← Гариб и словари

Гариб и словари · id 22867

المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم العين للخليل بن أحمد

عبد الله درويش

Полный текст (153 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة: شهد القرن الثاني للهجرة أولى المؤلفات الكاملة التي ظهرت في مختلف العلوم الإسلامية والعربية. ففي ميدان الحديث ظهر موطأ مالك، كما ظهر بجانبه من ناحية أخرى سيرة ابن إسحاق، أما النحو فقد ألف فيه سيبويه "الكتاب"، ومن قبله أستاذه الخليل الذي وضع معجم "العين" في اللغة كما كان له الفضل في وضع علم العروض كذلك. وكانت هناك محاولات فردية لكثير من العلماء، والرواة واللغويين يمكن رؤيتها فيما تتأثر من آرائهم في كتب المتأخرين الذين نقلوا عنهم. ولكن هذه الكتب التي أشرنا إليها كانت أول المؤلفات التي وصلت إلينا رغم تقادم العهد، وبعد أن صارعت إغارات التتر، وتيمورلنك والمغول وغيرهم ممن دمرت على أيديهم أغلب المخطوطات العربية القديمة. وترى هنا إلى بيان الطريقة التي بنى عليها الخليل بن أحمد كتابه في اللغة الأمر الذي كان من شأنه وضع المبادئ الرئيسية لما عرف بعد ذلك باسم المعجم أو القاموس. وقد كان علماء اللغة أيام الخليل ومن قبله مهتمين كذلك بجمع مفردات اللغة، ولكن هذا الجمع اقتصر فقط على المفردات الصعبة المعاني لشرحها وتوضيحها، وهي التي عرفت باسم "الغريب". وقد كان النظام الذي ساروا، عليه في شرح الغريب مبنيًّا على أساس الرسائل والمكتبات التي تعالج موضوعًا معينًا، فمثلًا ظهر كتاب الخليل، وكتاب المطر وكتاب النوادر وغيرها. ويبدو أن الذي دعاهم إلى الاقتصار على الغريب هو أن هذا النوع من المفردات

стр. 2

هو الذي كان يحتاج فقط -في نظرهم- إلى توضيح، وتفسير أما المفردات الأخرى فقد كان من السهل على القارئ العادي -في رأيهم- أن يعرف معناها، أو يستنتجه من سياق الكلام. ولم يتبعوا في سرد المفردات في تلك الرسائل نظامًا معينًا. وإن على القارئ أن يخمن موضع الكلمة ليعرف معناها أو يقرأ الكتاب جميعه ليقف على ضالته. وقد سهلت تلك المهمة بعض الشيء حينما عنى المستشرقون بإخراج هذه الكتب، وطبعها ووضع الفهارس المنظمة التي اشتملت على فهرس خاص بالمفردات. وقد أدرك الخليل من أول الأمر أنه لو ألفت مئات من الكتب على ذلك الطراز لما أمكن حصر يضيع مفردات اللغة، ولما سلمت المسألة من التكرار. وقد أمكن للخليل أن يحل هذه المشكلة، ويخترع نظامًا من شأنه أن يحصر جميع المفردات مع عدم التكرار. وإنا لنزداد إكبارا للخليل حين نعلم أنه ابتدع نظامه المعجمي في وقت لم يكن فيه لأية لغة أوربية ما يعرف باسم القاموس. حقيقة لقد سبق الصينيون العرب بوضع معجم للغتهم، ولكن ليس هناك من دليل على أن الخليل، وعبقريته الفذة في علوم النحو والأصوات اللغوية، وعلوم الحساب جمله يكتشف بعض الخصائص الهامة التي يخضع لها موسيقا اللفظ العربي، فمن ذلك نظريته الهامة في تجانس حروف الكلمة، وفي عدم تجانس بعض الأصواب فيها، فمثلًا قد ذكر أنه لا تجتمع في كلمة واحدة ثلاثة حروف أصلية من مخرج واحد، كالحروف الشفوية "ف ب م"، فإنها لا ترى مجتمعة في كلمة واحدة على أنها تكون أصول تلك الكلمة، ولكن إذا تباعدت الحروف الأصول فإن اجتماعها في الكملة جائز، فمثلًا الحروف "ك ب ر" يجتمع بعضها مع بعض في أي وضع من الأوضاع، فيتألف منها نظريًّا ستة ألفاظ، اثنان مبدوءان بالكاف، واثنان بالياء واثنان بالراء. وقد تولى ابن دريد في الجمهرة توضيح هذه النظرية بأن افترض

стр. 3

أن هناك مثلثًا تمثل كل زاوية من زواياه حرفًا من الحروف الهجائية وليكن هكذا: فإذا ابتدأنا في هذا المثلث من زاوية الرأس متجهين نحو الزاوية اليمنى، فإننا نحصل على "ض ر ب" أما إذا اتجهنا نحو الزاوية اليسرى، فإننا نحصل على "ض ب ر"، وكذلك الحال فيما لو ابتدأنا بزاوية ر فإننا نحصل على "ر ض ب"، "ر ب ض"، وأخيرًا يتأتى لنا "ب ر ض"، "ب ض ر" إذا ابتدأنا بالزاوية ب. ونسمي نظرية استنباط الأوجه الستة من الأصول الثلاثة بالترتيب التقليبي: anagramatical -order وهذه الأوجه الستة نظرية فقط أما من ناحية الواقع فقد تكون كلها مستعملة، وقد تكون كلها مهملة وقد يكون البعض مستعملًا والبعض مهملًا. وتسمية ما نطقت به العرب فعلًا بالمستعمل، وما لم تنطق به العرب بالمهمل هي من وضع الخليل بن أحمد. وقد يكون اللفظ مهملًا ليس؛ لأن العرب لم تستعمله فقط بل؛ لأن القوانيين الصوتية لانسجام حروف المفردات العربية تأبى احتمال وقوعه كما أسلفنا في "ف ب م"، ونظيرها ع خ هـ التي يترتب عليها القول بأن كلمة "الهعخع" مصنوعة. وهكذا نرى أن الخليل قد اعتمد في بيان المهمل، وتمييزه عن غيره على ما يعرف باسم القوانين الصوتية "PHORETIC RULES"، وهي القوانين التي اتخذها.

стр. 4

ضمن الأسس التي بنى عليه نظام معجمة "كتاب العين" إذ نجد أنه قد قسم الحروف الهجائية إلى مجموعات صوتية بدأها بحروف الحلق، وختمها بالحروف الشفوية. وهذا الترتيب قد وافق من بعض الوجوه ترتيب أحرف الهجاء في اللغة السنسكريتية. وقد فهم بعض المحدثين١ من هذا أن الخليل قد أخذ ترتيبه عن هجاء تلك اللغة، ولكن إذا عرفنا أن الخليل كان مبرزًا في كل علوم اللغة خاصة ما يتعلق بالنحو، والأصوات اللغوية وأن ترتيبه كان على أساس علمي ولغاية محددة، فلا ينبغي أن نأخذ التشابه دليلًا على الاقتباس، هذا فضلًا عن أن ترتيب الحروف في السنسكريتية لا ينطبق تمامًا على الترتيب الصوتي للحروف العربية. وقد اتفق اللغويون العرب جميعًا على أن التنظيم الرئيسي لكتاب العين من وضع الخليل نفسه، وأن الخليل بهذا اتخذ له فضل السبق في وضع المفردات العربية تبعًا لنظام هجائي معين اتخذ أساسًا لما عرف بعد ذلك باسم المعجم أو القاموس. ولكن عبقرية الخليل لم تسلم من التقول عليها، فقد أثار الأزهري٢ -لأسباب سنوضحها فيما بعد- مسألة التشكك في نسبة كتاب العين للخليل، وإن كان قد اعترف صراحة بأن مقدمة العين، وتنظيم الكتاب من وضع الخليل نفسه. وفي العصور الوسطى نرى عالمًا كالسيوطي يجمع كل ما قيل حول هذه المسألة، ويعقد لذلك فصلًا بأكمله في إحدى مؤلفاته٣ ثم يحاول أن يوفق بين وجهات

стр. 5

النظر المختلفة. والذي حداه أن يركن إلى مبدأ التوفيق هو أنه قد وجد نفسه أمام روايات متعددة تختلف في حكمها على الموضوع، فلا بد إذن -على رأيه" من تأويل في بعضها حتى تتفق في جوهرها، وإن اختلفت في مظهرها. وإذا قبلنا هذا من السيوطي، وكان هينًا علينا أن نستمع منه إلى "التوفيق" بين مختلف الآراء التي تعتمد -أول ما تعتمد- على الرواية. فإننا وقد تقدمت في عصرنا طرق البحث العلمي لا يصح أن نلجأ إلى التوفيق تاركين نص كتاب العين ليدلنا على حقيقة أمره، كما فعل بعض الباحثين المعاصرين١. وإن اختفاء مخطوطة العين مدة من الزمن ليعد السبب الرئيسي لهذا الاضطراب واشتباه الأمر. وآخر من أشار في كتبه أنه رأى نسخة العين من اللغويين العربي هو السيوطي إذ ذكر في المزهر ما يفيد هذا. ومن ناحية أخرى نجد متأخري اللغويين كصاحب القاموس، واللسان والتاج لم يذكروا كتاب العين في قائمة المراجع التي اعتمدوا عليها. ولكنهم جميعًا نقلوا عن الكتاب مصر حين في بعض المواضع باسم الخليل، وقد اقتبسوا هذه النقول عن الأزهري وغيره ممن استعمل كتاب العين في كتابه. حتى في عصرنا الحاضر نجد أن البستاني في معجمه "محيط المحيط"، قد نقل من الخليل في صلب كتابه دون أن يرى كتاب العين. ومن الشائع الكثير أن نجد القواميس العربية محشوة بالعديد من أسماء الرواة كأبي عبيدة، وأبي عمرو وغيرها، وليس معنى هذا أن صاحب التاج مثلًا حين يذكر لنا "قال أبو عمرو" أنه رأى كتاب أبي عمرو بل إنه نقل عن مصدرآخر كان قد انتفع بآراء أبي عمرو، ودون جزءًا منها في كتابه، وهذا من الأسباب التي بها تشابهت تعبيرات أصحاب المعاجم حين شرحهم للمفردات. ويمكن بالمقارنة إرجاع هذه التعبيرات إلى الأصل الأول، وهو كتاب العين للخليل مع فارق يسير.

