Полный текст (244 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار]ـ
المؤلف: أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمداني (المتوفى: ٥٨٤هـ)
الناشر: دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد، الدكن
الطبعة: الثانية، ١٣٥٩ هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَامُهُ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، الْكَثِيرُ النَّوَّالُ، الْمُنْعِمُ الْمِفْضَالُ، الْمَوْصُوفُ بِالْقُدْرَةِ وَالْكَمَالِ، وَالْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، الْمُقَدَّسُ عَنْ سِمَاتِ النَّقْصِ وَصُنُوفِ الزَّوَالِ: مُنْشِئُ السَّحَابِ الثِّقَالِ، وَمُخْرِجُ الْوَدْقِ مِنَ الْخِلَالِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ بِنَسْخِ آثَارِ الضَّلَالِ، وَرَفْعِ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ خَيْرِ صِحَابٍ وَأَفْضَلِ آلٍ.
أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا الْكِتَابُ أَذْكُرُ فِيهِ مَا انْتَهَتْ إِلَيَّ مَعْرِفَتُهُ مِنْ نَاسِخِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْسُوخِهِ، إِذْ هُوَ عِلْمٌ جَلِيلٌ ذُو غَوْرٍ وَغُمُوضٍ، دَارَتْ فِيهِ الرُّءُوسُ، وَتَاهَتْ فِي الْكَشْفِ عَنْ مَكْنُونِهِ النُّفُوسُ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَحْظَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآثَارِ إِلَّا بِآثَارٍ، وَلَمْ يُحَصِّلْ مِنْ طَرَائِقِ الْأَخْبَارِ إِلَّا أَخْبَارًا، أَنَّ الْخَطْبَ فِيهِ جَلِيلٌ يَسِيرٌ، وَالْمَحْصُولَ مِنْهُ قَلِيلٌ غَيْرُ كَثِيرٍ.
وَمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اتَّضَحَ لَهُ مَا قُلْنَاهُ.
стр. 3
وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ مَا رَسَمْنَاهُ مَا أَخْبَرَنِيهِ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبْلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَعْيَا الْفُقَهَاءَ وَأَعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا نَاسِخَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْسُوخَهُ.
أَلَا تَرَى الزُّهْرِيَّ وَهُوَ أَحَدُ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ الصَّحَابَةِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ
حَدِيثِ الْحِجَازِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: " لَمْ يُدَوِّنْ هَذَا الْعِلْمَ أَحَدٌ قَبْلِي تَدْوِينِي " وَكَانَ إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ فِي الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فِي الْفُتْيَا، كَيْفَ اسْتَعْظَمَ هَذَا الشَّأْنَ مُخْبِرًا عَنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
ثُمَّ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَاءَ بَعْدَهُ تَصَدَّى لِهَذَا الْفَنِّ وَلَخَّصَهُ، وَأَمْعَنَ فِيهِ وَخَصَّصَهُ إِلَّا مَا يُوجَدُ مِنْ بَعْضِ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ فِي عَرَضِ الْكَلَامِ عَنْ آحَادِ الْأَئِمَّةِ، حَتَّى جَاءَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَإِنَّهُ خَاضَ تَيَّارَهُ وَكَشَفَ أَسْرَارَهُ وَاسْتَنْبَطَ مَعِينَهُ، وَاسْتَخْرَجَ دَفِينَهُ، وَاسْتَفْتَحَ بَابَهُ، وَرَتَّبَ أَبْوَابَهُ.
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْفَقِيهُ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْحَافِظِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ
يَقُولُ: قَدِمْتُ مِنْ مِصْرَ فَأَتَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: كَتَبْتَ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ ﵁؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَرَّطْتَ، مَا عَرَفْنَا الْمُجْمَلَ مِنَ الْمُفَسَّرِ، وَلَا نَاسِخَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَنْسُوخِهِ حَتَّى جَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ " مِنْ هَذَا الْفَنِّ أَحَادِيثَ، وَلَمْ يَسْتَنْزِفْ مَعِينَهُ فِيهَا، إِذْ لَمْ يَضَعِ الرِّسَالَةَ لِهَذَا الْفَنِّ وَحْدَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قِطْعَةٍ صَالِحَةٍ تُوجَدُ فِي غُضُونِ الْأَبْوَابِ مَنْ كُتُبِهِ، وَلَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَأَغْنَتِ الْبَاحِثَ عَنِ الطَّلَبِ،
стр. 4
وَالطَّالِبَ عَنْ تَجَشُّمِ الْكَلَفِ، غَيْرَ أَنَّهَا بِمَوْتِ الرِّجَالِ تَفَرَّقَتْ، وَفِي أَيْدِي النَّوَائِبِ تَمَزَّقَتْ.
ثُمَّ هَذَا الْفَنُّ مِنْ تَتِمَّاتِ الِاجْتِهَادِ؛ إِذِ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ النَّقْلِ، وَمِنْ فَوَائِدِ النَّقْلِ مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، إِذِ الْخَطْبُ فِي ظَوَاهِرِ الْأَخْبَارِ يَسِيرٌ، وَتَجَشُّمُ كَلَفِهَا غَيْرُ عَسِيرٍ. وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ خَفَايَا النُّصُوصِ، وَمِنَ التَّحْقِيقِ فِيهَا مَعْرِفَةُ أَوَّلِ الْأَمْرَيْنِ وَآخِرِهِمَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْبُرْجِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ عَلِيٌّ عَلَى قَاصٍّ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: " هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ ".
أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ الْغَنَوِيُّ أَبُو هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا يَحْيَى الْمُعَرْقَبَ، فَقَالَ لَهُ: مَنِ الَّذِي قَالَ لَهُ: اعْرِفُونِي اعْرِفُونِي؟ قَالَ: ذَاكَ يَا سَعِيدُ أَنِّي أَنَا هُوَ. قَالَ: مَا عَرَفْتُ أَنَّكَ هُوَ. قَالَ: فَإِنِّي أَنَا هُوَ، مَرَّ بِي عَلِيٌّ ﵁ وَأَنَا أَقُصُّ بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَبُو يَحْيَى. قَالَ: لَسْتَ بِأَبِي يَحْيَى، وَلَكِنَّكَ تَقُولُ: اعْرِفُونِي اعْرِفُونِي. ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلِمْتَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ. فَمَا عُدْتُ بَعْدُ أَنْ أَقُصَّ عَلَى أَحَدٍ، أَنَافِعُكَ ذَاكَ يَا سَعِيدُ؟ .
