهايتها، ولم يتخل الشاعر عن الوحدة الموضوعية والوحدة الفنية معها في هذا الاتجاه، لا في قليل، ولا في كثير.
وعلى سبيل المثال قصيدة "مواكب المجد"، وقصيدة "جحافل المجد"، "سد جازان"، "سد أبها"، "دولة الإسلام في ماضيها المجيد"، "صيحة الجهاد"، و"وحدة العرب"، "في مشاعر الحج"، "مؤتمر الفقه الإسلامي"، "فوق أرض الجنوب"، "فجعة الأيام"، "شريعة الله"، وغيرها من القصائد الكثيرة التي اشتملت على غرض واحد فقط، تلاحمت عناصره ومعانيه مع وسائل التصوير الأدبي من ألفاظ وأساليب وصور وإيقاع وموسيقي، والأمثلة الكثيرة من ذكرها في مواطن متفرقة، ومن القصائد التي تحققت فيها الوحدة الفنية "شريعة الله"١:
سطعت بنور الوحي في عرصاتها ... فانزاحت الظلماء من جنباتها
في مكة الغراء قد بزغ الهدى ... وتألق التوحيد في شرفاتها
وبشرعة الله الشريفة رفرفت ... أطيارها وزهت على دوحاتها
أوحى بها رب البرية رحمة ... واختار للتبليع خير هداتها
البلسم الشافي لكل عويصة ... أعيت مخاطرها عقول أساتها
والمنهج الوافي تفوز به الدنى ... لو عمَّ حكم الله كل جهاتها
عدل ومرحمة وحسن تعايش ... بين الشعوب على اختلاف فئاتها
دين السلام على البسيطة كلها ... دين أقام العدل في ساحاتها
الصف ساوى بين كل موحد ... عند الصلاة تقام في أوقاتها
أما الزكاة فإنما هي بلغة ... لابن السبيل ومنحة لجباتها
وإعانة للغارمين وقربة ... تعطى الفقير فيغتني بصلاتها
ويفك منها الرق أو تعطى لمن ... قد يألف الإسلام عند هباتها
وإذا نصبنا للجهاد لواءه ... كان لمن يحتاج من نفقاتها
стр. 204
والصوم ترويض على ترك الهوى ... ووقاية للنفس من شهواتها
والحج آخى بين أمة أحمد ... لا فضل بين سعاتها وسراتها
ألا بتقوى الله حكم عادل ... جاءت به "الحجرات" في آياتها
أما الحدود فللبرية جنة ... في ردعها لبغاتها وعتاتها
وشهادة التوحيد تهدي كل مر ... تبك وتشفي النفس من آهاتها
هي فطرة والعقل قد نادى بها ... بعد التأمل في عظيم صفاتها
الله قد فطر النفوس على الهدى ... وأنار بالإسلام درب هداتها
والأرض قد أرسى بها أوتادها ... والماء قد أجراه من طياتها
والروح أبرأها وأحكم خلقها ... في لطفها في غيب سرياتها
أفلا ترى الأقمار في أفلاكها ... تجري على المعلوم من دوراتها
الله أبدعها وأحسن صنعها ... ودعا العقول لكشف محتوياتها
حسب المشرع للخليفة أنه ... أدرى بما يجري على خطراتها
شتان بين مشرع بفطانة ... ومشرع مبري الفطانة ذاتها
خسرت عقول حاولت بغرورها ... تقليد من يدري بمخفياتها
تلك الملامح من جوانب شرعة ... ينشق نور الحق من قسماتها
فاستمسكوا بنصوصها وعلومها ... واستبسلوا في الذود عن حرماتها
فالقصيدة صورة دقيقة للوحدة الفنية، فالموضوع واحد من أول بيت إلى نهاية القصيدة وهو شريعة الله، والعاطفة فيها صادقة مع الموضوع؛ لأنها صورة صادرة من مؤمن يؤمن عن عقيدة وصدق بتعاليمها، والقوة في التشريع الإسلامي تجاوبت معها ألفاظ وأساليب وصور على شاكلتها من القوة والوضوح، والحقائق التشريعية لا تحتاج إلى خيال يزينها أو يبالغ فيها، وإنما كانت تقوم على أسلوب التقرير للحقائق ورصفها من خلال وجدان الشاعر وعاطفته الصادقة، أمَّا الإيقاع فهو ممتد عميق يصور الامتداد فيه كثرة حروف اللين بما يتناسب مع عمق الحقائق والتعاليم في التشريع الإسلامي، مع طول التفاعيل في البحر العروضي للقصيدة، حتى تتناسب مع المعاني العميقة والأفكار السامية.
