١- الإعجاز العلمي في القرآن:
كلمة عن الإعجاز اللغوي: مضى أكثر من ألف عام والباحثون في إعجاز القرآن يرون له أوجهًا مختلفة، وإن كانت جميعها -في رأيي- جاءت نتيجة لنظرهم إليه من زاوية واحدة هي لغة القرآن وما تشتمل عليه من ألفاظ ومعان ونظم. فالقرآن كلام من جنس كلام العرب ولكن قوته الإلهية فعلت بهم الأعاجيب إذ أحيتهم بعد موات وأخرجتهم من ظلمات شتى إلى نور الحق والحياة.
وإذا كانت عصا موسى واحدة من أفرع شجرة زيتون أو رمان، قطعها يومًا ليتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فإذا بها تتحول بعد الرسالة في يده إلى شيء آخر معجز: حية تسعى، وقوة تفلق البحر فتضرب به طريقًا يبسًا وتفجر من الحجارة أنهارًا -فهكذا يمكن القول عن كلام القرآن بأن إعجازه الحقيقي يكمن في فيضه الإلهي الذي غلب العرب على أمرهم -وهم أهل الكلام- فأخذهم بروعته وأصاب منهم لباب الأفئدة ومجامع الأحاسيس.
ولقد وفق قدامى الباحثين في بيان أوجه الإعجاز اللغوي للقرآن وكان من أمثلة ما قالوه في إعجاز نظمه ما عرضه عبد القاهرة الجرجاني -المتوفى عام ٤٧١هـ- في الآية رقم "١٠٠" من سورة الأنعام التي تقول: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
يقول عبد القاهر: "ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسنًا وروعة ومأخذًا في القلوب ... إنك لا تجد شيئًا منه إذا أخرت فقلت: وجعلوا الجن شركاء لله..
والسبب في ذلك.. هو أن للتقديم ها هنا فائدة شريفة ومعنى جليلًا لا سبيل إليه مع التأخير. وبيانه: إنا وإن كان نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله وكان هذا المعنى يحصل مع التأخر حصوله مع
стр. 212
التقديم، فإن تقديم "الشركاء" يفيد هذا المعنى ويفيد معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون له شريك.. لا من الجن ولا من غير الجن"١.
والذي لا جدال فيه هو أن روعة القرآن كانت هي القوة القاهرة التي غشيت من ألقي إليه السمع من العرب. فلم يلبث أن استجاب له وتحمل في سبيله كل أذى وضيق ... والحق يقول في سورة الأنعام ٣٦: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ .
ولا تزال روعة القرآن إلى الآن هي سر إلهي -يماثل الروح في الجسد- يفيض على الباحثين عن الحق فيخرون ﴿لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ٢. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ٣.
يقول القس السابق إبراهيم خليل فيلبس الذي أعلن إسلام في عام ١٩٥٥: "نصبت راعيًا وقسيسًا للكنيسة الإنجيلية بباقور محافظة أسيوط سنة ١٩٥٢ في حفل رائع تحدثت عنه كل الصحف الدينية وقتئذ وذاع نشاطي الديني بين المرسلين الأمريكيين ولا سيما في العمل التبشيري بين المسلمين. وكنت أعتمد في هذا المضمار على النفوذ الإنجليزي بالبلاد وقتئذ "من سنة ١٩٤٥-١٩٥٥" حتى انتدبني سنودس النيل الإنجيلي للتدريس بكلية اللاهوت بأسيوط لكنيسة نهضة القداسة التابعة للإرسالية الإنجليزية الكندية.
ثم تهافتت علي الإرسالية الألمانية السويسرية بأسوان للعمل كسكرتير عام للإرسالية وتم انتدابي في سنة ١٩٥٤ وهناك قمت بعمل تبشيري سافر في المنطقة من الدكا بأراضي النوبا إلى إدفو جنوبًا. وكان معقل نشاطي مستشفى الجرمانية حيث يتوافقد عدد من المسلمين والمسلمات للاستشفاء والعلاج.. كما
стр. 213
كانت لي ندوات تبشيرية مع رجالات مسلمي أسوان. واستطعت أن أقوم بنهضات دينية رائعة دعوت لها كبار الشخصيات.
ومن العجب العجاب أنني في نشوة انتصاراتي بالعمل التبشيري وفي فترة إعداد نفسي لنيل درجة دكتوراة في الفسلفة واللاهوت من جامعة برنستون بأمريكا، وفي استعدادي وإعدادي للرسالة التي أسميتها "سيف جليات"١ أردت الهجوم على الإسلام بمهاجمة القرآن. ويشاء الله أن يقهرني بالقرآن الكريم ليسمعني صوته بقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ٢.
كان لهذه الآية وقع في نفسي، إذ جعلتني أفكر تفكيرًا حرًا نزيها، وأحسست بأن الله الذي علمني ما لم أعلم يستطيع أن يجردني من العلم والمعرفة ويتركني للذل والهوان. لكن إرادته لهدايتي جعلته يفيض علي من أنوار هذه الآية ما أيقظ ذهني وقلبي ووجهني إلى إرادته ومشيئته.
والحق أن ما قرره القرآن الكريم هو الصدق اليقيني: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ٣.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٤.
"الحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله"٥.
إن روعة القرآن هي التي فعلت -ولا تزال تفعل الأعاجيب- ليس فقط بين الذين ورثوا العربية لسانًا يتحدثون به، بل أيضًا بين ذوي الألسنة الأعجمية -غير العربية- الذين إذا سمعوا القرآن يرتل أو يتغنى به، اطمأنت به قلوبهم
стр. 214
وجلسوا بين يديه خاشعين بعد أن شعروا أنه شفاء لما في صدروهم بصرف النظر عن أسباب تلك الحالة وتعلاتها.
الإعجاز العلمي ليس بمستحدث: من يقرأ قول الحق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٤] .
ومن يقرأ قول الحق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] .
ومن يقرأ قول الحق: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩-٢٠] .
ثم أخيرًا -وليس آخرًا- من يقرأ قول الحق: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
من يقرأ بعض أو كل هذه المجموعات الأربع من آيات القرآن الكريم -سواء أكان في عصر العلم الذي نعايشه، أو في العصر الذي سبقه منذ قرون -سوف يعلم يقينًا أنها تتحدث عن ظواهر كونية بلغة جديدة على أسماع العالمين.
لغلة العلم الحديث. لقد لاحظ شيوخ المفسرين منذ قرون عديدة وجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وسجلوا ذلك في كتبهم، ومن ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسيره لقول الحق:
стр. 215
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
فقد قال ابن كثير: "سنظهر لهم" دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًا منزلًا من عند الله على رسول الله ﷺ بدلائل خارجية "في الآفاق" ودلائل في أنفسهم. ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎".
حين نقول -إذن- إن الإعجاز العلمي للقرآن يمس ما نعرفه من علوم حديثه بمسمياتها مثل علوم: الأجنة، والطبيعة الجوية، والجيولوجيا، ونشأة الكون، وبناء الخلية الحية -وهو ما تمثله المجموعات الأربع من الآيات السابق ذكرها على الترتيب، فإننا في الواقع لا نأتي بجديد من ناحية الشكل أو الإطار العام، وإنما الجديد هو المزيد من وضوح الرؤية وتعدد الآيات وتنوعها، ودقة التفاصيل.
وإذا كان لا يزال يوجد بيننا اليوم من كتاب المسلمين الذين يترددون في الحديث عن الإعجاز العلمي للقرآن اكتفاء بكونه معجزة أثبتت نفسها بما فعلت في العرب والعالم، فلا شك أن هذا الموقف الجامد لم يعد له ما يبرره بعد أن انفتحت أعين الكثير من العلماء -مسلمين وغير مسلمين- على حقائق من الإعجاز العلمي للقرآن.
