ثم من ناحية التطبيق نجد أنه لم يعثر على مواد ليملأ بها الأصل النظري، فذكر أيضًا أنه سهل. ولعل المثلث الذي رسمه ابن دريد في مقدمة الجمهرة ووضع عند رءوسه الثلاث ثلاثة حروف مختلفة بتكوين منها ست كلمات١ لعل هذا المثلث كان في رأي الخليل دائرة مرسومة هكذا:
ويمكن إذا بدأ في الرباعي مثلًا بالدال، وسار يمينًا فإنه يحصل على "دحرج"، وهو مستعمل أما إذا سار شمالًا، فإنه يحصل على دجرح وهو مهمل وهكذا. وهذا يشبه من بعض الوجوه دوائر البحور التي ابتكرها الخليل، وإن نظرة واحدة لهاتين الدائرتين لترينا الشبه بين دائرة العروض، وبين ما يمكن أن يسمى دائرة المعجم.
ومن هذا نرى أن نظرية المهمل والمستعمل في العروض تشابه إلى حد كبير قرينتها في كتاب العين -مما يدل دلالة قاطعة على أن مؤلف الاثنين واحد.
ونخلص من كل هذا إلى أن كتاب العين لا يمكن أن يكون من تأليف غير تأليف الخليل بحيث إنه يكون من التجني على الواقع أن نكتب على غلاف الكتاب اسمًا غير اسم الخليل، أو نضع في فهارس المكتبات كتاب العين تحت اسم غير اسم الخليل.
стр. 72
وهذا لا يعني مطلقًا أن الليث له يد في الكتاب. ولكن ما أبداه الليث من مجهود لا يغير من تلك الحقيقة كما فطن لذلك الليث نفسه، فلم يدع الكتاب لشخصه. ولا يصح أن تحملنا بعض الهنات الصغيرة في الكتاب إلى عدم نسبته للخليل. فقد كانت فكرة الترتيب مسيطرة عليه إلى حد أن شغلت جميع وقته. ثم هي محاولة تعد الأولى من نوعها فلا بد أن نتوقع بعض التطور فيها فيما بعد كما نتوقع بعض التنقيح، والتهذيب كذلك.
стр. 73
الكرملي وكتاب العين:
لا يمكن لباحث في هذا الموضوع أن يترك الإشارة إلى رأي الأب أنستاس الكرملي في هذه المسألة إذ كان له فضل اكتشاف بعض النسخ قبيل الحرب العالمية الأولى، والتي لم يعثر عليها فيما بعد.
فعندما أخذ العدة لطبع الكتاب نشر بحثًا مطولًا في مجلته "لغة العرب" نشر في عدد آب "أغسطس" ١٩١٤ عرض فيه لتلك المشكلة، ونود هنا أن نأخذ منه بعض النقاط لنتبين وجه الصواب فيها.
أ- ذكر الأب أنستاس أن الكتاب احتوى على عبارة "قال الخليل، وسألت الخليل" واستنتج هو من ذلك أن السائل يكون غير المؤلف. وقد سبق أن وضحنا أن هذه ظاهرة شملت المؤلفات العربية الأولى، فقد كان عاديًّا جدًّا أن يرد اسم المؤلف في تضاعيف الكتاب في ذلك الوقت. والكرملي نفسه مع أنه معاصر حديث. ومع تقدم أسلوب البحث العلمي قد ذكر في هامش كتاب العين١ اسمه أكثر من مرة. ففي صحيفة ٩١ على سبيل المثال أورد بعض التعليقات اللغوية وختمها بقوله: "قاله الأب أنستاس" وفي صحيفة ١١٣ ذكر في الهامش تعليقًا آخر، وكرر فيه نفس الظاهرة حينما قال: "قاله الأب أنستاس ماري الكرملي". ومن يدري لو أن الظروف ساعدته في إتمام طبع الكتاب كله لكنا رأينا عشرات الأمثلة لتلك الظاهرة.
ب- ذكر الكرملي من الأدلة على أن الكتاب ليس للخليل أن اللغويين المتقدمين اقتبسوا من العين على أنه لليث. وردًّا على ذلك نقول: إن بعضهم كصاحب اللسان والتاج الذين ذكرهما الكرملي إنما نقل ما نقل عن طريق الأزهري صاحب التهذيب. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الأزهري هو أول
стр. 74
من قال بأن الكتاب لليث -ولم لا يذكر الأب أنستاس أن بعض المتقدمين مثل ابن فارس وابن دريد، قد نقل عن العين على أنه للخليل.
وشيء آخر لم يذكره الأب أنستاس وهو أن اللسان، والتاج فيهما العبارات الآتية: "قال الليث، قال الخليل، قال في العين" ما سر هذا؟ سره واضح جدًّا وهو أن صاحب اللسان والتاج حينما ينقلان عن الأزهري يذكران عبارة "قال الليث"، ودليلنا على ذلك أن هذا التعبير قد سبق في كثير من الأحيان بعبارة "قال الأزهري" أما حين ينسبان القول للخليل فهما يقتبسان عن ابن دريد في الجمهرة، أو ابن فارس في المجمل. وإذا عرفنا أن اللسان والتاج كان همهما استيعاب كل ما في الكتب السابقة سهل علينا أن نفهم هذا الاختلاف في ذكر المصادر التي رج؟؟؟؟ إليها.
وإذا رجعنا إلى بعض هذه الكتب لنرى رأي مؤلفيها الصحيح في كتاب العين، فإننا نجد أنهم لايرون أن الكتاب لليث، وإنما هو الخليل فمثلًا قال صاحب التاج في مادة عين: "وهو أيضًا اسم المعجم المشهور للخليل بن أحمد" أما صاحب لسان العرب، فقد ذكر في مقدمته١ الخلاف حول مؤلف الكتاب، ونقل بعض الأقوال فيه دون أن يكون له رأي حاسم في الموضوع.
وأعتقد أننا بعد هذا لا يمكن أن نعتبر أن متأخري اللغويين أو متقدميهم.
- كما يقول الأب أنستاس قد رأوا أن الكتاب الليث.
ح- ذكر أيضًا فيما ذكر من الأدلة. أن ورود بعض الأسماء لرواة متأخرين عن الخليل في كاب العين مما يجعله لا ينسب الكتاب للخليل.
وهذا أمر هين جدًّا فنجد أن أغلب الكتب المؤلفة في القرنين الثاني، والثالث الهجريين قد عمتها هذه الظاهرة. وتفسيرها٢ أن الوراقين قد عمدوا حين
стр. 75
الكناية إلى إضافة التعليقات التي كتبها بعض العلماء بالهوامش على أنها من صلب الكتاب، ثم جاء من بعدهم فنقلوها كما هي حتى أصبح من العسير التمييز بين ما أضيف، وبين ما هو من نص الكتاب، ولنقتبس هنا مثالًا من كتاب النوادر لأبي زيد تتضح فيه هذه الظاهرة١.
أورد أبو زيد هذا البيت على عادته في شرح الغريب:
تهددنا. وأوعدنا رويدًا ... ستى كنا لأمك مقتوينا
وقد عقب هذا البيت بشروح وتفسيرات من رواة متأخرين جدًّا عن عصر أبي زيد، وأغلب هؤلاء الرواة مذكور في سلسلة الإسناد التي وردت في أول الكتاب. أما ما ورد بعد هذا البيت في كتاب النوادر فهو:-
"قال أبو الحسن: القباس، وهو المسموع من العرب أيضًا فتح الواو من "مقتوينا"؛ فيكون الواحد مقتوي. فأما أبو العباس فأخبرني أن جمع مقتوين عند كثير من العرب مقاتوه إلخ".
ومن هذا ترى أن الرواي الأخير في السلسلة، ويعتبر المخرج للكتاب قد اقتبس عن راويين متأخرين عن المؤلف تفسيرين مختلفين للكلمة الواحدة. ومع هذا لم يؤخذ ذلك دليلًا ضد أبي زيد ولم يسلبه أحد نسبة النوادر.
ثم انتقل الكرملي بعد ذلك إلى ذكر كيفية اكتشافه للمخطوطات، ووصف كل منهما فقال:
"أما أن الأدباء ظنوا أن كتاب العين ضاع أو فقد فهذا ما يتحصل من نصوص كتبهم تليمحًا أو تصريحًا. فصاحب كشف الظنون يصف هذا
стр. 76
الكتاب نقلًا عن هذا وذاك، ولا يقول شيئًا من عنده كما يفعل في وصف الكتب التي رآها بعينه -وقال صاحب كتاب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع في ص ٢٩٨ "الخليل بن أحمد صاحب كتاب العين المفقود"، وكرر هذا القول في ص٣١٤، وذهب إلى فقده أيضًا علماء الإفرنج المولعين بحفظ آثار العرب واتبعهم أيضًا في هذا الرأي جرجي بك زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية "٢: ١٢٣" إذ يقول: "ولم يصل إلينا من كتاب العين إلا ما نقل عنه في كتب اللغة كالمزهر للسيوطي، وكتاب النحو لسيبويه". ا. هـ. ثم قال في ص ١٢٤ وبالجملة فإن كتاب العين تحفة من تحف الأدب، وللتحليل فصل كبير في وضعه وللأسف أنه ضاع! وقد كان موجودًا إلى القرن الرابع عشر للميلاد. ولا يبعد أن يعثر الباحثون على نسخة منه في بعض المكاتب الخصوصية. ا. هـ.