стр. 205
الفصل الخامس: الشاعر يحيى إبراهيم الألمعي
نشأ يحيى الألمعي وحياته
إلى مدرسة المحافظين المجددين في مذهبها الأدبي ينضمّ الشاعر الأديب يحيى إبراهيم الألمعي، ولد بمدينة "رجال ألمع" حاضرة تهامة عسير، عام "١٣٥٦هـ"، وتلقى دراسته الابتدائية فيها، وتتلمذ على علماء المدينة.
ثم اشتغل بالتجارة حتى وصل إلى مدينة "جدة" ليعمل موظفًا في وزارة الصحة عام "١٣٧٣هـ"، وظلّ بها سنتين.
وفي عام ١٣٧٥هـ" عاد إلى أبها ليباشر أعماله في الحكومة، يتقلّب في وظائف مختلفة، في ديوان إمارة منطقة عسير، حتى عين مديرًا للجوازات والجنسية في منطقة "بيشة" عام ١٣٨٤هـ".
وفي عام "١٣٨٦هـ" انتقل إلى أبها؛ ليعمل رئيسًا لقسم التحرير بمديرية الجوازات والجنسية في عاصمة الجنوب.
ثم عيِّن مديرًا للجوازات والجنسية في "ظهران الجنوب" عام ١٣٨٨هـ".
ثم عاد إلى مدينة أبها في عمله السابق رئيسًا لقسم التحرير في مديرية الجوازات والأحوال المدنية، وأثناء ذلك عمل رئيسًا لتحرير صحيفة عسير، التي كانت تصدر بصحيفة "عكاظ" خلال عام "٨٣-١٣٨٤هـ".
ويحيى الألمعي في زحمة أعماله كان يعبِّر عن ذاته ومشاعره في شتى الميادين من الصحف والمجلات السعودية منذ عام ١٣٧٤هـ، وله أحاديث كثيرة انتشرت مع موجات الأثير في الإذاعة العربية السعودية، استمتع بها المستمعون.
أما مخطوطاته التي أتمنى أن ترى النور من أهمها:
"الإيضاح والتيسير في تاريخ عسير"، وديوان "أحاسيس"، وله أيضًا "لمسات وهمسات"، و"حلو ومر" ١.
стр. 206
وصدر له من المؤلفات حتى الآن: كتاب "رحلات عسير"، وكتاب "الأمثال الشعبية في المنطقة الجنوبية".
وديوان "عبير من عسير" الذي أهداه "لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز -أمير منطقة الرياض، الرجل الإنسان ذو القلب الكبير، الذي غمرني بعطفه وحنانه وكرمه وإحسانه -فإلى سموه الكريم أهدي ديواني هذا"١.
والديوان ظهر في حجم كبير ضمَّ نيفًا وأربعين قصيدة في طبعة أنيقة، أصدرتها مطابع الرياض -الطبعة الأولى عام "١٤٠١هـ"، وقدم له الشاعر الدكتور زاهر عواض الألمعي -عميد شئون المكتبات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، يقول:
"لا أجدني في حاجة إلى وصف أو تقديم لهذا الديوان، ولا التنويه بقيمته الشعرية، وقد كفانا الشاعر الفاضل "يحيى" مئونة ذلك كله بحسن مطالعه في قصائده، ومقاطعه في أبياته بما جال في خاطره، وجاش في صدره ... فأنت من هذا الديوان ستجد نفسك بين أخ لك مواس ومواطن لأمته مخلص، وعاشق لبلده "أبها"، موله ينشد على ضفافه الخضر أناشيده المطربة، ويقدم في قصوره لزائريه الكرام من "آل سعود" وغيرهم تحياته الشعرية العبقة، والشاعر الكريم بما جبل عليه من خلق فاضل قد تنزَّه عن الفحش، فخلا ديوانه من الهجاء، وكاد يخلو من الوصف، وهو شديد الارتباط بالشعر العمودي، بعيد عن التيارات الحديثة التي طرأت على الشعر العربي الأصيل.. وختامًا أقول لأخي الشاعر "يحيى الألمعي": هنيئًا لك بهذه الباكورة من الشعر راجيًا لك التوفيق إلى أقوم طريق"٢.
