كان يصنعها في المرضى. قال له واحد من تلاميذه.. هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان ولكن ما هذا لمثل هؤلاء.. وأخذ يسوع الأرغفة وشكر ووزع على التلاميذ، والتلاميذ أعطوا المتكئين وكذلك من السمكتين بقدر ما شاءوا. فلما شبعوا قال لتلاميذه: اجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شيء، فجمعوا وملئوا اثنتي عشرة قفة من الكسر من خمسة أرغفة الشعير التي فضلت عن الآكلين.
فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الأتي إلى العالم" "يوحنا ٦، ١-١٤".
"وفيما هو مجتاز رأي إنسانًا أعمى منذ ولادته. فتفل على الأرض وصنع من التفل طينًا وطلى بالطين عيني الأعمى وقال له: اذهب واغتسل في بركة سلوام.. فمضى واغتسل وأتى بصيرًا.
فالجيران. قالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذلك وقال: إنسان يقال له يسوع.
فأتوا إلى الفريسيين.. وكان بينهم شقاق، قالوا أيضًا للأعمى: ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتح عينيك؟ فقال: إنه نبي.
فدعوا ثانية الإنسان الذي كان أعمى وقالوا له: أعط مجدًا لله. نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ. أجاب الرجل وقال لهم: إن في هذا عجبًا إنكم لستم تعلمون من أين هو وقد فتح عيني. ونعلم أن الله لا يسمع للخطاة، ولكن إن كان أحد يتقي لله ويفعل مشيئته فلهذ يسمع" "يوحنا ٩: ١-٣١".
"لما قربوا من أورشليم.. حينئذ أرسل يسوع تلميذين.. أتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما. والجمع الأكثر عليهما. والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق.
والجموع الذين تقدموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: أوصنا لابن داود. مبارك الآتي باسم الرب.
стр. 72
ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة: من هذا.
ققالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل. "متى ٢١: ١-١١".
"ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم. وإذا كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي" "متى ٢١: ٤٥-٤٦".
من الواضح الآن أن الذين شاهدوا المسيح ورأوا الآيات التي صنعها أمامهم أو صنعها من أجلهم -مثل إحياء ابن الأرملة- جميعهم آمنوا به باعتباره نبي عصره، فهو "يسوع بن داود" و"نبي عظيم".
و"بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم" و"إنسان ... نبي يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع له".
فالمسيح عند الذين آمنوا "مثل نبي" تمامًا كما كان أمر يحيى بن زكريا: "فإن هيرودس كان قد أمسك يوحنا.... وطرحه في سجن.. ولما أراد أن يقتله خاف من الشعب، لأنه كان عندهم مثل نبي" "متى ١٤: ٣-٥".
المسيح بين يدي الله:
جاء المسيح رسولًا من الله يدعو إليه -سبحانه- بإذنه، ولذا تكفل الله بتعليمه ماذا يقول وماذا يفعل. ولقد بين المسيح هذه الحقيقة الهامة في محاوراته مع اليهود.
"صعد يسوع إلى الهيكل وكان يعلم. فتعجب اليهود قائلين: كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟
أجابهم يسوع وقال: تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني. إن
стр. 73
شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي.
من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه، وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم" "يوحنا ٧: ١٤-١٨".
"لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذ أتكلم. وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية، فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" "يوحنا ١٢: ٤٩-٥٠".
ثم بين المسيح بعد ذلك أن من يطمع في الحياة الأبدية والنعيم الخالد، عليه أولا أن يؤمن بالله الذي أرسله. فذاك جوهر العقيدة التي جاء بها المسيح:
"الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني، فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" "يوحنا ٥: ٢٤".
ولقد كان صلاة المسيح في ساعاته الأخيرة دعوة إلى التوحيد الخالص تقول: "لا إله إلا الله، المسيح رسول الله".
"تكلم يسوع بهذا ورفع عينه نحو السماء وقال.. وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" "يوحنا ١٧- ١-٣".
وفي حديث مع اليهود قال لهم: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه" "يوحنا ٥: ٤٤".
ولقد انحسمت تمامًا قضية التوحيد في عقيدة المسيح الصحيحة التي جاء بها ودعا إليها، كما يستبان بوضوح من هذا القصص الذي سجله ثلاثة من الأناجيل الأربعة.
стр. 74
فقد "جاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هي أول الكل؟
فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى.
وثانية مثلها هي: تحب قريبك كنفسك.
ليس وصية أخرى أعظم من هاتين.
فقال له الكاتب: جيدًا يا معلم. بالحق قلت، لأنه الله واحد، وليس آخر سواه.
ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة، ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح.
فلما رآه يسوع أنه أجاب يعقل قال له: لست بعيدًا عن ملكوت الله" "مرقس ١٢: ٢٨-٣٤، متى ٢٢: ٣٥-٤٠، لوقا ١٠: ٢٥-٢٨".
وحتى لا تكون هناك فرصة للتقول على المسيح والخلط بينه وبين الله -وبعد أن نتذكر تفسير الإنجيل بأن: ابن الله يعني المؤمن به- نورد ما سجله كتبة الأناجيل على لسان المسيح حيث حدد حقيقة الأمر بينه وبين الله تحديدًا قاطعًا لا لبس فيه ولا اجتهاد:
"لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلى الآب، لأن أبي أعظم مني" "يوحنا ١٤: ٢٨".
"أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" "يوحنا ٢٠: ١٧".
"وسأله رئيس قائلًا: أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا؟؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله.
стр. 75
أنت تعرف الوصايا: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك" "لوقا ١٨: ١٨-٢٠".
بل إن المسيح حدد وضعه بالنسبة للروح القدس فقال: "كل خطية وتجديف يغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان "المسيح" يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي" "متى ١٢: ٣١-٣٢".
ولقد بين المسيح: أن الله ذات، وأن المسيح ذات أخرى، فهما اثنان وليس واحدًا، ومحال أن يكون الاثنان واحدًا.
فلقد قال للفريسيين: "في ناموسكم مكتوب أن شهادة رجلين حق: أنا هو الشاهد لنفسي، ويشهد لي الآب الذي أرسلني" "يوحنا ٨: ١٧-١٨".
إن هذا القول واضح تمامًا لدرجة أنه لم يعد يقبل أي تعليق.
كذلك بين المسيح أن لله مشيئة، وللمسيح مشيئة أخرى، وهو -ككل عبيد الله الصالحين يجاهد دائما لتتطابق مشيئته مع مشيئة الله. وتلك مرتبة الرضا الكامل بقضاء الله والتي لا ينالها إلا العباد المخلصون.
فحين أحس المسيح بالخطر يتهدد "كان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن.
وقال: يا أبا الآب. كل شيء مستطاع لك، فأجز عني هذه الكأس. ولكن ليكن لا ما أريد أنا، بل ما تريد أنت" "مرقس ١٤: ٣٥-٣٦".
وفي حديث مع اليهود كان قوله لهم: "كما أسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتني، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" "يوحنا ٥: ٣٠".
ولقد كان المسيح خاشعًا لله، يصلي له في كل حين ويفضل أن تكون صلاته على انفراد. ويتوجه إليه بالدعاء عند الحاجة وبالشكر في كل حين وخاصة
стр. 76
حين يستجاب له: "وفي الصبح باكرا جدًا قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء، وكان يصلي هناك، فتبعه سمعان والذين معه، ولما وجدوه قالوا له: إن الجميع يطلبونك" "مرقس ١: ٣٥-٣٦".
"وللوقت ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع. وبعد ما صرف الجموع صعد إلى الجبل منفردًا ليصلي ولما صار المساء كان هناك وحده" "متى ١٤: ٢٢-٢٣".
"في تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي. وقضى الليل كله في الصلاة لله" "لوقا ٦: ١٢".
"في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال: "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض" "لوقا ١٠: ٢١".
"ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب، أشكرك لأنك قد سمعت لي" "يوحنا ١١: ٤١".
معجزات المسيح:
ينتهي إنجيل يوحنا هكذا: "وأشياء أخر صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسوغ الكتب المكتوبة" "٢١: ٢٥".