البشرى بوجود الكتاب وببدء طبعه:
"نبشر اليوم أبناء العرب كافة أن الشيخ كاظم أفندي الدجيلي، وجد نسخة من هذا الكتاب في كربلاء. ونسخة ثانية في الكاظمية وناسخا هاتين النسختين إيرانيان لا يحسنان العربية، ولهذا جاءنا مغلوطتين مشوهتين، وكلتاهما ناقصة فنسخة كربلاء ناقصة العبارة في عدة مواد. وقد فعل الكاتب ذلك طلبًا لنسخ الكتاب بسرعة فتصرف في النقد تصرفًا غريبًا بحيث أصبح طبعه على تلك النسخة طامة من الطوام، وإهانة للمؤلف الذي تكبد له عرق القربة -وأما نسخة الكاظمية فينقصها ورقتان، وفيها أغلاط لا تقل عددًا عن أغلاط نسخة كربلاء، وإن كانت أغلاط هذه غير أغلاط تلك هذا والكاتبان مختلفان. والنسختان الأمان ستميزتان الواحدة عن الأخرى كما تشهد على ذلك أوهام كل منهما، ولما رأينا هاتين النسختين بتلك الحالة استأنا غاية الاستياء لعلمنا أنه من البعيد أن يطبع مثل هذا الكتاب بتلك الصورة الشنيعة المشوهة القبيحة
стр. 77
التي تصم المؤلف وصمة عار لا يمحيها مر الأدهار. وبقينا في حيرة حتى ظفرنا بنسخة كتبها عربي عارف باللغة. وبالنسخ فحينئذ اطمأن قلبنا. وباشرنا بطبعه مستعملين هذه النسخ الثلاث، وجل اعتمادنا على النسخة الثالثة، فالثانية وهي نسخة كربلاء؛ لأن الأولى هي نسخة الكاظمية التي قابلنا عليها أوائل الكتاب وأواسطه وأواخره ولما تحققنا نقصها، وكثرة أغلاطها عدلنا عنها أيضًا وبقيت بأيدنا النسختان الأخريان.
"والكتاب يكون في نحو ٢٥٠٠ صفحة في خمسة أجزاء يحوي كل منها ٥٠٠ صفحة بحجم هذه المجلة، وبالحرف الذي تراه في هذا المثال، وها نحن ندرج مثالًا من الكتاب. وقد فتحنا بابًا للاشتراك وهوار ٤ مجيديات للعراق، وعشرين فرنكًا للخارج، وذلك عن كل جزء من أجزائه الخمسة، وبعد الاشتراك يضاعف ثمنه للعراق وللخارج. ولا يبعث بالمجلد إلا أن يدفع قيمته سلفًا، وإلا لا يلتفت إلى اشتراكه أو طلبه. ويكون أغلب محتويات الجزء الخامس فوائد وتذييلات وفهارس، وذلك لأن هذا الكتاب مرتب ترتيبًا فلسفيًّا على مخارج الحروف مبتدئًا بالعين وهو أول حرف يخرج من الإنسان من أقصى حلقه إذا أراد التلفظ بحروف الهجاء. وهذا الترتيب الفلسفي لا يفيد الباحث شيئًا إذ وقته ثمين ويجب أن يعثر على ضالته بدون عناء عظيم، وبدون إضاعة الوقت سدى. ولهذا سنضع فهارس للمواد لتمكن الباحث من إرشاده إلى ضالته بسرعة وذلك على النظام المألوف الميسور، وهذه كلمتنا في هذا الديوان ومن له خاطر بصدده، فليبده لنا لتكون له من الشاكرين١".
وبعد أن عرضنا لكل تلك الآراء نجد أنفسنا مقتنعين بصحة نسبة الكتاب للخليل بن أحمد، ولكننا مع هذا لا ننفي مجهود الليث فيه كلية إذ هو الراوي الأول للكتاب بل ومخرجه أيضًا. وليس الاعتراف بالمجهود يعني نسبة الكتاب.
стр. 78
إليه كما فعل الكرملي. وقد رجعنا إلى القسم المطبوع من العين في مكانين مختلفين:
الأول: المجمع اللغوي المصري. الذي كان الأب أنستاس عضوًا فيه. وليس للكتاب غلاف يحمل اسم المؤلف، وإنما وجدنا وريقة مكتوب فيها بالقلم الرصاص، وموضوعة أول الكتاب وملصقة به وفيها:-
كتاب العين
لليث بن سيار
تلميذ الخليل بن أحمد
طبع في بغداد في مطبعة الآداب
في سنة ١٩١٣
ولم يصدر منه إلا ١٤٤ صفحة والحرب ضاقت دون إتمامه. وعنى بنشره، وتعليق حواشي عليه الأب أنستاس ماري الكرملي:
توقيع: الأب أنستاس الكرملي.
الثاني: دار الكتب المصرية: وفيها نسخة كالسابقة وليس على الغلاف اسم للمؤلف، وبالرجوع إلى الكتالوج ج٢ ص٢٨ وجد وصف لكتاب العين كما يلي:-
"كتاب العين: اختلف الناس في مؤلفه فقيل: إنه الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم الفراهيدي البصري. وهو أول كتاب أيضًا في اللغة. وسمي كذلك لابتدائه بحرف العين"، ثم استطرد في وصف منهج الكتاب وترتيبه.
ولعل اللجنة التي كان موكولا إليها مراجعة الكتب لذكرها في القائمة.
стр. 79
المطبوعة الخاصة بدار الكتب لما لم تجد على الكتاب اسم المؤلف بحثت في المراجع المختلفة، ثم اهتدت إلى الرأي الذي ذكرته في القائمة.
أما في المجمع فكان من السهل عليهم أن يرجعوا للأب أنستاس نفسه ليسألوه الرأي، وهذا أيضًا ما حداهم إلى أن يضموا كتاب العين في القائمة تحت اسم الليث بن سيار، وقد كنا ننتظر من هيئة كبرى كالمجمع أن يعنوا بتحقيق تلك المسألة قبل أن يذكروا الكتاب في القائمة. ولكن لعلهم تخلصوا من تلك التبعة بأن وكلوا للأب أنستاس أن يكتب اسم المؤلف على عهدته كما يرى حيث إنه قد قام بطبع قسم منه. ولعل هذا مما يحملنا على القول بأن رأي الأب أنستاس في ذلك لا يمثل رأي المجمع وإنما هو رأيه الفردي. وإلا فقد وجدنا من بين أساتذة المجمع الأفاضل من لا يرى رأي الأب أنستاس.
стр. 80
مخطوطات العين:
لقد ذكر الكرملي أنه كان قد عثر على ثلاث نسخ مختلفة في العراق، ولكن للأسف لم يمكننا للآن الحصول على إحدى النسخ الثلاث -ولعل الظروف تواتينا بإحداها مع مواصلة البحث إن شاء الله.
ونضيف إلى هذا أننا عثرنا على نسختين الآن إحداهما في متحف بغداد كتبت بخط السماوي عام ١٩٣٦م- والأخرى في ألمانيا، وكانت في برلين حتى الحرب العالمية الثانية، ثم نقلت إلى مكتبة جامعة توبنجن، وتاريخها عام ١٩٢٧م، وقد أمكننا تصوير كل منهما على "مايكرو فيلم".
وإليك وصفًا موجزًا لكل من المخطوطتين:
أ- مخطوطة بغداد:
تقع هذه المخطوطة في جزءين كل جزء يكون أربعمائة صحيفة، وهي بالخط الفارسي. وفي كل صحيفة خمسة وعشرون سطرًا، وبكل سطر حوالي خمس عشرة كلمة. والخط رغم إمكانية قراءته إلا أنه ليس تام الوضوح. ويبدأ الجزء الثاني بأول حرف القاف. وكل جزء قد رقمت فيه الصفحات ترقيما مستقلًّا الأول إلى ص٤٠٠ وابتدأ الثاني بصحيفة ١، وانتهى ٣٩٧ وفي آخر الكتاب نجد هذه العبارة.
"وقد نجز النصف الثاني من الكتاب المسمى بالعين المنسوب١ إلى الخليل بن أحمد، بقلم أقل العباد ذي المساوي محمد بن الشيخ طاهر المعروف بالسماوي
стр. 81
في النجف في اليوم التاسع والعشرين صفر الخير سنة ألف وثلاثمائة وخمس وخمسين من الهجرة، على نسخة كثيرة التحريف، والتصحيف قاسيت فيها عرق القربة، وسححت منها الأغلب حسب الجهد حامد الله مصليًا على رسوله وآله.
وقد قدر الكرملي أن طبع الكتاب يستغرق ٢٥٠٠ صحيفة في خمسة أجزاء. وبهذه المناسبة ترى أن ابن النديم١ قد ذكر أن بعض الوراقين أحضر كتاب العين من خراسان في خمسين جزءًا حيث دفع فيها ابن دريد ٥٠ دينارًا، وكان ذلك حوالي ٢٥٠هـ.
وهنا أيضًا نستدل من كلام ابن النديم على أن كتاب العين ألف أولًا في خراسان. وهذا يتفق مع ما ذكرناه. كما يفسر لنا أيضًا كيف أن اللغويين في البصرة، والكوفة لم يطلع أكثرهم عليه.