стр. 207
الأغراض الأدبية في شعره:
تنوعت الأغراض الأدبية في شعر يحيى الألمعي، فاشتملت على أغراض: المدح والوطنيات، والشعر الإسلامي، والشعر الوجداني، والوصف، والرثاء، وحضارة العلم الحديث، وفي المعارضات الأدبية.
وسنوضِّح الخصائص الفنية لهذه الأغراض التي تدل على المذهب الأدبي للشاعر، في مدرسة المحافظين المجددين في الشعر الجنوبي خاصة، وفي الشعر السعودي عامة.
أولًا: المدح
والشعر الوطني عند الشاعر متلاحم بالمدح؛ لأن الشاعر حينما يمدح ملكًا أو أميرًا أو وزيرًا، إنما يكون ذلك من خلال ما أسدى إلى الوطن من بناء ورقي وتقدم وحضارة، فهو يشيد بكل مواطن يفتدي وطنه بماله ودمه وروحه، وممن هو جدير بالثناء والتقدير هؤلاء المسئولون المخلصون لوطنهم ولشعبهم ولأمتهم، بل أول المخلصين في ذلك هم الذين يسوسون الرعية، ويوجهونها إلى الرقي والتقدم والسعادة والرفاهية.
ومن ذلك كان الشعر الوطني لا ينفصل عن المدح، وكذلك المدح لا ينفصل عنه، قد صيغا معًا في بنية واحدة، يقومان على غرض واحد وهو المدح في بناء الوطن.
ويعد هذا الغرض الأدبي أكثر الأغراض عنده شعرًا وقصائد في ديوانه المنشور، الذي يضم بين دفتيه هذه "المدحيات" التي تضم قصيدة "تحية من الأزد" لحضرة الفيصل العظيم، ألقاها الشاعر بقصر الحكم بالرياض في الساعة الحادية عشرة من يوم الخميس الموافق ١٦/ ١١/ ١٣٨٤هـ أمام جلالته والحاضرين من الأمراء والعلماء، يقول١:
يا بلادي يا موطن الخير غني ... واملئي الكون فرحة وابتساما
صفي اليوم يا جزيرة حتى ... ترفض الجيد تعتلي الآكاما
وانثري الورد في ربوع تحلت ... بلباس الحبور نالت مقاما
وارقصي واطربي حجازًا ونجدًا ... وعسيرًا وبيشة واليماما
стр. 208
إلى قوله:
أيا الفيصل العظيم هنيئًا ... لك بالملك عزة وقوامًا
أنت رمز البلاد بل أن فذ ... قد عرفناك عادلًا رحَّاما
فلأنت الجدير بالعرش حقًّا ... ولأنت المليك تحمي السلاما
وحمى الدين والعروبة طرًّا ... يا له ضرغمًا حكيمًا هماما
باني المجد والمفاخر فينا ... ناشر العدل والهدى لن يضاما
عمم الأمن حكم الشرع فينا ... ينشد الحق لا يريد الظلاما
قائد الشعب ملهم عبقري ... من أذاق العدو موتًا زؤاما
حاز بالسبق للعلا كل فضل ... وامتطى ذروة السها وتسامى
وهكذا نمضي الشاعر في مدح الفيصل باني الأمة والوطن وناشر العدل والهدى، ومحكم الشريعة والحق، حتى حقق السعادة والأمن لوطنه وأمته، ويستمر على هذا النحو حتى نهاية القصيدة، وذلك في أسلوب مشرق واضح قريب إلى الأفهام وتصوير عذب يسيل إلى القلب كسيلان الماء على الصخر الأملس في انحدار.