стр. 6

وعندما اكتشفت مخطوطة العين أخيرًا في العراق ابتدأ العلامة أنستاس الكرملي في عام ١٩١٣م في طبع الكتاب، فأخرج قسمًا صغيرًا منه في ١٤٤ صفحة، وهي تعادل ٥٨ صحيفة من مخطوطة ألمانيا البالغ عدد صفحاتها ٨٤٠ صفحة. ولكن ما حل ببغداد أثناء الحرب العالمية الأولى من اضطراب. كان سببًا في توقف الطبع بل وفي ضياع كثير من النسخ التي طبعت وهذا ما يفسر لنا عدم انتشار الكتاب. وقد ذكرت دائرة المعارف الإسلامية عند الكلام على الخليل أن كتاب العين في حكم المفقود، وكذلك اقتصر بروكلمان١ على ذكر القسم المطبوع فقط، وقال: إنه لا توجد مخطوطات للعين يعرف مكانها، ولكن توجد لمختصر العين للزبيدي مخطوطات مختلفة، ثم بدأ في سر أماكنها وأرقامها. وإن سلسلة المعاجم العربية لا تكون كاملة. بدون أول حلقة منها وهي كتاب العين. وكذلك الخلاف على نسبة الكتاب لا يحسم بالطريقة التقليدية، طريقة الرواية، ولا بالانقياد للنظرية التي تقول: إن الخليل كرأس لمدرسة البصرة ليجل مقامه من الخطأ اللغوي الأمر الذي حدا ببعض المتقدمين بناء على هذا الرأي أن يقولوا: إن في الكتاب أشياء ليست من عمل الخليل نفسه، وإن الطريق السديد لهذا هو الحكم على كتاب العين من الكتاب نفسه، من قسمه المطبوع ومن مخطوطاته. أما القسم المطبوع فقد ذكر العلامة كربنكوف٢ أنه رأى الصبية في بغداد بعد أن أحرقت الحرب معالمها، وهم يبيعون التمر في أوراق من نسخ الكتاب: ولحسن الحظ توجد نسخة من هذا القسم المطبوع في كل من دار الكتب، والمجمع اللغوي بمصر.

стр. 7

أما بالنسبة للمخطوط، فقد كدنا أول الأمر نيأس من الحصول عليها؛ لأن الأب أنستاس طبع ما طبع بلا مقدمة، أو تصدير فلم يشر للمخطوطة ولا لمكانها، وقد ذكر بروكلمان أن الكرملي كتب بحثًا عن هذا في صحيفة لغة العرب أغسطس سنة ١٩١٣م، ولكن هذا العدد ليس بين أصول الأعداد المحفوظة لهذه المجلة. ولحسن الحظ مرة أخرى عثرنا عليه مترجمًا في إحدى المحلات الألمانية١. واستمر البحث بعد ذلك في قوائم المخطوطات العربية للمكتبات الشرقية، والأوربية ولم تجد أول الأمر أي إشارة للعين إلا في "كتالوج" مخطوطات برلين المطبوع سنة ١٨٩٣، فقد ذكر أنه توجد قطعتان من معجم مرتب حسب مخارج الحروف بلا اسم أو عنوان، واختار جامع الكتالوج أنهما من كتاب العين المنسوب للخليل. وقد حصلت على مايكروفيلم"٢ لهما وبدراستهما وجدت أنهما من الحكم. وقد استمر الاتصال بعد ذلك بمراسلة الهيئات التي يعنيها الأمر، وقد كتبت الجامعة العربية رسالة تقول فيها: إن مكتبتها ليس فيها مخطوطة العين، وإنها لا تعرف موضعها كما يسرها أن تحصل على المخطوطة أو صورة منها عند العثور عليها. واتجه الظن بطبيعة الحال إلى العراق موطن الخليل، فكان الأمل ضعيفًا أول الأمر لعدم وجود فهارس مطبوعة للمخطوطات هناك. ولكن خيوط البحث، والتنقيب ظلت ممتدة، حتى أمكن آخر الأمر بعد الاتصال بالسفارة العراقية في لندن أن تعثر على مكان المخطوطة، ورقمها في المتحف العراقي ببغداد٣. وما هي إلا فترة وجيزة حتى ورد مايكروفيلم من هناك. وصورت منه نسخة.

стр. 8

وأودعت في خزانة المكتبة في معهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن كما احتفظت لنفسي بنسخة أخرى، وكم أثلج صدورنا أن نعثر على نسخة أخرى في ألمانيا، ويرجع الفضل في حصولنا عليها للدكتور كريمر إذ تفضل فأهداني نسخة "مايكروفيلم" لمخطوطة ألمانيا، وكان ذلك أثناء مؤتمر المستشرقين الدولي في مدينة كمبردج عام ١٩٥٤. وقابلت كذلك هناك المستشرق "ريتر" رئيس القسم العربي في فرانكفوت بألمانيا، فذكر كيف أنه سافر إلى بغداد عقب الحرب العالمية الأولى، وأشرف على شراء ونقل كثير من المخطوطات النادرة التي كان أهمها العين، وقد أودعت في مكتبة برلين، ولكنها نقلت من هناك إلى مكتة جامعة "نيوبنجن" خوفًا عليها من إغارات الحلفاء عندما صوبوا أهدافهم نحو برلين. ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن عدم وجود كتالوج مطبوع لمخطوطات المتحف العراقي ببغداد يعد عاملًا كبير فيما ظنه بروكلمان. كذلك دائرة المعارف الإسلامية من أن المخطوطة مفقودة. وما ورد لألمانيا حديثًا بعد أن طبع الكتالوج الكبير في آخر القرن التاسع عشر مما لم يطبع بعد لم يتمكن بروكلمان رغم ولوعه بالبحث، والتنقيب من العثور عليه١ ومخطوطة بغداد تقع في ٨٠٠ صفحة أما مخطوطة برلين فتزيد عنها بحوالي أربعين صفحة. وقد قدر العلامة الكرملي أن الطبع قد يستغرق ثلاثة أضعاف الخطوطة، ووضع عدد الصفحات ٢٥٠٠ من القطع المتوسط هذا طبعًا عدا جزء خاص بالفهارس. والآن وقد أصبحت المخطوطة بين أيدينا، فإنه يمكنا الاعتماد عليها في بحث ومناقشة المسائل التي أثيرت حول تأليف الكتاب، كما يمكننا أن نرى إلى

стр. 9

أي حد اتبع اللغويون المتقدمون طريقة "العين"، وإلى أي حد اختلف اللغويون المتأخرون منها. ولنشرع الآن في ذكر المراحل التي مر بها وضع المعجم العربي، وهي تتلخص في ثلاث مراحل: أ- طريقة التقليب "ANAGRAMATICAL ORDER". وهي الطريقة التي ابتكرها الخليل وسار عليها من بعد ابن دريد، والأزهري والتالي والزبيدي وابن سيده وغيرهم. ب- طريقة القافية: وتعني تنظيم الكلمات حسب أواخرها. وقد سار عليها الجوهري والفيروزآبادي، وابن منظور والزبيدي وغيرهم. ج- الطريقة الأبجدية العادية. وهي التي نظمت فيها الكلمات حسب أولها وثانيها وثالثها، وقد سار عليها إلى حد ما ابن فارس كما التزمها الزمخشري، والبستاني والشرتونى وغيرهم.