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سُئِلَ حُذَيْفَةُ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: إِنَّمَا يُفْتِي أَحَدُ ثَلَاثَةٍ: مَنْ عَرَفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، قَالُوا: وَمَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟
стр. 5
قَالَ: عُمَرُ أَوْ رَجُلٌ وَلِيَ سُلْطَانًا، فَلَا يَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا، أَوْ مُتَكَلِّفٌ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْحَذَّاءِ، أَخْبَرَكَهُ أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطِ بْنِ شُرَيْطٍ الْأَشْجَعِيُّ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَاصٍّ يَقُصُّ فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: وَمَا النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: وَمَا تَدْرِي مَا النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ: قَالَ: لَا. قَالَ: هَلَكْتَ، وَأَهْلَكْتَ.
وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ تَكْثُرُ جِدًّا، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا نُبْذَةً مِنْهَا لِيُعْلَمَ شِدَّةُ اعْتِنَاءِ الصَّحَابَةِ بِمَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ إِذْ شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْجُرْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ - ثَلَاثًا - أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ - أَيْ: سَرِيرِهِ - يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ.
وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ تَكُونُ مَدْخَلًا إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَطْلَبِ، نَذْكُرُ فِيهِ حَقِيقَةَ النَّسْخِ وَلَوَازِمَهُ وَتَوَابِعَهُ.
مُقَدِّمَةٌ فِي عِلْمِ نَاسِخِ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخِهِ
أَصْلُ كَلِمَةِ النَّسْخِ - النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ - مَعْنَى النَّسْخِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - حَدُّ النَّسْخِ وَشَرَائِطُهُ - الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَةِ - أَمَارَاتُ النَّسْخِ - وُجُوهُ التَّرْجِيحِ وَعَدَدُهَا خَمْسُونَ وَجْهًا.
مُقَدِّمَةٌ فِي عِلْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ
اعْلَمْ أَنَّ النَّسْخَ لَهُ اشْتِقَاقٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ، وَحَدٌّ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَعَانِي، وَشَرَائِطُ عِنْدَ الْعَالِمِينَ بِالْأَحْكَامِ.
أَمَّا أَصْلُهُ: فَالنَّسْخُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْطَالِ الشَّيْءِ وَإِقَامَةِ آخَرَ مَقَامَهُ.
стр. 6
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْأَصْلُ فِيهِ النَّسْخُ، وَهُوَ أَنْ يُحَوَّلَ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ الْعَسَلِ وَالنَّحْلِ فِي أُخْرَى، وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ: مَا مِنْ نُبُوَّةٍ إِلَّا وَتَنَاسَخَتْهَا فَتْرَةٌ ثُمَّ النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الزَّوَالُ عَلَى جِهَةِ الِانْعِدَامِ.
وَالثَّانِي: عَلَى جِهَةِ الِانْتِقَالِ.
أَمَّا النَّسْخُ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى نَوْعَيْنِ:
نَسْخٌ إِلَى بَدَلٍ: نَحْوَ قَوْلِهِمْ: نَسَخَ الشَّيْبُ الشَّبَابَ، نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، أَيْ: أَذْهَبَتْهُ وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ.
وَنَسْخٌ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ: إِنَّمَا هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ وَإِبْطَالُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقِيمَ لَهُ بَدَلًا، يُقَالُ: نَسَخَتِ الرِّيحُ الْآثَارَ، أَيْ: أَبْطَلَتْهَا وَأَزَالَتْهَا.
وَأَمَّا النَّسْخُ بِمَعْنَى النَّقْلِ فَهُوَ نَحْوَ قَوْلِكَ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ إِذَا نَقَلْتَ مَا فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إِعْدَامُ مَا فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الصُّحُفِ، وَمِنَ الصُّحُفِ إِلَى غَيْرِهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ هُوَ إِبْطَالُ الْحُكْمِ مَعَ إِثْبَاتِ الْخَطِّ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي السُّنَّةِ.
أَمَّا فِي الْكِتَابِ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ النَّاسِخَةُ وَالْمَنْسُوخَةُ ثَابِتَتَيْنِ فِي التِّلَاوَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمَنْسُوخَةَ لَا يُعْمَلُ بِهَا مِثْلَ: عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَتْ سَنَةً؛ لِقَوْلِهِ ﵎: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ فَعَلَى نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا الْمَنْسُوخَ كَمَا نَقَلُوا النَّاسِخَ.
وَأَمَّا حَدُّهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ، وَقِيلَ: بَيَانُ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الدَّوَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
وَقَدْ أَطْبَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي: أَنَّهُ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى
ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا بِهِ مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، وَهَذَا حَدٌّ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا شَرَائِطُهُ فَمَدَارِكُ مَعْرِفَتِهَا مَحْصُورَةٌ.
(مِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ، وَالْمَوْتُ مُزِيلٌ لِلْحُكْمِ لَا نَاسِخٌ لَهُ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ أَيْضًا حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَمْ تُنْسَخْ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَتْ بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ
стр. 7
السَّابِقُ مُقَيَّدًا بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵇: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ أَدَاءُ النَّوَافِلِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا مُؤَقَّتٌ، فَلَا يَكُونُ نَهْيُهُ عَنْ هَذِهِ النَّوَافِلِ فِي الْوَقْتِ الْمُخَصَّصِ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ التَّأْقِيتَ يَمْنَعُ النَّسْخَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ النَّاسِخُ مُتَرَاخِيًا عَنِ الْمَنْسُوخِ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ الْحُكْمُ الثَّانِي، فَإِنَّهُ لَا يَعْدُو أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا.
فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْأَوَّلِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا، إِذْ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ التَّرَاخِي، وَقَدْ فُقِدَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ.
وَإِنْ كَانَ صَدْرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ الْخِفَافِ وَعَجُزُهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُتَنَافِيَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا؛ لِانْعِدَامِ التَّرَاخِي فِيهِ، وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ يُسَمَّى بَيَانًا.
وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا نَظَرْتَ: هَلْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِالِانْفِصَالِ الزَّمَانِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ فِي التَّنَافِي، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَعَمَّ لِلْفَائِدَةِ كَانَ أَوْلَى صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنِ النَّقْصِ.
وَلِأَنَّ فِي ادِّعَاءِ النَّسْخِ إِخْرَاجَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُفِيدِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﵇: شَرُّ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ.
وَهُمَا حَدِيثَانِ قَدْ تَعَارَضَا عَلَى مَا تَرَى. وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى غَيْرِ الْفَقِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنْ ظَاهِرِ الْمُنَافَاةِ، مَعَ حُصُولِ الِانْفِصَالِ فِيهِمَا، وَرُبَّمَا يَرَاهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْإِسْنَادِ فَيَرَى إِسْنَادَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَمْثَلَ فَيَحْكُمُ بِنَسْخِ الثَّانِي، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ؛ لِفُقْدَانِ شَرَائِطِ النَّسْخِ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ مِنْ غَيْرِ مَسِيسِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ.