من الواضح أن هذا القول قائم على الظن، ومن أمهات الحقائق، ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًاْ﴾ ومع ذلك فلنفرض أن المسيح قضى فترة رسالته -التي لم تزد عن ثلاث سنوات- وهو يصنع آيات ومعجزات، فمن المؤكد أنها لو كتبت جميعها فإن العالم يسعها وزيادة، على أن ما يعنينا في هذا المقام هو تركيز إنجيل يوحنا على معجزات المسيح باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه القول بأن "المسيح ابن الله" كما يتضح من نهاية الإصحاح قبل الأخير الذي يقول:
стр. 77
"وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه" "يوحنا ٢٠: ٣٠-٣١".
لقد سبق أن بينا أن "ابن الله" لا يعني -حسب تفسير يوحنا نفسه- أكثر من "المؤمنين باسمه" وأحبائه ومتقيه الذين يسمع لهم -سبحانه- ويظلهم برحمته -ومع ذلك فلننظر في معجزات المسيح وآياته التي تكلمت عنها الأناجيل.
لقد سبق أن بينا كيف عجز المسيح في بعض مواقف التحدي عن صنع آية تلجم خصومه ومعارضيه "فلم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة" ولقد قالها المسيح صراحة: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا" فهو قد رد الفضل كله لله وبرأ نفسه أن يكون له في ذلك فضل. وفي هذا يقول الإنجيل:
"أجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمل.. لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله" "يوحنا ٥: ١٩-٢٠".
ولقد كان المسيح يفعل آيات كلها باسم الله الذي أرسله. فقد قال لليهود: "الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي" "يوحنا ١٠: ٢٤-٢٥".
ومن المؤكد أنه مهما جرت من آيات وعجائب على أيدي المؤمنين فإنها ليست مبررًا لأي خلط بينهم وبين الله على أية صورة من الصور، فالإنجيل يذكر قولًا للمسيح في هذا الصدد يهدم نظرية اتخاذ المعجزات برهانًا على صدق النظريات الفلسفية التي شاعت في العالم القديم عن حلول الإله في الإنسان أو حدوث اتحاد بينهما. فهو يقول على لسان المسيح:
"الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا ويعمل أعظم منها" "يوحنا ١٤: ١٢".
فالحديث عن الروابط بين الله والمسيح، أو بين المسيح والمؤمنين، أو بين الله
стр. 78
والمؤمنين لا يسمح بالحديث عن "روابط بين جواهر" أو "اتصال ذات بذات" أو "انبثاق ذات من ذت" وإنما غاية القول فيه أن يكون حديثًا عن صلات روحية ومعنوية.
يقول الإنجيل على لسان المسيح: "الذي يقبل من أرسله يقبلني. والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني" "يوحنا ١٣: ٢٠".
"الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي، بل بالذي أرسلني" "يوحنا ١٢: ٤٤".
"كما أحبني الآب كذلك أحببتكم أنا. اثبتوا في محبتي. إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي. كما أني أنا قد حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته" "يوحنا ١٥: ٩-١٠".
"أنا قد أعطيتهم كلامك والعالم أبغضهم لأنهم ليسوا من العالم كما أني لست من العالم.. ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب في، وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" "يوحنا ١٧: ١٤-٢١".
هذا ... ولقد كانت أول معجزة صنعها المسيح -حسب رواية إنجيل يوحنا- هي تحويله الماء خمرًا، بناء على إيحاء من أمه. وكان ذلك في عرس حضراه مع تلاميذه.
"في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك. ودعي أيضًا يسوع وتلاميذه إلى العرس. ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع: ليس لهم خمر. قال لها يسوع: ما لي ولك يا امرأة، ولم تأت ساعتي بعد. قالت أمه للخدم: مهما قال لكم فافعلوه، وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك ...
قال لهم يسوع: املئوا الأجران ماء، فملئوها إلى فوق، ثم قال لهم: استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ، فقدموا فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرًا ولم يكن يعلم من أين هي.. دعا رئيس المتكأ العريس وقال له: كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولًا، ومتى سكروا فحيئنذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن.
стр. 79
"هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه" "يوحنا ٢: ١-١١".
وتذكر الأناجيل أن المسيح صنع آيات ومعجزات يجملها إنجيل متى في معرض الحديث عن رسالته بقوله: "وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلم في مجامعها. ويكرز ببشارة الملكوت. ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب" "متى ٩: ٣٥".
على أن نوعين من الآيات جديران بالعرض المفصل لما لها من أهمية وإثارة وهما: إحياء الموتى، والتنبؤ بأحداث المستقبل.
إحياء الموتى:
تذكر الأناجيل الأربعة أن المسيح مارس عملية إقامة الراقدين رقاد الموت ثلاث مرات، الأولى ذكرها مرقس ومتى، والثانية انفرد بذكرها لوقا، كما انفرد يوحنا بذكر الثالثة. ونبدأ بالحالة الأولى فنعلم أنها ابنة رئيس المجمع وكانت مريضة على وشك أن تموت، وبينما ذهب أبوها يرجو المسيح أن يأتي لزيارتها لعلها تشفى جاء من يخبره بموتها لكن المسيح يذهب إليها ويأخذ بيدها فتقوم من رقادها. ونعرض القصة حسب رواية مرقس فنقول:
"كان "المسيح" عند البحر، وإذا واحد من رؤساء المجمع اسمه بايرس جاء ... وطلب إليه كثيرًا قائلًا: ابنتي الصغيرة على آخر نسمة. ليتك تأتي وتضع يدك عليها لتشفى فتحيا. فمضى معه وتبعه جمع كثير، وكانوا يزحمونه.
وبينما هو يتكلم جاءوا من دار رئيس المجمع قائلين: ابنتك ماتت. لماذا تتعب المعلم بعد؟ فسمع يسوع لوقته الكلمة التي قيلت فقال لرئيس المجمع: لا تخف، آمن فقط. ولم يدع أحدًا يتبعه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب.
стр. 80
فجاء إلى بيت رئيس المجمع.. ورأى ضجيجًا يبكون ويولولون كثيرًا، فدخل وقال لهم: لماذا تضجون وتبكون؟ لم تمت الصبية لكنها نائمة.
فضحكوا عليه، أما هو فأخرج الجميع، وأخذ أبا الصبية وأمها والذين معه ودخل حيث كانت الصبية مضطجعة. وأمسك بيد الصبية وقال لها: طليثا قومي، الذي تفسيره: يا صبية لك أقول قومي، وللوقت قامت الصبية ومشت لأنها كانت ابنة اثنتي عشرة سنة. فبهتوا بهتًا عظيمًا، فأوصاهم كثيرًا أن لا يعلم أحد بذلك وقال: أن تعطى لتأكل" "مرقس ٥: ٢١-٤٣".
لقد أكد مرقس على لسان المسيح قوله: "لم تمت الصبية، لكنها نائمة" وكذلك أكد متى نفس الحالة إذ قال على لسان المسيح: "إن الصبية لم تمت، لكنها نائمة" "متى ٩: ٢٤".
فهل يستطيع أحد يؤمن بالمسيح والإنجيل، أن يصر على اعتبار هذه الفتاة ميتة أحياها المسيح؟!
إن أقصى ما يمكن قوله في هذه لحالة أن تلك الفتاة كانت في حالة إغماء، أو فقدان وعي، أو على وشك الموت. ثم شفاها المسيح.
وأما الحالة الثانية التي ذكرها لوقا فقد ذكرناها عند الكلام عن "عقيدة الذين شاهدوا المسيح ومعجزاته وآمنوا به". وكانت لابن وحيد لأمه الأرملة وقد حمله المشيعون في النعش، فتقدم المسيح "ولمس النعش فوقف الحاملون. فقال: أيها الشاب، لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه" "لوقا ٧: ١٤-١٥".
وأخيرًا.. كانت الحالة الثالثة التي انفرد بذكرها يوحنا لميت توفي حديثًا إثر مرض. يقول يوحنا: "كان إنسان مريضًا وهو لعازر من بيت عنيبا من قرية مريم ومرثا أختها، فأرسلت الأختان إليه قائلتين: يا سيد، هو ذا الذي تحبه مريض.
