← Адаб

Адаб · id 22860

المذاهب الأدبية في الشعر الحديث لجنوب المملكة العربية السعودية

علي علي صبح

Полный текст (312 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

"مولاي" الملك فيصل المعظم بمناسبة عودة جلالته من جدة إلى الرياض في ٢٥/ ١/ ١٣٨٩هـ، وألقاها الشاعر بقصر "المعذر "بالرياض"١. وقصيدة "تحية"، وتهنئة بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، مرفوعة مع التحية والإجلال لحضرة صاحب الجلالة "مولاي" الملك خالد بن عبد العزيز في ١٠/ ١٠/ ١٣٩٧هـ، ثم يقول: إلى الخالد المغوار أرنو وأنشد ... لعيد عظيم مشرق يتجدد لذكرى لدى الشعب العزيز مجيدة ... بها نحتفي في كل عام ونسعد وتغمرنا الأفراح فيها بسمة ... وفيض سرور وافر يتعدد ألا إنها ذكرى بحق سعيدة ... ليوم أغر خالد سيمجد فيوم بلادي حين توحيد شعبها ... على يد ملك عادل سنخلد بأغلى معاني الفخر والشكر والثنا ... وبالحب والتقدير يسمو ويصمد لباني بناء العز والمجد والعلا ... لأمته يسعى لقصد يوحد لقد كان توحيد الجزيرة مطلبًا ... لعبد العزيز الفذ للخير يقصد فكافح في عزم وصدق وحكمة ... لتحقيق ما يصبو إليه وينشد وهذا بحمد الله فضل ونعمة ... من الله للشعب السعودي ومقصد فحق لنا أن نحتفي بحلوله ... وذكراه لن ننسى وسوف تجدد ستبقى لهذا اليوم ذكرى مجيدة ... لدى الشعب في "عبد العزيز" تخلد٢ وهكذا إلى آخر القصيدة، وهي من غرر وطنياته القوية ومدائحه الهادفة السامية. وقصيدة "تحية ص١٢٣، ١٢٦"، وتهنئة بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، مرفوعة مع التحية والإجلال لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد، ونائب رئيس مجلس الوزراء المعظم في ١٠/ ١٠/ ١٣٩٧هـ، وقصيدة "تحية" مرفوعة لصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل عام ١٣٨٩هـ، وهي من خماسياته يقول٣:

стр. 212

أيها القاموس أستاذ البيان ... وأمير الشعر والدر الحسان صاحب "المحروم" في نظم الأغاني ... من بديع اللفظ معروف المعاني طعمه كالشهد يزهو كالجمان إيه يا شعري رويدًا في النشيد ... وقليلًا لا تبالع في القصيد لست تحصى فعل أصحاب المزيد ... مثل عبد الله ذي الرأي السديد إنه شهم وصنديد أكيد يا طويل العمر عفوًا يا أمير ... إن باعي كان في الشعر قصير ليس هذا المدح بالنظم المثير ... فبحور الشعر تحتاج الخبير والقوافي بابها باب عسير وقصيدة "تحية ص١٤٣، ١٤٧" لسمو الأمير بندر الفيصل في عام ١٣٨٩هـ، وقصيدة "تحية ص١٥٣، ١٥٦" مرفوعة لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران، بمناسبة زيارة سموه لمنطقة الجنوب في شهر جمادي الأولى ١٣٨٨هـ، وقصيدة "فرحة الشفاء ص١٦١، ١٦٤" بمناسبة شفاء وعودة جلالة الملك خالد بن عبد العزيز إلى أرض الوطن سليمًا معافى عام ١٣٩٨هـ، وقصيدة "تحية وتهنئة ص١٦٥، ١٦٧" مرفوعتان مع التحية والإجلال المقام حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز وليّ العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء المعظم، بمناسبة عودة وشفاء العاهل المفدَّى جلالة الملك خالد بن عبد العزيز المعظَّم، قيلت في ٢٧/ ١٢/ ١٣٩٨هـ. ثانيًا: الشعر الوجداني هذا اللسون من الشعر من أقوى الأغراض الأدبية عند يحيى الألمعي وأجودها، فهو الذي يعبّر عن موهبته الشعرية في تصوير أدبي رائع، والقصائد التي أنشدها في هذا الغرض، قصيدة "يا ليل"، وهو يناجي الليل في ١٨/ ٦/ ١٣٧٦هـ، يقول١: يا ليل إني قد ضجرت طويلًا ... وغدوت منك معذبًا وعليلًا فلقد رأيت تطاولًا لا ينبغي ... إن التطاول منك ليس جميلًا إن المريض تناله بمخافة ... وتأوه قد كنت فيه مهيلا وكذلك الولهان يسهر هائمًا ... ويراك عن صبح الفلاح ثقيلًا ويبيت يمضي ليله في حرقة ... وعذابه يا ليل ليس قليلًا

стр. 213

وقصيدة "شكوى ص٢٥، ٢٦" إلى الله العليّ القدير من جوار الكعبة المشرفة في ١٠/ ٥/ ١٣٨٨هـ، وقصيدة "عتاب" يعارض فيها معلقة عمرو بن كلثوم المشهورة، ومطلعها: ألا هبى بصحنك فاصبحينا عارضها الشاعر الألمعي في عام ١٣٨٣هـ بقصيدة مطلعها١: ألا جودي بوصلك وارحمينا ... ولا تكوي قلوب العاشقينا وداوي حالتي وجروح قلبي ... وما قد ساور القلب الحزينا فمنذ النظرة الأولى رمتني ... رموش العين رمي القادرينا فطارت مهجتي لهفًا وشوقًا ... وقرحت الدموع لنا جفونا فصرت متيمًا وأسير حب ... أعاني من مرارته الشجونا وقصيدة "مع الأطياف ص٤٥، ٤٨" قالها الشاعر في ١٣٨٨هـ، وقصيدة "مع الخيال ص٧٠، ٧٢" قالها الشاعر في عام ١٣٨٥هـ، وقصيدة "إليها" معارضة للمقطوعة الشعرية التي قالها عمر بن أبي ربيعة في بيع الحمر لدى الدارمي، يقول عمر: قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بزاهد متعبد إلى آخر المقطوعة، فيعارضها الألمعي بقصيدة طويلة عام ١٣٨٤هـ ومطلعها: قل للمليحة في الرداء الأسود ... ماذا صنعت بناسك متهجد قد كان حسر للوضوء ذراعه ... حتى وقفت له بباب المعبد إلى قوله: وتأججت نيران قلب قد سلا ... ونكأت جرح العابد المتزهد وسرت دماء الحب في أحشائه ... كيف السيل وأنت كل المقصد حسناء ما هذا التجني على فتى ... متبتل متضرع متنهد "رديّ عليه صيامه وقيامه" ... ودعيه يبقى دائمًا في المعبد لا تصرفيه عن التبتل والدعا ... "لا تقتليه بحق دين محمد"٢

стр. 214

وقصيدة "أحلام الصبا ص٨١، ٨٢" قالها الشاعر في ١٣٨٨هـ، وقصيدة "نجوى ص٨٦، ٨٧" أنشدها الشاعر في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "صدفة ص١٠٢" قالها في ١٣٨٢هـ، وقصيدة "مع الخليل ص١٣٢، ١٣٣" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "شكوى ص١٤١، ١٤٢" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "شكر الإله ص١٤٨، ١٥٠" وهي وقفة تأمّل وتدبر في آلاء الله بين جبال عسير الشاهقة عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "الحبيب المجهول ص١٥١، ١٥٢" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "ذكرى ص١٥٩، ١٦٠" في عام ١٣٧٨هـ، وقصيدة "ذكريات وتساؤلات ص١٦٨، ١٧٠" في عام ١٣٩٩هـ، وقصيدة "مع الأنغام ص١٣٩، ١٤٠" في عام ١٣٨٨هـ، وقصيدة "ظهران الجنوب ص١٥٧، ١٥٨" في عام ١٣٨٨هـ. وشعر الوجدان تنساب فيه شاعرية الألمعي انسياب الماء الصافي العذب الزلال، يتَّسم بالخفة والحلاوة والعذوبة، ينساب مع القارئ كأنَّ ألفة تمت بينهما من قبل في تجربة سابقة، ويشعر بأن الشعر للقارئ لا للشاعر؛ لأنه في إمكانه أن يصدر عنه مثله أو هو نفسه، وذلك لسهولته وجريانه على اللسان كما يجري الحديث اليومي مع الناس حين يتسامرون ويأنسون، فلا يحتاج إلى جهد في فهمه وإدراكه، ولا إلى مراجعة يحكك فيه ويهذب منه، بل نشعر بأن الشاعر أنشد هذه القصائد بلا استئذان ولا تهيؤ قبلها، وكأنه يرتجلها ارتجالًا لا يعانيها، ولا يقلب النظر في صورها وكلماتها، بل إذا صدرت عنه ساعتها لا يدير نظرة عليها مرة ثانية، بل تذهب في الحياة نبعًا فطريًّا صافيًا، لا تحتاج منه إلى المراجعة والتدقيق والتهذيب، حتي يحذف منها الكلمة العامية أو يجبر خللًا هو كيان الصورة، أو يقصر ممدودًا في وسط البيت، أو يمد مقصورًا للحفاظ على الوزن، لا يعنيه كل هذا ما دامت القصيدة قد صدرت عنه لأول مرة. لهذا كله كان شعر الوجدان عند يحيى الألمعي صادرًا عن نفس شفافة وروح صافية، سواء أكان وجدانه يكتوي بنار الحب التي ألهبته حبيبته ومزقت بالشوق قلبه، أم كان وجدانه من شكواه لله وثنائه عليه بنعمه وآلائه؛ ليطلب منه المغفرة والعفو، كلاهما يعتمد على مشاعر الحب العميق الصادق، وفورة الوجدان المحموم، والتأمل في جوانب النفس وحناياها لمعرفة حقيقة الحب والولهان وكنه الوجدان والإلهام. وشعر الوجدان عنده شعر قوي العاطفة صادقة التجربة قطعة نابضة من نفس الشاعر وقلبه، ويكفيه وحده أن يضع الشاعر في منزلة بين شعراء مدرسته ومذهبها الأدبي: مدرسة التجديد المحافظ؛ ليكون يحيى من شعراء منطقة الجنوب بلا ريب يزاحم شعراء المملكة العربية السعودية بفنه الشعري.