منذ نحو خمسين عامًا مضت كتب شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي تقديمًا لكتاب "حياة محمد" لمؤلفه الدكتور محمد حسين هيكل وكان مما قاله:
"يقول بعض علماء الكلام إن الاطلاع على علم تشريح الأفلاك وعلم تشريح الإنسان يدل أوضح الدلالة على شمول العلم الإلهي لدقائق الوجود، وأنا أقرر أيضًا أن العلم والكشف عن سنن الوجود وعجائبه سيكون نصير الدين "الإسلامي" وسيقرب إلى العقل الإنساني طريق فهم ما كان
стр. 216
غامضًا مبهمًا، وما كان فوق طاقة العقل إدراكه من قبل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
والكهرباء وما نشأ عنها من المخترعات قربت إلى العقل فهم إمكان تحول المادة إلى قوة وتحول القوة إلى مادة، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء"٢.
واليوم يكتب شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود مقالًا عن "موقف الإسلام من الفن والعلم والفسلفة" فيقول:
"قد يتساءل إنسان عن نوعية العلم الذي يدعو إليه الإسلام ...
إن العلم الذي يدعو إليه الإسلام هو العلم بالطبيعة والأحياء، والكيمياء، والطب وغير ذلك من العلوم المادية، وهو بالضرورة أيضًا علم الدين، من تفسير، وحديث، وفقه.. وإن الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣ إنما وردت في معرض الحديث عن الكونيات المادية.
والله يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وما من شك في أنه بمقدار تعمق الإنسان في الجانب العلمي على أساس من الإيمان وفي صدق وإخلاص تكون خشيته لله؛ إنه يرى من نواميس الكون، ومن الإتقان في الخلق، ومن الحكمة في التدبير ما يجعله يسجد لمبدع الكون ومنسقه.
وإن هؤلاء الذين يتصلون مثلًا بعلم التشريح من قرب أو يتخصصون فيه، يرون من الإحكام ومن الدقة الدقيقة في مختلف الأجهزة الجسمية، وفي
стр. 217
مفردات هذه الأجهزة ما يضطرهم اضطرارًا إلى السجود لرب هذا التنسيق والترتيب والإبداع.
وليس علم التشريح وحده هو الذي يبهر العالم المتبحر فيه، وإنما يبهر علم الفلك العالم الفلكي.
إنه يرى هذه النجوم التي لا تكاد تعد تسير في هذه السعة الكونية الهائلة في ترتيب وتناسق وإحكام ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١.
وعالم الأحياء وهو يتأمل عوالمه، ويفاجأ كل يوم بجديد وغريب وبديع فيها.
إن هؤلاء جميعًا وغيرهم يجدون أنفسهم لا محالة أمام صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعًا فيقولون مع القرآن الكريم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ٢.
وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣.
لقد أحدث الإسلام في الدنيا -بموفقه هذا من العلم- نهضة علمية، كان من ثمارها الحضارة الإسلامية التي كانت تسمي البحوث في الطبيعة وفي الكون هذه التسمية الجميلة: "العلم بسنن الله الكونية". فعلم الطبيعة في الصورة الإسلامية هو العلم بسن الله الكونية"٤.
стр. 218
إن حقيقة الإعجاز العلمي للقرآن لم تعد قضية تقبل الجدل فقد أقر بها شيوخ التفسير منذ قرون وحسمها شيوخ الأزهر في العصر الحديث. وشهد بها رجال العلم الحديث مسلمين وغير مسلمين.
من شهادات العلماء:
قام الطبيب الفرنسي، "موريس بوكاي" بعمل دراسة دقيقة وجادة في الكتب المقدسة والعلم، ونشرها بالفرنسية تحت عنوان:
La Bible, Le Coran etla Science.
وقد نشرت "دار المعارف" ترجمتها العربية تحت عنوان "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" وإذا كان جوهر هذه الدراسة ينحصر في مقابلة نصوص الكتاب المقدس -بعهديه القديم والجديد- والقرآن بحقائق العلم، فإن المؤلف قدم لدراسته هذه بالبحث في التوراة والإنجيل والقرآن ودراستها النقدية وكيفية جمعها ودرجات الدقة لنصوص كل منها.
وقد اضطره ذلك إلى تعلم اللغة العربية حتى يستطيع الحديث عن القرآن وتفسيراته حديث الواثق الذي ينهل من الأصل مباشرة، فيتجنب بذلك التفاوت والأخطاء التي قد تتعرض لها عملية الترجمة.
يقول "موريس بوكاي" في مقدمة كتابه:
"لقد كانت مقابلة نصوص الكتب المقدسة بحقائق العلوم موضوع تفكير الإنسان في كل العصور.
ففي البدء قيل إن اتفاق العلم والكتب المقدسة أمر لازم لصحة النصوص المقدسة.
وسوى نرى فيما بعد أن القرآن يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جدا، خلافا لقلتها في التوراة، إذ ليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جدًا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية، وبين تعدد وكثرة
стр. 219
الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر. وتلك هي النتيجة الأساسية التي تخرج بها دراستنا.
هذه التأملات حول الصفة المقبولة أو غير المقبولة علميًا لمقولة في كتاب مقدس تتطلب منا إيضاحا دقيقًا. إذ علينا أن نؤكد أننا عندما نتحدث هنا عن حقائق العلم فإننا نعني به كل ما قد ثبت منها بشكل نهائي؟ وأن هذا الاعتبار يقضي باستبعاد كل نظريات الشرح والتبرير التي قد تفيد في عصرنا لشرح ظاهرة ولكنها قد تلغي بعد ذلك تاركة المكان لنظريات أخرى أكثر ملاءمة للتطور العلمي. وإن ما أعنيه هنا هو تلك الأمور التي لا يمكن الرجوع عنها، والتي ثبتت بشكل كاف بحيث يمكن استخدامها دون خوف الوقوع في مخاطر الخطأ، حتى وإن يكن العلم قد أتى فيها بمعطيات غير كاملة تمامًا.
وعلى سبيل المثال فإننا نجهل التاريخ التقريبي لظهور الإنسان على الأرض، غير أنه قد اكتشفت آثار لأعمال بشرية نستطيع وضع تاريخها فيما قبل الألف العاشرة من التاريخ المسيحي دون أن يكون هناك أي مكان للشك. وعليه فإننا لا نستطيع علميًا قبول صحة نص سفر التكوين الذي يعطى إنسانًا. وتورايخ تحدد أصل الأنسان "خلق آدم" بحوالي ٣٧ قرنًا قبل المسيح. وبناء على ذلك فإن معطيات التوراة الخاصة بقدم الإنسان غير صحيحة.
قد قمت أولًا بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة. باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم الحديث"١.
стр. 220
بعد هذه المقدمة عرض "موريس بوكاي" لأصل الكتاب المقدس وأسفاره ومواقف الكتاب المسيحيين تجاه الأخطاء العلمية في نصوص العهد القديم ودراستها النقدية. ثم تعرض للأناجيل ومصاردها وما وصفه بـ "تناقضات وأمور غير معقولة في الروايات".
ثم تحدث عن القرآن وصحة النص وتاريخ تحريره وجمعه ومقابلة المعطيات القرآنية عن الخلق وعلم الفلك، وعالم النبات وعالم الحيوان، والتناسل الإنساني، ثم قام بموازنة بين القرآن وكل من الأناجيل والعهد القديم والمعارف الحديثة -ثم انتهى من بحثه الطويل هذا إلى خاتمة أثبت بها خلاصة ما انتهى إليه.
وفي بدء حديثه عن "القرآن والعلم الحديث" قال:
"لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية. فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع، ومطابقة تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نص كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
في البداية لم يكن لي أي إيمان بالإسلام. وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة. وإذا كان هناك تأثير ما قد مورس فهو بالتأكيد تأثير التعليم الذي تلقيته في شبابي حيث لم تكن الغالبية تتحدث عن المسلمين وإنما عن المحمديين لتأكيد الإشارة إلى أن المعني به دين أسسه رجل، وبالتالي فهو دين عديم القيمة تماما إزاء الله. وككثيرين كان يمكن أن أظل محتفظًا بتلك الأفكار الخاطئة عن الإسلام وهي على درجة من الانتشار بحيث إنني أدهش دائما حينما ألتقي خارج المتخصصين بمحدثين مستنيرين في هذه النقاط. أعترف إذن بأنني كنت جاهلًا قبل أن تعطى لي عن الإسلام صورة تختلف عن تلك التي تلقيناها في الغرب.