стр. 81
فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله.
ثم بعد ذلك قال لتلاميذه: لعازر مات، وأنا أفرح لأجلكم أني لم أكن هناك لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه. فلما أتى يسوع وجد أنه قد صار له أربعة أيام في القبر ... فقالت مرثا ليسوع:
يا سيد، لو كنت ها هنا لم يمت أخي، لكني الآن أيضًا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه..
قال لها يسوع: سيقوم أخوك ...
وجاء إلى القبر وكانت مغارة وقد وضع عليه حجر. قال يسوع: ارفعوا الحجر.. فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعًا ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب، أشكرك لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني.
ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لعازر هلم خارجًا، فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة. فقال لهم يسوع: حلوه ودعوه يذهب" "يوحنا ١١: ١-٤٤".
وبهذا تكتمل قصة الراقدين الذين أقامهم المسيح بعد مرات، حسبما روتها الأناجيل.
التنبؤ بأحداث المستقبل:
تذكر الأناجيل أن المسيح تنبأ لتلاميذه، بانقضاء الدهر وانهدام النظام الكوني بأكمله، ثم عودته بعد ذلك ليدين الناس، وأن كل تلك الأحداث الجسام سوف تحدث في الجيل الذي عاش فيه تلاميذه، يقول إنجيل متى: "فيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين: قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر؟
стр. 82
فأجاب يسوع وقال لهم: انظروا لا يضلكم أحد، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح ويضلون كثيرين.
وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطى ضوءه والنجوم تسقط من السماء، وقوات السماء تتزعزع، وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض، ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. متى رأيتم هذا كله فاعلموا أنه قريب على الأبواب.
الحق أقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" "متى ٢٤: ٣-٣٤".
وبالمثل قال إنجيل مرقس: "الحق أقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" "مرقس ١٣: ٣٢".
وكذلك قال إنجيل لوقا: "الحق أقول لكم: إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل" "لوقا ٢١: ٣٢".
إن تنبؤ المسيح بانقضاء العالم وعودته ثانية إلى الأرض لم يذكر فقط في تلك المناسبة التي اختارها التلاميذ لسؤاله، إنما تكرر ذلك في مواضع كثيرة من الأناجيل، مما يبين أنها كانت عقيدة سادت بين المسيحيين الأوائل الذين عاصروا المسيح ومن بينهم واحد من كتبة الأناجيل هو متى.
إن الحديث عن التنبؤ بانقضاء العالم في الجيل الذي عاصر المسيح لم يعد في حاجة إلى تعليق بعد أن ظل العالم قائمًا بعد جيل المسيح إلى اليوم بما يقرب من خمسين جيلًا.
معجزات المسيح بين معجزات سابقيه:
تحدثت الأناجيل عن معجزات كثيرة للمسيح شملت مجالات أربع هي: شفاء المرضى والعاجزين، ومباركة الطعام، وإحياء الموتى، والتنبؤ بأحداث المستقبل. وقد استعرضنا بالتفصيل ما قيل في معجزات المجالين الأخيرين باعتبارهما أكثر أهمية وإثارة.
стр. 83
ونريد الآن أن نستعرض معجزات المسيح مع معجزات عدد محدود من الأنبياء الذين سبقوه لننظر أوجه الائتلاف والاختلاف، ثم نقرر بعد ذلك الوضع الصحيح لمعجزات المسيح بين معجزات سابقيه.
فإذا بدأنا بمجال إحياء الموتى لوجدنا أن إلياس -كما سبق بيانه- قد سبق المسيح في هذا المجال وأحيا ابن الأرملة "الملوك الأول: ١٧" وكذلك فعل تلميذه وخليفته إليشع نفس الشيء بابن المرأة الشونمية. فقد "دخل إليشع البيت وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره. فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلى إلى الرب. ثم صعد واضطجع فوق الصبي ووضع فمه على فمه وعينيه على عينيه ويديه على يديه وتمدد عليه فسخن جسد الولد. ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هنا وتارة إلى هناك وصعد وتمدد عليه فعطس الصبي سبع مرات ثم فتح الصبي عينيه.
فدعا "حيجزى "غلامه" وقال: ادع هذه الشمونمية، فدعاها، ولما دخلت إليه قال: احملي ابنك، فأتت وسقطت على رجليه وسجدت إلى الأرض ثم حملت ابنها وخرجت" "الملوك الثاني ٤: ٣٢-٣٧".
بل إن إليشع هذا مارس عملية إحياء الموتى بعد وفاته. فقد حدث عندما كان قومه يدفنون أحد موتاهم على عجل خوفًا من الغزاة أن أسقطوا ذلك الميت في قبر إليشع، فلمس جسده عظام إليشع. وفي الحال عادت له الروح وقام الرجل الميت يسعى على رجليه:
"مات إليشع فدفنوه، وكان غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة. وفيما كانوا يدفنون رجلًا إذا بهم قد رأوا الغزاة فطرحوا الرجل في قبر إليشع. فلما نزل الرجل ومس عظام إليشع، عاش وقام على رجليه". "الملوك الثاني ١٣: ٢٠-٢١".
بل إن حزقيال لم يحي عددًا محدودًا من الموتى حديثي الوفاة فقط، إنما
стр. 84
أحيا جيشًا عظيمًا من الموتى بعد أن طال عليهم الأمد وتحللت رفاتهم ونخرت عظامهم:
"كانت على يد الرب فأخرجني بروح الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظامًا وأمرني عليها من حولها وإذا هي كثيرة جدًا على وجه البقعة وإذا هي يابسة جدًا. فقال لي: يا بن آدم.. أتحيا هذه العظام؟ فقلت: يا سيد الرب، أنت تعلم، فقال لي: تنبأ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب. هكذا قال السيد الرب لهذه العظام: هأنذا أدخل فيكم روحًا فتحيون وأضع عليكم عصبًا وأكسيكم لحمًا وأبسط عليكم جلدًا وأجعل فيكم روحًا فتحيون وتعلمون أني أنا الرب.
فتنبأت كما أمرت وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام كل عظم إلى عظمه ونظرت وإذا بالعصب واللحم كساها وبسط الجلد عليها من فوق وليس فيها روح.
فقال لي: تنبأ للروح، تنبأ يا بن آدم وقل للروح هكذا قال السيد الرب: هلم يا روح من الرياح الأربع وهب على هؤلاء القتلى ليحيوا.
فتنبأت كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا" "حزقيال ٣٧:" ١-١٠".
وفي مجال التنبؤ بأحداث المستقبل نجد إلياس قد تنبأ بحدث الجفاف والقحط وذلك في موقف التحدي لآخاب الملك الشرير حيث قال له: "حي هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه: أنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي".
وقد حدث الجفاف كما تنبأ إيليا "فلم يكن مطر في الأرض".
وبعد انقضاء سنوات الجفاف "كان كلام الرب إلى إيليا في السنة الثالثة
стр. 85
قائلًا: اذهب وتراء لآخاب فأعطي مطرًا على وجه الأرض. فذهب إيليا ليتراءى لآخاب.
وقال إيليا لآخاب: اصعد كل واشرب لأنه حس دوي مطر.. وكان من هنا إلى هنا أن السماء اسودت من الغيم والريح وكان مطر عظيم" ...
وكذلك تنبأ إليشع بالجفاف سبع سنين وتحققت نبوءته:
"كلم إليشع المرأة التي أحيا ابنها قائلًا: قومي انطلقي أنت وبيتك وتغربي حيثما تتغربي لأن الرب قد دعا بجوع فيأتي أيضًا على الأرض سبع سنين.
فقامت المرأة وفعلت حسب كلام رجل الله وانطلقت هي وبيتها وتغربت في أرض فلسطين سبع سنين وفي نهاية السبع سنين رجعت المرأة من أرض الفلسطينيين" "الملوك الثاني ٨: ١-٣".
وكما سبق أن نبأت الملائكة إبراهيم بمولد ابن له من زوجته سارة العاقر، على لسان الرب قائلة:
"إني أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن" "تكوين ١٨: ١٠".
"وفعل الرب لسارة كما تكلم، فحبلت وولدت لإبراهيم ابنًا. إسحاق" "تكوين ٢١-٣".
كذلك فعل إليشع تلميذ إلياس مع المرأة الشونمية التي "لم يكن لها ابن ورجلها قد شاخ.. فقال "إليشع": في هذا الميعاد نحو زمان الحياة تحتضنين ابنًا.. فحملت المرأة وولدت ابنًا في ذلك الميعاد نحو زمان الحياة كما قال لها إليشع، وكبر الولد" "الملوك الثاني ٤: ١٤-١٨".
وفي مجال شفاء المرضى والعاجزين نجد موسى قد فعل أكثر من هذا إذ أوقف سريان وباء مميت اجتاح بني إسرائيل عقابًا لهم على تذمرهم على موسى
стр. 86
وهارون فقال موسى لهارون: "خذ المجمرة.. وضع بخورًا واذهب بها مسرعًا إلى الجماعة وكفر عنهم لأن السخط قد خرج من قبل الرب، فأخذها هارون كما قال موسى.. فامتنع الوبأ.
فكان الذين ماتوا بالوبأ أربعة عشر ألفًا وسبعمائة" "عدد ١٦: ٤٦-٤٩".
كذلك أوقف موسى عملية إبادة جماعية لبني إسرائيل حين سلط الله عليهم الحيات لتهلكهم عقابًا لهم على تذمرهم فقد "أرسل الرب على الشعب الحيات المحرقة فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل فأتى الشعب إلى موسى وقالوا: قد أخطأنا، تكلمنا على الرب وعليك، فصل إلى الرب ليرفع عنا الحيات ... فصلى موسى لأجل الشعب. فقال الرب لموسى: اصنع لك حية محرقة وضعها على راية فكل من لدغ ونظر إليها يحيا. فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على الراية، فكان متى لدغت حية إنسانًا ونظر إلى حية النحاس يحيا" "العدد ٢١: ٦-٩".
كذلك نجد إليشع قد برأ نعمان قائد جيش الأراميين عندما جاء نعمان بخيله ومركباته ووقف عند باب بيت إليشع "فأرسل إليه اليشع رسولًا يقول: اذهب واغتسل سبع مرات في الأردن فيرجع لحمك إليك.. فرجع كلحم صبي صغير وطهر" "الملوك لثاني ٥: ٩-١٤".
كذلك رد إليشع البصر إلى جيش كبير من الأراميين بعد أن دعا عليهم بالعمى حتى يستطيع أسرهم وقيادتهم إلى حيث يريد. فقد أرسل ملك أرام: "خيلًا ومركبات وجيشًا ثقيلًا وجاءوا ليلًا وأحاطوا بالمدينة فبكر خادم رجل الله وقام وخرج، وإذا جيش محيط بالمدينة وخيل ومركبات. فقال غلامه له: آه يا سيدي، كيف نعمل؟ فقال: لا تخف لأن الذين معنا أكثر من الذين معهم.
ولما نزلوا إليه صلى إليشع إلى الرب وقال: اضرب هؤلاء الأمم بالعمى، فضربهم بالعمى كقول إليشع، فقال لهم إليشع: اتبعوني
стр. 87
فأسير بكم إلى الرجل الذي تفتشون عليه، فسار بهم إلى السامرة، فلما دخلوا السامرة قال إليشع: يا رب، افتح أعين هؤلاء فيبصروا. ففتح الرب أعينهم فأبصروا وإذا هم في وسط السامرة.
فقال ملك إسرائيل لإليشع لما رآهم: هل أضرب؟؟ فقال: لا تضرب ... ضع خبزًا وماء أمامهم فيأكلوا ويشربوا ثم ينطلقو إلى سيدهم، فأكلوا وشربوا ثم أطلقهم.
ولم تعد جيوش أرام تدخل إلى أرض إسرائيل" "الملوك الثاني ٦: ١٣-٢٣".
وفي مجال مباركة الطعام وتكثيره، سوف لا نتكلم عن الأعاجيب الكبيرة والكثيرة التي جرت على يد موسى في هذا المجال. ولكنا نذكر إلياس وكيف كانت تعوله الغربان وتأتي إليه بالخبز واللحم صباح مساء، وكيف استمر يقتات هو ومن في بيت المرأة التي كان نازلًا عندها من كنار دقيق وكوز زيت طيلة سنوات القحط "الملوك الأول: ١٧".
كذلك بارك إليشع دهنة زيت في بيت امرأة فقيرة "فقال: اذهبي استعيري لنفسك أوعية من خارج من عند جميع جيرانك أوعية فارغة لا تقللي ثم ادخلي وأغلقي الباب على نفسك وعلى بيتك وصبي في جميع هذه الأوعية وما امتلأ انقليه.
فذهبت من عنده وأغلت الباب على نفسها وعلى بنيها وكانوا هم يقدمون لها الأوعية وهي تصب، ولما امتلأت الأوعية قالت لابنها: قدم لي أيضًا وعاء، فقال لها: لا يوجد بعد وعاء، فوقف الزيت فأتت وأخبرت رجل الله "إليشع" فقال: اذهبي بيعي الزيت وأوفي دينك وعيشى أنت بما بقي" "الملوك الثاني ٤: ٣-٧".
وأيضًا "جاء رجل.. وأحضر لرجل الله خبز باكورة عشرين رغيفًا.. فقال: "إليشع": أعط الشعب ليأكلوا. فقال خادمه: ماذا؟ هل أجعل هذا أمام
стр. 88
مائة رجل. فقال: أعط الشعب فيأكلوا لأنه هكذا قال الرب: يأكلون ويفضل عنهم، فجعل أمامهم فأكلوا وفضل عنهم" "الملوك الثاني ٤: ٤٢-٤٣".
هذا ... وإذا ما تركنا تلك المجالات الأربع التي تحدثنا فيها عن معجزات المسيح بين معجزات سابقيه، لوجدنا سبقًا كذلك في المجالات الأخرى لمن كان قبله من الأنبياء.
فقد حدث للمسيح مع تلاميذه أنهم "لما خرجوا من بيت عنيا، جاع، فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئًا، فلما جاء إليها لم يجد شيئًا إلا ورقًا لأنه لم يكن وقت التين، فأجاب يسوع وقال لها: لا يأكل أحد منك ثمرًا بعد إلى الأبد. وكان تلاميذه يسمعون.
وجاءوا إلى أورشليم.. ولما صار المساء خرج إلى خارج المدينة، وفي الصباح إذ كانوا مجتازين رأوا التينة قد يبست من الأصول، فتذكر بطرس وقال له: يا سيدي، انظر التينة التي لعنتها قد يبست" "مرقس ١١: ١٢-٢١".
وهنا نذكر ماكان من أمر إليشع "وفيما هو صاعد في الطريق إذا بصبيان صغار خرجوا من المدينة وسخرو منه وقالوا له: اصعد يا أقرع.. اصعد يا أقرع.
فخرجت دبتان من الوعر وافترستا منهم اثنين وأربعين ولدًا" "الملوك الثاني ٢: ٢٣-٢٤".
وعندما كذب خادم إليشع عليه وأخذ من الهدية التي كان نعمان يريد تقديمها إليه اعترافًا بفضله في شفائه والتي رفضها إليشع من قبل، دعا عليه قائلًا: "برص نعمان يلتصق بك وبنسلك إلى الأبد، فخرج من أمامه أبرص كالثلج" "الملوك الثاني ٥: ٢٧".
стр. 89
وأخيرًا -وليس آخرًا- نأتي إلى مجال الرفع إلى السماء، فنجد الأنبياء السابقين، قد سبقوا أيضًا في هذا المجال.
فهذا أخنوخ "إدريس" قد رفع إلى السماء فقد "سار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" "تكوين ٥: ٢٥".
كذلك انتهت حياة إلياس بالرفع إلى السماء أمام أعين الناس، "وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما، فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء".