وَهَذَا التَّفْسِيرُ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَنْشَأُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ.
وَيُحْمَلُ
стр. 8
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ فَهُوَ خَيْرُ الشُّهُودِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَالَ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ رَفْعًا لِلتَّضَادِّ عَنِ الْأَخْبَارِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُنْفَصِلَانِ نَظَرْتَ: هَلْ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ السَّابِقِ وَالتَّالِي؟ فَإِنْ تَمَيَّزَ أُوجِبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْآخَرِ مِنْهُمَا.
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِأَمَارَاتِ عِدَّةٌ:
مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَفْظُ النَّبِيِّ ﷺ مُصَرِّحًا بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا.
أَوْ يَكُونَ لَفْظُ الصَّحَابِيِّ نَاطِقًا بِهِ، نَحْوُ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ التَّارِيخُ مَعْلُومًا نَحْوَ مَا رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ أَحَدُنَا فَأَكْسَلَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لْيُصَلِّ.
هَذَا حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا غُسْلَ مَعَ الْإِكْسَالِ، وَأَنَّ مُوجِبَ الْغُسْلِ الْإِنْزَالُ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَقْرَأْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ أَفَادَنَا بَعْضُ الطُّرُقِ أَنَّ شَرْعِيَّةَ هَذَا كَانَ فِي مَبْدَأِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِزَمَانٍ.
ثُمَّ وَجَدْنَا الزُّهْرِيَّ قَدْ سَأَلَ عُرْوَةَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَغْتَسِلُ. وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ.
وَمِنْهَا: أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ فِي حُكْمِهِ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَهَذِهِ مُعْظَمُ أَمَارَاتِ النَّسْخِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ زِيَادَاتٌ أُخَرُ نَحْوُ حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي، وَهُوَ كَمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ؛ فَإِنَّهُ رَوَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَدِيثِ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَأَهْرِقْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَاعْتَمَدَ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ، وَتَرَكَ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ فِي الْوُلُوغِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَسْخِ السَّبْعِ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ؛
стр. 9
لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْهُ، إِلَّا فِيمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ نَسْخُهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَظَائِرِهِ الَّتِي لَا يُكْتَرَثُ بِهَا.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ أُبْهِمَ التَّارِيخُ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى التَّرْجِيحِ. وَ وُجُوهُ التَّرْجِيحَاتِ كَثِيرَةٌ أَنَا أَذْكُرُ مُعْظَمَهَا.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَمِمَّا يُرَجَّحُ بِهِ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَثْرَةُ الْعَدَدِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا تُقَرِّبُ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَهُوَ التَّوَاتُرُ؛ نَحْوَ: اسْتِدْلَالِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْبَابِ، نَظَرًا إِلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ
الْإِيجَابِ رَوَاهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَبُسْرَةَ، ﵃ وَأَمَّا حَدِيثُ الرُّخْصَةِ فَلَا يُحْفَظُ مِنْ طَرِيقٍ يُوَازِي هَذِهِ الطُّرُقَ أَوْ يُقَارِبُهَا، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْيَمَامِيِّ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ فَرْدٌ فِي الْبَابِ، وَلَوْ تَسَلَّمَ أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ يُوَازِي تِلْكَ الْأَحَادِيثَ فِي الثُّبُوتِ كَانَ حَدِيثُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: كَثْرَةُ الرِّوَايَاتِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي بَابِ التَّرْجِيحَاتِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَلَبَةُ الظَّنِّ، فَصَارَ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ مَعَ شَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ.
يُقَالُ عَلَى هَذَا: إِنَّ إِلْحَاقَ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ وَإِنْ شَارَكَتِ الشَّهَادَةَ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَقَدْ فَارَقَتْهَا فِي أَكْثَرِ الْوُجُوهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ خَمْسُونَ امْرَأَةً لِرَجُلٍ بِمَالٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ، وَلَوْ شَهِدَ بِهِ رَجُلَانِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَهَادَةَ الْخَمْسِينِ أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إِنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ، وَكَذَا سَوَّى الشَّارِعُ بَيْنَ شَهَادَةِ إِمَامَيْنِ عَالِمَيْنِ، وَشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ لَمْ يَكُونَا فِي مَنْزِلَتِهِمَا، وَأَمَّا فِي بَابِ الرِّوَايَةِ تُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْأَعْلَمِ الْأَدْيَنِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ، فَلَاحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
стр. 10
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَتْقَنَ وَأَحْفَظَ؛ نَحْوُ مَا إِذَا اتَّفَقَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ فِي الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّ شُعَيْبًا، وَإِنْ
كَانَ حَافِظًا ثِقَةً، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوَازِي مَالِكًا فِي إِتْقَانِهِ وَحِفْظِهِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ حَدِيثَهُمَا وَجَدَ بَيْنَهُمَا بَوْنًا بَعِيدًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مُتَّفَقًا فِي عَدَالَتِهِ وَالْآخَرُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَالْمَصِيرُ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى؛ مِثَالُهُ: حَدِيثُ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ مَعَ مَا يُعَارِضُهُ مِنْ حَدِيثِ طَلْقٍ، فَحَدِيثُ بُسْرَةَ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ هُوَ عَدْلٌ صَدُوقٌ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَأَمَّا رُوَاةُ حَدِيثِ طَلْقٍ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَدَالَتِهِمْ، فَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ بُسْرَةَ أَوْلَى.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ لِمَا سَمِعَهُ كَانَ بَالِغًا، وَالثَّانِي كَانَ صَغِيرًا حَالَةَ الْأَخْذِ، فَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ الْأَوَّلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ أَفْهَمُ لِلْمَعَانِي، وَأَتْقَنُ لِلْأَلْفَاظِ، وَأَبْعَدُ مِنْ غَوَائِلِ الِاخْتِلَاطِ، وَأَحْرَصُ عَلَى الضَّبْطِ، وَأَشَدُّ اعْتِنَاءً بِمُرَاعَاةِ أُصُولِهِ مِنَ الصَّبِيِّ، وَلِأَنَّ الْكَبِيرَ سَمِعَهُ فِي حَالَةٍ لَوْ أَخْبَرَ بِهِ لَقُبِلَ مِنْهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ.
وَلِهَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ لَمَّا ذُكِرَ فِي أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ رَجَّحَ مَالِكًا عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
لِأَنَّ مَالِكًا أَخَذَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ كَبِيرٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا صَحِبَ الزُّهْرِيَّ وَهُوَ صَغِيرٌ دُونَ الِاحْتِلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ مَنْ يَحْتَمِلُ شَهَادَةً وَهُوَ بَالِغٌ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا صَغِيرًا، قُلْنَا: إِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا التَّرْجِيحُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِخْبَارٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَخْتَلِفُ مَعْرِفَتُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرِّوَايَةُ،
فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ الْأَلْفَاظُ وَالْأَحْوَالُ وَالْأَسْبَابُ؛ لِتَطَرُّقِ الْوَهْمِ إِلَيْهَا، وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، فَيُبَالَغُ فِي مُرَاعَاتِهَا لِذَلِكَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ سَمَاعُ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ تَحْدِيثًا، وَسَمَاعُ الثَّانِي
стр. 11
عَرْضًا؛ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ؛ إِذْ لَا طَرِيقَ أَبْلَغَ مِنَ النُّطْقِ بِالثُّبُوتِ، وَلِهَذَا قَدَّمَ بَعْضُهُمْ: عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي الزُّهْرِيِّ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ عُبَيْدِ اللَّهِ تَحْدِيثٌ، وَسَمَاعَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَرْضٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْبَصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَأَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ أَكْثَرُهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنْ لَا فَارِقَ بَيْنَ الْعَرْضِ وَالْقِرَاءَةِ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ سَمَاعًا أَوْ عَرْضًا، وَالثَّانِي يَكُونُ كِتَابَةً، أَوْ وِجَادَةً، أَوْ مُنَاوَلَةً، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ لِمَا يَتَخَلَّلُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ مِنْ شُبْهَةِ الِانْقِطَاعِ لِعَدَمِ الْمُشَافَهَةِ؛ وَلِهَذَا رَجَحَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدِّبَاغِ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُكَيْمٍ: لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كِتَابٌ وَذَاكَ سَمَاعٌ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مُبَاشِرًا لِمَا رَوَاهُ وَالثَّانِي حَاكِيًا، فَالْمُبَاشِرُ أَعْرَفُ بِالْحَالِ. مِثَالُهُ: حَدِيثُ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَعْضُهُمْ رَوَاهُ: " نَكَحَهَا وَهُوَ حَرَامٌ "، فَمَنْ رَوَاهُ: " نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ " أَبُو رَافِعٍ. وَمَنْ رَوَاهُ " نَكَحَهَا وَهُوَ حَرَامٌ " ابْنُ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ مُبَاشِرًا لِلْحَالِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ حَاكِيًا؛ وَلِهَذَا أَحَالَتْ عَائِشَةُ عَلَى عَلِيٍّ لَمَّا سَأَلُوهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ فَقَالَتْ: سَلُوا عَلِيًّا؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ صَاحِبَ الْقِصَّةِ فَيُرَجَّحُ حَدِيثُهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ أَعْرَفُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَكْثَرُ اهْتِمَامًا، وَلِذَلِكَ رَجَعَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ كَانَ يَرَى الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَحْسَنَ سِيَاقًا لِحَدِيثِهِ مِنَ الْآخَرِ، وَأَبْلَغَ اسْتِقْصَاءً فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي الْآخَرُ سَمِعَ بَعْضَ الْقِصَّةِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا سَمِعَهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِفَادَةِ، وَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْتَبِطًا بِحَدِيثٍ
стр. 12
آخَرَ لَا يَكُونُ هَذَا قَدْ تَنَبَّهَ لَهُ، وَلِهَذَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِفْرَادِ فِي الْحَجِّ قَدَّمَ حَدِيثَ جَابِرٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً، وَدُخُولَهُ مَكَّةَ، وَحَكَى مَنَاسِكَهُ عَلَى تَرْبِيَتِهِ وَانْصِرَافِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَغَيْرُهُ لَمْ يَضْبِطْ ضَبْطَهُ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَقْرَبَ مَكَانًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَدِيثُهُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمْكَنَ مِنِ اسْتِيفَاءِ كَلَامِهِ، وَأَسْمَعَ لَهُ؛ وَلِذَلِكَ مَنْ يَرَى الْإِفْرَادَ بِالْحَجِّ أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَانِ يَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ
عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَيُرَجِّحُهُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَرَنَ؛ لِمَا ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: كُنْتُ تَحْتَ جِرَانِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلُعَابُهَا بَيْنَ كَتِفِي.
(الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَكْثَرَ مُلَازَمَةً لِشَيْخِهِ، فَإِنَّ الْمُحَدِّثَ قَدْ يَنْشَطُ تَارَةً فَيَسُوقُ الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَدْ يَتَكَاسَلُ فِي الْأَوْقَاتِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْبَعْضِ، أَوْ يَرْوِيهِ مُرْسَلًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا الضَّرْبُ يُوجَدُ كَثِيرًا فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؛ وَلِهَذَا قَدَّمْنَا يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ الْأَيْلِيَّ فِي الزُّهْرِيِّ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّامِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّ يُونُسَ كَانَ كَثِيرَ الْمُلَازَمَةِ لِلزُّهْرِيِّ، حَتَّى كَانَ يُزَامِلُهُ فِي أَسْفَارِهِ، وَطُولُ الصُّحْبَةِ لَهُ زِيَادَةُ تَأْثِيرٍ، فَيُرَجَّحُ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ فِي التَّرْجِيحَاتِ " أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ سَمِعَهُ الرَّاوِي مِنْ مَشَايِخِ بَلَدِهِ، وَالثَّانِي سَمِعَهُ مِنَ الْغُرَبَاءِ فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ
كُلِّ بَلَدٍ لَهُمُ اصْطِلَاحٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ مِنَ التَّشَدُّدِ وَالتَّسَاهُلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالشَّخْصُ أَعْرَفُ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَلِهَذَا يَعْتَبِرُ أَئِمَّةُ النَّقْلِ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، فَمَا وَجَدَهُ مِنَ الشَّامِيِّينَ احْتَجُّوا بِهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ؛ لِمَا يُوجَدُ فِي حَدِيثِهِ مِنَ النَّكَارَةِ إِذَا رَوَاهُ عَنِ الْغُرَبَاءِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ لَهُ مَخَارِجُ عِدَّةٌ، وَالْحَدِيثُ
стр. 13
الثَّانِي لَا يُعْرَفُ لَهُ سِوَى مَخْرَجٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ نَفَرٌ ذَوُو عَدَدٍ فَيَكُونُ الْمَصِيرُ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ إِذَا عُمِلَ بِهِ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْحُكْمِ الْمَعْمُولِ بِهِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ عَدَدُ هَؤُلَاءِ أَكْثَرَ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ إِسْنَادُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ حِجَازِيًّا وَإِسْنَادُ الْآخَرِ عِرَاقِيًّا أَوْ شَامِيًّا، سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَدَنِيَّ الْمَخْرَجِ؛ لِأَنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَمَجْمَعُ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، وَالْحَدِيثُ إِذَا شَاعَ عِنْدَهُمْ وَذَاعَ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ مَتُنَ وَقَوِيَ؛ وَلِهَذَا قَدَّمْنَا صَاعَهُمْ عَلَى صَاعِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ، وَفِيهِمُ اسْتَقَرَّتِ الشَّرِيعَةُ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَقُولُ: " كُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوجَدُ لَهُ أَصْلٌ فِي حَدِيثِ الْحِجَازِيِّينَ وَاهٍ، وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الثِّقَاتُ ".