стр. 215

وليس معنى ذلك أنَّ الأغراض الأخرى لا تدل على موهبة الشاعر؛ لأن الموهبة في ذاتها موجودة عند الشاعر، وقوية أصيلة، فلا تهمل الأغراض، لكن بعضها كالمدح مثلًا كان يحتاج من الشاعر إلى المراجعة والتهذيب، فقد يصيب أحيانًا، وقد يركب الصعب حينًا آخر، وبقية الأغراض أخذت منزلتها من الشاعر بعد شعر الوجدان مباشرة، وعند التعرف على الخصائص الفنية في مجال التصوير الأدبي سأقيم الشواهد والأمثلة التي تدل على ما ذهبت إليه من رأي في الأغراض الأدبية عند الشاعر. ومن خصائص شعر الوجدان أيضًا أنه نبع عن الشاعر في عام واحد وهو عام ١٣٨٨هـ"، هذا بالنسبة للأعوام الأخرى، فقد أنشد كثيرًا من القصائد في الغرض، كما اتضح ذلك من تاريخ إبداع شعره وإنشاده السابق، وهي "شكوى"، "أحلام الصبا"، "نجوى"، "مع الخليل"، "وشكوى" مرة أخرى، "شكر الإله"، "الحبيب المجهول"، وغيرها، وهي من أجود قصائده، وأنشد في نفس العام قصيدتين في المدح وهما: "تحية" بمناسبة زيارة سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز لمنطقة الجنوب، وقصيدة "تحية" بمناسبة عودة جلالة الملك فيصل من جدة إلى الرياض، وأنشد قصائد أخرى في نفس العام مثل قصيدة "مع الأنغام"، وقصيدة "رمضان"، وقصيدة "فلسطين ووعد بلفور". وهذه القصائد التي أنشدها في عام ١٣٨٨هـ بعد أن انتقل من عمله في أبها إلى ظهران الجنوب، تدل على أنَّ الشاعر كان يعاني تجربة وجدانية قوية، ألهبت عواطفه، وأرَّقت مشاعره، ففاضت تجاربه الشعرية المتدفقة بحشد كبير، وقد أعقب هذا الانتقال استقرار في أبها حتى الآن. وفي هذا الشعر أيضًا دلالة تدل على نوع من التعويض لفقد رغبة عزيزة كان يرغب فيها ولم تتحقق، فذهب إلى الجنوب ليجد العوض في هذا الشعر النابض الذي يظهر الشاعر من آلامه وآهاته وفقدانه، ويجد فيه الأنس كل الأنس، بحيث يملأ هذا الفراغ، الذي خلفته الآمال المفقودة، والرغبات التي ذهبت مع الرياح. ولهذه الأسباب كانت القصائد السابقة يغلب عليها هذا اللون من الحزن والألم والشكوى والمرارة، سواء أكانت هذه الشكوى في جوار الكعبة المشرفة؛ حيث يتنفس الصدر، ويفيض القلب بمكنونه في البقعة الطاهرة، فيتطهر من بلوائه التي ألمَّت بها، ويكشف ضره الذي مزقه، وتتجرد أحشاؤه عن الآهات والأحزان، وهذا عينه ما يصوره الشاعر في قصيدة "شكوى" يقول١:

стр. 216

إلى الله أشكو لوعتي وبلائي ... ومنه أرجو الكشف في البلواء وأطلب منه كشف ضر ألم بي ... وأدعوه في السراء والضراء ألمت بي البلوى فكنت أسيرها ... ومارت بي الآهات في الأحشاء صبرت على ما نالني صبر زاهد ... يرى في ثواب الله خير شفاء إذا المرء لم يصبر على ما أصابه ... ولم يحمد المولى على البلواء تحمل ذنبًا يا له من مصيبة ... وأشغل قلبًا بالأسى وبكاء وأضحى طريدًا من رضاء إلهه ... ينوح ويبكي في الضحى ومساء فرحماك ربي أنني لست ضائقًا ... من الضر ما دام القضاء قضائي واقتصرت على بعضها للدلالة على المراد، أو كانت الشكوى من الزمان وأهله، كما في قصيدته الثانية "شكوى" يقول١: أشكو الزمان وأهله قد نالني ... من هذه الفئتين ما قد نالني أشكو الأحبة والرفاق جميعهم ... أشكو بني عمي ومن قد عالني أشكو همو والله يعلم أنني ... أهواهمو بالرغم ممن خانني فلقد سئمت من الحياة وأهلها ... لم أبلغ منهم أي شيء فاتني حتى لقد ناجيت ربي سائلًا ... وأقول يا موت ألا لاقيتني إن الخطوب إذا أحاطت بالضنى ... كره الحياة وقال ماذا غالني إني وجدت مرارة العيش الذي ... جرعته منهم ودومًا طالني فلتهنأ الأقوام بالعيش ... الرغيد وكل شيء جاءني وعليك يا دنيا السلام فإنني ... لم أبغ منك العيش مما هالني أو يهرب الشاعر من واقعه المرِّ، ومحنته التي يمر بها في الظهران لينسى آلامه وأحزانه في حلم جميل، وخيال ممتع رائع، وما أروع أحلام الصبا، وملاعبه الغانية، ومسارح الخيال فيه، وخاصة عندما يأوي إليها المحروم من آمال الشباب والكهولة، فيتنفس الصدر فيها مما يريح النفس ولو ساعة، ويتذوق القلب حلاوتها فتنسيه آلام المكابدة والمعاناة أثناء المعاناة والمكايدة، لذلك يتوق يحيى الألمعي إلى "أحلام الصبا" يبث شكواه في لوحة فنية أخرى٢:

стр. 217

تاقت النفس لأحلام الصبا ... والليالي الغر في عهد الصغر تلك آمال بها كل المنى ... تغمر النفس بأطياف السحر في رياض الزهر والورد التي ... تملأ القلب بإشعاع القمر١ ومع الخلان نعدو في الربا ... في رماعيها وأفياء الشجر وغمام السحب يبدو في الذرى ... بذرف الطل ويأتي بالمطر قطرات كنت قد شبهتها ... كجمان نثرها أو كالدرر ليت شعري حين تأتي في الدجى ... غادة العمر لكي نقضي السمر تحت ظل الدوح فواح الشذا ... تصدح الطير بأنغام الوتر يا لها من ليلة جادت بها ... قدرة الله وتصريف القدر حبذا لو صادفتنا دائمًا ... هذه الأقدار في وقت الكبر كي ننال السعد في أيامنا ... والليالي عندما نقضي الوطر قلت: الموهبة متمكنة من الشاعر، ومن يقرأ هذه القصيدة مع ارتجالها، وتراسل المشاعر فيها، وانثيال الصور الرائعة، مما يجعل شعره يسيل كالندى المعبق بالشذا والطيب، ولقد فطن لهذا الشاعر زاهر عواض حين علق على ديوانه قائلًا: "كنت أود من أخي الشاعر يحيى الألمعي وهو في أبها؛ حيث الهواء الطلق والسماء الصافية، والشمس الساطعة، والغيث المسكوب، ينهل هتونًا فتجري به الأودية وتمتلئ الغدران ... أقول: ماذا يضير الشاعر وهو بين هذه المشاهد الرائعة، والمناظر الخلابة، أن يطوف بنا في مجال تلك الطبيعة الغناء أكثر فأكثر، ويتحفنا وهو الشاعر المطبوع من شعره، ويضفي علينا الإحساس بما أفاض الله عليه، فإن الطبيعة الفاتنة إذا صادفت كفئًا لها أضفى عليها ملابسها، وكشف عن نفائسها، وكانت له رائدًا فيما طلب وهاديًا حيث ذهب، وشاعرنا كان من أحق الشعراء في ذلك؛ لأنه من هنالك"٢. وحين يستيقظ يحيى للألمعي من أحلام الصبا يبث شكواه إلى "الحبيب المجهول"، وكلاهما أحلام عذبة ينتشي لها الشاعر، فينسى آلامه وأحزانه، ويطهر بها قلبه من المكابدة والمعاناة، إن الصورة الشعرية القوية أحيانًا حينما تهز الوجدان تذهب بالحزن وتنسخ المعاناة، وتزيل مرارة الحرمان، فيحيا بها الوجدان مرة ثانية، فما بالك بالشاعر الذي ينسج الصور الشعرية الرائعة كالغيث الذي ينزل على الأرض، فيترك الصخر أملس ناعمًا لينجرف ما عليه في التيارات

стр. 218

الطموية المائية؛ لتستقر في الأرض الخصبة، فتمرع وتزهر وتخضر وتحيا، وهكذا تعود الحياة كما كانت؛ ليعود إليها الغيث مرات ومرات يشكو إلى "الحبيب المجهول" فيقول١: الحب أضناني وقرَّح مهجتي ... وبراني الشوق فزاد بليتي وتتابعت زفرات قلبي بالأسى ... وتناثرت قطرات دمع المقلة لم هكذا تنثابني في وحشتي ... وثير أشجان الفراق ولوعتي لم أيها الصب المتيم بالهوى؟ ... تدمي ضلوعي بعد حرق المهجة لم هكذا تشكو البعاد وطوله؟ ... وتقول إنك ساهر في محنتي لم لا تروم لقاءنا يا صاحبي؟ ... كيف السبيل وأنت أهل الفتنة لم لا تجود بوصلنا طول المدى؟ ... وتزيل هم الواله المتعنت أتريد مني أن أكون ضحية؟ ... بئس المراد وأنت كنت ضحيتي الله يجمعنا ويكتب وصلنا ... ويحقق الآمال بعد الفرقة وهكذا يفيق يحيى من أحلام الصبا وأحلام اليقظة في الحبيب المجهول؛ ليبث شكواه في واقعه الذي يعيشه في شبابه، فيبث آلامه وآهاته إلى خليله وصديقه الذي يستريح إليه، فيستريح هو من عنائها، ويخفف ويلاتها بنظرات الصديق الحنونة وكلماته الحانية، ونبراته اللطيفة، وأنفاسه الرحيمة، فيبدد بشعره وحشة الليل والظلام والنوم والسهام، مع أنيس شعره "مع الخليل"٢. يا خليلي يا أنيسي في الدجى ... ومرامي دائمًا عند المنام جد حبيبي باللقا وقت المساء ... لا تغب عني فإني مستهام قد حرمت النوم حتى نالني ... كل ضر قد برى مني العظام وغدا جسمي نحيلًا خائرًا ... من سهام الحب أو سهم الغرام لو رأيت الحال يا خلي وما ... قد أتاني لم تطق حتى الكلام إن إحساسي ليشدو بالغناء ... قلد الطير وتغريد الحمام زفرات القلب آهات لنا ... زادت النيران في النفس اضطرام ذقت مر العيش من طول النوى ... وانقضى العمر ولم اقض المرام يا حبيبي لا تدعني حائرًا ... هائمًا في الحب أبكي في الظلام ولتكن مني قريبًا دائمًا ... لتزيل الهم عني والسهام

стр. 219

غاية والقصد تجديد اللقا ... تحت ظل الدوح أو بين الخيام فاستمتع مني كلامي والنداء ... وتحياتي وإقراء السلام ولتكن مني قريبًا دائمًا ... يا حبيبي إن ذا البعد حرام وإذا ما بثَّ شكواه إلى خليله رأى أنَّ الملجأ الحقيقي في المناجاة هي الشكوى إلى الله ، فيناجيه في "نجوى"١ ومنها: يا إلهي وأنت رب كريم ... عالم بالخفا وكل السرائر إلى قوله: واغفر الذنب والخطايا جميعًا ... والمعاصي وكل تلك الكبائر واصرف الشر أينما كان عنا ... واعطنا الخير والهدى والبشائر وإذا كان الملجأ الحقيقي هو لله وحده، فينبغي أن نشكر الله على محنته، ولا يحمد على مكروه سواه؛ لأن المؤمن الصادق هو الذي يرضى بقضاء الله وقدره، يقول في قصيدته "شكر الإله" عام ١٣٨٨هـ٢: جل الإله تعالى في تفضله ... على العباد له فضل وإحسان قد أوجد الكون من لا شيء من عدم ... سبحانه الخالق المعبود منان أعطى لنا النعمى الكبرى وأوهبنا ... حب الحياة لها سر وإعلان فالكل يفنى ولا يبقى له أثر ... إلّا الصلاح وتقوى وإحسان ثالثًا: الشعر الإسلامي وهو من الأغراض التي تناولها الشاعر في ديوانه، ويضم قصيدة "رمضان" في ١/ ٩/ ١٣٨٨هـ، ومطلعها ٣: رمضان يا شهر الصيام تحية ... حييت يا أملًا أتى أسرارًا رمضان يا شهر الفضائل والمنى ... قد جئت فينا ناقلًا أخبارًا فيك الملائك تزدهي في نشوة ... ولك الحنان تزينت إقرارًا والحور فيها رقصن وصفقت ... ولبسن أثواب الهنا أعطارًا