وعندما استطعت قياس المسافة التي تفصل واقع الإسلام عن الصورة التي اختلقناها عنه في بلادنا الغربية شعرت بالحاجة الملحة لتعلم اللغة العربية التي لم
стр. 221
أكن أعرفها وذلك حتى أكون قادرًا على التقدم في دراسة هذا الدين الذي يجهله الكثيرون. وكان هدفي الأول هو قراءة القرآن ودراسة نصه جملة بجملة مستعينًا بمختلف التعليقات اللازمة للدراسة النقدية، وتناولت القرآن منتبهًا بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات "الظواهر" الطبيعية.
لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه "الظواهر" وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي، أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه "الظواهر" والتي لم يكن ممكنًا لأي إنسان في عصر محمد أن يكون عنها أدنى فكرة.
إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة فهناك الخلق وعلم الفلك وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات، والتناسل الإنساني.
وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أي خطأ"١.
ثم كان من جملة ما انتهى إليه "موريس بوكاي" في خاتمة بحثه أن قال: "إن القرآن وقد استأنف التنزيلين اللذين سبقاه، لا يخلو فقط من متناقضات الرواية وهي السمة البازة في مختلف صياغات الأناجيل، بل هو يظهر أيضًا -لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم- طابعه الخاص، وهو التوافق التام مع المعطيات العلمية الحديثة، بل أكثر من ذلك وكما أثبتنا، يكتشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور أن إنسانًا في عصر محمد ﷺ قد استطاع أن يؤلفها، وعلى هذا فالمعارف العلمية الحديثة تسمح بفهم بعض الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الآن.
стр. 222
إن مقارنة عديد من روايات التوراة مع روايات نفس الموضوعات في القرآن تبرز الفروق الأساسية بين دعاوى التوراة غير المقبولة علميًا وبين مقولات القرآن التي تتوافق تمامًا مع المعطيات الحديثة، ولقد رأينا دليلًا على هذا من خلال روايتي الخلق والطوفان.
ولا يستطيع الإنسان تصور أن كثيرًا من المقولات ذات السمة العلمية كانت من تأليف بشر، وهذا بسبب حالة المعارف في عصر محمد ﷺ لذا فمن المشروع تمامًا أن ينظر إلى القرآن على أنه تعبير الوحي من الله، وأن تعطى له مكانة خاصة جدًا حيث إن صحته أمر لا يمكن الشك فيه، وحيث إن احتواءه على المعطيات العلمية المدروسة في عصرنا تبدو وكأنها تتحدى أي تفسير وضعي.
عقيمة حقًا تلك المحاولات التي تسعى لإيجاد تفسير للقرآن بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية"١.
٢- التحدي بالغيب:
الإيمان بناء أساسه الغيب:
لكنه بناء قوامه البرهان، وإلا تساوات المتضادات، فاستوى النور والظلمات، واستوى الأحياء والأموات ... وهذا محال.
فلم يشهد أحد من البشر خلق السموات والأرض، ولم يشهد بنو آدم خلق أنفسهم، لكن المؤمنين منهم يؤمنون بالغيب، فهم يؤمنون بقصة "الخلق" حسبما ترويها كتبهم المقدسة، وإن اختلفت بينها الروايات.
ولم يشهد أحد من الأجيال المتأخرة -التي بعد بها الزمان- الأنبياء والمرسلين وهم يلقون قول الله، ويبثون التعاليم، ويتحدثون إلى الناس عن
стр. 223
الملائكة والبعث والجزاء، لكن المؤمنين من الناس يؤمنون بالغيب، فهم يؤمنون بهم وبما أثر عنهم ويؤمنون بالملائكة والقيامة والثواب والعقاب.
وإذا تصور الإنسان أنه يستطيع الاستغناء عن معرفة الماضي بكل ما فيه، فلا مجال على الإطلاق لإمكانية استغنائه عن معرفة المستقبل الذي ينتظره بعد الموت. إنه المستقبل الغيب، وهو المستقبل الخطير الذي يحدد مصيره الأيدي.
ويقودنا هذا إلى التسليم بأنه: إن لم يكن الغيب أولًا، فإنه الغيب أخيرًا.
من ذلك نتبين خطورة حديث الغيب في الكتب المقدسة، واعتباره برهان صدق على ما يأتي به الزمان بشرط -واحد على الأقل- أن يصدق حديثها عن كل ماض سبق أن تنبأت بشأنه من أحداث.
وللغيب في القرآن مقامه الذي يحظى به، ويكفي أن ننظر أول المصحف فتطالعنا هذه الآيات:
﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١-٥] .
ولحديث الغيب في القرآن آيات تغني كل من يقبل الإيمان القائم على برهان، وأما أولئك الذين حددوا مسبقًا مواقفهم منه، وأصروا على الجحود والنكران، فقد صاروا بإرادتهم الحرة هم ﴿الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦-٩٧] .
ففي قضية الإيمان يقول الحق: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
هذا.. ولسوف نعرض بعضا من أنباء غيب المستقبل الذي يتحدى به القرآن الكفار والجاحدين منذ نزل وحيًا على رسول الله حتى يأتي أخطر غيب في حياة البشر، ألا وهو يوم الدين.
стр. 224
التنبؤ بهزيمة الكفر:
منذ بدأ القرآن في التنزيل وهو في تحد مباشر لخصوم دين الله الذين أغلقوا عقولهم دونه وأعلنوا الحرب على أتباعه. ولما كان أشد خصومه هم سادة قريش وكبراءها وكان المسلمون الأوائل على قلة في العدد والقوة فكان المتوقع -وفق مقاييس البشر وخبراتهم- أن تكون أوائل آيات لينة مع أولئك الخصوم والمعاندين طالما بقي ميزان القوى في غير صالح المسلمين.
لكن الأمر جاء على عكس ما يتوقعه البشر من الحكماء والمفكرين ...
لقد بدأت آياته قوية الحملة على الكافرين واستمرت كذلك حتى اكتمل الدين.
إنها قوية لأنها الحق المطلق الذي لا يعرف في مواجهة الباطل ولو أقل القليل من المهادنة أو المداهنة.
وهي قوية أبدًا لأنها كلام الله رب العالمين ...
لقد تنبأ القرآن -في ثانية سوره نزولًا- بمقتل الزعيم القرشي الوليد بن المغيرة بضربة حدد موقعها على أنفه، وذلك بعد أن فضح أصله وكشف سرائر نفسه، فقال مخاطبًا الرسول:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ، وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ٩-١٦] .
ثم مرت الأيام والشهور ونزل كلام الله يتوعد ذلك العتل القرشي بعذاب الآخرة الذي ينتظره جزاء موته على الكفر. وذلك بعد أن فضح خلجات نفسه وشكوكه وهواجسه بل وتقلصاته، فقال:
стр. 225
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١١-٢٩] .
ثم تمضي السنون.. ثلاث عشرة سنة أو نحوها وإذا بالوليد بن المغيرة يقتل في غزوة بدر بضربة على أنفه.
لقد زهقت نفسه كافرًا -كما تنبأ القرآن- خلال سنوات تم خلالها تحول الكثيرين من الكفر إلى الإسلام.
وبالمثل كانت نبوءة القرآن في أبي لهب -عم النبي- والذي كان من أشد الناس عداوة له وإيذاء، فنزلت فيه سادسة السور نزولًا تنبأ له بالعذاب جزاء كفره المستمر فتقول: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد] .
وكما هو معلوم فإن القرآن منذ بدأ تنزيله وآياته تذاع فور تلقيها، يقرؤه النبي على المؤمنين ويقرءونه جميعًا تعبدًا وتبركًا والتزامًا، فحين نزلت هذه السورة ذاع خبرها فورًا وكان أن سمعت بها أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب "فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر. فقالت: يا أبا بكر. هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية "المسجد". ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به".
