← Акыда

Акыда · id 22862

النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام

أحمد عبد الوهاب علي

Полный текст (287 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بادئ ذي بدء نقول: إن هناك اتفاقًا تامًا بين المسيحيين والمسلمين على أن هذا النبي المرتقب لم يظهر في بني إسرائيل حتى عهد المسيح. ويتبين ذلك من شهادة كل من بطرس واستيفانوس الذي كان يعتقد أن تلك النبوءة قد تحققت في المسيح. فقد قال بطرس: "يسوع المسيح المبشر به لكم قبل ... فإن موسى قال للآباء: إن نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به" "أعمال الرسل ٢٠:٣-٢٢". وكذلك قال استيفانوس: "هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل: نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون" "أعمال الرسل ٧: ٣٧". ولا مانع من الموافقة على ذلك بشرط الإقرار بأن: المسيح مثل موسى تمامًا فقد كان موسى عبد الله ورسوله وكذلك يكون المسيح. إن هذا الإقرار يقضي تمامًا على الخلافات في أساسيات العقيدة بين المسيحيين بعضهم البعض من جانب، وبينهم وبين المسلمين من جانب آخر. ولكن واقع الأمر -للأسف الشديد- على خلاف ذلك من جميع الوجوه. والآن ننظر في علامات هذا النبي المرتقب فنجد كلمات النبوة تقول: "أ" "نبيًا من وسط إخوتهم": وإخوة بني إسرائيل هم أولاد عمومتهم أو أقرباؤهم الذين يشاركونهم نسب الآباء، فأولاد الجد الأكبر إبراهيم وأحفاده يعتبرون إخوة لأنهم ذرية لأب واحد. وقد شاع استخدام لفظ "الإخوة" في العهد القديم ليعني الأقرباء، وأولاد العمومة كما في قوله: "أرسل موسى رسلًا من قادش إلى ملك أدوم. هكذا يقول أخوك إسرائيل" "العدد ٢٠: ١٤".

стр. 107

فالمقصود بـ "إسرائيل" هنا هم الشعب الإسرائيلي الذي كان يقوده موسى، وهؤلاء كانوا أحفاد.. إسرائيل "يعقوب" بن إسحاق بن إبراهيم، كما كان ملك أدوم وشعبه، من أحفاد.. عيسو أخى إسرائيل، علاوة على كون الأدوميين من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، ذلك أن عيسو بن إسحاق هذا كان قد ذهب إلى عمه "إسماعيل، وأخذ محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم.. زوجة له" "تكوين ٢٨: ٩". وكرر نفس المعنى في قوله: "أوصى الشعب قائلًا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير" "تثنية ٢: ٤". فلغة العهد القديم تقول إن: ذرية الأحفاد يعتبرون إخوة لذرية الأحفاد الذين يشتركون معهم في الجد الأكبر. مما سبق نتبين أن هذا النبي المرتقب: ليس إسرائيليًا لكنه يشارك الإسرائليين جدهم الأكبر. "ب" "مثلك" إن أهم ما يتميز به موسى أنه جاء بكتاب أنزل من عند الله هو التوراة، يقوم على التوحيد الخالص ويدعو إلى قتل الوثنيين وعباد الأصنام، ثم يفرض شرائع وأحكام تتعلق بالعبادات والمعاملات. كذلك يتميز موسى بأنه "رجل حروب" فقد نظم صفوف بني إسرائيل وقادهم في الحروب ضد أعدائهم. ومن أمثلة مجهوداته الحربية: بعد خروج موسى ببني إسرائيل من مصر "أتى عماليق وحارب إسرائيل. فقال.. موسى ليشوع "تابعه" انتخب لنا رجلًا واخرج حارب عماليق.. وأما موسى وهاورن وحور فصعدوا على رأس التلة.. وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذا خفض يده أن عماليق يغلب" "خروج ١٧: ٨-١١". ثم بدأ موسى يجهز بني إسرائيل للحرب فقد "كلم الرب موسى في برية سيناء.. في السنة الثانية لخروجهم ... أحصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم ... من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل" "العدد ١: ١-٣".

стр. 108

وفي حروب بني إسرائيل بقيادة موسى ذاقوا النصر حين أطاعوه وساروا وفق خطته فقد "أرسل إسرائيل رسلًا إلى سيحون ملك الأموريين قائلًا: دعني أمر في أرضك.. فلم يسمح سيحون لإسرائيل بالمرور في تخومه ... وحارب إسرائيل فضربه إسرائيل بحد السيف وملك أرضه" "العدد ٢١: ٢١-٢٤". كذلك ذاق بنو إسرائيل الهزيمة في معركة الجبل١ -وفيهم موسى- حين خرجوا إلى الحرب بهواهم ورفضوا أوامره. وفي هذا قال لهم موسى: "تنطقتم كل واحد بعد حرمه واستخففتم الصعود إلى الجبل فقال الرب لي: قل لهم لا تصعدوا ولا تحاربوا.. فكلمكم ولم تسمعوا بل عصيتم قول الرب وطغيتم وصعدتم إلى الجبل. فخرج الأموريون الساكنين في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما يفعل النحل وكسروكم" "تثنية ١: ٤١-٤٤". "ج" "أما النبي الذي.. يتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به.. فيموت ذلك النبي". إن هذه الفقرة تحدد عقوبة النبي الذي يفتري على الله الكذب فيدعي أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء، فعقوبة ذاك النبي وأمثاله هي القتل. إن قوله: "يموت ذلك النبي" تعني قتله وإلا تصبح عديمة المعنى، لأن الموت نهاية كل حي سواء أكان نبيًا كاذبًا أم صادقًا. إن ذلك ما تقوله التراجم القديمة: "أما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكم باسمي ما لم آمره بقوله: أو باسم آلهة غيري فليقتل". لقد درج الكتاب المقدس على استخدام عقوبة الموت لتعني القتل كما في حدود الزنا: "إذا زنى رجل مع امرأة.. فإنه يقتل، الزاني والزانية ... وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائهما، تميت المرأة والبهيمة إنهما يقتلان.. دمهما عليهما" "لاويين ٢: ١٠-١٦".

стр. 109

ونقف هنا لنقول: إن توراة موسى تنص بوضوح على أن كل نبي يقول بغير "لا إله إلا الله" فإن نهايته القتل، لأنه متنبئ افترى على الله كذبًا، وعلم غير الحقيقة الكبرى، وهي التوحيد الخالص، حتى لو أتى ذلك الدعي بكل المعجزات والأعاجيب، إن هذا ما تقوله التوراة: "إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا، وأعطاك آية أو أعجوبة ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلًا: لنذهب وراء آلهة أخرى.. فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم.. لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم. وذلك النبي ... يقتل لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم" "تثنية ١٣: ١-٥". إن آية صدق النبي -إذن- كل نبي، هو أن يقول ويعلم "لا إله إلا الله". والآن نقول: إن النبي المرتقب الذي لا تزل تبشر به التوراة -إلى الآن- لا يمكن أن يكون سوى محمد نبي الإسلام، فهو النبي الوحيد الذي ظهر بعد موسى وينطبق عليه الوصف أنه "مثل موسى" تمامًا، وذلك لأسباب كثيرة من بينها ما نذكره بعد مسلسلًا من المنشأ إلى نهاية الحياة الدنيوية لكل من هذين النبيين العظيمين: ١- ينسب موسى إلى أبيه عمرام بن قهات بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه يوكابد بنت لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وبهذا يلتقي أبوه مع أمه في الجد الأول لأبيه. ونلاحظ أن صلة الأب بذلك الجد أبعد من صلة الأم به بمقدار جيل واحد ... وينسب محمد إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.