стр. 220

"ريان" يفتح عندما تأتي لنا ... والجن تحبس لا ترى أخطارًا هذي المساجد قد زهت وتزينت ... للمقدم الميمون جاء مرارًا يا من له القرآن يتلى في الضحى ... والليل يحيى بالدعاء أذكارًا إلى آخر القصيدة، وقصيدة "فلسطين ووعد بلفور" في عام ١٣٨٨هـ، وهي من الشعر الإسلامي، على اعتبار أن قضية فلسطين أصبحت قضية إسلامية، والقدس الشريف من القضايا الإسلامية المعاصرة، يقول في مطلعها١: يا وعد "بلفور" كم هيجت أشجانا ... ونالنا منك إيذاء فأضنانا أضنى العروبة والإسلام كلهمو ... وسامهم بالأذى سواء فأبكانا وقصيدة "أخي" أنشدها الشاعر نداء لتحرير فلسطين الجريمة عام ١٣٩٤هـ ومطلعها٢: أخي إننا اليوم في محنة ... تدك الصخور بطول المدى وقصيدة "صرخة الإسلام" أذيعت من صوت الإسلام عام ١٣٨٦هـ، يقول٣: إن الديانة في الإسلام تغتنم ... فيها الصلاح وفيها الخير والنعم في أرض مكة مهد الوحي انتشرت ... قوم وقام بها الإصلاح والأمم قد قام فيها رسول الله داعية ... يريد خيرًا وكل الناس تلتئم تحطمت كل أوثان مدنسة ... بالشرك والكفر والطغيان ينهدم لم يبق فيها سوى الدين الحنيف هدى ... فانهالت القوم تترى للهدى أمم نور الهداية شمس في العلا أبدًا ... يشع في الكون حتى عمنا الكرم وهكذا إلى آخر القصيدة وهي طويلة، والشعر الإسلامي عند يحيى دون الشعر الوجداني بكثير، لا من حيث المضمون، ولكن من حيث التصوير الأدبي، فنرى هذا الغرض أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، فالشاعر يكتب مقالًا عن رمضان، أو عن صرخة في الإسلام، يجمع فيها الأشتات من هنا وهناك لكي يستقيم له الوزن، وتقوم الأبيات على العروض والقافية، وإن كانت القافية توضع في غير مكانها أحيانًا.

стр. 221

"فالأمم" تأتي قافية ثلاث مرات، و"يلتئم" مرتين، و"الكرم" مرتين، ويضطر إلى الترادف في المعنى من أجل القافية أيضًا مرات كثيرة مثل "الخير والنعم"، "قوم - الأمم"، "الخير والإنعام والكرم"، و"البغي والظلم"، "شرك ولا صنم" وغيرها. وقد يضطر الوزن إلى الأساليب غير المشهورة عند العرب، فيسير على المنهج غير الفصيح من الألفاظ ومشتقاتها، فقد جعل همزة الوصل في قوله "انتشرت" همزة قطع لكي يستقيم الوزن، واستعمل المصدر "الإعجام" مكان الجمع، وهو يقصد الجمع "العجم" وهو الجمع عند العرب، فاضطر الشاعر إلى الاستعمال غير الفصيح ليحافظ على الوزن في القصيدة. ومن الشعر الإسلامي أيضًا قصيدة "إليك يا أبي" في رثاء شهيد الإسلام، جلالة الملك فيصل المعظم، الذي اهتزّت الدنيا لموته، قالها في ١٥/ ٣/ ١٣٩٥هـ ومطلعها: العين تبكي والفؤاد محرق ... والنفس تحزن ودائمًا تتمزق حتى كأن الدمع من نهر جرى ... في المقلتين وفوق خد يبرق وله خرير لست أحصى قطره ... ينساب ما بين الجفون ويدفق في موت "فيصل" قد مادت بنا أكم ... واهتزت الأرض من خطب له حرق حامي حمى الإسلام رائده ... أبو المعالي وفيه الوصف ينتطق حققت للشعب ما يزهو به حقبًا ... وللعروبة والإسلام ينبثق وها وجودك يا مولاي مفخرة ... للمسلمين عمومًا كنت تأتلق سكنت في كل قلب وهي عامرة ... بالحب دومًا وفيه الود معتلق يا رائد العرب والإسلام إن بنا ... من الأسية ما لا يوسع له الورق إلى آخر القصيدة، وهي من أجود قصائده في الشعر الإسلامي، ومنه أيضًا قصيدة "نصيحة ص٢٧، ٢٨" أهداها إلى الأخ فائع إبراهيم الألمعي في عام ١٣٧٧هـ، ويحث فيها على طلب العلم، وينفر من الجهل، والعلم يحث عليه الإسلام، بل هو أساس الإسلام وقاعدته العريضة، وقصيدة "العلم والجهل" ألقاها الشاعر في المركز الصيفي بأبها عام ١٣٩١هـ، ومطلعها ٢: العلم يبني والجهالة تهدم ... والعلم نور ساطع وتقدم بالعلم تبلغ كل قصد في المنى ... ويحقق الأهداف من يتعلم

стр. 222

والجهل داء والثقافة بلسم ... للجهل إذا فيه الشفاء الأعظم والعلم طعم في المذاق حلاوة ... والجهل مر طعمه بل علقم بالعلم يرقى كل شعب للعلا ... ويكون في أعلا المراتب ينعم إلى قوله: يبني صروح المجد شامخة الذرى ... وبها الدعامة قوة لا تثلم فأخو الجهالة في الشقاوة قابع ... لم لا وهذا الجهل ليل مظلم إن الجهول بماله وثرائه ... مثل السفينة بالتجارة تلقم ماذا يفيد من التجارة عندما ... تهوي إلى قاع البحار وترطم هذي المعاهد والمدارس جمة ... في كل بيت دارس ومعلم قد عمت الأرجاء وهي مناهل ... للضامئين وفرحة بل مغنم والقصيدة مع طولها تغلب عليها روح النثر الأدبي، ولا يبقى من الخصائص إلّا الوزن والقافية، أما العاطفة القوية والمشاعر المتدفقة، والتصوير الذي يهز الوجدان، ويسيطر على المشاعر، فهذا هو أقل الجوانب في القصيدة، ويستعمل الشاعر لهجة الجنوب الجارية على اللسان، وهي إبدال الظاء ضادًا في قوله: "وهي مناهل للضامئين" وأصلها فيما اشتهر عند العرب ما نزل به القرآن الكريم "للظامئين".

стр. 223

وقفات مع الشاعر: أولًا: التصوير الأدبي ديوان يحيى الألمعي يضم بين دفتيه ألوانًا متنوعة من التجارب الشعرية، منها التي لم تكن كاملة ناضجة بالقدر المطلوب في الشعر الجيد، مثل التجارب الشعرية التي كانت تحتاج إلى مراجعة من الشاعر، وذلك في كل الأغراض ما عدا شعر الوجدان. ومنها التجارب الشعرية القوية التي أقامت الحجة الناصعة على أنه شاعر موهوب، يعد من شعراء مدرسة المحافظين المجددين في الجنوب، وهو شعر الوجدان، وقد فصلنا القول في ذلك عند الحديث عن خصائص هذا الغرض الأدبي، وما دامت التجربة الشعورية قوية فالصدق الفني قد تحقق فيها، الذي يسمو بالقصيدة إلى المستوى الجيد في الشعر، ويستبد بالعاطفة، ويحرك المشاعر والأحاسيس، لهذا كان التصوير الأدبي في هذا الغرض يسمو الشاعر إلى مصاف الشعراء المجيدين في طبقته الفنية، وإلى ما سبق من شواهد على ما نقول نتأمل قصيدته "مع الأطياف"١: يسائلني المحبوب عما جرى ليا ... وهل كان إلا بلوتي وشقائيا لقد جرح القلب الذي كان سالمًا ... ومزقه حبًّا بعيدًا ودانيا وألقى بسهم ليته ما أصابني ... ولم يأت للقلب الذي كان نائيا سهرت الليالي لا أرى فيه ساهرًا ... سوى طيف هذا اللد قد لاح رائيا يداعبني حتى إذا ما رأيتني ... أداعبه انسلَّ مني ورائيا يروح ويغدو شاردًا متهربًا ... ويأوي إلى كل من كان خصمًا معاديًا فليتك يا متبول قدرت حالتي ... وأكرمتني بالوصل ما دمت راضيا وليتك ترضيني ولو بزيارة ... لأرجع قلبي منك إن كنت نائيا وإلا فدعني في عنائي ولهفتي ... لأبقى حزينًا طيلة العمر باكيا

стр. 224

وهكذا يمضي الشاعر يصور تجربته الشعورية القوية في عاطفة صادقة وخيال خصب، وصور أدبية رائعة، وعبارات عذبة رقية، وأسلوب جزل حلو، يكشف عن معانيه بلا غموض أو إبهام، فتأخذ موقعها من العقل حين تستقبلها الأذن مباشرة؛ لأن الشاعر يعبر بصدق عن وجدانه في وضوح وشاعرية ملهمة. لم يسلم الشاعر من هفوات لا تغض من شاعريته، ويكفينا شعره الوجداني في الدلالة على ذلك، وهذه الهفوات قد وضحنا بعضها في مجال الأغراض، وهي بإيجاز: روح التعبير النثري في بعض الأغراض الأدبية عنده مثل المدح والشعر الإسلامي، والرثاء، فنرى الشاعر يتحدث فيها مع عامة الناس بلغتهم الدارجة الواضحة الدانية؛ لأن الشعر له لغته القوية المتدفقة بالمشاعر، ويعتمد على الإيحاء والأضواء والتصوير القوي، مما يثير الوجدان في الآخرين، ويلهب مشاعرهم، ويحفز عواطفهم لإثارة الانجذاب، وذلك في مثل قوله: أمل العرب يا إمام البلاد ... داعي الخير والهدى والرشاد حامي الدين والشريعة حقًّا ... ناصر الحق في الربا والبوادي ناشر العدل والمساواة فينا ... قائد الشعب يا ابن خير التلاد يا مليكي فدتك نفسي وروحي ... أنت نور العيون في كل نادي كل فرد من شعبك المتفاني ... يتمنى لقياك كالمعتاد١ وهكذا يسير في القصيدة كلها على هذا الأسلوب النثري الدارج بين المتخاطبين في مثل هذه المواقف مع شرف المضمون وعمق المعنى وجميل المقصد والغاية التي ترمي إليها القصيدة من الإشادة بوطنه الحبيب، والقيادة المخلصة الرشيدة التي حققت المجد والحضارة له. ثانيًا: البديع والضرورات لم يخل شعر الألمعي من قصد البديع، واتخاذه وسيلة في التصوير الأدبي، وإن كان عصره قد ولَّى، ومدرسته قد ذهبت مع التاريخ، لكن الشاعر قد يميل إليه حينًا، وهو ما أشار إليه الدكتور زاهر عواض في مقدمة الديوان يقول: "وبعد: فهذا "عبير من عسير"، وكفى.... فليس من الإنصاف أن أقدم ديوانًا من الشعر هو يقدم نفسه لقارئه، فقديمًا قالت العرب: الكتاب يعرف من عنوانه، والظاهر عنوان