والآن نصل إلى الحقيقة التي ترى واضحة كل الوضوح يراها كل المبصرين فيقولون صدقًا: إن أقصى ما يقال في معجزات المسيح هو ما قاله بطرس رئيس تلاميذه وأعلنه على رءوس الأشهاد: "أيها الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال:
يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون" "أعمال الرسل ٢: ٢٢".
"فتح بطرس فاه وقال.. أنتم تعلمون الأمر الذي صار في كل اليهودية. يسوع الذي من الناصرة وكيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه" "أعمال الرسل ١: ٣٤-٣٨".
فهي معجزات وآيات الفضل الأول والأخير فيها لله الذي أكرمه بها كما أكرم الأنبياء، قبله ومن لطف الله بخلقه أن جعل معجزات المسيح تكرارًا لبعض معجزات سابقيه. ويلاحظ أنها جميعًا معجزات أرضية خلافًا لما فعله موسى من الكثير من المعجزات الأرضية منها والسماوية على السواء. لقد شاهد بنو إسرائيل المعجزات تنزل عليهم من السماء أثناء خروجهم من مصر، إذ "انتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم فدخل بين عسكر المصريين وعسكر اسرائيل وصار السحاب والظلام وأضاء الليل فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل.
стр. 90
ومد موسى يده على البحر فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل وجعل البحر يابسة وانشق الماء" "خروج ١٤: ١٩-٢١".
وفي سيناء شاهد بنو إسرائيل الخبز ينزل عليهم من السماء "فكان في المساء أن السلوى صعدت وغطت المحلة، وفي الصباح كان سقيط الندى حوالي المحلة.
ولما ارتفع سقيط الندى إذا على وجه البرية شيء دقيق مثل قشور، دقيق كالجليد على الأرض فلما رأى بنو إسرئيل قالوا بعضهم لبعض: من هو؟ لأنهم لم يعرفوا ما هو. فقال لهم موسى: هو الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا التقطوا منه كل واحد حسب أكله" "خروج ١٦: ١٣-١٦".
ولذلك كان بنو إسرائيل على عهد المسيح فخورين بمعجزات موسى، يرونها أكبر وأعظم من تلك التي يجريها المسيح، وكان قولهم له: "أية آية تصنع لنرى ونؤمن بك؟ ماذا تعمل؟ آباؤنا أكلوا المن في البرية كما هو مكتوب أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا" "يوحنا ٦: ٣٠-٣١".
"وجاء إليه الفريسيون والصدوقيون ليجربوه فسألوه أن يريهم آية من السماء" "متى ١٥: ١".
الحق إن معجزات المسيح ليس فيها جديد، وإذا ما استعرنا لغة سفر "الجامعة" نقول: ليس تحت الشمس جديد.
المسيح ومعجزاته:
هناك ظاهرة تغلب في الأناجيل حين تتحدث عن معجزات المسيح فنجدها تبين على لسانه حرصه الدائم على كتمان ما أجراه الله على يديه من آيات، وما ذلك إلا حرصًا منه على عدم فتنة القوم فيه. لقد كان المسيح يعلم تمامًا مقدار التخلف الفكري والعقائدي في زمانه وكيف كان الناس يخترعون آلهة ينسجون حولها أساطير وينسبون لها أفعالًا يخلطونها بأفعال البشر، فيقولون: هذا إله نزل من السماء، وذلك ابن إله صعد إلى السماء.
ويرينا سفر "أعمال الرسل" كيف كانت الألوهية تخلع على البشر بكل بساطة في ذلك الزمان وبين تلك الأمم التي بدأت فيها الدعوة للمسيحية. فقد "كان يجلس في لسترة رجل عاجز. هذا كان يسمع بولس يتكلم فشخص إليه
стр. 91
وإذ رأى أن له إيمانًا ليشفى قال بصوت عظيم: قم على رجلك منتصبًا، فوثب وصار يمشي.
فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا صوتهم بلغة ليكاونية قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا. فكانوا يدعون برنابا "زفس" وبولس "هرمس".. فأتى كاهن زفس الذي كان قدام المدينة بثيران وأكاليل عند الأبواب مع الجموع وكان يريد أن يذبح.
فلما سمع الرسولان برنابا وبولس مزقا ثيابهما. واندفعا إلى الجمع صارخين وقائلين:
أيها الرجال، لماذا تفعلون هذا؟ نحن أيضًا بشر تحت آلام مثلكم نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها" "أعمال الرسل ١٤: ٨-١٥".
"ولما نجوا وجدوا أن الجزيرة تدعى مليطة فقدم أهلها البرابرة إحسانا غير المعتاد لأنهم أوقدوا نارًا وقبلوا جميعنا من أجل المطر الذي أصابنا ومن أجل البرد.
فجمع بولس كثيرًا من القضبان ووضعها على النار فخرجت من الحرارة أفعى ونشبت في يده.. فنفض هو الوحش إلى النار ولم يتضرر بشيء رديء، وأما هم فكانوا ينتظرون أنه عتيد أن ينتفخ أو يسقط بغتة ميتًا.
فإذا انتظروا كثيرً ورأوا أنه لم يعرض له شيء مضر، تغيروا وقالوا: هو إله" "أعمال الرسل ٢٨: ١-٦".
"وفي يوم معين لبس هيرودس الحلة الملوكية وجلس على كرسي الملك وجعل يخاطبهم، فصرخ الشعب: هذا صوت إله لا صوت إنس" "أعمال الرسل ١٢: ٢١-٢٢".
من أجل ذلك حرص المسيح على كتمان معجزاته التي ارتبط حدوثها دائما بإيمان الذين طلبوها فصنعت من أجلهم. هكذا قال المسيح وعلم بأن إيمان الإنسان هو الذي صنع المعجزة وهو إيمان مشترك بين الفاعل وذلك الذي صنعت من أجله، وحين يفقد ذلك الإيمان يحدث دائمًا العجز والإخفاق.
стр. 92
فلقد حدث أن جاء المسيح وتلاميذه إلى المجمع "فتقدم إليه رجل جاثيًا وقائلًا: يا سيد، ارحم ابني فإنه يصرع ويتألم شديدًا.. وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه. فأجاب يسوع وقال: أيها الجيل غير المؤمن الملتوي، إلي متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟
قدموه إلى ها هنا. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفي الغلام من تلك الساعة.
ثم تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد وقالوا: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال لهم يسوع: لعدم إيمانكم، فالحق أقول لكم: لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم" "متى ١٧: ١٤-٢٠".
فلنبحث دائمًا في معجزات المسيح عن شيئين هما: الإيمان والكتمان، ولسوف نجدهما دائما متلازمين. فهكذا تقول الشواهد التي نذكر منها:
إحياء بنت رئيس المجمع: فبعد أن "قامت الصبية ومشت.. أوصاهم كثيرًا أن لا يعلم أحد بذلك" "مرقس ٥: ٣٥-٤٣، لوقا ٨: ٤٩-٤٦".
تطهير الأبرص: "أتى إليه أبرص. قائلًا له: إن أردت تقدر أن تطهرني، فتحنن يسوع ومد يده ولمسه وقال له: أريد فاطهر. فللوقت وهو يتكلم ذهب عنه البرص".
بعد ذلك "انتهوا للوقت وقال: انظر لا تقل لأحد شيئًا" "مرقس ١: ٤٩-٤٤، متى ٨: ١-٤، لوقا ٥: ١٢-١٤".
شفاء الأعمى: تبعه أعميان يصرخان ويقولان: ارحمنا يا بن داود ... فقال لهما يسوع: أتؤمنان أني أقدر أن أفعل هذا؟ قالا له: نعم يا سيد.
حينئذ لمس أعينهما قائلًا: بحسب إيمانكما ليكن لكما. فانفتحت أعينهما".
стр. 93
بعد ذلك "انتهرهما يسوع قائلًا: انظرا لا يعلم أحد. ولكنهما خرجا وأشاعاه في تلك الأرض كلها" "متى ٩: ٢٧-٣١، مرقس ٨: ٢٢-٢٦".
إخراج الشياطين: "قدموا إليه جميع السقماء والمجانين، فشفى كثيرين كانوا مرضى.. وأخرج شياطين".