والحق ما قاله أبو بكر، لأن الذي هجاها وتوعدها هي وزوجها أبا لهب إنما هو الله -سبحانه- ولو كانت الأمور تسير على هوى الرسول لآثر المهادنة ولين
стр. 226
الحديث في بدء الدعوة -على الأقل- والمسلمون آنذاك ضعاف، لكنه القرآن كلام رب العالمين فرض على الرسول فرضًا وما عليه إلا أن يصدع بما يؤمر لأنه ليس له من الأمر شيء إذ إن الأمر كله لله.
ولقد عاش أبو لهب بعد هذه النبوءة أكثر من ثلاثة عشر عامًا إلى أن مات على كفره. وكان باستطاعت أبي لهب وامرأته والوليد وأمثالهم أن يتظاهروا بالدخول في الإسلام كيدًا له وطعنًا في صدق محمد ورسالته، لكن هذا الأمر على بساطته استحال عليهم فعله تحقيقًا لنبؤات القرآن الكريم كلام رب العالمين.
وإذا تركنا التنبؤ بالأحداث على المستوى الفردي -وهو لا شك معجز ودقيق- لوجدنا القرآن ينبئ كذلك بالأحداث على المستوى الجماعي. فلقد قرر أن جمع الكافرين سيلقى الهزيمة في معركة ضد المسلمين يولى فيها الأدبار. وذلك حين قال عن الكفار وتوقعاتهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٤-٤٥] .
إن القرآن يتنبأ هنا بما سوف يحدث لهم في الدنيا، لأن الآخرة لا مكان فيها لتولي الأدبار والفرار.
ولقد بين القرآن أن دحرهم في الآخرة شيء آخر ينتظرهم، وهو بطبيعة الحال أشد وأنكى. ولذلك أتبع آية النبوءة السابقة بقوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ، إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٦-٤٨] .
لقد كان المسلمون حين نزلت آية النبوءة هذه على حال من الضعف الشديد، حال لا تسمح بتصور تحقيق أي انتصار على قوى الكفر التي تبطش بهم، وهي حال دفعت عمر بن الخطاب -الذي عرف
стр. 227
طيلة حياته بقوة البناء النفسي والبدني -لأن يقول: "أي جمع يهزم! أي جمع يغلب"!
وما هي إلا سنوات حتى كانت معركة بدر الكبرى، وفيها هزم جميع الكفار وولوا الأدبار.
التنبؤ بانتصار الإسلام:
إن التنبؤ بانتصار الإسلام مرادف تمامًا للتنبؤ بهزيمة الكفر فالنتيجة واحدة في الحالتين.
وإذا كان القرآن قد بدأ الحديث عن هزيمة الكفر قبل أن يبدأ الحديث عن انتصار الإسلام، فلأن ذلك يماثل مهاجمة الأعداء في عقر دارهم وإخراجهم منها أذلة وهم صاغرون.
وإذا كان القرآن قد بدأ بالتحدث على المستوى الفردي فلأن ذلك أشد وقعًا وأعمق أثرًا، إذ إنه يدفع رءوس الكفر إلى ضرورة المواجهة وقبول التحدي، وإلا انفضح أمرهم وانكشف ما هم فيه من زيف وضلال أمام الخصوم والأشياع -على السواء- فصاروا بذلك مثلًا للزعامة الكاذبة، وذلك خلافًا لحالة التحدي الجماعي التي قد يجد فيها الكثيرون فرصة للتقاعس عن المواجهة والقعود انتظارًا لما قد يحققه الغد من ظنون وأوهام.
هذا.. ولقد تنبأ القرآن بما سيكون عليه أمر النبي فألقى نبوءة صريحة تقطع بحفظه من كل محاولات الكفار لقتله والقضاء عليه -وذلك ما نجده في قول الله:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
стр. 228
قالت عائشة: "كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة وقال: "يا أيها الناس انصرفوا. فقد عصمنا الله ".
لقد اكتملت رسالة النبي في حياته ومات ميتة طبيعية على فراشه بين أهله وصحابته فتحققت بذلك نبوءة القرآن تمامًا.
وفي مجال التنبؤ بانتصار الإسلام ممثلًا في انتصار نبيه نقرأ قول الله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] .
ولقد قال ابن عباس -وأصحابه- في تفسير الآية: "من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا ﷺ في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سماء بيته ثم ليختنق به" والمعنى: "أنه من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة".
إن الكلام واضح تمامًا فلقد تحقق نصر الله لرسوله في الدنيا، وهو برهان على نصره في الآخرة: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] .
ولقد تنبأ القرآن بانتصار الإسلام ليكون دينًا عالميًا فقال متحديا أهل الكفر والشرك:
стр. 229
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨-٩] .
إن الإسلام منذ ظهر وهو يمتد أبدًا. ويجب ألا نخلط بين الإسلام وما يتعاقب على المسلمين من أحوال القوة والضعف، فتلك أمور تتناسب طرديًا مع استمساكهم به أو ابتعادهم عنه. إن هذه مسلمات يعترف بها أعداء الإسلام.
يقول المستشرق الألماني "باول شمتز":
"بينما كان الغرب في القرون الماضية يحرز انتصارات سياسية في كل مكان في وسط إفريقيا، امتد -وما زال يمتد- فحيثما حل الإسلام ضاعت جهود المبشرين المسيحيين وفقدوا الأمل في تحويل روح وثنية إلى المسيحية.
فالإسلام في تماسكه وبساطته متفوق على المسيحية المبددة جهودها في نزاعات عقائدية وخلافات مذهبية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم فيتعسر فهمها، وليس بالإمكان حل طلاسمها. ولا يغزو الإسلام هذه المناطق عن طريق دخول الناس فيه فرادى بل يحاول غزو القبيلة كلها كوحدة وطنية لأنه لا يوجد دين آخر غير الإسلام يربط الحياة السياسية والدينية ببعضها ويوحد بين الطبيعة الروحية والدنيوية في الفرد"١.
ويقول المفكر الإنجليزي "هيلبير بلوك":
"لا يساورني أدنى شك في أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين وتتماسك أطرافها تمسكًا قويًا وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب بل ستكون أيضًا خطرًا على أعدائه. ومن الممكن أن يعارض المرء هذا الرأي بأن الإسلام فقد سيطرته على بعض الأشياء المادية وخاصة ما يتصل بالحرب "القوة العسكرية" فهو لم يلحق بالتقدم التكنولوجي
стр. 230
الحديث. إني لا أستطيع أن أدرك لماذا لم يعوض الشرق الإسلامي ما فاته في هذا الميدان؟ فلا تحتاج علوم الهندسة الحديثة إلى طبيعة عقلية خاصة، بل يتطلب الإلمام بها والتفوق فيها الخبرة وتوجيه الخبراء. لماذا لا يتعلم العالم الإسلامي ما تعلمناه في مجال التكنولوجيا، وفي مقابل هذا سوف يكون من الصعب علينا "نحن الغربيين" استعادة التعاليم الروحية التي فقدتها المسيحية بينما لم يزل الإسلام يحافظ عليها"١.
التنبؤ بانتصار الروم على الفرس:
بعث الله محمدًا برسالة الإسلام وهو في الأربعين من عمره ويقدر المؤرخون أن بدء الوحي كان حوالي عام ٦١٠م. وفي تلك الفترة كان عرب الجزيرة يعيشون على هامش الأحداث التي يصنعها ذلك الصراع الطويل بين القوتين العظميين في ذلك الزمان وهما الروم والفرس.
لقد كان صراعًا تميز بطول المعارك وشراستها وأدى إلى اضطراب الأحوال السياسية في منطقة الشرق الأدنى لمدة طويلة، ويقدم لنا المؤرخ الإنجليزي "ستيفن رنسيمان" صورة عن أحوال تلك الفترة من الصراع فيقول: "في سنة ٦٠٢ استوى على السلطة الرومانية فوكاس قائد إحدى الكتائب الإمبراطورية واغتصب العرش الإمبراطوري وطفح عهده بالهمجية وانعدام الكفاية والاضطراب، فبينما عانت القسطنطينية عهد إرهاب، ساد بالأقاليم ما نشب من الفتن والحروب الداخلية بين أحزاب الملعب في المدن وبين المذاهب الدينية المتنازعة.
وفي سنة ٦١٠ أزاح فوكاس عن العرش نبيل شاب ينتمي إلى أصل أرمني هو هرقل ابن حاكم إفريقية.