стр. 225

الباطن.. وشاعرنا الفاضل "يحيى الألمعي" لم يبرأ من علة السجع والجناس، فعنوان ديوانه بهذا العنوان "عبير من عسير" ١. والحق أنَّ الشاعر لم يغلب عليه الاتجاه البديعي في شعره، لكنه مع نذره اليسير يؤخذ عليه التكلف فيه، وحمله على المعنى بلا داع ولا هدف يسمو بالشعر، يقول: أيا خالدًا "لازالت في الناس خالدا" ... ولا زالت في أوج المفاخر صاعدًا حليم حكيم زاده الله رفعة ... فكان كما البدر المضيء إذا بدا وما خالد إلا خلود تخلدت ... أفاء عليه في الخافقين مسددًا والتكلف البديعي ظاهر في قوله: "يا خالدًا وخالدا"، و "حليم وحكيم"، و "وما خالد إلا خلود تخلدت". أما الضرورات الشعرية من أجل الوزن والقافية التي اضطرت الشاعر إلى اعتساف الخطأ في مواضع يؤاخذ عليها، ووضحت بعضها قبل ذلك، ونكتفي به هناك. ثالثًا: معالم الجنوب في شعره الشعر القوي هو ما يحمل إلينا الواقع الذي يعيشه الشاعر في بيئته، فالبيئة أصبحت جزءًا من الشعر، ومن عواطفه وأحاسيسه، لذلك كان يحيى وفيًّا لوطنه الصغير في الجنوب، لا ينسى جماله وسحره، ولا الذكريات التي تردد صداها في جنبات المواطن الكثيرة، يقول: مناظر في ربانا ساحرات ... ستغدو مقصدًا للسائحينا ترى في السودة الشما رياضًا ... وغابات تسر الناظرينا وفي القرعاء مصطاف جميل ... ونزهة خاطر للصائفينا وفي أبها البهية كل شيء ... جميل صالح للقادمينا فالسودة والقرعاء والمحالة وأبها، كلها مناطق ساحرة في منطقة الجنوب، يتزاحم فيها المصطافون كل عام في الصيف لقضاء أجمل أوقات العمر وأحلاها من أبناء المملكة والخليج العربي وغيرهم. وتظهر لهجة الجنوب وهي من خصائصه في كلمة "الضامئينا" فالمشهور في لغة القرآن الكريم "الظامئينا" بالظاء لا بالضاد، ومع ذلك فهي لهجة اشتهرت في جنوب المملكة العربية السعودية، ومثل قوله في قصيدته "ذكريات وتساؤلات" ٢:

стр. 226

سل ربا أبها لتعطيك الخبر ... سل ذراها والفيافي والشجر سل رياضًا في "عسير" إنها ... تمنح النفس سرورًا مستمر في "رجال" في بني زيد" وفي ... "ألمع" قد طاب لي فيها السمر عند وادي "العوص" في أقصى الذرى ... عندها الأشجار لا تبغي المطر في "كسان" في "لصاف" و"البنا" ... في "حلى" ذقنا حلاوة السهر في ذرى "قيس" وفي "الميل" الذي ... مال قلبي فيه أحلام الصغر وما بين الأقواس مرابع ومنازل في "رجال ألمع" من تهامة عسير، عاشها الشاعر وذاق حلاوتها ومرارتها، وتجاوبت مشاعره معها، وخرجت شعرًا من معامل تجاربه الشعرية لتعطي صورة واضحة عن الجمال والسحر في مواطن الجنوب، في عسير، المنطقة الخضراء في المملكة العربية السعودية. رابعًا: الوحدة الفنية في شعره الوحدة الموضوعية في شعر يحيى الألمعي قد تحققت في شعره كله، فالقصيدة عنده تقوم على موضوع واحد، بلا تعدد في الأغراض والموضوعات. والوحدة الموضوعية إذا ما تحققت في الشعر الوجداني تحققت الوحدة الفنية بالتأكيد، التي تقوم على التلاؤم بين التجربة والعاطفة والمعاني والخيال والمشاعر والخواطر، وبين الألفاظ والأساليب والصور والموسيقى، وبذلك يتحقق الصدق الفني في تجربة الشاعر الشعرية، وكل ما مضى من قصائد في شعر الوجدان ابتنى على الوحدة الفنية، ونذكر قصيدة أخرى أنشدها الشاعر في عام ١٣٨٧هـ، وهو في الطريق من أبها إلى خميس مشيط١ يقول: في المروج الخضر في الأرض الجميلة ... في رياض يانعات مستطيلة وخرير الماء يسبو في الذرى ... ونسيم الصبح يعلو في المسيلة وتصد الطيور وتشدو بالغنا ... فوق أشجار وأغصان جميلة في ربا أبها التي ناجيتها ... ذكريات كلها كانت طويلة كم شفيت النفس في أكامها ... وجرت فيها دموع مستغيلة ونمت في الأرض آهاتنا ... دوحة الحب وأشجار خميلة لست أدري ما الذي صيرنا ... نذرف الدمع ونحيى كل ليلة

стр. 227

نتناجى والهوى يمنعنا ... أن نبيح السر في تلك النثيلة دأب القلب على كتمانه ... وأبى أن يذكر الحال العليلة قلت يا هذا ألا ترحمني ... وتريح القلب بل تشفي غليله ثم إني أيها الصب الذي ... قد جفاني واختفى مني بحيلة لم أعد أسطاع هجرانًا ولا ... يستطيع القلب أن يسلو خليله فرجائي الوصل دومًا دائمًا ... ولقاء ليس يخبو أو تزيله عالج النفس وأطفيء نارها ... بمياه الحب لا أرضى بديلة موضوع واحد من خلال تجربة صادقة المشاعر ملتهبة العاطفة قد انسابت معانيها في ألفاظ قوية جزلة وأساليب عذبة رقراقة، وصور تموج بالألوان والحركة والطعوم والروائح التي امتزجت بروافد القصيدة، كما امتزجت بالطبيعة الساحرة في أبها وخميس مشيط، كل ذلك يتلاحم في إطار الوحدة الفنية، تشد القصيدة في جميع روافدها وعناصرها؛ لتكوّن صورة كلية واحدة تعبِّر عن مشهد واحد تفجَّرت به تجربة الشاعر الشعورية.

стр. 228

الفصل السادس: شعراء آخرون هؤلاء هم الشعراء الذين اشتهروا في مدرسة "التجديد المحافظ" وليسوا هم وحدهم، بل هناك شعراء ينضمون إلى هذه المدرسة ويسيرون على مذهبها الأدبي، لكن لم يصدر لبعضهم حتى ديوان شعر يدل على الطابع المتكامل لهذه المدرسة، وإن اشتهروا بقصائدهم الكثيرة التي تنشر في الصحف والمجلات، والتي تلقى في النوادي الأدبية، ويشتركون بها في المسابقات الشعرية التي تجرى على مستوى المنطقة أحيانًا، أو على مستوى المملكة مرات أخرى، وانضمامهم إلى هذه المدرسة يرجع إلى تلك القصائد المنشورة أو المسموعة فقط، ولعلَّ النظرة إلى شعرهم تختلف في المستقبل إذا ما صدرت لهم دواوين الشعر؛ لأن تنوع الشعر في الديوان أو أكثر من ديوان يكون أدق وأشمل في الحكم على القصائد المتفرقة في الصحف والمجلات. لهذه الأسباب جعلت لهم فصلًا يضمهم جميعًا، على العكس من الشعراء السابقين الذين نشروا دواوينهم من زمن بعيد، واكتفيت في هذا الفصل بذكر بعضهم الذين ينشرون في المجلات والصحف، أو في المسابقات الأدبية، واكتفيت بقصيدة واحدة أو قصيدتين تقريبًا لتكون وسيلة للحكم على الشاعر، وسبيلًا يصله بمدرسته، وخيطًا لمذهبه الأدبي الصادر عن مدرسة "التجديد المحافظ".

стр. 229

أولًا: الشاعر علي خضران القرني الشاعر علي خضران بن عبد الرحمن القرني، من شعراء مدرسة التجديد المحافظ، ولد في قرية "الحفنة" من ضواحي القنفذة بالقرن في تهامة عام "١٣٥٨هـ"، وتقلب في التعليم بين مكة المكرمة وبين الرياض والطائف، وله كتاب "صور من المجتمع والحياة". ومن المخطوطات "كفاح شعب"، "تعريفات وجيزة ببعض قرى ومناطق المملكة"، وديوان "آهات". ومن شعر القرني قوله في قصيدة "ظبي الجبل"١: يا منى الروح ويا ظبي الجبل ... قد براني الهجر وازداد الألم كم تمنيت لقاء شافيًا ... في روابي السفح والطود والأشم كم تمنيت حديثًا ممتعًا ... في دجى الليل وأحلاك الظلم غير أني لم أجد غير الأسى ... وضروب الخبث حيطت بالنغم فاذكري عهدي وودي والهوى ... واذكري الماضي الذي لم ينصرم إنني رغم بعادي والنوى ... لم أزل أهفو إلى ذاك النغم تجربة شعرية قوية صادقة، وعاطفة جياشة، ومشاعر رقيقة، تجسمت في امتزاجها مع مظاهر الحياة والطبيعة في روابي السفح، وفي الطود الأشم، فينعم بحديثها في دجى الليل، وحلكة الظلام، ليتصل الحاضر بالماضي، ويحيا على الذكرى التى لم تنصرم، ولم تقطع عهد الوداد، وذلك في نغم راقص من الحب والهوى. والقصيدة في منهجها ونهجها جديدة، وكذلك في أسلوبها وتجربتها، وصدق العاطفة فيها، والمشاعر والأحاسيس التي تتناغم مع مظاهر الطبيعة. ويقول في قصيدة "الخير في الصالحات" منها: يا شامتًا بي عداتي ... ودائبًا في الوشاة مهلًا فإني صبور ... وحجتي في سكاتي ما ضرني قول واش ... يهوى الأذى والسعاة مهما تمادى فإني ... كالطود حتى الممات نهجي وصبري كفيل ... بنصرتي ونجاتي