стр. 110

وكانت أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.. إلخ. وبهذا يلتقي أبوه مع أمه في الجد الرابع لأبيه.... ونلاحظ كذلك أن صلة الأب بذلك الجد أبعد من صلة الأم به بمقدار جيل واحد. وغني عن البيان أن كليهما قد حمل به وولد ولادة طبيعية. ٢-جاء موسى من بيت اختص بالخدمة الدينية وهم بنو لاوى، فقد "أفرز الرب سبط لاوى ليحملوا تابوت عهد الرب ولكي يقفوا أمام الرب ليخدموه ويباروا باسمه" "تثنية ١٠: ٨". وكذلك جاء محمد من بيت اختص بالخدمة الدينية، فقد كان بنو عبد مناف يلون الرفادة والسقاية، وهما تقديم الطعام لحجاج البيت الحرام وتقديم الماء العذب لهم. ٣- وكان موسى راعي غنم قبل رسالته، وكذلك كان محمد راعي غنم قبل رسالته. ٤- وقد تزوج موسى قبل رسالته وكانت له ذرية: "أخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى أرض مصر" "خروج ٤: ٢٠". ولقد حدثت هذه العودة بعد الرسالة. وكذلك تزوج محمد قبل رسالته، وعمره آنذاك ٢٥ عامًا، وكانت له ذرية من خديجة بنت خويلد التي كان عمرها آنذاك ٤٠ عامًا. ٥- وكلاهما عدد زوجاته بعد الرسالة، فقد تزوج موسى مرة أخرى من امرأة سمراء أعجبته فتعرض من جراء ذلك للنقد والسخرية، لكن الله -سبحانه- تكفل بالدفاع عنه. فلقد "تكلمت مريم "أخته" وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية لأنه كان قد اتخذ امرأة كوشية فقالا: هل كلم الرب موسى وحده. ألم يكلمنا نحن أيضًا؟

стр. 111

فسمع الرب. وأما الرجل موسى فكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض. فقال الرب حالًا لموسى وهارون ومريم: اخرجوا أنتم الثلاثة إلى خيمة الاجتماع، فخرجوا هم الثلاثة ... ودعا موسى وهارون فخرجا كلاهما. فقال "الرب": اسمعا كلامي. إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا أستعلن له.. وأما عبدي موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي.. فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى؟ فحمى غضب الرب عليهما.. وإذا مريم برصاء كالثلج.. فقال هارون لموسى: أسألك يا سيدي لا تجعل علينا الخطية التي حمقنا وأخطأنا بها.. فصرح موسى إلى الرب قائلًا: اللهم اشفها.. فقال الرب لموسى: تحجز سبعة أيام وبعد ذلك ترجع" "العدد ١٢: ١-١٤". وكذلك عدد محمد زوجاته بعد الرسالة بيد أن هنا وقفة لا بد منها: لقد بعث الرسول وعمره ٤٠ عامًا، وكان زوجته الوحيدة خديجة عمرها آنذاك ٥٥ عاما. واستمرت هي الزوجة الوحيدة في حياة الرسول حتى توفيت بعد الرسالة بنحو ١٢ عامًا فكان عمر الرسول آنذاك ٥٢، وكان عمرها حين توفيت ٦٧ عامًا، إذ لم يتزوج الرسول ثانية إلا بعد وفاة هذه السيدة الفاضلة العجوز، والتي قضى معها ٢٧ عامًا في حياة زوجية مستقرة، استغرقت كل شبابه وجزءا من مشيبه. ثم كانت الزوجة الثانية في حياة الرسول -والأولى بعد وفاة خديجة- هي سودة بنت زمعة، أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس. ولم تعرف سودة بالجمال أو الثروة أو المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثرًا في زواجه منها. إنما كانت سودة زوجة لرجل من السابقين إلى الإسلام الذين احتملوا في

стр. 112

سبيله الأذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد أن أمرهم النبي بالهجرة إليها. وقد أسلمت سودة وهاجرت معه وعانت من المشاق ما عانى ولقيت من الأذى ما لقي. ولما طال المكث على السكران في أرض الحبشة، ظن أن الأمور ربما تكون قد تحولت إلى جانب المسلمين، فعاد بها إلى أرض العرب، إلا أنه مات عقيب وصوله وترك زوجته مهيضة الجناح. وهنا يقول الدكتور نظمي لوقا: "كان الموقف عصيبًا، فالمسلمون والمسلمات في ذلك العهد قليل عددهم.. والتنكيل بهم على أشده بعد أن مات أبو طالب عم الرسول حتى اجترأ المجترئون على إيذائه إيذاء بدنيًا عنيفًا، بعد أن كان جل إيذائهم من قبل باللسان والإشارة. وإذا كان هذا حال الرسول. فكيف يكون حال من دونه من أتباعه؟ كيف يكون حال امرأة فقدت زوجها ولا نصير لها؟ محنة اهتزت لها قلوب المؤمنين وشغلت بالهم. وكان التكافل هو الواجب الأول والخاطر في كل ذهن. من الواجب أن يضم رجل مسلم مثل هذه الأرملة المهددة في دينها المطعونة في طمأنينتها. والتعدد ليس سنة مستحدثة في العرب، بل ذلك حالهم منذ قديم ... فهل كان محمد، إذا ارتضى الزواج، الرجل الذي يتخلى عن هذه المسكينة فيعرضها للقهر والشماتة؟ معاذ النخوة؟ ليتزوجها إذن! لتكون مدبرة لبيته ومربية لابنته، لا لتكون متعة حس ولذة مضجع. وإن هي إلا سنوات قلائل حتى أحست هذه العجوز الطيبة القلب أنها عبء على كرم زوجها وبره، فاستأذنته أن تظل في بيته وتعفيه من حقوق الزوجية ... وبقيت هناك تصلي وتصوم وتتصدق، زوجة شرف لا أكثر، وما كانت تصلح من الزواج إلا لهذا، وما صلحت لهذا إلا لنخوة في ذلك الرجل.. هذا هو أول

стр. 113

حظه من النساء بعد وفاة خديجة، وما هو بحظ الملهوف على لذات الفراش بعد طول مصابرة ومصانعة"١. واستمر الدكتور نظمي لوقا في بيان دوافع تعدد زوجات الرسول وظروف كل حالة على حدة وكانت خلاصة قوله: "هؤلاء زوجاته اللواتي بنى بهن وجمع بينهن. لم تكن واحدة منهن هدف اشتهاء كما يزعمون، وما من واحدة منهن إلا كان زواجه بها أدخل في باب الرحمة وإقامة العثار والمواساة الكريمة، أو لكسب مودة القبائل وتأليف قلوبها بالمصاهرة، وهي بعد حديثة عهد بالدين الجديد. هي ضريبة واجب إذن. وما كان من الهين على رسول قائد جيش وحاكم دولة محاربة أن يزيد أعباءه بما يكون في بيت كثير النساء من خلافات على صغائر الأمور ... ولكنه الواجب. واجب الدعوة أو واجب النخوة"٢. لقد عدد كل من موسى ومحمد زوجاته ولا حرج عليه فمن قبل عدد الأنبياء، وعلى رأسهم أبوهم إبراهيم، الذي تزوج هاجر ومعه زوجه الأولى سارة. وبعد موت سارة "عاد إبراهيم، فأخذ زوجة اسمها قطورة فولدت له "٦ أبناء" ... وأما بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم وصرفهم ... شرقًا" "تكوين ٢٥: ١-٦". لقد عدد إبراهيم الزوجات والسراري وكانت له منهن ذرية. وكذلك عدد يعقوب زوجاته، فقد تزوج الأختين ليئة وراحيل كما تزوج جاريتهما بلهة وزلفة، فجمع أربعًا في وقت واحد، وجاء منهن بنو إسرائيل. وعدد داود زوجاته فقد "أخذ داود نساء أيضًا في أورشليم وولد أيضًا داود بنين وبنات" "أخبار الأيام الأول ١٤: ٣".