وفي نفس السنة أتم كسرى الثاني ملك الفرس استعداداته الحربية لغزو الإمبراطورية "الرومانية" وتقطيع أوصالها. استمرت الحروب الفارسية تسع عشرة سنة على
стр. 231
أن الإمبراطورية ظلت اثنتي عشرة سنة تتخذ خطة الدفاع بينما احتل جيش فارسي بلاد الأناضول وقام جيش فارسي آخر بفتح الشام فسقطت في أيديهم أنطاكية سنة ٦١١ ودمشق سنة ٦١٣، وفي ربيع سنة ٦١٤ دخل فلسطين القائد الفارسي شهرباراز فصار ينهب الأراضي ويحرق الكنائس أينما سار ولم يفلت من يده إلا كنيسة المهد في بيت لحم لما كان يعلو بابها من فسيفساء تمثل رسم صورة الحكماء القادمين من الشرق في أزياء فارسية، وفي ١٥ أبريل سنة ٦١٤ اقتحم شهرباراز بيت المقدس، واستعد البطريرك زكريا لتسليم المدينة ليتجنب سفك الدماء، غير أن السكان المسيحيين رفضوا الاستكانة إلى التسليم، وفي ٥ مايو سنة ٦١٤ وبفضل مساعدة اليهود المقيمين داخل المدينة شق الفرس طريقهم إلى داخل المدينة فتلا ذلك من المناظر المريعة ما يجل عن الوصف، إذ صحب اشتعال النار بالكنائس والدور من حول المسيحين أن تعرضوا للقتل دون تمييز فقام العساكر بالإجهاز على بعضهم بينما زاد عدد الذين لقوا مصرعهم على أيدي اليهود. وبلغ عدد الذين تعرضوا للقتل نحو ٦٠ ألفًا على ما جاء في بعض الروايات، وزاد على ٣٥ ألفًا من جرى استرقاته وبيعه ...
وزحف الفرس على مصر بعد ثلاث سنوات "٦١٧م" وأضحوا سادتها في خلال سنة واحدة. وفي تلك الأثناء تقدمت جيوشهم شمالًا حتى بلغت البوسفور.
على أن سقوط بيت المقدس في أيدي الفرس كان صدمة عنيفة للعالم المسيحي. وما قام به اليهود من دور في ذلك لم يجر نسيانه أو اغتفاره، فاتخذت الحرب مع الفرس صفة الحرب المقدسة. فلما صار هرقل آخر الأمر سنة ٦٢٢ قادرًا على أن يتخذ خطة الهجوم على العدو نذر نفسه وجيشه لله ومضى على أنه محارب مسيحي يقاتل قوى الظلمة "الشر".
واستطاع هرقل آخر الأمر برغم ما جرى من تقلبات عديدة في الأحداث وما اشتد من القلق واليأس في أوقات عديدة أن ينزل الهزيمة الساحقة بالفرس١.
стр. 232
وحين ننظر إلى ما كان عليه الحال عام ٦١٤ فإنا نجد النصر يسير في ركاب الفرس على حين تلحق بالروم الهزائم المتواليات. ولكن ذلك العام شهد نزول آيات من القرآن تقول: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ١-٦] .
لقد حزن المسلمون لهزائم الروم لما شعروا به نحوهم من روابط القربى في الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين. على حين فرح المشركون بانتصار الفرس أو كما قال المستشرق الألماني "كارل بروكلمان": "هلل المكيون لهذه الانتصارت الفارسية ولكن محمدًا أعلن أتباعه أن الهزيمة لا بد أن تحل بالفرس في وقت قريب"١.
لقد كان النبي يعلن الناس من حوله بكل ما يقول القرآن فور تلقيه وهو هنا قد أعلنهم بنبوءة رد الكرة إلى الروم وتحقيق انتصارهم على الفرس.
ولقد استمرت الأمور تسير بعد نزول آية النبوءة هذه في غير صالح الروم إذ استولى الفرس على مصر في عام ٦١٨ كما هددوا القسطنطينية قلب الإمبراطورية.
ولكن ما إن جاء عام ٦٢٢ حتى بدأ الموقف يتحول لصالح الروم "واتخذ هرقل خطة مهاجمة الفرس فقام بثلاث حملات باهرة في الإقليم الواقع من خلف جبال القوقاز"٢ "ثم لم يلبث أن انتزع من كسرى ثمرات النصر الذي تم له وتعقبه حتى عاصمة ملكه.. من
стр. 233
ذلك الحين والإمبراطورية الساسانية "الفارسية" تسير قدمًا نحو مصيرها النهائي المحتوم إلى الدمار"١.
لقد انتهت هزائم الروم أمام الفرس وبدأ انتصارهم ولم يمض على نزول آية النبوءة بضع سنين -وهو العدد أقل من عشرة- واستمر الموقف كذلك حتى استرد الروم كل ما فقدوه.
لقد كانت هذه الآية برهانًا لمن هو في ريب من القرآن على صدق تنزيله، فمن المحال على بشر عاقل أن يربط مصير دعوته بصراع متقلب الأحداث والمفاجآت كصراع الروم والفرس، فما كانت هذه النبوءة إلا تنزيلًا ممن ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] .
أما بعد ...
إن أمر الغيب كان -ولا يزال- من أخطر ما يحدد حقيقة التنزيل في الكتب المقدسة ولقد كان من جراء فشل بعض التنبؤات المنسوبة للمسيح أن نسب جماعة من علماء المسيحية الخطأ إليه، وكان الأحرى بهم أن ينسبوه إلى كتبة الأناجيل.
ذلك أن الأناجيل تتنبأ بنهاية العالم وعودة المسيح ثانية إلى الأرض في القرن الأول من الميلاد.
"ورغم أن إنجيل متى هو أحد كتب العهد الجديد الذي ذكر بوضوح حدوث النهاية السريعة للعالم فإننا في الواقع نجد أن أغلب كتاب العهد الجديد قد عبروا عن هذه العقيدة.
وفي اعتقاد كثير من العلماء أن يسوع نفسه كان يتطلع إلى عودته سريعًا إلى الأرض بعد وفاته في مجد وبهاء"٢.
стр. 234
لقد وقف كفار قريش يعاندون رسول الله فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠-٩٣] .
لقد كانوا يطلبون المعجزات المادية -معجزات الحوادث- لا رغبة في البرهان على صدق الرسالة -فقد علموا صدق الرسول- ولكنه العناد والتعجيز.
وأمثال هؤلاء ﴿لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦-٩٧] .
فلقد سبق أن جاءت ثمود الناقة وقال لهم نبيهم صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء: ١٥٥-١٥٨] .
وإذا كان هذا موقف سالفيهم من العرب، فإنه كذلك موقف سالفيهم من الإسرائيليين الذين وقفوا يعاندون المسيح وقد جاءهم بمعجزات الحوادث فكذبوه وقالوا إنه ساحر يستخدم قوى الشياطين: "فقد "أحضر إليه مجنون أعمى وأخرس فشفاه حتى إن الأعمى الأخرس تكلم وأبصر، فبهت كل الجموع وقالوا: لعل هذا هو ابن داود. أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين" "متى ١٢: ٢٢-٢٤".
ومن يتصفح التاريخ يجد سنة الله قائمة في إنزل العذاب بمكذبي معجزات الحوادث في الدنيا قبل الآخرة.
فلقد حدث ذلك لثمود إذ جعلهم الله عبرة وقال فيهم: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥١-٥٢] .
стр. 235
وحدث ذلك لبني إسرائيل بعد أن عبدوا العجل في سيناء فقد قال لهم: "الرب إله إسرائيل.. ضعوا كل واحد سفيه على فخذه.. واقتلوا كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه وكل واحد قريبه ... ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل.. فضرب الرب الشعب لأنهم صنعوا العجل الذي صنعه هارون" "؟! " "خروج ٣٢: ٢٧-٣٥".
وحدث ذلك لبني إسرائيل بعد ذلك مرات ومرات، وحدث لذريتهم بعد أن كذبوا المسيح وتآمروا عليه فما هي إلا فترة وجيزة حتى انقض عليهم الرومان فقتلوا الآلاف وهدموا الهيكل وشردوا الباقين. تلك سنة الله التي أفهمها من قول الحق: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦-٧٧] .
هذا ... ولما كان محمد رسول الله إلى العالمين فقد اقتضت حكمة الله أن تكون معجزته هي القرآن، كتاب هو منهج الله وهو في ذات الوقت يشتمل على آيات الله التي تستطيع البشرية في نضجها وترقيها أن تجدها ماثلة أمامها، فتستوعبها وتؤمن بها.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] .
لقد اتسع مجال الرسالة من القبلية المحدودة إلى العالمية، فتغيرت لذلك آيات صدق الرسول من معجزات مادية لم تلبث أن طواها الزمان، إلى آيات قرآنية يتجدد الإيمان بها كلما تقدمت السنون ومرت الأعوام.
وأمر الغيب في القرآن برهان صدق ويقين، يستطيع كل عاقل أن يستخلص منه بديهية تماثل تلك البديهيات التي تقوم عليها العلوم الرياضية والطبيعية، بديهية تقول: إن من صدقك الحديث بالأمس سوف يصدقك غدًا.. ونقيض ذلك مفهوم ومعلوم..
стр. 236
ومن أجل ذلك نقرأ في القرآن: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠] .
٣- القرآن والكتب المقدسة السابقة:
لا يكتمل إيمام المسلم إلا إذا آمن بوحي الله وكتبه التي سبقت القرآن وقد ذكرها إجمالًا في قوله:
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] .
﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥] .
وبذلك كان المسلمون هم الطائفة الوحيدة على ظهر الأرض التي تؤمن بكل كتب الله المنزلة، وقد سجل القرآن ذلك في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] .
ثم ذكر القرآن بعضًا من هذه الكتب تحديدًا كما جاء في حديثه عن صحف إبراهيم:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٤-١٩] .
وتحدث القرآن عما أوتيه داود فقال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] .
стр. 237
على أن ما يعنينا في هذا المقام هو موقف القرآن من الأسفار اليهودية والمسيحية، والتي تتكون بوجه عام١ من التوراة وتعرف باسم أسفار موسى الخمسة، ثم أسفار الأنبياء الذين ظهروا في بني إسرائيل من بعد موسى حتى عصر الميلاد. وأخيرًا إنجيل المسيح.
موقف محدد:
لقد جاء القرآن واضحًا في موقفه تجاه هذه الأسفار وحفظتها من الأحبار والعلماء فذكر عددًا من الأساسيات منها:
١- تعرضت الأسفار اليهودية والمسيحية للفقد والضياع بسبب التفريط في التحفظ عليها وحفظ ما فيها فصارت تلك المفقودات نسيًا منسيًا:
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٢-١٤] .
стр. 238
٢- قام على أمر هذه الكتب طائفة من الأحبار والكهنة والكتبة وجد بينهم:
"أ" الذين يحرفون كلام الله بتغييره وتبديله وعدم الحفاظ على صورته الأصلية: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] .
"ب" الذين يضيفون إلى كلام الله وينقصون منه ما شاءت لهم أهواؤهم ثم يدعون أن ذلك وحي الله:
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨-٨٠] .
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠] .
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .
"جـ" ولقد درج كثير منهم ممن عهد إليهم بالحفاظ على كتب الله من الكتبة والرؤساء الدينيين على كتمان الحق الذي لا يتفق وأهواءهم:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
стр. 239
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٤-١٧٦] .
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] .
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .
ولقد ترتب على تلك المواقف الخطرة من أهل الكتاب أن صارت هذه الأسفار تشتمل على بقية من حق أنزله الله، كما اشتملت على غير الحق الذي أشاع فيها التناقض والاختلاف.
على أن القرآن قد فرق بين الأخيار والأشرار من أهل الكتاب وأعطى كلًا قدره، فهو قد أثنى على أهل الخير منهم أطيب ثناء ووعدهم حسن المآب.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣-١١٥] .
стр. 240
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] .
كذلك فإن القرآن حمل بشدة على الأشرار من أهل الكتاب وتوعدهم سوء المنقلب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥١] .
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] .
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
ونستطيع الآن تقرير ما يمكن استخلاصه من موقف القرآن من الأسفار اليهودية والمسيحية -أي الكتاب المقدس- فنقول: إن هذه الأسفار بها بقية مما أنزله الله، كما أنها فقدت قدرًا من الحقائق عندما ضاع منها حظ من التنزيل الإلهي، وهي تضم بين جنباتها اختلافًا كثيرًا بسبب ما صنعته بها أيدي البشر الذين استحفظوا عليها وقاموا على أمرها.
مجمل دراسات الكتاب المقدس:
تعرضت أسفار الكتاب المقدس لدراسات مستفيضة خلال القرون الأخيرة شارك فيها عدد كبير من علماء اليهودية والمسيحية، وقد انتهت دراستهم إلى
стр. 241
تقارير ونتائج محددة ليس هذا مجال عرضها ولكن يكفينا هنا أن نلم بشيء من خطوطها العامة ثم نقارن بينها وبين ما يستخلص من موقف القرآن من هذه الأسفار.
ولسوف نعرض لمجمل دراسات الكتاب المقدس من زاويتين أساسيتين؛ الأولى: عرض لبعض ما قاله العلماء عن أسفاره، والثانية: نظرة في أسفاره يستطيع بها القارئ العادي أن يلمس بنفسه حقيقة هذه الأسفار.
أولًا -أسفار العهد القديم:
"أ" حديث عن أسفار العهد القديم:
١- تقول دائرة المعارف الأمريكية: "لقد كان هناك نشاط أدبي بين الإسرائيليين في عهد مبكر فسجلوا تقاليدهم القبلية وقوانين الجماعة الإسرائيلية، وهذا بجانب الأغاني الشعبية وترانيم العبادة وما ينطق به الكهنة والأنبياء من كهانة ووحي.. وبعد أن استقرت حياة الطائفة الإسرائيلية بدأت تظهر بالتدريج وعن غير قصد عناصر من هذه الآداب، اعتبرتها الطائفة ركائز لحياتها العقائدية.
وبهذا أعطيت هذه العناصر وقارًا خاصا تفردت به وتحولت بذلك إلى كتابات مقدسة. ولا شك أن الكتاب الأصليين لهذه الكتب لم يدر بخلدهم أن ما كتبوه وسجلوه سيكون له مثل هذه القداسة في حياة الطائفة الإسرائيلية، في يوم من الأيام"١.
٢- "وقد اكتسب كل من الأجزاء الرئيسية للعهد القديم صبغته القانونية على مدى قرون طويلة بيانها كالآتي:
стр. 242
"اكتمل للناموس "أسفار موسى الخمسة" شرعيته حوالي عام ٤٠٠ق. م -والأنبياء "يشوع - صموئيل - أشعياء - أرميا.. ملاخي" حوالي عام ٢٠٠ ق. م- وأما الكتب "المزامير - الأمثال - أيوب - دانيال.. أخبار الأيام" فكانت حوالي عام ٩٠ ميلادية"١.
هذا.. وإذا كانت تواريخ تلقي موسى للتوراة تتراوح بين عامي ١٢٩٠، ١٢٥٠ ق. م صار من الواضح أن أسفار "الناموس" التي وصلتنا قد استغرقت أكثر من ثمانية قرون حين اكتمل بناؤها وأخذت صورتها القانونية.
ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة لأسفار "الأنبياء و"الكتب" فكليهما استغرق قرونًا عدة ليكتسب قانونيته.
٣- "يعتبر العهد القديم كتابًا غير متجانس، إذ إنه مجموعة من الوثائق تكونت خلاق فترة تزيد على الألف عام بواسطة رجال لهم تراث لغوي متعدد.
ولم تصلنا أية نسخة بخط المؤلف الأصلي لكتب العهد القديم، أما النصوص التي بين أيدينا فقد نقلتها إلينا أجيال عديدة من الكتبة والنساخ، ولدينا شواهد وفيرة تبين أن الكتبة قد غيروا بقصد أو بدون قصد في الوثائق والأسفار التي كان عملهم الرئيسي هو كتابتها ونقلها..
وقد حدث التغيير بدون قصد حين أخطئوا في قراءة أو سمع بعض الكلمات أو في هجائها، أو أخطئوا في التفريق بين ما يجب فصله من الكلمات وما يجب أن يكون تركيبًا واحدًا. كذلك فإنهم كانوا ينسخون الكملة أو السطر مرتين، وأحيانًا ينسون كتابة كلمات بل فقرات بأكملها، وأما تغييرهم في النص الأصلي عن قصد فقد مارسوه مع فقرات بأكملها. حين كانوا يتصورونها قد كتبت خطأ في صورتها التي بين أيديهم، كما كانوا يحذفون بعض الكلمات أو الفقرات أو يزيدون على النص فيضيفون فقرات توضيحية ...
стр. 243
ولا يوجد سبب يدعو للافتراض بأن وثائق العهد القديم لم تتعرض للأنواع العادية من الفساد النسخي على الأقل في الفترة التي سبقت اعتبارها أسفارًا مقدسة.
ولقد نشأ بين اليهود طائفة خصصت نفسها لرعاية هذه الوثائق عرفت بالكتبة كما يشير إلى ذلك سفر عزرا ... وقد سميت هذه الطائفة أخيرًا بالأسفاريين ولم يكن عملها مقصورًا على النسخ، بل كانوا حفاظًا على الوثائق ومترجمين لها، بل ومؤلفين بكل معنى الكلمة.
وكان من نتيجة عملهم أن أخذ النص صورته القانوية ليترجم بعد ذلك إلى اللغات الأخرى.
وحين زاد الاحترام للأسفار فإن جماعة الأسفاريين قد أدخلت على النص بعض التغييرات التي تبجل اسم إله إسرائيل، أو تشوه أسماء معبودات الوثنيين.
كما كانوا ينقحون فقرات بدت لهم غير مفهومة وأحيانًا يستخدمون أحدث ما صارت إليه اللغة بدلًا من اللغة القديمة، فكل هذا ظاهر لدينا في النص الذي نقلوه لنا"١.
٤- يشير العهد القديم الذي نعرفه اليوم إلى كتب وأسفار أخرى غير موجودة الآن وتشير إليها أسفاره مثل: العدد ٢١: ١٤-١٥، يشوع ١٠: ١٣، صموئيل الثاني ١: ٨ الملوك الأول ١١: ٤١"٢.
٥- وتقول دائرة المعارف البريطانية: إن التقويم التاريخي لأحداث العهد القديم قد صار لاعتبارات كثيرة أمرًا غير موثوق فيه. فقبل قيام المملكة لم تكن الظروف تسمح بعمل تقويم تاريخي يعتمد عليه وفي
стр. 244
واقع الأمر فإن تاريخ الأحداث القديمة قد أضيف بعد قرون عديدة من وقوعها ودرجة الدقة فيها مظهرية فقط.. وحتى بعد تكوين الممكلة فإن الأخطاء تسربت إلى الأرقام بحيث صار الخطأ في تواريخ الأحدث نحو بضع عشرات من السنين.
فالتقويم التاريخي لأحداث الفترة القديمة التي تبدأ من خلق الإنسان حتى خروج بني إسرائيل من مصر يعتمد على ما يعرف باسم روايات الكهنة لأسفار موسى الخمسة. إن الأرقام هنا في الغالب -إن لم تكن دائمًا- إنما هي أرقام مصطنعة. ومن الملاحظات البارزة في هذا المجال ما نجده في اختلاف الأرقام بين كل من النسختين السامرية والإغريقية وبين النسخة العبرية، وذلك بالنسبة للفترة من بدء الخلق حتى مولد إبراهيم إذ تنخفض الأرقام في النسخة السامرية بينما ترتفع في النسخة الإغريقية.
فالنسخة العبرية تقدر للفترة من بدء الخلق حتى الطوفان ١٦٥٦ عامًا، بينما يبلغ تقديرها في النسخة السامرية ١٣٠٧ عامًا، وفي النسخة الإغريقية ٢٢٦٢ عامًا.
كذلك تقدر النسخة العبرية للفترة من الطوفان حتى دعوة إبراهيم ٣٦٥عامًا بينما هي في النسخة السامرية ١٠١٥ عامًا، وفي النسخة الإغريقية ١١٤٥ عامًا.
إن هذه الأرقام ترجع إلى أصول بابلية عديمة القيمة التاريخية وحتى لو أخذنا بوجهة النظر التي تقدر عام ١٤٩١ ق. م. تاريخًا لخروج الإسرائيليين من مصر -رغم أنه تاريخ مبكر أكثر من المحتمل- فإن تاريخ بدء الخليقة يرجع إلى عام ٤١٥٧ ق. م حسب النسخة العبرية "وإلى عام ٥٣٢٨ ق. م حسب النسخة الإغريقية" كذلك تكون بلبلة ألسن البشر قد حدثت في بابل عام ٢٥٠١ ق. م حسب النسخة العبرية "وفي عام ٣٠٦٦ ق. م حسب النسخة الإغريقية".
стр. 245
لكن الآثار القديمة للمصريين والبابليين تؤكد ظهور الإنسان على وجه الأرض لفترة طويلة من الزمن قبل أي من التاريخين المذكورين لبدء الخليقة. إن الأرقام المذكورة في الإصحاحين الخامس والحادي عشر من سفر التكوين، لا تبين سوى ما كان يتصوره كتبة الأسفار عن تواريخ تلك الأيام الغابرة"١.
"ب" نظرة في أسفار العهد القديم:
إن ما عرضناه حتى الآن يكفي للقول بأن أصدق ما يقال على الإطلاق في أسفار العهد القديم وحفظتها من أهل الكتاب هو ما ذكره القرآن في تعبيره الدقيق: ﴿نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] فلقد ظهر بوضوح كيف كان "نسيان" كتبة الأسفاربالمعنى الحرفي للكلمة، وكيف كان "نسيانهم" بمعانيها الأخرى التي تعني الإهمال في التحفظ والترك عمدًا أو سهوًا مما نتج عنه الفقد والضياع.
ونعرض الآن عددًا محدودًا لأمثلة بسيطة يدرك بها القارئ درجة الدقة في هذه الأسفار.
١- تقول التوراة: "مات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب. ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم" "تثنية ٣٥: ٥-٦".
من المؤكد أن هذا القول لم يأت به موسى وحيًا من عند الله. إنما هو وصف من عمل الكهنة حسب تصورهم للأحداث بعد وقوعها بالكثير من عشرات السنين كما يدل عليها قولهم: "إلى هذا اليوم" إذ يعني هذا أن أجيال تعاقبت في الفترة من موت موسى حتى كتابة التوراة ولا يعرف أحد منها قبر موسى.
стр. 246
٢- ظهرت بعض تراجم للعهد القديم عن العبرية القديمة من أهمها النسخة السبعينية الإغريقية والنسخة الأرامية والنسخة السوريانية والنسخة اللاتينية وتختلف هذه النسخ أحيانًا عن النسخة العبرية الحديثة، إلا أنه بمقارنة هذه النسخ معًا فإنه يمكن الوصول أحيانًا إلى النص العبري الأصلي كما يتضح من المثال الآتي:
"في سفر صموئيل الأول "١٤: ٤١" نجد أن فقرة طويلة قد سقطت من النسخة العبرية الحديثة على حين بقيت تلك الفقرة في النسختين السبعينية واللاتينية. والكلمات التي كتبت بالبنط الأسود هي التي فقدت من النص العبري:
وقال شاول للرب إله إسرائيل لماذ لم تجب عبدك اليوم. إذا كان الذنب في أو في يوناثان ابني، يارب إله إسرائيل أعط أوريم ولكن إذا كان الذنب في شعبك إسرائل أعط ثميم.
فأخذ يوناثان وشاول. أما الشعب فخرجوا".
ولمعرفة السبب الذي من أجله أسقط الكاتب العبري كل هذه الكلمات نقول إن عينيه لا بد قد قفزتا من كلمة: إسرايل، قرب أول الفقرة لكلمة: إسرائيل، قرب نهايتها، وكان من نتيجة ذلك أنه حذف تلقائيًا -دون أن يدري- الكلمات الواقعة بينهما"١.