بعد ذلك"لم يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه" "مرقس ١: ٣٢-٣٤، لوقا ٤: ٤٠-٤١".
ويلاحظ أننا لم نقتبس شواهد من إنجيل يوحنا وما ذلك إلا لأن كاتب هذا الإنجيل قد ركز -كما بينا- على إظهار معجزات المسيح باعتبارها الوسيلة الرئيسية للإيمان ومن ثم فهو يدعو إلى إذاعتها ونشرها بشتى السبل، ولهذا اختفت منه أقوال المسيح التي تطلب كتمان معجزاته. على أن شيئًا واحدًا بقى في هذا الإنجيل وهو شطر الإيمان الذي لم يستطع إغفاله فسار فيه على شاكلة الأناجيل الثلاثة الأخرى التي أظهرته تمامًا.
فنجد الإيمان ملازمًا لحدوث الآية الكبيرة في إنجيل يوحنا ألا وهي إحياء لعازر. فلقد قالت أخته:مرثا" ليسوع: "يا سيد، لو كنت ها هنا لم يمت أخي. لكني الآن أيضًا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله، فقال لها يسوع: سيقوم أخوك.
ودعت "مرثا" مريم أختها سرًا قائلة: المعلم قد حضر وهو يدعوك.
فمريم لما أتت إلى حيث كان يسوع ورأته خرت عند رجليه قائلة له: يا سيد لو كنت ها هنا لم يمت أخي".
لقد آمنت الأختان بالمسيح ولقد قالها المسيح لمرثا "ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله" ثم "رفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب، أشكرك لأنك سمعت لي" بعد ذلك "خرج الميت" "يوحنا ١١: ٢١-٤٤".
وأما عن شطر الإيمان في الأناجيل الثلاثة الأخرى فحدث ولا حرج.
стр. 94
فهذا قائد المائة قال للمسيح: "يا سيد، لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي".
"فلما سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعون: الحق أقول لكم، لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا".
"ثم قال يسوع لقائد المائة: اذهب وكما آمنت ليكن لك. فبرأ غلامه في تلك الساعة" "متى ٨: ٨-١٣، لوقا ٧: ٦-١٠".
وتلك "امرأة نازفة دم منذ اثنتى عشرة سنة قد جاءت من ورائه ومست هدب ثوبه لأنها قالت في نفسها: إن مسست ثوبه فقط شفيت".
"فالتفت يسوع وأبصرها فقال: "ثقي يا ابنة، إيمانك قد شفاك فشفيت المرأة من تلك الساعة".
"متى ٩: ٢٠-٢٢، لوقا ٨: ٤٣-٤٨، مرقس ٥: ٢٥-٣٤".
وتلك المرأة الكنعانية التي "صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيد يا بن داود.
ابنتي مجنونة جدًا.. حينئذ أجاب يسوع وقال لها: يا امرأة، عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين، فشفيت ابنتها من تلك الساعة" "متى ١٥: ٢٢-٢٨، ومرقس ٧: ٢٦-٣٠".
وفي جميع الأحوال التي صنع فيها المسيح معجزاته كانت تصاحبها دائمًا صلاته إلى الله ودعائه بالتوفيق والإكرام ثم الشكر على نعماء الله.
رأينا ذلك عند إحياء لعازر، إذ "رفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب، أشكرك لأنك سمعت لي".
ونراها في مواقف كثيرة كما حدث عند شفاء الأصم: فقد "أخذه من بين الجمع ...
ورفع نظره نحو السماء، وأن، وقال له: أفثا -أي انفتح- وللوقت انفتحت أذناه، فأوصاهم أن لا يقولوا لأحد" "مرقس ٧: ٣٣-٣٦".
стр. 95
وعند مباركة الطعام، "أخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء، وبارك، وكسر وأعطى للتلاميذ والتلاميذ للجموع. فأكل الجميع وشبعوا".
"متى ١٤: ١٩-٢٠، لوقا ٩: ١٦-١٧، يوحنا ٦: ١١".
وحين نجح تلاميذه في إخراج شياطين تقدم بالشكر الجزيل لله: "في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال: أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال".
"لوقا ١٠: ٢١، متى ١١: ٢٥".
وبعد.. إذا كانت هذه هي حقيقة معجزات المسيح وموقفه منها -وقد رأيناه يحرص دائمًا على كتمانها واعتبارها فقط عاملًا يخفف من آلام المؤمنين- فكيف يمكن اتخاذها بعد ذلك برهانًا لعبادته وتأليهه؟!
المسيح في القرآن:
يتفق القرآن مع الإنجيل في أن مريم العذراء ولدت ابنها المسيح بعد أن حملت به إثر نفخة من الروح القدس. فهو يذكر ذلك في آيات فرادى وفي سور متفرقات مثل قوله:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] .
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] .
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥] .
стр. 96
ويذكر القرآن قصة حمل مريم وولادتها في آيات كثيرة كما جاء في سورة آل عمران وسورة مريم، وفي غيرهما من السور.
فالمسيح كلمة الله الملقاة وروح منه:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
ولله كلمات كثيرة لا نهائية، ولذلك تعجز المخلوقات عن حصرها.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقان: ٢٧] .
ومن كلمات الله: قضاؤه في أكوانه وأحكامه العادلة الثابتة:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢-٦٤] .
ومن كلمات الله ما يلقى فيفعل فعلًا: قد ينشئ إنشاء أو يمحو كائنًا: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤] .
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢-٨٣] .
وللك كان أمر تخليق عيسى ليس أكثر عجبا من أمر تخليق آدم فكليهما تنفيذ لإرادة الله:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
ونلفت النظر إلى خطأ جسيم يقع فيه البعض حين يقولون: إن المسيح روح الله، وحقيقته أنه: روح من الله، جاء بنفخة إلهية كتلك التي حدثت لآدم، فقد
стр. 97
قال الله للملائكة إبان عملية خلق آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] .
فالمسيح ليس أكثر من عبد من عبيد الله المكرمين. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] .
لقد جاء المسيح عيسى مثلًا ملموسًا على قدرة الله على التخليق، وذلك في زمن طغت فيه المادية على بني إسرائيل فأنكروا إعادة تخليق الإنسان وبعثه في القيامة للحساب، وتحدثنا الأناجيل عن طائفة الصدوقيين التي كانت تنكر القيامة أيام المسيح، وكان لها نفوذ وسلطان فتقول:
"وجاء إليه قوم من الصدوقيين الذين يقولون ليس قيامة وسألوه" "مرقس ١٢: ١٨، متى ٢٢: ٢٣، لوقا ٢٠: ٢٧".
ومع بولس في رحلاته التبشرية "حدثت منازعة بين الفريسيين والصدوقيين وانشقت الجماعة، لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح" "أعمال الرسل ٢٣: ٧-٨".
فالمسيح عبد الله أولًا وأخيرًا، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٢-١٧٣] .
وبعد ذلك فالمسيح مقرب من الله، مفضل بين الرسل:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] .
стр. 98
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]
ولقد غلا كثيرون في المسيح ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] وعبدوه فها هي "الرسالة إلى العبرانيين" تقول: "الله.. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء.. صائرًا أعظم من الملائكة ... لأنه لمن من الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، وأيضًا: أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا" "١: ١-٥".
ويقول بولس: "أمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا"١ "كورنثوس ١: ٩".
وها هو "إنجيل يوحنا" يقول في مقدمته الشاعرية: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله١، هذا كان في البدء عند الله" "١: ١-٢".
стр. 99
ولقد جاء القرآن يبين الحق في المسيح بأقوال محكمات، تقطع كل شك فيه بيقين لا يعرف سوى الثبات -فهو يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٢-٧٧] .
جاء القرآن قاطعًا في بيان حقيقة ذلك الذي قتلوه على الصليب، فنفى نفيًا قاطعًا أن يكون ذلك قد حدث للمسيح، فقال:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧-١٥٨] .
لقد رفعه الله كما سبق أن رفع إدريس "أخنوح"، وإلياس "إيليا" اللذين سبقا المسيح في عملية الرفع.
стр. 100
وإن رفع المسيح قبل اصطياده بيد أعدائه ليتفق تمامًا ونبوءات المزامير التي نذكر منها:
"لأنك قلت: يا رب ملجئي: جعلت العلا مسكنك، لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيتمك.
لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك، لأنه تعلق بي أنجيه.
أرفعه لأنه عرف اسمي. يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق أنقذه وأمجده، من طول الأيام أشبعه، وأريه خلاصي" "مزمور ٩١: ٩-١٦".
ونجد صدى لهذا في إنجيل يوحنا الذي يذكر قصة القبض على المصلوب بطريقة تخالف ما ذكرته الأناجيل الثلاثة الأخرى. فهذه الأناجيل تقول إن يهوذا الخائن سار مرشدًا لقوة الظلم التي جاءت لتقبض على المسيح الذي سيميزونه من أصحابه عندما يقبله يهوذا:
"وللوقت فيما هو "المسيح" يتكلم أقبل يهوذا واحد من الاثنى عشر ومعه جمع كثير بسيوف وعصى.
وكان مسلمه قد أعطاهم علامة قائلًا: الذي أقبله هو هو. أمسكوه وامضوا بحرص.
فجاء للوقت وتقدم إليه قائلًا: يا سيدي، يا سيدي، وقبله.
فألقوا أيديهم عليه وأمسكوه" "مرقس ١٤: ٤٣-٤٦، متى ٢٦: ٤٧-٥٠، لوقا ٢٢: ٤٧-٤٨".
لكن إنجيل يوحنا يذكر قصة مختلفة لا دخل فيها لقبلة الخيانة، فقد قدم المسيح نفسه لطالبيه وآنذاك حدث شيء غير متوقع أصابهم بصدمة كبيرة أوقعتهم على الأرض خاصة وأن العملية كانت في الليل:
стр. 101
"أخذ يهوذا الجند وخدامًا، وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح، فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه، وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري. فقال لهم يسوع: أنا هو. وكان يهوذا مسلمه أيضًا واقفًًا معهم.
فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض" "يوحنا ١٨: ٣-٦".
وعلى كل فليست هذه هي المرة الأولى التي يختلف فيها إنجيل يوحنا مع الثلاثة الآخرين فقد اختلفوا كذلك في يوم الصلب: إذ جعله يوحنا يوم الخميس، بينما جعله الآخرون يوم الجمعة، وما من شك في أن صلب يهوذا الخائن بدل المسيح ليتفق ونبواءات المزامير التي نذكر منها:
"أحمد الرب بكل قلبي. أحدث بجميع عجائبك ...
عند رجوع أعدائي إلى خلف يسقطون ويهلكون من قدام وجهك لأنك أقمت حقي ودعواي.. أهلكت الشرير ...
يا رافعي من أبواب الموت ...
تورطت الأمم في الحفرة التي عملوها.. في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم. معروف هو الرب. قضاء أمضى: الشرير يعلق بعمل يديه" "مزمور ٩: ١-١٦".
والحق أن قول القرآن بعدم صلب المسيح أو قتله، لهو في رأيي من أكبر المعجزات، وإن الدراسة الدقيقة للمراجع والأسفار المسيحية لتتفق تمامًا وما جاء به القرآن١.
стр. 102
هذا.. وما من شك في أن إلصاق أية ألوهية بالمسيح على أية صورة من الصور إنما هو شر حرمه الله تحريمًا قاطعًا، وجعله إثما غير قابل للمغفرة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] .
ولا يصح إيمان بالله إلا إذا تبرأ من كل شرك وأقر بالتوحيد المطلق، فذاك هو الإخلاص لله، وبه الخلاص من عاقبة السوء. والمخلصون دائمًا يقولون:
﴿اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] .
стр. 103
الفصل الرابع: نبي العالمين محمد خاتم النبيين
مدخل
...
الفصل الرابع: نبي العالمين محمد خاتم النبيين:
محمد رسول الله:
هو خاتم النبيين.. أكمل الله به الدين، وأتم على يديه الرسالة، وجعله رحمة للعالمين.
والحديث عنه دائمًا حديث متجدد.
فمنذ حمل رسالة الله إلى الناس وهو حديث العالم، قاصيه ودانيه، ولا يزال كذلك إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد تعرض محمد رسول الله لأذى كثير من القريب والبعيد، سواء الذين عاصروه أو أولئك الذين جاءوا من بعده، حتى إن واحدًا من علماء المسيحية المعاصرين قال في "دراسته" "ربما لا يوحد صاحب دعوة تعرض للتجريح والإهانة ظلمًا على مدى التاريخ مثل محمد، كذلك لا يودد أي اتهام أساسه السياسة -لا الدين- مثل الاتهامات التي وجهت للإسلام"١.
ومع ذلك فإن الإسلام -دين الله الذي جاء به محمد للناس- ظل قويًا أبدًا يلقي بظله الممدود عبر صنوف البشر ومختلف القارات.
وأخيرًا وبعد زمان طويل بدأ العالمون من غير المسلمين في الاعتراف بصدق محمد وكمال رسالته واعتباره "الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على كلا المستويين: الديني والدنيوي، فهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وبعد ١٣ قرنا من وفاته فإن أثر محمد ما يزال متجددًا"٢.
стр. 104
وفي الحديث هنا عن محمد رسول الله ﷺ نجد صغر الحيز المتاح في هذا الجزء من الكتاب يضطرنا إلى التركيز الشديد، لذلك نكتفي بعرض شيء من "البشارات"، ثم نلقي نظرة على "الرسول في القرآن" مع ذكر "قبس من سيرة الرسول"، وحديث عن "معجزات الرسول" وأخيرًا نتحدث عن "محمد نبي الملكوت".
стр. 105
البشارات:
لا يزال بين أيدينا إلى الآن بقية من البشارات بنبي الإسلام نكتفي بعرض نماذج منها في إيجاز شديد مما جاء في الأسفار المقدسة في الديانات: اليهودية، والمسيحية، والبرهمية، والمجوسية.
أولًا -بشارات العهد القديم:
١- بشارة التوراة:
"أ" تقول التوراة -التي تكون الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم- إنه قبيل موت موسى فإنه جمع بني إسرائيل كلهم ووقف فيهم معلمًا وخطيبًا وكان "هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع بني إسرائيل في عبر الأردن.. وفي أرض موآب ابتدأ موسى بشرح هذه الشريعة قائلًا: الرب إلهنا كلمنا في حوريب.. فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا" "تثنية ١:١-٦، ٤:١".
ولقد كان ما أعلنه موسى أمام جميع بني إسرائيل تلك البشارة بنبي مرتقب عظيم الشأن، قال فيها:
"قا لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه.
ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي" "تثنية ١٨: ١٧-٢٠".
стр. 106
بادئ ذي بدء نقول: إن هناك اتفاقًا تامًا بين المسيحيين والمسلمين على أن هذا النبي المرتقب لم يظهر في بني إسرائيل حتى عهد المسيح. ويتبين ذلك من شهادة كل من بطرس واستيفانوس الذي كان يعتقد أن تلك النبوءة قد تحققت في المسيح.
فقد قال بطرس: "يسوع المسيح المبشر به لكم قبل ... فإن موسى قال للآباء: إن نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به" "أعمال الرسل ٢٠:٣-٢٢".
وكذلك قال استيفانوس: "هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل: نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون" "أعمال الرسل ٧: ٣٧".
ولا مانع من الموافقة على ذلك بشرط الإقرار بأن: المسيح مثل موسى تمامًا فقد كان موسى عبد الله ورسوله وكذلك يكون المسيح.
إن هذا الإقرار يقضي تمامًا على الخلافات في أساسيات العقيدة بين المسيحيين بعضهم البعض من جانب، وبينهم وبين المسلمين من جانب آخر.
ولكن واقع الأمر -للأسف الشديد- على خلاف ذلك من جميع الوجوه.