وقد اشتركت الطبيعة والحياة، والجزيرة والبلاد، والكون والورود مع الشاعر في مدح الفيصل بأعماله وبطولاته وإنجازاته وعبقريته وقيادته الحكيمة، ورحمته وحمايته للدين والسلام، وعروبته وعدله، وتحقيقه السعادة والرفاهية لوطنه، وهذه أبرز خصائص المدح عند الشاعر.
وكذلك قصيدة "العهد الجديد ص٣٧، ٣٩" رفعها الشاعر مع التحية والإجلال لحضرة صاحب السموّ الملكي الأمير خالد بن عبد العزيز ولي العهد المعظّم "جلالة الملك حاليًا"، في ١٩ / ٢/ ١٣٨٧هـ، وقصيدة "تحية ص٤٩، ٥٢" مهداة مع عظيم الأشواق لحضرة صاحب المعالي الأمير خالد بن أحمد السديري -وقاه الله من كل مكروه- في ١٢/ ٣/ ١٣٨٥هـ، وقصيدة "تحية" مرفوعة لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز أمير منطقة عسير، ألقيت أمام سموه يوم الأربعاء الموافق ١٢/ ٦/ ١٣٩١هـ الساعة العاشرة صباحًا في نادي الفاروق بأبها، بحضور سمو الأمير خالد الفهد وكيل وزارة المعارف، وسمو الأمير محمد العبد الله الفيصل، يقول١:
стр. 209
سلام الله يسري ما أقيمت ... صلاة من عباد خاشعينا
وما جادت بماء المزن سحب ... سقى الأشجار والزرع الدفينا
وما ناحت حمام في غصون ... تغرد تارة وتطير حينا
وما طاف الحجيج بركن بيت ... يردد حمد رب العالمينا
سلام عاطر وله أريج ... إذا ما فاح يعبق ياسمينا
أقدمه مع الإجلال شفعًا ... وفيه الحب ممزوجًا حنينا
إلى الشهم الهمام أبي وليد ... وأعني خالد الفذ الأمينا
وشبل الفيصل المقدام حقًّا ... سليل المجد موثوقًا أمينًا
إلى قوله:
فهذا العهد عهد الخير حقًّا ... وعهد النور والإشراق فينا
فأمن وارف والجهل ولَّى ... وعدل شامل للقاطنينا
لقد عمَّ البلاد وكل صقع ... فأبناء الجزيرة آمنينا
وفي الطرقات إصلاح عظيم ... تراها سهلة للسالكينا
وإنعاش الزراعة غير خاف ... لكي تكفي جميع المعوزينا
وللمرضى مصحات ودور ... وتوفير الدواء للعاجزينا
فلا ثمن يقدم في علاج ... كذا التعليم مجانًا لدينا
وكم من نعمة وجميل صنع ... ستبقى دائمًا أثرًا سنينا
مشاريع بها التاريخ يزهو ... ويفخر معلنا للمصلحينا
جزى الله الحكومة كل خير ... بما فيها زعيم الملسمينا
إلى قوله:
مناظر في ربانا ساحرات ... ستغدو مقصدًا للسائحينا
ترى في "السودة" الشما ... وغابات تسر الناظرينا
وفي "القرعاء" مصطاف جميل ... ونزهة خاطر للصائفينا
وفي أرض "المحالة" سلسبيل ... كوادي النيل يروي الظامئينا
كأن "سويسرا" تلك المراعي ... و "لبنان" ترى أو "طورسينا".
وفي أبها البهية كل شيء ... جميل صالح للقادمينا
بها ماء زلال في شعاف ... وأشجار تظل السائرينا
وجو بارد في الصيف يحلو ... وينعش نفس كل المتعبينا
стр. 210
لا أظن أحدًا يقول بأن الشاعر من مدرسة التقليد؛ لأننا لا نجد أثرًا من خصائصها: الإسفاف في المعنى والركاكة في التعبير وفهاهة الأسلوب، ولا أن يكون من مدرسة المحافظين فقط الذين يسيرون على نهج القدماء من الشعراء الفحول مقلدًا إياهم؛ لأن الشاعر يعيش عصره لا عصر الفحول، ويصور حضارة وطنه المعاصر لا وطنهم، يتجاوب مع إنجازات مملكته وأمته من مشروعات الرقذ ي والتقدم لا التخلف والبداوة، ولا أدلّ على ذلك من تصوير المصيف الجميل الحديث المتحضر عروس الجنوب "أبها" في تصوير أدبي قوي متجدد لحياة جديدة في هذا الموطن الجذاب موطن الشاعر الذي عاش فيه، وتفجَّرت تجاربه الشعرية من مناطقه الساحرة في السودة والقرعاء والمحالة وغيرها، فهي مثل سويسرا ووادي النيل، ولبنان وطور سيناء.