ويظهر أن كلمة "أجزاء" ليست مستعملة في معناها الذي نفهمه اليوم. فقد كان أصحاب الطبقات يعبرون مرة بكلمة جزء، وثانية بكلمة دفتر وأخرى بكلمة كراسة، وهم يعنون من كل ذلك معنى القسم فقط. ولذلك لا غضاضة على السماوي أن ينسخ الكتاب في جزءين، ولا على الكرملي أن يقدر لطبعة خمسة أجزاء.
ب- نسخة ألمانيا:
لقد نقلت هذه النسخة عن مخطوطة أخرى في بغداد حديثًا أيضًا بإشراف المستشرق ريتر. وتكون هذه النسخة جزءين أيضًا يبدأ الثاني قبل بداية حرف القاف بقليل. ويظهر أن الناسخ لاحظ أنه من غير المناسب أن يبدأ الجزم وسط الكلام على حرف من الحروف. ولذا نجده قد اعتذر عن ذلك
стр. 82
في أول الجزء الثاني حيث يخبرنا بأنه نصف الكتاب في هذا الموضع، "ولكل امرئ أن يفعل بملكه ما يشاء".
أما أرقام الصفحات فتكون وحدة غير مجزأة فيبدأ الجزء الثاني برقم ٤١٢، وينتهي برقم ٨٤٢. وكل صحيفة في تلك النسخة تشمل ٢٥ سطرًا بكل سطر أربع عشرة كلمة في المتوسط، وهي بخط النسخ الواضح. وفي نهايتها نجد تعليق ناسخها.
هذا آخر كتاب اللغة الموسوم بالعين، وقد وقع الفراغ من كتابته تحريرًا في ساعة التاسع من نهار الأربعاء سابع وعشرون من جمادى الأولى سنة ١٣٤٦ هجرية، وعلى مهاجريها آلاف التحية على قلم الآثم محمد علي بن المرحوم عبد الحسين الأصفهاني الكاظمي.
كما عقب ذلك بذكر من كتبت له النسخة فكتب:
"الحمد لله أولًا وآخرًا على إتمام هذا الكتاب المستطاب في اللغة العربية المسمى بالعين. نسخ هذا الكتاب للسعي بالعين في اللغة للإمام خليل بن أحمد النحوي على نسخة في خزانة حضرة العلامة حجة الإسلام السيد حسن الصدر، دامت بركاته بحسب الآمر حضرة العلامة السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني رئيس مجلس التمييز الشرعي، ووزير المعارف الأسبق في العراق في تاريخ ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٣٤٦هـ".
ونضيف إلى هذا أن نسخة الأب أنستاس المطبوعة نفسها -حيث سنعتبرها مرجعًا عند تحقيق كتاب العين، وطبعه -تختلف اختلافًا بسيطًا عن نسختي ألمانيا والمتحف العراقي. وهذا لا يغير شيئًا من جوهر الكتاب.
إلا أن هناك شيئًا هامًّا وهو أن كثيرًا من الأبيات غير منسوب إلى قائله في نسختي ألمانيا وبغداد. ولكنه منسوب في نسخة الكرملي -فهل يعني
стр. 83
هذا أن الكرملي أضاف النسبة من عنده في صلب الكتاب دون التنبيه على ذلك في الهامش؟ سيظل الجواب القاطع غير معروف حتى نعثر على إحدى النسخ التي اعتمد عليها الكرملي، ولكن أستاذنا الجليل إبراهيم مصطفى عضو المجمع اللغوي المصري يرجح أن هذه النسبة من وضع الأب أنستاس نفسه؛ لأن اللغويين الأقدمين لم يكن يعينهم القائل للأبيات بقدر ما يعنيهم صحة الأبيات نفسها، ويعزز هذا أن شواهد سيبويه قد ذكرت دون نسبة، ثم أضاف الرواة هذه النسبة فيما بعد.
وإذ قد انتهينا من ذكر تعظيم كتاب العين، وما قيل حول مؤلفه، وكذلك من ذكر أصحاب المعاجم الذين اقتفوا أثره. نرى من الخير أن نستمر في عرض كتاب اللغويين الآخرين عرضًا موجزًا لنرى إلى أي حد افترقوا في التنظيم عن الخليل، وإن لم يفترقوا عنه في تعبيراتهم، أو أسلوبهم في الشرح.
стр. 84
الباب الثالث: المرحلة الثانية في تطور المعاجم نظام القافية
أولا: صحاح الجوهري
...
أولًا: صحاح الجوهري:
حين امتد بنا الزمن إلى عصر إسماعيل بن حماد الجوهري المتوفى ٣٩٨هـ.
نجد أن ترتيب الكلمات في المعجم العربي اتبع نظامًا آخر. فلم يعد هناك داع للسير على نظام التقليبات، ومن ثم فلم تبق هناك حاجة إلى الأبجدية الصوتية التي اتخذت أساسًا لذلك النظام. وإنما ابتدع الجوهري نظامًا جديدًا اتخذ فيه الترتيب الأبجدي العادي أساسًا، ولكنه جعل ترتيب الكلمات فيه على أساس الحرف الأصلي الأخير في الكلمة. ولنا أن نتجاوز في التعبير، ونسميه ترتيب القافية. وقد قال عنه الجوهري في مقدمته إنه رتب كتابه ترتيبًا لم يسبق إليه.
نشأ الجوهري في القرن الرابع الهجري١ في مدينة "فاراب" وراء النهر "نهر سيحون" حيث تلقى علوم اللغة على أشهر علماء عصره أمثال السيرافي، وخاله إبراهيم بن إسحاق الفارابي٢ المتوفى "٣٥٠" هـ. وكان الفارابي قد ألف معجمًا قسمه على نظام الأسماء، والأفعال كما قسم كلا منها على أسس صرفية ونحوية، وقد انتفع به الجوهري أكبر انتفاع.
وقد ساعدت الظروف الجوهري حين ألف معجمه إذ وجد أمامه من الذخيرة اللغوية الشيء الكثير كما أنه سمع من الأعراب في البدو، والحضر حيث رحل إلى الأماكن التي كان فيها بقية من قبيلتي ربيعة ومضر. وهكذا قد أمكنه أن ينقل عن فصحاء العرب كما فعل الأزهري حين أخذته القرامطة أسيرًا.
وقد ذكر لنا الرواة أن الجوهري كان حسن الخط جميله حتى كان يضارع
стр. 85
ابن مقلة في ذلك. وكان الناس يتسابقون في اقتناء نسخة من كتابه مكتوبة بخطه، وإن كلفهم ذلك غالي الثمن١.
ولئن كان هم أصحاب المعاجم قبل الجوهري إحصاء المفردات، أو المواد اللغوية وتسجيلها في كتبهم كل حسب جهده ومقدرته. ومنهم فريق آخر اقتصر على "الجمهور" المتداول من المفردات، وفريق ثالث أجمل ما قاله الأولون مفصلًا، فإن الجوهري لم يكن يعنيه حصر كل المواد أو الاقتصار على المتداول، إذ رأى أن بعد العهد بالعربي الفصيح قد أدخل على اللغة ما ليس منها. ولقد بلغ الاختلاط في هذا إلى درجة أن اشتبه "الصحيح" بغير الصحيح. فألف كتابه ليثبت فيه ما ذكره لنا من أنه الفصيح في اللغة.
ولقد سمى معجمه الصحاح لهذا، وهذه الكلمة تضبط على وجهين٢ إما أن تكون بكسر الصاد جمعًا لكلمة صحيح، أو بفتحها فتكون مرادفًا لتلك الكلمة.
ولعل التنافس بين أصحاب الحديث من حيث الرواية، والتشدد في الصحة وعدمها مما أوحى إلى الجوهري بأن يجري على سننهم. فكما أن للمحدثين "صحيح البخاري"، فلما لا يكون للغويين أيضًا صحيح، وقد تفلسف الجوهري فاختار كلمة "لغوية" مرادفة للصحيح تليق بمقام اللغويين الباحثين أن يستعملوها، فسمى كتابه الصحاح "بفتح الصاد".
ولكن هل معنى الاقتصار على نوع خاص من المواد، أو المفردات أن كثيرًا من اللغة لم يدرج في هذا المعجم؟ يرى الفيروزآبادي صاحب القاموس أن الجوهري قد ترك بذلك نصف اللغة. ويظهر أن المتقدمين كانوا يبالغون
стр. 86
في أحكامهم. ولقد ظن انشدياق أخيرًا أن كلمة النصف هنا بمعناها الحقيقي، فاستدرك ذلك على صاحب القاموس وأخذه عليه١. وذكر لنا أنه من المتعذر أن تعد المفردات في أي لغة. وإن ذلك لمستحيل في العربية لكثرة الاشتقاق من الأصل الواحد فيها. أما إذا كان صاحب القاموس -كما استطرد الشدياق- يعني ان الجوهري ترك بعض المواد فهذا تفسير آخر. ولقد ذهب الشدياق إلى أبعد من هذا، فأتعب نفسه في عد المواد في قسم معين من الكتابين.
وقد استولت عليه الدهشة حينما وجد؟؟؟؟؟ في الصحاح؟؟؟؟؟
في القاموس، مع حشو الأخير بأسماء الأعلام التي عاش أصحابها بعد زمن الجوهري بكثير.