стр. 230

ثانيًا: الشاعر علي عبد الله مهدي ولد في عام ١٣٦٨هـ في مدينة "رجال ألمع"، ونشأ فيها وترعرع، وتلقى دراسته الابتدائية بها، وتفتَّحت شاعريته على قصائد الفحول من الشعراء، لتستقرَّ في قلبه إلى الأبد، وبدأ يقرض الشعر في هذا السن المبكر، وكان لأساتذته الشعراء فضل كبير في تنمية موهبته الشعرية. وبعد أن حصل على الشهادة الابتدائية سافر إلى أبها للدراسة بالمعهد العلمي، وأمضى فيه خمس سنوات، ثم انتقل إلى الرياض والتحق بكلية اللغة العربية، حتى حصل على "الليسانس" في ١٣٩٠-١٣٩١هـ، وكانت هذه الفترة حافلة بالمعرفة والإنتاج. وبعد التخرج عيِّنَ مدرسًا بمعهد "الباحة" العلمي "بلاد غامد" لمدة عام، وفي العام التالي عين مديرًا للمعهد، ثم طلب الانتقال إلى أبها، حيث أمضى بها مدرسًا ثلاث سنوات بمعهدها العلمي. لكنه قدَّم استقالته من العمل وقبلت استقالته، ليدير محلًّا للذهب، ويقول: "عندي الذهب والتعب يقينًا، أما الأدب فذلك ما كنا نبع، وأفضل الأدب وأحب الذهب".. ويقول عن تأثره: تأثرت بكثير منهم، وفي طليعتهم المتنبي ماليء الدنيا وشاغل الناس.. ويقول عن الشعر: الشعر تجربة شعورية يعبر عنها تعبيرًا موحيًا مؤثرًا، وقد طرقت عدة أغراض شعرية متنوعة منها: الدعوة الإسلامية، والإصلاح الاجتماعي، وقليل من الرثاء، وشيء من الغزل١. ومهدي شاعر يهزّ بشعره الندوات الأدبية في مختلف المؤسسات وخاصة في نادي أبها الأدبي، وهو من أعضائه، يقول عن شعره الدكتور عبد الهادي حرب: "شعره نبع صاف من قلب مؤمن بدينه، متقطع على أبناء بلدته وعقيدته، يرى ماضي المسلمين مشرقًا، وحاضرهم غائمًا، فينكر على قومه ما هم فيه، ويدعوهم إلى استعادة مجدهم، ويجنح به الخيال حتى ليرى أنهم قد عادوا إلى ما كانوا عليه من ازدهار وإشراق". وللشاعر منزلة كبيرة بين عشاق الأدب في عسير، يقول في قصيدته "الباذلون" ٢: بذل الباذلون حتى أضاءوا ... وتسامى مع الضياء البناء وتولى جهل وأدبر فقر ... وتوارى بعد الدواء الداء

стр. 231

إلى قوله: وشهدنا نهرًا من الخير يجري ... رفدته الشريعة الغراء أسسوا للعلوم والدرس نورًا ... وعلى كل ساحة بناء وإلى العلم ينتمي كل فضل ... ومن المرسلات تهمي السماء وإلى الدين ينتمي كل مجد ... ومن الحق تسطع الأضواء والنوادي للناس تنثر درًّا ... ونضارًا والناثر الأدباء وتجلى وجه الفضيلة حتى ... يعلم الجميع أنها حسناء سألوني ما الدين قلت: رياض ... يتفيأ ظلالها العقلاء سألوني هل الحضارة خير ... أم عذاب منزل وشقاء هي خير ثر، وروض أنيق ... وعطاء جم ونور وماء ونعيم ما دام شكر وتقوى ... فاز ركب يقوده الأتقاء سألوني عن النساء أظل ... وارف أم جهنم حمراء وجم القلب والبيان عصاني ... وتأبَّى الهجاء والإطراء كل علمي بأنهن فضاء ... واسع لا تحيطه الأشياء وأخيرًا: سادتي هذه قصيدة شعر ... وبقلبي قصائد عصماء قد بذلت الثناء شهدًا مصفَّى ... وحري بنا الرضا والثناء علم الله أن روحي وفاء ... ليس عندي غير الوفاء جزاء وإذا أحسن الرعاية داع ... فالرعايا حق عليها الولاء دولة بالكتاب والعدل شيدت ... ولها الحب خالصًا والدعاء١ وهكذا تكون شاعرية مهدي، فقد بلغت هذه القصيدة ثمانين بيتًا تسيل الأبيات في تدفق، وينساب فيها التصوير الأدبي رائعًا في ألفاظ عذبة وأسلوب قوي مشرق، وخيال خصب رائع، وحوار حي متحرك، يتحرك فيه القارئ مع الشاعر وكأنه يريد أن يشاركه ما يعانيه من تجربته الشعرية مع طول النفس، والصدق في المدح والثناء بلا شطط أو مبالغة، إنما المدح عنده هنا حق وثناء بلا معاظلة؛ لأن على الرعية حق الولاء والوفاء لمن أسدوا الخير ونشروا العلم والعدل، فهم جديرون بالحب والدعاء بالتوفيق، وليست هذه القصيدة وحدها في الثناء، ولكن قلبه مفعم بكثير من القصائد العصماء. أما القصيدة التي حازت الجائزة الثانية في مسابقة نادي أبها الأدبي عام ١٤٠٠ هـ فهي

стр. 232

"الحقيقة" يقول الشاعر علي عبد الله مهدي١: أطوي الجناح على الجراح وأكتم ... وأقول: قومي بالكرامة أعلم ولقد مضى زمن وجفني مغمض ... عن عيبهم وكأنني لا أفهم كم قلت: قومي لا مثيل لعزمهم ... ونشرت ما تملي العواطف عنهم وهتكت أستار السحاب ملفقًا ... عزًّا تغار لمستواه الأنجم قومي إذا شئت الحقيقة عنهم ... يتأخرون وغيرهم يتقدم وإذا ينادي للفضيلة نمتمو ... وإذا ينادي للرذيلة طرتم غرتهم الدنيا ومزق شملهم ... حسد، وفرقهم عداء محكم إلى قوله: يا أمتي والنار تكوي مهجتي ... والسهم يعتصر الفؤاد ويكلم لم تنطلق رجل لوقوف محرم ... أو درء مفسدة ولم ينطق فم أبمثل هذا يستقيم كياننا ... ويطل فجر مشرق متبسم يا أمتي: الأديان تهرم كلها ... وتشيب لكن ديننا لا يهرم كل السيوف القاطعات تثلمت ... أما النبي فصار لا يثلم هو للهدى سيف وللتقوى فم ... هو للفضيلة قائد ومعلم والفخر بالإسلام ليس بغيره ... يكفيك فخرًا أن يقال: المسلم قالوا: الحياة فقلت ظل زائل ... والافتتان فقلت: ذاك جهنم والبعث والأخرى فقلت: حقيقة ... من شك فهو أصم أعمى، أبكم والأغنيات فقلت إني أعجم ... والفاتنات فقلت إني مسلم والمال قلت أضمه وأحبه ... إن جاءني بطريقة لم تحرم واليأس قلت: إلى الكتاب أحيلكم ... والبأس قلت عدوكم لا ترحموا يا أمتي فلتسمعي ولتسمعي ... الحق يغضب إن يكم له فم عودي إلى هدى السماء ونورها ... فالعود أحمد للشعوب وأسلم أملي عظيم مشرق متجدد ... أن يسمع القوم النداء ويفهموا ولتهنأ الدنيا بمولد أمة ... حطمت صروح الكفر فيما تحطم بشراك يا قلبي بعهد زاهر ... قد أزمع القوم النهوض وصمموا

стр. 233

جعلوا كتاب الله نصب عيونهم ... وتفهموه وقدموه وعظموا عدنا وعاد إلى الحقيقة تاجها ... وانجابت الظلما وهش الموسم الذل عار والتأخر سبة ... والجبن صاب والإهانة علقم والمجد للإسلام ليس لغيره ... وبنوه بالتمجيد ما أحراهم والقصيدة طويلة لأن الشاعر نفسه طويل في الشعر، يتدفق في شعره كما يتدفق السيل من علٍ، مع عمق المعنى وحضارة الفكرة، وشرف المقصد والهدف، وعذوبة الأسلوب وخفة التركيب، وجمال التصوير، وسحر الإيحاء، والصدق في العاطفة والتجربة والمشاعر. أما قصيدة: "هي الظلام هي مشاعر النور"، فقد ذكر الشاعر أنه نظمها وهو طالب بالسنة الرابعة في كلية اللغة العربية في ظلام الليل للحفاظ على مشاعر إخوانه الطلاب النائمين، فلم يشأ أن يقلق مضاجعهم بالنور، وأمسك بالقلم وظلَّ يكتب في الظلام حتى الفجر، لكنه وجد الكلمات متداخلة، لكن الشعر شعره، فقرأها وها هو مطلعها: حرقت مقلتي وهد بناني ... واعتراني الضنا وغامت سمائي فإذا القلب في الهموم غريق ... بعد أنس وراحة وهناء وإذا النفس تنزوي في اكتئاب ... وعذاب عن ساحة الأقرباء أيها القلب ما عهدتك تجفو ... لحبيب ممنع في الخباء ربة الطهر أرجوك لا تعذليني ... واعذروني إن غبت يا أصدقائي إن في القدس لوعة وحريقًا ... وبكاء أولًا ككل بكاء فيهودًا تعبث فيه فسادًا ... وتنادي بالشر والبلواء وتسوم الأطفال ذبحًا وفتكًا ... وهموا في الصفاء مثل الماء وتسوم الأعراض هتكًا وعضًّا ... في افتراس الفضائل البيضاء١ وأما القصيدة التي حازت الجائرة الأولى في هذه المسابقة لنادي أبها الأدبي في عام ١٤٠٠هـ، فهي للشاعر حسن يحيى ضائحي بعنوان: "حدث بيننا" يقول منها: أنا عنك يا ذات الخمار ... إذا دعا داعي الحروب أنا عنك في حمل السلاح ... وفي مجابهة الخطوب

стр. 234

إلى قوله: فإذا دعا داعي الجهاد ... حملت كالليث الغضوب وحملت رشاشي على ... كتفي ولم أذكر لغوبي ومشيت أزرع من رصاص ... النصر في صدري دروبي أنا أمة غنَّى بها التاريخ ... في كل الصقوب أنا قطرة هرقت من ... دم كل مقدام وتوب أنا زندي المفتول أقوى ... عند إحداق الكروب وعلى يد الفتيان لا الـ ... فتيات تحرير الشعوب فدعي أناملك الرقاق ... لرقة الطفل النجيب ربيه للوطن الكريم ... على الفضائل لن تخيبي أنت الخبيرة في اصطناع ... النشء معمور القلوب لا تتركي البيت المقدس ... إنه أسمى الوجوب لا تعتدي هذا نصيبك ... في الحياة وذا نصيبي١ إلى آخر القصيدة التي تدل على أن الشاعر من شعراء هذه المدرسة مدرسة التجديد المحافظ، تجديد في المعنى والفكرة، واستجابة الغرض لمقتضيات العصر، وتجاوب الشاعر مع أحداث عصره، في أسلوب قوي عذب منساب، وتصوير أدبي رائع، مع الحفاظ على الأصالة العربية والعمود الشعري في الفصاحة والنصاعة والأسلوب والوزن والقافية، لكن ذلك في ثوب جديد، تتجه فيه القصيدة نحو غرض واحد من المطلع حتى النهاية.