ولن تخلو القصيدة من هزات تستوقف النظر، وهي كسر الوزن بقوله: "وتوفير الدواء للعاجزينا" هكذا بتسكين الهمزة، وقد يصحّ فيما لو حذفت الهمزة: "وتوفير الدوا للعاجزينا" كصنيعة في قوله: "ترى في السودة الشما، فحذف الهمزة ليصح الوزن، وكذلك قوله: "بما فيها زعيم المسلمينا"، كان الأولى ليسمو عن النثرية والتعبير العامي يأتي بما يتناسب مع سمو الشعر ولغته الخاصة، فيقول: "بقائدها زعيم المسلمينا"، وفرق كبير بين القائد والزعيم وبين ما تدل عليه الظرفية "في"، وإن كان القائد والزعيم من بينهم.
وكذلك التعبير بلفظ "المراعي" لا يتناسب في التصوير الأدبي مع المصيف الذي يشبه سويسرا ووادي النيل ولبنان، فلا تسمَّى جمال الغابات الكثيفة الساحر والزروع السندسية الخضراء والماء العذب الزلال بالمراعى، والأجدر بالتسمية والأقوى تصويرًا وإيحاءً وشاعرية كلمة "بالمعاني"، فهي لفظة شعرية تتلاءم في قوة ووحي وأضواء وظلال مع هذا المصيف الجميل الساحر.
وكذلك قصيدة "تحية ص٧٦، ٨٠"، مرفوعة لأعتاب حضرة صاحب الجلالة الملك "فيصل بن عبد العزيز المعظّم، ألقيت أمام جلالته في القصر الملكي "بجدة" حين قدِم من الرياض لزيارة السودان الشقيق عام ١٣٨٧هـ، وقصيدة "تحية ص٨٣، ٨٥" مرفوعة مع عظيم الإجلال لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزارء ووزير الداخلية -ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء حاليًا- في عام ١٣٨٨هـ.
وقصيدة "تحية ص٩٣، ٩٧" مرفوعة لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز -أمير منطقة الرياض، وقصيدة "تحية ص٩٣، ٩٧" مهداة لسعادة الشيخ هاشم معتوق المدير العام للجوازات والجنسية، "وكيل وزارة الداخلية للجوازات والأحوال المدنية حاليا"، في ٩/ ١٢/ ١٣٩٨هـ، وقصيدة "تحية" مرفوعة لحضرة صاحب الجلالة.
стр. 211
"مولاي" الملك فيصل المعظم بمناسبة عودة جلالته من جدة إلى الرياض في ٢٥/ ١/ ١٣٨٩هـ، وألقاها الشاعر بقصر "المعذر "بالرياض"١.
وقصيدة "تحية"، وتهنئة بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، مرفوعة مع التحية والإجلال لحضرة صاحب الجلالة "مولاي" الملك خالد بن عبد العزيز في ١٠/ ١٠/ ١٣٩٧هـ، ثم يقول:
إلى الخالد المغوار أرنو وأنشد ... لعيد عظيم مشرق يتجدد
لذكرى لدى الشعب العزيز مجيدة ... بها نحتفي في كل عام ونسعد
وتغمرنا الأفراح فيها بسمة ... وفيض سرور وافر يتعدد
ألا إنها ذكرى بحق سعيدة ... ليوم أغر خالد سيمجد
فيوم بلادي حين توحيد شعبها ... على يد ملك عادل سنخلد
بأغلى معاني الفخر والشكر والثنا ... وبالحب والتقدير يسمو ويصمد
لباني بناء العز والمجد والعلا ... لأمته يسعى لقصد يوحد
لقد كان توحيد الجزيرة مطلبًا ... لعبد العزيز الفذ للخير يقصد
فكافح في عزم وصدق وحكمة ... لتحقيق ما يصبو إليه وينشد
وهذا بحمد الله فضل ونعمة ... من الله للشعب السعودي ومقصد
فحق لنا أن نحتفي بحلوله ... وذكراه لن ننسى وسوف تجدد
ستبقى لهذا اليوم ذكرى مجيدة ... لدى الشعب في "عبد العزيز" تخلد٢
وهكذا إلى آخر القصيدة، وهي من غرر وطنياته القوية ومدائحه الهادفة السامية.