стр. 114

وكانت له أخينوعم اليزرعيلية وأبيجايل امرأة نابال الكرملي ومعكه بنت تلماي وحجيث وأبيضال وعجلة، وميكال بنت شاول. وأما عن سليمان فحدث ولا حرج إذ تقول الأسفار:"وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون: موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات. من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم، لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة. وكانت له سبعمائة "٧٠٠"!! من النساء السيدات وثلاثمائة "٣٠٠"!! من السراري فأمالت نساؤه قلبه" "الملوك الأول ١١: ١-٣". الحق ... إن الذين يمارون في تعدد الزوجات إما جهلة وإما منافقون. وبعد هذه الوقفة التي جاءت في مكانها للحديث عن تعدد الزوجات نعود لنستكمل أوجه التشابه بين موسى ومحمد. ٦- كان موسى معافًا في بدنه وعقله. وظل يتمتع بطاقته العقلية والبدنية حتى توفاه الله. "وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات، ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته" "تثنية ٣٤: ٧". وكذلك كان محمد معافًا في بدنه وعقله، ولقد كانت رجاحة عقله سببًا في منع حرب أهلية كادت تنشب بين قبائل قريش من أجل التسابق على وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة بعد إعادة بنائها قبل بعثته. فقد اقترح عليهم أن يأتوه بثوب وضع عليه الحجر وأمسكت كل قبيلة من الثوب. فكأنهم حملوه جميعًا إلى ما يحاذي موضع البناء ثم تناوله بيده ووضعه في مكانه. وكان محمد قوي البدن وسيم الطلعة أزهر اللون اشتهر في قومه بالأمانة فعرف بينهم منذ نشأته بالأمين. واجتمعت فيه كل صفات الخلق العظيم، كما

стр. 115

اكتملت فيه المهابة وقوة الشخصية التي تلطفها ألفة ولين جانب، حتى إن الأطفال لتركن إليه وتفرح بمداعبته. وكان محمد شجاعًا مقدامًا، أول من يلبي داعي النصرة ويقتحم مواطن الخطر. يصف علي بن أبي طالب -وهو الفدائي المقدام- مواقف الرسول في الحرب فيقول: "كنا إذا اشتدت الحرب واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله، فما يكون أحدنا أقرب إلى العدو منه". ولقد عرف كل من موسى ومحمد بالطهارة وسلامة الطبع فعافت نفساهما الطاهرتان كل خبيث من مأكل ومشرب فما ذاقا الخمر أو المسكر. ٧- جاء موسى بكتاب من عند الله هو التوراة، لا يزال يقول الذين أعادوا كتابته بعد أن تعرض للضياع والأسر عند الأعداء -ولم يكتمل شرعيته إلا حوالي عام "٤٠٠ ق. م" أي بعد موسى بنحو ٨٠٠ عام- أن ما بين دفتيه هو كلام الله ووحيه، فالحديث عن الوصايا العشر يبدأ هكذا: "ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلًا: أنا الرب إلهك. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.. لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما" "خروج ٢٠: ١-٤". "وقال الرب لموسى: اكتب لنفسك هذه الكلمات.. فكتب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر" "خروج ٣٤: ٢٧-٢٨". وفي آخر أيام موسى: "عندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلًا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدًا عليكم" "تثنية ٣١: ٢٤-٢٦".

стр. 116

وجاء محمد بكتاب من عند الله هو القرآن، يشهد ما فيه على أنه كلام الله الذي أنزل وحيًا إلى الرسول ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٥] . ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشوري: ٧] . ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] . وبين التوراة والقرآن، جاء الإنجيل، إلا أن ما بين أيدينا من أناجيل أربعة قانونية لم يقل واحد منها إنه كلام الله، أو إن كاتبه قد كتبه بوحي أو إلهام. فها هو إنجيل يوحنا الذي كتب بعد أكثر من ٧٠ عامًا من رفع المسيح الذي ينسب إلى أحد تلاميذه يقول كاتبه في خاتمته: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حق. وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتب واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" "يوحنا ٢١: ٢٤-٢٥". ولا شك أن درجة الدقة هنا يحددها اعتراف الكتاب بأنه لا يظن أن العالم يسع الكتب التي تحكي معجزات المسيح وأن ما سطره ليس إلا شهادة منه كتبها بجهوده الشخصية، وكذلك الحال مع بقية أناجيل متى ومرقس ولوقا بل وبقية أسفار العهد الجديد وخاصة رسائل بولس وتلاميذ المسيح والتي سبق أن عرضنا لها في موضوع الوحي١.

стр. 117

وكذلك كان المسيح مثقفًا درس الأسفار المقدسة وتتلمذ على طائفة اليهود الأسينيين. ففي بدء رسالته "دخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه سفر أشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه: روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين.. وطوى السفر وسلمه إلى الخادم.. فابتدأ يقول لهم: إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم". "لوقا ٤: ١٦-٢١". مما سبق نتبين أن كلام الله الذي يجعله في فم النبي المرتقب هو ما يقرؤه على الناس شفاهًا بأنه القرآن الذي جاء به، وكان فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] . ٨- وكما نعلم جميعًا فقد كان كل من موسى ومحمد "رجل حرب" قاد أتباعه في معارك شرسة ضد الكفار وعباد الأوثان، وذاقت قوات كل منهما النصر، كما تعرضت للهزيمة. ويجب أن نذكر أن "رجل الحرب" في الكتاب المقدس، صفة من صفات الله. فها هو موسى يعظم ربه بعد غرق فرعون وجنوده ويقول: "الرب قوتي ونشيدي.. هذا إلهي فأمجده. الرب رجل الحرب، الرب اسمه" "خروج ١٥: ٢-٣". ٩- ولقد تلقى موسى الرسالة الإلهية وعمره ٨٠ عامًا: "وكان موسى ابن ثمانية سنة وهارون ابن ثلاث وثمانين سنة حين كلما فرعون" "خروج ٧: ٧". وكما علمنا فقد توفي موسى عن ١٢٠ عامًا، أي أن فترة رسالة موسى بلغت ثلث عمره. كذلك بعث محمد وعمره ٤٠ عامًا وتوفي عن ٦٣ عامًا أي أن فترة رسالته بلغت ثلث عمره أيضًا.

стр. 118

١٠-وأخيرًا -وليس آخرًا- فقد مات كل منهما ميتة طبيعية ولم يتعرض فيها لقتل أو تعذيب. إنما مات رضي النفس في حضن أهله وعشيرته وأتباعه. "ب" ثم كانت هناك بشارة أخرى لا تزال تذكرها التوراة تتعلق بالإسلام ونبيه وشريعته، وفتح مكة ودخوله ظافرًا على رأس جيش من صحابته الأبرار: ١٠٠٠٠ من القديسين، كما تقول التوراة. فهذه نبوءة موسى فيهم وفي نبيهم -محمد رسول الله- تقول، حسب ترجمة البروتستانت: "جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران. وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم. فأحب الشعب. جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك" "تثنية ٣٣: ٢-٣". وإذا رجعنا إلى نسخة الملك جيمس نجد ترجمة الفقرة التي تتحدث عن "ربوات القدس" وما بعدها تعطينا صورة أوضح، إذ يقول: "وجاء مع عشرة آلاف "١٠.٠٠٠" من القديسين. ومن يمينه خرجت شريعة ملتهبة لهم"١. أما العبارة التي تقول: "أحب الشعب"، فنجدها في التراجم الفرنسية تتكلم عن حب الله للشعوب، أي للناس أجمعين، وليس شعبًا واحدًا، التي جرت العادة، في مثل تلك الحال، أن يفهم أنه الشعب الإسرائيلي، فالفرق كبير بين هذا وذاك. فهذه التراجم "أجل، إنه يحب الشعوب"٢.

стр. 119

وأما قولهم: "يتقبلون من أقوالك"، فهي في نسخة الملك جيمس: "وكل واحد سيتلقى من أقوالك". وهناك إجماع بين التراجم على أن هذه الفقرة من سفر التثنية، لها علاقة بفقرة أخرى من سفر حبقوق "٣:٣" سنتعرض لها فيما بعد. والآن ننظر في هذه النبوة، كما جاءت في سفر التثنية مع الأخذ في الاعتبار ما تقوله مختلف التراجم، نجد أن: مجيء الرب من سيناء يشير إلى رسالة موسى، حيث ناداه الله في البقعة المقدسة. وإشراق الرب من سعير، يشير إلى رسالة المسيح عيسى، حيث تمتد سعير جنوب البحر الميت، شرق فلسطين، وحيث اعتزل المسيح نحو ١٨ عامًا مع طائفة من أهل التقوى والورع يعرفون باسم: الأسينيين. وأما تلألؤ الرب من جبل فاران، فهو إشارة إلى رسالة محمد الذي جاء من ذرية إسماعيل بن إبراهيم. فلقد سكن إسماعيل في "برية" فاران" "تكوين ٢١: ٢١". وكان "بنو إسماعيل: اثنا عشر رئيسًا، حسب قبائلهم.. وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر" "تكوين ٢٥: ١٦-١٨". هذا.. ولقد دخل محمد مكة في السنة الثامنة من الهجرة في ١٠.٠٠٠ من أصحابه، القديسين كما تقول نبوءة موسى. دخلوها بسلام لهم ولأهلها. فلما دخل المسجد الحرام طاف بالكعبة وسجد لله شاكرًا، ثم دعا القرشيين وقال لهم: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: "فاذهبوا فأنتم الطلقاء".

стр. 120

ثم أتم رسول الله في أول يوم لفتح مكة، ما استمر يدعو إليه طيلة ٢٠ سنة، وما حاربته مكة بصناديدها أشد الحرب فيه. فقط طهر المسجد الحرام من الأصنام وقضى تمامًا على الوثنية. هذا.. ونجد إشارة أخرى إلى جبل فاران، جاءت في نبوءة حبقوق التي أشارت إليها مختلف التراجم، كما ذكرنا سلفًا. فهي تقول: "الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران" سلاه. جلاله غطى السموات، والأرض امتلأت من تسبيحه "حبقوق: ٣: ٣". إن المسلمين هم الوحيدون بين المؤمنين بالله ورسالاته، الذين يملئون الأرض تسبيحًا، خمس مرات على الأقل كل يوم في الأذان للصلاة، حيث يهتفون قائلين: الله أكبر، ثم يعلنون شهادة الحق الكبرى وهي: لا إله إلا الله. وإن مكة لهي المدينة المقدسة الوحيدة التي قضى الله -جلت حكمته- ألا يدخلها مشرك نجس. فوجب على المسلمين أن يحافظوا على طهارتها هذه، فذاك قضاء الله في كتب النبيين، كما هتف به أشعياء الذي جاء بعد موسى بستة قرون، فقال نبوءة عن البرية، بلاد العرب المقفرة الجدباء، جاء فيها: "تفرح البرية والأرض اليابسة، ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس.. هو ذا إلهكم. الانتقام يأتي. جزاء الله. وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة لا يعبر فيها نجس بل هي لهم" "أشعياء ٣٥: ١-٨". ولقد كان قضاء الله في القرآن العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] . حقًا ... لقد عوض الله رسو له بصحابة عظام، قادهم في جيش من ١٠.٠٠٠ قديس، كان كل منهم -كما تقول نبوءة التوراة- "يجلس عند قدمي النبي يتلقى من أقواله".

стр. 121

٢- بشارة المزامير: ثم كانت نبوءات المزامير عن ذلك النبي المرتقب، ومنها:١. "أ" أنه وسيم الخلقة حسن المنظر: "أنت أبرع جمالًا من بني البشر". "ب" رجل حرب من أجل الحق، يحالفه النصر: "تقلد سيفك على فخذاك أيها الجبار.. اركب من أجل الحق والدعة، والبر، فتريك يمينك مخاوف. شعوب تحتك يسقطون، بنات ملوك بين حظياتك". لقد كان محمد نبي الإسلام صاحب هذه الصفات وصاحب هذه الأحداث.. وفي إحدى الغزوات كانت جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من السبايا، ففك النبي أسارها وتزوجها فلما بلغ الخبر الناس أطلقوا من بأيديهم من أسرى بني المصطلق إكرامًا لمصاهرة رسول الله إياهم حتى لكانت عائشة تقول عن جويرية: "ما أعلم امرأة كانت أعظم من قومها بركة منها". "ج" كذلك عرف عن محمد نبي الإسلام أنه لم يشتهر بسلسلة نسب تضم في الآباء كثيرًا من الملوك وإن كانت قد ضمت رؤساء قبائل موقرين في أقوامهم ابتداء من أبناء إسماعيل الذين كانوا رؤساء قبائل كبيرة٢ حتى جده قصي الذي اجتمع له أمر مكة في منتصف القرن الخامس الميلادي ممثلًا في الحجابة والسقاية والرفادةن والندوة واللواء والقيادة. ولكن الله -جلت حكمته- عوضه عن ذلك النسب الأبوي بنسب ولدى فقد خرجت منه ذرية وكان له نسب انتشر في الأرض، وكان أولئكم "أهل البيت" النبوي محل تقدير وتعظيم عبر العصور. وفي هذا يقول المزمور:

стр. 122

"عوضًا من آبائك يكون بنوك تقيمهم رؤساء في كل الأرض". لقد مات النبي ودرعه مرهونة عند يهودي، فلم يورث مالًا، ولا ملكًا، وإنما ورث علمًا وحكمة ومودة ورحمة، وترك النبي ذرية ونسبًا وصهرًا. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] . ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] . ٣- بشارة أشعياء: ثم كانت نبوءات أشعياء١، وفيها عن هذا النبي: "أ" اشتهر بأنه عبد الله ورسوله: "هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم". وقد اشتهر محمد نبي الإسلام بأنه عبد الله ورسوله كما اشتهر بذلك عباد الله المكرمون من الأنبياء والمرسلين. يقول القرآن الكريم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] . ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] . ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١] .

стр. 123

"ب" يسود الدين وتكتمل الشريعة التي جاء بها في عهده، لا من بعده: "لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته". ولقد وعد الله نبي الإسلام أن يتم الأمر الذي جاء به فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . ولقد أكمل الله الدين في حياة النبي حتى إذا توفاه الله ترك الأمة الإسلامية على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لقد اكتمل الدين ونزل القرآن يقول: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . "ج" يعصمه الله من الناس حتى يكمل رسالته: "أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفك وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم". ولقد طمأن الله نبي الإسلام ألا يلتفت إلى مؤامرات الكائدين له، فالله عاصمه من الناس حتى يبلغ الأمر غايته. ولقد نزل القرآن ليعلن هذا التحدي على رءوس الأشهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . "د" ينتسب النبي إلى إسماعيل بن إبراهيم: "لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار" وقيدار هذا هو الابن الثاني لإسماعيل. "تكوين ٢٥: ١٣". "هـ" أعداؤه المنهزمون عبدة أوثان، أصحاب أصنام: "يخزى خزيًا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا": "و" رجل حروب مقدام ينتصر على أعدائه: "الرب كالجبار يخرج. كرجل حروب ينهض غيرته. يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه". ولقد سجل القرآن المعارك الكبرى في الإسلام وكان النبي هو القائد والمخطط والمحارب حين البأس:

стр. 124

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] . ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] . إن هذا أمر اختص به أولو العزم من الأنبياء والمجاهدين. ولقد كان ذلك أمر موسى بعد أن خرج ببني إسرائيل من مصر، وانتهت مرحلة في جهاده وبدأت مرحلة أخرى، فآنذاك "كلم الرب موسى في برية سيناء.. في السنة الثانية لخروجهم من أرض مصر قائلًا: أحصوا كل جماعة بني إسرائيل ... من ابن عشرين سنة فصاعدًا. كل خارج للحرب في إسرائيل، تحسبهم أنت وهارون حسب أجنادهم ويكون معكما رجل لكل سبط، هو رأس لبيت آبائه". "ز" في دينه هتاف من رءوس الجبال وتسبيح وتكبير: "من رءوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا للرب مجدًا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر". لقد بني الإسلام على خمسة أعمدة خامسها الحج، وفيه يعقد أكبر مؤتمر ديني عالمي سنويًا بجبل عرفات، وقد جعلت الوقفة بهذا الجبل ركن الحج الركين، إذ قال نبي الإسلام: "الحج عرفة"، فهناك يهتف الحجاج لله ويسبحون ويكبرون ويهللون ويتضرعون بالدعوات وصالح العبادات، وما أعظمه من نسك. وفي الحج -يتجرد الإنسان عن زخرف الحياة ومتعها، إذ يحرم عليه ممارسة بعض ما اعتاده في حياته الزوجية الصالحة مثل العلاقة الجنسية، والتحلي بأفخر الثياب، وعوامل الصخب والإثارة. هناك يواجه الإنسان الحقيقة بين يدي خالقه فيأتي هذه التجرية العظيمة طوعًا في الدنيا قبل أن يأتيها كرها في الآخرة، فآنذاك لا ينفع الندم ولا تجدي الحسرات.

стр. 125

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٧-١٩٨] . "ح" الشعب الذي ظهر فيه كان متخلفًا ضعيفًا طعمة لكل آكل: "شعب منهوب ومسلوب، وقد اصطيد في الحفر كله وفي بيوت الحبوس اختبئوا. صاروا نهبًا. ولا منقذ. وسلبًا، وليس من يقول رد". ويقول القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢-٤] . "ط" ولكن بعد أن جاءهم النبي خرجوا من الظلمات إلى النور: "لتفتح عيون العمي، لتخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن الجالسين في الظلمة. أسير العمي في طريق لم يعرفوها، في مسالك لم يدروها أمشيهم. أجعل الظلمة أمامهم نورًا والمعوجات مستقيمة. هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم". ويقول القرآن الكريم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] . ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠-١١] .

стр. 126

إن تجربة الإسلام في عرب الجزيرة العربية نموذج فريد في التاريخ. وأذكر في هذا المقام مقالة الإنجليزي أرنولد توينبي قال فيها: لكي ندرك ما فعله الإسلام بالعرب -بمقاييس العصر- نتصور دولة في حجم كوبا تظهر فجأة، ثم تستولي على نصف الولايات المتحدة الأمريكية وتخضع لها روسيا بأكملها. ومن الواضح أن ترينبي ضرب المثل بهاتين الدولتين الكبيرتين باعتبارهما القوتين الأعظم في النصف الثاني من القرن العشرين، ويناظرهما في القرن السابع الميلادي: الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الفارسية على الترتيب. "ي" هو نبي البر الذي يعظم شريعة الله: "الرب قد سر من أجل بره، يعظم الشريعة ويكرمها". إن بر نبي الإسلام ورحمته بالناس جميعًا أمر يشهد به الجميع حتى من غير المسلمين، ومنهم عتاة تطاولوا على الإسلام ونبيه، ولقد حدث أن مرت جنازة يهودي فوقف النبي تكريمًا للأخوة الإنسانية، فإذا ببعض الصحابة يقول له: إنها ليهودي -وقد علم ما أصاب النبي والمسلمين من أذى على يد اليهود تمثل في مؤامرات وفتن وحرب نفسية وحروب دموية -فأمسك عليه النبي اعتراضه قائلًا: "أليست نفسًا؟! " صدق القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ثانيًا -بشارات العهد الجديد: ١- "النبي" المرتقب: ظهر يوحنا المعمدان "يحيى بن زكريا" نبيًّا في اليهود في مطلع القرن الأول من الميلاد ليبشر بالمسيح -قريبه الذي ولد معه في نفس العام- ويمهد له الطريق. وعند ما ظهر يوحنا كان اليهود يعلمون يقينًا من نبوءات كتبهم أنه لا يزال هناك في عالم الأنبياء ثلاثة لم يظهروا بعد ولذلك أرسلوا إليه يسألونه.

стр. 127

"هذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم، كهنة ولاويين ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر وأقر: إني لست أنا المسيح. فسألوه: إذا ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. - النبي أنت؟ فأجاب: لا. فقالوا له: ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صاروخ في البرية. قوموا طريق الرب كما قال أشعياء النبي. فسألوه وقالوا له: فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟ أجابهم يوحنا قائلًا: أنا أعمد بماء، ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه.. الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه" "يوحنا ١: ١٩-٢٧". من الواضح إذن أن لكل واحد من الثلاثة الذين كان ينتظرهم اليهود اسمًا يعرف به، وأن أسماء أولئك الثلاثة هي: إيليا - والمسيح- والنبي. ومن الواضح كذلك أن النبي المرتقب هو آخر الثلاثة ظهورًا، أي يأتي بعد إيليا والمسيح وذلك لكونه آخر من سأل عنه اليهود يوحنا المعمدان. ولما كان اليهود قد اشتهروا بظهور الأنبياء فيهم، فإن تسمية هذا النبي المرتقب الأخير باسم "النبي" يعني ولا شك أنه نبي ولكنه ليس ككل الأنبياء. إنه نبي أمره جلل ونبؤه عظيم. إنه نبي الزمان أو هو "النبي" المرتقب.

стр. 128

وحتى بعد ظهور "المسيح" استمر اليهود يخلطون بينه وبين "النبي" المرتقب فقد حدث "في اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلًا: إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب.. فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام، قالوا: هذا بالحقيقة هو النبي. وآخرون قالوا: "هذا هو المسيح.. فحدث انشقاق في الجمع لسببه" "يوحنا ٧: ٣٧-٤٣". لقد ظهر النبي إيليا "إلياس" في بني إسرائيل في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد، وإيليا هذا -انتهت حياته برفعه إلى السماء حيًّا. ولقد استمر اليهود حتى ميلاد المسيح ينتظرون إيليا أو ظهور نبي يتقدم إليهم بروح إيليا. ولقد كانت بشارة الملاك للنبي زكريا أنه سيرزق بابن اسمه يحيى "يوحنا" يتقدم بروح إيليا، إذ قال له الملاك: "وخمرًا ومسكرًا لا يشرب. ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس.. ويرد كثيرون من بني إسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته" "لوقا ١٥: ١٣-١٧". ولقد علم المسيح من حوله أن إيليا المنتظر قد جاء في شخص يوحنا بن زكريا فقد "ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا.. ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًّا؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي. الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ... إن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي" "متى ١١: ٧-١٤".

стр. 129

ومرة أخرى "سأله تلاميذه قائلين: فلماذ يقول الكتبة: إن إيليا ينبغي أن يأتي أولًا "قبل المسيح". فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا يأتي ويرد كل شيء ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا كل ما أرادوا.... حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" "متى ١٧: ١٠-١٣". والذي عملوه في يوحنا المعمدان أن حاكمًا فاجرًا يدعى هيرودس قطع رأسه وقدمه على طبق إرضاء لراقصة فاجرة جزاء تنديده بعلاقة هيرودس بامرأة أخيه المدعوة هيروديا. وخلاصة القول الذي لا جدال فيه: إن نبوءات الأنبياء السابقين ومعتقدات الجيل المعاصر للمسيح كانت تقرب يقينا إنتظار ثلاثة مشهورين في عالم الأنبياء هم على الترتيب: إيليا، ثم المسيح، ثم النبي. ولقد قرر المسيح صراحة أن إيليا قد جاء في شخص يوحنا المعمدان ومن المعتقد بين المسيحيين والمسلمين -أن المسيح قد جاء في القرن الأول من الميلاد. لم يبق -إذن- بعد المسيح إلا أن يأتي "النبي" المرتقب، النبي الذي يكتمل به الزمان، وفي مجيئه يأتي "ملكوت السموات". ويذكر التاريخ أن محمدًا نبي الإسلام قد أرسل كتبًا إلى الملوك والحكام من الجيران يدعوهم فيها إلى الإسلام منهم: كسرى ملك فارس وهرقل إمبراطور الروم والنجاشي ملك الحبشة والمقوقس الزعيم الديني لأقباط مصر التي كانت آنذاك تحت حكم الروم. وقد جاء في رد المقوقس: "سلام عليك -أما بعد:

стр. 130

فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام. وقد أكرمت رسولك"، وقد بعث إليه بجاريتين هما مارية وسيرين. وقد عرفت الأولى باسم مارية القبطية التي تزوجها النبي وولدت له إبراهيم. أما سيرين فقد تزوجها حسان بن ثابت. ولا شك أن التمحيص التاريخي لكتاب المقوقس يقرب صحته لسببين على الأقل: أحدهما: إن إرسال مارية إلى النبي باعتبارها ردًا كريمًا على كتابه إلى المقوقس ثم زواج النبي منها، وولادتها إبراهيم، ثم موته طفلًا وحزن النبي عليه وحديثه الشهير في رثائه ثم مقالة بعض المسلمين حين وافق موت إبراهيم كسوف الشمس فحسبوا ذلك معجزة وما كان من رد النبي عليهم حين قال قولته الخالدة: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته" كل ذلك حقائق تاريخية مسلم بها. وأما الثاني: فهو قول المؤرخين المسلمين بأن المقوقس لم يسلم على الرغم من رده المهذب، فإن هذا يعني تحريهم الدقة فيما كتبوه، وكان بوسعهم إدعاء خلاف ذلك بعد أن انتشر الإسلام وساد. بعد ذلك نقول: إن قول المقوقس في رسالته: "قد علمت أن نبيًا بقي" فهو يتفق وما في الأناجيل حتى اليوم. وأما قوله: "وكنت أظن أنه يخرج بالشام". فإنه يعني بوضوح أن توقع خروجه من الشام أو فلسطين مثلًا لا يعدو كونه مسألة ظنية، بدليل قوله: "كنت أظن"، وهو قد توقع خروجه بالشام لأن الشائع أن أنبياء كثيرين ظهروا في تلك البقعة من الأرض، فمن المتوقع -قياسًا على ذلك- أن يظهر النبي المرتقب فيها أيضًا. بيد أن قول المسيح الذي قذف به في وجه رؤساء الكهنة وشيوخ اليهود في لقائه الغاضب بهم: "أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" "متى ٢١: ٤٣" إن هذا القول يعني بوضوح وبساطة أن عهد خروج الأنبياء في تلك البقعة قد انتهى. لأن رسالة الله قد نزعت من تلك

