← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22868

الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار

الحازمي

Полный текст (244 стр.). Показаны 211–244 · переход к 216.

стр. 211

الدَّقِيقِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الْقَوْمِ إِذَا غَزَوْا يَدْعُونَ الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ يُقَاتَلُوا، فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَا سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ثُبُوتِهِ وَإِخْرَاجِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ، عَنِ الْمُؤْتَمَنِ السَّاجِيِّ، أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الدَّقَّاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَغَارَ عَلَى خَيْبَرَ يَوْمَ الْخَمِيسَ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ الْأُوَلَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِدُعَاءِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَأَمَّا بَنُو الْمُصْطَلِقِ وَأَهْلُ خَيْبَرَ وَابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا: وَأَغَارَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبْيِيتَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى، وَدَفَعَ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيُقَاتِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ دُعَاءً لَهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالدُّعَاءِ مَنْ قَاتَلَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ، أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَإِنَّ قِتَالَهُمْ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ يُحْدِثُهُ لَهُمْ مَنْ أَرَادَ قِتَالَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالُوا أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ يَنْزِلُ قَرِيبًا مِنْهُمْ حَتَّى يُصْبِحَ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ، وَثِقَتِهِ بِظُفْرِهِمْ؛ لِئَلَّا يَجْنِي بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ.

стр. 212

بَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَطَائِفَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى مَنْعِ قِتَالِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مُطْلَقًا، وَرَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جُثَامَةَ - وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى جَوَازِ قَتْلِهِمْ مُطْلَقًا، وَرَأَتْ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَحَدِيثَ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ - وَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا. وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ فَرَّقَتْ وَقَالَتْ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُقَاتِلُ جَازَ قَتْلُهَا، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا صَبْرًا، وَكَذَا فِي الْوِلْدَانِ قَالُوا: إِنْ كَانُوا مَعَ آبَائِهِمْ وَبَيَّتُوا جَازَ قَتْلَهُمْ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ صَبْرًا، وَقَدْ تَمَسَّكَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِحَدِيثٍ، وَنَحْنُ نُورِدُ بَعْضُهَا مُخْتَصَرًا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ سَمِعْتُهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، قَالَ: هُمْ مِنْهُمْ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ. وَقَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى: حَدِيثُ بُرَيْدَةَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَقِصَّةُ حَدِيثِهِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا حَدِيثُ الصَّعْبِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

стр. 213

وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ مَنْسُوخًا، فَحُجَّتُهُمْ مَا أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ طَرَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَأَصَابَ النَّاسُ ظَفَرًا حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ، أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ إِذْ بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ. وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَكَانَ يَقُولُ: حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مَنْسُوخٌ، وَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّعْبِ، وَقَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : هُمْ مِنْهُمْ إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ، وَإِذْنٌ مِنْهُ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ. وَقَالَ: كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حُدِّثَ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعَهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبٍ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ قَالَتْ: مَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ تَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ، وَفِي هَذَا الْبَابِ مُمْكِنٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، حَدَّثَنِي مُرَقِّعُ بْنُ صَيْفِيٍّ، أَخْبَرَنِي جَدِّي رَبَاحُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخُو حَنْظَلَةَ الْكَاتِبُ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غُزَاةٍ عَلَى مُقَدِّمَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ مِمَّا أَصَابَتِ الْمُقَدِّمَةَ، فَوَقَفُوا عَلَيْهَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، فَجَاءَ

стр. 214

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ، فَلَمَّا جَاءَ انْفَرَجُوا عَنِ الْمَرْأَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: أَكَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ؟ أَلَمْ تَكُنْ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ؟ ! ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: الْحَقْ خَالِدًا؛ فَلَا يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ مَا أُبْهِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَخَّصَهَا. أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُمْ مِنْهُمْ. وَعَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. قَالَ: فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ هُمْ مِنْهُمْ، أَنَّهُ إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ، قَالَ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعُهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدِيثُ الصَّعْبِ كَانَ فِي عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْأُولَى فَقَدْ قُتِلَ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ قَبْلَهَا، وَقِيلَ فِي سُنَّتِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْآخِرَةِ فَهِيَ بَعْدُ أَمْرِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَلَمْ نَعْلَمْهُ رَخَّصَ فِي قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ، وَمَعْنَى نَهْيُهُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، أَنْ يُقْصَدَ قَصْدَهُمْ بِقَتْلٍ وَهُمْ يُعْرَفُونَ مُتَمَيِّزِينَ مِمَّنْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ خَصْلَتَيْنِ أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُمْنَعُ بِهِ الدَّمُ، وَلَا حُكْمَ دَارَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَمَنْعُ بِهِ الْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ، وَإِذَا أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيَاتَ وَالْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ، فَأَغَارَ

стр. 215

عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ، وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ الْبِيَاتَ وَالْغَارَةَ إِذَا حَلَّا بِإِحْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ بَيَّتَ أَوْ أَغَارَ مِنْ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ، فَيَسْقُطُ الْمَأْثَمُ فِيهِمْ وَالْكَفَّارَةُ وَالْعَقْلُ وَالْقَوَدُ عَمَّنْ أَصَابَهُمْ، إِذَا أُبِيحَ أَنْ يُبَيِّتَ وَيُغِيرَ وَلَيْسَ لَهُمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ قَتْلَهُمْ عَامِدًا لَهُمْ مُتَمَيِّزِينَ عَارِفًا بِهِمْ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا كُفْرًا فَيَعْمَلُوا بِهِ فَيُقْتَلُوا بِهِ، وَعَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِيهِنَّ لِقِتَالٍ، وَأَنَّهُنَّ وَالْوِلْدَانَ يُتَخَوَّلُونَ فَيَكُونُونَ قُوَّةً لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ . قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَبِنْ هَذَا بِغَيْرِهِ. قِيلَ: فِيهِ مَا اكْتَفَى الْعَالِمُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تَشُدُّهُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) قَالَ: فَأَوْجَبَ اللَّهُ لِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ، وَفِي قَتْلِ ذِي الْمِيثَاقِ الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ رَقَبَةٍ؛ إِذْ كَانَا مَعًا مَمْنُوعَيِ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَهْدِ وَالدَّارِ مَعًا، وَكَانَ الْمُؤْمِنُ فِي الدَّارِ غَيْرِ الْمَمْنُوعَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِالْإِيمَانِ، فَجُعِلَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ بِإِتْلَافِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهِ الدِّيَةَ وَهُوَ مَمْنُوعُ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ، فَلَمَّا كَانَ الْوِلْدَانُ وَالنِّسَاءُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا مَمْنُوعِينَ بِإِيمَانٍ وَلَا دَارٍ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَقْلٌ، وَلَا قَوْدَ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا مَأْثَمَ، وَلَا كَفَّارَةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَنَسْخِ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ فِي رَجَبٍ مَقْفَلَهُ مْنْ بَدْرٍ الْأُولَى، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ

стр. 216

يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِ فَيَمْضِي لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا يَسْتَكْرِهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا، فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ فَنَظَرَ فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ: إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ فَتَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعْلَمُ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي الْكِتَابِ، قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ: وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَبَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ، حَتَّى نَزَلُوا بِنَخْلَةٍ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأُدْمًا، وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةٍ قُرَيْشٍ فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمِنُوا وَقَالُوا: الْقَوْمُ عُمَّارٌ، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، وَتَشَاوُرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ، وَذَلِكَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَقَالَ الْقَوْمُ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمُ الْقَوْمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الْحَرَمَ فَلَيَمْتَنِعُنَّ بِهِ مِنْكُمْ، وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلُوهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَتَرَدَّدَ الْقَوْمُ وَهَابُوا الْإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُجِّعُوا عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيَّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَاسْتُأْسِرَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ مِنَ الْقَوْمِ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَ غَنِمْتُمُ الْخُمْسَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ الْخُمْسَ مِنَ الْمَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُمْسَ الْعِيرِ، وَقَسَّمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَ: مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَوَقَفَ الْعِيرُ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسْقِطَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ؛ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وَعَنَّفَهُمْ إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ وَأَخَذُوا فِيهِ الْمَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ. فَقَالَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانُوا بِمَكَّةَ: إِنَّمَا أَصَابُوا

стр. 217

مَا أَصَابُوا فِي شَعْبَانَ، قَالَتْ يَهُودُ - تَفَائَلَ بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَمْرٌو عَمَرَتِ الْحَرْبُ، الْحَضْرَمِيُّ حَضَرَتِ الْحَرْبُ، وَاقِدٌ وَقَدَتِ الْحَرْبُ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَبِهِمْ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٌ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) . أَيْ: قَدْ كَانُوا يُفْتِنُونَ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ حَتَّى يَرُدُّوهُ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَذَلِكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا؛ أَيْ: ثُمَّ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى أَخْبَثِ ذَلِكَ وَأَعْظَمِهِ، غَيْرُ تَائِبِينَ وَلَا نَازِعِينَ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الشَّفَقِ، قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فِدَاءَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَكَمِ بْنِ كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا نَفْدِيكُمُوهُمَا حَتَّى يَقْدُمَ صَاحِبَانَا: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ قَتَلْتُمُوهُمَا نَقْتُلُ صَاحِبَيْكُمْ، فَقَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، فَفَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ وَحَسَنُ إِسْلَامُهُ، وَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا. هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَوَاهُ مُنْقَطِعًا، فَإِنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الْمُسْنَدِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي الْمَغَازِي مُتَدَاوَلٌ بَيْنَ أَهْلِ السِّيرَةِ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ، وَهُوَ مِنْ جِيِّدِ مَرَاسِيلِ عُرْوَةَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَتَمُّ، وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْمُشْرِكِينَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَيْدَرَ الْإِمَامُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ - لَعَلَّهُ ابْنُ أَبِي

стр. 218

عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ مِنْهُ جُرْأَةً وَنَجْدَةً، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : جِئْتُ لِأَتْبَعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ. قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: لَا، فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ. قَالَتْ: ثُمَّ رَجَعَ، فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تُؤْمْنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَانْطَلِقْ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ: فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى مَنْعِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا يُعَارِضُهُ لَا يُوَازِيهِ فِي الصِّحَّةِ وَالثُّبُوتِ؛ فَتَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ لِهَذَا. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَغْزُوا مَعَهُ وَيَسْتَعِينَ بِهِمْ؛ وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ قِلَّةٌ وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ وَلَا يُخْشَى تَأَثُّرَهُمْ، فَمَتَى فُقِدَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ. قَالُوا: وَمَعَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعَانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَرَضَخَ لَهُمْ، وَاسْتَعَانَ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي قِتَالِ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَالُوا: وَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَى هَذَا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا. أَخْبَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ،

стр. 219

حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى إِذَا جَاوَزَ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ إِذَا هُوَ بِكَتِيبَةٍ خَشْنَاءَ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي سِتِّمِائَةٍ مِنْ مَوَالِيهِ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ قَالَ: وَقَدْ أَسْلَمُوا؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: مُرُوهُمْ فَلْيَرْجِعُوا فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ بَدْرٍ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: الَّذِي رَوَى مَالِكٌ كَمَا رَوَى رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْرِكًا أَوْ مُشْرِكِينَ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ، وَأَبَى أَنْ يَسْتَعِينَ إِلَّا بِمُسْلِمٍ، ثُمَّ اسْتَعَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِعَبْدٍ وَيَهُودَ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانُوا أَشِدَّاءَ. وَاسْتَعَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانٍ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَالرَّدُّ الْأَوَّلُ إِنْ كَانَ بِأَنَّ لَهُ الْخِيَارَ بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ وَأَنْ يَرُدَّهُ، كَمَا لَهُ رَدُّ مُسْلِمٍ مِنْ مَعْنَى يَخَافُهُ، أَوْ لِشِدَّةٍ بِهِ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ مُخَالِفًا لِلْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ رَدُّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ فَقَدْ نَسَخَهُ مَا بَعْدَهُ مِنِ اسْتِعَانَتِهِ بِالْمُشْرِكِينَ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا خَرَجُوا طَوْعًا، وَيُرْضَخُ لَهُمْ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ، وَلَا يَثْبُتُ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهُمْ. وَمِنْ كِتَابِ الْغَنَائِمِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ وَجَمَاعَةٌ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفُلُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ فَرِيضَةُ الْخُمْسِ فِي الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ تَرَكَ النَّفْلَ الَّذِي كَانَ يُنْفَلُ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ، وَسَهْمِ اللَّهِ وَسَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ . هَذَا مُنْقَطِعٌ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.

стр. 220

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي الْأَنْفَالِ فَقَالَ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " يَسْأَلُونَكَ الْأَنْفَالَ "، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْفُلُ مَا شَاءَ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ سِلَاحَ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ سَعْدٌ قَتَلَ الْعَاصِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: " (إِنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) " فَكَانَ يُؤْخَذُ الْمَغْنَمُ فَيُخْرَجُ خُمُسُهُ، فَيَنْفُلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمَهُ. وَالْإِمَامُ الْيَوْمَ لَهُ أَنْ يَنْفُلَ مِنْ سَهْمِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ مَا شَاءَ، وَإِنَّمَا هُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ لَيْسَ غَيْرُهُ. بَابُ أَخْذِ السَّلَبِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَاصِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا عِنْدَنَا هُوَ الْمَحْفُوظُ؛ قَتْلُ الْعَاصِ، قَالَ: وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ، وَكَانَ يُسَمَّى ذَا الْكَثِيفَةِ، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبْ بِهِ فَأَلْقِهِ فِي الْقَبْضِ، فَرَجَعْتُ وَبِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَتْلِ أَخِي، وَأَخْذِ سَلَبِي، فَمَا جَاوَزْتُ إِلَّا قَرِيبًا حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يُعْطَى السَّلَبَ إِذَا قَالَ إِنَّهُ قَتَلَهُ، وَلَا يُسْأَلُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ غَيْرُ هَذَا.

стр. 221

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: لَا يُعْطَى إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ، وَرَأَتِ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَنْسُوخًا؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَامَ حُنَيْنٍ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عُنُقِهِ، فَأَقْبَلَ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، وَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ قُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ، قَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُمْتُ فَقَلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: لَاهَا اللَّهِ؛ إِذًا لَا نَعْمَدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَنُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَأَعْطَانِي فَبِعْتُ الدِّرْعَ، وَابْتَعْتُ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَا تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ، اتَّفَقَتْ أَئِمَّةُ الصِّحَاحِ عَلَى إِخْرَاجِهِ. وَمِنْ كِتَابِ الْهُدْنَةِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ

стр. 222

بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ لَا يُرِيدُ قِتَالًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَتَبَ - يَعْنِي الصُّلْحَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو؛ اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَنِ النَّاسِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ فَلْيَدْخُلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، قَالَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ الْكِتَابَ هُوَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِذْ جَاءَهُ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ، قَدِ انْفَلَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلٌ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ يُلَبِّبُهُ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ وَجَبَتِ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَجَعَلَ يَبْتَزُّهُ وَيُلَبِّبُهُ وَيَجُرُّهُ؛ لِيَرُدَّهُ إِلَى قُرَيْشٍ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. هَذَا حَدِيثٌ طَوِيلٌ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، وَاقْتَصَرْنَا مِنْهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ؛ إِذْ فِيهِ الْغَرَضُ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الصُّلْحَ كَانَ

стр. 223

مَعْقُودًا بَيْنَهُمْ عَلَى رَدِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَصَارَ حُكْمُ النِّسَاءِ مَنْسُوخًا بِالْآيَةِ. أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَكْتُبُ كِتَابًا إِلَى ابْنِ هُنَيْدَةَ صَاحِبِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) إِلَى قَوْلِهِ: عَلِيمٌ حَكِيمٌ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 224

وَسَلَّمَ - كَانَ صَالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النِّسَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَى الْإِسْلَامِ أَبَى اللَّهُ أَنْ يُرْدَدْنَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ إِذَا امْتُحِنَ مِحْنَةَ الْإِسْلَامِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُنَّ إِنَّمَا جِئْنَ رَغْبَةً فِيهِ، وَأَمَرَ بَرَدِّ صَدَقَاتِهِنَّ إِلَيْهِنَّ إِذَا حُبِسْنَ عَنْهُمْ، إِنْ هُمْ رَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَدَاقَ مَنْ حُبِسُوا عَنْهُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ وَرَدَّ الرِّجَالَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ، كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ - وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ - إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَكِرَهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، وَأَبَى سُهَيْلٌ إِلَّا ذَلِكَ، فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَنْدَلٍ إِلَى أَبِيهِ سُهَيْلٍ، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَجَاءَ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٌ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَهِيَ عَاتِقٌ، فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُرْجِعَهَا فَلَمْ يُرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ إِلَى قَوْلِهِ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) . قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْبَلْخِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ جَاءَتْ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ) الْآيَةَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الصُّلْحِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ عَلَى رَدِّ الرِّجَالِ، وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ؛ يَعْنِي فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَعَلَى أَنْ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ - وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ - إِلَّا رَدَدْتَهُ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ الصُّلْحَ كَانَ مَعْقُودًا بَيْنَهُمْ عَلَى رَدِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَعًا؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَلَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا رَدَدْتَهُ، فَاشْتَمَلَ عُمُومُهُ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ ذَلِكَ بِالْآيَةِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَجَازَ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي حُكْمِ الدِّينِ فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ بَاطِلٌ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الْخَطَأِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ. بَابٌ فِي مَنْعِ الْإِمَامِ دَفْعَ السَّلَبِ إِلَى الْقَاتِلِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرَّ، وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَيْهِ فَأَخَذَ السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتَهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. قُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رُدَّ إِلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ، قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: دُونَكَ يَا خَالِدُ أَلَمْ أُفِ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَلِكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي أُمَرَائِي؛ لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَفْرِي مَعْنَاهُ: شِدَّةُ النِّكَايَةِ فِيهِمْ، يُقَالُ: يَفْرِي الْفَرَى، إِذَا كَانَ

стр. 225

يُبَالِغُ فِي الْأَمْرِ، وَقَوْلُهُ: لَأُعَرِّفَنَّكَهَا؛ أَيْ: لَأُجَازِيَنَّكَ بِهَا حَتَّى تَعْرِفَ صَنِيعَكَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَفِقْهُهُ أَنَّ السَّلَبَ مَا كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنَّهُ لِلْقَاتِلِ لَا يُخَمَّسُ، إِلَّا أَنَّهُ أَمَرَ خَالِدًا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِكْثَارِهِ إِيَّاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ رَدُّهُ إِلَى خَالِدٍ بَعْدَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِإِعْطَائِهِ الْقَاتِلَ نَوْعًا مِنَ النَّكِيرِ عَلَى عَوْفٍ وَرَدْعًا لَهُ وَزَجْرًا، لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا يَتَسَرَّعُونَ إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيهِمْ، وَكَانَ خَالِدٌ مُجْتَهِدًا فِي صَنِيعِهِ ذَلِكَ إِذْ كَانَ قَدِ اسْتَكْثَرَ السَّلَبَ، فَأَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْتِهَادَهُ لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ بَعْدَ أَنْ خَطَّأَهُ فِي رَأْيِهِ الْأَوَّلِ، فَالْأَمْرُ الْخَاصُّ مَغْمُورٌ بِالْعَامِّ، وَالْيَسِيرُ مِنَ الضَّرَرِ مُحْتَمَلٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ النَّفْعِ وَالصَّلَاحِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَوَّضَ الْمَدَدِيَّ مِنَ الْخُمْسِ الَّذِي هُوَ لَهُ، وَيُرْضِي خَالِدًا بِالنُّصْحِ لَهُ وَتَسْلِيمِ الْحُكْمِ لَهُ فِي السَّلَبِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَسْخَ الشَّيْءِ قَبْلَ الْفِعْلِ جَائِزٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِرَدِّ السَّلَبِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ نَسْخٌ لِحُكْمِهِ الْأَوَّلِ. بَابُ مُبَايَعَةِ النِّسَاءِ قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُبَايِعُ النِّسَاءَ؛ فَيَضَعُ ثَوْبًا عَلَى يَدِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، كُنَّ يَجِئْنَ النِّسَاءَ فَيَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَيْهِنَّ: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) فَإِذَا أَقْرَرْنَ، قَالَ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ. حَتَّى جَاءَتْ هِنْدٌ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ أُمُّ مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا قَالَ: (وَلَا يَزْنِينَ) قَالَتْ: أَوَتَزْنِي الْحُرَّةُ؟ لَقَدْ كُنَّا نَسْتَحِي مِنْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ، فَقَالَتْ: أَنْتَ قَتَلْتَ آبَاءَهُمْ، وَتُوصِينَا بِأَوْلَادِهِمْ؟ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَلَا يَسْرِقْنَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: فَرَخَّصَ لَهَا.

стр. 226

قُلْتُ: وَرَدَتْ فِي الْبَابِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ تُصَرِّحُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَافِحِ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُبَايِعُهُنَّ قَوْلًا، كَذَلِكَ هُوَ فِي حَدِيثِ أُمَيْمَةَ وَغَيْرِهَا. أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ لِنُبَايِعَهُ، فَقُلْنَ: نُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهُ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ. فَقُلْنَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِثْلَ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. وَحَدِيثُ الشَّعْبِيِّ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ مُنْقَطِعٌ، فَلَا يُقَاوِمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحِ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَمِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفِتْيَانِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّالَقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ التَّمِيمِيُّ بِدِمَشْقَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ بْنِ يَحْيَى الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلْقَمَةَ نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ جَنَادَةَ الْكِنَانِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَخِيهِ مَحْفُوظٍ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ، قَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْلِفُ زَمَنًا، فَيَقُولُ: لَا وَأَبِيكَ. حَتَّى نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَحْلِفُ أَحَدُكُمْ بِالْكَعْبَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إِشْرَاكٌ، وَلَيَقُلْ: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الشَّامِيِّينَ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَائِمِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ فِي الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ؛ نَحْوَ: مَا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 227

فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ السَّائِلِ عَنْ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ أَنَّهُ قَالَ: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْعُشْرَاءِ الدَّارِمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَأَبِيكَ، لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخْذِهَا لَأَجْزَاكَ، فَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثَ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ. وَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ. وَإِنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا حَلَفَ بِالنَّبِيِّ ﷺ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَتَعَلَّقَتِ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيِ الشَّهَادَةِ، فَالْحَلِفُ بِهِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، كَاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَجَمَاعَةٌ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ الْبَصَرِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ حَفْصٌ اللَّيْثِيُّ: أَشْهَدُ عَلَى عِمْرَانَ أَنَّهُ حَدَّثَنَا، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَعَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ الشُّرْبِ فِي الْحَنَاتِمِ. قُرِئَ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ بَدْرٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّوْطِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ حَفْصٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْحَنْتَمِ. قُلْتُ: الْحَنْتَمُ: الْجَرُّ الْأَخْضَرُ. أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: لَا تَشْرَبُوا فِي نَقِيرٍ، وَلَا مَقِيرٍ، وَلَا دُبَّاءٍ، وَلَا حَنْتَمٍ، وَلَا مَزَادَةٍ. قُلْتُ: النَّقِيرُ أَصْلُ النَّخْلَةِ؛ يُنْقَرُ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ ظَرْفٌ، وَالدُّبَّاءُ الْقَرْعُ، وَالْحَنْتَمُ ذَكَرْنَاهُ. وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ لِأَنَّ لَهَا ضَرَاوَةً يَشْتَدُّ فِيهَا النَّبِيذُ، وَلَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ صَاحِبُهَا،

стр. 228

فَيَكُونُ عَلَى غَرَرِ مَنْ شَرِبَهَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْخَطَرَ بَاقٍ، وَكَرِهُوا أَنْ يَنْبِذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْحَظْرَ كَانَ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ، ثُمَّ رُفِعَ الْحَظْرُ، وَصَارَ مَنْسُوخًا، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ صَحِيحَةٍ تُصَرِّحُ بِالنَّسْخِ، وَأَكْثَرُهَا نُصُوصٌ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ لِيَتَّسِعَ ذَوُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لَا طَوْلَ لَهُ، فَكُلُّوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا وَلَا تَحِلُّهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَمْلِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنِ الشُّرْبِ فِي الْأَوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ سِقَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا. جَوَّدَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ إِمَامٌ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبَانٍ أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، وَإِنَّ الْأَوْعِيَةَ لَا تَحِلُّ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمُ، فَاشْرَبُوا

стр. 229

وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا. وَأَنْكَرَ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ؛ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَى الظَّرُوفِ كُلِّهَا، وَقَالَ: كَانَ النَّهْيُ وَرَدَ عَنِ الظُّرُوفِ كُلِّهَا ثُمَّ نُسِخَ، مِنْهَا ظُرُوفُ الْأُدْمِ، وَمَا عَدَاهَا مِنَ الْمُزَفَّتِ وَالْحَنَاتِمِ وَغَيْرِهَا بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْحَظْرِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَوْعِيَةِ قَالُوا: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ. فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ. قَالُوا: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَرِّ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَقَالَ: انْتَبِذُوا فِي الْأَسْقِيَةِ. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَمَّ الْأَوْعِيَةَ كُلَّهَا؛ فَتَنَاوَلَ الْأَسْقِيَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الظُّرُوفِ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو وَفَصَّلَ بَيْنَ مَا هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْحَظْرِ، وَمَا هُوَ مَنْسُوخٌ؟ ! وَقَالَ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ الثَّانِي: لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ مُخْتَصِرًا عَلَى مَا سَمِعَهُ، وَغَيْرُهُ رَوَاهُ أَحْسَنَ سِياقًا مِنْهُ، وَأَتَمَّ مِنْ حَدِيثِهِ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى قَبُولِ الزِّيَادَةِ مِنَ الثِّقَاتِ، وَتَمَسَّكُوا بِأَحَادِيثَ: مِنْهَا مَا قُرِئَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَقِيهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا سِنَانٌ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ؛ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا وَيَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ: وَهُوَ أَنَّا نَقُولُ: دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ

стр. 230

كَانَ مُطْلَقًا عَلَى الظُّرُوفِ كُلِّهَا، وَدَلَّ بَعْضُهَا أَيْضًا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ رَخَصَّ فِيهَا، وَهُوَ أَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ إِلَيْهَا، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ظُرُوفِ الْأُدْمِ لَا غَيْرَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ أَنْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَجِدُ سِقَاءً، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الظُّرُوفِ كُلِّهَا؛ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، سِيَّمَا بَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي سُقْنَاهُ، وَبَيْنَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَمِنْ كِتَابِ اللِّبَاسِ لُ بْسُ الدِّيبَاجِ وَنَسْخِهِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُسْتَةَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جُبَّةً مِنْ سُنْدُسٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَلَبِسَهَا فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ. أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنِيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ وَادْعُهُ لِي. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ قِبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ. وَقَالَ غَيْرُ أَبِي خَالِدٍ: فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قِبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِذَهَبٍ. نَسْخُ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورْ شِيرَوَيْهِ بْنُ شَهْرَدَارَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ،

стр. 231

حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قِبَاءَ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَجَاءَ عُمَرُ يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهْتَ أَمْرًا فَأَعْطَيْتَنِيهُ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبِسَهُ إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ لِتَبِيعَهُ. فَبَاعَهُ عُمَرُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ، وَحَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ، كُلِّهِمْ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ الْقَيْسِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الثَّقَفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْتَ فِيهِ ثُمَّ نَزَعْتَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ لِبَاسِ الْمُتَّقِينَ. بَابُ إِبَاحَةِ لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَنَسْخِهَا أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو زَكْرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، قَالَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى الْبَرَاءِ خَاتِمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهِ. وَقَالَ: الْبِسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، سَمِعَهُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ ... رَأَى عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ خَاتِمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَعَلَى صُهَيْبٍ، وَعَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. نَسْخُ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،

стр. 232

أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ الْمَعْمَرِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابُهُ فَشَتْ خَوَاتِمَ الذَّهَبِ، فَرَمَى بِهِ، فَلَا نَدْرِي مَا فَعَلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِخَاتَمِ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ أَنْ يُنْقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ، وَفِي يَدِ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ، وَفِي يَدِ عُثْمَانَ سِتَّ سِنِينَ مِنْ عَمَلِهِ، فَلَمَّا كَثُرَتْ عَلَيْهِ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ، فَخَرَجَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى قَلِيبٍ لِعُثْمَانَ فَسَقَطَ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ، فَأَمَرَ بِخَاتَمٍ مِثْلِهِ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عِيسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ الْخَوَاتِيمَ، فَأَلْقَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَا أَلْبِسُهُ أَبَدًا. قَالَ: ثُمَّ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَدْخَلَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ حَتَّى هَلَكَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْإِمَامُ، أَبُو الْحُسَيْنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ إِلَى بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا. فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ، أَخْرَجَاهُ فِي كِتَابَيْهِمَا مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ. وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْبَرَاءِ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلُبْسُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ

стр. 233

لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَكَذَلِكَ الْعُذْرُ عَنْ طَلْحَةَ وَسَعْدٌ وَصُهَيْبٌ، فِي لُبْسِهِمْ خَوَاتِيمَ الذَّهَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. بَابٌ فِي تَعْلِيقِ السُّتُورِ ذَاتِ التَّصَاوِيرِ، وَالنَّهْيِ عَنْهَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَيْتِي ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَجَعَلْتُهُ إِلَى سَهْوَةٍ فِي الْبَيْتِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةَ أَخِّرِيهِ عَنِّي. فَنَزَعْتُهُ؛ فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ، وَيُرْوَى بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَبَحِّرِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْإِطَالَةِ لَذَكَرْتُهَا، وَإِنَّمَا اقْتَصَرْتُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى النَّسْخِ، وَاللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ، أَلَا تَرَى قَوْلَ عَائِشَةَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَيْهِ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ تَصَاوِيرُ، وَلَيْسَ عَائِدًا إِلَى السَّهْوَةِ، كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالَ: السَّهْوَةُ هِيَ الْمَكَانُ الضَّيِّقُ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى الْمَعْنَى، إِذِ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى يَفْتَقِرُ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا لَمْ يَكُنِ الْبَيْتُ كَبِيرًا بِحَيْثُ يَخْفَى مَكَانُ الثَّوْبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ: أَخِّرِيهِ عَنِّي مَا يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّهَا ذَكَرَتْهُ بِلَفْظِ " ثُمَّ " وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّرَاخِي وَالْمُهْلَةِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَأْذَنَ جِبْرَائِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ادْخُلْ. فَقَالَ: كَيْفَ أَدْخَلُ وَفِي بَيْتِكَ سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ؟ فَإِمَّا أَنْ تَقْطَعَ رُءُوسَهَا، أَوْ تَجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ؛ فَإِنَّا مَعْشَرُ الْمَلَائِكَةِ لَا نَدْخُلُ

стр. 234

بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ. بَابُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ نَسْخِهِ قُرِئَ عَلَى أَبِي زُرْعَةَ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَكَ مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ. ذِكْرُ سَبَبِ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّا اسْتَنْكَرْنَا نَفْسَكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَنِي أَنْ يَأْتِيَنِي، وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي. قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ جَرْوُ كَلْبٍ لَهُمْ تَحْتَ نَضْدٍ لَهُمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، وَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَأْتِيَنِي. فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ جَرْوَ كَلْبٍ كَانَ فِي الْبَيْتِ، وَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ. قَالَ مَعْمَرٌ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. كَذَا رَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا وَلَمْ يَضْبِطْ إِسْنَادَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، قَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْأَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنًّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي؛ أَمَا وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي. قَالَتْ: فَظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَأْمُرُ

стр. 235

بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَدَعُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنَ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ذِكْرُ نَسْخِ ذَلِكَ قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَجْمَعٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ؛ فَكُّنَا لَا نَدَعُ كَلْبًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ، حَتَّى إِنِ الْأَعْرَابِيَّةَ تُدْخِلُ كَلْبَهَا فَنَقْتُلُهُ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا: لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا؛ فَاقْتُلُوا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ - يَعْنِي ذَا النُّقْطَتَيْنِ الَّتِي بِحَاجِبَيْهِ - فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ، وَمَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ. قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَكِيلِ، أَخْبَرَكَ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَرَيْجٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ وَكَلْبُهَا فَتَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ. أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بُنْيَمَانَ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَهُمْ وَلَهَا؟ فَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَفِي كَلْبِ الْغَنَمِ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَرْزَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ،

стр. 236

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: انْطَلِقْ فَلَا تَدَعْ بِالْمَدِينَةِ كَلْبًا إِلَّا قَتَلْتَهُ. فَانْطَلَقَ فَلَمْ يَدَعْ فِي الْمَدِينَةِ كَلْبًا إِلَّا قَتَلَهُ، إِلَّا كَلْبًا لِعَجُوزٍ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخَبَّرَ النَّبِيَّ ﷺ : إِنَّا تَرَكْنَاهُ لِمَوْضِعِ الْعَجُوزِ يَحْرُسُهَا، قَالَ: ارْجِعْ فَاقْتُلْهُ. فَرَجَعْنَا فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، وَلَكِنِ اقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ؛ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ. بَابُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ وَتَرْكِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ؛ فَإِنَّهُمَا يُسْقِطَانِ الْحَبْلَ وَيَطْمِسَانِ الْبَصَرَ. فَرَآنِي زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو لُبَابَةَ وَأَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَهَا فَنَهَانِي، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهَا. فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ نَاصِرُ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَبْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَاكِنٍ الزِّنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَالْكِلَابَ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيُسْقِطَانِ الْحَبَالَى قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَنَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ سَالِمٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَلَبِثْتُ لَا أَتْرُكُ حَيَّةً أَرَاهَا إِلَّا قَتَلْتُهَا، فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً يَوْمًا مِنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ حَتَّى رَآهَا أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ،

стр. 237

وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَا: إِنَّهُ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ. ذِكْرُ سَبَبِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ شَهْرَدَارُ بْنُ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: وَجَدَ رَجُلٌ فِي مَنْزِلِهِ حَيَّةً فَأَخَذَ رُمْحَهُ فَشَكَّهَا فَلَمْ تَمُتِ الْحَيَّةُ حَتَّى مَاتَ الرَّجُلُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ مَعَكُمْ عَوَامِرَ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَصْلِهِ الْعَتِيقِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَيْفِيٍّ هُوَ مَوْلَى ابْنِ أَفْلَحَ، أَخْبَرَنِي أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ أَجْلِسَ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتْ: نَعَمْ. قَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ وَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ. فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ قَائِمَةٌ فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي فَدَخَلَ، فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَّزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتِ الْحَيَّةُ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعُ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى؟ قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ

стр. 238

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا. فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ. بَابُ النَّهْيِ عَنِ الرُّقَى وَنَسْخِهِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ابْنِ بِنْتِ أَزْهَرَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ مِمَّا حَفِظْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتَّوْلَةَ شِرْكٌ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا التَّوْلَةُ؟ قَالَ: التَّهَيُّجُ. هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَالْمَوْقُوفُ أَحْفَظُ، كَذَلِكَ يَرْوِيهِ الْأَعْلَامُ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَهَى عَنِ الرُّقَى مُطْلَقًا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ خَالِي مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ يَرْقِي مِنَ الْحَيَّةِ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَإِنِّي كُنْتُ أَرْقِي مِنَ الْحَيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى، وَكَانَ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ رُقْيَةٌ يَرْقُونَ بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَكَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ فَقَالَ: فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَى

стр. 239

بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ مِنْكُمْ فَلْيَنْفَعْهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ مُطْلَقِ الرُّقَى، بَلْ قَدْ نَهَى عَنْ رُقًى مَخْصُوصَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَأَى مَعَهُمْ رُقًى يُخَالِطُهَا الشِّرْكُ، فَنَهَى عَنْ تِلْكَ الرُّقَى، وَأَمَّا مَا كَانَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَكُنْ قَدْ نَهَى عَنْهَا، يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَثَرُ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمُطَرِّزُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَرْقَوْنَ رُقًى يُخَالِطُهَا الشِّرْكُ، فَنَهَى عَنِ الرُّقَى، فَلُدِغَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لَدْغَتْهُ حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مِنْ رَاقٍ يَرْقِيهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: إِنِّي كُنْتُ أَرْقِي بَرُقْيَةٍ، فَلَمَّا نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى تَرَكْتُهَا. قَالَ: فَاعْرِضْهَا عَلَيَّ. فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا، فَأَمَرَهُ فَرَقَاهُ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ - هُوَ الْجَزَرِيُّ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الرُّقَى حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَتِ الرُّقَى فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِ الشِّرْكِ، فَانْتَهَى النَّاسُ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَيَّةٌ، فَقَالَ: الْتَمِسُوا رَاقِيَهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ آلُ حَزْمٍ يَرْقُونَ مِنْهَا حَتَّى نَهَيْتَ عَنْهَا، فَقَالَ: ادْعُوَا لِي عُمَارَةَ بْنَ حَزْمٍ. فَقَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ رُقْيَتَكَ. فَعَرَضَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ بَأْسًا، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَقَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: مَا لِي أَرَى بَنِي أَخِي ضَارِعَةً أَتُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَكِنَّ الْعَيْنَ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ؛ أَفَأَرْقِيهِمْ؟ فَقَالَ: بِمَاذَا؟ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ

стр. 240

كَلَامًا لَا بَأْسَ بِهِ، فَقَالَ: ارْقِيهِمْ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: عَرَضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رُقَيَّةً كُنْتُ أَرْقِي بِهَا الْمَجَانِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: اطْرَحْ مِنْهَا كَذَا، وَاطْرَحْ مِنْهَا كَذَا، وَارْقِ مِنْهَا بِكَذَا. فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ النَّهْيَ تَنَاوَلَ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الشِّرْكِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ؛ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ سَدْلِ الشَّعْرِ وَنَسْخِهِ بِالْفَرْقِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَريُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسْدِلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ شُعُورَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَدَ أَهْلَ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ الشَّعْرَ، وَوَجَدَ الْمُشْرِكِينَ يَفْرُقُونَ، وَكَانَ إِذَا شَكَّ فِي أَمْرٍ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ صَنَعَ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْكِتَابِ فَسَدَلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْفَرْقِ فَفَرَقَ، فَكَانَ الْفَرْقُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ مُرْسَلًا. وَكَانَ مَعْمَرٌ يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ فَتَارَةً كَانَ يَرْوِيهِ مُتَّصِلًا، وَمَرَّةً كَانَ

стр. 241

مُنْقَطِعًا، وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُتَّصِلًا، كَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُهُ الثِّقَاتُ. بَابُ النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ ثُمَّ الْإِذْنِ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِي عَفْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَمَّامِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِالْمَآزِرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ. لَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَبُو عَفْرَةَ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَأَحَادِيثُ الْحَمَّامِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِيهَا عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَيْنِ وَنَسْخِ ذَلِكَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى وَبُنْدَارٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ، فَكُنَّا نَأْكُلُ التَّمْرَ فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْإِقْرَانِ؛ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. قَالَ شُعْبَةُ: لَا أَرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ؛ يَعْنِي الِاسْتِئْذَانَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ طُرُقٌ مُخَرَّجَةٌ فِي الصِّحَاحِ، وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْعَيْشُ زَهِيدًا، وَالْقُوتُ مُتَعَذِّرًا مُرَاعَاةً لِجَانِبِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَحَثَّنَا عَلَى الْإِيثَارِ وَالْمُوَاسَاةِ، وَرَغْبَةً فِي تَعَاطِي أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ وَالِاشْتِرَاكِ، فَلَمَّا وَسَّعَ اللَّهُ الْخَيْرَ، وَعَمَّ الْعَيْشُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ قَالَ:

стр. 242

فَشَأْنُكُمْ إِذًا. ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ الْعَطَّارُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْإِقْرَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ الْخَيْرَ فَاقْرِنُوا. الْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ مِنَ الثَّانِي، غَيْرَ أَنَّ الْخَطْبَ فِي هَذَا الْبَابِ يَسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ وَالتَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الثَّانِي، ثُمَّ يُشَيِّدُهُ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يُقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي الْمُنْذِرِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ؛ وَلَكِنْ لِيَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ. ذِكْرُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ - أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا - أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى رَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقُلْتُ:

стр. 243

مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ الْيَهُودُ. فَقُلْتُ: فَإِنَّكُمْ لَأَنْتَمُ الْقَوْمُ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قَالُوا: وَأَنْتُمُ الْقَوْمُ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ. ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى رَهْطٍ مِنَ النَّصَارَى فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ النَّصَارَى. فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لَأَنْتَمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. فَقَالُوا: وَأَنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ، ثُمَّ أَخْبَرْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ الْكَلِمَةَ كَانَ يَمْنَعُنِي الْحَيَاءُ مِنْكُمْ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ. تَابَعَهُ: شُعْبَةُ، وَزَائِدَةُ، وَنَفَرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ عَنْهُ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنً أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبَّاسِ بْنِ يَزِيدَ الْبَصْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: لَقِيَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّا مُشْرِكُونَ وَأَنْتُمْ مُشْرِكُونَ؛ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُهَا؛ فَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُعْبَةَ قَوْلٌ آخَرُ خِلَافُ الْأَوَّلِ. وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ أَبُو الشَّيْخِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتِ الْيَهُودُ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ لَوْلَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ. فَقَالَ ﷺ : لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي الْمُنْذِرِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ

стр. 244

بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ؛ قَالَ: تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَعْرِفُهَا لَكُمْ؛ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ مَا شَاءَ مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَسُكُوتُهُ ﷺ إِذْنٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى نَهَاهُمْ فَانْتَهَوْا، وَقَدْ يَشْكُلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الْوَافِدِ الَّذِي قَدِمَ وَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ؛ هَلَّا قُلْتَ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ إِذْ جَوَّزَ لَهُ مَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ كَانَ مَذْكُورًا بِحَرْفِ الْوَاوِ، وَهِيَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مَعَ التَّرَاخِي، وَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْدِلَ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ إِلَى وَاوِ الْعَطْفِ، وَقَدْ بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ ﵁ ذَلِكَ بَيْانًا شَافِيًا. أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفُتُوحِ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: الْمَشِيئَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ؛ قَالَ اللَّهُ : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَأَعْلَمَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُمْ لَا تَكُونُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَيُقَالُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ. وَلَا يُقَالُ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. قَالَ: وَيُقَالُ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَ الْعِبَادَ بِأَنْ فَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أُطِيعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ أُطِيعُ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .