منهج الزبيدي في مختصر العين:
يمكن تلخيص هذا المنهج من مقدمة المختصر نفسه فيما يأتي:
يبدو لنا أن الزبيدي لم يدع أن كتابه يفوق كتاب العين من أي وجه، كما فعل من سبقه إذ توحي تسميتهم للمؤلفات التي ألفوها في اللغة أنها تفوق كتاب العين من وجه، أو آخر فهذا الأزهري يسمي كتابه "التهذيب"، وهذا القالي يسمي معجمه "البارع"، فنجد الزبيدي لا ينتحل لكتابه اسمًا فيه إظهار لشيء من التفوق بل يسميه بكل بساطة "مختصر العين" حيث إنه يتفق من أغلب الوجوج كما اتفق ما سبقه من المعاجم مع كتاب العين في الترتيب الإجمالي بل، وفي التعبير عن شرح المفردات.
ومن جهة أخرى ترى أن الزبيدي كعالم لغوي قد تحمل مسئولية كل ما جاء في معجمه من تعريفات، وشروح للمفردات فلم يكن بحاجة إلى ذكر أسماء الرواة يستند إليهم كلما أعوزت الحاجة. كما فعل غيره ولكن الاختصار قد حمله على حذف الشواهد كلية. وقد كان من المستحسن أن يقتصر الحذف على بعضها فقط.
ومن ناحية ثالثة نجد أن الزبيدي قد وفى ببعض ما تعهده به في مقدمته من أنه سيذكر الأصول في مواضعها الحقيقة، فنجد مثلًا في كتاب العين تحت المجموعة "ع هـ ق" أن الخليل ذكر لها مادتين مستعملتين فقد هما: هقع، عهق. وكان المنطق يقتضي ذكر مادة عهق أولًا باعتبارها مبدوءة بحرف العين، ثم يعقبها بذكر المادة الأخرى هقع باعتبارها مقلوبة عنها، ولكن الزبيدي كان أدق حين راعى في الاعتبار أن يرتب
стр. 37
المواد المستعملة ترتيبًا منطقيًّا يتفق مع الباب الذي تعالج فيه الكلمة.
وفيما عدا هذا فإن الزبيدي لم يتصرف كثيرًا في شرح المفردات بل إننا لنجد كثيرًا من تعبيرات الخليل بنصها مذكورة في مختصر العين، وليس للزبيدي بدعًا في ذلك؛ بل قد شاركه في هذا أصحاب المعاجم الأخرى كما سيأتي بيانه.
стр. 38
ثالثًا: محكم ابن سيده:
شهد القرن الخامس الهجري أشهر علماء اللغة في الأندلس، وهو ابن سيدة فقد كان يعد بحق معجزة عصره إذا عرفنا أنه على معارفة الواسعة، وعقليته المنظمة كان محرومًا من نعمة البصر، وقد تلقى علوم اللغة والدين على والده الذي تتلمذ على الزبيدي الذي عرفنا أنه تلميذ القالي، فابن سيده على هذا قد أخذ اللغة كابرًا عن كابر.
ومع أن الطبيعة حرمته من البصر فقد عوضته بذاكرة قوية جدًّا. فقد ذكر الرواة أنه كان أقدر على الاستيعاب. والحفظ حتى من ابن دريد فقد ذكر الطلنكي١ قوله: "دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون على غريب المصنف، فقلت لهم: انظروا إلى من يقرأ لكم، وأمسك أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده فقرأه علي من أوله إلى آخره فتعجبت من حفظه، وكان له في الشعر حفظ وتصرف".
هذا ولم يرد إلينا من كتب ابن سيدة المتعددة غير معجمين أحدهما يسير على نظام الموضوعات، وترتيب الأشياء المتشابهة من حيث المعنى تحت باب واحد، وهو المخصص وقد طبع في بولاق سنة ١٣١٦ هجرية، والثاني معجم أبجدي على نظام كتاب العين، واسمه المحكم ولا يزال مخطوطًا نتفرق أجزاؤه بين لندن والقاهرة واستانبول.
مخصص:
ذكر ابن سيدة منهجه في هذا الكتاب، والغرض منه في مقدمة مطولة قال فيها:
стр. 39
"لما وضعت كتابي الموسوم بالحكم مجنسًا لأدل الباحث على مظنة الكلمة المطلوبة أردت أن أعدل به كتابًا أضعه مبوبًا حين رأيت ذلك أجدى على الفصيح المدره، والخطيب المصقع، والشاعر المجيد المدقع. وفي موضع آخر يقول: ومن طريف ما أودعته إياه بالاستقصاء الممدود والمقصور، والتأنيث والتذكير، وما يجيء من الأسماء والأفعال على بناءين أو ثلاثة فصاعدا، وما يبدل من حروف الجر بعضها مكان بعض إلخ".
المحكم:
هذا هو المعجم الثاني لابن سيده والثالث في الأندلس، والخامس والأخير من المعاجم الكبرى التي التزمت طريقة الخليل. ورغم ظهور كتاب الصحاح في القرن الرابع ذلك الكتاب الذي سار على الأبجدية العادية مع طرح نظام التقليبات، وترتيب الكلمات حسب أواخرها، ورغم ظهور المجمل لابن فارس الذي سار فيه على الأبجدية العاتدية إلى حد ما تاركًا الأبجدية الصوتية، ونظام التقليبات، فإننا نجد ابن سيدة قد التزم تطريقة سلفية في المغرب، القالي والزبيدي. ولسنا نميل إلى الرأي القائل بأن الصحاح، أو المجمل لم يكونا قد وجدا طريقهما إلى الأندلس في عصر ابن سيده إذ إن التنافس العلمي بين المشرق، والمغرب قد حمل الأندلسيين على اقتناء كثير من الكتاب المشرقية للانتفاع بها ومحاكاتها.
ولكن يظهر أن ابن سيده رأى أن يلتزم طريقة العين، ولا يعدل إلى الأبجدية العادية إذ الثانية من السهولة يدرجة أنه لا ينبغي للمتضلعين في اللغة أن يؤلفوا على أساسها في نظره.
وكتاب المحكم يفوق من حيث الكمية، والقيمة اللغوية كل ما تقدمه من الكتب، وقد ذكره صاحبا اللسان، والقاموس أول المراجع التي اعتمدا
стр. 40
عليها في تأليف معجميها. كما ذكرا أيضًا كتاب التهذيب للأزهري. وبهذه المناسبة نود أن نذكر أنهما لم يغفلا ذكر كتاب العين كمرجع أصلي لهما إلا؛ لأنهما لم يستطيعا الحصول على نسخة منه. بدليل أنهما قد نقلا الكثير عن الخليل كما سيأتي ذلك.
ولعل من الأشياء التي جعلت المحكم يفوق التهذيب في الحجم، والاستيعاب هو أنه اعتنى عناية بالغة بالقواعد الصرفية.
ولكن ابن سيده لم يسرف في هذا بما يخرجه من الغرض الأصلي للكتاب كما فعل القالي في كتابه "البارع" إذ استطرد إلى ذكر الأبيات التي كان ينبغي أن تحتل مكانها في كتاب الأمالي.
ما يختلف فيه المحكم عن العين:
لقد أتيح لابن سيده باعتباره متأخرًا في الزمان عن الخليل أن يطلع على كتب أكثر، ويستفيد بأبحاث من سبقوه من العلماء. فجاء كتابه أكثر استيعابًا وأدق تنظيمًا من كل ما تقدمه من الكتب حتى عن كتاب العين.
أما من جهة ترتيب الكلمات في الكتاب فنرى أن المحكم في هذا كغيره من المعاجم التي اقتفت آثار العين. أو بعبارة أخرى نجد أنه قد سار على نظام التقليبات، والأبجدية الصوتية كما فعل الخليل.
ولكننا نجد كما كنا نتوقع أن المحكم باعتباره متأخرًا كان أكثر تفصيلًا عن غيره. فالخليل مثلًا أدمج الهمزة في حروف العلة. ولكن ابن سيده ذكر الهمزة وحدها، ونجد أيضًا أن الخليل احتسب الألف اللينة حرف علة، ولكن ابن سيده لم يعدها إطلاقًا، وهو في هذا يتمشى بدقة مع الصرفين الذين يرون أن الألفات الممدودة في العربية ترد إلى أصلها الواوي أو اليائي.
وقد كانت هذه التفرقة التي رسمها ابن سيده في محكمه هي الأصل الذي اتبعه المتأخرون كابن منظور، والفيروزآبادي. فقد ذكرها المتأخرون
стр. 41
باعتبارها حرفًا صحيحًا في أول كل فصل من فصول معاجم، هذه الفصول التي يعالج كل فصل منها حرفًا من الحروف الأبجدية، وفي آخر كل حرف ذكروا حرفين صحيحين مع الواو والياء.
وليس لنا أن نقول في المحكم شيئًا من حيث القيمة اللغوية بعد أن أثنى عليه المستشرق الإنجليزي "لين" في معجمه "مد القاموس" وقد انتفع فيه بالمعاجم السابقة التي كان لديه منها الكثير من مخطوطاتها، فهو إذ يدل بحكمة على ابن سيده، فإنما يقول هذا بعد أن قرأ المحكم بنفسه، وبعد أن قارن بينه وبين القواميس.
يقول لين١: "لم يقع لنا بعد عهد الصحاح قاموس أعظم من محكم ابن سيده.... وإن قيمته لترتفع إلى الذروة من حيث الصحة، والإشارات الانتقادية والأمثلة الكثيرة الشواهد العربية الصحيحة ... ولقد اعتمدت عليه كثيرًا في تأليف معجمي هذا".
ونظرًا لسعة المحكم وضخامة حجمه، فقد اختصره "الأنسي" أحد علماء القرن السابع الهجري، وسمى مختصره "خلاصة المحكم"، ولا يزال محفوظًا بمكتبة المتحف البريطاني. وبمقارنة المختصر بالأصل يمكن تلخيص أهم الفروق بينهما فيما يلي:
أ- اقتصر صاحب الخلاصة على المفردات الشائعة الاستعمال دون ذكر الغريب.
ب- حذف في المختصر ما زاد عن شرح المفردات مما يتعلق بقواعد الصرف.
ج- لم يتبع الأنسي نظام التقاليب وإنما رتب "الخلاصة" على نظام القافية أي بحسب أواخر الكلمات كالصحاح واللسان.
стр. 42
الباب الثاني: الخلاف حول كتاب العين
مدخل
...
الاهتمام بالعين:
لقد كثر الجدل والمناقشة حول كتاب العين خصوصًا من ناحية تأليفه، ومؤلفه وإنا لنلحظ أن هذا الجدل قد امتد من وراء العصور إلى عصرنا الحالي حتى بعد المحاولة الجزئية التي قام بها الأب أنستاس الكرملي حين قام بطبع قسم من العين سنة ١٩١٣. وقد اهتمت أكثر من جهة بهذه المسألة، فمثلًا نجد المجمع العلمي العربي بدمشق يفسح المجال للبحث حول هذه المشكلة، فيخصص جانبًا كبيرًا من "مجلته"١ لذلك. فقد نشر فيها الأستاذ يوسف العش بحثًا مطولًا في ثلاثة أعداد عنونه "أولية المعاجم العربية"، ولم تشغل هذه المسألة بال المشتغلين بالآداب العربية من أبناء العروبة، فحسب بل تعدتهم إلى المستشرقين. فهذا المستشرق الألماني "براونلتش" يعالج هذه المسألة في مثال مطول بإحدى المجلات الأوروبية٢، وإذا رجع بنا الزمن إلى الوراء، فإننا نجد في العصور الوسطى السيوطي قد عقد فصلًا مطولًا جمع فيه آراء كثيرة حول هذه المسألة٣، وبجانب هؤلاء نجد أيضًا كثيرًا من اللغويين قد أدلوا بنصيبهم في تلك المشكلة.
стр. 43
الآراء حول كتاب العين:
وإن الخلاف حول هذه المسألة يتلخص في وجهات النظر الآتية:
أولًا: الخليل لم يؤلف كتاب العين ولا صلة له به.
ثانيًا: الخليل لم يضع نص كتاب العين ولكنه صاحب الفكرة في تأليفه.
ثالثًا: الخليل لم ينفرد بتأليف كتاب العين ولكن كان لغيره أيضًا عون في ذلك.
رابعًا- الخليل عمل من كتاب العين أصوله، ورتب أبوابه وصنف مواده ولكن غيره حشا المفردات:
خامسًا: الخليل عمل كتاب العين بمعنى أنه ألفه وروى عنه:
والآن لنعرض بالتفصيل فنوضح جميع وجهات النظر هذه لنناقش بعد ذلك القائلين بها.
الرأي الأول:
فأما الذين لم يعترفوا بكتاب العين، فيذكر لنا السيوطي بعضًا منهم يتمثل في أبي علي القالي وأستاذه أبي حاتم. واعتمد القائلون بهذا على أن الكتاب ليس له إسناد، وأنه لم يكن معروفًا لتلاميذ الخليل بعد موته، وأن اللغويين في البصرة التي نشأ فيها الخليل لم يقتبسوا من كتاب العين في كتبهم. وهذا الرأي المنسوب إلى أبي حاتم، والمزعوم أنه رأى القالي أيضًا لا يعتمد إلا على الرواية الصرفة، وهذا يدل على أصحاب الطبقات اعتمدوا كليًّا على الروايات المختلفة دون اعتبار آخر. وإلَّا فقد كان أمامهم كتاب العين ليحكموا عليه منه. وكان أمامهم معجم القالي١ ليعرفوا رأيه في العين منه٢.
الرأي الثاني:
أما من قال: إن الخليل صاحب الفكرة فقط، ولم ينكروا وجود العين كلية. فأولهم الأزهري صاحب التهذيب. ولقد افترض الأزهري هذا الفرض ثم أخذ يؤيده بمختلف الحجج التي ترضيه هو. فنجد أنه في مقدمة
стр. 44
كتابه قد ذكر استعراضًا للغويين الذين قسمهم إلى مجموعتين الثقاة وغيره الثقاة. وقال عن المجموعة الثانية: إنهم قد خلطوا في كتبهم بين الصحيح والفاسد لدرجة أنه يصعب التمييز بين النوعين. وقد عد الأزهري في قائمة هؤلاء الليث الذي وصفه بأنه وضع كتاب العين، ونسبه للخليل بن أحمد.
وزيادة على ذلك فإن الأزهري قد ذكر الخليل في قائمة اللغويين الثقاة، ولكنه عندما أخذ يترجم لكل منهم لم يوف الخليل حقه في ذلك١ مع أنه اضطر إلى ذكره عرضًا عند الترجمة لتلاميذه، فقد ذكر مثلًا عند سيبويه أنه جالس الخليل بن أحمد، وأخذ عنه مذاهبه في النمو. كما ذكر عند ترجمة النضر بن شميل أنه كان من أبرع تلاميذ الخليل.
والأكثر من هذا أن الأزهري كتب لنا ضمن مراجعه في مقدمته، أن كتاب العين من بين هذه الكتب، ولكنه سيقتبس عنه بشيء من التحفظ نظرًا لوجود بعض الأخطاء فيه، ثم زاد على هذا بأن ذكر أن الأخطاء التي في العين إنما هي من الليث، ويبدو أن الأزهري كان يرى في بعض الأوقات أن الكتاب للخليل، ولكنه عندما صنف مقدمته للتهذيب أراد أن ينسى الخليل لحاجة في نفس يعقوب. ولكن برغم هذا فقد أفلت لسانه بما يفيد أن الكتاب جميعه ليس لليث، فقد روى ذلك دون تشكك منه في الرواية إذ قال: قال الحنفي لقد مات الخليل قبل أن يتم كتاب العين، فأتمه الليث ولنذكر هنا نص عبارة الأزهري٢. "وإذا فرغنا من ذكر الإثبات والثقاة من
стр. 45
اللغويين فلنذكر بعقب ذلك أقوامًا اتسموا بسمة المعرفة أودعوا كتبهم الصحيح، والسقيم وحشوها بالمزال والمصحف المغير الذي لا يتميز ما يصح منه مما لا يصح إلا عند الثقات المبرز والعالم الفطن، ولتحفظ اعتماد ما دونوه والاستبانة إلى ما ألقوه. فمن المتقدمين الليث بن المظفر الذي نحل الخليل بن أحمد تأليف كتاب العين جملة لينفقه باسمه ويرغب فيه من حوله. وأثبت لنا عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي الفقيه أنه قال: كان الليث بن المظفر رجلًا صالحًا. ومات الخليل، ولم يفرغ من كتاب العين فأحب الليث أن ينفق كتابه كله فسمى لسانه الخليل. فإذا رأيت في الكتاب سألت الخليل بن أحمد، أو أخبرني الخليل بن أحمد فإنه يعني الخليل نفسه وإذا قال. قال الخليل فإنما يعني لسان نفسه".
الرأي الثالث:
أما من قال: إن الخليل لم ينفرد بتأليف الكتاب، ولكن قد اشترك غيره معه فقد مال أغلبهم إلى أن الليث هو الذي ساعد في إتمام الكتاب، ومرة أخرى نجد التهمة تلصق بنفس الشخص، فلم يستطيعوا أن يتخلصوا من مجهود الليث في تأليف الكتاب.
ولكن أصحاب هذا الرأي يختلفون فيما بينهم في تفسير اشتراك الليث مع الخليل، وإلى أي مدى عاون الليث في تأليف الكتاب.
أ- الليث أعاد وضع الكتاب:
وينسب هذا الرأي إلى ابن المعتز١ الخليفة الشاعر. فقد اتسع له خياله الشاعري أن يذكر لنا رواية محبوكة هي أشبه بالقصص الغرامية منها
стр. 46
بالروايات العلمية فقد ذكر لنا أن الخليل عندما ضاقت به الحال في البصرة رحل إلى الليث في خراسان. فوجد فيه ميلًا شديدًا للغة، وإطلاعًا واسعًا ودراية بالشعر. وزيادة على ذلك وجد من إكرام ضيافته ما جعله يقيم عنده إقامة معززة مكرمة قد عوضت عليه بعض أيام الفقر في البصرة، فقدم له الخليل أغلى هدية عنده، وهي كتاب العين الذي كان قد بدأه: لعله يقصد بدأ فكرته. ثم أتمه عنده في حياته: وقد دفع له الليث جائزة كبرى على ذلك، كما عكف على دراسة الكتاب ليلًا، ونهارًا حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب.
وقد طاب لليث يومًا من الأيام أن يشتري جارية حسناء مما أحفظ قلب زوجته عليه، وأشعل نار الغيرة في صدرها. ولقد كادت له امرأته فرأت أن تنتقم منه في أعز شيء لديه. غاب الليث عدة أيام عن منزله ثم عاد فتفقد كتاب العين فلم يجده. ولكنه أحسن أن زوجته قد فعلت به شيئًا. وكان حسن الظن عندما حسب أنها قد أخفته. فساومها على إرجاع الكتاب. وقد كان الثمن شيئًا تحبه زوجته أكثر من المال إذ وعدها بأن يهدي لها جاريته، ومعنى هذا أنها تصبح محرمة عليه، وأن امرأته حرة في أن تعتقها، أو تتبيعها من تشاء خارج المدينة. ولكن زوجته أحضرت إليه رماد الكتاب الذي كانت قد أحرقته.
لم يتوان الليث عن التفكير في طريقة يحيي بها الكتاب من جديد، فأخذ يكتب مرة أخرى ما كان يحفظه من الكتاب حتى أتم نصفه تقريبًا. ثم جمع بعضًا من اللغويين المعاصرين الذين عاونوه على إتمام الكتاب١.
ب- الخليل وضع كتاب العين والليث أكمله:
ونسب هذا الرأي إلى أبي الطيب اللغوي الذي ذكر أن الخليل بدأ
стр. 47
كتاب العين في حياته، ولكنه مات قبل أن يتمه وقد نصب تلميذه الليث نفسه لأداء هذه المهمة، فأنتم بقية الكتاب ولهذا نجد أن الكتاب لا يشبه أوله آخره.
ج- الفكرة للخليل والليث قد وضع الكتاب بما يتفق وهذه الفكرة، وقد نسب هذا الرأي فيما نسب إلى النواوي إذ قال: إن كتاب العين المنسوب إلى الخليل ما هو إلا من عمل الليث الذي وضعه بناء على ترتيب الخليل.
د- الخليل رتب أصول الكتاب، ثم وضع النص من بعده.
وأشهر من قال بذلك أبو بكر الزبيدي من المتقدمين وتبعه في هذا عالمان معاصران هما يوسف عش، والمستشرق الألماني أهلوارت.
أما أهلوارت فهو مؤلف الكتالوج الألماني للمخطوطات العربية ببرلين، فقد أتيحت له الفرصة أن يتكلم عن هذه المسألة حينما عرض للحديث عن مخطوطتين عبارة عن قطعتين من معجم على نظام التقليبات، والأبجدية الصوتية، وقد رأى أهلوارت أن هاتين القطعتين من كتاب العين. وقد استنتج من استطلاعه أن كتاب العين ليس للخليل بن أحمد، وإنما هو قد حشي بواسطة لغويين متأخرين بدليل أنه عثر فيهما على أسماء رواة متأخرين جدًّا عن الخليل مثل كراع والزجاج، وقد أجهد نفسه في تتبع هذه المواضع وذكر الصفحات التي وردت فيها تلك الأسماء، ثم قرر أنه يميل إلى رأي الزبيدي في هذه المشكلة. ولكن كما سيأتي. لقد بنى أهلوارت حكمه على أساس غير صحيح إذ إن هاتين القطعتين بعد مقارنتهما بمخطوطة العين ليستا من العين على الإطلاق بل من كتاب آخر كما سنوضحه بعد.
стр. 48
أما الأستاذ عش فقد لخص١ آراء اللغويين السابقين، وعرض المرويات المختلفة ورتبها إلى ثلاث مجموعات بين قائل بعدم نسبة الكتاب للخليل ومن قائل بهذه النسبة. ومن يتخذ طريقًا وسطًا. وقد رجح هو بناء على تعادل الروايات من حيث القوة. وبناء على وجاهة الأسباب التي ذكرها أصحاب كل قول. رجح أن يأخذ بالرأي الأخير؛ لأنه أوسطها وخير الأمور -كما قال- الوسط. ولم يشأ أن يذهب أعمق من هذا إلى كتاب العين نفسه ليستهديه الرأي بل بدا له أن يتبع الزبيدي في ذلك.
أما الزبيدي فقد نقل لنا رأيه في مصدرين مختلفين أولهما مقدمة كتابه مختصر العين، فقد ذكر أن الخليل وضع ترتيب الكتاب، ونظم أبوابه ثم حشاه من بعد أقوام غير أثبات. أما ثاني المصدرين فهو رواية ذكرها السيوطي٢، وانفرد بها ولم أر احدًا من اللغويين أو أصحاب الطبقات قد اشترك معه في ذكرها. هذه الرواية تتضمن أن الزبيدي كان قد أرسل خطايا إلى بعض إخوانه الذي اتهم الزبيدي بتعصبه ضد الخليل، ومما جاء في تلك الرسالة قوله: "أوليس من العجيب الماجب والنادر الغريب أن يتوهم علينا من به مسكة من نظر، أو رمق من فهم تخطئة الخليل في شيء من نظره والاعتراض عليه فيما دق، أو جل من مذهبه والخليل بن أحمد أوحد عصره وقريع دهره. ولو أن الطاعن علينا يتصفح صدر كتابنا المختصر من كتاب العين لعلم أنا نزهنا الخليل عن نسبه المحال إليه. وذلك أنا قلنا في صدر الكتاب، ونحن نربأ بالخليل عن نسبة الخليل إليه أو التعرض للمقاومة له. وأكثر الظن فيه أن الخليل سبب أصله وثقف كلام العرب ثم هلك قبل كماله فتعاطى إتمامه من لا يقوم في ذلك مقامه. ومن الدليل على ذلك
стр. 49
ما وقع فيه من الحكايات عن المتأخرين مثل أبي عبيد وابن الأعرابي.
ومن الدليل على صحة ما ذكرناه أن جميع ما وقع فيه من معاني النحو إنما هو على مذهب الكوفيين، وبخلاف مذهب البصريين من ذكر مخارج الحروف وتقديمها وتأخيرها، وهو على خلاف ما ذكره سيبويه في كتابه.
وكذلك ما مضى عليه الكتاب كله من إدخال الرباعي المضاعف في باب الثلاثي المضاعف، وهو مذهب الكوفيين خاصة ... ولو أن الكتاب للخليل لما أعجزه، ولما أشكل عليه تثقيف الثنائي الخفيف من الصحيح، والمعتل والثنائي المضاعف من المعتل والثلاثي المعتل بعلتين، ولما جعل ذلك كله في باب سماه اللفيف.
ولما خلط الرباعي والخماسي إلخ"، وقد عقب السيوطي على هذا بقوله "قلت: وقد طالعته إلى آخره فرأيت وجه التخطئة في بعضه من جهة التصريف والاشتقاق ... وأما أنه يخطئ في لفظة من حيث اللغة بأنه يقال: هذه اللفظة كذب أولًا تعرف فمعاذ الله لم يقع ذلك، وحينئذ لا قدح في العين".
وهكذا نرى أن الزبيدي إذا مسح أن هذه الرسالة له قد بنى رأيه على دليل بعيد، وهو وجود بعض أخطاء في الكتاب لا يجوز في رأيه أن تنسب للخليل، ولكنه لم يوضح لنا شيئًا من هذه الأخطاء. كذلك مسألة الكوفيين والبصريين لا دخل لها في التنظيم المعجمي. كما ستوضحه بعد، وفوق هذا فإن الزبيدي عند ما بين في مقدمة المختصر أن الكتاب حشاه قوم غير ثقاة لم يشأ أن يعينهم لنا، أو يذكر لنا شيئًا عنهم.
والآن بعد سرد هذه الآراء لنعرض إلى مناقشتها لنتبين الأسس التي بنيت عليها، ولعله يتضح لنا آخر الأمر الرأي الصواب في المسألة.
стр. 50
مناقشة الآراء في "العين ":
مناقشة الرأي الأول:
يعزى إلى أبي علي القالي أنه لم يعترف بكتاب العين سواء أكان من عمل الخليل، أو من عمن غيره بناء على أنه ليس للكتاب إسناد، وقد ذكر لنا الرواة أن القالي أخذ هذا الرأي عن أبي حاتم الذي قرر أن الكتاب لم يكن منتشرًا بين العلماء في عهده.
والذي يبدو غريبًا في رأي القالي هذا. أن القالي نفسه قد اعترف بكتاب العين، وبأن مؤلفه الخليل.
أولًا: عندما اقتبس منه كثيرًا في كتاب البارع تحت عبارة "وقال الخليل".
وبمقارنة بعض هذه الاقتباسات بكتاب العين وجد أنها تتفق كلمة بكلمة مع كتاب العين.
وثانيًا: ما روي أن القالي عندما رحل من المشرق إلى الأندلس، واتصل بالخليفة الحكم الثاني ألف له كتاب البارع الذي كان فخورًا بأن يبز العين بحوال ٤٠٠ ورقة، وأن البارع أيضًا يفوق العين في عدد الكلمات إذ يزيد عليه بحوالي ٥٦٨٥ كلمة كما ذكر الرواة١.
ومن ناحية أخرى فإن عدم معرفة أبي حاتم بانتشار الكتاب في عهده لا يدل على عدم نسبة الكتاب إلى الخليل. كما أن مسألة الإسناد على فرض عدم معرفة أبي حاتم بسلسلة رواية العين لا تنفي نسبة الكتاب للخليل.
وفوق هذا فإن تعارض ما روي منسوبًا للقالي مع الحقيقة الواقعة، وهي اعترافه
стр. 51
بنسب الكتاب للخليل في معجمه "البارع" يجعلنا نشك في صدق هذه الرواية تمامًا، ولا يصح أن نعدل عن الواقع وجود رواية تخالفه.
مناقشة الرأي الثاني:
نرى أن الأزهري في تهذيبه حينما لم تسعفه الأمور بما يرمى به الخليل كما فعل بابن دريد وغيره. رأى أن يتحاشى أن يترجم للخليل حتى لا يتعرض لذكر العين تحت اسمه بالمرة، وعندما نرى في مقدمته ذكر الخليل، فإنما كان ذلك عرضًا عند الكلام على آخرين كتلاميذه مثلًا. ونرى قبل أن نعرض للسبب الرئيسي لتجنب الأزهري ذكر الخليل أن نذكر أن تعصب الأزهري لم يكن فقط ضد كتاب العين، أو ابن دريد الذي رأى أن العين تأليف الخليل بل تعداه هذا إلى كل من ألف في المعاجم من قبله. وعلى سبيل المثال قد عرض الأزهري في مقدمته لاثنين من اللغويين أصحاب المعاجم الذين اعتبرهم غير ثقاة، وهما الخزرجي صاحب "تكملة العين"، وأبو الأزهر البخاري صاحب "الحواصل".
ورغم الحملة العنيفة على الخزرنجي فإننا نجد الأزهري كثيرًا ما يقتبس عنه، وينقل الروايات اقتباسًا ونقلًا يشعران القارئ بأنه ثقة كما ينقل عن غيره ممن وثفهم كالأصمعي وأبي عبيدة.
هذه الحملات إذن لها غرض خاص يرمي إليه الأزهري هذا الغرض على ما نظن هو تقرير عدم أهمية المعاجم التي سبقته ليبرز معجمه في صورة الكتاب الذي ليس له قرين، ولعل اسم "التهذيب" الذي يشعر بغربلة ألفاظ اللغة وانتقائها يرمي إلى شيء من هذا كما عبر بذلك صراحة في مقدمته ومع هذا فقد نقل الأزهري كثيرًا عن كتاب العين تحت التعبير "قال الليث": ولكن لا لينبه على خطئه كما وعد بل نقل عنه في أكثر الأحيان كما لو كان.
стр. 52
ثبتًا موثوقًا به. إلا في النادر اليسير فإنه تعرض لتخطئته كما خطأ غيره ممن وثقهم. وكم كنا نرحب أن يثبت الأزهري هذا الخطأ مكتفيًا بأنه خطأ كتاب العين فقط، أو يذكر مع شيء من الجرأة والصراحة في الحق أنه خطأ الخليل. ولسنا نتفق مطلقًا مع من يقولون: إن الخليل فوق الشبهات وأنه لا يعزى إليه أي خطأ بل قد وقعت بعض الأخطاء البسيطة في العين التي لا تؤثر مطلقًا على مقام الخليل -إذ هو- كما سنوضح بعد كان مشغولًا بالترتيب والتبويب أكثر من انشغاله بالمفردات، أو ما سموه حشو الكلمات. وأكثر من هذا فإن الأزهري عندما أراد في المقدمة -بعد أن ترجم للغويين، وهاجم من هاجم منهم- أن يذكر منهجه في الكتاب، ويوضح ترتيبه ويبين لنا كيفية تنظيم المفردات فيه لجأ إلى مقدمة كتاب العين ينقل منها بالحرف الواحد الشيء الكثير. والغريب في الأمر أنه اعترف أن هذا الترتيب البديع قد اتفق جميع اللغويون على أنه للخليل بن أحمد استمع الأزهري يلقى باعترافه١: "ولم أر خلافًا بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أول كتاب العين لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأن الليث بن المظفر أكمل الكتاب عليه بعد تلقفه إياه عن فيه، وعلمت أنه لا يفوق أحد الخليل فيما أسسه ورسمه، فرأيت أن أنقله بعينه لتتأمله وتردد فكرك فيه، وتستفيد منه ما بك الحاجة إليه"، فما معنى أن الليث أكمل الكتاب عليه إن عبارة "أكمل" تفهم أن شخصًا آخر قد ابتدأ العمل في هذا الشيء الذي يحتاج إلى إكمال.
وأشد من هذا تعبير: "بعد تلقفه إياه عن فيه" أليس هذا يعني المشافهة التي هي صنو الإملاء.
أليس يتفق هذا مع رواية السيرافي: "وأملي كتاب العين على الليث" التي لم يذكر مصدرها ولعله أخذها عن الأزهري. ثم بعد هنا كله لا يرى أن
стр. 53
الخليل هو المؤلف لكتاب العين -صحيح أننا لا نخفي يد الليث من عمل شيء بالنسبة للكتاب. ولكن مجهود الليث في ذلك لا يصل إلى درجة أن يعد هو المؤلف، فنسمح للأزهري أن ينقل عن العين بعبارة "قال الليث": وقد يكون مقبولًا منه كما فعل الزبيدي أن يقول قال في العين. فإن الزبيدي لم يسم كتابه باسم مختصر الليث، أو الخليل وإنما كان محايدًا في عنونة كتابه إذ أسماه مختصر العين.
والآن لنعرض بعض المقارنة بين العيني والتهذيب لنرى كيف كان الأخير ينقل عن الأول.
ذكر الأزهري أن كلمة "البغاث" بالغين المعجمة تحريف من الليث، وإنما الصواب هو أن تكون الكلمة بالعين المهملة، وقد ذكرت القواميس المتأخرة كاللسان والتاج أن كلا اللفظين وارد "وفصيح" بل لقد ذكر التاج قوله: "ونقل أبو عبيدة عن الخليل بغاث -بغين معجة"، وكتاب العين نفسه قد سجل الكلمة تحت باب الغين المعجمة وقال. ويقال أيضًا: بعاث فنفس الكتاب ورواية أبي عبيدة ترى أن رأي الخليل هو ورود الكلمة بالصورتين، وتفسير هذا في نظرنا أنهما لهجتان وإن رؤيتنا الخلاف في نطق أسماء البلاد لبعض من هذا. فكيف بعد هذا يختار الأزهري سورة واحدة للكلمة ليعترض عليها.
حتى في المقدمة التي اقتبسها الأزهري من العين، واعترف بنسبتها للخليل وأنه لا خلاف في ذلك بين الأئمة نجد أنه ذكر هذه العبارة "قال الليث بن المظفر: لما أراد الخليل بن أحمد الابتداء في كتاب العين أعمل فكره فيه، فلم يمكنه أن يبتدئ من أول أب ت؛ لأن الألف حرف معتل ... إلخ".
ولكن ما في كتاب العين يختلف يسيرًا عما ذكر الأزهري، فليس في كتاب العين كلمة الإبتداء التي وضعها الأزهري من عنده بدل كلمة التأليف التي في كتاب العين على أن الأزهري في آخر المقدمة عندما احتاج إلى إعادة العبارة ليبين أن
стр. 54
الكتاب لم يحتو جميع المفردات كما فهم البشتى بل يحصي المواد فقط. وكان الغرض من الإعادة هو مهاجمة البشتي مرة أخرى. قال الأزهري١ في أول المقدمة: "وروى الليث بن المظفر عن الخليل بن أحمد في أول كتابه: هذا ما ألفه الخليل بن أحمد من حروف اب ت ث التي عليها مدار كلام العرب وألفاظها، ولا يخرج شيء منها عنه أراد أن يعرف بذلك جميع ما تكلمت به العرب في أشعارها، وأمثالها ولا يشذ عنه منها شيء قلت قد أشكل هذا الكلام على أكثر من الناس حتى توهم بعض المتحذلقين -يقصد البشتي وأمثاله- أن الخليل لم يف بما شرط؛ لأنه أهمل من كلام العرب ما وجد في لغاتهم مستعملًا".
ثم شرع الأزهري يطبق هذه النظرية على البشتي الذي أخطأ في فهم المراد من عبارة العين، أو على الأصح عبارة الخليل. كما أورد الأزهري دون أن يفطن إلى وجهة نظره الخامسة: "إن الخليل لم يف بما شرط"، فكيف إذن يدافع الأزهري عن الخليل بأنه لم يذكر في كتابه كل المواد -أو الكلمات- مع أن الكتاب لليث كما يدعي.
ولعلنا بعد أن ناقشنا الأزهري قد اقتنعنا على الأقل بترك رأيه إن لم نقل بضده؛ لأنه كما تبين لنا كان متعصبًا متحاملًا على اصحاب المعاجم السابقة ينال منهم، ويأخذ عليهم الأخطاء التي وقع فيها كثير غيرهم ممن وثقهم الأزهري، واعتد بهم وذلك كما قلنا لحاجة في نفسه هي أن كل ما سبقه من الكتب حتى العين أقل من كتابه. ولما لم يكن ليجرؤ على تخطئة الخليل في العين أراد أن يلصق الكتاب بغيره ليسهل عليه الطعن فيه. ولسنا نفهم أن هذا الغير يترك مجهوده الضخم في ذلك الإنتاج الفذ الذي لم يسبق إليه لا الخليل، ولا لأستاذ الخليل. ألسنا في حل أن نكيل للأزهري بنفس الكيل ونقول: أنت رجل فوق
стр. 55
الشبهات وفوق الخطأ، وما ورد في كتابك من ذلك فليس لك بل هو من تأليف غيرك الذي نحلك الكتاب ليستغل اسمك نظرًا لشهرتك العلمية ورسوخ قدمك في علوم اللغة؟ وكفى هذا بالنسبة للأزهري لتنتقل إلى غيره.
مناقشة الرأي الثالث:
ويشمل هذا كما سبق أن عرفنا رأي الذين يقولون: إن الليث اشترك مع الخليل في الكتاب، ولكن يختلفون في تفسير هذا الاشتراك فابن المعتز -كما رأينا- يروي القصة الغرامية التي أدت إلى أن تحرق زوج الليث كتاب العين انتقامًا منه لشغفه بجاريته الحسناء مما اضطره إلى إعادة كتابه العين من جديد. أتم نصفه من ذاكرته واستعان في النصف الثاني ببعض من أعانه.
ولكن ابن المعتز لم يتخذ هذا سبيلًا للشك في الكتاب، وكان في وسعه أن يقول كما قال غيره: "إن آخر الكتاب لا يشبه أوله، فبعضه على الأقل ليس للخليل"، ولكنه كشاعر لا يهتم بتحقيق نسبة الكتاب تحقيقًا وافيًا بل أورد القصة محبوكة مما يجعلنا نشك فيها. ثم كيف يترك الليث. وهو ابن الأمير وله من السعة ما يجعله يحفظ كنزره في حرز مكين أمين، كيف يترك كتابه لزوجه وهو يعلم مدى غيرتها لتفعل به ما تشاء. وهذا ما يجملنا نتشكك في صحة الرواية التي تقول بأن الكتاب أحرق، ثم أعيدت كتابته على يد الليث مما يحملنا على ترك هذا الرأي كلية.
أما السيرافي فقد اضطرب في النسبة فمرة يقول: إن الخليل أملى كتاب العين على الليث، ومرة يقول: إن الخليل عمل أول كتاب العين ولكنه لم يوضح إلى أي مادة وقف تأليف الخليل وابتدأ الليث.
أما أبو الطيب والنواوي اللذان يقولان بما يشبه هذا، فقد نقلا فقط آراء غيرهما شأن بقية مؤلفي الطبقات دون القطع برأي حاسم في المسألة، فيصبح إذن تفسير.
стр. 56
اشتراك الليث بأنه ألف بعضًا من الكتاب، أو أن الخليل لم يعمل كل الكتاب لا يعتمد على دليل قوي مما يجعلنا غير مطمئنين لهذا الرأي.
مناقشة الرأي الرابع:
وهو رأي من يقول بأن الخليل ابتدع النظام، ورتب الأبواب وأن غيره أكمله وهؤلاء كما رأيناهم الزبيدي، وعش وأهلوارت.
أ- أما الزبيدي: ذكر بعض النقاط التي اعتمد عليها في تكوين رأيه، وهذه النقاط تستخلص من مقدمة كتابه "استدراك الغلط الواقع في كتاب العين" والتي وجه فيها الكلام إلى بعض إخوانه الذين عاتبوه في شأن الحملة على الخليل، والتعصب ضده وهذا على فرض صحة ما ورد في تلك المقدمة.
وأبرز هذه النقاط ما يأتي:-
١- ادعى في تلك المقدمة أن كتاب العين وردت فيه أسماء رواة معاصرين للخليل. وأنه من غير المعقول -والخليل رأس مدرسة البصرة- أن يكون قد اعتمد على غيره في حشو الكتاب بالمفردات. والأكثر من هذا أن هناك أسماء لبعض الرواة المتأخرين عن عصر الخليل. وكل هذا إن صح فلا يفيد أن الكتاب ليس للخليل، وإنما غاية ما يفيده أن بعض الزيادات قد أضيفت فعلا إلى الكتاب، وهذا يعني أن بعض الأسماء قد أضيفت بفعل الرواة إلى الكتاب كما كان يحدث لكثير من الكتب التي ألفت في صدر الإسلام، وليس كتاب العين بدعًا من بينها.
٢- أورد الزبيدي أن الترتيب الصوتي للأبجدية يختلف من بعض الوجوه عما ورد في كتاب سيبويه. وسيبويه يعتبر إلى حد كبير ممثلًا لرأي أستاذه الخليل الذي استوحى من تعليمه موضوعات كتابه، ولم يذكر بالتحديد موضع المخالفة، وأوضح الزبيدي أنه ليس المراد بذلك تقديم حرف العين على
стр. 57
أخواتها من حروف الحلق. فإن لذلك وجهًا مقبولًا وهو أن الهمزة التي هي أسبق مخرجًا قد أخرت حتى عدت ضمن حروف العلة نظرًا لتغيرها في التصريف، ومجيئها مدة في كثير من الأحيان. وإنما يقصد "تقديم غير ذلك من الحروف وتأخيرها".
ولكننا إذا تتبعنا ترتيب الحروف الهجائية "الصوتية" في العين، وفي المختصر لوجدناه متفقًا. فكيف نفهم أن الزبيدي يعترض على الترتيب ثم يبني عليه كتابه. والأكثر من هذا أنه قد روي عن الزبيدي ذكر مناقضات أخرى في العين مثل قوله١: "ولو أن الكتاب للخليل لما أعجزه ولا أشكل عليه تثقيف الثنائي الخفيف من الصحيح والمعتل، والثنائي المضاعف من المعتل والثلاثي المعتل بعلتين. ولما جعل ذلك في باب سماه اللفيف، فأدخل بعضه في بعض، وخلط فيه خلطًا لا ينفصل منه شيء عما هو بخلافه، ولوضع الثلاثي المعتل على أقامة الثلاثة لسببين معتل الياء من معتل الوارد الهمزة، ولما خلط الرباعي والخماسي من أولهما إلى آخرهما".
وإذا قارنا ما قاله الزبيدي بما هو واقع فعلًا في كتاب العين نجد أنفسنا في حيرة بالمنة. فإن العين لم يخلط الثلاثي المعتل باللفيف بل أفرد لكل منهما بابًا، وكذلك لم يخلط الرباعي بالخماسي بل ذكر الرباعي أولًا، ثم أعقبه بذكر الخماسي كما فعل الزبيدي نفسه.
ولكن إذا رجعنا إلى كتب الطبقات نجدها تذكر للزبيدي كتابًا تحت اسم الاستدراك بجانب كتابه مختصر العين.
ولكن هذا الاستدراك لا علاقة له بالعين، وإنما هو استدراك على أبنية سيبويه، وهي الصيغ التي ذكرها عند الكلام على ورود حروف الزيادة
стр. 58
في المفردات العربية. ولم تذكر لنا كتب الطبقات "الاستدراك على كتاب العين". كما أننا من ناحية أخرى لم نجد ما ذكر عن الزبيدي في هذا الشأن إلا في كتاب المزهر للسيوطي. فما معنى هذا؟ هل معناه أن الزبيدي يناقض نفسه؟ أم أن هذا يعني أن تلك الرواية مختلفة من أساسها شأن غيرها من الروايات التي تذكر من وقت لآخر في المزهر دون تحقيق أو تمحيص؟ لعل من الأسلم أننا لا نتحامل على الزبيدي وننسب له التناقض، ونكتفي فقط بنظرية اختلاف الرواية. وعلى ذلك ينجلي الموقف بعض الشيء.
ب- أهلوارت:
أما ما ذكره هذا المستشرق الألماني حين الكلام١ على قطعتين مخطوطتين استنتج خطأ أنهما من كتاب العين. ورتب على ذلك أن ورود أسماء متأخرة مثل ثعلب المتوفى عام "٢٩١هـ"، والدينوري "٣٨١"، وكراع "٣٠٧" والزجاج "٣١٠" وابن جني "٣٩٢"، والهروي "٤٠١" -ورود هذه الأسماء يدل على أن الكتاب أكمل بعد عصر الخليل.
ولكن بمقارنة هاتين القطعتين بكتاب العين نفسه وجد اختلاف في المنهج يتمثل فيما يلي:-
أ- أن هناك تفصيلًا في ذكر المعتل الواو، والمعتل الياء فلم يذكرا معًا كما في العين.
ب- أن ذكر الرواة في العين يرد نادرًا جدًّا بخلاف ذكر الرواة في هاتين القطعتين، فإنه يرد بكثرة سواء في ذلك الرواة المتقدمون أو المتأخرون.
ج- أن ذكر الرواة يرد بأسمائهم فقط دون ذكر كتبهم التي نقل رأيهم.
стр. 59
عنها فيما عدا اسمًا واحدًا هو اسم كراع الذكور دائمًا مع اسم كتابه هكذا "وقال كراع في المنضد".
د- أن الرواية عن الزجاج إنما وردت عند الحاجة إلى شرح لفظ من القرآن الكريم.
وبمراجعة المعاجم التي اتبعت نظام العين وجد أن هذه الخصائص تتمثل في المحكم لابن سيده، وقد استنتجنا هذا بمراجعة بعض أجزاء المحكم التي عثرنا عليها. ولم تمكننا الظروف من مقابلة القطعة الموجودة في برلين بنظيرتها في المحكم نفسه١.
وعلى ضوء ما ذكرنا نجد أن أهلوارت بنى رأيه على ظن خاطئ. ولو أنه قد أتيحت له الفرصة لرؤية المحكم لربما كان قد غير رأيه.
ح- عش:
لقد أجمل الأستاذ عش في مقالاته التي ذكرها في صحيفة بمجمع دمشق ما قاله السابقون، وعلى الأخص ما ذكره السيوطي الذي قال عنه أنه يتمثل في رأي الزبيدي؛ لأن هذا الرأس وسط بين رأيين متطرفين الرأي القائل بأن الخليل هو المؤلف للكتاب، والواضع لمفرداته كلية، وتفصيلًا والرأي القائل بأن الكتاب ليس من عمل الخليل.
وقد كنا نتوقع منه أن يأتينا بأدلة من كتاب العين نفسه ليبني عليها رأيه؛ لأننا نظن أنه علم بوجود بعض نسخ العين بدليل أنه قال في معرض ذكر بعض الآراء: "لا يمكن قبول الرأي القائل بأن الخليل وضع أول الكتاب فقط حيث إن آخره لا يشبه أوله؛ لأن المتتبع للكتاب يرى أن الأخطاء في آخره هي نفس الأخطاء في أوله"، ومن جهة أخرى فقد ختم الأستاذ.
стр. 60
بحثه برجاء إلى حكومة العراق قال فيه: "وإنا لنأمل أن تأخذ الحكومة العراقية على عاتقها طبع الكتاب بمناسبة ذكرى الأب أنستاس الكرملي، خصوصًا بعد أن لم يبق منه إلا نسخة أو نسختان"، فإن تعرضه لذكر النسخ دليل على معرفة مكانها، أو العلم بوجودها إن لم نقل: إنه -مع ما له من النفوذ والجاه العلمي- يمكنه أن يطلع على النسخة فعلًا دون أية صعوبة. وهكذا حرمنا الأستاذ من الاستماع لرأيه الشخصي، واكتفى فقط بأن يذكر لنا ما قاله الأقدمون، وإن كان قد عرضه بصورة واضحة مفصلة جميلة:
مناقشة الرأي الخامس:
من المؤلف لكتاب العين؟
وهنا قد بقي الرأي الذي ينسب "العين" للخليل صراحة بالمعنى الكامل لكلمة مؤلف. وقد سبق أن رأينا في مناقشتنا للآراء السابقة كيف أن بعضها اعتمد اعتمادًا كليًّا على الرواية فقط كما أن هذه الروايات يخالف بعضها بعضًا على أن هناك روايات أخرى تقابلها، فتذكر صراحة نسبة العين للخليل، فقد ذكر ابن النديم١ أن أبا الفتح النحوي الذي كان "ثقة صدوقًا" قد حدث بأن ابن دريد ذكر له كيف ورد كتاب العين إلى بغداد في عام ٢٤٨هـ، وذلك أن أحد النساخين قد أحضره من خراسان في ثمانية وأربعين جزءًا، وباعها بخمسين دينارًا. وقد علم ابن دريد أن ذلك الناسخ قد أحضره من مكتبة الطاهرية. وبهذه المناسبة نحب أن نذكر أن ذلك رد صريح على من يقول أن ابن دريد كان من المشككين في نسبة الكتاب للخليل. على أن ابن دريد قد صرح بهذه النسبة في مقدمة الجمهرة٢.
ومن أقدم الكتب التي ورد فيها ذكر الخليل كراو في تفسير بعض المفردات الغامضة كتاب سيرة ابن هشام، فقد أورد أبياتًا ورد فيها ذكر
стр. 61
كلمة العيهب ثم عند تفسيرها قال١: الخليل العيهب الضعيف الجبان. وهذا يتفق مع ما في العين. فكأن الكتاب كان في عهدة بعض المؤلفين كقاموس أو مرجع لتفسير الغريب.
وقد تصدى قديمًا من دافع عن "العين" كإنتاج بصري ضد من هاجمه من الكوفيين، فقد ذكر السيوطي "ممن ألف أيضًا الاستدراك على العين أبو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم "الكوفي" من تلاميذ ثعلب. قال أبو الطيب اللغوي رد أشياء من العين أكثرها غير مردود"، ثم ذكر السيوطي بعد ذلك٢ عن كتاب العين، "وقديمًا اعتنى به العلماء وقبله الجهابذة. فكان المبرد يرفع من قدره، ورواه أبو محمد بن درستويه وله كتاب في "الرد على المفضل بن سلمة فيما نسبه إليه من الخلل"، ويكاد لا يوجد لأبي إسحاق الزجاجي حكاية في اللغة إلا منه".
ولعل هذا مما يبعث ضوءًا على التخاصم بين الكوفيين والبصريين، وكيف أن الكوفيين لما رأوا سبق البصريين لهم في اللغة، والنحو أخذوا يهاجمونهم بشتى الوسائل. فمسألة الزنبور بين الكسائي وسيبويه ومناصرة الأمين للكوفيين في شخص الكسائي. ومسألة تأليف المفضل الكوفي ردًّا على الخليل ما هما إلا حلقتان من سلسلة التخاصم بين المدرستين.
ومما هو جدير بالذكر أننا نرى أن السيرافي الذي ارتضى نقل الرأي القائل بأن الخليل عمل أول كتاب العين، نرى أن نقل هذا الرأي ورد عن ثعلب، وهو من هو تعصبًا للكوفيين.
ولنذكر باختصار آراء من أصحاب المعاجم الذين اعترفوا بنسبة العين للخليل. وبرأي أحد المستشرقين كذلك. وعلى سبيل التحديد ابن دريد، وابن فارس، وبراونلتش.
ابن دريد:
ذكر أن ابن دريد كان أول من اعتمد على العين في تأليف الجمهرة، فقد نقل من الخليل كثيرًا في معجمه هذا، ورغم ما بين الكتابين من بعض الاختلاف
стр. 62
في الترتيب الأبجدي فلم يسلم ابن دريد من تهمة سرقة "العين"، ووضعه بعد شيء من التعديل تحت اسمه هو. وقد رأينا فيما سبق كيف أن نفطويه ألصق به هذه التهمة الباطلة، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أمر مقررًا معروفًا لدى اللغويين المتقدمين، وهو أن ابن دريد اعترف صراحة بنسبة العين للخليل. ولقد أخبرنا ابن دريد ذلك في مقدمة الجمهرة بقوله: إنه عندما هم بكتابة معجم في العربية أراد أن نصه مبسطًا للتلاميذ وعامة القراء؛ لأن كتاب الخليل كان صعب الترتيب لا يفهمه إلا من كان راسخ القدم في علوم اللغة، وأنه في تلك الأيام أصبحت الحاجة ماسة إلى كتاب أسهل ترتيبًا وأقرب منالًا، فكان أن وضع ابن دريد الجمهرة. كما صرح في موضع آخر من المقدمة في عبارة واضحة جلية حين قال: "ألف الخليل بن أحمد كتاب العين"، والتعبير بكلمة ألف هنا لها ما لها من الدلالة خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن ابن دريد بصفة لا شعورية يريد الرد على الأزهري في ذلك. ولنترك صاحب الجمهرة بين رأيه بنفسه، ولنستمع إليه إذ يقول١: "ولم أجر في هذا الكتاب إلى الازدراء بعلمائنا ولا الطعن في أسلافنا، وأنى يكون ذلك وإنما على مثالهم يحتذى.... وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي كتاب العين فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته. فكل من بعده له تبع. أقر بذلك أم جحد، ولكنه ﵀ ألف كتابه مشاكلًا لثقوب فهمه، وذكاء فطنته وحدة أذهان أهل عصره".
ابن فارس:
أما ابن فارس فقد أعلن صراحة في مقدمة معجميه المقاييس، والمجمل بأن مؤلف العين هو الخليل بن أحمد، وذلك حين ذكر مراجعه الكبرى فقال: "أعلاها وأشرفها كتاب العين للخليل بن أحمد".
وفي تضاعيف كتابيه تجد أنه يقتبس كثيرًا من العين تحت عبارة "وقال الخليل": ورغم أن الزمن قد تأخر بابن فارس حتى أطلع على الجمهرة والتهذيب
стр. 63
وكثير من كتب اللغة، فإنه لم يشأ أن يقحم نفسه في الرد على من تعرضوا للشك في نسبة كتاب العين. وكأنه بذلك وبوضعه المسألة في تعبيره السابق يريد أن يعلم أن الأمر أصبح جليًّا وغير محتمل للشك.
براونلتش١:
لقد عرض براونلتش لهذه المسألة ووضع نصب عينيه القسم المطبوع من كتاب العين ليساعده على تكوين رأي أقرب إلى الصواب، فلم يعتمد فقط على ما ذكرته كتب الطبقات، ولم يبين حكمه على الرواية الصرفة.
ثم عرض براونلتش إلى العين يختبره ويبحثه وهداه تفكيره إلى أن الكتاب للخليل، وقد بين سببًا لهذا أن الكل قد اتفق على أن التنظيم، والترتيب من صنع الخليل، وهذا هو جوهر المسألة وهو المعنى بكلمة التأليف. أما الإضافة أو الحذف فلا تؤثر في مركز الخليل كمؤلف للكتاب. وأضاف أيضًا إلى هذا أن تلميذه الليث قد قام بنصيب كبير في نقل الكتاب عن الخليل، وربما أثبت فيه أشياء بعد أن استأذن الخليل في ذلك.
وانتهى من هذا إلى أن المؤلف للعين هو الخليل، وأن المخرج للكتاب هو الليث.
بعد سرد تلك الآراء المختلفة ومناقشتها وبعد عرض رأي القائلين صراحة بنسبة الكتاب للخليل نرى أن أقوى حجة في جانب المعارضين هو ما ذكره السيوطي على اعتبار أنه رأي الزبيدي ونقله عما سماه "الاستدارك على العين" في حين أن الاستدراك للزبيدي إنما هو الاستدراك على كتاب سيبويه لا على العين، وقد سبق أن أسهبنا القول في بطلان تلك الأدلة. أما الآراء الأخرى فقد رأينا أن أغلبها استنتاجي يعتمد فقط على الرواية دون النظر إلى وقائع الأمور.
стр. 64
كتاب العين يتحدث:
والآن وقد استعرضنا مختلف الآراء فلننتقل إلى كتاب العين نفسه ترى ماذا يقول:
لقد بدئ العين بالإسناد شأن الكتب اللغوية الأولى١، ففي الصحيفة الثانية من المخطوط نرى هذه العبارة:
"قال أبو معاذ عبد الله بن عائذ: حدثني الليث بن المطفر بن نصر بن سيار عن الخليل بجميع ما في هذا الكتاب. قال الليث: قال الخليل ... ".
وكلمة "بجميع ما في هذا الكتاب" تقطع خط الرجعة على القائلين بأن الخليل عمل أول كتاب العين فقط.
والكتاب يبدأ بمقدمة مطولة فيها ذكر مخارج الحروف التي اتخذت أساسًا لتنظيم الكتاب، وهذا التنظيم والترتيب قد اعترف الجميع بنسبته للخليل، وعلى رأس المعترفين بذلك الأزهري في كتاب التهذيب كما سبق أن بيناه. وفي ثنايا المقدمة نجد بعض القوانين الصوتية التي استنبطها الخليل من بحثه العميق في علم الأصوات اللغوية ذلك البحث التي أيدت معظمه الأبحاث الحديثة٢.
ومن بين تلك القوانين أن الرباعي والخماسي من الكلمات العربية لا بد أن يشتمل بين حروفه على أحد حروف الذلاقة المنحصرة في "ل ن ر ف ب م"، وأن هناك حالات خاصة قد ينوب فيها حرفان معينان عن أحد هذه الحروف. وفيما عدا ذلك إذا وردت أي كلمة من ذلك نخالف هذا، فليحذر من نسبتها للعربية، وقد نبه الخليل على هذا فقال لتلميذه:
стр. 65
"فلا تقبلن من ذلك شيئًا مهما ورد عن ثقة"، وعلل سبب هذا في موضع آخر إذ قال: "فإن التحارير ربما أدخلوا على اللغة ما ليس منها إرادة اللبس والتعنت".
كما ذكر أيضًا أن اتحاد المخارج أو تقاربها قد يكون سببًا في أن تكون المادة "مهملة"، وبناء عليه فبعض المفردات التي تخالف هذا القانون إنما هي دخيلة على العربية، وقد سماها الخليل بالمولد أو المحدث.
وعندما ابتدأ الخليل في ذكر للمفردات بدأ كتابه بالعين، فذكر في مقدمة هذا الحرف أن العين، والحاء لا يجتمعان في كلمة واحدة إلا في حالة النحت مثل لفظ حيعل والحيعلة. وفي الجزء الثاني من الكتاب المبدوء بحرف القاف نجد أيضًا هذه العبارة "القاف لا تجتمع مع الكاف في كلمة واحدة".
بقى شيء هام هو تفسير عبارتي "قال الخليل أو سألت الخليل" الواردتين في ثنايا الكتاب الأمر الذي اتخذه البعض دليلًا على عدم تأليف الخليل للكتاب، ولكنا نلاحظ أن عبارة "سألت" واردة أيضًا في كثير من الكتب اللغوية الأولى فمثلًا كتاب الخيل للأصمعمي مملوء بعبارة "سألت الأصمعي"، ومع هذا لم يشك أحد في نسبة كتاب الخيل للأصمعي. وأما العبارة الأولى فهي أكثر شيوعًا بل أنها ظلت مستعملة لمدة طويلة فمثلًا الأمالي مملوء بعبارة "قال أبو علي"، وكذلك الجمهرة تحتوي جملة "وقال أبو بكر" وغير هذا كثير.
وهناك بجانب ما سبق شيء آخر يحتاج إلى تفسير وهو ورود أسماء بعض الرواة في ثنايا الكتاب مما كان مصدرًا للجدل، والمناقشة وهذه الأسماء يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات:
أ- معاصرون للخليل مثل أبي الدقيش، يونس، سيبويه، الأصمعي، أبو زيد. وأمثال هذه الأسماء من الأشياء المألوفة التي نجدها كثيرًا في كتب
стр. 66
اللغة. وهذا يعني أن مؤلف الكتاب اقتبس عن هؤلاء الرواة. فكيف نفسر اقتباس الخليل هذا. وقد أجاب عن تلك النقطة الأستاذ أحمد أمين١. فاختار أن الخليل بعد أن رتب الأبواب، ونظم المواد -وكان هذا همه الأكبر أخذ يضع المفردات، أو يحشو الكتاب فاعتمد على كتيبات معاصريه أو تلاميذه.
ونضيف إلى هذا أن ذلك لا ينقص شيئًا من قدر الخليل. فلو أن أستاذًا كبيرًا في عصرنا أراد أن يؤلف كتابًا في موضوع معين، وذكر من بين مراجعه كتابًا لأحد تلاميذه الناشئين المتخصصين في فرع من فروع الموضوع أيكون في هذا حطة لقدر الأستاذ، أو استغراب في أن ينقل كبير عن صغير مسائل فرعية في موضوع ما؟ وهل هذا ينفي أن الفكرة الرئيسية للأستاذ؟
ب- رواة يتأخرون عن عصر الخليل، وقد ورد القليل من ذلك في كتاب العين. والرد على هذا يسير سهل، وهو أن الوراقين في العصور الإسلامية الأولى كانوا يضيفون إلى صلب النص ما ذكر على هامشه، أو بين أسطره من تعليقات لبعض اللغويين الذين قرءوا الكتاب اعتقادًا منهم بأن ذلك يزيد من الفائدة للقارئ العادي. وإنا لا نستغرب هذا إذا عرفنا أن كثيرًا من الكتب قد اشترك مع العين في هذه الظاهرة -خير مثال لذلك النوادر لأبي زيد، والكتاب لسيبويه.
ج- النوع الثالث من الرواة بعض الأسماء التي وردت لرواة غير مألوف الأخذ عنهم، وقد أمكن أن نعثر على أسماء: زائدة. أبو ليلى: عرام وقد رأى الأب أنستاس الكرملي أن الخليل قد انفرد بالأخذ عن بعض من الرواة الثقاة، ولكن ضياع نسخ الكتاب أول الأمر لم تجعل أسماءهم تنتشر كغيرهم. ولكن قد نرى تفسيرًا أشد قبولًا من هذا وهو أن بعضًا من هؤلاء
стр. 67
الرواة لم يكونوا في البصرة أو الكوفة أو بغداد التي كانت تعتبر بمثابة المراكز العلمية في ذلك الوقت، وإنما كانوا من الرواة القاطنين في أطراف الإمبراطورية الإسلامية خصوصًا إذا أضفنا إلى هذا أن العين ألف في خراسان. وقد علل بروانتش هذا بأنه ربما يكون مذكورًا في بعض النسخ دون البعض الآخر.
إسناد كتاب العين:
بجانب ما سقناه من المناقشة الطويلة لأوجه النظر المختلفة، فإننا قد عثرنا على سلسلتين ذكر فيهما إسناد للكتاب بجانب ما ذكر في أول متنه.
السلسلة الأولى:
وقد ذكرها ابن فارس في أول المقاييس إذ قال: "أما كتاب العين للخليل بن أحمد، فقد حدثني به علي بن إبراهيم القطان فيما قرأت عليه قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم المعداني، عن أبيه إبراهيم بن إسحاق بن بندار بن لزة الأصفهاني، ومعروف بن حسان، عن الليث، عن الخليل".
السلسلة الثانية:
وقد ذكرها السيوطي في معرض الكلام على ذكر الآراء حول كتاب العين إذ قال١ "فائدة: روى أبو علي الغساني كتاب العين عن الحافظ أبي عمر بن عبد البر عن عبد الوارث بن سفيان عن القاضي منذر بن سعيد عن أبي العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي، عن أبيه عن أبي الحسن علي بن مهدي عن أبي معاذ عبد الجبار بن يزيد، عن الليث بن المظفر بن نصر بن سيار عن الخليل".
стр. 68
كيف وضعت الفكرة الأولى للعين:
والآن لنوضح كيف وضع الخليل كتاب العين لعل هذا الإيضاح يوفقنا على الظروف الخامسة التي أحاطت بكتاب العين، والتي اشتبهت على البعض حتى دعتهم إلى التشكك في نسبة الكتاب.
لقد كان معاصرو الخليل من اللغويين يجمعون الكلمات الصعبة المعاني في نظرهم في كتيبات، أو رسائل ليشرحوها وقد عرف هذا اللون من المفردات باسم الغريب، وقد كانت فكرة كل كتيب تدور حول مجموعة من الكلمات المتصلة بموضوع واحد لتبيان معناهما. أراد الخليل أن ينهج منهجًا جديدًا في هذا الميدان، فوضع نصب عينيه تحقيق فكرتين الأولى معالجة جميع مفردات اللغة أو بعبارة أدق جميع موادها وشرحها. الثانية وضع ذلك في نظام يؤمن معه التكرار، أو فوات بعض المواد.
وقد رأى أن الطريقة السائدة في عصره وإن كانت مقبولة في موضعها إلا أنها لا تقبل في شكلها إذ لو ألف على نظامها ألف رسالة، ورسالة لم يؤمن التكرار ولم يتأكد من ذكر جميع المواد. وقد اعتنى اللغويون الأولون بالغريب فقط، ولكن الخليل رأى أن يسجل كل مواد اللغة على طريقة رياضية.
والخليل كما نعلم استغل عبقريته في الرياضة وعلم الأصوات اللغوية، في القوانين الصوتية التي بنى عليها المهمل، والمستعمل وحيث إن بعض أنواع المهمل يمكن حصرها، فرأى أن يتبع نظامًا يكشف له هذا، وبطريق المقارنة يمكن أن يهتدي إلى المستعمل.
стр. 69
الليث يصف طريقة الخليل:
لقد فكر الخليل في تنظيم متحد يجمع كل الكلمات غير ذلك التنظيم المعنوي الذي تبناه معاصروه لقد فكر، فوجد أن جميع الكلمات من حيث تركيبها الصوتي تتكون من أحرف الهجاء، ا. ب. ت، العادية.
لقد ذكر بعض الرواة١: أن الخليل لم يبدأ بالهمزة لتغيرها إلى مدة أو حذفها في بعض المواد. ثم انتقل ِإلى البناء ليبدأ بها، ولكنه لما لم يجد سببًا معقولًا ليتخذ الباء مبدأ عدل عن ذلك إلى الترتيب الصوتي.
ولكننا لا نميل إلى هذا الرأي فإن الطريقة الرياضية التي أمكن للخليل أن يحصر بها جميع مواد اللغة على الطريقة الصوتية كان يمكن أن يستعملها أيضًا مع الأبجدية العادية، ولا بد أن هناك سببًا أكثر من هذا. ذلك هو أن ما تحكم في طريقته إنما هو القوانين الصوتية التي بها يعرف المهمل ويميز عن المستعمل. وبناء عليه فإن الترتيب الصوتي يكون من الناحية العملية أكثر أهمية من الترتيب العادي.
ولقد شغلت هذه المشكلة بال الخليل زمنًا طويلًا كما كان يشغله أيضًا التفكير في علم العروض. ولقد صور لنا هذا الانشغال تلميذه الليث: إذ يذكر لنا أن الخليل حين ورد عليه في خراسان فاتحه في تلك الفكرة التي كان من الصعب على العقل العادي أن يدركها "فجعلت أستفهمه، ويصف لي، ولا أقف على ما يصف، فاختلف إليه في هذا المعنى أيامًا، ثم اعتل وحججت فرجعت من الحج، فإذا هو قد ألف الحروف كلها على ما في صدر هذا الكتاب".
стр. 70
فكان أن رتب الخليل الأبجدية إلى مجموعات صوتية كما يلي:
ع ح هـ غ خ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط ت د - ظ ث ذ - ر ل ن - ف ب م - وا ي.
والتقسيم الصوتي إلى مجموعات لا يختلف كثيرًا عما قرره العلم الحديث.
أما ترتيب المجموعات على هذا السلم، وكذلك ترتيب بعض الحروف داخل المجموعة الواحدة، فيختلف نوعًا ما عما يقرره علم الأصوات. ومن يدري لعله لو كان قد أتيح للخليل أن يشتغل في معامل الأصوات التي يسرها لنا العصر الحديث لكان قد وصل إلى نتائج أدق من هذا. وإنا لنزداد إكبارًا له حين نعلم أنه قد سبقنا إلى ذلك بنحو اثني عشر قرنًا من الزمان.
ولقد كان ترتيب الخليل هذا مبنيَّا على أساس المخارج فقدم المجموعات الصوتية بحسب عمقها في الحلق، ثم تدرج إلى الحروف الشفوية ثم اختم بحروف العلة.
ولقد فطن الخليل إلى أن الهمزة أعمق الحروف مخرجًا، ولكنه وجد من تغيرها سببًا في عدها ضمن حروف العلة. وفطن ايضًا إلى أن الهاء تليها، ولكن الهاء ما هي إلا إرسال الهواء خارج الحلق. ولذا وجد أن العين أصلح حروف الحلق للبدء بها. ونضيف إلى هذا أن كلمة "عين" تعني بجانب أنها حرف هجاء -العين- الباصرة التي تستعمل كثيرًا في جوهر الشيء وكنهه. وقد رأى "لين" أن تكرار حرف العين يكون صوتًا يشبه بصمة الجمل، وهذا من أهم الخصائص العربية.
وقد كانت الحاء تشارك العين في نفس المخرج، ولكن اختيار الخليل للعين دون الحاء ذكر له سبب هو "أن العين أنصع"، أو ما يعبر عنه بعبارة أخرى هو أن العين مجهورة والحاء مهموسة.
وبناء على هذا أمكن للخليل أن يعرف بطريقته النظرية المهمل من المستعمل
стр. 71
ثم من ناحية التطبيق نجد أنه لم يعثر على مواد ليملأ بها الأصل النظري، فذكر أيضًا أنه سهل. ولعل المثلث الذي رسمه ابن دريد في مقدمة الجمهرة ووضع عند رءوسه الثلاث ثلاثة حروف مختلفة بتكوين منها ست كلمات١ لعل هذا المثلث كان في رأي الخليل دائرة مرسومة هكذا:
ويمكن إذا بدأ في الرباعي مثلًا بالدال، وسار يمينًا فإنه يحصل على "دحرج"، وهو مستعمل أما إذا سار شمالًا، فإنه يحصل على دجرح وهو مهمل وهكذا. وهذا يشبه من بعض الوجوه دوائر البحور التي ابتكرها الخليل، وإن نظرة واحدة لهاتين الدائرتين لترينا الشبه بين دائرة العروض، وبين ما يمكن أن يسمى دائرة المعجم.
ومن هذا نرى أن نظرية المهمل والمستعمل في العروض تشابه إلى حد كبير قرينتها في كتاب العين -مما يدل دلالة قاطعة على أن مؤلف الاثنين واحد.
ونخلص من كل هذا إلى أن كتاب العين لا يمكن أن يكون من تأليف غير تأليف الخليل بحيث إنه يكون من التجني على الواقع أن نكتب على غلاف الكتاب اسمًا غير اسم الخليل، أو نضع في فهارس المكتبات كتاب العين تحت اسم غير اسم الخليل.
стр. 72
وهذا لا يعني مطلقًا أن الليث له يد في الكتاب. ولكن ما أبداه الليث من مجهود لا يغير من تلك الحقيقة كما فطن لذلك الليث نفسه، فلم يدع الكتاب لشخصه. ولا يصح أن تحملنا بعض الهنات الصغيرة في الكتاب إلى عدم نسبته للخليل. فقد كانت فكرة الترتيب مسيطرة عليه إلى حد أن شغلت جميع وقته. ثم هي محاولة تعد الأولى من نوعها فلا بد أن نتوقع بعض التطور فيها فيما بعد كما نتوقع بعض التنقيح، والتهذيب كذلك.
стр. 73
الكرملي وكتاب العين:
لا يمكن لباحث في هذا الموضوع أن يترك الإشارة إلى رأي الأب أنستاس الكرملي في هذه المسألة إذ كان له فضل اكتشاف بعض النسخ قبيل الحرب العالمية الأولى، والتي لم يعثر عليها فيما بعد.
فعندما أخذ العدة لطبع الكتاب نشر بحثًا مطولًا في مجلته "لغة العرب" نشر في عدد آب "أغسطس" ١٩١٤ عرض فيه لتلك المشكلة، ونود هنا أن نأخذ منه بعض النقاط لنتبين وجه الصواب فيها.
أ- ذكر الأب أنستاس أن الكتاب احتوى على عبارة "قال الخليل، وسألت الخليل" واستنتج هو من ذلك أن السائل يكون غير المؤلف. وقد سبق أن وضحنا أن هذه ظاهرة شملت المؤلفات العربية الأولى، فقد كان عاديًّا جدًّا أن يرد اسم المؤلف في تضاعيف الكتاب في ذلك الوقت. والكرملي نفسه مع أنه معاصر حديث. ومع تقدم أسلوب البحث العلمي قد ذكر في هامش كتاب العين١ اسمه أكثر من مرة. ففي صحيفة ٩١ على سبيل المثال أورد بعض التعليقات اللغوية وختمها بقوله: "قاله الأب أنستاس" وفي صحيفة ١١٣ ذكر في الهامش تعليقًا آخر، وكرر فيه نفس الظاهرة حينما قال: "قاله الأب أنستاس ماري الكرملي". ومن يدري لو أن الظروف ساعدته في إتمام طبع الكتاب كله لكنا رأينا عشرات الأمثلة لتلك الظاهرة.
ب- ذكر الكرملي من الأدلة على أن الكتاب ليس للخليل أن اللغويين المتقدمين اقتبسوا من العين على أنه لليث. وردًّا على ذلك نقول: إن بعضهم كصاحب اللسان والتاج الذين ذكرهما الكرملي إنما نقل ما نقل عن طريق الأزهري صاحب التهذيب. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الأزهري هو أول
стр. 74
من قال بأن الكتاب لليث -ولم لا يذكر الأب أنستاس أن بعض المتقدمين مثل ابن فارس وابن دريد، قد نقل عن العين على أنه للخليل.
وشيء آخر لم يذكره الأب أنستاس وهو أن اللسان، والتاج فيهما العبارات الآتية: "قال الليث، قال الخليل، قال في العين" ما سر هذا؟ سره واضح جدًّا وهو أن صاحب اللسان والتاج حينما ينقلان عن الأزهري يذكران عبارة "قال الليث"، ودليلنا على ذلك أن هذا التعبير قد سبق في كثير من الأحيان بعبارة "قال الأزهري" أما حين ينسبان القول للخليل فهما يقتبسان عن ابن دريد في الجمهرة، أو ابن فارس في المجمل. وإذا عرفنا أن اللسان والتاج كان همهما استيعاب كل ما في الكتب السابقة سهل علينا أن نفهم هذا الاختلاف في ذكر المصادر التي رج؟؟؟؟ إليها.
وإذا رجعنا إلى بعض هذه الكتب لنرى رأي مؤلفيها الصحيح في كتاب العين، فإننا نجد أنهم لايرون أن الكتاب لليث، وإنما هو الخليل فمثلًا قال صاحب التاج في مادة عين: "وهو أيضًا اسم المعجم المشهور للخليل بن أحمد" أما صاحب لسان العرب، فقد ذكر في مقدمته١ الخلاف حول مؤلف الكتاب، ونقل بعض الأقوال فيه دون أن يكون له رأي حاسم في الموضوع.
وأعتقد أننا بعد هذا لا يمكن أن نعتبر أن متأخري اللغويين أو متقدميهم.
- كما يقول الأب أنستاس قد رأوا أن الكتاب الليث.
ح- ذكر أيضًا فيما ذكر من الأدلة. أن ورود بعض الأسماء لرواة متأخرين عن الخليل في كاب العين مما يجعله لا ينسب الكتاب للخليل.
وهذا أمر هين جدًّا فنجد أن أغلب الكتب المؤلفة في القرنين الثاني، والثالث الهجريين قد عمتها هذه الظاهرة. وتفسيرها٢ أن الوراقين قد عمدوا حين
стр. 75
الكناية إلى إضافة التعليقات التي كتبها بعض العلماء بالهوامش على أنها من صلب الكتاب، ثم جاء من بعدهم فنقلوها كما هي حتى أصبح من العسير التمييز بين ما أضيف، وبين ما هو من نص الكتاب، ولنقتبس هنا مثالًا من كتاب النوادر لأبي زيد تتضح فيه هذه الظاهرة١.
أورد أبو زيد هذا البيت على عادته في شرح الغريب:
تهددنا. وأوعدنا رويدًا ... ستى كنا لأمك مقتوينا
وقد عقب هذا البيت بشروح وتفسيرات من رواة متأخرين جدًّا عن عصر أبي زيد، وأغلب هؤلاء الرواة مذكور في سلسلة الإسناد التي وردت في أول الكتاب. أما ما ورد بعد هذا البيت في كتاب النوادر فهو:-
"قال أبو الحسن: القباس، وهو المسموع من العرب أيضًا فتح الواو من "مقتوينا"؛ فيكون الواحد مقتوي. فأما أبو العباس فأخبرني أن جمع مقتوين عند كثير من العرب مقاتوه إلخ".
ومن هذا ترى أن الرواي الأخير في السلسلة، ويعتبر المخرج للكتاب قد اقتبس عن راويين متأخرين عن المؤلف تفسيرين مختلفين للكلمة الواحدة. ومع هذا لم يؤخذ ذلك دليلًا ضد أبي زيد ولم يسلبه أحد نسبة النوادر.
ثم انتقل الكرملي بعد ذلك إلى ذكر كيفية اكتشافه للمخطوطات، ووصف كل منهما فقال:
"أما أن الأدباء ظنوا أن كتاب العين ضاع أو فقد فهذا ما يتحصل من نصوص كتبهم تليمحًا أو تصريحًا. فصاحب كشف الظنون يصف هذا