Полный текст (244 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كِتَابُ النِّكَاحِ
نِكَاحُ الْمُتْعَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنِي مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَخْتَصِيَ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ إِلَى أَجَلٍ بِالشَّيْءِ.
هَذَا طَرِيقٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ كَانَ مُبَاحًا مَشْرُوعًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَإِنَّمَا كَانَ
ذَلِكَ يَكُونُ فِي أَسْفَارِهِمْ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَهُ لَهُمْ وَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ، وَلِهَذَا نَهَاهُمْ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ أَبَاحَهُ لَهُمْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ ﷺ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ لَا تَأْقِيتٍ، فَلَمْ يَبْقَ الْيَوْمَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَئِمَّةِ الْأُمَّةِ، إِلَّا شَيْئًا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ.
وَيُرْوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ جَوَازَهُ.
وَسَنَذْكُرُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَاهُ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنَ أَبِي عِيسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ - يُقَالُ لَهُ: الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ -: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
стр. 177
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ إِيَاسَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَلَمَّا أُنْزِلَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ نُسِخَتْ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ الْكُوفِيُّونَ مِنْ طُرُقٍ، وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُنْكَرَ، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَسَنٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَافِي حَدِيثَ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لَمَّا ذَكَرْنَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِدَّةَ مِرَارٍ، غَيْرَ أَنَّ النَّهْيَ الْأَخِيرَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ عَامَ أَوْطَاسٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا.
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ،
стр. 178
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُتْعَةُ النِّسَاءِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقْدُمُ بِسِلْعَتِهِ الْبَلَدَ لَيْسَ لَهُ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَضُمُّ إِلَيْهِ مَتَاعَهُ، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ إِلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَقَدْ كَانَتْ تُقْرَأُ: " فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ - إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى - فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ " الْآيَةَ، حَتَّى نَزَلَتْ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) فَتُرِكَتِ الْمُتْعَةُ، وَكَانَ الْإِحْصَانُ إِذَا شَاءَ طَلَّقَ،
وَإِذَا شَاءَ أَمْسَكَ، وَيَتَوَارَثَانِ، وَلَيْسَ لَهُمَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... .
هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَوْلَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ الرَّبَذِيُّ كَانَ يَسْكُنُ الرَّبَذَةَ.
ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزْوِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ جِئْنَ نِسْوَةً، فَذَكَرْنَا تَمَتُّعَنَا وَهُنَّ يَجُلْنَ فِي رِحَالِنَا، أَوْ قَالَ: يَطُفْنَ فِي رِحَالِنَا، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهِنَّ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسْوَةٌ تَمَتَّعْنَا مِنْهُنَّ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجَنَتَاهُ، وَتَمَعَّرَ لَوْنُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، فَقَامَ فِينَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، فَتَوَادَعْنَا يَوْمَئِذٍ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَلَمْ نَعُدْ، وَلَا نَعُودُ لَهَا أَبَدًا، فَبِهَا سُمِّيَتْ يَوْمَئِذٍ ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا
قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنِ الْمُتْعَةِ.
وَأَمَّا مَا يُحْكَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ فِي إِبَاحَتِهِ لِلْمُضْطَرِّينَ بِطُولِ الْغُرْبَةِ
стр. 179
وَقِلَّةِ الْيَسَارِ وَالْجَدَّةِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنْهُ، وَأَمْسَكَ عَنِ الْفَتْوَى بِهِ، وَيُوشَكُ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ رُجُوعِهِ عَنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ وَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْهُ، وَنَذْكُرُ رِوَايَةً أُخْرَى تَدُلُّ عَلَيْهِ:
قُرِئَ عَلَى أَبِي الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ السِّمَاكِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامِ السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ... قُلْتُ لِابْنِ الْعَبَّاسِ: هَلْ تَدْرِي مَا صَنَعْتَ وَبِمَا أَفْتَيْتَ، قَدْ سَارَتْ بِفُتْيَاكَ الرُّكْبَانُ، وَقَالَتْ فِيهِ الشُّعَرَاءُ؟ قَالَ: وَمَا قُلْتُ؟ قُلْتَ: قَالُوا:
قَدْ قُلْتَ لِلشَّيْخِ لَمَّا طَالَ مَجْلِسُهُ يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ لَكَ فِي رَخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٍ تَكُونُ مَثْوَاكَ حَتَّى يَصْدُرَ النَّاسُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ مَا بِهَذَا أَفْتَيْتُ، وَلَا أَرَدْتُ وَلَا أَحْلَلْتُ إِلَّا مِثْلَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَلَا تَحِلُّ إِلَّا لِلْمُضْطَرِّ، وَمَا هِيَ إِلَّا كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّهُ سَلَكَ فِيهِ مَذْهَبَ الْقِيَاسِ، وَشَبَّهَهُ بِالْمُضْطَرِّ إِلَى الطَّعَامِ الَّذِي بِهِ قِوَامُ الْأَنْفُسِ وَبِعَدَمِهِ يَكُونُ التَّلَفُ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَمُصَابَرَتِهَا مُمْكِنَةٌ، وَقَدْ تُحْسَمُ مَادَّتُهَا بِالصَّوْمِ وَالْعِلَاجِ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فِي حُكْمِ الضَّرُورَةِ كَالْآخَرِ.
كِتَابُ الْعِشْرَةِ
بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، ثُمَّ الْإِذْنِ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَازِنِ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمَدَنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ،
стр. 180
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُنْذَ نَهَيْتَ عَنْ ضَرْبِهِنَّ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوا، قَالَ: فَأَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلَّهُنَّ تَشْكِي زَوْجَهَا وَلَا تَجِدُونَ أُولَاءَكُمْ خِيَارَكُمْ.
وَقَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ إِيَاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُنْذُ نَهَيْتَ عَنْ ضَرْبِهِنَّ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوا، قَالَ: فَأَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَشْكُوَ زَوْجَهَا، وَلَا تَجِدُوا أُولَئِكَ خِيَارُكُمْ
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ وَجَمَاعَةٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُنَّ قَدْ فَسَدْنَ قَالَ: اضْرِبُوهُنَّ، وَلَا يَضْرِبُ إِلَّا شِرَارُكُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كَانَ قَدْ نَهَى الرِّجَالَ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، ثُمَّ شَكَاهُنَّ الرِّجَالُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ضَرْبِهِنَّ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ قَدْ ضُرِبَتْ، مَا أُحِبُّ أَنْ أَرَى الرَّجُل
стр. 181
َ
ثَائِرًا، تَرْفُضُ عَصَبُ رَقَبَتِهِ عَلَى مَرِيَّتِهِ، هَذَا وَمَا قَبْلُهُ مُرْسَلٌ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ ضَرْبِهِنَّ فِي حَالَةٍ غَيْرِ حَالَةِ النُّشُوزِ؛ لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ دَلَّ عَلَى جَوَازِ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ إِذَا نَشَزَتْ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ ذَئِرَ النِّسَاءُ، أَيْ: تَجَرَّأْنَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلِقَدْ أَتَانَا عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهُمْ ... ذَئِرُوا لِقَتْلِي عَامِرًا وَتَغَضَّبُوا
أَيْ: تَجَرَّءُوا، وَعَلَى الْجُمْلَةِ وَقَعَ الْإِذْنُ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْجُرْأَةَ مِنْ مَبَادِئِ النُّشُوزِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ
ذِكْرُ مَا كَانَ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَنَسْخُ ذَلِكَ
أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ لَهُ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إِذَا شَارَفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ارْتَجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَقَالَ: وَاللَّهِ وَلَا آوِيكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) ، فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا يَوْمَئِذٍ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ... ، حَتَّى وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَدَلَّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ عَلَى نَقِيضِهِ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مُفَسِّرَةً لِلْكِتَابِ مُبِينَةً رَفْعَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
стр. 182
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي؛ فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا؛ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ.
وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا نَاصِرُ بْنُ مَهْدِيِّ بْنِ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَبْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَاكِنٍ الزَّنْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُلْوَانِيُّ، قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَدْنَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَهَّرِ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ الزَّبِيرِ بْنِ بَاطَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ الْهُدْبَةِ، وَأَشَارَتْ إِلَى هُدْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ.
قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِبَابِ
الْحُجْرَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَزْجُرَ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ، وَهَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى وَطْءِ الزَّوْجِ، وَحُكِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ نَفَرٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: عُسَيْلَتُهُ هِيَ تَصْغِيرُ الْعَسَلِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْهَاءَ إِنَّمَا أُثْبِتَتْ فِيهَا عَلَى نِيَّةِ اللَّذَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْعَسَلَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
وَكَانَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يَقُولُ: فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَاقَعَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ وَمُغْمًى عَلَيْهَا لَا تُحِسُّ بِاللَّذَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَذُقِ الْعُسَيْلَةَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَوَاقُهَا بِأَنْ تُحِسَّ بِاللَّذَّةِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ
стр. 183
ابْنُ الزَّبِيرِ، بِفَتْحِ الزَّايِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ.
وَمِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ
ذِكْرُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهَا
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَوَّلُ امْرَأَةٍ اعْتَدَّتْ مِنْ زَوْجِهَا وَحَدَّتْ عَلَيْهِ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، لَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا حَنْظَلَةُ بْنُ عَامِرٍ بِأُحُدٍ، سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اعْتَدِّي فِي بَيْتِكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَأَمَرَهَا بِاجْتِنَابِ الطِّيبِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ النِّسَاءُ اللَّاتِي قُتِلَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأُحُدٍ، وَشَكَا نِسَاءُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْوَحْشَةَ فِي دُورِهِنَّ؛ لِفَقْدِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، فَأَمَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَحَدَّثْنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ حَتَّى يَرِدْنَ النَّوْمَ، فَتَرْجِعُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى بَيْتِهَا.
هَذَا السَّنَدُ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ وَشَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ السَّبْرِيُّ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي مَسْكَنِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَخُرُوجُهَا مِنُهُ:
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا بَأْسَ بِانْتِقَالِهَا مِنْ مَسْكَنِهَا
إِلَى مَسْكَنٍ آخَرَ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
قُلْتُ: الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، إِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ إِذْنُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ نَهَارًا إِلَى حَالَةِ النَّوْمِ، وَالنِّزَاعُ فِي الِانْتِقَالِ، لَا فِي التَّرَدُّدِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهَا لِلْحَاجَةِ، وَعَلَى هَذَا الْمَسَاقِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَصِيرِ فِيهِ إِلَى النَّسْخِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ فِي حَدِيثِ
стр. 184
فُرَيْعَةَ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَسْكَنِهَا، وَلَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَجَوَّزَ هَؤُلَاءِ خُرُوجَهَا نَهَارًا لِلْحَاجَةِ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَذِنَ لَهُنَّ فِي الِانْتِقَالِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ.
دَلِيلُ ذَلِكَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَافِظِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ، عَنِ الْفَارِعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْلَاجٍ وَكَانَتْ فِي دَارٍ قَاصِيَةٍ، فَجَاءَتْ وَمَعَهَا أَخَوَاهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ فَرَخَّصَ لَهَا حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ دَعَاهَا، فَقَالَ: اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
وَأَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ اللَّهُ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) الْآيَةَ، وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِفُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وَكَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَامِلٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ، أَوْ كَبِيرَةً قَدْ بَلَغَتْ.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَقَامِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فِي مَسْكَنِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَخُرُوجُهَا مِنْهُ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهَا أَنْ تَبِيتَ فِي مَنْزِلِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، هَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
стр. 185
وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ،
وَأَحْمَدَ، وَالنُّعْمَانِ، وَقَدْ رُوِّينَا أَخْبَارًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ تَدَلُّ عَلَى مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ هُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي.
أَخْبَرْنَاهُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) .
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ زَوْجَهَا قُتِلَ عِنْدَ طَرَفِ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: الْقَدُومُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْتَأْذِنُهُ فِي الِانْتِقَالِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ: وَكَانَتْ فِي مَسْكَنٍ لَيْسَ لِزَوْجِهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَكَتْ إِلَيْهِ قِلَّةَ النَّفَقَةِ، قَالُوا: فَأَذِنَ لَهَا، فَلَمَّا أَدْبَرَتْ دَعَاهَا فَقَالَ: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. فَفَعَلَتْ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ: ثُمَّ سَأَلَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَنْ شَأَنِهَا هَذَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : حَتَّى يُبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ بَعْدَ إِذْنِهِ لَهَا فِي الِانْتِقَالِ إِلَى أَهْلِهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 186
وَمِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عِيسَى، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ: أَنْ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ تَبَنَّى سِالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَوَرِثَ مَالَهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) إِلَى قَوْلِهِ (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ أَبًا كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ ثُمَّ الْعَامِرِيِّ، وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، وَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَرَانِي فَضْلًا، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْضِعِيهِ. فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضْعَاتٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضْعَاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ مِنَ الْمَهْدِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ.
هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ دَارِ الْهِجْرَةِ، وَلَهُ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ طُرُقٌ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ:
مِنْهَا عِدَّةُ أَحْكَامٍ مِنْ مَفَارِيدِ الْمَدَنِيِّينَ.
وَأَمَّا مُدَّةُ الرَّضَاعَةِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالرَّضَاعِ فِيهَا التَّحْرِيمُ فَاخْتُلِفَ فِيهَا:
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهَا حَوْلَانِ، وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ
стр. 187
وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) قَالُوا: فَدَلَّ أَنَّ مُدَّةَ الْحَوْلَيْنِ إِذَا انْقَضَتْ فَقَدِ انْقَطَعَ حُكْمُهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا زَادَ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى: إِنْ زَادَ شَهْرٌ جَازَ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا: إِنْ زَادَ شَهْرَانِ جَازَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْرُمُ الرَّضَاعُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا.
وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ: ثَلَاثُ سِنِينَ.
وَمَذْهَبُ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَبَدًا، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ.
وَخَالَفَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ كَافَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ حَمَلَ أَصْحَابُنَا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِمَّا عَلَى النَّسْخِ، وَلَمْ يَرَوُا الْعَمَلَ بِهِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ هُوَ الْخَمْسُ، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْعَمَلَ بِبَاقِي الْحَدِيثِ وَذَلِكَ سَائِغٌ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْخَبَرَ يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ رَضَاعُ الْكَبِيرِ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى الْخَمْسِ، فَإِذَا جَرَى النَّسْخُ فِي أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى، لَمْ يُوجِبْ نَسْخُ الْآخَرِ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَنْسُوخٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قِصَّةَ سَالِمٍ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّهَا جَرَتْ عُقَيْبَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَالْحُكْمُ الثَّانِي رَوَاهُ أَحْدَاثُ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٌ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمْ نَحْوُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ لَا خَفَاءَ بِهِ.
ذِكْرُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَى الْقَائِلِينَ بِالنَّسْخِ قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَكَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دُبَيْسٍ، وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ بُرْدٍ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ:
стр. 188
لَمْ يُسْنِدْهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرُ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَدَّثَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ، وَلَا يَحْرُمُ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ مِنَ اللَّبَنِ.
هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى اقْتَصَرْنَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَهُوَ جَيِّدٌ فِي التَّمَسُّكِ بِهِ.
وَمِنْ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ
قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ
حَدِيثٌ لِابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ مُرْسَلٌ - تَفْسِيرٌ لِابْنِ وَهْبٍ - قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ - اخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ - ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى النَّسْخِ - شَوَاهِدُ لِمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - حَدِيثُ الْفَتْحِ إِسْنَادُهُ وَاهٍ - حَدِيثٌ لِعَلِيٍّ بِعَدَمِ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِكَافِرٍ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَاجِيَةَ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَ مُعَاهَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَبِيعَةِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، يَرْفَعُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَادَ مُسْلِمًا قَتَلَ يَهُودِيًّا، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِي.
رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، فَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ
стр. 189
حَجَّاجًا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَقَدِ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى رِوَايَتِهِ مُنْقَطِعًا، وَقَدْ خَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى فِي ذَلِكَ، فَرَوَاهُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَلَيْسَ ابْنُ أَبِي يَحْيَى مِمَّنْ يُفْرَحُ بِحَدِيثِهِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
وَالصَّوَابُ عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ مُرْسَلًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ إِذَا وَصَلَ الْحَدِيثَ، فَكَيْفَ بِمَا يُرْسِلُهُ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ:
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ خَاصَّةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ، وَقَالُوا: لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ وَصَحِيحَةٍ.
وَرُوِّينَا نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَمِنَ الْكُوفِيِّينَ: الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَمَعَهُمْ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْخُرَاسَانِيِّينَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ فِي خُطْبَتِهِ - زَمَنُ الْفَتْحِ -: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَحَادِيثَ شَوَاهِدَ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّفَّارِ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ مَالِكٍ الْأَشْتَرِ، قَالَ: ... أَتَيْتُ عَلِيًّا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ سَمِعْنَا أَشْيَاءَ، فَهَلْ عَهِدَ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فِي عِلَاقَةِ سَوْطِي، فَدَعَا الْجَارِيَةَ فَجَاءَتْ بِهَا، قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا أُحَرِّمُ
стр. 190
الْمَدِينَةَ، فَهِيَ حَرَامٌ مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا، أَنْ لَا يُعْضَدَ شَوْكُهَا وَلَا يُنَفَّرَ صَيْدُهَا، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَالْمُؤْمِنِينَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ
أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ.
قَالَ حَجَّاجٌ: وَحَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مَنْطِقُهُمَا فِي الشَّيْءِ، فَأَمَّا الْمَعْنَى فَوَاحِدٌ.
وَقَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَاصِحٍ، حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ خُرَيْبِقِ بِنْتِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَتَلَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ بَعْدَ مَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقَتْلِ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ لَقَتَلْتُ خِرَاشًا بِالْهُذَلِيِّ.
يَعْنِي لَمَّا قَتَلَ خِرَاشٌ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
هَذَا الْإِسْنَادُ، وَإِنْ كَانَ وَاهِيًا، فَهُوَ أَمْثَلُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْفَتْحِ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ ثَابِتٌ، وَلِاشْتِهَارِهِ وَطُولِهِ وَكَثْرَةِ رُوَاتِهِ يُوجَدُ فِيهِ تَغَايُرُ أَلْفَاظٍ، وَزِيَادَاتُ مَعَانٍ وَأَحْكَامٍ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ وَهَنًا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ مَحْفُوظٌ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ الْأَشْتَرِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ غَرَابَةٌ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي سُقْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْحَدِيثِ مَحْفُوظًا لَا يُبَالِي بِغَرَابَةِ السَّنَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ فِيمَا رَدَّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: ... سَأَلْتُ عَلِيًّا ﵁ فَقُلْتُ: عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ؛ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ. فَقُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ... .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَهَذَا ثَابِتٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَنَا، غَيْرَ أَنَّنَا تَأَوَّلَنْا
стр. 191
فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَنِيَ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالَ: قَالَ فِيهِ " وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ ". قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ قَالَ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ " فَإِنَّمَا قَالَهُ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ، إِذْ يَسْقُطُ الْقَوْدُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُ مَنْ لَهُ عَهْدٌ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَاسْتَشْهَدَ فِي حَمْلِ قَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ عَلَى الظَّاهِرِ كَقَوْلِهِ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، ثُمَّ نَاقَضَهُ بِالْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْمُسْتَأْمِنَ وَلَهُ عَهْدٌ، ثُمَّ لَا يَقْتُلُهُ بِهِ قَالَ: فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: حَدِيثُنَا مُتَّصِلٌ، وَحَدِيثُ ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ مُنْقَطِعٌ وَخَطَأٌ، إِنَّمَا رَوَى ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ فِيمَا بَلَغَنِي ... أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ قَتَلَ كَافِرًا كَانَ لَهُ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ، كَانَ الْمَقْتُولُ رَسُولًا فَقَتَلَهُ بِهِ، ... فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا كُنْتَ أَنْتَ خَالَفْتَ الْحَدِيثَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالَّذِي قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ قَبْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ، وَخُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَامَ الْفَتْحِ، وَلَوْ كَانَ
كَمَا تَقُولُ كَانَ مَنْسُوخًا، قَالَ: فَلِمَ لَمْ تَقُلْ هُوَ مَنْسُوخٌ، قُلْتُ: هُوَ خَطَأٌ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلْتُ: عَاشَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ دَهْرًا، وَأَنْتَ إِنَّمَا تَأْخُذُ الْعِلْمَ مِنْ بَعْدُ لَيْسَ لَكَ بِهِ مِثْلُ مَعْرِفَةِ أَصْحَابِنَا، وَعَمْرُو قَتَلَ اثْنَيْنِ وَدَاهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَزِدْ عَمْرًا عَلَى أَنْ قَالَ: قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ لَهُمَا مِنِّي عَهْدٌ لَأُدِينَهُمَا. وَذَكَرَ تَمَامَ الْكَلَامِ.
بَابٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْقَصَاصِ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ، وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَمْلِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَيَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا جُرِحَ؛ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِيدَ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْتَقَادَ مِنَ الْجَارِحِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: نَهَى
стр. 192
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ.
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُسْتَأْنَى بِالْجِرَاحَاتِ سَنَةً
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ قَوِيَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ:
فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَرَأَوْا أَنْ يَنْتَظِرَ بِالْجُرْحِ إِلَى أَوَانِ الْبُرْءِ؛ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالُوا: لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقَصَاصَ فِي الطَّرَفِ حَالَةَ الْقَطْعِ، وَلَا يَنْتَظِرُ أَوَانَ الْبُرْءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ أَخْبَرَنِيهِ أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رِجْلِهِ، فَجَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي. فَقَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ. قَالَ: أَقِدْنِي. قَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ. قَالَ
أَقِدْنِي. فَأَقَادَهُ، ثُمَّ عَرَجَ، فَجَاءَ الْمُسْتَقِيدُ فَقَالَ: حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا حَقَّ لَكَ.
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ: فَرَوَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُرْسَلًا، وَخَالَفَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، فَرَوَيَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ مَوْصُولًا، وَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْطَأَ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَالْمُرْسَلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، كَذَلِكَ يَقُولُهُ أَصْحَابُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَظِرْ إِلَى أَوَانِ الْبُرْءِ بَلْ أَقَادَهُ فِي الْحَالِ، يُقَالُ عَلَى هَذَا: الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ سَائِغٍ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 193
بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ، وَإِنَّمَا أَقَادَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ حَسْبُ، وَلَمْ يَقَدْ بَعْدَ ذَلِكَ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَمْلِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بِمِصْرَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ، حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتَيْهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقِدْنِي. قَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ. ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتِنِي؛ فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَلَ عَرَجُكَ. ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ.
هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، فَإِنْ صَحَّ سَمَاعُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ يَقْوَى الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِمَنْ يَرَى الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مَنْسُوخًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابٌ فِي الْقَوْدِ بِالنَّارِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ زِيَادًا أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ أَخْبَرَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ وَرَهْطًا مَعَهُ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُمُوهُ فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ. قَالَ: فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْقَوْمِ إِذَا بَعْضُ رُسُلِهِ فِي آثَارِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُمُوهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ؛ فَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ رَبُّ النَّارِ.
حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَدَنِيُّ حَسَنُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدِيثَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ،
стр. 194
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى مَنْعِ الْإِحْرَاقِ فِي الْحُدُودِ، وَقَالُوا: يُقْتَلُ
بِالسَّيْفِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَمِنَ الْحِجَازِيِّينَ عَطَاءٌ، وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَقَالُوا: هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ فِي النَّسْخِ، وَتُشَيِّدُهُ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي الْبَابِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ... أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَكُنْتُ أَقْتُلُهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا ﵁ فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، قَالُوا: وَاسْتِعْجَابُ عَلِيٍّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهُ النَّسْخُ، وَحَيْثُ بَلَغَهُ قَالَ بِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ، وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ إِلَى مَذْهَبِ عَلِيٍّ ﵁ وَقَالَتْ أَيْضًا طَائِفَةٌ فِيمَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِالنَّارِ وَأَحْرَقَهُ بِهَا: إِنَّ الْقَاتِلَ يُحْرَقُ أَيْضًا بِالنَّارِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَرَوَى مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ: الشَّعْبِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ،
قَالَ: فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، فَوَلَّيْتُ فَنَادَانِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تَحْرِقُوهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا إِنَّمَا يُكْرَهُ إِذَا كَانَ الْكَافِرُ أَسِيرًا قَدْ ظُفِرَ بِهِ وَحَصَلَ فِي الْكَفِّ، وَقَدْ أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُضْرَمَ النَّارُ عَلَى الْكُفَّارِ
стр. 195
فِي الْحَرْبِ، وَقَالَ لِأُسَامَةَ: أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ.
وَرَخَّصَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَنْ يُرْمَى أَهْلُ الْحُصُونِ بِالنِّيرَانِ؛ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُرْمَوْا بِالنَّارِ مَا دَامُوا يُطَاقُونَ، إِلَّا أَنْ يَخَافُوا مِنْ نَاحِيَتِهِمُ الْغَلَبَةَ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْذِفُوا بِالنَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْمُثْلَةِ وَنَسْخِهَا
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ الصُّوفِيُّ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَلَكِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكُوا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ آثَارَهُمْ، فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ، فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ نَحْوَ مَا ذَكَرْنَا، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ شُعَيْبٍ حُضُورًا وَأَجَازَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَاسًا كَانَ بِهِمْ سَقَمٌ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آوِنَا وَأَطْعِمْنَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَالُوا: إِنَّ الْمَدِينَةَ وَخَمِةٌ. فَأَنْزَلَهُمُ الْحَرَّةَ فِي ذَوْدٍ لَهُ، وَقَالَ: اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا. فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدِمُ الْأَرْضَ بِلِسَانِهِ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ سَلَّامٌ: فَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِأَنَسٍ: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِهَذَا، فَبَلَغَ الْحَسَنَ فَقَالَ:
стр. 196
وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ.
قُلْتُ: وَالْحُكْمُ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ؛ وَهُوَ الَّذِي شَهَرَ السِّلَاحَ، وَأَخَافَ السَّبِيلَ فِي الْبَلَدِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ، إِذَا قَتَلَ النَّفْسَ وَأَخَذَ الْمَالَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ
فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَهُوَ مَا قَرَأْتُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَمْلِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَكَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُحَارِبِ (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إِذَا عَدَا؛ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ وَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ، فَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ، فَإِنْ هَرَبَ وَأَعْجَزَهُمْ فَذَلِكَ نَفْيُهُ ... .
ثُمَّ عُدْنَا إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فَوَجَدْنَاهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَزِيَادَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْعُقُوبَةِ؛ نَحْوُ: سُمُولُ الْعَيْنِ، وَمَنْعُ الْمَاءِ، وَالْإِلْقَاءُ فِي الشَّمْسِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْإِحْرَاقُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُثْلَةِ، فَأَمَّا سُمُولُ الْعَيْنِ فَقَدْ قَالَ أَنَسٌ: إِنَّمَا سَمَلَ أَعْيُنَهُمْ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ.
ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثْتُ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ؛ رِعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُثْلَةِ فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَحْكَامٌ كَانْتْ ثَابِتَةً فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَتْ؛ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ حُضُورًا، وَأَجَازَهُ لَنَا، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا
стр. 197
هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُنَاسًا اجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ، يَعْنِي فِي الْإِبِلِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ وَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا
وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلُحَتْ أَبْدَانُهُمْ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أُعِينَهُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَرَّاطُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، كَانُوا مَجْهُودِينَ مَضْرُورِينَ، قَدْ كَادُوا يَهْلِكُونَ، فَأَنْزَلَهُمْ عِنْدَهُ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُنَحِّيَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى لِقَاحٍ لَهُ بِفَيْفِ الْخِبَارِ وَرَاءَ الْحِمَى، فِيهَا مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُدْعَى يَسَارًا، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ مَثَّلُوا بِهِ، وَاسْتَاقُوا لِقَاحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَأَمِيرُ الْخَيْلِ يَوْمَئِذٍ مَعْبَدُ بْنُ زَيْدٍ.
وَيُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَمَا زَعَمُوا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَذَكَرُوا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْمُثْلَةِ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَالْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.
وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُرَيْنَةَ بَجِيلَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْحَقُوا بِاللِّقَاحِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا، فَسَمِنُوا وَأَرْبَعُوا، فَقَتَلُوا الرُّعَاةَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ إِلَى بِلَادِهِمْ، قَالَ جَرِيرٌ:
стр. 198
فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ فَأَدْرَكْتُهُمْ، فَجِئْنَا بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ،
وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: الْمَاءَ. وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: النَّارُ. حَتَّى مَاتُوا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمْلَ الْأَعْيُنِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، الْآيَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ شَأْنُ الْعُرَنِيِّينَ قَبْلَ أَنْ تُبَيَّنَ الْحُدُودُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْمَائِدَةِ مِنْ شَأْنِ الْمُحَارِبِينَ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا فَكَانَ شَأْنُ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخًا بِالْآيَةِ الَّتِي يَصِفُ فِيهَا إِقَامَةَ حُدُودِهِمْ ... .
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَسُئِلَ عَنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الْمُحَارِبِينَ، فَقَالَ: كَانَ نَاسٌ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: نُبَايُعَكَ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَبَايَعُوهُ وَهُمْ كَذَبَةٌ، وَلَيْسَ الْإِسْلَامُ يُرِيدُونَ، ثُمَّ قَالُوا: إِنَّا نَجْتَوِي الْمَدِينَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا اللِّقَاحُ يَغْدُو عَلَيْكُمْ وَيَرُوحُ، فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ الصَّرِيخُ يَصْرُخُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ قَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، فَرَكِبُوا لَا يَنْتَظِرُ فَارِسٌ فَارِسًا، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَثَرِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ، وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، وَصَلَبَ، وَقَطَعَ، وَسَمَلَ الْأَعْيُنَ، قَالَ: فَمَا مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَالَ: لَا تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ.
قَالَ وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَحْوَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْدَ مَا قَتَلَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَنَاسٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ وَبَنِي عُرَيْنَةَ.
стр. 199
بَابُ نَسْخِ الْقَتْلِ فِي حَدِّ السَّكْرَانِ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ شَرِبَهَا فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ شَرِبَهَا فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ شَرِبَهَا الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ
عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ بْنِ عَبْدٍ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ
عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ، وَفِي اسْمِهِ اخْتِلَافٌ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْجَدَلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى التَّبُوذَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ شَرِبَهَا فَاجْلِدُوهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ شَرِبَهَا الْخَامِسَةَ فَاقْتُلُوهُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَدْ يَرِدُ الْأَمْرُ بِالْوَعِيدِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ وُقُوعُ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ وَالتَّحْذِيرُ؛ كَقَوْلِهِ ﵇: مَنْ
قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ. وَهُوَ لَوْ قَتَلَ عَبْدَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَدَعَهُ لَمْ يُجْدَعْ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ فِي الْخَامِسَةِ وَاجِبًا، ثُمَّ نُسِخَ بِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَقَدْ رُوِيَ
стр. 200
عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ.
قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ ذَلِكَ؛ قَدْ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِابْنِ النُّعْمَانِ فَجَلَدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَزِدْ.
وَقَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ، قَالَ: فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ، وَوَضَعَ الْقَتْلَ، وَكَانَتْ رُخْصَةً.
ثُمَّ قَالَ الزُّهْرِيُّ لِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَمِخْوَلٍ: كُونَا وَافِدَيْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهَذَا
الْحَدِيثِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَالْقَتْلُ مَنْسُوخٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْتُهُ.
بَابُ جَلْدِ الْمُحْصَنِ قَبْلَ الرَّجْمِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
стр. 201
الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خُذُوا عَنِّي؛ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّايِغُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذُوا عَنِّي؛ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ لَهُ طُرُقٌ مُخَرَّجَةٌ فِي كُتُبِ الصِّحَاحِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَرِيرِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: ... أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِمَوْلَاةِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ فَجَلَدَهَا، ثُمَّ رَجَمَهَا، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... -.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ زُرَيْقٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: ... أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ قَدْ فَجَرَتْ، فَرَدَّهَا حَتَّى وَلَدَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَ: ائْتُونِي بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ مِنْهَا، فَأَعْطَاهَا وَلَدَهَا، ثُمَّ جَلَدَهَا وَرَجَمَهَا، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... -
لَمْ يُثْبِتْ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ سَمَاعَ الشَّعْبِيِّ مِنْ عَلِيٍّ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ:
فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُحْصِنَ الزَّانِيَ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ ثُمَّ يُرْجَمُ؛ عَمَلًا بِحَدِيثِ عُبَادَةَ، وَرَأَوْهُ مُحْكَمًا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: بَلْ يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ
стр. 202
بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَسُفْيَانُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ،
وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، مَا عَدَا ابْنَ الْمُنْذِرِ، وَرَأَوْا حَدِيثَ عُبَادَةَ مَنْسُوخًا، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ وَنَحْنُ نُورِدُ بَعْضَهَا.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِيَ أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ أَتَاهُ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا قَالَ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ لَا يُكَنِّي، قَالَ: نَعَمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ.
وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ مَاعِزٍ نَفَرٌ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ؛ نَحْوَ: سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَاهُ أَيْضًا نَفَرٌ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمْ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَبَيْنَ الزَّمَانَيْنِ مُدَّةٌ.
أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ بَدْرٍ، وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْفَتْحِ الْحَدَّادُ فِي كِتَابِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ جَلْدَ الْمِائَةِ ثَابِتٌ عَلَى الْبِكْرَيْنِ الْحُرَّيْنِ، وَمَنْسُوخٌ عَلَى الثَّيِّبَيْنِ، وَأَنَّ الرَّجْمَ ثَابِتٌ عَلَى الثَّيِّبَيْنِ الْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : خُذُوا عَنِّي؛ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ
стр. 203
وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ.
وَالرَّجْمُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ، فَنَسَخَ بِهِ الْحَبْسَ وَالْأَذَى عَنِ الزَّانِيَيْنِ، فَلَمَّا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ، وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ الْأَسْلَمِيِّ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، دَلَّ عَلَى نَسْخِ جَلْدِ الزَّانِيَيْنِ الْحُرَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ، وَثَبَتَ الرَّجْمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَبَدًا بَعْدَ أَوَّلٍ فَهُوَ آخِرٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَحْرَارِ فِي الزِّنَا فَرْقٌ إِلَّا بِالْإِحْصَانِ بِالنِّكَاحِ، وَخِلَافُ الْإِحْصَانِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَا نُسِخَ الْحَبْسُ عَنِ الزَّانِيَيْنِ وَحُدَّا بَعْدَ الْحَبْسِ، وَإِنَّ كُلَّ حَدٍّ حُدَّهُ الزَّانِيَانِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ هَذَا، إِذَا كَانَ هَذَا أَوَّلَ حَدِّ الزَّانِيَيْنِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا -: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ. قَالَ: تَكَلَّمْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَا بِامْرَأَتِهِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ؛ أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ
إِلَيْكَ. وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَثَبَتَ جَلْدُ مِائَةٍ وَالنَّفْيُ عَلَى الْبِكْرَيْنِ الزَّانِيَيْنِ، وَالرَّجْمُ عَلَى الثَّيِّبَيْنِ الزَّانِيَيْنِ، فَإِنْ كَانَا مِمَّنْ أُرِيدَا بِالْجَلْدِ فَقَدْ نُسِخَ عَنْهُمَا الْجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُرِيدَا بِالْجَلْدِ وَأُرِيدَ بِهِ الْبِكْرَانِ فَهُمَا مُخَالِفَانِ لِلثَّيِّبَيْنِ، وَرَجَمَ الثَّيِّبَيْنِ بَعْدَ آيَةِ
стр. 204
الْجَلْدِ بِمَا رَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَعَانِيهِ أَوْلَاهُمَا بِهِ عِنْدَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ زَنَا بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ
قُرِئَ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ أَبِي الْفَرَجِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَاذَشَاهْ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَوْنٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ: إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ جَارِيَتُهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَلَاءِ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَنْدَةَ الْفَقِيهِ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ، قَالَ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ جَارِيَةٍ لَهَا خَرَجَ بِهَا زَوْجُهَا إِلَى سَفَرٍ فَأَصَابَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ جَارِيَتُهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا.
كَذَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَلَمَةَ، لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أَحَدًا.
وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى قَتَادَةَ فِيهِ:
فَبَعْضُهُمْ قَالَ: عَنْهُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَوْنٍ، عَنْ سَلَمَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَبَعْضُهُمْ رَوَاهُ عَنْهُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ، وَفِي الْحَدِيثِ كَلَامٌ غَيْرٌ هَذَا.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ: أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكَ بِقَضِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ
стр. 205
أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارَةِ، فَوَجَدُوهُ قَدْ أَحَلَتْهَا لَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً.
قَالَ قَتَادَةُ: كَتَبْتُ إِلَى حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ بِهَذَا.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَنَا أَتَّقِي هَذَا الْحَدِيثَ، رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَلَيْهِ الرَّجْمُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَقَتَادَةُ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُجْلَدُ وَلَا يُرْجَمُ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ زَنَا بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ يُحَدُّ، وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتْ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَمْ يُحَدَّ.
وَرَوَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ يُعْرَفُ بِالْجَهَالَةِ يُعَزَّرُ وَلَا يُحَدُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَخْرِيجِ حَدِيثِ النُّعْمَانِ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَحَلَّتْهَا لَهُ فَقَدْ أَوْقَعَ فِي شُبْهَةِ الْوَطْءِ فَدُرِئَ عَنْهُ الرَّجْمُ، وَإِذَا دَرَأْنَا عَنْهُ الرَّجْمُ
وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ؛ لِمَا أَتَاهُ مِنَ الْمَحْظُورِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْجَهْلِ بِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ؛ فَقَدْ ذَهَبَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَأْبَى إِلَّا حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ يَأْبَى غَيْرَهُ، يَعْنِي حَدِيثَ سَلَمَةَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، قَالَ الْأَشْعَثُ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَبُو مُوسَى، مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى وَلِيدَةِ امْرَأَتِهِ: أَنْ عَلَيْهِ الشَّرورى قَالَ: فَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلِيٌّ ﵁ فِي ذَلِكَ،
стр. 206
وَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا قَبْلَ الْحُدُودِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ ... .
وَمِنْ كِتَابِ السِّيَرِ
بَابُ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ وَنَسْخِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْبَصَرِيُّ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَقْرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنَ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا أَنْتَ لَقِيَتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ؛ فَإِنْ قَبِلُوا كُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ إِنْ فَعَلُوا فَإِنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ؛ وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَبُو قُرَّةَ: وَهَذَا فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَبْلَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ.
وَأَمَّا الْهِجْرَةُ فَكَانَتْ وَاجِبَةٌ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ، ثُمَّ صَارَتْ مَنْدُوبًا إِلَيْهَا غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) نَزَلَتْ حِينَ اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ انْتِقَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأُمِرُوا بِالِانْتِقَالِ إِلَى حَضْرَتِهِ، لِيَكُونُوا مَعَهُ، فَيَتَعَاوَنُوا وَيَتَظَاهَرُوا إِنْ حَزَبَهُمْ أَمْرٌ، وَلِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ أَمْرَ دِينِهِمْ وَيَتَفَقَّهُوا
стр. 207
فِيهِ، وَكَانَ عِظَمُ الْخَوْفِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَنَجَعَتْ بِالطَّاعَةِ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ، وَعَادَ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَهُمَا هِجْرَتَانِ: فَالْمُنْقَطِعَةُ مِنْهُمَا هِيَ الْفَرْضُ، وَالْبَاقِيَةُ هِيَ النَّدْبُ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا: إِسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِيهِ مَقَالٌ؛ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ،
قُلْتُ: أَرَادَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَأَرَادَ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَوْلَهُ ﵇: لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ.
ذِكْرُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى رَفْعِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي الْمُنْذِرِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ، أَوْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَ بِأَبِيهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لِأَبِي نَصِيبًا فِي الْهِجْرَةِ فَقَالَ: إِنَّهَا لَا هِجْرَةَ. فَانْطَلَقَ مُذِلًّا فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتَنِي؟ قَالَ: أَجَلْ. فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ فِي قَمِيصٍ لَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْتَ فُلَانًا وَالَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، جَاءَ بِأَبِيهِ لِيُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُ لَا هِجْرَةَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ. قَالَ: فَمَدَّ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فَمَسَّ يَدَهُ وَقَالَ: أَبْرَرْتُ عَمِّي وَلَا هِجْرَةَ
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ: يَعْنِي لَا هِجْرَةَ مِنْ دَارٍ قَدْ أَسْلَمَ أَهْلُهَا.
стр. 208
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ أَشْتَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، إِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ قَبْلَ الْفَتْحِ حِينَ يُهَاجِرُ الرَّجُلُ بِدِينِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا حِينَ كَانَ الْفَتْحُ فَحَيْثُ مَا شَاءَ الرَّجُلُ عَبَدَ اللَّهَ لَا يَضِيعُ ... .
وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْرِيِّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَقْرِيِّ، وَذَكَرَ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ
الْهِجْرَةَ إِنَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةٌ إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مَكَّةَ، ثُمَّ زَالَ فَرْضُهَا ... .
ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَيْدَرِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ - فَتْحُ مَكَّةَ -: لَا هِجْرَةَ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ نُمَيْرٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، وَرِشْدِينَ عَنْ عُقَيْلٍ وَقُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ؛ فَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ.
رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ يَعْلَى نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ الْفَتْحِ.
أَخْبَرَنِي الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ
стр. 209
عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ أَوْ أَحَدُهُمَا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنْ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ فَقَالَ: ارْتَدَدْتَ عَنْ هِجْرَتِكَ يَا سَلَمَةُ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، إِنِّي فِي إِذْنٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ابْدَءُوا يَا أَسْلَمُ، فَشُمُّوا الرِّيَاحَ وَاسْكُنُوا الشِّعَابَ، فَقَالُوا: نَخَافُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ هِجْرَتَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ.
بَابُ الْأَمْرِ بِالدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَنَسْخِهِ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الزَّبِيدِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: ذَكَرَ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا قَطُّ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ، فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا أَنْتَ لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ أَوْ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ
стр. 210
عَنْهُمْ. الْحَدِيثَ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَقْرِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّعْبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَةَ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ يَذْكُرُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُبَيِّتُ أَحَدًا، وَلَكِنَّهُ يَنْزِلُ قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَإِذَا أَصْبَحُوا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ.
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةُ الْإِسْنَادِ صَحِيحَةٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ:
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُغَزَى أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُغْزُوا حَتَّى يُؤْذَنُوا، وَلَا يُقَاتَلُوا حَتَّى يُؤْذَنُوا.
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى جَعُونَةَ وَأَمَّرَهُ عَلَى الدُّرُوبِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَبَاحُوا قِتَالَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوا، وَرَأَوُا الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مَنْسُوخًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ،
وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَسُفْيَانُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، وَقَالَ سُفْيَانُ: وَيَدْعُو أَحْسَنُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاحْتَجَّ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ بِقَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَاحْتَجَّ اللَّيْثُ بِقَتْلِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولَانِ: فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ وَلَا لَهُمْ عِلْمٌ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كَذَلِكَ نَقُولُ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ إِذْنًا، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا
стр. 211
الدَّقِيقِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الْقَوْمِ إِذَا غَزَوْا يَدْعُونَ الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ يُقَاتَلُوا، فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَا سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ.
وَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ثُبُوتِهِ وَإِخْرَاجِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ، عَنِ الْمُؤْتَمَنِ السَّاجِيِّ، أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الدَّقَّاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَغَارَ عَلَى خَيْبَرَ يَوْمَ الْخَمِيسَ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ الْأُوَلَ
مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِدُعَاءِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَأَمَّا بَنُو الْمُصْطَلِقِ وَأَهْلُ خَيْبَرَ وَابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا: وَأَغَارَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبْيِيتَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى، وَدَفَعَ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيُقَاتِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ دُعَاءً لَهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالدُّعَاءِ مَنْ قَاتَلَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ، أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَإِنَّ قِتَالَهُمْ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ يُحْدِثُهُ لَهُمْ مَنْ أَرَادَ قِتَالَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالُوا أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ يَنْزِلُ قَرِيبًا مِنْهُمْ حَتَّى يُصْبِحَ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ، وَثِقَتِهِ بِظُفْرِهِمْ؛ لِئَلَّا يَجْنِي بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ.
стр. 212
بَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
فَطَائِفَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى مَنْعِ قِتَالِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مُطْلَقًا، وَرَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جُثَامَةَ - وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى جَوَازِ قَتْلِهِمْ مُطْلَقًا، وَرَأَتْ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَحَدِيثَ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ - وَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا.
وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ فَرَّقَتْ وَقَالَتْ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُقَاتِلُ جَازَ قَتْلُهَا، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا صَبْرًا، وَكَذَا فِي الْوِلْدَانِ قَالُوا: إِنْ كَانُوا مَعَ آبَائِهِمْ وَبَيَّتُوا
جَازَ قَتْلَهُمْ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ صَبْرًا، وَقَدْ تَمَسَّكَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِحَدِيثٍ، وَنَحْنُ نُورِدُ بَعْضُهَا مُخْتَصَرًا:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ سَمِعْتُهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، قَالَ: هُمْ مِنْهُمْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ.
وَقَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى: حَدِيثُ بُرَيْدَةَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَقِصَّةُ حَدِيثِهِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا حَدِيثُ الصَّعْبِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
стр. 213
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ مَنْسُوخًا، فَحُجَّتُهُمْ مَا أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ طَرَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ فِي غَزَاةٍ فَأَصَابَ النَّاسُ ظَفَرًا حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ، أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ إِذْ بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ.
وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَكَانَ يَقُولُ: حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مَنْسُوخٌ، وَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّعْبِ، وَقَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : هُمْ مِنْهُمْ إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ، وَإِذْنٌ مِنْهُ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ.
وَقَالَ: كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حُدِّثَ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعَهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبٍ.
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ قَالَتْ: مَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ تَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ، وَفِي هَذَا الْبَابِ مُمْكِنٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ
أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، حَدَّثَنِي مُرَقِّعُ بْنُ صَيْفِيٍّ، أَخْبَرَنِي جَدِّي رَبَاحُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخُو حَنْظَلَةَ الْكَاتِبُ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غُزَاةٍ عَلَى مُقَدِّمَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ مِمَّا أَصَابَتِ الْمُقَدِّمَةَ، فَوَقَفُوا عَلَيْهَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، فَجَاءَ
стр. 214
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ، فَلَمَّا جَاءَ انْفَرَجُوا عَنِ الْمَرْأَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: أَكَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ؟ أَلَمْ تَكُنْ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ؟ ! ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: الْحَقْ خَالِدًا؛ فَلَا يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا.
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ مَا أُبْهِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَخَّصَهَا.
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُمْ مِنْهُمْ.
وَعَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. قَالَ: فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ هُمْ مِنْهُمْ، أَنَّهُ إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ، قَالَ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعُهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدِيثُ الصَّعْبِ كَانَ فِي عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْأُولَى فَقَدْ قُتِلَ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ قَبْلَهَا، وَقِيلَ فِي سُنَّتِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْآخِرَةِ فَهِيَ بَعْدُ أَمْرِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَلَمْ نَعْلَمْهُ رَخَّصَ فِي قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ، وَمَعْنَى نَهْيُهُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، أَنْ يُقْصَدَ قَصْدَهُمْ بِقَتْلٍ وَهُمْ يُعْرَفُونَ مُتَمَيِّزِينَ مِمَّنْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ خَصْلَتَيْنِ أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُمْنَعُ بِهِ الدَّمُ، وَلَا حُكْمَ دَارَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَمَنْعُ بِهِ الْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ، وَإِذَا أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيَاتَ وَالْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ، فَأَغَارَ
стр. 215
عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ، وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ الْبِيَاتَ وَالْغَارَةَ إِذَا حَلَّا بِإِحْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ بَيَّتَ أَوْ أَغَارَ مِنْ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ، فَيَسْقُطُ الْمَأْثَمُ فِيهِمْ وَالْكَفَّارَةُ وَالْعَقْلُ وَالْقَوَدُ عَمَّنْ أَصَابَهُمْ، إِذَا أُبِيحَ أَنْ يُبَيِّتَ وَيُغِيرَ وَلَيْسَ لَهُمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ قَتْلَهُمْ عَامِدًا لَهُمْ مُتَمَيِّزِينَ عَارِفًا بِهِمْ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا كُفْرًا فَيَعْمَلُوا بِهِ فَيُقْتَلُوا بِهِ، وَعَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِيهِنَّ لِقِتَالٍ، وَأَنَّهُنَّ وَالْوِلْدَانَ يُتَخَوَّلُونَ فَيَكُونُونَ قُوَّةً لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ .
قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَبِنْ هَذَا بِغَيْرِهِ. قِيلَ: فِيهِ مَا اكْتَفَى الْعَالِمُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تَشُدُّهُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) قَالَ: فَأَوْجَبَ اللَّهُ لِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ، وَفِي قَتْلِ ذِي الْمِيثَاقِ الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ رَقَبَةٍ؛ إِذْ كَانَا مَعًا مَمْنُوعَيِ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَهْدِ وَالدَّارِ مَعًا، وَكَانَ الْمُؤْمِنُ فِي الدَّارِ غَيْرِ الْمَمْنُوعَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِالْإِيمَانِ، فَجُعِلَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ بِإِتْلَافِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهِ الدِّيَةَ وَهُوَ مَمْنُوعُ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ، فَلَمَّا كَانَ الْوِلْدَانُ وَالنِّسَاءُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا مَمْنُوعِينَ بِإِيمَانٍ وَلَا دَارٍ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَقْلٌ، وَلَا قَوْدَ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا مَأْثَمَ، وَلَا كَفَّارَةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَنَسْخِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ فِي رَجَبٍ مَقْفَلَهُ مْنْ بَدْرٍ الْأُولَى، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ
следующие страницы →