وتقرأ هذه الفقرة في الترجمة العربية الشائعة كالآتي:
"فأخذ يوناثان وشاول أما الشعب فخرجوا".
ومن الواضح أن حذف تلك الكلمات قد أفقد الفقرة معناها.
٣- يقول سفر صموئيل: "حمى غضب الرب على إسرائيل فأهاج عليهم داود قائلًا: امض وأحص إسرائيل ويهوذا.. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف. ورجال يهوذا حمسمائة ألف رجل"٢ "صموئيل ٢٤: ١-٩".
стр. 247
لكن كاتب سفر أخبار الأيام لم تعجبه هذه الأعداد فكتب يقول:
"وقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصي إسرائيل.. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل مستلي السيف، ويهوذا أربعمائة وسبعين ألف رجل مستلي السيف، وأما لاو وبنيامين فلم يعدهم معهم" "أخبار الأيام الأول ٢١: ١-٦".
فنجد أن الرواية الثانية قد زادت في التعداد بما يقرب من ثلث مليون وهو خطأ ينفي عن مثل هذا الكلام أي إمكانية لاعتباره وحيًا مقدسًا.
٤- ويقول سفر الملوك: "في السنة الثالثة لآسا ملك يهوذا، ملك بعشا ابن أخيا علي جميع إسرائيل في ترصة أربعة وعشرين سنة" "الملوك الأول ١٥: ٣٣".
وبعد أن "اضطجع بعشًا مع آبائه ودفن في ترصة وملك أيلة ابنه عوضًا عنه ...
وفي السنة السادسة والعشرين لآسا ملك يهوذا، ملك أيلة بن بعشا على إسرائيل في ترصة سنتين. فدخل زمرى وضربه فقتله في السنة السابعة والعشرين لآسا ملك يهوذا وملك ذلك عوضًا عنه" "الملوك الأول ١٦: ٨-١٠".
ومن ذلك يتبين أنه في السنة السادسة والعشرين لآسا ملك يهوذا يكون بعشا ملك إسرائيل في عداد الأموات. وفي السنة السادسة والثلاثين لآسا يكون بعشا قد مضى على موته عشر سنوات.
لكن كتبة سفر أخبار الأيام نسوا ذلك فقالوا: "في السنة السادسة والثلاثين لملك آسا، صعد بعشا ملك إسرائيل على يهوذا وبنى الرامة لكيلا يدع أحدًا يخرج أو يدخل إلى آسا ملك يهوذا" "أخبار الأيام الثاني ١٦: ١".
стр. 248
وعلى ذلك تكون هذه الرواية قد وقعت في خطأ فاحش، إذ كيف يصعد بعشا ملك إسرائيل بعد موته بعشر سنين ليحارب آسا ملك يهوذا؟!
إن هذا قليل من كثير مما تحتويه أسفار العهد القديم. ولقد كان من نتاج فحص هذه الأسفار بواسطة علمائها أن وجدت الكنسية الكاثوليكية وهي التي تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام واعتبار كل الكتاب موحى به من الله -أن عليها إصدار بيان يواجه مثل هذه الحقائق التي لم تعد تقبل المراء فيها. فلقد بحث المجمع المسكوني الثاني١ للفاتيكان "١٩٦٢-١٩٦٥" هذه المشكلة التي تتعلق بوجود أخطاء في بعض نصوص أسفار العهد القديم، وقدمت له خمس صيغ مقترحة استغرق بحثها ثلاث سنوات من الجدل والمناقشة وأخيرًا تم قبول صيغة حظيت بالأغلبية الساحقة إذ صوت إلى جانبها ٢٣٤٤ ضد ٦ أصوات. وقد أدرجت الوثيقة المسكونية الرابعة عن "التنزيل" فقرة تختص بالعهد القديم "الفصل الرابع ص٥٣" تشير إلى وجود شو ائب به، وإلى بطلان بعض النصوص وبشكل لا يسمح بأية معارضة.
وتقول هذه الفقرة ما نصه:
"بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وضعه المسيح، تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو الله ومن هو الإنسان بما لا تقل عن معرفة الطريقة التي يتصرف بها الله في عدله ورحمته مع الإنسان، غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان، ومع ذلك ففيها شهادة عن تعليم إلهي"٢.
إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كم من المؤمنين بقداسة هذه الأسفار واعتبارها تعليمًا إلهيًا موحى به من الله. يعلم هذا الذي قررته الكنيسة الكاثوليكية بشأنها وما تحتويه من شوائب وبطلان؟
стр. 249
ويتبع ذلك سؤال آخر: ثم ما هو موقف الذين علموا ذلك من هذه الأسفار؟
إن استقراء التاريخ يجعلنا نقرر أن هناك أناسًا عبر القرون وفي شتى بقاع الأرض وبمختلف الثقافات والأوضاع الدينية والفكرية والعلمية سوف يظلون يدافعون على ما توارثوه من معتقدات بصرف النظر عما لحق بها من شوائب وأباطيل ...
فإلى هؤلاء لا أملك إلا أن أردد ما قاله المسيح في الإنجيل:
"اذهبوا وتعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة" "متى ٩: ١٣".
ثانيًا -أسفار العهد الجديد:
"أ" حديث عن أسفار العهد الجديد:
سبق أن أصدرت كتابًا١ جمعت فيه خلاصة أبحاث علماء المسيحية ودراستهم لأسفار العهد الجديد. وكان يمكن الاكتفار بالإشارة إلى ما في ذلك الكتاب عند الحديث -الآن- عن هذه الأسفار. إلا أن احتمال عدم اطلاع بعض القراء على ذلك الكتاب يضطرني إلى اقتباس بعض منه نقلًا عن أقوال الثقات من علماء المسيحية:
١- "إن المسيحين الأوائل لم يكونوا يعتقدون أن كتبهم المقدسة تكون عهدًا جديدًا يتميز عن العهد القديم.. إن العهد الجديد كتاب غير متجانس ذلك أنه شتات مجمع فهو لا يمثل وجهة نظر واحدة تسوده من أوله إلى آخره لكنه في الواقع يمثل وجهات نظر مختلفة"٢.
стр. 250
٢- "في فترة المائة وخمسين عامًا الأخيرة تحقق العلماء من أن الأناجيل الثلاثة الأولى "متى ومرقس ولوقا" تختلف عن الإنجيل الرابع "يوحنا" أسلوبًا ومضمونًا.
إن الاختلاف بينهم عظيم. لدرجة أنه لو قبلت الأناجيل المتشابهة "الثلاثة الأولى" باعتبارها صحيحة وموثوقًا بها، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا"١.
٣- "ليس لدينا معرفة مؤكدة بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك"٢.
٤- "لقد أسقط عدد كبير من الكتب المسيحية الأولى، من العهد الجديد القانوني وهذه تتكون أساسًا من الأناجيل المحذوفة مثل: أناجيل العبريين، والمصريين، وبطرس.. وأسفار رؤيا غير معترف بها مثل رؤيا بطرس، وراعي هرمس.. وخطابات الآباء والرسوليين.
على أن التاريخ المضبوط الذي تحددت فيه قانونية أسفار العهد الجديد غير مؤكد"٣.
٥- "إن النسخ الأصلية "الإغريقية" لكتب العهد الجديد فنيت منذ مدة طويلة.. وإن كل النسخ التي استخدمها المسيحيون في الفترة التي سبقت مجمع نيقية "عام ٣٢٥م". قد غشيها نفس المصير. ومما يجب ذكره أنه حتى اختراع الطباعة لم يكن قد تم الوصول إلى اتفاق كامل في أي من نصوص العهد الجديد الإغريقية أو اللاتينية.
أما موقف الأناجيل فإن التغيرات الهامة قد حدثت عن قصد مثل إضافة أو إدخال فقرات بأكملها. وبالتأكيد فإن بعضًا منها قد استمد من مصدر خارجي.. إن نصوص جميع هذه المخطوطات "للعهد الجديد" تختلف