стр. 10

الباب الأول: المرحلة الأولى في تنظيم المعجم العربي مرحلة التقليبات نبذة عن حياة الخليل ... نبذة عن حياة الخليل: رغم شهرة الخليل١ بالبصرة فإنه قد ولد في مدينة أخرى -هي مدينة عمان على شاطئ الخليج الفارسي عام ١٠٠هـ، ولكن نشأته بالبصرة؟؟؟؟ وتلقيه العلم بها تلميذًا، ورياسته لمدرستها شيخًا جعلته يشتهر بهذا اللقب، وقد كان الخليل من أولئك العلماء القلائل الذين انحدروا من أصل عربي صرف إذ ينتسب إلى بطن فرهود من قبيلة الأزد، وهو وإن عرف أيضًا بالفراهيدى إلى أن بعضهم يصر على تصحيح النسبة إلى الفرهودي. لم يكن الخليل على حظ كبير من الغنى والسعة، فقد رضي وقنع بعيشته الزهيدة المتواضعة. وذلك لكثرة انشغاله بالعلم والتفكير، ولرضاه النفسي بحالته كما هي. وهذا ما يفسر لنا السبب في رفضه أن يكون مؤدبًا لولد الأمير سليمان بن عبد الملك حينما طلب منه ذلك، وفي هذا يقول الخليل نفسه: أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال وقد ظهرت شخصية الخليل قوية واضحة في تأليفات تلاميذه. فهذا سيبويه ينقل في كتابه الكثير عن الخليل. بل إن كثرة هذا النقل بدرجة ملحوظة جعلت بعض النقاد يعتبرون أن سيبويه قد جمع فقط آراء شيوخه الذين كان أهمهم الخليل، ودونها في سجل هو ما عرف بعد باسم "الكتاب"، ويميل بعض المستشرقين إلى أن يعدهما معا رأس مدرسة البصرة كما يعدون القراء، والكسائي مما رأس المدرسة الكوفية٢. ولم يبرز الخليل في العلوم اللسانبة من نحو ولغه، وشعر فحسب بل كان له دراية

стр. 11

واسعة بالعلوم الشرعية والعلوم الرياضية، وأكثر من هذا كان بارعًا في الموسيقى والنغم، وإن نظرة واحدة إلى الطريقة التي وضع بها علم العروض الذي اتفق الجميع على أنه هو الذي ابتدعه دون سابق مثال لتدلنا على أن الخليل كان ذا عقلية مبتكرة. وقد روى لنا في هذا أنه كان قد مر يومًا بمداد، فاستهواه دق المطرقة المنتظم، فلما حاول أن يربط بين هذه النغمات الرتيبة وبين الأوزان في الشعر العربي تم له ذلك باختراع علم العروض. وكانت التفصيلات التي استعملها الخليل كموازين للشعر، وتقطيع الأبيات على حسب تلك الموازين الذي يؤدي أحيانًا إلى شطر الكلمة الواحدة، أو ضم كلمة مع جزء أخرى لتكون وحدة عروضية معينة، كانت كل هذه الأشياء الجديدة على اللغويين الأول أشبه شيء بالألغاز. فقد ذكر لنا أن بعض علماء اللغة رحل إلى الخليل ليتعلم منه فنه الجديد، ولما لم يجد الخليل عنده الاستعداد الكافي لتقبله أراد أن يصرفه عنه بإشارة لطيفة حيث طلب منه أن يقطع هذا البيت: إذا لم تستطع شيئًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع ففطن ذلك اللغوي إلى غرضه، وترك علم العروض الذي لم يستطع تفهمه. حتى طبقة المثقفين من غير العلماء كانت تستغرب هذا الشيء الجديد الذي لم يكن مألوفًا ولا متعارفًا. فقد روي أن الخليل كان يومًا منشغلًا بتقطيع بعض الأبيات، فدخل عليه ابنه فاستوضح منه هذا الأمر، فما كان من الخليل إلا أن ترك له بطاقة مسجلًا عليها هذان البيتان: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أعلم ما تقول هذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا ومع الاتفاق على نسبة هذه الأبيات وغيرها للخليل، فإننا لا نستطيع أن نعده شاعرًا بالمعنى الكامل للكلمة. هذا علاوة على ما في البيتين السالفين من سمة التقسيم المنطقي الذي ينبئ على أن قائلهما عالم لا شاعر.

стр. 12

وبالإضافة إلى براعة الخليل في اللغة، والموسيقى نجد أنه كان أيضًا رياضيًّا عارفًا بعلم الحساب إلى حد يعتبر فيه سابقًا لأوانه، فقد ذكر أنه وضع محاولة ابتكر فيها وضع نظام حسابي خاص يكون من السهولة بحيث لو عرفته الجارية، وذهبت به إلى السوق، فإنه لا يستطيع أحد أن يغالطها الحساب. وإن عقلية فذة كعقلية الخليل لا يستبعد أن يكون صاحبها مبتدعًا لأسس العروض، ومبتكرًا للتنظيم المعجمي. بل إن أحد المستشرقين١ من فرط إعجابه بنظريات الخليل صرح بأن نظام العين ليس غريبًا أن يكون من عمل الخليل بل الغريب ألا يكون منسوبًا إليه. ونظرًا لما أثير حول نسبة كتاب العين إلى مؤلفه الحقيقي، فقد رأينا أن نفرد هذا بموضوع خاص يأتي فيما بعد: أما مؤلفات الخليل الأخرى فلم يصلنا منها شيء، وقد وردت أسماؤها متناثرة في كتب الطبقات، وقد جمعتها دائرة المعارف الإسلامية في ستة كتب هي: ١- النقط والشكل. ٢- النغم. ٣- العروض. ٤- الشواهد. ٥- الإيقاع. ٦- الجمل.

стр. 13

ولقد لقي الخليل تقديرًا وإكبارًا يليقان بمركزه العلمي من الأدباء واللغويين المتقدمين، فهذا ابن المقفع، يقول: "لقد لقيت فيه رجلًا عقله أكبر من علمه"، وهذا خلف بن المثنى١ يخبرنا أنه قد اجتمع في البصرة في وقت واحد عشرة من أكابر العلماء في مختلف الفنون أولهم الخليل بن أحمد اللغوي، وثانيهم بشار بن برد الشاعر. إلخ ومدحه حمزة بن حسن الأصبهاني بقوله: إنه لم يكن للمسلمين أذكى عقلًا من الخليل. ويكفينا دلالة على تفوق الخليل في العلوم الإسلامية أنه تخرج على يديه ثلاثة أئمة في فنونهم أولهم سيبويه في النحو، وثانيهم النضر بن شميل في اللغة، وأما الثالث فهو مؤرج السدوسي في الحديث.

стр. 14

طريقة الخليل في "العين ": إن المبادئ الرئيسية التي بنى عليها الخليل ترتيبه في كتاب العين يمكن حصرها إجمالًا في أمور أربعة: أولًا: رتبت الكلمات ترتيبًا أبجديًا -والمراد بالترتيب الأبجدي المعنى الواسع لهذا التعبير. فقد شهد عصر الخليل كتيبات سجلت فيها الكلمات بحسب موضوعاتها ومعانيها. أما الخليل فقد رأى أن هذا غير عملي بالنسبة لحصر جميع المفردات اللغوية في كتاب خاص، ورأى أن ترتيب الكلمات حسب حروفها يكون أفيد وأدق. ولكنه لم يختر لذلك الأبجدية المألوفة على نظم الحروف حسب مخارجها إلى مجموعات تبدأ بالمجموعة الحلقية التي أولها في رأيه العين، وتنتهي بالمجموعة الشفوية التي ختمها بالميم، وتنظيم الكلمات حسب هذا المبدأ ظل متبعًا فترة من الزمن ثم عدل عنه. ثانيًا: نظمت الكلمات تبعًا لحروفها الأصلية فقط بقطع النظر عن الأحرف الزائدة فيها. وهذا المبدأ ظل متبعًا في كل مراحل تطور المعجم العربي من وقت الخليل إلى يومنا هذا. ثالثًا: إن تبويب الكلمات خضع لنظام الكمية. فمثلًا في باب العين الذي عالج فيه الكلمات المشتملة على حرف العين نجده قد سجل الكلمات حسب التقسيم الآتي: ١- الثنائي. ٢- الثلاثي الصحيح. ٣- الثلاثي المعتل. ٤- اللفيف. ٥- الرباعي. ٦- الخماسي. ٧- المعتل. أما الثنائي فقد قصد به الخليل ما اجتمع فيه حرفان من الحروف الصحيحة، ولو مع تكرار أحدهما في أي موضع فيشمل هذا كلمات قد، قد، قد قد فكلها تعالج في موضع واحد، وأراد بالثلاثي الصحيح ما اجتمع فيه ثلاثة حروف صحيحة على أن تكون من أصول الكلمة أما الثلاثي المعتل، فقصد به ما اجتمع فيه

стр. 15

حرفان صحيحان وحرف واحد من حروف العلة، سواء كان حرف العلة في الأول أو الوسط أو الآخر وبعبارة أخرى يشمل هذا ما عرف عند الصرفيين بالمثال والأجوف والناقص. وأما بالنسبة للفيف فقصد به ما اجتمع فيه حرفا علة في أي موضع، فيشمل على هذا اللفيف المقرون والمفروق. ومن هنا نعلم أن اسطلاحات أصحاب المعاجم تخالف من بعض الوجوه اصطلاحات الصرفيين. وأما من حيث الرباعي والخماسي فلم يختلف فيه تعبير الفريقين. أما القسم الأخير وهو المعتل فقد أدخل فيه أصحاب المعاجم الذين اتبعوا طريقة الخليل -إجمالًا- الهمزة بحجة أنها قد تسهل إلى أحد الحروف المعتلة. رابعًا: عولجت الكلمة ومقلوباتها في موضع واحد فمثلًا نجد الكلمات: ع ب د، ع د ب، د ب ع، د ع ب، ب ع د، ب د ع كلها يمكن أن تعالج نظريًّا تحت عنوان واحد بقطع النظر عما نطقت به العرب منها فعلًا وعما لم تنطق به، فالنوع الأول سماه الخليل "مستعملًا"، والنوع الثاني سماه "مهملًا" ويعرف هذا التنظيم باسم "التقليبات"، ويمكن الرجوع إلى هذه المفردات مثلًا تحت حرف العين مجموعة "ع د ب"؛ لأن العين أسبق الجميع في الأبجدية الصوتية التي وضعها الجليل تليها الدال ثم الباء. وجميع من تبع نظام العين سار في التقليب على قاعدة وضع المفردات المأخوذة من أصل ثلاثي واحد تحت الحرف الذي هو أسبقها من حيث المخرج ما عدا ابن دريد الذي اتبع في تقليباته نظام وضع المفردات المتحدة الأصل تحت الحرف الذي هو أسبقها في الأبجدية العادية. فهنا مثلًا نجده وضع تلك المفردات الستة المذكورة سابقًا تحت مجموعة "ب د ع"، فهذا اختلاف فرعي يجعلنا نعتبر ابن دريد صاحب جمهرة اللغة أيضًا من المؤلفين الذين اتبعوا في ترتيبهم نظام كتاب العين.