وقصيدة "تحية ص١٢٣، ١٢٦"، وتهنئة بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، مرفوعة مع التحية والإجلال لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد، ونائب رئيس مجلس الوزراء المعظم في ١٠/ ١٠/ ١٣٩٧هـ، وقصيدة "تحية" مرفوعة لصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل عام ١٣٨٩هـ، وهي من خماسياته يقول٣:
стр. 212
أيها القاموس أستاذ البيان ... وأمير الشعر والدر الحسان
صاحب "المحروم" في نظم الأغاني ... من بديع اللفظ معروف المعاني
طعمه كالشهد يزهو كالجمان
إيه يا شعري رويدًا في النشيد ... وقليلًا لا تبالع في القصيد
لست تحصى فعل أصحاب المزيد ... مثل عبد الله ذي الرأي السديد
إنه شهم وصنديد أكيد
يا طويل العمر عفوًا يا أمير ... إن باعي كان في الشعر قصير
ليس هذا المدح بالنظم المثير ... فبحور الشعر تحتاج الخبير
والقوافي بابها باب عسير
وقصيدة "تحية ص١٤٣، ١٤٧" لسمو الأمير بندر الفيصل في عام ١٣٨٩هـ، وقصيدة "تحية ص١٥٣، ١٥٦" مرفوعة لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران، بمناسبة زيارة سموه لمنطقة الجنوب في شهر جمادي الأولى ١٣٨٨هـ، وقصيدة "فرحة الشفاء ص١٦١، ١٦٤" بمناسبة شفاء وعودة جلالة الملك خالد بن عبد العزيز إلى أرض الوطن سليمًا معافى عام ١٣٩٨هـ، وقصيدة "تحية وتهنئة ص١٦٥، ١٦٧" مرفوعتان مع التحية والإجلال المقام حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز وليّ العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء المعظم، بمناسبة عودة وشفاء العاهل المفدَّى جلالة الملك خالد بن عبد العزيز المعظَّم، قيلت في ٢٧/ ١٢/ ١٣٩٨هـ.
ثانيًا: الشعر الوجداني
هذا اللسون من الشعر من أقوى الأغراض الأدبية عند يحيى الألمعي وأجودها، فهو الذي يعبّر عن موهبته الشعرية في تصوير أدبي رائع، والقصائد التي أنشدها في هذا الغرض، قصيدة "يا ليل"، وهو يناجي الليل في ١٨/ ٦/ ١٣٧٦هـ، يقول١:
يا ليل إني قد ضجرت طويلًا ... وغدوت منك معذبًا وعليلًا
فلقد رأيت تطاولًا لا ينبغي ... إن التطاول منك ليس جميلًا
إن المريض تناله بمخافة ... وتأوه قد كنت فيه مهيلا
وكذلك الولهان يسهر هائمًا ... ويراك عن صبح الفلاح ثقيلًا
ويبيت يمضي ليله في حرقة ... وعذابه يا ليل ليس قليلًا
стр. 213
وقصيدة "شكوى ص٢٥، ٢٦" إلى الله العليّ القدير من جوار الكعبة المشرفة في ١٠/ ٥/ ١٣٨٨هـ، وقصيدة "عتاب" يعارض فيها معلقة عمرو بن كلثوم المشهورة، ومطلعها:
ألا هبى بصحنك فاصبحينا
عارضها الشاعر الألمعي في عام ١٣٨٣هـ بقصيدة مطلعها١:
ألا جودي بوصلك وارحمينا ... ولا تكوي قلوب العاشقينا
وداوي حالتي وجروح قلبي ... وما قد ساور القلب الحزينا
فمنذ النظرة الأولى رمتني ... رموش العين رمي القادرينا
فطارت مهجتي لهفًا وشوقًا ... وقرحت الدموع لنا جفونا