منهج الصحاح:
أ- لقد كان الجوهري أول من استعمل نظام "القافية" في ترتيب الكلمات في كتابه. ولقد فسر هذا بعض المعاصرين المحدثين٢ بأنه يساعد المتأدبين على الكتابة التي كان من أهم خصائصها السجع في تلك الأيام. كما أن من شأنه أن يساعد على وحدة القافية في القصيدة العربية التي قد تبلغ أحيانًا المائة من الأبيات.
ولعلنا في حل من أن نضيف إلى هذا سببًا آخر، وهو أن أي ترتيب لا بد أن يخضع لنظام الزوائد والأصول من الحروف في المفردات. ولقد أدى هذا إلى الارتباك أحيانًا خصوصًا في الرباعي، والخماسي حيث يختلف موضع الكلمة.
стр. 87
في القاموس تبعًا لاعتبار أي الحروف يكون الزائد وما موضعه. وأنه قد يكون من الصعب تمييز ذلك أول الكلمة، ووسطها في بعض الأحيان على حين أن الزوائد في الآخر تكاد تكون محصورة في:
١- علامتي التثنية والجمع.
٢- علامة التأنيث من تاء أو ألف.
ولقد سار الجوهري في ترتيب الأبجدية على النظام المعروف لنا اليوم فيما عدا حرفًا واحدًا هو الواو إذ وضعه بين النون والهاء، فأصبحت الحروف آخر الأبجدية هكذا: ل، م، ن، و، هـ، ي.
وقد اتبع هذا النظام في الأبواب التي رتب فيها الكلمات حسب أواخرها وطبعًا تحت كل باب ذكر حروف الهجاء، ثم بعد ذلك قسم ذلك الحروف إلى فصول كل فصل تبدأ فيه الكلمة بحرف من حروف الهجاء. ولكنا فوجئنا أنه في الفصول استعمل الترتيب العادي المألوف اليوم.
وتوضيحًا لهذا نذكر بعض الكلمات على سبيل المثال نجد أن ذكر كلمة وجد قبل كلمة هجد.
ب- لقد أراد الجوهري أن يتغلب على مسألة التشكيل التي أتعبت المتقدمين قبله. فنجد مثلًا معاجم الأزهري، وابن دريد وابن فارس قد شكلت فيها الكلمات بالضمة، والفتحة والكسرة في بعض المواضع. ولسنا نعرف ما إذا كان هذا التشكيل من وضع هؤلاء اللغويين أم من وضع من أتى بعدهم من الرواة والعلماء. ثم إن التصحيف قد لعب دورًا كبيرًا في هذا فنجد أن النساخين قد خلطوا بين الضمة والفتحة، وأحيانًا يتركون كتابة الحركة اعتمادًا على أن الذوق يدركها، ثم يأتي من بعدهم فيضع حركة مغايرة ظانًّا أنها الحركة الصحيحة، وأحيانًا يكون رأي المؤلف الأصلي أن يكون حرف ما مفتوحًا، فيأتي من بعده ويرى أن هذا خطأ أو غير صحيح، فيضع ضمة بدلًا منها، ويأتي ثالث فينقل
стр. 88
لنا الضمة. ونأخذها منه على أنها تمثل رأي المؤلف الأصلي. لعل هذا أو ما يماثله قد دار بخلد الجوهري فأراد أن يخلصنا منه فوضع نظامًا جديدًا.
يتلخص هذا النظام في أنه لا يضع الحركة على الكلمة بل يذكر نوع الحركة كتابة بعد الكلمة، وقد اقتضاه هذا أن يقتصر على ذكر حركة الحرف المحتمل أكثر من وجه واحد، فمثلًا يقول: "الحباب بالضم"، وهذا يعني أن الحاء مضمومة أما الباء الثانية، فلا بد أنها مفتوحة لورود الألف بعدها. وأما الحرف الأخير فقد ترك للإعراب. وحيث إن هذا التطبيب كان أول محاولة من نوعها لذلك النظام، فمن الإنصاف أننا لا نؤاخذ الجوهري على بعض الهفوات في محاولته. وإنه ليكفيه أن يضع اللبنة الأولى في حل هذه المشكلة. وعلى المتأخرين أن يكملوا هذا البناء. ولقد حقق لنا الفيروزآبادى أخيرًا ما كنا نتوقع فاقتبس هذا النظام وأكمله وطبقه بدقة وعناية. ولنعد لنظام الجوهري الآن فنرى أنه أيضًا عند الكلام على الفعل الماضي قد ذكر نوع حركة عينه فقط؛ لأنها هي التي تحتاج إلى تبيان. وفي بعض الأحيان قد يذكر مصدر الفعل بجانبه ليدل على التشديد. فإذا قال لنا مثلًا: "قطع تقطيعًا" فإن معنى هذا أن عين الفعل وهي الطاء تكون مشددة.
هذا هو المنهج العام للجوهري في ترتيب المفردات في كتابه، أما من حيث تعريف المفردات، فلم يأت فيه بجديد فقد اقتبس عمن سبقوه أحيانًا مع التصريح بالمصدر الذي أخذ عنه، وأحيانًا يغفل ذلك.
وبمقارنة بعض العبارات بكتاب العين نجد اتفاقًا كبيرًا بين التعبيرين، وهذا يدل في رأينا على أنه نقل عن العين، وإن لم يكن بطريق مباشر بل بواسطة بعض من أخذ عنهم، وصرح بأسمائهم مثل الأزهري، وابن دريد وابن فارس.
стр. 89
أما من حيث المواد التي تركها فقد ذكر الشدياق أن الجوهي ترك كثيرًا من المفردات التي تدخل في باب الصحيح، ولعل هذا في نظر الشدياق يرجع إلى السهو، ولعلنا ندهش إذ نرى أن كثيرًا مما أغفله الجوهري قد ذكره الخليل في العين، وإن المتتبع لحاشية ابن بري أو تكملة الصاغاني ليرى كيف أنهما استدركا على الجوهري كثيرًا من الصحيح الذي تركه مما نجده مدونًا في كتاب العين.
стр. 90
تعليقات ومختصرات وتراجم للصحاح:
لقد كان للصحاح أهمية كبيرة في عالم اللغة، فتناوله العلماء بالتعليق والشرح والاختصار والترجمة، ولعلنا نوفي الجوهري حقه حين ننوه فقط ببعض منها لأهميته١.
١- التكملة. ألفها الصاغاني المتوفى عام ٦٦٠هـ، وفيها يذكر المؤلف بعض المواد التي تركها الجوهري مع التعليق الموجز على ما ذكره الجوهري من معاني المفردات، أو نسبة الآراء إلى قائليها.
٢- حاشية ابن بري. وهي أشهر الحواشي التي كتبت على الصحاح. ويزيد في أهميتها أن مؤلفها كان تلميذ الجوهري. وقد اعتنى ابن بري في الحاشية بأن ينبه على الكلمات التي وضعت خطأ في غير موضعها. كما أنه أضاف بعض الشواهد التي لم يذكرها الجوهري.
٣- ولقد جرد السيوطي كل الأحاديث التي وردت في الصحاح، ووصفها في كتاب منفرد لشرحها وبيان معانيها.
٤- أما المختصرات فتقصر منها على ذكر اثنين:-
أولًا:
مختار الصحاح الذي وضعه الرازي المتوفى عام ٧٨٠هـ، ولقد رتب الرازي مختاره كترتيب الصحاح. وقد كان من المتوقع -كما يوحي بذلك عنوان الكتاب أنه سيتخير بعض المفردات التي يراها ملائمة لغرضه في الكتاب، ويقتصر عليها فقط. ولكنه فعل أكثر من هذا. إذ أضاف إلى ما انتقاه
стр. 91
من الصحاح بعض مفردات أخرى نقلها عن تهذيب الأزهري وغيره من المعاجم.
وفي طليعة القرن الحالي تخيرت وزارة المعارف المصرية هذا الكتاب ليكون قاموسًا مدرسيًّا، فطبع مرة أخرى بعد أن عدل ترتيبه من نظام القافية إلى النظام المألوف العادي.
ثانيًا:
تهذيب الصحاح، وقد طبع حديثًا في مصر، ويسير على نظام القافية أيضًا. وقد ذكر لنا محققًا الكتاب أن مخطوطته قد اكتشفها في مكة المكرمة العلامة الشيخ محمد سرور الصبان١. وقد أمكن لمحققي الكتاب أن يهتديا إلى اسم المؤلف، وأن يختارا عنوانًا مناسبًا للكتاب: إذ لم يكن مسجلًا على المخطوطة شيء من هذا أما المؤلف فهو الزنجاني، وقد اعتمد المحققان في هذا على كشف الظنون. وأما عنوان الكتاب فقد اختصره من عنوان لمؤلف آخر للزنجاني باسم "ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح".
٥- التراجم:
لقد ترجم الصحاح إلى الفارسية والتركية. وذلك ليسهل على الفرس والأتراك تعلم العربية حينما امتدت رقعة الدولة الإسلامية إلى تلك البلاد، ولقد ظهرت الترجمة التركية ١٠٠٠هـ، وفيها مقدمة تبحث موضوع صيغ الأفعال في اللغة العربية.
وأخيرًا فقد فتح الصحاح طريقًا جديدًا في ترتيب الكلمات، واختفى أثره في ذلك اللسان والقاموس.
стр. 92
ثانيًا: لسان العرب:
رغم طول المدة بين الجوهري، وابن منظور ورغم ظهور بعض المعاجم التي رتبت على الأبجدية العادية، وحسب أوائل الكلمات مثل المجمل لابن فارس، وأساس البلاغة للزمخشري إلا أن ابن منظور صاحب لسان العرب لم يشأ أن يعدل عن ترتيب الجوهري إلى ترتيب المجمل، بل اقتفى في ذلك صحاح الجوهري.
ويظهر أنه كان ينتوى أن يضع كتابه على الأبجدية الصوتية إذ جعل عمدة مراجعة معجمين مطولين ألفًا على هذا النظام، هما تهذيب الأزهري، ومحكم ابن سيده، ولذا يعد اللسان. من بعض الوجوه -مكررًا لما ورد في هذين المعجمين. إلا أن ابن منظور وجد أن ترتيبهما صعبًا ويحتاج إلى دراية تامة في علوم اللغة لمن يريد أن ينتفع بهما، فعدل عن ترتيبهما إلى ترتيب الصحاح؛ لأنه أسهل نسبيًّا١. ويظهر كذلك أنه كان مشغوفًا بالمطولات إلى حد كبير جعله لا يفكر في ترتيب ابن فارس، أو الزمخشري لصغر حجم كتابيهما.
ويعد لسان العرب أكبر المعاجم العربية حجمًا إذ تبلغ نسخته المطبوعة عشرين جزءًا. وقد ذكر الفيروزآبادي في مقدمة القاموس أن لديه نسخة من اللسان تبلغ ثمانية وعشرين جزءًا. وقد تكون هذه النسخة مكتوبة بخط أكبر أو صفحاتها أقل حجمًا من غيرها، أو لعلها كان مفرقًا فيها الأجزاء حسب عدد حروف الهجاء.
أما مؤلف اللسان فهو محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي ولد في تونس.
стр. 93
عام ٦٨٠هـ هجرية حيث نشأ بها. وتولى منصب القضاء ومن بين تلاميذه المشهورين تاج الدين السبكي، والذهبي المؤرخ المعروف. ويفضل "لين" أن يدعوه باسم "ابن منظور".
منهج اللسان:
لقد سار اللسان على منهج الصحاح في ترتيبه. ولكنه أكثر من ذكر أسماء الرواة الذين اقتبس عنهم، ولم يقتصر هذا على اللغويين فقط كالخليل وأبي عمرو، وابن فارس وابن سيده بل شمل أيضًا كثيرًا من علماء النحو والحديث والفقه. وهذا مما جعل كتابه أشبه بالموسوعة اللغوية منه بالمعجم كما يخبرنا بذلك الشدياق١ إذ يقول: "سبب ذلك كبر حجمه فإنه كتاب لغة، وفقه ونحو وصرف، وشرح للحديث وتفسير للقرآن ... وإن المادة التي تستغرق خمسين سطرًا مثلًا في القاموس قد تزيد في اللسان على مائتين وخمسين".
وقد أدى هذا التوسع والشغف بتدوين كل ما عثر عليه في كتب الأقدمين أن تتكرر بعض العبارات في الكتاب. أو تشرح الكملة مرتين. ولم يسلم هذا الأسلوب من التغاير، أو ما يشبه التناقض بعض الأحيان. فمثلًا في مادة "م ل ك" ذكر اللسان أن كلمة "إملاك. مثل ملاك تعني عقد الزواج"، وهذا يوحي بصحة الصيغتين. ثم ذكر بعد ذلك بقليل في نفس المادة أن "صيغة إملاك هي الصحيحة فقط، والعبارة الأولى نقلها عن ابن سيده في المحكم، والثانية عن الجوهري في الصحاح كما صرح هو بذلك. فترى من هذا أن ابن منظور كان همه منصرفًا إلى تدوين ما في المعاجم السابقة كلية دون أن يذكر لنا رأيه فيها.
стр. 94
وإذا صح ما نقل عن الجوهري بأن صيغة إملاك -التي تعني عقد الزواج هي الصحيح فقط دون ملاك، فإن الخليل في كتاب العين كان يقتصر على الصحيح كذلك. إذ ورد في مجموعة "ك ل م، مادة م ل ك، أن ملك وأملك تمنيان عقد الزواج". ولكن فكرة تدوين الصحيح فقط لم تأخذ كشلًا عمليًّا إلا عندما ألف الجوهري معجمه "الصحاح".
ويتضح لنا من تلك المقارنة أن ابن منظور لم يكن يرى أن يقتصر المعجم على تديون الصحيح فقط كما فعل الصحاح. بل من حق جميع المفردات العربية أن تسجل في المعجم. وهذا ما جعل المواد في اللسان تفوق غيرها عددًا في المعاجم الأخرى. فقد ذكر لنا المرتضى الزبيدي ١ أن اللسان يشتمل على ثمانية ألف مادة، وتحت كل مادة كثيرًا من المشتقات. وهذه المشتقات من الصعب تعدادها في اللغة العربية لكثرتها.
وإنه ليسترعي نظرنا حقيقة غريبة، وهي أن ابن منظور رغم طول كتابه اللسان وكبر حجمه، لم يكن يميل إلى التطويل والإسهاب في مؤلفاته الأخرى. وقد ذكر السيوطي٢ أن ابن منظور اختصر نحوًا من خمسمائة كتاب من المطولات المشهورة، مثل الأغاني للأصفائي، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وتاريخ دمشق لابن عساكر. وهذا قطعًا إذا صح، يخالف منهجه في اللسان.
стр. 95
ثالثا: قاموس الفيروزبادي
...
ثالثًا: قاموس الفيروزآبادي:
يمتاز معجم القاموس بأنه أوسع المعاجم انتشارًا، وذلك لأمرين رئيسيين:-
١- أنه مختصر خال من الشواهد ومن أسماء الرواة. ولعل الفيروزآبادي قصد بذلك أن يكون كتابه للحفظ عن ظهر قلب كما فعل أبو بكر الزبيدي في مختصره.
وقد أدرك هذا الزبيدي، فاتخذ من القاموس متنًا، ووضع له شرحه "تاج العروس".
٢- أنه حل مشكلة التصحيف والتحريف. وذلك بوساطة الرموز، والاصطلاحات التي استعملها لذلك.
وقبل ظهور ذلك المعجم كانت كلمة قاموس تعني "البحر الأعظم"، ثم انتفائه من هذا المعنى بكثرة الاستعمال لتكون مرادفًا لكلمة معجم، وذلك حيث أطلق اسم القاموس لا على كتاب الفيروزآبادي فحسب بل على صنوة من الكتب التي تعرف باسم المعاجم.
ولقد ولد الفيروزآبادي في "كزرين من بلاد الفرس عام ٧٢٩م"، وعند بلوغه الثامنة رحل إلى شيزار حيث تلقى العلوم والمعارف. ثم رغب في التوسع في المعرفة، فانتقل إلى بغداد وواسط. وكان كثير التنقل بين البلاد الإسلامية فرحل إلى مصر وسوريا، والهند ثم إلى تركيا حيث كان مؤدبًا للأمير "أبي يزيد نجل السلطان مراد". وقد ألقى عصا التسيار أخيرًا في اليمن حيث بقي فيها مدة حياته، وهناك كان له حظ الصلة بالملك الأشرف الذي تزوج ابنته.
وقد كان الفيروزآبادي على سعة تامة بالعلوم الإسلامية كلها، فكان ذا دراية بالفقه، والحديث والتفسير والتراجم إلى جانب تبحره في علوم اللغة. وقد
стр. 96
رزق ذاكرة قوية الحفظ، فحفظ القرآن كله وهو ابن سبع سنين، وقد أخبر أصحابه عن سعة حفظه حين قال١: "كنت أحفظ كل ليلة مائتي سطر قبل أن أنام".
كيف ألف القاموس:
يخبرنا الفيروزآبادي في مقدمة القاموس أنه شرع أولًا في تأليف معجم كبير الحجم يحتوي كل ما في محكم ابن سيده وعباب الصغاني، تحت عنوان "اللامع العجاب، الجامع بين المحكم والعباب، لكنه رأى أن الزمن قد لا يمتد به لإتمامه، فعدل عن ذلك إلى تأليف كتاب مختصر هو "القاموس". وقد ذكر أن اللامع قد يستغرق نحوًا من ستين جزءًا. وقد روى لنا أن الفيروزآبادى قد واصل الكتابة في اللامع حتى انتهى إلى الجزء الخامس.
وقد ورد في القاموس اقتباس عن اللامع في مادة "ف ك هـ" "ولقد بينت كل ذلك في اللامع". وإذا عرفنا أن ترتيب القافية في القاموس يجعل هذه المادة قرب نهاية الكتاب. فهل كانت في نهاية اللامع كذلك؟ وكيف يتفق هذا ما سبق من أنه وضع منه قسمًا بسيطًا فقط؟ لقد حيرت هذه المسألة بال الشدياق، وقال: إن في هذا تناقضًا. ولكن المستشرق "لين"٢ افترض أن ترتيب "اللامع" مثل ترتيب "المحكم" الذي هو صورة أخرى من ترتيب "العين". والهاء تقع ثالثة في تريتب هذين الكتابين إذ يبدآن: ع ح هـ إلخ وحيث إن "فكه" تحتوي حرف الهاء فقد جاءت في أوائل الكتاب أي ما يعادل الجزء الخامس.
ولكنا لا نوافق لعين على هذا الرأي إذ لو فرض أن اللامع كان مثل المحكم
стр. 97
أو العين لكان يجب أن تكون مادة فكه في منتصفه؛ لأن المعاجم التي اتبعت نظام التقليبات تتناقض أبوابها تدريجًا، فكان ينبغي أن تكون تلك المادة في أوائل الثلث الثاني من الكتاب أي بعد الجزء العشرين من العباب. إذ إن هذه المادة "فكه" تقع في صحيفة ٢٧٥ من كتاب نسخة بغداد البالغ مجموع صفحاتها ٨٠٠ صحيفة.
ونرى من هذا أن تقدير اللامع بستين جزءًا أمر مبالغ فيه، ولعلها ستة أجزاء فقط، ثم حرفت بعد ذلك إلى ستين. ومن هنا يمكن أن نفهم اختصار اللامع إلى ثلث الحجم، أو نصفه حين جعل القاموس بدلًا منه. وقد ذكر لنا في مقدمة التاج أن القاموس كتب في جزءين، في حين أن النسخة المطبوعة استغرقت ثلاثة أجزاء، ولعل هذا التعديل اقتضته السهولة العملية للطباعة فقط.
ولقد ذكر المرتضى الزبيدي أن عدد الكلمات في القاموس يبلغ ستين ألفًا، وفي الصحاح أربعين ألفًا أما في لسان العرب فتبلغ ثمانين ألفًا. وقد تشكك الشدياق في صحة هذا؛ لأنه لا يعتقد أن القاموس يبلغ مبلغ الصحاح في ذلك فكيف يزيد عنه. وقد ذكر لنا أنه أحصى المواد التي في النصف الأول من القاموس، فوجدها ٥.٤٥٠ مادة. ولكنه من ناحية أخرى لم يذكر لنا العدد المقابل في الصحاح.
وقد أخذ الشدياق على القاموس أنه حشى كتابه بالكثير من أسماء الأعلام التي عثر عليها في كتب التراجم وغيرها، وهي تشمل قوائم بأسماء اللغويين والمؤرخين والفقهاء، والأمراء والملوك وغيرهم، كما أخذ عليه أنه يفترض أن الأسماء الأعجمية مثل جبريل تخضع أيضًا لنظام تأليف الكلمات العربية، فيكون فيها من الحروف الأصلي والزائد، ونضيف إلى هذا أن الفيروزآبادي ملأ قاموسه بالكثير جدًّا من الألفاظ التي تدور حول المسائل الجنسية، ولم يشأ حين شرحها أن يتخذ أسلوب الكناية في ذلك بل استعمل الأسلوب الصريح
стр. 98
الذي يدل على الفحش أحيانًا، وأيضًا جمع فيه الكثير من الفوائد الطبية خصوصًا عن أسماء الأعشاب المختلفة، وكثيرًا ما يشرح مركبًا طيبًا خاصًّا، ويتبعه بعبارة "وهو مجرد مفيد"، وليس لنا اعتراض على هذه الأشياء في حد ذاتها، ولكن ليس موضعها في قواميس اللغة خصوصًا التي يدعي أصحابها أنهم قصدوا الاختصار، فعمدوا إلى حذف ما تعود اللغويين ذكره من الرواية والشواهد مثلًا.
منهج القاموس:
١- لقد ذكر شارح القاموس أن الفيروزآبادي كتب في نسخته الخطية كل المواد التي زادها على الجوهري بالمداد الأحمر، وعند الطبع، نظرًا لصعوبة هذا اكتفى بوضع خط تحت كل مادة من هذه المواد، وقد نبه الزبيدي من ناحية أخرى على المواد التي أوردها الجوهري في الصحاح، وأهملها صاحب القاموس.
٢- لقد سجل القاموس الكلمات الناقصة تحت الحرف الأصلي، فمثلًا ذكر "رجا" مع الواوي، وذكر "عي" مع اليائي.
٣- إذا كان للكلمة مؤنث من لفظها، فإنه يكتفي بذكر كلمة "وبالهاء" فمثلًا قال: "كريم، وبالهاء" وهو يعني "كريمة". وأحيانًا كان يصرح بذكر صيغة المؤنث نفسها كما قال: "ثعلب، والأنثى ثعلبة".
٤- استعمل رموًا خاصة لتدل على أشياء معينة وذلك إمعانًا في الاختصار فاستعمل "م = معروف، ع = موضع، ج = جمع، هـ = قرية، د = بلد.
٥- لقد حذف أسماء الرواة كما لم يذكر كذلك أبيات الشواهد، مع أنه كما قال في مقدمته رجع إلى حوالي ألف كتاب في مختلف الفنون من لغة، ونحو وفقه وطب وتراجم.
٦- نظامه في التشكيل: بجانب ذكر نوع الحركة كقوله: "بالفتح" نجد
стр. 99
أنه استعمل بعض الكلمات كمفاتيح للنطق فمثلًا في مادة "ذرب" نجده يذكر صيغها هكذا "كفرح.... كمعظم.... كتراب ... ككتف.... كمنبر"، وذكر بجانب كل صيغة من هذه الصيغ المعنى الخاص بها، فمثلًا يقول في هذا "وكتراب السم -يقصد أن كلمة ذراب بضم الأول معناها السم- وسيف مذرب كمعظم مسموم، والذرب ككتف إزميل الإسكاف ... والمذرب كمنبر، اللسان ... إلخ".
وهذه طريقة أخرى في ضبط الكلمات يمكن أن يؤمن معها التصحيف.
٧- لم يشأ صاحب القاموس أن يطيل كتابه بذكر الرواة والشواهد.
شأنه في ذلك شأن المعاجم الأخرى المختصرة: وليس معنى هذا أنه لم يعتمد على ما سبقه من الكتب بل الأمر بالعكس، فقد ذكر الفيروزآبادي في مقدمته أنه اعتمد على حوالي ألف كتاب.
ونجد أن صاحب التاج في شرحه القاموس قد أرجع بعض الأقوال إلى رواتها الأول كما أكمل الكتاب بذكر الشواهد المختلفة، وقد وجد أيضًا أن صاحب التاج قد ذكر "الخليل"، فيمن ذكرهم من الرواة.
стр. 100
رابعًا: تاج العروس:
لقد كان للقاموس حظ كبير من الشروح والتعليقات -كحظ صنوه الصحاح- إن لم يزد عنه، فقد شرحه أمير اليمن، الأشرف، كما تناول المقابلة بينه وبين الصحاح كثير من اللغويين، وكان أيضًا أن ترجم إلى الفارسية والتركية.
وسنقتصر في هذا البحث على شرح ثم على نقد للقاموس، أما الشرح فهو كتاب "التاج" للزبيدي، وأما النقد فهو "الجاسوس" للشدياق.
أما شرح الزبيدي الذي سماه "تاج العروس"، فقد ألف في القرن التاسع عشر الميلادي، ويعد بذلك آخر المعجمات المطولة التي اتبعت نظام القافية. ولقد ظهرت شخصية الزبيدي فيه إلى حد جعله يفوق مجرد شرح، أو تعليق إلى أن يصير في نظر اللغويين كتابًا مستقلًّا ومعجمًا قائمًا بنفسه.
أما مؤلفه فهو السيد محمد المرتضى الزبيدي، نسبة إلى زبيد تلك المدينة الشهرية باليمن، والتي استقر فيها الفيروزآبادي بعد تطوافه بالبلاد الإسلامية. ثم رحل الزبيدي إلى مصر، واستمر بها حتى مات عام ١٢٠٥هـ "١٨٨٤م".
ولقد أخبرنا الزبيدي في مقدمة التاج أنه اعتمد على حوالي خمسمائة مرجع لتأليف كتابه. وذكر لنا أن من بين مراجعه الرئيسية معاجم اللغويين الأول الذين كانوا معتمدًا لكل من سبقه، مثل جمهرة ابن دريد، ومجمل ابن فارس، "وصحاح الجوهري، وتهذيب الأزهري، ومحكم ابن سيده. وليس هناك من شيء يدلنا على أن الزبيدي قد رأى كتاب "العين"، ولكنه قد ذكر كثيرًا من الكتاب نقلًا من مراجعه السابقة، وعلى الأخص التهذيب والمجمل.
ولقد بدأ الزبيدي كتابه "التاج" بمقدمة طويلة تعرض فيها لبعض النظريات اللغوية وناقشها، وهذه المقدمة قد جمعت معظم ما كتب حول تلك
стр. 101
النظريات. أما المسائل التي تعرض لمناقشتها فتشمل:-
١- هل اللغة توفيقية أم إصلاحية؟
٢- هل من الممكن حصر جميع مفردات اللغة، وكيف يمكن ضبط موادها؟.
٣- لقد اعتنى بذكر الصحيح، والإسناد، والرواية وغير ذلك من إصطلاحات المحدثين التي سرت عدواها إلى اللغويين.