стр. 16

اللغويون الذين ساروا على نهج الخليل في المشرق: لقد كان لتأليف كتاب العين صدى كبير بين العلماء اللغويين حتى إنهم حذوا حذوه في تأليف كتبهم على نسق كتاب أستاذهم الخليل، وبعض هذه الكتب أتت عليه يد الزمن، فلم يرد لنا منه إلا ما كان من تعليق، أو وصف موجز في ثنايا الكتب الأخرى. والبعض الآخر أمكن رغم صروف الدهر، ورغم الفتن الكبرى التي انتابت الإمبراطورية الإسلامية في مختلف عصورها، أمكن أن يصل إلى أيدينا، وإن كان أكثرها لا يزال مخطوطًا ينتظر دوره في التحقيق والطبع والنشر. أما أشهر الكتب التي تعتبر مفقودة فهو: ١- المدخل إلى العين وضعه تلميذ الخليل، النضر بن شميل المتوفى ٢٠٣هـ. ٢- التكملة للخزرجي المتوفى ٣٤٨هـ. ٣- الحواصل لأبي الأزهر البخاري المتوفى ٣٥٠هـ. ٤- الموعب للتياني المتوفى ٤٣٣هـ. أما أهم المعاجم التي سارت على نظام العين، وبقيت حتى وصلت إلينا فمنها ما وضعه الشرقيون، ومنها ما ألف في الأندلس إبان ازدهار الحضارة الإسلامية في أسبانيا. أما معاجم المشرق فأهمها: الجمهرة لابن دريد، وتهذيب اللغة للأزهري. وأما معاجم المغرب فأهمها: البارع لأبي علي القالي، ومختصر العين لأبي بكر الزبيدي١، والمحكم لابن سيده.

стр. 17

أولًا- جمهرة ابن دريد: هذا هو ثاني معجم وصل إلينا بعد كتاب العين من المعاجم التي اتبعت نظام التقليبات. أما مؤلفه فهو محمد بن الحسين بن دريد البصري. وقد كان أبوه من أعيان التجار في مدينة البصرة. واستطاع أن يؤدب ولده بآداب العصر الذي عاش فيه، وابن دريد كالخليل من أصل عربي جنوبي -وكان ابن دريد مشهورًا بسعة الحفظ، وقوة الذاكرة، فقد روي عنه أنه كانت تقرأ عليه دواوين العرب فيحفظها من أول مرة١. كما قد أخبر هو عن نفسه بأن شيخه كلفه يومًا بحفظ معلقة الحارث بن حلزة حتى يرجع من غدائه، فلما رجع الشيخ وجد التلميذ قد حفظ الديوان بأجمعه. وقد أمكنه أن يستغل ذاكرته في ملء كتبه بالألفاظ الغريبة خصوصًا ما يعرف باسم النوادر، وقد ظهر هذا جليًّا في مؤلفيه "كتاب الاشتقاق وكتاب الملاحن". كتاب "الاشتقاق": اهتم ابن دريد في هذا الكتاب بعقد الصلة بين الاسم العلم، وبين ما يشابهه مادة من الصفات أو الأفعال. وقد أداه شغفه بالاشتقاق إلى أن يفترض أن الأعلام كلها منقولة، وأن لها دلالات أخرى بجانب دلالتها على مسمياتها. فمن أمثلة ذلك قوله٢ "الحتات بن يزيد: حتات فعال من قولهم: حتتُّ الورق عن الشجر إذا نفضته، ويقال: فرس حتيت أي سريع".

стр. 18

كتاب الملاهي: وهذا الكتاب له صلة بعلم الفقه إذا عقد فيه فصولًا كثيرة عما يعرفه الفقهاء باسم الحيل. فكان الرجل إذا حلف يمينًا ألا يفعل شيئًا معينًا وهو يريد أن يفعله، فإن ذلك الشيء الذي حلف عليه -وله معان كثيرة في نظر ابن دريد- يخرج الشخص من دائرة اللحن إذا ادعى أنه لم يقصد المعنى المتعارف بل قصد إلى معنى آخر من معاني ذلك اللفظ، والذي يعنينا هنا إنما هو معجم الجمهرة الذي سار فيه ابن دريد على الأسس الرئيسية التي بني عليها كتاب العين، إذ أنه التزم فيه من بين ما التزم التقسيم الكمي للكلمة، فشرح الثنائي فالثلاثى وهكذا كما أنه التزم أيضًا نظام التقليبات، فوضع كل الصيغ الست الممكن تفرعها من اجتماع ثلاثة أحرف في موضع واحد. وقد خالف ابن دريد الخليل في النظام الأبجدي فلم يتبع ترتيب الحروف بحسب مخارجها بل رتبها بحسب الترتيب العادي. فمثلًا المجموعة التي تتألف من حروف "د ع ف" نحو كلمة "قعذ وعقد" نجدها في كتاب العين تحت حرف "ع"؛ لأنها أسبق الثلاثة مخرجًا، ونجد أن الخليل وضع المجموعة كلها تحت الأصل "ع ق د"، أما ابن دريد فقد وضعها تحت حرف "د" إذ هو أسبق الثلاث في الأبجدية العادية. ونجد في العناوين الفرعية التي وضعها ابن دريد -كما كنا نتوقع- اختلافات، وتفصيلات حينما نقارن بين الجمهرة والعين، فمثلًا نجد ابن ديد رغم اتباعه طريقة النقليات قد أدخل بعض التعديل في ترتيب الثنائي، فهو لم يدمج كل الكلمات التي يدخل في تركيبها حرفان صحيحان فيضعها في موضع واحد. بل إنه فضل في ذلك فذكر الثنائي غير المضاعف وحده، ثم الثنائي المشدد الآخر أو ما يسميه الصرفيون بالثلاثي المضاعف مثل دق، ثم ذكر الثنائي الذي كرر

стр. 19

فيه المقطع مرتين أو ما يسميه الصرفيون الرباعي المضاعف. أما في المعتل فإنه لم يفصل بينه وبين الصحيح كلية وكذلك لم يدمجه فيه كلية، فنجده قد عقد فصولًا خاصة في بعض الأحيان لما يعرف عنه الصرفيين بالأجوف كما أنه لم يلتزم طريقة واحدة بالنسبة لحرف الهمزة، فلم يعتبرها من حروف العلة كلية كما فعل متقدمو اللغويين، ولا من الحروف الصحيحة كلية كما فعل المتأخرون فمثلًا ذكر في باب الثنائي الأصول: أب، أت، أث، إلخ. وعندما جاوز الثنائي إلى غيره أغفل ذكر الهمزة كحرف صحيح. وكان ينبغي على ابن دريد -حيث اتبع نظام التقليبات أن يسير على ترتيب أبجدية الخليل الصوتية حيث إن نظام التقليبات مبني على أساس صوتي، إذ يعرف به المستعمل من المهمل بواسطة القوانين الصوتية التي يخضع لها تأليف الحروف في الكلمات العربية. ومن الغريب أن ابن دريد وضع بعض الكلمات المشتملة على تاء التأنيث تحت ما أصله الهاء مثل: حبة، عفة ولكنه ذكرهما أيضًا مع المجموعين ح ب، ع ف، ويقول المستشرق كرينكو الذي حقق الجمهرة: إن الدافع لابن دريد في ارتكاب هذا هو جهل الناس في عصره فلم يكونوا يستطيعون أن يفرقوا بسهولة بين ما فيه الهاء أصلية وبين ما فيه زائدة للتأنيث، فتعمد وضع الكلمة وشرحها في كلا الموضعين أو أحدهما، ولكنا لا نرى هذا سببًا معقولًا لذلك التجاوز، والانحراف عن عرف اللغويين، ولا يمكن أن يتخذ جهل الناس وسيلة لارتكاب مثل هذا الخطأ. كما أن ابن دريد جاوز المألوف أيضًا حين ذكر كلمة تبوأ، وما تفرغ منها مثل يتبوأ تحت المجموعة "ب ت + وا ي" مع الكلمات التوب والأبت والبيت. وقد يكون الدافع لهذا الخلط في هذا الموضوع هو ما سبق أن ذكر مع هاء التأنيث.