стр. 235

ثالثًا: الشاعر جبران قحل ولد الشاعر جبران محمد قحل في البيطارية التابعة لجيزان منذ أربعين تقريبًا، ويعمل حاليًا مدير مدرسة الأحد الثانوية إحدى مناطق جيزان. قد تخرَّج من كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام ١٣٨٤هـ، وله شعر كثير منشور في الصحف والمجلات، وأحد أعضاء النادي الأدبي بجازان، وفاز بالجائزة الرابعة بنادي جيزان الأدبي في مسابقة الشعر عام ١٣٩٧هـ، وكانت بعنوان "شموع على الدروب"، وهي لمحات من حياة الراحل العظيم "فيصل بن عبد العزيز ﵀" منها١: ما زال هذا الشعب يدرك أنه ... أعيا العدا طرًّا صلابة عوده ما زال يذكر والعوالم كلها ... هذا الزعيم الفذ يوم صموده يوم التقى الجمعان في سينا وفي ... الجولان يعرب في شمال حدوده بهر العدا بذكائه ودهائه ... وببعد نظرته لفضح حسوده ظلت فلسطين الجريحة عنده ... دينا يرى لا بد من تسديده ما دام فيها غاصب متربص ... نشر الفساد مجمعًا لحشوده ولكم تمنى أن يصلي فيصل ... متعبدًا بركوعه وسجوده في المسجد الأقصى تعبد ناسك ... شكر الإله لسحق أهل جحوده ومن شعره أيضًا قصيدته "لبنان إلى أين" منها٢: يا صيف لبنان هل أبقيت لنا فيكا ... أحداث لبنان شيئًا من مرائيكا أم ألهبت جوك المأنوس حماتها ... حتى رأينا هدير النار من فيكا لبنان ماذا دهاك اليوم فاحترقت ... تلك المرائي وكانت من مجاليكا خضر الروابي لظى البارود يحرقها ... والحرب دارت رحاها في روابيكا إنا لنعجب من أمر له خطر ... حيث الأعادي أرادت قتل ماضيكا

стр. 236

رابعًا: شعراء آخرون وهناك شعراء آخرون يسيرون على نهج مدرسة التجديد المحافظ نذكر بعضهم، منهم الشاعر أحمد باهي، الفائز بالجائزة الأولى في مسابقات نادي جازان الأدبي عام ١٣٩٧هـ، والشاعر علي أحمد حيقل الفائز بالجائزة الثانية في المسابقة السابقة، والشاعر عمر صعابي الفائز بالجائزة الثالثة في نفس المسابقة، واشترك في مسابقة أبها الأدبي لعام ١٤٠٠هـ بقصيدته "هموم قلب"، ومطلعها: يا حروفي كيف أشدو وفؤادي ... يتلظَّى في جحيم من هواك يقطف العمر همومًا وضياعًا ... ليس فيه غير بعض من خطاك ليس من حياة أو حبور ... يملأ الدنيا عبيرًا من شذاك حسبها أن هواها يتحدى ... فيعاني من جراح الحزن شاكي١ والشاعر عمر سالم فرساني، فاز بالجائزة الخامسة في مسابقة الشعر لعام ١٣٩٧هـ بنادي جازان الأدبي، والشاعر علي أحمد على النعمي وهو من "خرجة ضمد"، ومن شعره قصيدته: "لا تسل عمَّا جرى" ٢ منها: بلبل الروض تغني سحرًا ... فشجى الحي وأحيا الذكرى هزه الوجد إلى ألَّافه ... كل من غاب ومن قد حضرا ذكر الماضي وما كان حوى ... واجتلى فيه ربيعًا أخضرًا والشاعر حجاب يحيى الحازمي، مدير ثانوية ضمد بجازان، ومن قصيدته "لقاء الجوف"٣: يا روابي الشمالي هذي بلادي ... تتهادى بربعك المخصاب قد أتاك الجنوب بالفتية الغر ... كرام الأحساب والأنساب "ضمد" أقبلت، وفي هامها الإكليل ... زاه وتزدهي في الرحاب وأتاك الحجاز في بهجة الفوز ... تهادي نوافح الأطياب

стр. 237

ورأينا الرياض في الجوف نشوى ... لاجتماع الأحباب بالأحباب كلها تختفي بكشاف قومي ... وتنادي الأشبال فوق الهضاب هتفوا بالنشيد عذبًا نديًّا ... يا بلادي يهناك زين الشباب وألقاها الشاعر في التجمع الكشفي بالجوف.. مهداة إلى معالي أمير منطقة الجوف الذي يسعى لتطوير الجوف. والشاعر إبراهيم مفتاح، الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة الشعر لنادي جازان الأدبي عام ١٣٩٧هـ، بقصيدته "جيزان المنطقة البكر" منها ١: فتنة للعيون والأحداق ... ربة الحسن والمعاني الدقاق أنت يا جارة البحار ومأوى ... كل قلب مدله خفاق يا ابنة الشط في فؤادي غرام ... شاعري ولهفة للتلاقي كلما خلت في الخضم شراعًا ... يتهادى هفا إليك اشتياقي يلثم الموج جانبيه هيامًا ... ويلاقي من دله ما يلاقي يا عروس الجنوب ذويني الوجد ... وأمسى على رباك انطلاقي فتذكرت موجة تلثم الشط ... وأخرى تزجي إليك السواقي أرضك البكر انبثتنى اخضرارًا ... فنما الخصب في ذرى أعماقي وغدا في فمي غناؤك حلوًا ... كالأهازيج في فم المشتاق صبت واستذبت وطافت ... بك روحي وزاد فيك احتراقي يا ربوع الجمال هل تعذريني ... إن هفا الوصف لاعتلال مذاقي فتساميت في خشوع وأطرقت ... وزاد الإبداع في إطراقي يا إله الوجود إن خيالي ... كلما طاف في السنا البراق أذهلته حقائق وطيوف ... وسوف تفنى الدهور وهي بواقي وهناك في ساحة الجنوب شعراء آخرون كثيرون لنا عود معهم إن شاء الله تعالى يوم أن يكون لكل منهم ديوان شعر يتردد صداه في أسماع الزمان.

стр. 238

الباب الثالث: مدرسة التحرر في التجديد الفصل الأول: الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد أولًا: التمييز بين "الرومانتيكية" الإبداعية وبين التحرر في التجديد ينبغي أن نميّز بين ما شاع في العالم العربي من مذاهب أدبية حديثة وافدة من الغرب، وخاضعة لظروف الحياة في أوروبا، وبين مذاهبنا الأدبية العربية الأصيلة، والخاضعة لقيمنا العربية الإسلامية العريقة. وبناء على هذا التمييز فإنني أجد مبالغة وغلوًّا وإسرافًا في تطبيق "الرومانتيكية" الغربية الأوروبية على شعرنا العربي، من بعض نقادنا العرب المعاصرين، وهم متجاوزون في ذلك كل التجاوز، ولن أقول: "إنهم مخطئون، ولكنهم مبالغون متجوزون إلى حد بعيد.. ولا أدل على ذلك من أن بعض الشعراء العرب أعتقد أنهم لم يقرأوا شيئًا عن المذهب "الفلسفي الرومانتيكي"، مثل شعراء هذه المدرسة التي نحن بصدد الحديث عنها، فلا يمكن أن تعد شعرهم شعرًا تقليديًّا، ولا محافظًا، بل متحررًا في تجديده، ومن العبث أن نطلق عليهم شعراء "رومانتيكيين" ابتداعيين، وإنما يجب أن يكون الشعار الذي يرفرف على مدرستهم من الواقع الإسلامي العربي، الذي يعيشه الإنسان الشاعر العربي المسلم. ولهذه الأسباب أطلقت على مدرستهم الفنية، ومذهبهم الأدبي اسم "مدرسة التحرر في التجديد"؛ لأن مثل هؤلاء الشعراء في أي موطن عربي وإقليم إسلامي ليسوا مقلدين، ولا محافظين، بل تحرروا في الأغراض، وفي المعاني، وفي الأسلوب، وفي الخيال، وفي الصور، وفي القالب الموسيقي، وفي القافية، وفي منهج القصيدة، وفي النزوع إلى الذاتية، وفي التغني بالوجدان والمشاعر، وفي التغني بالأحاسيس والعاطفة الشخصية، وغيرها مما سنراه في خصائص مدرستهم بعد قليل. ولتحديد التمييز بين "الرومانتيكية"، وبين مدرسة التحرر في التجديد، ينبغي أن أعرض في إيجاز طبيعة "الرومانتيكية"، حتى تتميز مدرسة التحرر في التجديد كما ذكرنا سلفًا. وطبيعة "الرومانتيكية" في أوروبا قد ألحت على وجودها ظروف دافعة نابعة من واقع الحياة المرة التي كان يعيشها الإنسان الأوروبي في ظلال التَّزمُّت الكنسي، والتعصب الروحي، فقد انطوت تحت بلاط الكنيسة شتى النشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والعلمية، مما أدى إلى التحجُّر والجمود، وكلاهما كانا منطلقًا للثورة على الكنيسة، وللتحرر من عبوديتها، وفي ظلال ذلك نشأت "الرومانتيكية" الثائرة على الروتين الكنسي الديني، وعلى العقل الجامد المتزمّت الخاضع لبلاط الكنيسة.

стр. 239

ومن هنا حملت "الرومانتيكية" مذهبًا جديدًا أطلق الحرية للشاعر، وأفسح للمشاعر الذاتية في نفسه، فانطلق يتغنى بوجدانه وأحاسيسه الفردية، هائمًا وراء عاطفته المستعرة. ولهذا كانت "الرومانتيكية" ثورة على سلطان العقل، وتمردًا على القيود القديمة "الكلاسيكية"؛ لتتخطى العاطفة والوجدان والمشاعر حواجز التزمت والجمود، الذي فرضه العقل والروتين والاحتذاء والتقليد على الواقع الإنساني حتى القرن السابع عشر الميلادي. وما دامت "الرومانتيكية" قد تحررت من هذه القيود، كان بالضرورة أن تتحرر من الموضوعية، لتنطلق مع الشعر الغنائي، الذي يعبر عن ذات الشاعر من خلال الاتجاهات العاطفية، والقضايا الاجتماعية، على اعتبار أن الشاعر جزء من المجتمع الذي يعيشه أو يتجاوب معه، أو هو قطعة حية منه، ولذلك حطم الشعراء الرومانتيكيون" نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو التي تعبدت "الكلاسيكية حتى القرن السابع عشر الميلادي. في القرن الثامن عشر الميلادي ظهرت "الرومانتيكية" في فرنسا على يد "جان جاك روسو ١٧٢٢- ١٧٧٨م"، وفولتير، وهيجو، ولامرتين، وبيرون، "ومدام دي ستال ١٧٦٦-١٨١٧م"، "وشاتو بريان ١٧٦٨-١٨٤٨م"، وسواهم. كانت طبيعة "الرومانتيكية" التمرد على الالتزام المتحجر بالقيود التقليدية، والثورة على التطبيق الحرفي للقواعد الفنية "الكلاسيكية"، لكنهم احتفظوا بروح القواعد القديمة التي تجعل الشعر فنًّا جميلًا ممتعًا، وأدبًا رائعًا جذابًا، يفيض حيوية من خلال معاصرته. ولذلك يبدو الفرق واضحًا بين تحطيم القواعد والخصائص الفنية من أساسها، بحيث لا يبقى لها أثر مطلقًا، وبين الخروج عن الروتين الجامد فيها، فالخروج يتيح للشاعر استعمال القواعد "الكلاسيكية"، لكن من خلال النظرة المعاصرة، وعن طريق التوليد لها بما يتناسب مع مقتضيات الإنسان من داخل نفسه، عن طريق التجرد من هموم العصر وأثقاله، والتحرر من سلطان الواقع وكابوس الروتين، ولو أثناء تجسيم التجربة الشعورية الذاتية في بناء العمل الفني، مهما كان الوقت قصيرًا في تحقيق ذلك. وهذه الملامح لطبيعة "الرومانتيكية" لا تلتقي في كل الوجوه مع ما ينشأ في الأدب العربي الحديث من مدارس تتشابه لها، وإن اتفقت معها في بعض الخصائص، ومنها صفة الإنسانية التي يشترك فيها كل إنسان في العالم مهما اختلفت مشاربه واتجاهاته. ولكن يظل الفرق واضحًا من حيث الظروف، والدواعي، والأسلوب، والاتجاه الأخلاقي، والمزاج الشخصي النامي من بيئة معينة.

стр. 240

والاتجاه الأخلاقي النابع من قيم البيئة الأوروبية الغربية يتناقض تمامًا مع الاتجاه الأخلاقي النابع من البيئة العربية الإسلامية، فالبيئة الأولى تنشد من ورائه تحقيق الذات والشهوة من خلال البناء المادي الصرف للحياة السعيدة في تصوره القاصر والمحدود. والبيئة الثانية تنشد من أدبها تحقيق السعادة للذات من خلال بناء الحياة المتكامل، والمرتبط بالقيم النبيلة في تحقيق النمو الضروري للقوة والعزة، ودفع التقدم للنشاط المادي اللازم في بناء الحياة وتطورها، ليكون ذلك وسيلة لتحقيق السعادة للإنسان طوعًا لأمر الله ، واستجابة لاستخلافه في الحياة، وابتغاءً لمرضاته في اتخاذ الوسائل والأسباب١. وهذا هو جوهر الفرق بين الطبيعتين: الذاتية المادية الصرفة في مذاهب "الرومانتيكية"، والإنسانية السامية النبيلة في "مدرسة التحرر في التجديد"، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ . ثانيًا: عوامل تكوين مدرسة التحرر في التجديد ماجت الحياة الأدبية والحركة الشعرية في المملكة العربية السعودية كسائر الأقطار العربية الأخرى، وذلك من خلال المدارس الأدبية الحديثة، وفي ظلّ المذاهب النقدية المعاصرة. ومن أهمها في العالم العربي "مدرسة الديوان" و"مدرسة المهجر" و"مدرسة أبولو"، وغيرها من المدارس الحديثة التي دفعت كثيرًا من الشعراء في المملكة العربية السعودية إلى أن تسير على نهجها، وأن تتبع طريقتها في تناول الشعر، وصياغته ونظمه، ومضمونه، وخياله وصوره، وأغراضه، وقالبه الموسيقي، فظهر مذهب جديد في الشعر السعودي بصفة عامة، وفي شعر الجنوب "عسير" بصفة خاصة، "ألا وهو" "مذهب التحرر في التجديد"، الذي يسير في واقعنا العربي الإسلامي جنبًا إلى جنب مع المذهب الابتداعي "الرومانتيكي" في أوروبا حديثًا٢.

стр. 241

وأصبح لهذا المذهب العربي الأصيل في الأدب العربي الحديث عشاقه وشعراؤه، وكأن واقع الشاعر في حاضره ومعاصرته يدفعه إلى هذا الاتجاه، ويجعله دائمًا يصطدم أمام المطامع العظيمة لتحقيق رغباته وآماله، ويجد الشاعر نفسه أمام العقبات والسدود، فيفيق من هذه الصدمة العنيفة، ليجد نفسه أمام طريقين لا مناص منها: أحدهما: طريق الشكوى والحزن والألم، والنزوع إلى الفردية، والتغني بالذاتية، والشعور بالوحدة، والإيواء إلى العزلة، والاختلاء بالنفس، فيأنس الشاعر إلى شعره الذي يعتصر هذه المآسي، ليكون عوضًا عن تحقيق رغبته نوعًا ما. ثانيهما: الهروب إلى الطبيعة من الحياة التي تموج بصراعات الأحياء والناس، لينسوا واقعهم المرير، ويبثوا الشكوى إلى مظاهر الكون من جبال ووديان وأشجار وبلابل، وسماء، وكواكب، ومياه رياح وعواصف، وورود وأزهار، وأنهار وبحار، وغابات وزروع، وغير ذلك من مناظر الطبيعة الخلابة، وعرصاتها الجذابة، فيتجاوب معها الشاعر في عطف وحب وعناق ويسبّح بروحه إلى ما وراءها، ويهيم بأودية الأحلام والأوهام، فينمي هذا الاتجاه الانطواء والعزلة، والتشاؤم والحذر، والطيرة والتطير. ومن خلف هذين الطريقين يلح على الشاعر المعاصر تيار الصراع المادي الطاغي مع القيم ومقتضيات الحياة، وحاجاتها الضرورية والكمالية، فإن استجاب للقيم وحدها وسدد خطاه بمبادئه السامية أصبح في نظر المعاصرين متخلفًا رجعيًّا، وقطعة بالية قديمة ينبغي أن تهمل وتغيب عن الوجود كما ذهبت في الماضي، وإن استجاب الشاعر للجانب المادي الصرف وحده، ليجاري واقع العصر المادي المسرف في المادية انقطعت صلة الحاضر بالماضي، وتجرَّدت القيم النبيلة التي يكون بها الإنسان إنسانًا، وانقطعت صلة الإنسان بخالقه وبارئه، وحيئنذ تكون الكارثة، وينداح الشاعر بين التيارين العنيفين في قلق واضطراب لا يستقر على حال، حتى تتراءى له في غياهب الظلام سفينة النجاة من بعيد، يمخر بها عباب الماء المتكاثف من ضاب التيارين المتعانقين: القيم والمادة ممتزجان في توازن واتزان، وتلاحم وانسجام، وتلك هي فطرة الإسلام الكامل للحياة والناس، لأنه دين ودنيا، قيم وتشريع، تهذيب وبناء للحياة. ولا أدلّ على الاتجاه الأول المسرف في جانب واحد فقط من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ . ولا أدل على الاتجاه الثاني من التوازن والاتزان من قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، والفرق بين الأيتين كالفرق الجوهري بين المادية المسرفة في أوروبا والغرب، وبين قيم التشريع الإسلامي في أمة الإسلام في الشرق.

стр. 242

ثالثًا: الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد من خلال هذه العوامل وتلك الظروف، ومن واقع طبيعة البيئة العربية الإسلامية تشكَّلَت لهذه المدرسة خصائص فنية تدل على مذهبهم الأدبي، تحققت في شعرهم، وصارت من سمات فنهم الأدبي ومميزاته، فالشعراء ينتحون شعرهم من معينه، ويصبون وابلهم من براكينه الملتهبة، وينساب تصويرهم الشعري من منابعه الثرارة المتدفقة، وهذه القيم الفنية بإيجاز هي: - التعبير عن ذات الشاعر، وتصوير أحاسيسه ومشاعره الذاتية، والعناية بالطابع الشخصي. - شيوع الشكوى والألم، والحزن والمرارة، والكآبة والتشاؤم، والعزلة والغربة. - الهروب إلى الطبيعة، والاندماج في مظاهرها، وترك المدينة، والترنم بالريف الساحر البسيط. - الدعوة إلى أدب جديد، ينصف الطبقة المظلومة من أي نوع من الظلم، ولو ظلم النفس لذاتها، وهذا يحتاج إلى الخيال المحلق الجموح. - التمرد على النماذج الشعرية القديمة، بمعنى الحرية في المنهج والموضوح والتصوير والقالب، فليس عندهم موضوع صالح للشعر، وآخر غير صالح؛ لأن الشاعر يسجل ما يراه؛ لأنه يرى ما يسجل. - تحطيم قواعد الشعر الاتباعي "الكلاسيكي" القديم، والهيام بالشعر الغنائي العاطفي. - تفسير النص الشعري مرتبطًا بصاحبه الذي ابتكره؛ حيث لا يتضح النص إلَّا بتوضيح العلاقات بينه وبين صاحبه. - الاهتمام بالوحدة الفنية، والموضوعية، والعضوية، وكذلك الاتساق الموسيقي، والانسجام في الإيقاع والنغم١. - الابتعاد عن الأسلوب المباشر، والهيام بالوحي والإيحاء في التعبير، وبث الأضواء والظلال في جوانب العمل الفني. - معالجة القضايا الاجتماعية من خلال ذات الشاعر وأحاسيسه ومشاعره. - الحرص على الالتزام بالقيم الإسلامية والخلق في الشريعة الإسلامية، حيث يستمد التصوير الأدبي وروافده من ذلك.

стр. 243

- التحرر الذي ينشده في شعره قد ينسيه قواعد الأسلوب الصحيح، فلا يستيقظ في شعره عن أخطاء أصابته من ناحية اللغة والاستقامة والفصاحة والأسلوب والعامية، والخروج عن الأولى كما سنرى في مكانه. - يسير الشاعر أغوار نفسه، ويعشق التأمل حول الجزئيات العميقة، ويجعل من الحبة قبة كما يقولون. - يتسم بالعالمية في تصوير الجوانب الإنسانية والقيم الفاضلة والأخلاق السامية. هذه أهم الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد، والتي سنراها مجسمة في شعر هذه المدرسة الجديدة في المملكة العربية السعودية بصفة عامة، وفي شعر الجنوب "بإمارة عسير" بصفة خاصة، وفي مدرسة التحرر في التجديد ظهر شاعران طبع شعرهما في ديوان "في متاهات الحياة" للشاعر أحمد علي سعد عسيري - صدر في جدة عام ١٣٩٣هـ-١٩٧٣م"، وقدم له الشاعر الكبير محمد حسن عواد. والشاعر الثاني أحمد بهكلي، ظهر ديوانه الأول "الأرض.... والحب" عام "١٣٩٨هـ-١٩٧٨م" نادي جازان الأدبي، وظهر ديوانه الثاني "طيفان.... على نقطة الصفر" عام "١٤٠٠هـ-١٩٨٠م" النادي الأدبي بجازان. ولا زال على ساحة الجنوب شعراء ينتمون لهذه المدرسة، نقرأ لهم القصيدة المرة بعد المرة، ولم تظهر شخصيتهم من خلال شعرهم، فلم يصدر لهم حتى الآن ديوان شعر، أو انعقدت فوق رءوسهم دراسات أدبية تحفزهم على تجسيد شعرهم في حيز الشيوع والظهور في المجال الأدبي والنقدي.

стр. 244

الفصل الثاني: الشاعر أحمد العسيري أحمد عسيري - نشأته وحياته: الشاعر أحمد علي عسيري، من مواليد قرية "آل زيدي" في أبها، ولد عام "١٣٦٦هـ"، وتوفي والده وهو في الرابعة من عمره، ودخل المدرسة "السعودية" بأبها عام "١٣٧٤هـ"، ثم انتقل إلى "مكة المكرمة"، ودخل دار الأيتام عام "١٣٧٥هـ"، وفصل منها، ثم عاد إليها، وظلَّ يتقلب في المدارس حتى وصل إلى قسم اللغة العربية في كلية الشريعة "بمكة المكرمة"، ثم تركها ودخل كلية "الأمن الداخلي" عام "١٣٩٠هـ"، ثم تخرج برتبة ملازم ثاني، ويعمل الآن في شرطة "جدة"، له ديوان شعر مطبوع "في متاهات الحياة"، وله كتب تحت الطبع١. ومن خلال تلك النشأة والحياة التي تعتصرها المرارة والألم في مرحلة هي أشد ما تكون إلى عطف الأم وحنان الوالد تمزقت حياة الشاعر، فكان شعره قطعة من العلقم الذي شعر به، وفاض به في قصائده، ليصور آلامه وآهاته، وأحزانه وتمزقه في إطار من القلق والحيرة والشكوى، وذهاب الأمل، والتيه في غياهب السراب والضباب. كان من وراء هذا الاتجاه الأدبي عوامل لاذعة هي التي نزفت من نشأته وحياته من أهمها: أولًا: في الرابعة من عمره فقَدَ والده، مصدر العطف والحب والولاء والطاعة، والتعاون والرعاية، وحفاز الآمال ومحقق الرجاء، وصدره المفتوح، وظهره الذي يحميه، ويدفع عنه، فقد كان ذلك في باكورة حياته وأخطر مرحلة يمر بها الطفل مرحلة يكون تسجيل الطفل لما حوله عن طريق إحساسه، ومشاعره، وعواطفه، صادقًا ودقيقًا وعميقًا؛ لأنه ما زال قريب عهد بالفطرة البريئة الصافية. ثانيًا: والفطرة البريئة الصافية في تلك البداية المريرة تتطلع إلى الكون من حولها؛ لتجد عوضًا وتسلية وسلوانًا، فتتملي من آيات الجمال على صفحة الطبيعة الساحرة ما يشغلها، وتتجاوب معها، هي طبيعة أبها الأخاذة، وروعة الحياة في الجنوب، وجلال الكون من حولها، ووقار الجبال الراسيات فيها، ورقرقة المياه المنسابة والسارية في مجاليها، وابتسام الزهور لثغرها،