٤- ذكر استعراضًا تاريخيًّا للعلماء اللغويين منذ عهد أبي الأسود، وقسمهم إلى مدرستين الكوفة، والبصرة التي انتهيا "بابن دريد البصري، وثعلب الكوفي"، وعندما جاء دور الخليل اكتفى الزبيدي بأن نقل عن السيوطي هذه العبارة "أول من ألف في اللغة الخليل بن أحمد الذي عمل كتاب العين، وقيل: إنه مات قبل أن يتمه"، ولم يشأ الزبيدي أن يورط نفسه في تحقيق مؤلف العين بل اكتفى بذكر آراء من تقدمه. ولقد سبق لنا حين الكلام عن ابن دريد، والأزهري أنهما اقتبسا من "العين"، ولكن ابن دريد فعل هذا تحت عبارة "وقال الخليل" أما الأزهري فكان يستعمل عبارة "وقال الليث". وعندما نقل الزبيدي عنهما في كتابه ذكر العبارتين معًا، ولم يكن يهتم بتحقيق ذلك، ولم يشأ أن يخبرنا ما إذا كانت كلا العبارتين منقولة عن كتاب واحد.
٥- واختتم الزبيدي مقدمته بترجمة للفيروزآبادي، تعرض فيها لتاريخ حياته ووصف قاموسه الذي قال عنه: لئن كان الصحاح أوسع المعاجم انتشارًا في عهد السيوطي، فإن القاموس في أيامنا هذه قد فاقه في ذلك.
ولكن الزبيدي قال في موضع آخر بأن الفيروزآبادي قد أوجز كتابه
стр. 102
غاية الإيجاز حتى إنه قد يبدو في بعض الأحيان صعبًا معقد التركيب، وإن القارئ العادي قد يحتاج إلى تكرار القراءة أكثر من مرة حتى يمكنه أن يتفهم نص تعبير القاموس.
وفي آخر ترجمة الفيروزآبادي ذكر الزبيدي سلسلة الرواية التي روى بها القاموس، والتي انتهت بابن حجر الذي روى الكتاب مشافهة عن مؤلفه. ولعل هذه هي آخر سلسلة يروى بها كتاب عربي على ما نعلم١، وبعد ذلك كانت تؤلف الكتب، وتوضع عليها التعليقات، والشروح دون ذكر سلسلة الرواية.
منهج التاج:
لقد شرح التاج كتاب القاموس حسب نظام الشروح التي اتبعها المؤلفون في عصره، وقد ساعده على ذلك أنه اعتبر كتاب القاموس "متنًا" نظرًا لشدة إيجازه. وقد اندمجت عبارة الشرح في المتن حتى تكون من مجموعهما عبارة واحدة، وقد تميزت عبارة المتن بوضعها بين قوسين، ويشتمل شرح الزبيدي الإضافات التي أهمها:-
أ- ذكر الشواهد التي أغفلها القاموس. ومعظم هذه الشواهد هي من النوع التي استعملتها المعاجم السابقة التي أخذت شواهدها في أغلب الأحيان عن كتاب العين.
ب- عند شرح المفردات أضاف الزبيدي من عنده ذكر الرواة، واللغويين الذين أخذت عنهم هذه التعريفات، أو بعبارة أخرى أمكنه أن يكشتف المراجع التي تقل عنها لاقاموس ليرد في بعض الأحيان الاقتباس إلى مصدره الأصلي، ولم نعدم أن نجد فيها عبارات يمكن ردها إلى كتاب العين.
стр. 103
ج- أحيانًا قد يغفل القاموس مادة بأسرها، فيذكرها الزبيدي منبهًا عليها خصوصًا هذه المواد التي أهملها القاموس وذكرها الصحاح. كما يزيد الزبيدي ذكر بعض المشتقات التي فاتت القاموس. وهذه الفوائت تذكر تحت عبارة "ومما يستدرك عليه" أو"المستدرك".
مثال ذلك قوله في مادة "ل ب ب". "ومما يستدرك عليه.... وعنه الليث: والصريح إذا أنذر القوم لبب. وذلك أن يجعل كنانته وقوسه في عنقه، ثم يقبض على تلبيب نفسه، وأنشد:
إنا إذا الداعي اعترى أو لبَّبا
وهذه العبارة منقولة عن تهذيب الأزهري الذي عزاها إلى الليث، وهو يقصد "كتاب العين"، ويمكن بعرض هذه الفقرة من "العين" عقد المقارنة بينهما:-
قال في العين: "والصريح يصرخ إلى القوم ويلبب، ويقال: يلبب؛ لأنه يجعل كنانته أو قوسه في عنقه، ثم يقبض على تلبيب نفسه، ويصرخ، قال:
إنا إذا الداعي اعترى أو لبَّبا
وفي موضع آخر عندما ذكر القاموس كلمة "ويح" زاد صاحب التاج عليها:-
قال الخليل: لم تستعمل العرب على هذا الوزن إلا -ويل، ويه، ويك، ويس.
وقد ذكر كتاب العين في ذلك الموضع ما يقرب من هذا.
وبهذه المناسبة أمكننا أن نكتشف تخطئة للأزهري استداركًا على الليث.
وهذه التخطئة غير صحيحة؛ لأن التاج ذكر رواية عن أبي عبيدة تشهد ضد الأزهري.
стр. 104
وذلك عند ذكر كلمة "يوم بغاث"، فقد نقل التاج عن التهذيب "قال الأزهري: لقد ذكر الليث هذه الكلمة بالغين وصوابها بالعين المهملة، ولا يعقل أن هذا رأي الخليل، وإنما صحفت على الليث ومقام الخليل يجل عن هذا١. وقد أنهى التاج هذا الاقتباس بقوله: وذكر أبو عبيدة أن الخليل روى عنه "بغاث" بالغين أيضًا.
ويمكن هنا أن نذكر تعبير العين نفسه لنرى إلى أي حد يتفق مع هذا:-
"ويوم بغاث، وقعة كانت بين الأوس والخزرج، ويقال: بعاث بالعين، وبغاث: على موضع أميال من المدينة".
ومن هذا نرى أن الأزهري كان يتقصد مواضع معينة من "العين"، ويغير من تعبيره -إذا صح لنا أن نسمي الحذف تغييرًا، ليلتمس من ذلك سبيلًا إلى تخطئته.
وهذا المثال وأشباهه قد سبب ارتباكًا كبيرًا لكثير من اللغويين الذين ما كانوا يجرؤون على رد قول لغوي كالأزهري بل أنهم أكثر من هذا نقلوا عن كتابين ينتسبان لمدرستين مختلفين مما بدا في صورة المتناقض. وهذا أيضًا ما جعل المتأخرين أمثال السيوطي، والزبيدي لا يقطعون في تلك المسألة برأي حاسم، بل اكتفيا بذكر ما وقعت أعينهم عليه.
وأيا ما كان، فقد كان لطول كتاب التاج، وذكره لمختلف الروايات فضل أي فضل في اكتشاف أدلة جديدة ضد صاحب التهذيب في جملته على كتاب العين لينفي نسبته عن الخليل بحجة أنه فوق مستوى الخطأ أو الشبهات.
стр. 105
الشدياق ونقده للقاموس:
لقد فتح الشدياق صفحة جديدة في تطور البحوث اللغوية، التي كان أهملها نقد نظم التقليبات، والقافية التي اتبعها اللغويون المتقدمون كأساس لترتيب معاجمهم.
وكانت زيارته لإنجلترا وميوله الصحفية لهما أكبر الأثر في تنمية ملكة النقد عنده، ولقد حدث هذا في القرن التاسع عشر، في الوقت الذي كانت تسود فيه روح التقليد، والتسليم التام بكل ما كتب الأولون، وقد اضطرت هذه الفكرة إلى محاولة التوفيق بين مختلف وجهات النظر، وإن بدت أحيانًا متناقضة.
انحدر فارس الشدياق من اسرة مارونية، ونشأ في لبنان حيث تلقى علومه الأولى في بيروت على يد الإرسالية الأمريكية هناك. ثم رحل إلى القاهرة عام ١٨٣٤م حيث اشترك تحرير مجلة "الوقائع المصرية" أول مجلة عربية في الشرق. ثم انتقل إلى "مالطة" استجابة لرغبة أصدقائه من الأمريكان ليشرف على المطبعة العربية هناك. وبعدها ذهب إلى إنجلترا بدعوة من "جمعية الكتاب المقدس" في كمبردج، حيث أتيح له أن يجمع أساسًا لكتابه الذي فقد فيه المجتمع وسماه "الفاياق".
وعند عودته من إنجلترا عرج على باريس حيث قابل أحمد باشا باي تونس، فتأصلت بينهما الداقة. وقد مدحه الشدياق بقصيدة على وزن قصيده كعب١
стр. 106
"بانت سعاد"، ثم رحل إلى تونس حيث أعلن إسلامه، وتسمى بأحمد تيمنًا باسم الباي. وهناك أنشأ جريدة "الرائد".
وفي عام ١٨٥٧ رحل إلى استانبول عاصمة الخلافة الإسلامية حيث أسس مجلة "الجوائب" التي كان لقلمه فيها جولات، فحرر كثيرًا من المقالات التي تناولت موضوعات لغوية مختلفة، حتى وافته منيته عام ١٨٧٨م.
ولقد تبلورت أفكار الشدياق، ونظرياته المختلفة في اللغة في كتابين هامين. "الجاسوس على القاموس، سر الليال في القلب والإبدال".