стр. 20

وإذا قبلنا منه هذا العذر فعلى أنه تطبيق عملي لمبدئه الذي ذكره في المقدمة من أنه سوف لا يلتزم حرفيًّا ترتيب الخليل حتى يمكن للجمهرة من الناس أن ينتفضوا بكتابه١. أما من ناحية الاشتقاق فنرى ابن دريد قد تعسف أحيانًا في توضيح معاني بعض الكلمات من حيث اشتقاقها، وعلى الأخص في أسماء الأعلام المنقولة التي حاول أن يربط بينها وبين وما نقلت عنه، ولو اضطر إلى التعقيد أحيانًا، ولكنها لا تبلغ مبلغ منهجه في كتاب الاشتقاق. وهذه الهنات وأمثالها في الجمهرة قد جعلت ابن جني يرى ابن دريد بأنه لم يكن دقيقًا في الاشتقاق اللغوي، ورأى ابن جني٢ فيه أنه قد ارتكب أخطاء كبيرة في الاشتقاق، وأن ابن جني عندما وقعت له إحدى نسخ الجمهرة أراد أن يكتب عليها بعض التعليقات، ولكن كثرة الأخطاء التي لاحظها جعلته يستحيي أن يذكرها لأحد؛ لأن ابن دريد قبل كل شيء في نظر ابن جني لم يكن له دراية كاملة بعلم الصرف الذي هو أساس الاشتقاق، وبالتالي أساس تأليف المعاجم. وهذا بالطبع مبالغة كبيرة من ابن جني في حق الجمهرة. ومهما بلغ رأي ابن جني فيه من الصواب، فإن ابن دريد لم يكن ليخلق الكلمات اختلافًا، أو يصنعها صنعًا كما نعته بذلك معاصره الأزهري في تهذيب اللغة إذ قال عنه٣: "وممن رمى بافتعال العربية في زماننا ابن دريد". وفي آخر الجمهرة نجد بابًا عقده المؤلف لما سماه النوادر، وقد قسمه إلى أبواب بحسب الصيغة كما فعل ابن السكيت في "إصلاح النطق"، وهنا لم يراع ابن

стр. 21

دريد ترتيبًا أبجديًا في ذكر مفرداته وإن المنقب عن كلمة ق لا يجيد طلبته إلا بسد أن يقرأ معظم الفصل إن لم يكن كله. وإفراد هذه الفصول تحت باب النوادر جمل ابن دريد يقع التكرار فمثلًا ذكر في النوادر كلمة "وشن١" وقال عنها "ويقال الكلب إذا أدخل رأسه في الإناء وشن برشن" وهذا يقترب مما ذكره في سلب الكتاب في مادة "وش ن" حيث قال "ويقال رشن الكلب في الإناء إذا أدخل رأسه فيه٣". وتحت العنوان "صيغة فعلة" ذكر كلمة "رجل لمبة" على حين أنه قد ذكرها سابقًا في سلب الكتاب تحت مادة "لعب" ضمن المجموعة ب ل ع. وقد اختتم ابن دريد الفصل الذي فقده للنوادر بذكر موضوعات مختلفة مثل السهام والشجر والنساء. ويظهر أن باب النوادر برمته كان قطعة من كتاب مستقل لابن دريد ثم أضيف بفعل الرواة إلى الجمهرة على أنهما كتاب واحد. والذي يساعد على هذا أن ابن دريد لم يذكر في مقدمة الجمهرة أنه سيفرد أنواعًا خاصة من الكلمات ليعقد لها بابا أو أبوابا مستقلة في آخر الكتاب، وأياما كان فإن ابن دريد قد خطأ خطوة كبرى في ترتيبه حين ترك المبدأ الصوتي لمبتدأ الأبجدية العادية. وإن كان نظام التقليبات إنما يخدم نظرية المهمل والمستعمل من الألفاظ، تلك النظرية المبنية على قوانين صوتية كما أسلفنا، فلم يكن مناسبًا أن يجمع ابن دريد بين النظاميين، ولكنها على كل حال خطوات إلى الأمام إذ لفتت أنظار اللغويين فيما بعد إلى الترتيب الأبجدي العادي

стр. 22

وكثيرًا ما نلحفظ التشابه الكامل بين أسلوب ابن دريد في شرح الكلمات وبين أسلوب الخليل. وكذلك الحال بالنسبة للشواهد، فالأبيات هي هي مكررة في الكتابين. وهذه ظاهرة عامة في كل كتب اللغة حيث يعتمد بعضها على بعض، ولكنا نلحظ أن ابن دريد كان أمينًا حين صرح بأنه اعتمد كثيرًا على كتاب العين، وهذا ما يجعلنا نستبعد اتهام نفطويه صديق الأزهري حين طعن على ابن دريد، ورماه بأنه سرق كتاب العين مغيرًا ترتيبه١ تحت عنوان جديد، إذ أن هذا ينطبق أيضًا إلى حد ما على اللسان، والقاموس وغيرهما من كبريات المعاجم.

стр. 23

ثانيًا- تهذيب الأزهري: هذا هو ثالث المعاجم التي اتخذت التقليب كأساس في ترتيب المفردات، أو بعبارة أخرى اتبعت ترتيب الخليل. وهو تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري المتوفى سنة ٣٧٠ هجرية. والأزهري معدود من بين اللغويين الذين اعتمد عليهم المتأخرون في تأليف معاجمهم، وعلى الأخص ابن منظور في لسان العرب. وقد تمتع الأزهري بشهرة كبيرة في علوم اللغة والفقه، وكان يميل إلى المذهب الشيعي الذي لم يكن يستطيع أن يتخلص منه حتى في مؤلفاته اللغوية، وقد تعلم على أيدي أساتذة مشهورين أمثال المنذري، ونفطويه وهذا الأخير قد أورثه خصومة ابن دريد ومهاجمته، وعند رحيل الأزهري إلى بغداد شأن كل العلماء في عصره قابل ابن دريد، وابن السراج وقد ذكرت كتب الطبقات١ أنه رغم مقابلته لهما لم يرو عنهما، ولكن كتابه التهذيب ينكر هذا. فنجد بين طيات الكتاب اقتباسات كثيرة عن ابن دريد، وابن السراج لا تقل عن اقتباساته عن غيرهما من اللغويين. ولكن الأخذ عن الرواة السابقين لم يكن بدعًا من الأزهري في ذلك الوقت، فقد كان طابع العصر كله، ومن اللغويين من أتيحت له فرصة السماع من العرب فسجل ما سمع في كتبه، وكان للأزهري من هذا حظ كبير عندما وقع أسيرًا في أيدي القرامطة. فسنحت له الفرصة بالاختلاط بالبدو، والعرب الخلص الذين كانوا يتكلمون كما يخبرنا هو بالعربية الفصحى.

стр. 24

ولنستمع إلى الأزهري يخبرنا أنباء رحلته حيث أسره القرامطة مدة طويلة. "وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًا نشأوا في البادية يتتبعون ساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطبائعهم البدوية، ولا يكاد يوحد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرًا طويلًا، وكنا نشتي بالدهناء، ونرتبع بالصمان، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضًا". ولعل رسوخ قدم الأزهري في علوم الفقه بجانب علوم اللغة هو الذي دفعه إلى تأليف كتاب "مصطلحات الفقهاء" شرح فيه من الناحية اللغوية بعض الاصطلاحات الفقهية التي كانت مستعملة إلى عصره، واهتم بإيضاح الصلة بين المعنى الفقهي، والمعنى اللغوي لهذه المصطلحات. أما عقيدته الشيعية ومناصرته لأهل البيت، فقد سجلها في التهذيب في أكثر من موضع فمثلًا في المادة "جعجع" تحت المجموعة ع ج نجد أنه في شرحه لهذه الكلمة قد حمل على منافس العلويين في عبارته إذ قال: "كتب عبد الله بن زياد اللعين إلى عمرو بن سعيد أن جعجع بالحسين". وكتاب التهذيب لا يزال مخطوطًا ونسخه متفرقة ما بين لندن والقاهرة واستانبول، والحجاز وقد نشر قطعة صغيرة منه المستشرق زوترستين١ وقد اعتمد فيما نشره على نسخة استانبول وهذا القسم يحتوي على تصدير موجز للناشر، ومقدمة مطولة للأزهري استعرض فيها بإيجاز تاريخ، وتراجم اللغويين من

стр. 25

بصريين وكوفيين منذ أبي الأسود إلى عصره. وفي آخر المقدمة عندما أراد أن يوضح طريقته التي سيسير عليها في تنظيم الكلمات في التهذيب أخبرنا أنه لم يجد أصوب، ولا أوفى من مقدمة العين التي وضعها الخليل، ولذلك سيعتمد هو عليها، وينقلها بين يدي كتابه. والجزء الذي من صلب التهذيب ونشر يبدأ في أول حرف العين إلى المجموعة "ع ث" يعني الأصلين "عث وثع". ويجد أن الناشر كان مشغوفًا إلى حد كبير بالبراعة التي أظهرها الأزهري في كتابة، وبسعة إطلاعه وكثرة المواد فيه، الأمر الذي جعله عمدة ومرجعًا هامًّا لكتاب اللسان. ولتسلط هذه الفكرة على الناشر أثبت في هوامش التهذيب أرقام الصفحات المقابلة من لسان العرب التي فيها اقتباس الأخير عن الأول دون التصريح بالنقل حتى يرينا إلى أي حد اعمد ابن منظور على الأزهري في كتابه، وبالتالي فقد كان اللسان عمدة لما ظهر بعده من الكتب. وإذا أراد الناشر أن يقنعنا بأن التهذيب هو بهذه الطريقة للصدر الأول للمعاجم المتأخرة، فإننا بنفس الطريقة يمكن أن نرجع أغلب ما في التهذيب إلى كتاب العين لاتفاقهما في كثير من التعبيرات فضلًا عن تنظيم الكلمات، وتبويب الأبواب الأمر الذي يجعلنا نقول: إن العين هو الأصل لكل ما أتى بعده من المعاجم. وإذا قارنا التهذيب بالعين فنجد أنهما يتفقان في نظام التقليبات، ومراعاة الأبجدية الصوتية، وتقسيم الكلمات بحسب الكلمة من الثنائي إلى الخماسي، ويزيد الأزهري على الخليل بالإكثار من الروايات والنقل عن اللغويين. وهذا الأمر طبيعي حيث تأخر الزمن بالأزهري مما حتم عليه النقل عن الأقدمين.

стр. 26

وكنا قد توقعنا أن يكون أغلب كتاب الأزهري من حيث ذكر المفردات، وشرحها منقولًا عن أفواه العرب الذين شافههم أثناء مدة أسره، ولكنه نادرًا ما فعل ذلك حتى إن تعبيره الذي يستشف منه النقل المباشر عن البدو، وهو "قالت العرب": هذا التعبير موجود بكثرة حتى في كتب اللغة المتأخرة مما لا يدل دلالة على قاطعة على أن المقصود هو مشاقة الأعراب للنقل عنهم. ومهما يكن من أمر فإن التهذيب يعد ضمن المصادر اللغوية للمعاجم المتأخرة. وإننا ليسترعينا في كتاب التهذيب طريقة نقله من العين، فقد وعد الأزهري في المقدمة أنه سوف لا ينقل عن الليث الذي ألف -في رأيه- كتاب العين ونحله للخليل. إلا أنه اعتمد أولًا على كتاب العين دون أن يصرح بذكر اسم الكتاب، أو اسم المؤلف حتى التعبيرات التي رواها عن علماء آخرين متأخرين عن الخليل تتفق في أكثر الأحيان مع تعبير كتاب العين. كما أن الأزهري أيضًا ناقض نفسه حين ذكر في المقدمة أنه سوف لا ينقل من الليث في العين، ولا عن ابن دريد في الجمهرة إلا للرد عليهما ومناقشتهما. وبالرجوع للتهذيب نجد أنه قد نقل عنهما وصرح بذكرهما تحت تعبير "قال الليث، قال ابن دريد" شأنهما في ذلك شأن غيرهما من الرواة الذين اعتمد عليهم الأزهري، وعدهم من الثقاة كأبي عبيدة واللحياني. وهذه المسألة أيضًا اتبعها مع الخزرنجى الذي ذكره في مقدمة التهذيب، وأطال الكلام عنه ووصفه بأنه ليس ثقة ولا ثبتًا في حين أن الأزهري اقتبس كثيرًا من كتاب الخزرنجي "تكملة العين" إذ ينقل عنه كثيرًا جدًّا في أول كل مادة خصوصًا المواد النادرة الاستعمال التي تصل في ندرتها إلى درجة المهمل. وعلى العموم، فإن الأزهري رغم حملته على أكثر معاصريه من اللغويين، فإنه قد حفظ لنا بقدر الإمكان صورة عن تنظيم هذا الكتاب، وتبويبها واستطعنا أن نعرف شيئًا عنها رغم ضياعها. ولندع الأزهري الآن حتى تعود إليه مرة أخرى لننتصف منه للغويين الذين هاجمهم، وتعصب ضدهم.

стр. 27

المعاجم التي اتبعت نظام العين في المغرب: إن طريقة الخليل لم يقتصر صداها في الانتشار في المشرق بل وجدت طريقها إلى المغرب أيضًا. تذكر لنا كتب الطبقات أن أول من أحضر نسخة من العين إلى الأندلس هو قاسم بن ثابت ووالده١. وأهم اللغويين الذين ألغوا معاجمهم على تلك الطريقة في المغرب: -القالي. الزبيدي. ابن سيده. أولًا: البارع لأبي علي القالي: هذا هو أول معجم ظهر في الأندلس، ومؤلفه هو أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي الذي اضطرته ظروف الحياة القاسية أن يهاجر من بغداد إلى الأندلس، وكان قبل ذلك قد ترك مسقط رأسه في أرمينيا إلى بغداد طلبًا للعلم والمعرفة عام ٣٠٣ هجرية، وفي ذلك الوقت كانت سنة خمسة عشر عامًا حيث تصاحب في بغداد مع جماعة من بلدة تسمى "قالي قلا"، وإليها نسب وكان من أشهر شيوخه ابن دريد. وقد مكث ببغداد خمسة وعشرين عامًا ثم رحل عنها في عام ص٣٢٨، ويذكر لنا السيوطي أن الحاجة بلغت به مبلغًا شديدًا إذا اضطر إلى بيع أثمن كنز كان يقتنيه، وهو كتاب الجمهرة بخط أستاذه ابن دريد بمبلغ أربعين دينارًا، وكان قد قدم إليها فيها قبل ذلك ثلاثمائة مثقال فرفض٢. وعندما وصل إلى الأندلس واتصل بالخليفة عبد الرحمن، وابنه الحكم عرف هناك باسم البغدادي بدلًا من القالي. أما كتابه البارع فيكفينا ثناء عليه قول تلميذه أبي بكر الزبيدي "أنه قاموس واسع قد شمل اللغات كلها" يقصد اللهجات. وذكر الزبيدي أيضًا أن

стр. 28

البارع فاق كتاب العين بأربعمائة ورقة كما أن القالي ذكر فيه بعض أصول أوضح أنها مستعملة، وكان الخليل في العين قد ذكر أنها مهمله. ومن العلماء المتأخرين الذين أثنوا على البارع السيوطي حيث قال: "إن من أصح القواميس التي رأيتها بارع القالي وموهب القيانى. ولكن اللغويين المتأخرين لم يميلوا إلى استعمالهما وتركوهما إلى محكم ابن سيده، وصحاح الجوهري". وممن التبس عليهم الأمر في شأن البارع حاجي خليفة في كشف الظنون إذ ذكر أن من بين مؤلفات القالي كتاب "البارع في غريب الحديث"، وقد أدى هذا الالتباس أن يشتبه الأمر على دائرة المعارف الإسلامية، فذكرت تحت موضوع "القالي" أن من بين مؤلفاته كتاب البارع في غريب الحديث: وزادت دائرة المعارف على هذا أن ذكرت أن هذه المخطوطة موجود بعضها في المكتبة الأهلية في باريس تحت رقم ٤٢٣٥. ولكن الواقع يخالف هذا؛ لأن هذه المخطوطة عينها قد صورت هي وقسم آخرمن البارع عثر عليه في المتحف البريطاني، وأخرجهما معًا في صورة كتاب المستشرق، فولتون أمين المكتبة الشرقية بالمتحف عام ١٩٣١م، ونستخلص من هذا أن القالي له كتاب واحد يحمل اسم البارع، ولكن ولوع صاحب كشف الظنون بكثرة تعداد الكتب أداه إلى أن يجعل هذا العنوان اسمًا لكتابين مختلفين، والواقع أيضًا أن الاسم الكامل للكتاب هو البارع في غريب اللغة العربية. ولا يفوتنا قبل أن تترك القالي أن ننبه على أنه كان أستاذًا لأبي بكر الزبيدي الذي ألف مختصر العين، ويظهر أن بعض أصحاب الطبقات قد غفل عن هذا، فذكر ما يفيد خلاف ذلك١.

стр. 29

أما ترتيب المفردات في البارع فهو على وجه الإجمال كترتيب العين مع مراعاة التقليبات، والأبجدية الصوتية، وتقسيم الكلمات من حيث الكمية إلى ثنائي وثلاثي، ورباعي وخماسي. ولكن ترتيب الأبجدية الصوتية عند القالي لا يتفق تمامًا مع أبجدية الخليل، ولكن يختلف عنها اختلافًا قليلًا. وبمقارنة الترتيبين هكذا يمكن معرفة مدى ارتباطهما.

стр. 30

وإذا اتخذنا ترتيب الخليل كأساس فإننا نجد: أولًا: الأبجدية مقسمة إلى مجموعات صوتية متحدة في كل. ثانيًا: يختلف ترتيب الحروف في بعض المجموعات الأولى منها الهاء مكان العين، والمجموعة الثالثة فيها الترتيب مختلف، إلى السابعة. ثالثًا: ترتيب المجموعات بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر فيه بعض الاختلاف، فمثلًا من المجموعة الرابعة إلى السابعة نجد هناك تبادلًا في أمكنة هذه المجموعات، ومن جهة أخرى نجد أن القالي التزم بعض التفصيلات التي أجملها الخليل. ومن هذه الأمور التي خالف فيها البارع كتاب العين ما يلي: أ- عبر القالي عما سماه الخليل بالثنائي بقوله: "باب الثنائي في الخط والثلاثي في الحقيقة"، ولكنه أدمج فيه ما سماه الصرفيون الرباعي المضاعف مثل زلزل. وتعبير الخليل هنا أدق؛ لأنه يشمل هذا النوع أيضًا. ب- يلي ذلك باب الثلاثي الصحيح. وهذا لم يختلف فيه اللغويون كثيرًا. ج- الثلاثي المعتل ولم يقصد به القالي ما فيه حرف علة واحد كما فعل الخليل، والأزهري قبله وكما فعل الزبيدي، وابن سيده بعده حيث أفردوا المعتل بحرف واحد في باب خاص، ثم ذكروا ما فيه حرفا علة وحرف واحد صحيح في باب آخر سموه اللفيف. ولكن القالي أدمج النوعين في باب واحد تحت اسم الثلاثي المعتل. رابعًا: انفرد القالي بذكر نوع جديد أسماء "الأوشاب" ذكر فيه أسماء الأصوات، ومحاكاة الطيور والحيوانات، واتبع في الترتيب الفرعي لهذا القسم أن يذكر الكلمات تحت عناوين الثنائي، والثلاثي والرباعي. ولم نعثر في الجزء المصور من البارع على ذكر اسم خماسي في باب الأوشاب. ولسنا ندري إذا كان القالي قد اقتصر على الرباعي فقط في كل الكتاب

стр. 31

أم ذكر بعض الأسماء الخماسية في مواضع أخرى من الكتاب مما لم يصل إلينا. خامسًا: أما الرباعي والخماسي فقد اتبع فيها على وجه الإجمال ما اتبعه في ذلك غيره من اللغويين الذين ساروا على نهج الخليل. ومما يؤخذ على البارع كغيره من المعاجم أنه قد يذكر الكلمة مرتين. كذلك أكثر فيه المؤلف من ذكر أشياء عديدة على سبيل الاستطراد، فمثلًا عند ذكره لكلمة "دأماء" التي فسرها بأنها حجر اليربوع، نجده قد ذكر سبعة١ مترادفات أخرى لتلك الكلمة، وفسر كل مترادف وذكر ما قيل بمناسبته من الشعر مما استغرق قدرًا كبيرًا من الكتاب على حين كان الواجب أن يقتصر في كل حرف على ذكر الكلمة التي وردت في ذلك الحرف فقط، ولكن يظهر أن شخصية الأديب في القالي كانت تطغى على الشخصية اللغوية مما يضطره إلى الإطناب، والاستطراد كما كان يفعل في كتاب "الأمالي"، وإن اختلفت موضوعات الكتابين اختلافًا كليًّا.

стр. 32

ثانيًا: مختصر العين للزبيدي: كان من بين تلاميذ القالي النابغين أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الذي كان له حظ في أن يكون مؤدبًا لولد الخليفة الحكم المستنصر بالله وولي عهده هشام. وعندما أصبح هذا الأمير خليفة اختير الزبيدي لتولي منصب القضاء، فعين قاضي قرطبة. ثم وافته منيته عام ٣٧٩هـ. ولقد كان للزبيدي باع طويل في العلوم الأدبية، وكان له إلى جانب ذلك قصائد من الشعر تخلو عن تعمل الفقهاء، واللغويين١ وإن وفاءه لأستاذه القالي ليظهر واضحًا في وصفه للأمالي التي قال فيها: "ولا نعلم أحدًا من اللغويين ألف مثله". ومن كتب الزبيدي التي لها اتصال بالبحوث اللغوية كتاب "لحن العامة"، ولكنه لم يصل إلينا. أما كتبه الأخرى فيعنينا منها بجانب مختصر العين كتابان هما "طبقات اللغويين"، وكتاب "الاستدراك على أبنية سيبويه". كتاب الطبقات: جمع فيه تراجم قصيرة لكل من تقدمه من النحويين واللغويين، وقسمهم إلى مجموعات تشمل البصريين، والكوفيين والمصريين من اللغويين، وكان في استعراضه لكل مجموعة يذكرهم حسب ترتيب الأجيال الزمنية، ويسمى كل جيل من هؤلاء طبقة وقد طبع هذا الكتاب.

стр. 33

ويرى بعض المستشرقين أن النسخة التي بين أيدينا الآن هي اختصار لنسخة أخرى عملها الزبيدي أيضًا، وكانت أكبر حجمًا وأوفى بيانات من النسخة الحالية، وإذا صح هذا فيمكننا أن نهتدي إلى شيء من رأي الزبيدي في كتاب العين على ضوء هذه النظرية. فقد ذكر لنا الزبيدي -في النسخة المطبوعة- أن الخليل كان رأس المدرسة البصرية، وأنه كان أعظم اللغويين في عصره ولكنه لم يشر بشيء إلى؟؟؟ الخليل بكتاب العين. وربما يكون قد ذكر رأيه في الأصل المطول لكتابه الطبقات، واكتفى من ذكر رأيه في النسخة المختصرة: ببيان هذا الرأي في مقدمة مختصر العين الذي يمكن أن نوجزه١ في أن الخليل وسع أصل الكتاب، ثم خشاه بعد وفاته قوم آخرون. كتاب الاستدراك على أبنية سيبويه: وموضوع هذا الكتاب تعليقات على ما ذكره سيبويه في باب أبنية الأسماء في "الكتاب"، وقد أبدى الزبيدي ملاحظاته على هذه الأبنية من نواح عدة وسارت خطته فيها على مبدأين أساسيين: ١- لم يوافق سيبويه في العدد، بل زاد عليه أو نقص منه أحيانًا، فعندما يذكر سيبويه مثلًا أن النون تزاد في عشرة أبنية يبين الزبيدي أنه عثر على أبنية أخرى مما يرتفع بالعدد إلى اثني عشر بناء وهكذا. ويذكر الزيادة؟؟؟ عنوان فرعي يعبر عنه بقوله: "ومما يستدرك عليه" ولعل اسم الكتاب قد أخذ من هذا التعبير. ٢- يأخذ في شرح المفردات الغريبة تحت عنوان "غريب الباب"، وهنا لا نجد الزبيدي يلتزم في شرحه للمفردات المنهج الذي وضعه لنفسه في كتاب

стр. 34

"مختصر العين" بل إنه قد افترق عنه، فأفسح لنفسه المجال هنا بأن شرح المفردات في شيء من الاسهاب كما نقل عن الرواة السابقين الذين يصرح بذكرهم في أغلب الأحيان، ولم يفته أن يحتج بالشواهد المألوف الاحتجاج بها لدى أصحاب المعاجم، وهذا مما يثبت أن عدم ذكره الشواهد في مختصر العين كان لغرض خاص. كتاب مختصر العين: وهذا هو المعجم الثاني الذي شهدته الأندلس العربية، ولقد اهتم به العلماء المتأخرون، وأثنوا عليه ويحسن أن نقتبس هنا طائفة من آراء العلماء في هذا الكتاب: أ- ذكر ابن خلدون أن الخليل١ كان أول من فكر من اللغويين العرب في وضع معجم أبجدي، وسماه العين وقد وضعه مفصلًا مطولًا، وقد اختصره الزبيدي بطريقة بديعة حيث حذف ما يستغنى عنه مبقيًا على روح الكتاب وأصله. ب- ذكر بروكلمان وكذلك دائرة المعارف الإسلامية عند الكلام على الخليل أن كتاب العين يعتبر في حكم المفقود، ولكنهما وجدا أن هذا موضع مناسب لذكر أفضل كتاب يقوم مقام العين، فذكرا اسم مختصر العين للزبيدي وأخذا يسردان الأماكن التي توجد فيها مخطوطة المختصر وأرقامها. كأنهما اقتنعا بأن المختصر يمثل العين أصدق تمثيل.

стр. 35

ج- ياقوت: فقد ذكر في كتابه معجم الأدباء عند ترجمته للزبيدي مبينًا علاقة المختصر بكتاب العين: "إن الزبيدي قد أتمه باختصاره" يعني بذلك كما وضح هو أن الزبيدي حذف من العين ما ليس مهما، وأضاف إليه ما لا بد منه، ورتب بعض الكلمات في مواضعها الأصلية، واستشهد ياقوت على رأيه برأي مماثل نقله من الحميدي في كتاب "أخبار الأندلس": د- حاجي خليفة: فقد ذكر في كشف الظنون عند الكلام على "العين" أن الزبيدي قد اختصره، وحذف منه الكلمات المصحفة، والشواهد المختلفة ووضع الأصول في مواضعها. وصاحب الكشف في هذا إنما ينقل ما اقتبسه عن كتب الطبقات. كما يتضح هذا بمقارنة رأيه برأي ياقوت السابق. هـ- السيوطي: فقد نقل في المزهر عن أبي ذر الخشني أن من بين المختصرات التي فاقت أصولها مختصر ابن هشام لسيرة ابن إسحاق، ومختصر الزبيدي للعين. واستطرد الأسيوطي فقال: إن الناس قد عكفوا على قراءة المختصر، وفضلوه على العين ذاكرًا لتلك جملة أسباب منها: ١- أنه حذف منه الكلمات المصحفة والأبنية المختلة. ٢- لأنه حذف منه الشواهد. ٣ لأنه أصغر حجمًا ويظهر أن السيوطي في هذا يميل إلى رأي ابن خلدون من أن الاختصار مما يعين الناس في ذلك الوقت على الحفظ عن ظهر قلب. ولكن السيوطي من ناحية أخرى نراه لم يجزم برأي في هذه المسألة بل نقل فيما بعد عن بعض العلماء أن الزبيدي قد أخل بكتاب العين حين حذف الشواهد النافعة، والآيات والأحاديث المشتملة على الحجج اللغوية المفيدة.

стр. 36

منهج الزبيدي في مختصر العين: يمكن تلخيص هذا المنهج من مقدمة المختصر نفسه فيما يأتي: يبدو لنا أن الزبيدي لم يدع أن كتابه يفوق كتاب العين من أي وجه، كما فعل من سبقه إذ توحي تسميتهم للمؤلفات التي ألفوها في اللغة أنها تفوق كتاب العين من وجه، أو آخر فهذا الأزهري يسمي كتابه "التهذيب"، وهذا القالي يسمي معجمه "البارع"، فنجد الزبيدي لا ينتحل لكتابه اسمًا فيه إظهار لشيء من التفوق بل يسميه بكل بساطة "مختصر العين" حيث إنه يتفق من أغلب الوجوج كما اتفق ما سبقه من المعاجم مع كتاب العين في الترتيب الإجمالي بل، وفي التعبير عن شرح المفردات. ومن جهة أخرى ترى أن الزبيدي كعالم لغوي قد تحمل مسئولية كل ما جاء في معجمه من تعريفات، وشروح للمفردات فلم يكن بحاجة إلى ذكر أسماء الرواة يستند إليهم كلما أعوزت الحاجة. كما فعل غيره ولكن الاختصار قد حمله على حذف الشواهد كلية. وقد كان من المستحسن أن يقتصر الحذف على بعضها فقط. ومن ناحية ثالثة نجد أن الزبيدي قد وفى ببعض ما تعهده به في مقدمته من أنه سيذكر الأصول في مواضعها الحقيقة، فنجد مثلًا في كتاب العين تحت المجموعة "ع هـ ق" أن الخليل ذكر لها مادتين مستعملتين فقد هما: هقع، عهق. وكان المنطق يقتضي ذكر مادة عهق أولًا باعتبارها مبدوءة بحرف العين، ثم يعقبها بذكر المادة الأخرى هقع باعتبارها مقلوبة عنها، ولكن الزبيدي كان أدق حين راعى في الاعتبار أن يرتب

стр. 37

المواد المستعملة ترتيبًا منطقيًّا يتفق مع الباب الذي تعالج فيه الكلمة. وفيما عدا هذا فإن الزبيدي لم يتصرف كثيرًا في شرح المفردات بل إننا لنجد كثيرًا من تعبيرات الخليل بنصها مذكورة في مختصر العين، وليس للزبيدي بدعًا في ذلك؛ بل قد شاركه في هذا أصحاب المعاجم الأخرى كما سيأتي بيانه.

стр. 38

ثالثًا: محكم ابن سيده: شهد القرن الخامس الهجري أشهر علماء اللغة في الأندلس، وهو ابن سيدة فقد كان يعد بحق معجزة عصره إذا عرفنا أنه على معارفة الواسعة، وعقليته المنظمة كان محرومًا من نعمة البصر، وقد تلقى علوم اللغة والدين على والده الذي تتلمذ على الزبيدي الذي عرفنا أنه تلميذ القالي، فابن سيده على هذا قد أخذ اللغة كابرًا عن كابر. ومع أن الطبيعة حرمته من البصر فقد عوضته بذاكرة قوية جدًّا. فقد ذكر الرواة أنه كان أقدر على الاستيعاب. والحفظ حتى من ابن دريد فقد ذكر الطلنكي١ قوله: "دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون على غريب المصنف، فقلت لهم: انظروا إلى من يقرأ لكم، وأمسك أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده فقرأه علي من أوله إلى آخره فتعجبت من حفظه، وكان له في الشعر حفظ وتصرف". هذا ولم يرد إلينا من كتب ابن سيدة المتعددة غير معجمين أحدهما يسير على نظام الموضوعات، وترتيب الأشياء المتشابهة من حيث المعنى تحت باب واحد، وهو المخصص وقد طبع في بولاق سنة ١٣١٦ هجرية، والثاني معجم أبجدي على نظام كتاب العين، واسمه المحكم ولا يزال مخطوطًا نتفرق أجزاؤه بين لندن والقاهرة واستانبول. مخصص: ذكر ابن سيدة منهجه في هذا الكتاب، والغرض منه في مقدمة مطولة قال فيها:

стр. 39

"لما وضعت كتابي الموسوم بالحكم مجنسًا لأدل الباحث على مظنة الكلمة المطلوبة أردت أن أعدل به كتابًا أضعه مبوبًا حين رأيت ذلك أجدى على الفصيح المدره، والخطيب المصقع، والشاعر المجيد المدقع. وفي موضع آخر يقول: ومن طريف ما أودعته إياه بالاستقصاء الممدود والمقصور، والتأنيث والتذكير، وما يجيء من الأسماء والأفعال على بناءين أو ثلاثة فصاعدا، وما يبدل من حروف الجر بعضها مكان بعض إلخ". المحكم: هذا هو المعجم الثاني لابن سيده والثالث في الأندلس، والخامس والأخير من المعاجم الكبرى التي التزمت طريقة الخليل. ورغم ظهور كتاب الصحاح في القرن الرابع ذلك الكتاب الذي سار على الأبجدية العادية مع طرح نظام التقليبات، وترتيب الكلمات حسب أواخرها، ورغم ظهور المجمل لابن فارس الذي سار فيه على الأبجدية العاتدية إلى حد ما تاركًا الأبجدية الصوتية، ونظام التقليبات، فإننا نجد ابن سيدة قد التزم تطريقة سلفية في المغرب، القالي والزبيدي. ولسنا نميل إلى الرأي القائل بأن الصحاح، أو المجمل لم يكونا قد وجدا طريقهما إلى الأندلس في عصر ابن سيده إذ إن التنافس العلمي بين المشرق، والمغرب قد حمل الأندلسيين على اقتناء كثير من الكتاب المشرقية للانتفاع بها ومحاكاتها. ولكن يظهر أن ابن سيده رأى أن يلتزم طريقة العين، ولا يعدل إلى الأبجدية العادية إذ الثانية من السهولة يدرجة أنه لا ينبغي للمتضلعين في اللغة أن يؤلفوا على أساسها في نظره. وكتاب المحكم يفوق من حيث الكمية، والقيمة اللغوية كل ما تقدمه من الكتب، وقد ذكره صاحبا اللسان، والقاموس أول المراجع التي اعتمدا

стр. 40

عليها في تأليف معجميها. كما ذكرا أيضًا كتاب التهذيب للأزهري. وبهذه المناسبة نود أن نذكر أنهما لم يغفلا ذكر كتاب العين كمرجع أصلي لهما إلا؛ لأنهما لم يستطيعا الحصول على نسخة منه. بدليل أنهما قد نقلا الكثير عن الخليل كما سيأتي ذلك. ولعل من الأشياء التي جعلت المحكم يفوق التهذيب في الحجم، والاستيعاب هو أنه اعتنى عناية بالغة بالقواعد الصرفية. ولكن ابن سيده لم يسرف في هذا بما يخرجه من الغرض الأصلي للكتاب كما فعل القالي في كتابه "البارع" إذ استطرد إلى ذكر الأبيات التي كان ينبغي أن تحتل مكانها في كتاب الأمالي. ما يختلف فيه المحكم عن العين: لقد أتيح لابن سيده باعتباره متأخرًا في الزمان عن الخليل أن يطلع على كتب أكثر، ويستفيد بأبحاث من سبقوه من العلماء. فجاء كتابه أكثر استيعابًا وأدق تنظيمًا من كل ما تقدمه من الكتب حتى عن كتاب العين. أما من جهة ترتيب الكلمات في الكتاب فنرى أن المحكم في هذا كغيره من المعاجم التي اقتفت آثار العين. أو بعبارة أخرى نجد أنه قد سار على نظام التقليبات، والأبجدية الصوتية كما فعل الخليل. ولكننا نجد كما كنا نتوقع أن المحكم باعتباره متأخرًا كان أكثر تفصيلًا عن غيره. فالخليل مثلًا أدمج الهمزة في حروف العلة. ولكن ابن سيده ذكر الهمزة وحدها، ونجد أيضًا أن الخليل احتسب الألف اللينة حرف علة، ولكن ابن سيده لم يعدها إطلاقًا، وهو في هذا يتمشى بدقة مع الصرفين الذين يرون أن الألفات الممدودة في العربية ترد إلى أصلها الواوي أو اليائي. وقد كانت هذه التفرقة التي رسمها ابن سيده في محكمه هي الأصل الذي اتبعه المتأخرون كابن منظور، والفيروزآبادي. فقد ذكرها المتأخرون
следующие страницы →