стр. 245

وتعانق الأشجار في غاباتها، وجد في ذلك كله عوضًا وعزاء وسلوانًا مما كان له الأثر الكبير في تفجير مشاعره وشاعريته. ثالثًا: يلجأ في مكة المكرمة إلى الحضن الدفيء للوالد الكبير راعي الأمة؛ حيث دار الأيتام؛ ليشعر بيد البشر الحنونة، ونظرة الإنسان الدافئة من حيث الرعاية والحفظ والتوجيه والبناء العاطفي والوجداني، فلما أحسَّ بأن اليد ليست يد أبيه الوالد، والنظرة ليس فيها دفء الأب الحقيقي، فرَّ من الدار وانفصل عنها، لكنه وجد نفسه في فراغ بلا يد، وبلا نظرة فاضطر عائدًا للمرة الثانية إلى الوالد الكبير، ونظرة الإنسان الرحيم إلى دار الأيتام؛ ليشق حياته في العلم والتعليم، ويفتح صدره لقدره المحتوم. رابعًا: تدرجه في سلم التعليم، حتى وصل إلى قسم اللغة العربية في كلية الشريعة، ليخصب حقله اللغوي والأدبي من هذا الميدان التعليمي الثري بلغته وأدبه وفكره واتجاهاته؛ ليعينه على تنمية موهبته الشعرية، وصقلها وتهذيبها بعد أن تفجرت من ذي قبل. خامسًا: بعد أن حدَّد اتجاهه في سلم التعليم، ومكَّن موهبته الشعرية من حقل اللغة والأدب، حفزه الأمن الذي كان منذ الصغر يبحث عنه ولا زال، فالتحق بكلية "الأمن الداخلي" ليؤمن حياته، ويشق شاعريته وهو في ظلال لقمة العيش الكريمة، وهي ترفرف عليه في عزم ورجولة، وتهمس في أذنيه، فيتردد صدى الهمس بين جوانحه وفي جنبات أحشائه، أصبحت رجلًا.. إنسانًا.. شاعرًا.. ضابطًا.. مكافحًا من أجل الإنسان والقيم الفاضلة والحياة.

стр. 246

الأغراض الأدبية وخصائصها الفنية: أولًا: شعر الوجدان والتأمل هذا الغرض من شعره ينزف به وجدانه، ويسبر به أعماق نفسه، ويبحث عن ذاتها في الضياع في تصوير أدبي يفيض أسى وحزنًا، ويقطر ألمًا ودمًا، يسوده القتام "والبؤس والحرمان، فهو يمثل حياته بصدق ودقة، يقول في "ومضة" تكشف عن موطنه في الجنوب: ولي في "الأزد" عرق منه أصلي ... ونعم الجد من "شهر" النجيب ورثت العزم من أهلي وأرضي ... سراة الأزد أم للعريب وللإنسان في قلبي مكان ... فذا الإنسان يا قلبي حبيبي وما فخري بقومي غير ومض ... ينير النفس للفعل المصيب١ لكن الشاعر العسيري ترك موطنه الذي ولد فيه، وتاه في دروب الحياة التي امتلأت بالشوك والماء يقول في قصيدته: أين دربي في حياتي ... والدجى غطى رباها أبذل الجهد ولكن ... ضاع جهدي وتناها مذ طواني الدهر طيًّا ... مذ رماني بشظاها وبحثنا عن طريق ... يمنح النفس مناها فرأيت الدرب شوكًا ... وضياعا ومتاها٢ وتاه في الحياة من طول الضياع، فهو يخرج من متاهة إلى أخرى، وأجمل حلم يراه هو انتباهته بقدر ما يميز بين درب ودرب، وفي متاهاته تهديه الحياة الضياع، يقول في "آه من طول الضياع":

стр. 247

كم رأينا الليل فجرًا ... وأمانينا قريبه فإذا بالفجر ليل ... إن ذي الدنيا عجيبه كم مشينا لا نبالي ... أي حزن أو مصيبه فإذا بالحزن بحر ... ضعت في "لج" رهيبه رأيت الدرب ماء ... وأراني في صراع كلما غيرت دربي ... واجهت نفسي متاهه أجمل الأحلام في ... قلبي وفي فكري انتباهه وإذا بالدهر يهدي ... وجهتي نحو الضياع١ يغوص الشاعر في أعماق الضياع، وهو يخبط في متاهات الحياة، فإذا خواطره الإنسانية في دموع يذرفها على إنسانيته المهدورة، لكنه من خلال الشعر الوجداني المحموم تتجسَّد روح الإسلام العادلة التي ترد كيد الظالمين للضعفاء والمظلومين، فيرفع يديه إلى السماء في سكون الليل البهيم، فيتردَّد الدعاء في جنبات السماء، فترتد صاعقة توقظ الحائرين والمعتدين، وكيف يدعو الإنسان على أخيه الإنسان بالزوال والموت، فصفة القربى الإنسانية ميثاق وأواصر بين البشرية جمعاء، لا تفرق بين إنسان وآخر، فلماذا العنصرية؟! وإنها العنجهية! وإنها الصراع والتحطيم والموت والضياع، فلماذا لا تزرع المحبة؟ فيعي الإنسان دربه.. يصور هذه المعاني وأكثر في مشاعر متدفقة وعاطفة مشبوبة وتجربة شعرية صادقة، كابدها الشاعر عن كثب، ووجدان ملتهب تؤججه القيم الإنسانية المهدورة في عصر الماديات المسرفة، والتيه والقلق والضياع في قصيدته "خواطر إنسان تائه": أيها الإنسان لا تطغ عليّا إن ظلمي قوة ملك يديّا دعوة في الليل لا تبقيك حيّا لا تلمني إن دعوت فتزول وتموت عصرنا يسعى ولكن للخطر يا أخي إياك أن توري الشرر يا أخي إياك تفني البشر أنت منهم وأنا آدم جد لنا فلنقدس جدنا

стр. 248

إن في القربى لميثاق أواصر فاغتنمها فرصة إن كنت قادر لا تفرق بين إنسان وآخر ولماذا العنصرية؟ إنها العنجهية! أيها الإنسان ماذا في الصراع غير تحطيم وموت أو ضياع حبذا لو ضمنا درب اجتماع نزرع الأرض محبة فيعي الإنسان دربه١ تجديد في الإيقاع والوزن والموسيقى، وإن كان يسير على نظام "المقطعات" التي تتغير في الحجم والشكل والقافية، لكن الإنسانية لا تتغير، مهما اختلفت العنصرية، فهو شاعر وإنسان، وفوق هذا "مسلم عربي" لا يفرق دينه بين إنسان وآخر، وذلك في قصيدته "عربي يقول: من أنا؟ من ضاع بين الدروب؟ لا يرى غير ظلال من غروب ضاع دربي بين آمال تذوب من أنا يا زورق الأحداث من؟ تائه في عصره يشكو المحن عربي أبي ضاع في طي الزمن!! ٢ لكنه عاش في "الواقع الأليم والمركب التائه": لقد غبت عن عالمي برهة ... أناجي خيالي وأشدو حزين أعلل نفسي بإشراقة ... تضيء دربي فأنسى الأنين

стр. 249

ففي واقعي كما أرى تائهًا ... وإن أنا أول التائهين أقلب طرفي وبي لهفة ... إلى عالم فيه يحيا اليقين شربت الحياة بأكوابها ... فما ذقت فيا سوى دمعتي وغنيت فيها بقيثارتي ... فذابت على نغمتي مهجتي تأملت فيها جمال الوجود ... فتهت على مركب الحيرة أجوب البلاد وما أهتدي ... وهذا الضياع على صورتي أقلب طرفي لعلي أرى ... طريق يقين يزيل الظنون ولكن طرفي به حيرة ... من الناس حتى نفيت اليقين وهكذا إلى آخر القصيدة يصور نفسه في مركب تائه من الألم، ينتهي به إلى الضياع، وقلبه يسيل أسى من الحياة التي تذيب الحياة: فهذي الحياة تذيب الحياة ... وهذا فؤادي فيها يسيل١ لكن الشاعر الملهم هو الذي يجد في قيثارة الشعر العزاء الذي ينسيه همومه، والدواء الذي يخفف آلام الحياة، يقول الشاعر في "قيثارة": قيثارتي تشدو ودهري يسمع قيثارتي ثكلى وأم ترضع تبكي الصبا يمضي فلا يسترجع وترضع الأحلام من ثدي الألم قيثارتي لحن وأوتار هزيله ناجيتها هات فقالت لي عليله الحزن يدميني وأوتاري ذليله قيثارتي شعري وعمر كالوتر قيثارتي الثكلى وعمري المنتحر٢

стр. 250

وهكذا صارت حياته بؤسًا وشقاءً، وحزنًا وآلامًا، وشكوى وتضعضعًا، وإسرافًا في إطلاق المشاعر، وطغيانًا في الوجدان، لكن إنسان من البشر يعيش مع الناس في هذا القرن له "حق الإنسانية"١، وأمام ظلم البشر للإنسان، هل يستجيب له القدر، وتحضنه الحياة، ويحنو عليها الدهر، وذلك في قصيدته "لو يسمح القدر"، بعد أن اعتصرته مرارة البؤس والشقاء في قصيدته "حياة في القرن العشرين"٣. هذا هو شعر الوجدان بسماته وخصائصه التي جعلته غرضًا شعريًّا متميزًا في شعر العسيري، فهذا الغرض يعبّر بصدق ودقة عن حياة الشاعر، فالوجدان فيه هي حياته، والشعر الصادق هو الذي يرسم فيه الوجدان حياة صاحبه في شعر محموم وعاطفة جياشة، ومشاعر رقيقة، وتصوير أدبي رائع. إن شعر الوجدان في شعر العسيري يؤرخ للشاعر حياته المريرة وعلاقاته بالناس من حوله، وموقعه في دنياه، ... دنيا القرن العشرين. ثانيًا: الشعر الإسلامي والشعر الإسلامي هو أكثر شعر العسيري بعد الشعر الوجداني، ويغلب عليه الجانب الإنساني العالمي، فالإسلام دين عالمي عام لكل البشرية، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥. وفي عام ١٩٤٨م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة حقوق الإنسان العالمية، حينئذ ذكر الدكتور عثمان خليل ٦ أنَّ الإسلام منذ خمسة عشر قرنًا أقر هذه الحقوق العالمية للإنسان، مثل المساواة، وتحقيق الحريات في التملك والعقيدة والعمل والمحافظة على الحرمات.. وهذه المبادئ الإسلامية هي التي جعلت الدين الإسلامي ينشر سماحته شرقًا وغربًا بلا إكراه، وبمجهود ضئيل، وبغير دعوة مطلقًا.
следующие страницы →