أ- الجاسوس:
لقد تخير الشدياق كتاب القاموس هدفًا لانتقاداته. وكأنه بذلك يريد أن يقدم لنا الدليل العملي على أن المعاجم العربية ليست فوق الانتقاد، وأنه لذلك سيختار أكثرها شهرة وأوسعها انتشارًا.
أما المسائل التي انتقدها على القاموس فتشمل:
١- ترتيب المفردات في الكتاب.
٢- وضع المشتقات تحت المادة الواحدة.
٣- التعريفات، وشروح المفردات.
٤- تعليقات القاموس على ما ذكره الصحاح.
٥- الفصيح في اللغة.
٦- صيغ المطاوعة.
стр. 107
١- ترتيب المفردات:
لقد ذكر الشدياق أن صاحب القاموس بين لنا في مقدمته أنه ألف كتابه ليساعد طلاب العربية على تفهم معاني المفردات، وانه لذلك وضع كتابه موجزًا ليسهل عليهم حفظه، وإذا كان هذا هو الحال، فإن الشدياق لم يكن مرتاحًا لاختيار القاموس ترتيب الصحاح كأساس يسير عليه، وكان الأوفق أن يتبع الترتيب العادي الذي سار عليه ابن فارس في المجمل؛ لأنه أسهل من الناحية العملية، ولم نعد بحاجة الآن إلى ترتيب القافية الذي يخدم السجع والشعر، وإذا كان لا بد للسجع والقافية من شيء يخدمهما، فليكن لهما كتاب خاص، ولقد دعا الشدياق علماء اللغة إلى ترك النظم؟؟؟؟ في كتابة معاجمهم المستقبلة على أساس الترتيب العادي. على أنه هو نفسه لم يلتزم ذلك "في سر الليال" كما سيأتي توضيحه.
٢- ترتيب المشتقات:
إذا فرض وأردنا أن نعالج مادة في المعجم مثل "ع د د "، فإننا نجد لها كثيرًا من المعاني المختلفة التي تدخل تحت ما يسميه اللغويون "بالمشترك اللفظي" كما نجد لكل معنى من هذه المعاني كثيرًا من المشتقات التي تندرج تحت الأصل الواحد. والكلمات المستعملة لتلك المعاني المختلفة، والمشتقات المتعددة لم تسجل في القاموس تبعًا لنظام معين بل وضعت جزافًا، وإن على القارئ أن يراجع المادة جميعها ليستخرج منها طلبته، ولكننا من ناحيتنا لا نرى أن هذا النقد ينصب على القاموس وحده، بل يشاركه في ذلك معظم المعاجم السابقة له خصوصًا الكبرى منها مثل اللسان والتهذيب.
٣- شرح المفردات.
لقد أخذ الشدياق على الفيرزآبادي أنه ملأ كتاب بكثير من أسماء الأعشاب الطبية، واستطرد إلى ذكر فوائدها كما لو كان كان كتابه معجمًا طبيًّا، وهو يرى أن ذلك خارج عن اختصاص كتابه، كما أخذ عليه أنه حشى القاموس بكثير من
стр. 108
أسماء الأعلام التي لا تمت للأدب ولا للغة بصلة، وأنه حتى في ترتيبها لم يضعها في مكانها الطبيعي، ورغم أن أغلبها أعلام أجنبية لم يكن قد تناولها التعريب، فإن الفيروزآبادي لم يحالفه الصواب في ترتيبها إذ افترض أن لها أصولًا، وفيها زوائد نعاملها معاملة الأسماء العربية، على حين أنه يجب اعتبار حروفها جميعًا أصولًا.
٤- تعليق القاموس على الصحاح:
لقد لاحظ الشدياق أن الفيروزبادي كان شديد اللهجة على الجوهري، فكان يتتبع سقطاته، كما كان مولعًا بذكر المواد التي أهملها الجوهري والتنبيه عليها، وبعض هذه الأشياء كان صاحب القاموس فيها محقًّا، وبعضها كان فيها متحاملًا.
ونحن من جانبنا نرى أن صاحب الحاسوس كان متحاملًا على الفيروزآبادي تحاملًا كثيرًا حين تتبع سقطاته، ليوهم القارئ أن صاحب القاموس قد تجنى على اللغة واللغويين، وقد أوحى إليه هذا الاتجاه أن يختار لكتابه اسم "الجاسوس على القاموس"، ولا نظن أن أسلوب السجع يبرر له ذلك.
٥- الفصيح:
لقد انتقد الشدياق على النظرية التقليدية التي تحدد الفصيح في العربية بالعصر الجاهلي، والأموي أي بحوالي ثلثمائة سنة، ولا تعتد بشعر الشعراء الذي ورد بعد هذه الفترة، ومن العجب أن النقاد اللغويين قد يعترفون بأن شاعرًا ما قد بلغ من الجودة مبلغ من سبقوه إن لم يكن يفوقهم، ولكنه مع هذا لا يحتج بشعره.
وقد طالب بأل تحدد فترة الفصيح بزمن معين بل أن أي شاعر يعترف له بالجودة يمكن أن يحتج بشعره، كما ذكر أن اللغويين السابقين كان عليهم أن يذهبوا
стр. 109
إلى البادية ليستمعوا من الأعراب، ويسجلوا ما سمعوه بأنفسهم بدلًا من اعتمادهم الكلي على الرواية؛ لأن الرواة إما أن يتركوا بعض المواد التي اعترف بفصاحتها في اللغة، وإما أن يضيفوا من عندهم بعض ما لم يوثق به فيها. وقد أوقع هذا أصحاب المعاجم إما في النقص أو الزيادة، فمثال الأول الجوهري في صحاحه، ومثال الثاني الصغاني في عبابه، أما الفيروزآبادي في القاموس فهو في نظر الشدياق مثال للاثنين معًا.
٦- المطاوع:
وهنا نجد أن الشدياق قد اعترف بأن القاموس ليس وحيدًا من بين كتب اللغة في ذكره بعض الهفوات أو الأخطاء، بل إنه وجد أن هناك قاعدة نحوية مشتركة قد أوقعت اللغويين جميعًا في الخطأ، وتلك هي القاعدة التي تقول بأن الفعل المطاوع لازم إذا كان فعله الأصلي متعديًا، وقد اكتشف الشدياق بعد مراجعة اللسان، والتاج بجانب القاموس أن كثيرًا من الأفعال المطاوعة تكون متعدية أيضًا مثل أصلها بل إنه في بعض الأحيان يجد المطاوع متعديًا حينما يكون الأصل لازمًا.
وقد أفرد صاحب الجاسوس فصلًا خاصًّا ذكر فيه هذه الأفعال مرتبة ترتيبًا أبجديًّا من الألف إلى الياء -ولكنه لم يضعها على حسب الترتيب المتداول المعروف، بل وضعها على حسب ترتيب القافية أيضًا في الوقت الذي كنا نتوقع فيه أنه سيلتزم الترتيب الذي دعا اللغويين إليه ليكون أسهل من الناحية العملية.
وهكذا نجد أن الشدياق في نقده على القاموس لم يسلم من ارتكاب بعض المآخذ التي كان يود ألا تقع فيه.
стр. 110
"ب" سر الليال:
هذا الكتاب موضوع تطبيقًا لنظرية لغوية في منشأ الكلمات، وهي النظرية التي تقول بأن الكلمات نشأت في اللغة محاكاة لبعض أصوات الطبيعة، أو الحيوانات أو الحركات التي تحدثها الآلات المستخدمة في معيشة الإنسان. كما أن الكتاب يطبق كذلك النظرية الثنائية التي تقول بأن أصل الكلمات في العربية حرفان فقط، ثم يتفرع عن كل أصل أو مقلوبه مواد أخرى، ولكنها جميعًا تشترك في معنى واحد عام هو ما يعتبر أصلًا لكل تلك المواد.
وقد مثل الشدياق بكلمة "قط"، فذكر أنها حكاية لصوت القدوم، وما يشبهه حين تقطع به الأخشاب، وإنها من بعض الوجوه تشبه الكلمة الإنجليزية "CUT" معنى ولفظًا. ورتب على هذا أن المواد: قطف، قطع، قطم، قطش، كلها متفرعة من الأصل "قط"، كما أنه وجد أن بعض الحروف قد تتناوب مثل "جدف، جدث"، وبعض قد يتبادل الموضع مثل "جذب، جبذ، أيس -يئس، لي - لبب".
وعندما أراد الشدياق أن يسجل قائمة المفردات ليشرحها لم يضعها حسب الترتيب العادي كما كنا نتوقع، ولا على حسب القافية، ولا على حسب مخارج حروف الحلق كما فعل الخليل، ولكنه اتخذ لنفسه نظامًا معقدًا انتظم كل هذه الترتيبات:
"أ "ح خ ع غ هـ" ب ت ث ج * * د ذ ر ز س ش ص ض ظ * * ف ق ك ل م ن * وي.
فما بين القوسين الكبيرين يشمل حرف الحلق التي وضعها أولًا -لأنها كما أراد أن يبين لنا هو- لها خصائص معينة فيجب أن توضع أولًا.
وما بين القوسين الصغيرين يشمل حروف الحلق في رأي المعاجم التي اتبعت نظام الخليل، أما الهمزة فقد وضعت فيها مع حروف العلة في آخر الأبجدية.