стр. 131

الأمة اليهودية العاصية. ثم تفضل الله بها على أمة أخرى يشهد المسيح أنها ستكون جديرة بها. ٢- "الملكوت" المقترب: عندما ظهر يوحنا المعمدان كنبي "كان لباسه من وبر الإبل وعلى حقويه منطقة من جلد وكان طعامه جرادًا وعسلًا بريًا. "وكان" يكرز في برية اليهودية قائلًا: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات" "متى ٣: ٣-٤". ولما "سمع يسوع أن يوحنا أسلم، انصرف إلى الجليل وترك الناصرة. من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات" "متى ٤: ١٢-١٧". "وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب" "متى ٤: ٢٣". "ثم دعا "المسيح" تلاميذه الانثى عشر.. هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلًا: إلى طريق أمم لا تمضوا. إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قالين: إنه قد اقترب ملكوت السموات. اشفوا مرضى، طهورا برصًا ... مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا" "متى ١٠: ١-٨". ولقد علم المسيح تلاميذه أن يدعوا في صلاتهم بأن يأتي ملكوت السموات "وإذ كان يصلي في موضع، لما فرغ قال واحد من تلاميذه: علمنا أن نصلي كما علم يوحنا "المعمدان" أيضًا تلاميذه. فقال لهم: متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك. اغفر لنا خطايانا ... ولا تدخلنا في تجربة" "لوقا ١١: ١-٤".

стр. 132

وكذلك تلك الصلاة الربانية هي تعليم المسيح في موعظة الجبل الشهيرة. "متى ٦: ٩-١٣". مما سبق نتبين بوضوح أن: يوحنا المعمدان والمسيح، وتلاميذه جاءوا يبشرون باقتراب ملكوت السموات. ومن البدهي -إذن- أن هذا الملكوت شيء يأتي بعد المسيح. ولقد رأينا أن المسيح تنبأ للإسرائيليين بانتزاع الملكوت منهم. فقال لهم: "إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره". ومن ثم نتبين أن ملكوت الله الذي كان في بني إسرائيل ثم نزع منهم لم يكن سوى النبوة وما يرتبط بها من وحي ورسالة وكتب سماوية. وأن المسيح حين تنبأ بنزعه منهم فإنه تنبأ كذلك بإعطائه لأمة أخرى تكون أفضل من تلك الأمة الإسرائيلية التي وصفت منذ عهدها المبكر في توراة موسى بأنها: "أمة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم" "تثنية ٣٢: ٢٨". وعندما جاء يوحنا المعمدان يمهد للمسيح كان قوله للإسرائيليين: "يا أولاد الأفاعي، من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" "متى ٣: ٧-٩". ٣- الرسول "روح الحق": يذكر إنجيل يوحنا نبوءة للمسيح عن الرسول العظيم الآتي بعده تقول في شأنه الترجمة العربية باسم نسخة البروتستانت ما نورده في فقرات كالتالي: "أ" "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن

стр. 133

يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم" "١٤: ١٥-١٧". "ب" "الكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" "١٤: ٢٤-٢٦". "ج" "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الابتداء" "١٥: ٢٦-٢٧". "د" "أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي. وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا. وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين" "١٦: ٧-١١". "هـ" "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل بكل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية" "١٦: ١٢-١٣". قبل الشروع في دراسة هذه النبوة نلاحظ بادئ ذي بدء أن التراجم المتداولة قد اتفقت على الاسم الثاني لذلك الرسول الآتي بعد المسيح، فكان: - في العربية: روح الحق. - وفي الإنجليزية: the spirit of truth - وفي الفرنسية: l'esprit de la verite

стр. 134

لكن تلك التراجم اختلفت في اسمه الأول، فكان: - في العربية: المعزي "نسخة البروتستانت، والكتاب المقدس للكاثوليك. منشورات دار الشرق". وأيضًا: المؤيد "العهد الجديد. منشورات دار المشرق". - وفي الإنجليزية: king james version "المعزي" the comtorter revised standard version "المحامي. الناصح"the counsellor وفي الفرنسية "l. segond" "المعزى" le consolateur "t. o. b. et b. de jerus" "الباراقليط: كلمة يونانية" le paraciet ولما كانت نبوءة المسيح قد ذكرت أنه سيكون رسول يرسله الله الذي أرسل المسيح "الفقرتان: أ، ب"، كان من المنطق الذي لا يحتمل الجدل أن تكون تسميته المبدئية هي: الرسول روح الحق، وذلك إلى أن يتم التعرف على حقيقة اسمه الأول الذي اختلفوا فيه. إن فهم هذه النبوءة وصدق تأويلها تحكمه مجموعة من الحقائق التي نعرضها فيما يلي: ١- روح الحق إنسان: ولقد بين يوحنا التلميذ أن روح الحق يطلق على الإنسان الصادق في القول والعقيدة فقال: "أيها الأحباء، لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله ...

стр. 135

نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف: روح الحق؛ وروح الضلال "رسالة يوحنا الأولى -٤: ١-٦". من ذلك يتبين أن اللغة الشاعرية التي كتب بها يوحنا التلميذ إنجيله ورسائله، تعني أن: روح الحق هو إنسان صادق، هو من الله، وأن روح الضلال هو إنسان كاذب ليس من الله في شيء. ولقد أكدت ذلك حاشية كتاب أورشليم الفرنسي "المقدس" فأشارت إلى أن "روح الحق" الذي تكلم عنه يوحنا في رسالته الأولى هنا "٤: ٦" هو ما سبق أن ذكره في إنجيله "١٤: ١٧". ٢- روح الحق غير الروح القدس: لقد ذكرت نبوءة المسيح اسم:"روح الحق" ثلاث مرات وذلك في الفقرات ٣: ١، جـ، هـ "١٤: ١٧، ١٥: ٢٦، ١٦: ١٣"، بينما استبدل كاتب إنجيل يوحنا هذا الاسم بـ "الروح القدس" مرة واحدة فقط وذلك في الفقرة ٣: ب "١٤: ٢٦". لقد عالج الدكتور موريس بوكاي هذه المشكلة في كتابه المعروف باسم الكتاب "المقدس" والقرآن والعلم١، إذ بينت المقارنة مع مخطوطة سريانية شهيرة اكتشفت بدير سيناء عام ١٨١٢، أن النص الوارد في ١٤: ٢٦ يخلو من كلمة "القدس" أي أنه يتحدث عن "الروح" فقط، وليس "الروح القدس" وهو ما يعني أن كلمة "القدس" قد أضيفت بفعل أحد النساخ.

стр. 136

يقول موريس بوكاي: "إن أي نقد جاء للنصوص يبدأ بالبحث عن الاختلافات النصية. ويظهر هنا أن ليس في مجموع المخطوطات المعروفة لإنجيل يوحنا نص آخر مختلف من شأنه أن يغير المعنى سوى تلك الفقرة ١٤: ٢٦ من المخطوطة السريانية الشهيرة المسماة "Palimseste". والفقرة لا تشير هنا إلى الروح القدس وإنما إلى الروح فقط١.. فيما عدا هذه الملاحظة وبعض الاختلافات النحوية التي لا تغير شيئًا من المعنى العام للنص. وما يهم هو أن المعروض هنا فيما يتعلق بالمعنى الدقيق للفعلين: "يسمع"، و"يتكلم". يجب أن يسري على كل مخطوطات إنجيل يوحنا, وهذا هو واقع الحال، إن فعل "يسمع entendre" في الترجمة الفرنسية هو فعل "akouo" باليونانية، ويعني استقبال أصوات. وقد أعطى الفعل اليوناني، على سبيل المثال، كلمة "acoustique" بالفرنسية، و"acoustics" بالإنجليزية، وتعني علم الأصوات. وإن فعل "يتكلم parler" في الترجمة الفرنسية فهو فعل "Laleo" باليونانية، ومعناه العام إصدار أصوات وخاصة صوت الكلام. ويتكرر هذا الفعل كثيرًا في النص اليوناني للأناجيل وذلك عند الإشارة إلى تصريح خطير للمسيح في أثناء تبشيره. ويصبح من الواضح إذن أن المقصود بالاتصال بالناس هنا لا يكمن مطلقًا في إلهام من عمل الروح القدس، إنما هو اتصال ذو طابع مادي واضح، وذلك بسبب مفهوم إصدار الأصوات المرتبط بالكلمة اليونانية التي تعرفه. إن الفعلين اليونانين "akouo و"Laleo" يعنيان فعلين ماديين لا يمكن أن يخصا إلا كائنا يتمتع بجهاز للسمع وآخر للكلام، وبالتالي فمن

стр. 137

المستحيل تطبيق هذين الفعلين على الروح القدس.. ولكن إذا حذفنا كلمتي "الروح القدس to pneuma to agion" من هذه الجملة فإن نص يوحنا كله يعبر عن معنى غاية في الوضوح ... إن ذلك يقودنا بمنتهى المنطق أن نرى في الباراقليط "paraclet" الذي ذكره يوحنا كائنًا بشريًا مثل المسيح يتمتع بحاستي السمع والكلام، وهما الحاستان اللتان يتضمنهما النص اليوناني ليوحنا بشكل قاطع. إن وجود كلمتي "الروح القدس" في النص الذي بين أيدينا اليوم يمكن إرجاعه بسهولة إلى إضافة ألحقت عمدًا فيما بعد، وقصد بها تغيير المعنى الأصلي لفقرة تتناقض بإعلانها مجيء نبي بعد المسيح مع تعاليم الكنائس المسيحية الوليدة التي أرادت أن يكون المسيح هو خاتم الأنبياء"١. مما سبق يتبين ضرورة إسقاط كلمتي "الروح القدس" التي حرفها قلم الكاتب في ١٤: ٢٦، واعتبارهما: "روح الحق" التي ذكرت في تلك النبوءة ثلاث مرات متتاليات. ويحضرنا في هذا المقام ما يقوله الوحي إلى النبي إرميا في هؤلاء المحرفين: "كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقًا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب" "إرميا ٨: ٨". ٣- مجيء الروح القدس غير مرتبط برحيل المسيح: تقول الفقرة "٣: د": من النبوءة، على لسان المسيح: "أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" "١٦: ٧" إنها تقرب هنا شيئًا هامًا وهو أن المسيح وذلك الرسول المعزي لا يجتمعان في الدنيا معًا، مما يؤكد مرة أخرى أن المعزي لا يمكن أن يكون الروح القدس الذي أيد المسيح طيلة حياته.

стр. 138

فمن المعلوم أن الروح القدس ظل يعمل منذ خلق الله العالم وإلى أن جاء المسيح وإلى ما بعد المسيح وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإذا ركزنا على نشاط القدس في جيل المسيح مع ذكر شيء يسير مما قبله لوجدنا الآتي: "أ" كان الروح القدس مع داود: "لأن داود نفسه قال: بالروح القدس قال الرب لربى ... ". "متى ١٢: ٣٦". "ب" بارك الروح القدس كلا من زكريا وامرأته اليصابات، وأوحى إلى زكريا وإي سمعان التقي: "امتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلًا: مبارك الرب إله إسرائيل.. وامتلأت اليصابات من الروح القدس. وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان بارًا تقيًا.. والروح القدس كان عليه وكان قد أوحى إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب" "لوقا ١: ٦٧، ٤٠، ٢: ٢٥-٢٦". "جـ" بارك الروح القدس يحيى وهو في بطن أمه: "قال له الملاك: لا تخف يا زكريا.. ستلد لك ابنًا وتسميه يوحنا.. ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" "لوقا ١: ١٣-١٥". "د" كان الروح القدس هو المسئول عن حمل مريم بابنها المسيح: "لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس" "١: ١٨". "هـ" ولقد نزل الروح القدس على المسيح واستمر معه بعد أن عمده يوحنا في ماء الأردن: "ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا، وإذ كان يصلي انفتخت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة": "لوقا ٣: ٢١-٢٢".

стр. 139

وقال يوحنا المعمدان: "الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلًا ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس" "يوحنا ١: ٣٣". "في تلك الأيام جاء يسوع.. واعتمد من يوحنا.. وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلًا عليه" "مرقس ١: ٩-١٠". "إذ السموات قد انفتحت فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيا عليه "متى ٣: ١٦". "فالروح القدس -روح الله- استقر على المسيح، إذ أيده الله به، استمر يعمل معه طيلة رسالته. "و" وكان الروح القدس مؤيدًا للمسيح في دعوته ومعجزاته: "أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس. ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل.. وكان يعلم في مجامعهم" "لوقا ٤: ١، ١٤-١٥". "أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين، فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم.. إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله "متى ٢: ٢٤-٢٨". وكما بارك الروح القدس زكريا واليصابات وابنهما يحيى وسمعان التقي فقد بارك كذلك تلاميذ٢ المسيح بعد رحيله عنهم: "ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" "أعمال الرسل ٢: ١-٤".

стр. 140

إن الروح القدس يعمل من قبل أن يأتي المسيح ومن بعد ما جاء لكن روح الحق -الذي انفرد يوحنا بالحديث عنه دون بقية الأناجيل وبين أنه إنسان مؤمن بالله يصدق الحديث- شيء آخر، له عمل ورسالة يخاطب بها العالم لا تبدأ إلا بعد رحيل المسيح. هذا ... ومن المعلوم أن إنجيل يوحنا يعتبر آخر الأناجيل كتابة بعد رفع المسيح، فقد كتب ما بين عام ١٠٠-١٢٥م وأنه لم يتقيد بالتسلسل التاريخي للأحداث فاختلف لذلك كثيرًا مع الأناجيل الأخرى. ويعتذر بعض العلماء عن ذلك بشيخوخة يوحنا الذي كتب إنجيله ورسائله أو أملاها حسبما أسعفته ذاكرته. كذلك عرف عن يوحنا لغته الشاعرية التي تكلمت كثيرًا عن الحب والمحبة وخلطت الخالق بالمخلوق، ولكنه لم يعرف تلك المحبة عندما تكلم عن اليهود الذين ذكر اسمهم في إنجيله أكثر من عشر مرات عن نظيره في أي إنجيل آخر. ويتضح ذلك مما يلي: - جعل التلاميذ من غير هذا العالم وكذلك المسيح، فقال على لسانه: "ليسوا من العالم كما أني لست من العالم" "١٧: ١٤". - جعل التلاميذ والمسيح والله شيئًا واحدًا فقال على لسان المسيح: "ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" "١٧: ٢١". ٤- الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح: تقول الفقرة "٣: أ" إن المسيح سيطلب من الله أن يرسل لمن سيرحل عنهم رسولًا آخر، وذلك في قوله: "أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر" "١٤: ١٦". وفي ترجمة أخرى دقيقة فإن هذه الفقرة تقرأ هكذا: "أتوسل إلى الآب ... ".

стр. 141

ثم تطور ذلك في الفقرة "٣: ب" إلى القول: "سيرسله الآب باسمي" "١٤: ٢٦". ثم تطور مرة أخرى ليكون في الفقرة "٣: جـ": "الذي سأرسله أنا إليكم من الآب" "١٥: ٢٦"، وفي الفقرة "٣: د": "إن ذهبت أرسله إليكم" "١٦: ٧". لكن الحق الذي لا مرية فيه هو أن الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح. إن هذا هو ما أعلنه المسيح على رءوس الأشهاد وبينه قولًا وفعلًا من أنه ليس له من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، فقال: "تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني. إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي. من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه. وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم" "يوحنا ٧: ١٦-١٨"، "إني لم آت من نفسي، بل ذاك أرسلني" "يوحنا ٨: ٤٢". "الآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي.. أنا قد أتيت باسم "الله" ولستم تقبلونني" "يوحنا ٥: ٣٧، ٤٣". "إني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم. وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" "يوحنا ١٢: ٤٩". "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا.. إني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني" "يوحنا ٥: ٣٠". "ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة" "مرقس ٦: ٤-٥". وكما عجز عن الفعل واعترف بذلك، فقد عجز عن الإخبار بالغيب واعترف بذلك أيضًا. فحين سأله تلاميذه عن "انقضاء الدهر" ويوم القيامة، قال لهم:"أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء ولا "أنا" إلا الآب" "مرقس ١٣: ٣٢".

стр. 142

واعترف المسيح أنه لا يملك من أمر الآخرة شيئًا. فحين "تقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنى زبدى قائلين: يا معلم، نريد أن تفعل لنا كل ما طلبنا. فقال لهما: ماذا تريدان أن أفعل لكما؟. فقالا له: أعطنا أن نجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك. فقال لهما يسوع: لستما تعلمان ما تطلبان.. الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم" "مرقس ١٠: ٣٥-٤٠". من الواضح إذن أن المسيح لا يملك من الأمر شيئًا، وأنه لم يأت من نفسه بل الله -مالك الملك ومن له الأمر والخلق- هو الذي أرسله. وهو الذي يحكم بين عباده يوم القيامة ويحدد مصائرهم. ومن ثم يتبين أن كل حديث عن إرسال المسيح "لروح الحق" بعد رحيله عن الدنيا، إنما هو زعم باطل وافتراء على الحق. ٥- روح الحق "ما ينطق عن الهوى": "لأنه لا يتكلم من نفسه، بل بكل ما يسمع يتكلم به" "يوحنا ١٦: ١٣". ٦- روح الحق يعلم الناس الدين الكامل: "فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم.... وهو يرشدكم إلى جميع الحق" "يوحنا ١٤: ٢٦، ١٦: ١٣". ٧- ما جاء به روح الحق باق إلى الأبد: إن لغة الكتاب "المقدس" تعتبر الحديث عن الأنبياء مكافئًا صحيحا للحديث عن الكتب التي جاء بها هؤلاء الأنبياء.. ومن أمثلة ذلك كما ذكره لوقا في قصة الغني الذي استمتع بالدنيا وكانت عاقبته الجحيم، ولعازر الفقير الذي كانت عاقبته النعيم في حضن إبراهيم. فحين طلب ذلك الغني المعذب إلى أبينا إبراهيم أن يرسل لعازر من الأموات لينذر أهل بيته، "حتى يشهد لهم لكيلا

стр. 143

يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هذا. قال له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء ليسعموا منهم. فقال: لا يا أبي إبراهيم. بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون. فقال له: إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون" "لوقا ١٦: ٢٨-٣١". لقد مات موسى والأنبياء وتركوا كتبًا هي التي أشار إليها أبونا إبراهيم، وبين أن الحديث عنها هو بمثابة الحديث عنهم. وكان ذلك ما أكده لوقا مرة أخرى في قوله: "ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" "لوقا ٢٤: ٢٧". فعلى ضوء ذلك يفهم معنى قول المسيح فيما يجيء به الرسول الآتي بعده حين أعلن لتلاميذه أنه: "يمكث معكم إلى الأبد" "يوحنا ١٤: ١٦". أن تلاميذ المسيح الذي قال لهم هذا الكلام لم يمكثوا إلى الأبد، لكنهم ماتوا أو قتلوا -جميعًا- منذ تسعة عشر قرنًا. فهذا القول لا يصمد للتأويل حرفيًا ولكنه يعني أن ما يأتي به "روح الحق" "إلى الأجيال المتلاحقة سيبقى إلى يوم الدين. وخلاصة القول: إن دراسة هذه النبوءة على ضوء ما جاء في الكتاب "المقدس" وما نسبته الأناجيل للمسيح من أقوال يقطع بأن الرسول "روح الحق" الآتي بعد المسيح إنما هو: إنسان، وأنه غير روح القدس الذي لا يرتبط مجيئه برحيل المسيح، وأن الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح، وأن هذا الرسول "ما ينطق عن الهوى"، وأنه يعلم الناس الدين الكامل، وأن ما جاء به وحيًا من الله باق أبد الدهر.

стр. 144

إن هذا يقود إلى التسليم بأن هذه النبوءة تنطبق جملة وتفصيلًا على محمد بن عبد الله، رسول الله إلى الناس جميعًا. الذي أكمل الله به الدين وختم به النبوة، فقال وقوله الحق: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . وتكفل الله بحفظ كتابه -القرآن العظيم- فقال في شأنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . اسم الرسول الآتي بعد المسيح: ذكرنا سلفًا أن التراجم المتداولة لإنجيل يوحنا اتفقت على اسمه الثاني وهو: "روح الحق"، بينما اختلفت في اسمه الأول لاختلاف فهمهم لمعنى كلمة يونانية قد يسمعها شخص غير مدقق فيكتبها: باراقليط "Paraclet"، مما اضطر التراجم الفرنسية الحديثة أن تنقلها صوتيًا على هذه الصورة. ونريد الآن أن نتعرف على حقيقة هذا الاسم الأول الذي اختلفوا فيه. في دراسة دينية ولغوية رصينة قام بها عالم اللاهوت المسيحي "سابقًا" ديفيد بنجامين كلداني، وجاءت ضمن دراسات وبحوث أخرى نشرها في كتابه: "محمد في الكتاب المقدس"١ بعد أن اهتدى إلى الإسلام وتسمى "عبد الأحد داود" -نجد فصلًا عن البارقليط، يقول فيه: "أما الإنجيل الرابع فهو مثل أي كتاب أو سفر آخر في العهد الجديد، فقد كتب باليونانية وليس بالآرامية التي كانت اللغة الوطنية لعيسى وتلاميذه. وبالتالي فإنه تواجهنا مرة أخرى نفس الصعوبة التي لقيناها عندما كنا نبحث في "يودوكيا" الخاصة بما لوقا، وهذه الصعوبة تتلخص في السؤال: ما هي الكلمة أو الاسم الذي استعمله يسوع في لغته الأصلية والتي نقلها الإنجيل

стр. 145

الرابع بلفظ: "البرقليط" أو "الفرقليط" ثم ترجمت إلى المعزي في جميع نسخ ذلك الإنجيل؟ ... إن الفرقليط لا تعني المعزي أو المحامي، في الواقع، وهي ليست كلمة كلاسيكية بالمرة، والتهجئة للكلمة هي "paraklytos" ومعناها في الأدبيات اليونانية: شخص يدعى للمساعدة، محام، وسيط، ولا حاجة لأن يدعي المرء أنه عالم يوناني ليعرف أن الكلمة اليونانية التي ترادف المعزي ليست: باراكليتوس "paraclytos" بل باراكلون "paracalon، وثمة كلمة يونانية أخرى مرادفة لكمة معزي وهي: باريجوريتس (parygorytys) بمعنى: أنا أعزي. أما بالنسبة للمعنى الآخر لكلمة: وسيط أو محامي -الذي يتضمنه الكلمة الكنسية، بارقليط "paraclet" فإنني أصر ثانية على أن: باراكالون "PARACALON" وليس: باراكليتوس "PARACLYTOS، وهي الكلمة التي تعطي معنى مشابهًا، واللفظة اليونانية المرادفة لكلمة: محامي "Advocate، هي "Sanegorus" ولكلمة: وسيط أو شفيع، هي: "Meditea" ... إن الاعتقاد بأن موت عيسى على الصليب "حسب زعم النصارى" قد فدى المؤمنين من لعنة الخطيئة الأصلية، وأن روحه وبركته وحضوره في القربان المقدس سيبقى معهم إلى الأبد، هذا الاعتقاد تركهم دون حاجة إلى عزاء أو إلى مجيء معز. ومن ناحية أخرى فإنهم إذا كانوا بحاجة إلى معز كهذا فإن جميع الادعاءات والمزاعم النصرانية حول تضحية المسيح وتحمله آلام الصلب تتهافت وتصبح باطلة. والواقع أن لغة الأناجيل والرسائل تدل بوضوح على أن العود الثاني لعيسى فوق السحاب كان وشيكًا١، "متى ١٦: ٢٨، مرقس ٩: ١ لوقا ٩: ٢٧، تسالونيكي الأولى ٤: ١٥-١٧" ...
следующие страницы →