والآن ننظر في علامات هذا النبي المرتقب فنجد كلمات النبوة تقول:
"أ" "نبيًا من وسط إخوتهم": وإخوة بني إسرائيل هم أولاد عمومتهم أو أقرباؤهم الذين يشاركونهم نسب الآباء، فأولاد الجد الأكبر إبراهيم وأحفاده يعتبرون إخوة لأنهم ذرية لأب واحد. وقد شاع استخدام لفظ "الإخوة" في العهد القديم ليعني الأقرباء، وأولاد العمومة كما في قوله: "أرسل موسى رسلًا من قادش إلى ملك أدوم. هكذا يقول أخوك إسرائيل" "العدد ٢٠: ١٤".
стр. 107
فالمقصود بـ "إسرائيل" هنا هم الشعب الإسرائيلي الذي كان يقوده موسى، وهؤلاء كانوا أحفاد.. إسرائيل "يعقوب" بن إسحاق بن إبراهيم، كما كان ملك أدوم وشعبه، من أحفاد.. عيسو أخى إسرائيل، علاوة على كون الأدوميين من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، ذلك أن عيسو بن إسحاق هذا كان قد ذهب إلى عمه "إسماعيل، وأخذ محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم.. زوجة له" "تكوين ٢٨: ٩".
وكرر نفس المعنى في قوله: "أوصى الشعب قائلًا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير" "تثنية ٢: ٤".
فلغة العهد القديم تقول إن: ذرية الأحفاد يعتبرون إخوة لذرية الأحفاد الذين يشتركون معهم في الجد الأكبر.
مما سبق نتبين أن هذا النبي المرتقب: ليس إسرائيليًا لكنه يشارك الإسرائليين جدهم الأكبر.
"ب" "مثلك" إن أهم ما يتميز به موسى أنه جاء بكتاب أنزل من عند الله هو التوراة، يقوم على التوحيد الخالص ويدعو إلى قتل الوثنيين وعباد الأصنام، ثم يفرض شرائع وأحكام تتعلق بالعبادات والمعاملات.
كذلك يتميز موسى بأنه "رجل حروب" فقد نظم صفوف بني إسرائيل وقادهم في الحروب ضد أعدائهم. ومن أمثلة مجهوداته الحربية:
بعد خروج موسى ببني إسرائيل من مصر "أتى عماليق وحارب إسرائيل. فقال.. موسى ليشوع "تابعه" انتخب لنا رجلًا واخرج حارب عماليق.. وأما موسى وهاورن وحور فصعدوا على رأس التلة.. وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذا خفض يده أن عماليق يغلب" "خروج ١٧: ٨-١١".
ثم بدأ موسى يجهز بني إسرائيل للحرب فقد "كلم الرب موسى في برية سيناء.. في السنة الثانية لخروجهم ... أحصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم ... من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل" "العدد ١: ١-٣".
стр. 108
وفي حروب بني إسرائيل بقيادة موسى ذاقوا النصر حين أطاعوه وساروا وفق خطته فقد "أرسل إسرائيل رسلًا إلى سيحون ملك الأموريين قائلًا: دعني أمر في أرضك.. فلم يسمح سيحون لإسرائيل بالمرور في تخومه ... وحارب إسرائيل فضربه إسرائيل بحد السيف وملك أرضه" "العدد ٢١: ٢١-٢٤".
كذلك ذاق بنو إسرائيل الهزيمة في معركة الجبل١ -وفيهم موسى- حين خرجوا إلى الحرب بهواهم ورفضوا أوامره. وفي هذا قال لهم موسى: "تنطقتم كل واحد بعد حرمه واستخففتم الصعود إلى الجبل فقال الرب لي: قل لهم لا تصعدوا ولا تحاربوا.. فكلمكم ولم تسمعوا بل عصيتم قول الرب وطغيتم وصعدتم إلى الجبل. فخرج الأموريون الساكنين في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما يفعل النحل وكسروكم" "تثنية ١: ٤١-٤٤".
"ج" "أما النبي الذي.. يتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به.. فيموت ذلك النبي".
إن هذه الفقرة تحدد عقوبة النبي الذي يفتري على الله الكذب فيدعي أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء، فعقوبة ذاك النبي وأمثاله هي القتل. إن قوله: "يموت ذلك النبي" تعني قتله وإلا تصبح عديمة المعنى، لأن الموت نهاية كل حي سواء أكان نبيًا كاذبًا أم صادقًا.
إن ذلك ما تقوله التراجم القديمة: "أما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكم باسمي ما لم آمره بقوله: أو باسم آلهة غيري فليقتل".
لقد درج الكتاب المقدس على استخدام عقوبة الموت لتعني القتل كما في حدود الزنا:
"إذا زنى رجل مع امرأة.. فإنه يقتل، الزاني والزانية ... وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائهما، تميت المرأة والبهيمة إنهما يقتلان.. دمهما عليهما" "لاويين ٢: ١٠-١٦".
стр. 109
ونقف هنا لنقول: إن توراة موسى تنص بوضوح على أن كل نبي يقول بغير "لا إله إلا الله" فإن نهايته القتل، لأنه متنبئ افترى على الله كذبًا، وعلم غير الحقيقة الكبرى، وهي التوحيد الخالص، حتى لو أتى ذلك الدعي بكل المعجزات والأعاجيب، إن هذا ما تقوله التوراة:
"إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا، وأعطاك آية أو أعجوبة ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلًا: لنذهب وراء آلهة أخرى.. فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم.. لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم.
وذلك النبي ... يقتل لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم" "تثنية ١٣: ١-٥".
إن آية صدق النبي -إذن- كل نبي، هو أن يقول ويعلم "لا إله إلا الله".
والآن نقول: إن النبي المرتقب الذي لا تزل تبشر به التوراة -إلى الآن- لا يمكن أن يكون سوى محمد نبي الإسلام، فهو النبي الوحيد الذي ظهر بعد موسى وينطبق عليه الوصف أنه "مثل موسى" تمامًا، وذلك لأسباب كثيرة من بينها ما نذكره بعد مسلسلًا من المنشأ إلى نهاية الحياة الدنيوية لكل من هذين النبيين العظيمين:
١- ينسب موسى إلى أبيه عمرام بن قهات بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه يوكابد بنت لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وبهذا يلتقي أبوه مع أمه في الجد الأول لأبيه. ونلاحظ أن صلة الأب بذلك الجد أبعد من صلة الأم به بمقدار جيل واحد ...
وينسب محمد إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
стр. 110
وكانت أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.. إلخ.
وبهذا يلتقي أبوه مع أمه في الجد الرابع لأبيه.... ونلاحظ كذلك أن صلة الأب بذلك الجد أبعد من صلة الأم به بمقدار جيل واحد.
وغني عن البيان أن كليهما قد حمل به وولد ولادة طبيعية.
٢-جاء موسى من بيت اختص بالخدمة الدينية وهم بنو لاوى، فقد "أفرز الرب سبط لاوى ليحملوا تابوت عهد الرب ولكي يقفوا أمام الرب ليخدموه ويباروا باسمه" "تثنية ١٠: ٨".
وكذلك جاء محمد من بيت اختص بالخدمة الدينية، فقد كان بنو عبد مناف يلون الرفادة والسقاية، وهما تقديم الطعام لحجاج البيت الحرام وتقديم الماء العذب لهم.
٣- وكان موسى راعي غنم قبل رسالته، وكذلك كان محمد راعي غنم قبل رسالته.
٤- وقد تزوج موسى قبل رسالته وكانت له ذرية: "أخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى أرض مصر" "خروج ٤: ٢٠".
ولقد حدثت هذه العودة بعد الرسالة.
وكذلك تزوج محمد قبل رسالته، وعمره آنذاك ٢٥ عامًا، وكانت له ذرية من خديجة بنت خويلد التي كان عمرها آنذاك ٤٠ عامًا.
٥- وكلاهما عدد زوجاته بعد الرسالة، فقد تزوج موسى مرة أخرى من امرأة سمراء أعجبته فتعرض من جراء ذلك للنقد والسخرية، لكن الله -سبحانه- تكفل بالدفاع عنه. فلقد "تكلمت مريم "أخته" وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية لأنه كان قد اتخذ امرأة كوشية فقالا: هل كلم الرب موسى وحده. ألم يكلمنا نحن أيضًا؟