فصرت متيمًا وأسير حب ... أعاني من مرارته الشجونا
وقصيدة "مع الأطياف ص٤٥، ٤٨" قالها الشاعر في ١٣٨٨هـ، وقصيدة "مع الخيال ص٧٠، ٧٢" قالها الشاعر في عام ١٣٨٥هـ، وقصيدة "إليها" معارضة للمقطوعة الشعرية التي قالها عمر بن أبي ربيعة في بيع الحمر لدى الدارمي، يقول عمر:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بزاهد متعبد
إلى آخر المقطوعة، فيعارضها الألمعي بقصيدة طويلة عام ١٣٨٤هـ ومطلعها:
قل للمليحة في الرداء الأسود ... ماذا صنعت بناسك متهجد
قد كان حسر للوضوء ذراعه ... حتى وقفت له بباب المعبد
إلى قوله:
وتأججت نيران قلب قد سلا ... ونكأت جرح العابد المتزهد
وسرت دماء الحب في أحشائه ... كيف السيل وأنت كل المقصد
حسناء ما هذا التجني على فتى ... متبتل متضرع متنهد
"رديّ عليه صيامه وقيامه" ... ودعيه يبقى دائمًا في المعبد
لا تصرفيه عن التبتل والدعا ... "لا تقتليه بحق دين محمد"٢
стр. 214
وقصيدة "أحلام الصبا ص٨١، ٨٢" قالها الشاعر في ١٣٨٨هـ، وقصيدة "نجوى ص٨٦، ٨٧" أنشدها الشاعر في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "صدفة ص١٠٢" قالها في ١٣٨٢هـ، وقصيدة "مع الخليل ص١٣٢، ١٣٣" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "شكوى ص١٤١، ١٤٢" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "شكر الإله ص١٤٨، ١٥٠" وهي وقفة تأمّل وتدبر في آلاء الله بين جبال عسير الشاهقة عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "الحبيب المجهول ص١٥١، ١٥٢" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "ذكرى ص١٥٩، ١٦٠" في عام ١٣٧٨هـ، وقصيدة "ذكريات وتساؤلات ص١٦٨، ١٧٠" في عام ١٣٩٩هـ، وقصيدة "مع الأنغام ص١٣٩، ١٤٠" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "ظهران الجنوب ص١٥٧، ١٥٨" في عام ١٣٨٨هـ.
وشعر الوجدان تنساب فيه شاعرية الألمعي انسياب الماء الصافي العذب الزلال، يتَّسم بالخفة والحلاوة والعذوبة، ينساب مع القارئ كأنَّ ألفة تمت بينهما من قبل في تجربة سابقة، ويشعر بأن الشعر للقارئ لا للشاعر؛ لأنه في إمكانه أن يصدر عنه مثله أو هو نفسه، وذلك لسهولته وجريانه على اللسان كما يجري الحديث اليومي مع الناس حين يتسامرون ويأنسون، فلا يحتاج إلى جهد في فهمه وإدراكه، ولا إلى مراجعة يحكك فيه ويهذب منه، بل نشعر بأن الشاعر أنشد هذه القصائد بلا استئذان ولا تهيؤ قبلها، وكأنه يرتجلها ارتجالًا لا يعانيها، ولا يقلب النظر في صورها وكلماتها، بل إذا صدرت عنه ساعتها لا يدير نظرة عليها مرة ثانية، بل تذهب في الحياة نبعًا فطريًّا صافيًا، لا تحتاج منه إلى المراجعة والتدقيق والتهذيب، حتي يحذف منها الكلمة العامية أو يجبر خللًا هو كيان الصورة، أو يقصر ممدودًا في وسط البيت، أو يمد مقصورًا للحفاظ على الوزن، لا يعنيه كل هذا ما دامت القصيدة قد صدرت عنه لأول مرة.
لهذا كله كان شعر الوجدان عند يحيى الألمعي صادرًا عن نفس شفافة وروح صافية، سواء أكان وجدانه يكتوي بنار الحب التي ألهبته حبيبته ومزقت بالشوق قلبه، أم كان وجدانه من شكواه لله وثنائه عليه بنعمه وآلائه؛ ليطلب منه المغفرة والعفو، كلاهما يعتمد على مشاعر الحب العميق الصادق، وفورة الوجدان المحموم، والتأمل في جوانب النفس وحناياها لمعرفة حقيقة الحب والولهان وكنه الوجدان والإلهام.
وشعر الوجدان عنده شعر قوي العاطفة صادقة التجربة قطعة نابضة من نفس الشاعر وقلبه، ويكفيه وحده أن يضع الشاعر في منزلة بين شعراء مدرسته ومذهبها الأدبي: مدرسة التجديد المحافظ؛ ليكون يحيى من شعراء منطقة الجنوب بلا ريب يزاحم شعراء المملكة العربية السعودية بفنه الشعري.
стр. 215
وليس معنى ذلك أنَّ الأغراض الأخرى لا تدل على موهبة الشاعر؛ لأن الموهبة في ذاتها موجودة عند الشاعر، وقوية أصيلة، فلا تهمل الأغراض، لكن بعضها كالمدح مثلًا كان يحتاج من الشاعر إلى المراجعة والتهذيب، فقد يصيب أحيانًا، وقد يركب الصعب حينًا آخر، وبقية الأغراض أخذت منزلتها من الشاعر بعد شعر الوجدان مباشرة، وعند التعرف على الخصائص الفنية في مجال التصوير الأدبي سأقيم الشواهد والأمثلة التي تدل على ما ذهبت إليه من رأي في الأغراض الأدبية عند الشاعر.
ومن خصائص شعر الوجدان أيضًا أنه نبع عن الشاعر في عام واحد وهو عام ١٣٨٨هـ"، هذا بالنسبة للأعوام الأخرى، فقد أنشد كثيرًا من القصائد في الغرض، كما اتضح ذلك من تاريخ إبداع شعره وإنشاده السابق، وهي "شكوى"، "أحلام الصبا"، "نجوى"، "مع الخليل"، "وشكوى" مرة أخرى، "شكر الإله"، "الحبيب المجهول"، وغيرها، وهي من أجود قصائده، وأنشد في نفس العام قصيدتين في المدح وهما: "تحية" بمناسبة زيارة سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز لمنطقة الجنوب، وقصيدة "تحية" بمناسبة عودة جلالة الملك فيصل من جدة إلى الرياض، وأنشد قصائد أخرى في نفس العام مثل قصيدة "مع الأنغام"، وقصيدة "رمضان"، وقصيدة "فلسطين ووعد بلفور".
وهذه القصائد التي أنشدها في عام ١٣٨٨هـ بعد أن انتقل من عمله في أبها إلى ظهران الجنوب، تدل على أنَّ الشاعر كان يعاني تجربة وجدانية قوية، ألهبت عواطفه، وأرَّقت مشاعره، ففاضت تجاربه الشعرية المتدفقة بحشد كبير، وقد أعقب هذا الانتقال استقرار في أبها حتى الآن.
وفي هذا الشعر أيضًا دلالة تدل على نوع من التعويض لفقد رغبة عزيزة كان يرغب فيها ولم تتحقق، فذهب إلى الجنوب ليجد العوض في هذا الشعر النابض الذي يظهر الشاعر من آلامه وآهاته وفقدانه، ويجد فيه الأنس كل الأنس، بحيث يملأ هذا الفراغ، الذي خلفته الآمال المفقودة، والرغبات التي ذهبت مع الرياح.
ولهذه الأسباب كانت القصائد السابقة يغلب عليها هذا اللون من الحزن والألم والشكوى والمرارة، سواء أكانت هذه الشكوى في جوار الكعبة المشرفة؛ حيث يتنفس الصدر، ويفيض القلب بمكنونه في البقعة الطاهرة، فيتطهر من بلوائه التي ألمَّت بها، ويكشف ضره الذي مزقه، وتتجرد أحشاؤه عن الآهات والأحزان، وهذا عينه ما يصوره الشاعر في قصيدة "شكوى" يقول١: