← Акыда

Акыда · id 22862

النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام

أحمد عبد الوهاب علي

Полный текст (287 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٢- ظهرت بعض تراجم للعهد القديم عن العبرية القديمة من أهمها النسخة السبعينية الإغريقية والنسخة الأرامية والنسخة السوريانية والنسخة اللاتينية وتختلف هذه النسخ أحيانًا عن النسخة العبرية الحديثة، إلا أنه بمقارنة هذه النسخ معًا فإنه يمكن الوصول أحيانًا إلى النص العبري الأصلي كما يتضح من المثال الآتي: "في سفر صموئيل الأول "١٤: ٤١" نجد أن فقرة طويلة قد سقطت من النسخة العبرية الحديثة على حين بقيت تلك الفقرة في النسختين السبعينية واللاتينية. والكلمات التي كتبت بالبنط الأسود هي التي فقدت من النص العبري: وقال شاول للرب إله إسرائيل لماذ لم تجب عبدك اليوم. إذا كان الذنب في أو في يوناثان ابني، يارب إله إسرائيل أعط أوريم ولكن إذا كان الذنب في شعبك إسرائل أعط ثميم. فأخذ يوناثان وشاول. أما الشعب فخرجوا". ولمعرفة السبب الذي من أجله أسقط الكاتب العبري كل هذه الكلمات نقول إن عينيه لا بد قد قفزتا من كلمة: إسرايل، قرب أول الفقرة لكلمة: إسرائيل، قرب نهايتها، وكان من نتيجة ذلك أنه حذف تلقائيًا -دون أن يدري- الكلمات الواقعة بينهما"١. وتقرأ هذه الفقرة في الترجمة العربية الشائعة كالآتي: "فأخذ يوناثان وشاول أما الشعب فخرجوا". ومن الواضح أن حذف تلك الكلمات قد أفقد الفقرة معناها. ٣- يقول سفر صموئيل: "حمى غضب الرب على إسرائيل فأهاج عليهم داود قائلًا: امض وأحص إسرائيل ويهوذا.. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف. ورجال يهوذا حمسمائة ألف رجل"٢ "صموئيل ٢٤: ١-٩".

стр. 247

لكن كاتب سفر أخبار الأيام لم تعجبه هذه الأعداد فكتب يقول: "وقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصي إسرائيل.. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل مستلي السيف، ويهوذا أربعمائة وسبعين ألف رجل مستلي السيف، وأما لاو وبنيامين فلم يعدهم معهم" "أخبار الأيام الأول ٢١: ١-٦". فنجد أن الرواية الثانية قد زادت في التعداد بما يقرب من ثلث مليون وهو خطأ ينفي عن مثل هذا الكلام أي إمكانية لاعتباره وحيًا مقدسًا. ٤- ويقول سفر الملوك: "في السنة الثالثة لآسا ملك يهوذا، ملك بعشا ابن أخيا علي جميع إسرائيل في ترصة أربعة وعشرين سنة" "الملوك الأول ١٥: ٣٣". وبعد أن "اضطجع بعشًا مع آبائه ودفن في ترصة وملك أيلة ابنه عوضًا عنه ... وفي السنة السادسة والعشرين لآسا ملك يهوذا، ملك أيلة بن بعشا على إسرائيل في ترصة سنتين. فدخل زمرى وضربه فقتله في السنة السابعة والعشرين لآسا ملك يهوذا وملك ذلك عوضًا عنه" "الملوك الأول ١٦: ٨-١٠". ومن ذلك يتبين أنه في السنة السادسة والعشرين لآسا ملك يهوذا يكون بعشا ملك إسرائيل في عداد الأموات. وفي السنة السادسة والثلاثين لآسا يكون بعشا قد مضى على موته عشر سنوات. لكن كتبة سفر أخبار الأيام نسوا ذلك فقالوا: "في السنة السادسة والثلاثين لملك آسا، صعد بعشا ملك إسرائيل على يهوذا وبنى الرامة لكيلا يدع أحدًا يخرج أو يدخل إلى آسا ملك يهوذا" "أخبار الأيام الثاني ١٦: ١".

стр. 248

وعلى ذلك تكون هذه الرواية قد وقعت في خطأ فاحش، إذ كيف يصعد بعشا ملك إسرائيل بعد موته بعشر سنين ليحارب آسا ملك يهوذا؟! إن هذا قليل من كثير مما تحتويه أسفار العهد القديم. ولقد كان من نتاج فحص هذه الأسفار بواسطة علمائها أن وجدت الكنسية الكاثوليكية وهي التي تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام واعتبار كل الكتاب موحى به من الله -أن عليها إصدار بيان يواجه مثل هذه الحقائق التي لم تعد تقبل المراء فيها. فلقد بحث المجمع المسكوني الثاني١ للفاتيكان "١٩٦٢-١٩٦٥" هذه المشكلة التي تتعلق بوجود أخطاء في بعض نصوص أسفار العهد القديم، وقدمت له خمس صيغ مقترحة استغرق بحثها ثلاث سنوات من الجدل والمناقشة وأخيرًا تم قبول صيغة حظيت بالأغلبية الساحقة إذ صوت إلى جانبها ٢٣٤٤ ضد ٦ أصوات. وقد أدرجت الوثيقة المسكونية الرابعة عن "التنزيل" فقرة تختص بالعهد القديم "الفصل الرابع ص٥٣" تشير إلى وجود شو ائب به، وإلى بطلان بعض النصوص وبشكل لا يسمح بأية معارضة. وتقول هذه الفقرة ما نصه: "بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وضعه المسيح، تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو الله ومن هو الإنسان بما لا تقل عن معرفة الطريقة التي يتصرف بها الله في عدله ورحمته مع الإنسان، غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان، ومع ذلك ففيها شهادة عن تعليم إلهي"٢. إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كم من المؤمنين بقداسة هذه الأسفار واعتبارها تعليمًا إلهيًا موحى به من الله. يعلم هذا الذي قررته الكنيسة الكاثوليكية بشأنها وما تحتويه من شوائب وبطلان؟

стр. 249

ويتبع ذلك سؤال آخر: ثم ما هو موقف الذين علموا ذلك من هذه الأسفار؟ إن استقراء التاريخ يجعلنا نقرر أن هناك أناسًا عبر القرون وفي شتى بقاع الأرض وبمختلف الثقافات والأوضاع الدينية والفكرية والعلمية سوف يظلون يدافعون على ما توارثوه من معتقدات بصرف النظر عما لحق بها من شوائب وأباطيل ... فإلى هؤلاء لا أملك إلا أن أردد ما قاله المسيح في الإنجيل: "اذهبوا وتعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة" "متى ٩: ١٣". ثانيًا -أسفار العهد الجديد: "أ" حديث عن أسفار العهد الجديد: سبق أن أصدرت كتابًا١ جمعت فيه خلاصة أبحاث علماء المسيحية ودراستهم لأسفار العهد الجديد. وكان يمكن الاكتفار بالإشارة إلى ما في ذلك الكتاب عند الحديث -الآن- عن هذه الأسفار. إلا أن احتمال عدم اطلاع بعض القراء على ذلك الكتاب يضطرني إلى اقتباس بعض منه نقلًا عن أقوال الثقات من علماء المسيحية: ١- "إن المسيحين الأوائل لم يكونوا يعتقدون أن كتبهم المقدسة تكون عهدًا جديدًا يتميز عن العهد القديم.. إن العهد الجديد كتاب غير متجانس ذلك أنه شتات مجمع فهو لا يمثل وجهة نظر واحدة تسوده من أوله إلى آخره لكنه في الواقع يمثل وجهات نظر مختلفة"٢.

стр. 250

٢- "في فترة المائة وخمسين عامًا الأخيرة تحقق العلماء من أن الأناجيل الثلاثة الأولى "متى ومرقس ولوقا" تختلف عن الإنجيل الرابع "يوحنا" أسلوبًا ومضمونًا. إن الاختلاف بينهم عظيم. لدرجة أنه لو قبلت الأناجيل المتشابهة "الثلاثة الأولى" باعتبارها صحيحة وموثوقًا بها، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا"١. ٣- "ليس لدينا معرفة مؤكدة بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك"٢. ٤- "لقد أسقط عدد كبير من الكتب المسيحية الأولى، من العهد الجديد القانوني وهذه تتكون أساسًا من الأناجيل المحذوفة مثل: أناجيل العبريين، والمصريين، وبطرس.. وأسفار رؤيا غير معترف بها مثل رؤيا بطرس، وراعي هرمس.. وخطابات الآباء والرسوليين. على أن التاريخ المضبوط الذي تحددت فيه قانونية أسفار العهد الجديد غير مؤكد"٣. ٥- "إن النسخ الأصلية "الإغريقية" لكتب العهد الجديد فنيت منذ مدة طويلة.. وإن كل النسخ التي استخدمها المسيحيون في الفترة التي سبقت مجمع نيقية "عام ٣٢٥م". قد غشيها نفس المصير. ومما يجب ذكره أنه حتى اختراع الطباعة لم يكن قد تم الوصول إلى اتفاق كامل في أي من نصوص العهد الجديد الإغريقية أو اللاتينية. أما موقف الأناجيل فإن التغيرات الهامة قد حدثت عن قصد مثل إضافة أو إدخال فقرات بأكملها. وبالتأكيد فإن بعضًا منها قد استمد من مصدر خارجي.. إن نصوص جميع هذه المخطوطات "للعهد الجديد" تختلف

стр. 251

اختلافًا كبيرًا، ولا يمكننا الاعتقاد بأن أيا منها قد نجا من الخطأ. ومهما كان الناسخ حي الضمير فإنه ارتكب أخطاء وهذه الأخطاء بقيت في كل النسخ التي نقلت عن نسخته الأصلية. إن أغلب النسخ الموجودة في جميع الأحجام تعرضت لتغييرات أخرى على أيدي المصححين الذين لم يكن عملهم دائمًا إعادة القراءة الصحيحة"١. إن هذا القدر الضئيل يكفي للتذكير مرة ثانية بقول "الحق" في القرآن عن أسفار العهد الجديد وكاتبيها وكهانها ومن تابعهم في الأقوال والأفعال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤] . نعم ... لقد نسوا تمامًا بكل معاني الكلمة.... ولقد كان الجزاء أن أغرى الله ﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤] . وكان الثمن فادحا، دفعه هؤلاء النصارى -المسيحيون- وشاركهم فيه كثير من أبناء البشرية الذين ارتبطوا بهم، أو ربطهم المسيحيون بهم. وتبلغ هذه العداوة والبغضاء بين الأمم النصرانية قمتها المأساوية في تلك الحروب المستعرة بينهما على مدى التاريخ، وآخرها في المدى القريب هذه الحروب العالمية: الأولى "١٩١٤-١٩١٨" والثانية "١٩٣٩-١٩٤٥".. والله أعلم بما سيأتي به الغد. وإذا كنا لا نستطيع القطع بوقوع الحرب العالمية الثالثة فمن المؤكد أن كلا المعسكرين: الشرقي الشيوعي، والغربي الرأسممالي يستعد لها ويجند في سبيلها الموارد والأموال والقوى البشرية الهائلة. وكل هذا تجسيد للعداوة والبغضاء بين أمم هذين المعسكرين، وجميعها أمم نصرانية.

стр. 252

"ب" نظرة في أسفار العهد الجديد: أصبح واضخًا تمامًا أن كتب العهد الجديد وخاصة الأناجيل تختلف فيما بينها اختلافًا كثيرًا يلحظه كل من تدبرها، وهو اختلاف يرجع أساسًا إلى اختلاف المصادر التي استقى منها مؤلفوها. وأولئك الذين قال عنهم لوقا -وهو واحد منهم- في مقدمة إنجيله: "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا.. رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس. لتعرف صحة الكلام الذي علمت". ونسوق الآن عددًا محدودًا من أمثلة الاختلاف في أسفار العهد الجديد. ١- اختلف متى ولوقا في نسب المسيح وذلك حين قرر الأول أن يوسف رجل أمه مريم -الذي كانت تدعوه مريم أبا للمسيح كما في لوقا "٢: ٤٨"- ينحدر من نسل سليمان بن داود. "متى ١: ٧-١٦". بينما جعله الثاني ينحدر من نسل ناثان بن داود "لوقا ٣: ٢٣-٣١". وذلك بجانب اختلافات أخرى ولقد بين "موريس بوكاي" هذا الخلاف نقلًا عن مصادر كاثوليكية، في كتابه "التوراة والعلم"١، كما بينته في كتابي "المسيح في مصادر العقائد المسيحية"٢ وذلك نقلًا عن مصادر أغلبها بروتستانتية. ٢- وإذا أخذنا بما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه لوجدناها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء.

стр. 253

ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن: "حادث القبض وملابساته -المحاكمات- توقيت الصلب "اليوم والساعة" صرخة اليأس على الصليب -شهود الصلب- كل ذلك وغيره كثير، يكفي للقول بأن الأناجيل قد اختلفت فيما بينها اختلافًا بعيدًا وهو اختلاف يكفي لرفض ما يذكره أحد الأناجيل، إذا أخذنا برواية الأناجيل الأخرى. أيها نأخذ به، وأيها نرفض؟ رب قارئ -درج على الإيمان التقليدي بما ترويه الأناجيل- لا يجد مفرًا من أن يقول: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ "الملك: ٢٦". ٣- وما تؤمن به المسيحية التقليدية من أن المسيح قد صلب ومات ووضع في قبر ثم قام من الأموات فإن حديث القيامة هذا بدأته مريم المجدلية "التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين" "مرقس ١٦: ٩" حين ذهبت وأخبرت بطرس بأن القبر خال من الجثة "فخرج بطرس والتلميذ الآخر "يوحنا" وأتيا إلى القبر ... ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر. .. فحينئذ دخل أيضًا التلميذ الآخر.. ورأى فآمن لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات" "يوحنا٢٠: ٣-٩". من ذلك يؤكد إنجيل يوحنا أن بطرس رئيس التلاميذ -بالذات- كان يجهل أي حديث عن قيامة المسيح. بل إن إنجيل لوقا ليؤكد هذا الجهل للتلاميذ كلهم -وفيهم بطرس- الذي كان أكثرهم تعجبًا من حديث القيامة فيقول: "رجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله. وكانت مريم المجدلية ويوحنا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن اللواتي قلن هذا للرسل. فترائى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن. فقام بطرس وركض إلى القبر فانحنى ونظر الأكفان موضوعة وحدها فمضى متعجبًا في نفسه مما كان" "لوقا ٢٤: ٩-١٢".

стр. 254

لكن أناجيل مرقس ومتى ولوقا تذكر لنا حديثا جرى بين المسيح وتلاميذه تنبأ فيه بقلته ثم قيامته من الأموات. فهي تقول: "ابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان "المسيح" ينبغي أن يتألم كثيرًا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة الكتبة ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم. وقال القول علانية. فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره فالتفت وأبصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلًا: اذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" "مرقس ٨: ٣١-٣٣، متى ١٦: ٢١-٢٣، لوقا ٩: ٢٢". إن رواية الحوار بين المسيح وتلاميذه على ضوء هذه الصورة تعني أن قيامة المسيح من الأموات أصبحت أمرًا مفروغًا منه وأنها واحدة من تعاليمه لتلاميذه مثلها مثل القتل. ذلك أن الأناجيل تذكر أن المسيح "قال القول علانية". ولما راجعه فيه بطرس أمام التلاميذ ما كان من المسيح إلى أن أغلظ له القول ولقبه بالشيطان. فإذا وجدنا بعد ذلك أن روايات القيامة التي جاءت بها مريم المجدلية كانت بالنسبة لبطرس، ورفاقه كلامًا "كالهذيان" لا يمكن تصديقه، فإن النتيجة التي لا مفر من التسليم بها هي: أن ذلك الحوار الذي قيل إنه جرى بين المسيح وتلاميذه، والذي تنبأ فيه بقتله ثم قيامته لم يحدث على الإطلاق، وأن ما نجده عن ذلك الحوار في الأناجيل لا يعدو أن يكون إضافات أدخلت إليها فيما بعد"١.

стр. 255

٤- ومما لا شك فيه أن بولس هو مبشر المسيحية الأول بصورتها الراهنة، وإليه ينسب نصف أسفار العهد الجديد وهو لم يكن قط من تلاميذ المسيح ولم يحظ برؤيته والحديث إليه ولو مرة واحدة في حياته. لكن ما اشتهر به بولس شيئان: الأول -أنه كان من أشد اليهود عداوة للمسيحية والمسيحيين، عداوة بلغت حد القتل. وفي هذا يقول سفر أعمال الرسل عن بولس "شاول": "أما شاول فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب. فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناسًا من الطريق رجالًا أو نساء يسوقهم موثقين إلى أورشيلم" "أعمال الرسل ٩: ١-٢". وأما الثاني -فهو أن بولس أعلن فجاة سماعه لصوت المسيح من السماء أثناء ذهابه إلى دمشق ومن تلك الساعة تحول إلى المسيحية وصار أكبر دعاتها لكن قصة بولس مع صوت المسيح يحكيها سفر أعمال الرسل بصورتين متناقضتين تمامًا بالنسبة للمسافرين مع بولس وقيل إنهم كانوا شهودًا لتلك الحادثة. فهو يقول عنهم في الأولى: وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحدًا" "٩: ٣-٦". أما الرواية الثانية التي قصها ذات السفر فإنها تقول على لسان بولس: "والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني" "٢٢: ٦-٩". فعلى حسب الرواية الأولى نجد شهود بولس: سمعوا ولم يروا وعلى حسب الرواية الثانية فإنهم: رأوا ولم يسمعوا....؟

стр. 256

إن التناقض واضح لا يحتاج إلى تعليق. لقد كان تلاميذ المسيح على حق حين شكوا في بولس، إذ "لما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ" "أعمال الرسل: ٩: ٣٦". حقًا يقول القرآن أفضل ما قيل في هذا المقام. وقل في الحديث، ودل على الحقيقة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .

стр. 257

خلاصة الموقف مع الكتاب المقدس: ١- تمهيد: نزل القرآن على رسول الله في أمة أمية فتعلم منه المسلمون الأوائل "نبأ ما قبلهم، وخبر ما بعدهم، وحكم ما بينهم"، ولقد كان حب الاستطلاع دافعًا للبعض منهم أن يسأل أهل الكتاب من اليهود والنصارى عما في كتبهم فقام ابن عباس -وقد استيقن من القرآن حقيقة ما جرى لأسفار السابقين- وقال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث، تقرءونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا. ٢- تقرير الحقيقة: في حملة من أهل الكتاب للغو في القرآن قال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرءون التوارة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، وهنا قال رسول الله ﷺ قولا قرر به الحقيقة واضحة وضوح شمس الصحراء في رابعة النهار- إذ قال: "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله". إن هذا يعني أن تلك الأسفار التي في حوزة أهل الكتاب فيها: ما يمتنع تصديقه وفيها ما يمتنع تكذيبه، فالأول قد جافى الحقيقية وتلبس بغيرها، وأما الثاني فقد قال حقًا ونطق صدقًا. ٣- شهود من أهله: ظهر الإسلام دينا شامخًا، واكتمل بناؤه في حياة رسول الله واستمر نفوذه فعالًا عبر العصور. وخلال مساره الطويل بقي موقف السلطات الدينية اليهودية والمسيحية منه قائمًا على محاربته والكفر بالنبي والقرآن. لكن السنوات الأخيرة حدثت فيها بعض التطورات الهامة.

стр. 258

وليس هذا مجال لعرض تلك التطورات ولكن يكفينا هنا أن نذكر بعضا من شهادات السلطات الدينية لأهل الكتاب ممثلة في هيئاتها وعلمائها. وإذا كان هذا لا يعني قبولهم الكامل للإسلام إلا أن أهم تطور حدث في هذا المجال هو اقتراب شهاداتهم عن أسفارهم المقدسة اقترابًا تطابقت نصوصه في بعض الأحيان مع شهادات الإسلام. "أ" تقول دائرة المعارف البريطانية عن أسفار العهد القديم: "لقد أصبح من الواضح: أن هذه الأسفار لا تحتوي كل الصدق وأن ليس كل ما تحتويه هذا الأسفار بصادق"١. عجبًا حقًا ... ! أليس هذا ما سبق أن نطق به محمد رسول الله لفظًا ومعنى حين قال: "لا تصدوقهم ولا تكذبوهم":؟! "ب" في عام ١٩٦٣ عقد في كندا المؤتمر التبشيري الثالث لطائفة الإنجليين. وكان مما قاله "كانون ماكس وارن" سكرتير جميعة التبشير الكنسية في بحثه المقدم إلى المؤتمر: "لقد تجلى الله بطرق مختلفة. ومن الواجب أن تكون لدينا الشجاعة الكافية لنصر على القول بأن الله كان يتكلم في ذلك الغار الذي يقع في تلك التلال خارج مكة"٢ وهو يقصد بذلك الوحي إلى النبي محمد حين بدأ في غار حراء. ويتحدث "بطرس واتيلى" الذي عهد إليه بكتابة تقرير عن هذا المؤتمر فيقول عن بحث "كانون وارن": "من المحال تجنب استخدام ألفاظ الإبداع والسمو عند الحديث عنه. لقد كان واحدا من أكثر الأحاديث التي

стр. 259

استمعت إليها تأثيرًا طيلة حياتي وذلك لما تميز به من سعة في الفكر ووضوح الرؤيا"١. "جـ" وفي عام ١٩٦٥ أصدر المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان فقرة عن كتب العهد القديم جاء فيها: "إن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان". "د" ومنذ نزل القرآن والجاحدون له مصرون على اللغو فيه وإذاعة الأراجيف والترهات حول النبي الذي جاء به. ولقد سجل القرآن عليهم تلك المواقف وأقام عليهم الحجج التي أعجزتهم وأشياعهم إلى يوم الدين. لقد كان مما قالوه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٤-٥] . وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] . لقد كان الأولى بذلك المعلم الخرافي أن يظهر بتعليمه. بدلًا من أن يعطي الفضل لغيره، ولكن ما الحيلة وقد عميت الأبصار وتحجرت القلوب. ولقد كان القرآن يستدرجهم إلى ميدان التحدي، فما داموا يدعون أن مصدره بشري أرضي وليس وحيًا إلهًيا. فقد دعاهم إلى الإتيان بمثله، فقال في سخرية أليمة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣-٣٤] . وبعد أن قال لهم: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] عاد فتحداهم بسورة واحدة، فقال مخاطبًا الناس أجمعين:

стр. 260

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] . ولما كان القرآن تنزيلًا ممن ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ١ فقد كتب العجز على معانديه فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] . ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . ولقد حلا للكثير من أهل الكتاب حين رأوا القرآن يعرض قصصًا يشابه بعض ما في أسفارهم أن يرددوا ما سبق أن قاله الكفار من اطلاع النبي على كتب الأولين وترديدها. ولو كان لذلك الزعم أساس لهدمه قول بعض الباحثين المسيحيين -حين قارنوا بين أحاديث كل من أسفار العهد القديم وخاصة التوراة والأناجيل، والقرآن وذلك في الموضوعات المشتركة بينهم- فقد تبين لهم أن القرآن خلا من الأخطاء "والشوائب والبطلان" الموجودة في غيره. فكيف يتأتى ذلك إن لم يكن مصدره إلهيا؟! وفي هذا يقول "موريس بوكاي": "لا يجد قارئ القرآن أخطاء في الأسماء كتلك التي يجدها في الأناجيل ونعني الأخطاء الخاصة بإسلام المسيح واستحالات الأنساب في العهد القديم "والتي تجعل الطوفان يحدث في القرن ٢٢ قبل المسيح، وفي عصر كانت هناك حضارات مزدهرة على الأرض فبالنسبة لمصر كان ذلك في الفترة الوسطى التي تلت نهاية الدولة القديمة وبداية الدولة الوسطى. وبالنظر إلى ما نعرف عن تاريخ هذا العصر فإنه يكون مضحكًا القول بأن الطوفان قد دمر في ذلك العصر كل الحضارات".

стр. 261

ومرة أخرى تفرض الموضوعية أن نشير إلى ادعاء هؤلاء الذين يقولون بلا أي أساس أن محمدًا ﷺ مؤلف القرآن قد نقل كثيرًا من التوراة، ولو كان ذلك حقًا لتساءلنا من الذي دفعه أو ما الحجة التي أقنعته بالعدول عن نقل التوراة فيما تعلق بأسلاف المسيح وإدخال تصحيح في القرآن يضع نصه بعيدًا عن أي مرمى نقدي تثيره المعارف الحديثة، على حين أن نصوص الأناجيل والعهد القديم غير مقبولة بالمرة من وجهة النظر هذه"؟ ١. وبعد.. لقد بين القرآن حقيقة الأسفار اليهودية والمسيحية، فصدق على ما بها من بقايا حق أنزله الله، وصحح ما بها من أساسيات خالطها كثير من "شوائب وبطلان" ثم جاء مهيمنًا عليها بما استحدث وشرع. فنقل الرسالة من القبلية المحدودة إلى العالمية الواسعة، مع ما يتطلبه ذلك من تعاليم وضوابط ومعالجات لمختلف القضايا التي تهم العالمين: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] . إن حديث القرآن عن أهل الكتاب وأسفارهم إنما هو معجزة تقوم بذاتها، وهي معجزة أساسها العلم الذي تحصله البشرية بالدراسة والتمحيص خلال العديد من القرون، ثم تأتي النتيجة مطابقة لما قال به محمد رسول الله الذي كان يتعلم الآيات من القرآن وحيًا في لحظات. لقد كان من جوامع كلمه: "لا تصدقوهم ولا تكذبوهم". إنها معجزة ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .

стр. 262

محمد نبي الملكوت: جاء يحيى بن زكريا، والمسيح عيسى، ومن بعده تلاميذه وحواريوه يبشرون جميعًا باقتراب "ملكوت الله" أو "ملكوت السموات". فمن الواضح "أن ملكوت الله" أو "ملكوات السموات" هو شيء عظيم وخطير الشأن، وتحقيق للنبوءات السابقة. وهو أمل يرتجى في تخليص البشرية من أغلالها وهدايتها إلى طريق الله البر الرحيم. ومن المؤكد أن "ملكوت الله" شيء يأتي بعد المسيح الذي جاء يبشر باقترابه. ولقد بين المسيح أن الملكوت يعني نبوة ورسالة. ففي حواره مع "رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب" في الهيكل، ألقى إليهم النذير بنزع النبوة من بني إسرائيل وإعطائها لأمة أخرى أفضل وأجدر بحمل رسالة الله إلى الآخرين -فقال قولته الشهيرة: "لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره". لقد أوتي بنو إسرائيل النبوة وحملوا الرسالة فماذا فعلوا؟! تربصوا بالأنبياء وعصوا المرسلين، فاستحقوا ما جرى لهم، والله أعلم بما هو آت ... ولقد جاء محمد نبي الملكوت المنتظر بعد المسيح، وهو نبي -لا يزال- يقول فيه الإنجيل على لسان المسيح مخاطبًا تلاميذه: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق. لأنه لا يتكلم من نفسه بل بكل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية". وأخيرًا جاء محمد نبي الملكوت.. فماذ فعل الذين كانوا ينتظرونه؟

стр. 263

لقد كانوا أول كافر به ... ! إنها قصة متكررة تستقي أحداثها المأساوية من قلوب مريضة ونفوس هوى بها الهوى. فلا يزال اليهود يصلون إلى اليوم من أجل قدوم المسيح المخلص ... ولقد جاء المسيح منذ ٢٠ قرنا، وبلغ الرسالة وأعطى البشارة وهم له رافضون. ولا يزال المسيحيون يصلون إلى اليوم من أجل قدوم ملكوت الله قائلين: "أبانا الذي في السموات.. ليتقدس اسمك وليأت ملكوتك". ولقد جاء الملكوت منذ ١٤ قرنًا: نبيه محمد، وكتابه القرآن، ورسالته الإسلام، لكنهم بقوا على حالهم من الغفلة والصد والنكران. ولقد بلغ الضلال غايته حين نسجت حول الإسلام وكتابه ونبيه أحاديث الإفك ودعاوى الباطل، وألصق به ما ليس منه في شيء، ثم ما لبثت تلك الأباطيل أن صارت تراثًا. يتوارثونها جيلًا بعد جيل. وكان قمة المأساة حين وقف البابا إيربان الثاني رأس الكنيسة الكاثوليكية ليعطي في مجمع كليرمونت عام ١٠٩٥ إشارة البدء بالحروب الصليبية -محطمًا بذلك كل ما تقوله الأناجيل عن تعالي المسيح في المحبة والتسامح -ثم ينعت المسلمين بالكفرة ويقول لسامعيه: "أنتم فرسان أقوياء ولكنكم تتناطحون وتتنابذون فيما بينكم. ولكن تعالوا حاربوا الكفار. يا من تنابذتم اتحدوا، يا من كنتم لصوصًا كونوا الآن جنودًا. تقدموا للدفاع عن المسيح، لا تمنعكم عواقيب ولا تلهكم نساؤكم ولا أولادكم ولا أموالكم عن القتال في سبيل الله. تقدموا إلى بيت المقدس، انتزعوا الأرض الطاهرة واحفظوها لأنفسكم فهي تدر سمنًا وعسلًا.

стр. 264

اذهبوا إلى القتال وسنرتب أموركم وأموالكم في غيابكم. سأغفر لكم ذنوبكم وخطاياكم بالقوة التي زودني بها الله"! ولقد استمر ذلك الحقد الأسود هو الميراث الذي يحرص الجميع على الأخذ منه بنصيب ولو كان أقل القليل. وإذا كانت الحروب الصليبية قد فشلت في تحقيق مطامع مثيريها في الاستيلاء على الأرض واغتصاب خيراتها وإقامة ممالك صليبية في الشرق الإسلامي. فإن روحها العدوانية لا تزال تتحكم في تحديد السياسية الدولية إلى الآن. يقول "إيوجين روستو" رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية ومستشار الرئيس الأمريكي السابق "ليندون جونسون" حتى عام ١٩٦٧: "يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب. بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية. لقد كان الصراع محتدمًا بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى "الحروب الصليبية" وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة. ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي. إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة في الدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها"١.

стр. 265

إن "رستو" يحدد بوضوح أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية وذلك استمرارًا للحروب الصليبية، وهو في هذا لا يأتي بجديد. إنما هو يردد تعاليم عتاة الاستعمار الغربي وينهل مما توارثوه جميعًا من جهل بالإسلام وحقد عليه ورعب ملأ قلوبهم منه بسبب ما أشاعته السلطات الدينية حوله من أساطير وخرافات. فمن قبل قال "جلادستون" رئيس وزراء بريطانيا: "ما دام هذا القرآن موجودا، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان"١. وحين احتلت بريطانيا فلسطين في الحرب العالمية الأولى نشرت الصحف البريطانية صورة الجنرال "اللنبى" وكتبت تحتها عبارته المشهورة التي قالها عقب فتح المقدس: "اليوم انتهت الحروب الصليبية". وقد هنأ "لويد جورج" وزير الخارجية البريطانية الجنرال "اللنبى" في البرلمان لإحراز النصر فيما أسماه: الحملة الصليبية الثامنة. وكانت هذه السموم هي التي نفثها الجنرال "جورو" الفرنسي عندما اقتحم "دمشق وتوجه فورًا إلى قبر صلاح الدين وركله بقدمه قائلًا: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وهكذا يحصد المسلمون والمسيحيون ثمار ضلالات دينية سببها الجهل المتعمد بالإسلام -لا تزال حتى الآن سببًا وحيدًا لاشتعال الحروب المتتالية بينهم.

стр. 266

إن تبعة ذلك كله تقع أولًا على عاتق علماء المسيحية ومبشريها. ثم هي تقع بعد ذلك على عاتق كل من يؤمن بتعاليم المسيح في الإنجيل ويصدقها القول والفعل. وإذا تركنا مسيحية القرون الوسطى والنظرة الخاطئة للإسلام والمسلمين وسرنا عبر التاريخ حتى مطلع القرن العشرين، لوجدنا تكريسًا لما سبق من خرافات وأباطيل. فقد عقد بالقاهرة عام ١٩٠٦ مؤتمر للتبشير يجمع إرساليات التبشير البروتستانتينية للتفكير في نشر الإنجيل بين المسلمين. وقد افتتح يوم ٤ إبريل في منزل أحمد عرابي باشا في باب اللوق وبلغ عدد مندوبي الإرساليات ٦٢ بين رجال ونساء، من الولايات المتحدة وإنجلترا وألمانيا وهولندا والسويد والدانمرك. وانتخب القسيس "زويمر" -رئيس إرساليات التبشير في البحرين وصاحب فكرة عقد المؤتمر- رئيسا له. وقد جمعت أبحاثه في كتاب يحمل اسم "وسائل التبشير بالنصرانية بين المسملين" واشتمل الفصل الأول منه على بحث "عما إذا كان الإله الذي يعبده المسلمون هو إله النصارى واليهود أم لا؟ وقد صرح الدكتور "لبسيوس" بأن إله الجميع واحد، إلا أن القسيس "زويمر" خالفه في هذا الرأي فقال: إن المسلمين مهما يكونون موحدين فإن تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف المسيحيين لأن إله المسلمين ليس إله قداسة ومحبة"١. عجيب حقًا أمر هؤلاء الناس.... لقد عرف الإسلام كدين منذ منتصف القرن السابع، واشتهر بالتوحيد الخالص وعبادة الإله الواحد خالق كل شيء، والتصديق بكل رسالات الله وكتبه وأنبيائه ومنهم إبراهيم وموسى وعيسى المسيح. تلك كلها معلومات أولية لا تحتاج من غير المسلم إلى دراسة أو تمحيص.

стр. 267

ومع ذلك نجد البابا "إيربان الثاني" يقف بعد ذلك بنحو خمسة قرون ليعلن للشعوب المسيحية أن المسلمين كفار..! وتستمر السلطات الدينية المسيحية في التشكيك في إيمان المسلمين بالله لدرجة أن يثار في مؤتمر القاهرة التبشيري عام ١٩٠٦ سؤال عما إذا كان إله المسلمين هو إله المسيحيين واليهود. ثم يصر كبير المبشرين "زويمر" على رفض القول بأن الإله واحد في الديانات الثلاث. ولعل السبب في هذا الموقف هو أنه ما دام إله المسلمين هو إله المسيحيين فإن السؤال الذي يعقب ذلك بداهة هو: لماذا -إذن- يقوم تبشير بالنصرانية بين المسلمين؟ آنذاك يقتصر نشاط التبشير على الوثنيين -هذا إذا كان هدفه دينيًا حقًا ولم يربط نفسه بالاستعمار والسيطرة العنصرية-وآنذاك يفقد كثير من المبشرين ما يتمتعون به من مكاسب مادية ومعنوية. نحو صفحة جديدة: إن عهدا جديدًا في العلاقات بين المسيحية والإسلام يوشك أن يبدأ وهو عهد يطوي صفحات الماضي بكل شرورها ومآسيها ويفتح آفاقًا واسعة من الفهم والاعتراف بالحقائق التي تأتي نتيجة الدراسات الجادة والمجردة عن الأحكام المسبقة. ولقد بدأ يلوح في الآفاق ما ينبئ بإمكانية تحقيق فهم أفضل من المسيحية نحو الإسلام، وذلك في عصر يتجه نحو العالمية ويواجه فيه المؤمنون بالأديان السماوية -اليهودية والمسيحية والإسلام- خطر الإلحاد والكفر بالله ورسالته. فلقد أبطلت الكنيسة الكاثوليكية في النصف الثاني من القرن العشرين ما سبق أن أعلنه أحد رؤسائها السابقين في نهاية القرن الحادي عشر، من اعتبار المسلمين كفارًا، وذلك في بحوثها التي عرضت في المجمع الثاني للفاتيكان، والذي عقد في الفترة ٦٣-١٩٦٥.

стр. 268

فقد قالت هذه الوثائق: "إن كنيسة المسيح تعترف بأن مبادئ عقيدتها قد بنيت لدى الرسل والأنبياء طبقًا لسر الخلاص الإلهي. فهي تعترف فعلًا بأن جميع المؤمنين وهم أبناء إبراهيم -حسب العقيدة- داخلون في رسالة ذلك النبي. وبدافع المحبة نحو إخواننا فلننظر بعين الاعتبار إلى الآراء والمذاهب، التي وإن تباينت كثيرًا عن آرائنا ومذهبنا فإنها تضم نواة من تلك الحقيقة التي تنير قلب كل إنسان يولد في هذا العالم. ولنعانق أولًا المسلمين الذين يعبدون إلها واحدًا، والذين هم أقرب إلينا في المعنى الديني وفي علاقات ثقافية إنسانية واسعة". وفي عام ١٩٧٧ عقد في قرطبة المؤتمر الثاني للحوار الإسلامي المسيحي. وقد ألقى كلمة الافتتاح الكاردينال "أنريكي ترانكون" مطران مدريد ورئيس أساقفة أسبانيا- فكان مما قاله: "إني كأسقف أود أن أنصح المؤمنين المسيحيين بنسيان الماضي، كما يريد المجمع البابوي منهم، وأن يعربوا عن احترامهم لنبي الإسلام.. إن المجهودات الفكرية واللاهوتية التي يتسم بها هذا المؤتمر تهدف إلى غاية بعيدة، إلى البحث بكل أمانة عن البراهين التي تحمل المسيحيين على تقدير محمد نبي الإسلام تقديرًا إيجابيًا استنادًا إلى العقيدة المسيحية وطرق فكرنا اللاهوتي. إن هذا شي هام جدًا بالنسبة للمسيحي، إذ كيف يستطيع أن يقدر الإسلام والمسلمين دون تقدير نبيهم والقيم التي بثها ولا يزال يبثها في حياة أتباعه؟ إن ذلك سيكون دليلا على عدم المحبة والاحترام للمسلمين الذين يجب أن ننظر إليهم بتقدير كما بحثنا في المجمع الكاثوليكي. لن أحاول هنا تعداد قيم نبي الإسلام الرئيسية الدينية منها والإنسانية فليست هذه مهتمي، وسوف يلقيها عليكم الأخصائيون

стр. 269

واللاهوتيون المسيحيون بالمؤتمر. غير أني أريد أن أبرز جانبين إيجابيين -ضمن جوانب أخرى عديدة- وهما إيمانه بوحدة الله وانشغاله بالعدالة. أما إيمانه بالله الأحد فهو سمة رسالته وحياته. إنها أهم عقيدة تركها لأمته. وأما دعوته إلى العدالة مع شتى التطبيقات الدينية والاجتماعية فهي ما تزال قائمة.. بيد أني أود أن أخص بالذكر دعوته إلى سواسية الناس رجالًا ونساء إلى تحقيق العدالة بينهم". وفي مؤتمر قرطبة ألقى الدكتور "ميجيل كروث إيرناندث" بحثا عن "الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المزيفة التي كونتها المسيحية عن النبي محمد" وقد جاء فيه: "سبق أن أكدت في مناسبة سابقة -وأظن أنني قد قررت ذلك عدة مرات- الاستحالة من الوجهة التاريخية والنفسية لفكرة النبي المزيف التي تنسب لمحمد ما لم نرفضها بالنسبة لإبراهيم وموسى وأصحاب النبوات الأخرى من العبرانيين الذين اعتبروا أنبياء. إنه لم يحدث أن قال نبي "منهم" بصورة بينة وقاطعة -أن عالم النبوة قد أغلق ... وفيما يتعلق بالشعب اليهودي فإن عالم النبوة ما يزال مفتوحًا ما داموا ينتظرون المسيح المخلص. أما فيما يتعلق بالحركة المسيحية فإنه لا يوجد أي تأكيد قطعي يدل على انتهاء عالم النبوة، وأي قارئ لرسائل القديس بولس وآثار الحواريين وسفر الرؤيا يعلم ذلك جيدًا. وفيما يتعلق بي فإن يقيني أن محمدًا نبي لدرجة أنني حاولت في دراسة لي كتبت عام ١٩٦٨ أن أشرح كيف أن محمدًا كان نبيًا حقًا

стр. 270

من وجهة النظر الدينية المسيحية، وكيف أن الله يمكنه بل ويريد رسالة النبي للعرب برغم وجود الديانة المسيحية". كذلك قال "إجناثيو نايت" أستاذ تاريخ الثقافة بالجامعة المركزية بمدريد في بحث له ألقاه في مؤتمر قرطبة بعنوان "إلى أي مدى يعتبر محمد نبيًا من قبل المسيحيين": "إن محمدًا هو نبي إحدى الديانات الكبرى المعاصرة ... إن الإسلام اليوم هو أكبر قوة حية وهو الذي يدفع تيارات العالم الثالث ويجمع بين ١٠٢ دولة من الدول النامية وغير المنحازة في مواجهة أغنى ٣٠ دولة في العالم الأول الرأسمالي والصناعي وفي مواجهة ٢٠ دولة من دول العالم الثاني الشيوعي. وإذا كانت المسيحية قد تشعبت ليس فقط إلى ٢٦٠ مذهبًا موجودا الآن وإنما انقسمت إلى ثلاث شعب كبيرة: الأرثوذكسية الشرقية، والبروتستانت، والكاثوليك -وكذلك البوذية تشعبت إلى المهايانة والهينيلنه والزن الياباني -فإن الإسلام ما يزال يحتفظ بأساس وحدته. إن الإسلام ليس استمرارًا فحسب بل وتقدما كذلك. وفي أفريقيا نجد أن هناك شخصًا يعتنق المسيحية مقابل شخصين يعتنقان الإسلام، ولا نريد أن نعرض للبوذية أو غيرها من الديانات التي تعاني من حالة انقراض واضح. ولماذا نرى أن الاتحاد ضروري بين أتباع الديانات؟ من الممكن استنتاج الإجابة مما عرضناه سابقًا، ذلك أنه لم يحدث قط في تاريخ الإنسانية أن زحف الإلحاد بهذه الصورة. لقد كانت الديانات تتصارع فيما بينها للسيطرة على أتباعها ولكنا اليوم أمام الدفاع عن العقيدة الجامعة، أي الإيمان بالله بعد أن أصبح هذا الإيمان في حالة خطر. وفي نهاية الأمر ومع ترك الاختلافات الموجودة بين العديد من الديانات،

стр. 271

ومع النظر فيما يجمع بيننا، نتساءل: أليس الإله واحدًا؟ أما فيما يتعلق بالأنبياء فهم مشتركون: محمد وموسى وعيسى. وهكذا فإن الوحدة أمر حاسم ومهم لتخليص البشرية وعقائدها المشتركة في الإله. ويجب أن يكون ذلك بالدرجة الأولى بين الديانتين الكبيرتين: المسيحية والإسلام، حتى يمكنهما بعد ذلك جذب البوذية واليهودية والهندوكية. ولهذا فإن الخطوة الأولى نحوم الهدف الواسع والبعيد هي دراسة وفهم وتقدير عيسى ومحمد، وهما نبيان مؤسسان ومحبوبان من جميع المؤمنين". المسيح ليس خاتم النبيين: لقد تعرض المسيح لما تعرض له الأنبياء من السخرية والتكذيب. "ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟! أليس هذا ابن النجار؟! أليست أمه تدعى مريم، وإخوته يعقوب وموسى وسمعان ويهوذا؟! أو ليست أخواته جميعهن عندنا؟! فمن أين لهذا هذه كلها؟! فكانوا يعثرون به". لقد كان المسيح عالم بتلك الحقيقة، وأنه كنبي -مثل غيره من الأنبياء- لا بد وأن يواجه مثل تلك المواقف، ولهذا ألقى إليهم قوله الذي يمثل حكمة صدقتها أحداث الزمان: "فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته". "متى ١٣: ٥٤-٥٧، مرقس ٦: ١-٤، لوقا ٤: ٢٤، يوحنا ٤: ٤٤". لقد كانت هذه واحدة من المقولات القليلة التي اتفقت عليها الأناجيل الأربعة.

стр. 272

ولقد كان المسيح عالمًا بما تقوله الأسفار المقدسة عند بني إسرائيل -وهو واحد منهم- عن الأنبياء الذين ظهروا فيهم. وكان منهم قلة من الصادقين، أهل الحق والحقيقة، وبجانبهم كثرة كاثرة من أدعياء النبوة ومحترفيها، وفي هؤلاء الكذبة تقول أسفار العهد القديم: "قد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبئوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل. وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه: يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره.. من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض. هكذا قال رب الجنود: لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبئون لكم. فإنهم يجعلونكم باطلًا. يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب. "قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبئوا باسمي بالكذب قائلين: حلمت، حلمت. حتى متى يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم. الذين يفكرون أن ينسوا شعبي اسمي بأحلامهم" "أرميا ٢٣: ١٣-٢٧". "هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل: لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم ولا تسمعوا لأحلامكم التي تتحلمونها. لأنهم إنما يتنبئون لكم باسمي بالكذب. أنا لم أرسلهم يقول الرب" "أرميا ٢٩: ٨-٩". وبعد أن جاء المسيح رسولًا من الله إلى بني إسرائيل، وأبلغهم رسالة ربه ثم رحل عنهم، ظهر من بعده -وخاصة بين المنتسبين إلى الطائفة الجديدة التي حملت اسمه- أنبياء كذبة وأدعياء رسالة مزيفة. وفي هذا تقول أسفار العهد الجديد: "ولما اجتازوا الجزيرة إلى بافوس وجدا رجلًا ساحرًا نبيًا كذابًا يهوديًا اسمه باريشوع" "أعمال الرسل ١٣: ٦".

стр. 273

"أيها الأحباء: لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح، هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. هم من العالم، من أجل ذلك يتكلمون من العالم والعالم يسمع لهم. نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا. ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال" "رسالة يوحنا الأولى ٤: ١-٦". "أيها الأولاد: هي الساعة الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة. منا خرجوا. لكنهم لم يكونوا منا لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا، لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا" "رسالة يوحنا الأولى ٢: ١٨-١٩". ولكن كان أيضًا في الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضًا معلمون كذبة الذين يدسون بدع هلاك" "رسالة بطرس الثانية ٢: ١". "ولكن ما أفعله سأفعله، لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضًا في ما يفتخرون به. لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح" "كورنثوس الثانية ١١: ١٢-١٣". لقد كان ادعاء النبوة وبأ انتشر في الشعب الإسرائيلي قبل المسيح، ثم امتدت عدواه إلى الطائفة الجديدة التي بدأت تنشق عن اليهودية وتقيم لها كيانا مستقلًا، وصار أتباعها يعرفون باسم المسيحيين "أعمال الرسال ١١: ٢٦". ومن أجل ذلك حذر المسيح من أدعياء النبوة فقال: "احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبا أو الحسك تينًا" "متى ٧: ١٥-١٦". ومن الواضح أنه لو كان المسيح خاتم الأنبياء والمرسلين لقرر ذلك صراحة، ولم يكلف أتباعه مشقة فحص النبوات من بعده وفق معيار الثمار التي تجتنى منها، للتمييز بين الحق والباطل.

стр. 274

وما كان له أن يقول إنه خاتم النبيين بعد حديثه الصريح -الذي ذكرناه سلفًا- عن الرسول روح الحق الآتي بعده إلى العالم، والذي يذكره الإنجيل بأنه سيكون: "معزيًا آخر" "يوحنا ١٤: ١٦"، سبقه ولا شك معزون آخرون. وبجانب هذا، تتحدث أسفار العهد الجديد عن استمرارية النبوة الحقة بعد المسيح، وعن وجود أنبياء حقيقيين في الشعب المسيحي، فتقول: "فحدث أنهما اجتمعا في الكنيسة سنة كاملة وعلما جمعًا غفيرًا. ودعى التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولًا. وفي تلك الأيام انحدر أنبياء من أورشليم إلى أنطاكية. وقام واحد منهم اسمه أغابوس وأشار بالروح أن جوعًا عظيمًا كان عتيدًا أن يصير على جميع المسكونة، الذي صار أيضًا في أيام كلوديوس قيصر" "أعمال الرسل ١١: ٢٦-٢٨". "وكان في أنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلمون" "أعمال الرسل ١٣: ١". "ويهوذا وسيلًا: إذ كانا هما أيضًا نبيين، وعظا الإخوة بكلام كثير وشدداهم" "أعمال الرسل ١٥: ٣٢". "وضع الله أناسا في الكيسة: أولًا رسلًا، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلمين، ثم قوات، وبعد ذلك مواهب شفاء أعوانا تدابير، وأنواع السنة" "كورنثوس الأولى ١٢: ٢٨". "جدوا للمواهب الروحية وبالأولى أن تتنبئوا.. إني أريد أن جميعكم تتكلمون بألسنة، ولكن بالأولى أن تتنبئوا. لأن من تنبأ أعظم ممن يتكلم بألسنة.

стр. 275

أما الأنبياء: فليتكلم اثنان أو ثلاثة، وليحكم الآخرون.. لأنكم تقدرون جميعكم أن تتنبئوا واحدا واحدا. ليتعلم الجميع ويتغرى الجميع. وأرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء" "كورنثوس الأولى ١٤: ١-٣٢". "لا تطفئوا الروح. لا تحتقروا النبوات. امتحنوا كل شيء. تمسكوا بالحسن. امتنعوا عن كل شبه شر" "تسالونيكي الأولى ٥: ١٩-٢٠". أما بعد: لقد كان هذا تبيانًا لابد منه لما قاله الدكتور "ميجيل كروث إيرناندث"، في بحثه الذي قدمه في مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي بقرطبة -وذكرناه سلفًا- حين قرر أنه: "فيما يتعلق بالحركة المسيحية، فإنه لا يوجد أي تأكيد قطعي يدل على انتهاء عالم النبوة "بعد المسيح"، وأي قارئ لرسائل القديس بولس وآثار الحواريين وسفر الرؤيا يعلم ذلك جيدًا. على أن أسفار "موسى والأنبياء" قد بينت للناس جميعًا كيفية التمييز بين النبي الصادق والنبي الكاذب، فقررت أن: ١- النبي الكاذب لا يقول: لا إله إلا الله. فهو يزيغ الناس عن عبادة الإله الواحد الذي أنزل التوراة على موسى: "إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا وأعطاك آية أو أعجوبة. ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلأ: لنذهب وراء آلهة أخرى لم نعرفها. ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي إذ الحالم ذلك الحلم، لأن الرب يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم" "تثنية ١٣: ١-٣".

стр. 276

٢- النبي الكاذب يطلق نبوءات كاذبة لا تتحقق: "وإن قلت في قلبك كيف تعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب. فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر. فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه""تثنية ١٨: ٢١-٢٢". ٣- وتكون عاقبة النبي الذي يفتري على الله الكذب أن يعالجه الموت سريعًا: "وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى. فيموت ذلك النبي" "تثنية ١٨: ٢٠". ولقد كان هذا ما حدث فعلًا للأنبياء الكاذبين. فقد "قال أرميا النبي "الصادق" لحننيا النبي "الكاذب": اسمع يا حننيا، إن الرب لم يرسلك، وأنت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب. لذلك هكذا قال الرب: هأنذا طاردك عن وجه الأرض. هذه السنة تموت لأنك تكلمت بعصيان على الرب. فمات حننيا النبي "الكاذب" في تلك السنة في الشهر السابع" "أرميا ٢٨: ١٥-١٧". "هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل عن آخاب بن قولايا وعن صديقا بن معسيا اللذين يتنبآن لكم باسمي بالكذب وهأنذا أدفعهما ليد نبوخذ ناصر ملك بابل فيقتلهما أمام عيونكم. ثم صار كلام الرب إلى أرميا قائلًا: أرسل إلى كل السبي قائلًا: هكذا قال الرب لشمعيا النحلامي. من أجل أن شمعيا قد تنبأ لكم وأنا لم أرسله وجعلكم تتكلون على الكذب. لذلك هكذا قال الرب. هأنذا أعاقب شمعيا النحلامي ونسله. لا يكون له إنسان يجلس في وسط هذا الشعب" "أرميا ٢٩: ٢١-٣٢".

стр. 277

وما كان الله لينذر إنسانًا يدعي أنه رسول الله، كذبًا وافتراء على الله، دون أن يعالجه بالموت. فلقد وصل ذلك الدعي في ظلمه إلى مداه. وفي هذا يقول القرآن العظيم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] . وكان حديث الله إلى الكافرين بنبوة محمد من مشركي العرب، ومن على شاكلتهم حتى الآن، أن يعلموا قضاء الله حقًا وعدلًا في كل مفتر كذاب. وهو أن يعاجله بالموت عقابًا له. فقال -وقوله الحق- في بعض أوائل آيات القرآن نزولًا: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٧] . نعم ... إن بقاء محمد بن عبد الله يدعو إلى الله بصفته رسولًا منه إلى الناس بإذنه، لمدة تزيد على اثنين وعشرين عامًا، تعرض فيها لمختلف المخاطر والأهوال وخرج منها جميعًا سالمًا وقد اكتملت رسالته وأتم الله دينه، ثم انتهت حياته بميتة طبيعية بين أهله وصحابته والمسلمين، إن في ذلك لبرهانا من أقوى البراهين على صدق ما جاء به، وآية بينة لأهل الكتاب -من اليهود والنصارى- الذين لا بد وأن يعوا ما تقول كتبهم في النبوة والأنبياء. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . المشكلة والحل: لقد عرضنا آنفًا بعضًا مما قاله علماء المسيحية ومفكريها الدينيين في مؤتمر قرطبة عام ١٩٧٧، وكيف دعوا إلى قيام وحدة بين الإسلام والمسيحية للدفاع

стр. 278

عن الإيمان بالله أمام تيارات الإلحاد الزاحفة التي تدمر كل قيم الإنسان وأخلاقيات وتهوي به إلى ما دون مرتبة الأنعام. ومن الواضح أن الحديث عن الوحدة هنا يقصد به وحدة الفكر الديني وهو أمر لا يمكن تحقيقه بالتمني ولا حتى بالنوايا الطيبة. ولكنه يحتاج إلى مراجعة للمواقف ومواجهة للحقائق وإعادة العالم الصغير قبل توحيد العالم الكبير. إن المنطق يقضي بأن تقوم الوحدة المسيحية أولًا بين طوائفها المختلفة، بعد ذلك تلتقي المسيحية الموحدة مع الإسلام للاتفاق على ما يجمع بينهما وترك نقاط الخلاف بعد إعلانها صراحة. وإذا أردنا مواجهة الحقائق ومعرفة سبب الفرقة والشقاق الذي ولد العداوة والبغضاء نقول ما يقوله "ستيفن رنسيمان" في حديثه عن الشقاق الديني في المسيحية: "إن الموضوع الأساسي الذي دارت حوله خصوماتهم ومنازعاتهم فكان طبيعة المسيح التي تعتبر أهم وأعقد المشاكل في أصول الدين المسيحي"١؟. لقد جاءت هذه المشكلة -التي مزقت المسيحية عبر القرون ومنعت ولا تزال تمنع أي إمكانية لحدوث تقارب فكري مع الإسلام- من بذور ألقاها بولس في رسائله التي بدأت كتابتها بعد رفع المسيح بأكثر من ٢٠ عامًا. لقد خلط بولس بين الله والمسيح، ومن ثم بدأ الحديث عما يعرف بلاهوت المسيح وتجسد الإله. يقول بولس: "الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد". "الله.. الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين".

стр. 279

"إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا الله، لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرًا شبه الناس". ثم جاء إنجيل يوحنا الذي كتب بعد رفع المسيح بمدة تتراوح بين ٧٠-٩٠ عامًا ليكرس فكرة الخلط بين الله والمسيح وتجسيد الله ويقول: "في البدء كان الكمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله". هذه هي المشكلة العقائدية التي تمنع كل وحدة، والحل الوحيد هو الالتزام بما تذكره الأناجيل من ألقاب وأسماء للمسيح قبلها بل ودعا إلى التمسك بها. لقد أجمعت الأناجيل على أن المسيح هو: ابن الإنسان -ابن داود- رسول الله -نبي- سيد -ومعلم ... ويكفي التذكرة بما قاله المسيح لتلاميذه: "أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا، وحسنا تقولون لأني أنا كذلك". لقد بين البحث العلمي الذي قام به سبعة من علماء المسيحية المعاصرين أن الحديث عن تجسد الله إنما يعني خرافة.. ولقد جاء ذلك في كتاب جمع بحوثهم ونشر في لندن عام ١٩٧٧ تحت عنوان "أسطورة تجسد الإله"١. تقول مقدمة الطبعة الخامسة لهذا الكتاب -والتي صدرت عام ١٩٧٨ -عن تطور المسيحية الغربية في مواجهة معارف الإنسان الحديثة منذ القرن التاسع عشر: "إنها قبلت التسليم بأن أسفار الكتاب المقدس كتبها مجموعة من البشر في ظروف متنوعة ولا يمكن الموافقة على اعتبار ألفاظها تنزيلا إلهيًا. إن المعارف الإنسانية تستمر في النمو بمعدل متزايد، كما أن الضعط على المسيحية يقوى أبدًا مما يجعلها تكيف نفسها لتصير شيئًا يمكن الإيمان به، إيمان أهل الفكر الواعي والإخلاص أولئك الذين جذبتهم إليها بعمق شخصية يسوع وما تلقيه من أضواء على معنى حياة الإنسان

стр. 280

إن المشتركين في هذا الكتاب مقتنعون أن تطورًا لاهوتيا آخر لا بد منه في هذا الجزء الأخير من القرن العشرين. وتنبع الحاجة إليه من تطور معرفتنا بمصادر المسيحية، ويتضمن ذلك اعترافًا أن يسوع كان -كما يقدمه لنا سفر أعمال الرسل "٢: ٢١"١ -رجل قد تبرهن من قبل الله، لأداء دور معين خلال هدف إلهي، وأن التصور الذي لحق به أخيرًا باعتباره الإله المتجسد، والأقنوم الثاني من الثالثوث المقدس الذي عاش حياة البشر، إن كل ذلك إلا أسلوب أسطوري أو شاعري للتعبير عما يعنيه بالنسبة لنا. إن هذا الاعتراف أصبح لازمًا لصالح الحقيقة ... ولنقلها الآن: إن ما نأمل فيه هو تنقية الحديث عن الله وعن يسوع من الخلط والتشويش، وبذلك يتحرر الناس لخدمة الله في طريق المسيحية باستقامة وكمال". حقًا إن تحقيق الوحدة بين المؤمنين بالله والمؤمنين بالمسيح ليس له من سبيل سوى الكف عن الخلط بين الله والمسيح، ثم تقديس الله بما يتفق وجلاله، ثم الإيمان بأن المسيح "رجل قد تبرهن من قبل الله بقوات وعجائب صنعها الله بيده" وأنه كان فقط "إنسانًا نبيًّا مقتدرًا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب" "لوقا: ٢٤: ١٩". ولا مجال -إذن- للحديث عن المسيح بأكثر من هذا الذي تقوله أسفار العهد الجديد.

стр. 281

لقد وضحت المشكلة الآن ووضح حلها الوحيد، لو جنح من يهمهم الأمر إلى العقل والصدق مع أنفسهم قبل الصدق مع الآخرين. والنتيجة المنطقية لذلك أن يكف المسيحيون عن التبشير بالمسيحية بين المسلمين بعد أن اتحدت بينهم أسس العقيدة، وأن يوجهوا نشاطهم إلى الوثنيين والمرتدين من الملاحدة الشيوعيين. وآنذاك ينعم العالم بسلام لم يشهده من قبل، سلام من الله، وسلام بين المؤمنين، ثم سلام مفروض بعد ذلك على البقية من غير المؤمنين.

стр. 282

بيان للناس: إن خير ما نختم به كتاب "النبوة والأنبياء" أن نضع كل إنسان أمام مسئوليته الفردية التي يتوقف عليها مصيره الأبدي كما يتوقف عليها صلاح حال الدنيا وتحقيق حياة أفضل للإنسان. إن القرآن كتاب الله قد نزل من أجل كل الناس. فالواجب المقدس يقتضي أن يلم كل إنسان بهذا الكتاب الذي جاء من أجله، وعليه بعد ذلك أن يقرر ما يشاء. يقول الله لكل الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . ويقول الله لرسوله في القرآن وعن طريقه يقول للناس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

стр. 283

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٤-١٠٩] . ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج: ٤٩-٥١] . ويقول الله لليهود والنصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥-١٦] . صدق الله العظيم.

стр. 284

الفهارس محتويات الكتاب ... "محتويات الكتاب" ٣ المقدمة الفصل الأول. مدخل لدراسة النبوة والنبيين "٩-٣٠" ١٣ الصورة العامة لأنبياء العهد القديم. ١٤ لفظ النبي. ١٧ الأنبياء الحقيقيون والأنبياء المحترفون. ٢٠ مظاهر النبوة ووسائل التنبؤ في إسرائيل. ٢٤ الأنبياء أحباب الله. ٢٥ ملامح مشتركة بين الأنبياء. الفصل الثاني. أنبياء القرون الأولى "٣١-٤٢". ٣٣ نوح. ٣٧ إبراهيم. الفصل الثالث. أنبياء بني إسرائيل "٤٣-١١٢". ٤٥ موسى. ٥١ إلياس. ٥٧ عيسى. ٥٧ لفظ المسيح. ٥٨ ولادة العذراء. ٦٥ أسماء عيسى وألقابه. ٦٩ شخصية المسيح في الأناجيل. ٧٠ مولد المسيح وطفولته. ٧١ المسيح في صباه.

стр. 285

٧١ التمهيد للرسالة. ٧٣ الطعام والشراب. ٧٤ الحب –متاعب الحياة وأحزانها- العجز. ٧٥ الغضب والعنف. ٧٦ الخوف والفزع والاضطراب. ٧٧ المسيح بين الناس: حرفته. ٧٨ إخوته –ردة أصحابه. ٧٩ عقيدة الذين شاهدوا المسيح ومعجزاته وآمنوا به. ٨١ المسيح بين يدي الله. ٨٥ معجزات المسيح. ٩١ معجزات المسيح بين معجزات سابقيه. ٩٩ المسيح ومعجزاته. ١٠٤ المسيح في القرآن. الفصل الرابع: نبي العالمين محمد. خاتم النبيين "١١٣-٢٨٩". ١١٥ محمد رسول الله. البشارات "١١٧-١٧٢". ١١٧ أولا –بشارات العهد القديم: بشارة التوراة. ١٣٤ بشارة المزامير. ١٣٥ بشارة أشعياء. ١٣٩ ثانيا –بشارات العهد الجديد: النبي المرتقب. ١٤٤ الملكوت المقترب. ١٤٥ الرسول "روح الحق". ١٤٧ روح الحق إنسان.
следующие страницы →