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ رَوَاهُ أَهْلُ بَلَدٍ لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ صِنَاعَتِهِمْ، وَالثَّانِي رَوَاهُ مَنْ يَرَى التَّدْلِيسَ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ لِمَا فِي التَّدْلِيسِ مِنْ رُكُوبِ الْخَطَرِ، وَمَنْ لَا يَرَى بِالتَّدْلِيسِ بَأْسًا وَهُوَ فَاشٍ عِنْدَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ جَمِيعُهُمْ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ كِلَا الْحَدِيثَيْنِ عِرَاقِيَّ الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُعَنْعَنٌ، وَالثَّانِي مُصَرَّحٌ فِيهِ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الِاتِّصَالِ
نَحْوُ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنَا، فَيُرَجَّحُ الْقِسْمُ الثَّانِي؛ لِاحْتِمَالِ التَّدْلِيسِ فِي الْعَنْعَنَةِ، إِذْ هُوَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: كُنْتُ إِذَا حَضَرْتُ مَجْلِسَ قَتَادَةَ لَمَحْتُ حَدِيثَهُ؛ فَمَا قَالَ فِيهِ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا كَتَبْتُهُ، وَمَا قَالَ فِيهِ: " عَنْ " طَرَحْتُهُ.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ جَمَعَ حَالَةَ الْأَخْذِ بَيْنَ الْمُشَافَهَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَالثَّانِي أَخَذَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَيُؤْخَذُ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الضَّبْطِ وَأَبْعَدُ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ، وَلِهَذَا لَمَّا اخْتُلِفَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ هَلْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، فَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا وَرَوَاهُ أَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا، كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ الْقَاسِمِ وَعُرْوَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا سَمِعَا مِنْهَا مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ.
стр. 14
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ وَالثَّانِي لَمْ تَخْتَلِفْ، فَيُقَدَّمُ الْحَدِيثُ الَّذِي لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِيهِ، نَحْوُ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ عَنْ ثُمَامَةَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ عَنْهُمَا جَمَاعَةٌ، وَكُلُّهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ.
وَرَوَى عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي الْإِبِلِ إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً قَالَ: تُرَدُّ الْفَرَائِضُ إِلَى أَوَّلِهَا فَإِذَا كَثُرَتِ
الْإِبِلُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. كَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَنْ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ. فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى تُخَالِفُهُ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِيهِ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ كَمَا تَرَى، فَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ أَوْلَى لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحُفَّاظِ أَحَالُوا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ بِالْغَلَطِ عَلَى عَاصِمٍ.
وَإِذَا تَقَابَلَتْ حُجَّتَانِ فَيَكُونُ لِإِحْدَاهُمَا مُعَارِضٌ وَلَيْسَ لِلْأُخْرَى ذَلِكَ، فَمَا سَلِمَتْ تَكُونُ أَوْلَى كَالْبَيِّنَاتِ إِذَا تَقَابَلَتْ، فَمَا وُجِدَ لَهَا مُعَارِضٌ سَقَطَتْ، وَمَا سَلِمَتْ مِنَ الْمُعَارَضَةِ ثَبَتَتْ، كَذَلِكَ هَذَا.
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ لَمْ يَضْطَرِبْ لَفْظُهُ، وَالْآخَرُ قَدِ اضْطَرَبَ لَفْظُهُ، فَيُرَجَّحُ خَبَرُ مَنْ لَمْ يَضْطَرِبْ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حِفْظِهِ وَضَبْطِهِ وَسُوءِ حِفْظِ صَاحِبِهِ، مِثَالُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ.
فَهَذَا حَدِيثٌ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ،
وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا اضْطِرَابَ فِي مَتْنِهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ أُذُنَيْهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ؛ لِأَنَّ هَذَا
стр. 15
الْحَدِيثَ يُعْرَفُ بِيَزِيدَ بْنِ
أَبِي زِيَادٍ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ يَزِيدُ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ: ثُمَّ لَا يَعُودُ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ فَرَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ يَرْوِيهِ، وَقَدْ زَادَ فِيهِ: ثُمَّ لَا يَعُودُ، وَكَانَ لُقِّنَ فَتَلَقَّنَ.
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُتَّفَقًا عَلَى رَفْعِهِ، وَالْآخَرُ قَدِ اخْتَلَفَ فِي رَفْعِهِ، وَوَقْفِهِ الصَّحَابِيُّ، فَيَجِبُ تَرْجِيحُ مَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَلَى مَا اخْتُلِفَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى رَفْعِهِ حُجَّةٌ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَالْمُخْتَلَفَ فِي رَفْعِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ هَلْ يَكُونُ حُجَّةً أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَقْرَبُ إِلَى الْحِيطَةِ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُتَّفَقًا عَلَى اتِّصَالِهِ، وَالْآخَرُ يُوصِلُهُ بَعْضُهُمْ وَيُرْسِلُهُ آخَرُونَ، فَالْأَخْذُ بِالْمُسْنَدِ الْمُتَّفَقِ عَلَى اتِّصَالِهِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِالْمُخْتَلَفِ فِي إِرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ، فَإِنَّ الْمُرْسَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَالْمُتَّصِلَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يُقَاوِمُهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ رُوَاةُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مِمَّنْ لَا يُجَوِّزُونَ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَرُوَاةُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَحَدِيثُ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى اللَّفْظِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ نَقْلِهِ لَفْظًا، وَالْحِيطَةُ الْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ رُوَاةُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ فُقَهَاءَ عَارِفِينَ بِاجْتِنَاءِ الْأَحْكَامِ مِنْ مُثَمِّرَاتِ الْأَلْفَاظِ، فَالِاسْتِرْوَاحُ إِلَى حَدِيثِ الْفُقَهَاءِ أَوْلَى.
وَحَكَى عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: قَالَ لَنَا وَكِيعٌ: أَيُّ الْإِسْنَادَيْنِ أَحَبُّ
إِلَيْكُمْ؛ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْنَا: الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، الْأَعْمَشُ شَيْخٌ وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ،
وَسُفْيَانُ فَقِيهٌ، وَمَنْصُورٌ فَقِيهٌ، وَإِبْرَاهِيمُ فَقِيهٌ، وَعَلْقَمَةُ فَقِيهٌ، وَحَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الْفُقَهَاءُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَدَاوَلَهُ الشُّيُوخُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ حِفْظِهِ
стр. 16
صَاحِبَ كِتَابٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَالرَّاوِي الْآخَرُ حَافَظٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى كِتَابٍ، فَحَدِيثُ الْأَوَّلِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ قَدْ يَخُونُ أَحْيَانًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: قَالَ لِي سَيِّدِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: " لَا تُحَدِّثَنَّ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ ".
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مَنْسُوبًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نَصًّا وَقَوْلًا، وَالْآخَرُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ اسْتِدْلَالًا وَاجْتِهَادًا، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُرَجَّحًا نَحْوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَقَالَ: لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ.
فَهَذَا أَوْلَى بِالْعَمَلِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ ﷺ وَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَيْسَ فِيهِ تَنْصِيصٌ مِنْهُ ﵇، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ كَانَ يَرَى هَذَا لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْهُ، وَكَانَ تَقْدِيمُ مَا نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نَصًّا أَوْلَى. وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فِي الْمُزَارَعَةِ: كُنَّا نُخَابِرُ، وَكُنَّا نَكْرِي الْأَرْضَ، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إِلَى إِذْنِهِ، ﷺ .
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ. قَوْلُ
النَّبِيِّ ﷺ يُقَارِبُ فِعْلَهُ، وَفِي الْآخَرِ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ لَا غَيْرَ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ، نَحْوَ مَا رَوَتْهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تَجْرَاةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ وَهُوَ يَسْعَى وَيَقُولُ: اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ حَتَّى أَنْ مِيزَرَهُ لَيَدُورُ بِهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ فَهَذَا الْحَدِيثُ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: الْحَجُّ عَرَفَةُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ التَّرْجِيحِ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ، وَالثَّانِي فِعْلُهُ، وَيَجِبُ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ، وَالثَّالِثُ إِخْبَارُهُ عَنْ إِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْنَا، فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْ مُجَرَّدِ الْقَوْلِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقًا
стр. 17
لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ دُونَ الْآخَرِ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﵇: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا فَهَذَا حَدِيثٌ يُعَارِضُهُ نَهْيُهُ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ يُعَاضِدُهُ ظَوَاهِرُ مِنَ الْكِتَابِ، نَحْوُ قَوْلِهِ:
تَعَالَى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَقَوْلِهِ: سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقًا لِسُنَّةٍ أُخْرَى دُونَ الْآخَرِ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﵇: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُشِيدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ الْحَدِيثَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ دُونَ الْآخَرِ، فَيَكُونُ الْعُدُولُ عَنِ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ مُتَعَيِّنًا، وَلِهَذَا قُدِّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ؛
لِأَنَّ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فِي ذُكُورِهِ لَا تَجِبُ فِي إِنَاثِهِ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ.
الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثٌ آخَرُ مُرْسَلٌ أَوْ مُنْقَطِعٌ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الْآخَرِ.
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ دُونَ الثَّانِي، فَيَكُونُ آكَدَ؛ وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا، عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَرْبَعًا كَأَرْبَعِ الْجَنَائِزِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَيَكُونُ إِلَى الصِّحَّةِ أَقْرَبَ، وَالْأَخْذُ بِهِ أَصْوَبَ.
стр. 18
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي تَرْجِيحِ الْأَخْبَارِ: أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَمَلُ الْأُمَّةِ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَمِلَتْ بِمُوجَبِهِ لِصِحَّتِهِ، وَلَمْ تَعْمَلْ بِمُوجَبِ الْآخَرِ لِضَعْفِهِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ لِهَذَا التَّجْوِيزِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مَنْطُوقًا بِهِ، وَمَا يَتَضَمَّنُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ يَكُونُ مُحْتَمَلًا، وَلِذَلِكَ يَجِبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ ﵇: فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فِي إِيجَابِ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، عَلَى قَوْلِهِ ﵇: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى
يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ نَصٌّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مِلْكِ مَنْ كَانَتْ، وَقَوْلُهُ ﵇: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ لَا يُنْبِئُ عَنْ سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، بِأَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْوَلِيُّ، فَرَفْعُ الْقَلَمِ عَنْهُ يُفِيدُ نَفْيَ خِطَابِهِ وَالتَّكْلِيفَ لَهُ، وَلَا يُعَارَضُ ذَلِكَ النَّصُّ بِوَجْهٍ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُسْتَقِلًا بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضْمَارٍ، وَالْآخَرُ لَا يُفِيدُ إِلَّا بَعْدَ تَقْدِيرٍ وَإِضْمَارٍ، فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ مَعْلُومٌ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَالْمَحْذُوفُ مِنْهُ رُبَّمَا الْتَبَسَ مَا هُوَ الْمُضْمَرُ فِيهِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مَقْرُونًا بِصِفَةٍ، وَفِي الْآخَرِ مَقْرُونًا بِالِاسْمِ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، قُدِّمَ هَذَا عَلَى نَهْيِهِ ﵇ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ؛
لِأَنَّ تَبْدِيلَ الدِّينِ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَصَارَتْ كَالْعِلَّةِ وَهِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْأَحْكَامِ دُونَ الْأَسَامِي.
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُقَارِنُهُ تَفْسِيرُ الرَّاوِي دُونَ الْآخَرِ، نَحْوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَإِنَّ التَّفَرُّقَ هَهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْبَدَنِ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ؛ وَلِأَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا شَاهَدَ الْحَالَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ،
стр. 19
إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ لَائِقًا بِاللَّفْظِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ قَوْلًا وَالْآخَرُ فِعْلًا، فَالْقَوْلُ أَبْلَغُ فِي الْبَيَانِ؛ وَلِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كَوْنِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَاخْتَلَفُوا فِي اتِّبَاعِ فِعْلِهِ؛ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ مَا يَدُلُّ لِنَفْسِهِ عَلَى شَيْءٍ بِخِلَافِ الْقَوْلِ فَيَكُونُ أَقْوَى.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُخَصِّصًا، وَالثَّانِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ، فَمَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُضْعِفُ اللَّفْظَ وَيَمْنَعُهُ مِنْ جَرَيَانِهِ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَيَصِيرُ مَجَازًا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ فَيَكُونُ أَقْوَى.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُشْعِرًا بِنَوْعِ قَدْحٍ فِي أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَالثَّانِي لَا يُوهِمُ ذَلِكَ، نَحْوَ مَا رَوَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ أَمْرِ
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحَابَةَ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ فِيهَا، وَرَوَوْا أَيْضًا بِإِزَائِهِ حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْتَضِي الْقَدْحَ فِي حَالِ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ أَجَلُّ مَنْصِبًا مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْحَدِيثِ الثَّانِي، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ مَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُطْلَقًا، وَالْآخَرُ وَارِدًا عَلَى سَبَبٍ، فَيَتَقَدَّمُ الْمُطْلَقُ لِظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّخْصِيصِ فِي الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِإِلْحَاقِ التَّخْصِيصِ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ ﵇: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ عَلَى نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَارِدٌ عَلَى سَبَبٍ فِي الْحَرْبِيَّةِ.
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: فِي تَرْجِيحِ دِلَالَةِ الِاشْتِقَاقِ عَلَى أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُ مُجَرَّدَ اللَّمْسِ مِنْ غَيْرِ ضَمِيمَةِ الشَّهْوَةِ إِلَيْهِ؛ نَظَرًا إِلَى جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ
стр. 20
اللَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ إِلَى أَنْ يَدُلَّ دَلِيلُ التَّغْيِيرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَائِلًا بِالْخَبَرَيْنِ، يُرَجَّحُ قَوْلُهُ عَلَى الْآخَرِ إِذَا كَانَ يُسْقِطُ أَحَدَهُمَا وَيَقُولُ بِالْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَيَكُونُ أَوْلَى.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ زِيَادَةٌ لَا تَكُونُ فِي الثَّانِي، فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَنِ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ؛ لِذَلِكَ قُدِّمَ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ عَلَى خَبَرٍ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيعٍ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا احْتِيَاطٌ لِلْفَرْضِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ، وَلَا يَكُونُ فِي الْآخَرِ ذَلِكَ، فَتَقْدِيمُ مَا فِيهِ الِاحْتِيَاطُ أَوْلَى، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا
الِاحْتِيَاطَ فِي إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ وَالرُّعَافِ، وَإِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ؟ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَقَالَ: إِنَّا لَمْ نَقُلْ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى تَرْكِهَا أَوْ تَرْكِ بَعْضِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِرَاقِيَّ تَرَكَ إِيجَابَ الِاحْتِيَاطِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْوُضُوءِ، وَتَرَكَ الِاحْتِيَاطَ فِي يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْءِ، وَإِيجَابَ الْوُضُوءِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَإِذَا تَرَكَ الِاحْتِيَاطَ مَنْ قَالَ بِهِ فِي مُقْتَضَاهُ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ، كَذَا مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا يَقُولُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِيمَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا نَظِيرٌ مُتَّفَقٌ عَلَى حُكْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْآخَرِ، مِثَالُ: أَنْ يَقْضِيَ بِقَوْلِهِ ﷺ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظِيرًا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ قُضِيَ بِهِ
عَلَى قَوْلِهِ ﷺ : فِي الرَّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا قَالَهُ فِي الْعُشْرِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يَدُلُّ عَلَى الْحَظْرِ،
стр. 21
وَالْآخَرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْحَظْرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُرَجَّحُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ كَإِبَاحَةِ الْمَحْظُورِ، فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ رُجْحَانٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُرَجَّحُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ مَا يُبِيحُ وَمَا يَحْظُرُ غَلَبَ جَانِبُ الْحَظْرِ، كَمَا فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبَيْنَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَكَاجْتِمَاعِ زَكَاةِ الْمُسْلِمِ وَالْوَثَنِيِّ فِي الشَّاةِ، وَلِأَنَّ الْإِثْمَ حَاصِلٌ فِي فِعْلِ الْمَحْظُورِ، وَلَا إِثْمَ فِي تَرْكِ الْمُبَاحِ، فَكَانَ التَّرْكُ أَوْلَى.
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُثْبِتُ حُكْمًا يُخَالِفُ الْحُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَالثَّانِي يُثْبِتُ حُكْمًا مُوَافِقًا لِحُكْمِ قَبْلِ الشَّرْعِ، فَقَدْ قِيلَ: هَذَا أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَإِنْ وَافَقَ حُكْمًا قَبْلَ الشَّرْعِ فَقَدْ صَارَ شَرْعًا لَنَا بَعْدَ وُرُودِهِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: إِذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ فِي الْحُدُودِ وَأَحَدُهُمَا يَكُونُ مُسْقِطًا وَالْآخَرُ مُوجِبًا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا تُؤَثِّرُ الشُّبْهَةُ فِي ثُبُوتِهِ شَرْعًا، كَمَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ الشُّبْهَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَدَّمُ الْمُسْقِطُ عَلَى الْمُوجِبِ لِقَوْلِهِ ﵇: ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
(الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ) أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ إِثْبَاتًا يَتَضَمَّنُ النَّقْلَ عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ، وَالثَّانِي نَفْيًا يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ، فَيَكُونُ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى؛ لِأَنَّا اسْتَفَدْنَا بِالْمُثَبَتِ مَا لَمْ نَكُنْ نَسْتَفِيدُهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنَ الثَّانِي أَمْرًا إِلَّا مَا كُنَّا نَسْتَفِيدُهُ مِنْ قَبْلُ، فَكَانَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى، وَصُورَةُ الْمُثْبَتِ أَنْ يَرِدَ الْحَدِيثُ بِوُجُوبِ فِعْلٍ لَا يُوجِبُهُ الْعَقْلُ، وَيَرِدَ حَدِيثٌ آخَرُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ، فَهَذَا مُبْقٍ عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ نَاقِلٌ مُفِيدٌ فَهُوَ أَوْلَى. فَأَمَّا إِذَا كَانَ نَفْيُهُ وَإِثْبَاتُهُ ثَابِتَيْنِ بِالشَّرْعِ فَلَا يَتَرَجَّحُ بِهَذَا أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِلٌ عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ.
الْوَجْهُ الْخَمْسُونَ: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثَانِ الْمُتَعَارِضَانِ مِنْ قَبِيلِ الْأَقْضِيَةِ،
стр. 22
وَرَاوِي أَحَدِهِمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَرَاوِي أَحَدِهِمَا مُعَاذٌ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْفَرَائِضِ، وَرَاوِي أَحَدِهِمَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهَلُمَّ جَرَّا فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَرَاعَةِ وَالْحِذْقِ فِي فَنِّهِ، وَهَلْ يَصْلُحُ هَذَا فِي بَابِ التَّرْجِيحِ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّسُولِ ﷺ لَهُمْ أَبْلَغُ فِي تَقْوِيَةِ الظَّنِّ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ.
وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَدَّمْنَا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ:
أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ. فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي مَوْضُوعِ التَّرْجِيحَاتِ، وَثَمَّ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا كَيْ لَا يَطُولَ بِهِ هَذَا الْمُخْتَصَرُ.
فَصْلٌ
وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ فِي بَابِ التَّرْجِيحَاتِ، وَتَمْيِيزِ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ، لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ ، إِذْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَلَا
غِنًى لِمَنْ يُرِيدُ مَعْرِفَةَ النَّاسِخِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ؛ لِحُصُولِ اللَّبْسِ فِيهِمَا، وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأَخَصِّ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، غَيْرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمَنْسُوخِ، وَالتَّخْصِيصُ يَصِحُّ اتِّصَالُهُ بِالْمَخْصُوصِ، وَيَصِحُّ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، وَعِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ يَجِبُ اتِّصَالُهُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ لَا يَكُونُ إِلَّا خِطَابًا، وَالتَّخْصِيصُ قَدْ يَقَعُ بِقَوْلٍ وَفِعْلٍ وَقِيَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ نَسْخَ الشَّيْءِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِمَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الْقُوَّةِ، أَوْ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الرُّتْبَةِ، وَالتَّخْصِيصُ جَائِزٌ بِمَا هُوَ دُونَ الْمَخْصُوصِ مِنْهُ فِي الرُّتْبَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ، وَالنَّسْخُ
стр. 23
جَائِزٌ فِي مِثْلِهِ، سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ لَا يُرَى نَسْخُ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ يَخْرُجُ مِنَ الْخِطَابِ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَالنَّسْخُ رَافِعٌ مَا أُرِيدَ إِثْبَاتُ حُكْمِهِ.
ذِكْرُ وُقُوعِ النَّسْخِ فِي السُّنَّةِ عَلَى نَحْوِ وُقُوعِهِ فِي الْكِتَابِ
وُقُوعُ النَّسْخِ فِي السُّنَّةِ - اسْتِعْرَاضُ بَعْضِ الْآثَارِ الْمُؤَيِّدَةِ لِذَلِكَ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَارِئُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَادِيثِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
إِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ مَنَاكِيرَ لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ، وَجَدَهُ يُعَدُّ فِي مَوَالِي عُمَرَ ﵁.
قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَكْفَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ هُوَ ابْنُ الشِّخِّيرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ حَدِيثُهُ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ الصُّوفِيِّ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْقَاسِمِ غَانِمُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ، حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْعَجَمِيُّ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي التَّمِيمِيُّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: إِنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ الْقُرْآنِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بُلَيْمَانَ بْنِ يُوسُفَ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرَيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَحْمُودٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ،
стр. 24
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي يُحَدِّثُنِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ الْقَوْلَ، ثُمَّ يَلْبَثُ أَحْيَانًا، ثُمَّ يَنْسَخُهُ بِقَوْلٍ آخَرَ كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
بَابُ
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ يَقُولُ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ رَجُلٌ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، وَأَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْكِسَائِيُّ الْفَقِيهُ، قَالَ: الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَّبِعُوا الْقُرْآنَ، وَلَا يُخَالِفُوهُ، فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِأَنَّ فِي السُّنَنِ مَا يُخَالِفُ التَّنْزِيلَ، قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. وَكُلُّ سُنَّةٍ ثَبَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَجُوزُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهَا خِلَافُ التَّنْزِيلِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ التَّنْزِيلَ، وَالسُّنَّةُ كَانَ يَنْزِلُ بِهَا جِبْرِيلُ، وَيُعَلِّمُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَقُولُ قَوْلًا يُخَالِفُ التَّنْزِيلَ إِلَّا مَا نُسِخَ مِنْ قَوْلِهِ بِالتَّنْزِيلِ، فَمَعْنَى التَّنْزِيلِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ ثَبَتَ عَنْهُ.
وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ رَجُلٌ: دَعُونَا مِنْ هَذَا وَجِيئُونَا بِكِتَابِ اللَّهِ.
стр. 25
فَقَالَ عِمْرَانُ: إِنَّكَ أَحْمَقُ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الصَّلَاةَ مُفَسَّرَةً؟ أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الصِّيَامَ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ الْقُرْآنَ جَمَعَ ذَلِكَ، وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، هَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: جَوَازُ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ: جَوَازُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
الثَّانِيَةُ: جَوَازُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.
أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، فَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَهَبُوا إِلَى الْجَوَازِ وَقَالُوا: لَا اسْتِحَالَةَ فِي وُقُوعِهِ عَقْلًا، وَقَدْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى وُقُوعِهِ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى، قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: تُفَسِّرُهُ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْكِسَائِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: ذِكْرُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، قَوْلُ اللَّهِ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَقَالَ: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ
стр. 26
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
فَنَسَخَ الْمِيرَاثَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ.
وَنَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ.
قَالَ: وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ الْحُرَّ، وَلَا الْحُرُّ يَرِثُ الْعَبْدَ، وَقَالَ تَعَالَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تُنْكَحُ الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى، وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى.
وَنُسِخَ أَيْضًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا. فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ : إِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ فَلَحِقَتْ بِالْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا.
وَإِنَّ مَنْ صَارَ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمَاتٍ أَوْ مُسْتَأْمَنَاتٍ بِغَيْرِ أَسْرٍ وَلَا قَهْرٍ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ، وَحِلٌّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلَا عِوَضَ عَلَى أَحَدٍ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَعَمَّ بِهِ كُلَّ سَارِقٍ، ثُمَّ نَسَخَ مِنْ ذَلِكَ سَارِقَ الْغَنَمِ، بِقَوْلِهِ ﵇: لَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الْغَنَمِ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا إِذَا لَمْ يَأْوِهَا الْمُرَاحُ، وَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ التَّمْرِ إِذَا لَمْ يَأْوِهِ الْجَرِينُ.
وَقَالَ ﵇: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ، وَقَطْعٌ فِي قِيمَتِهِ مَعْلُومَةً.
وَقَالَ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، فَأَطْلَقَ قَلِيلَ الْوَصِيَّةِ وَكَثِيرَهَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِسَعْدٍ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ
وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا الْآيَةَ، ثُمَّ حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ.
وَقَالَ : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْآيَةَ، وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
وَقَالَ : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ - الْآيَةَ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ مَعَ الْخَوْفِ ثُمَّ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ بِكُلِّ حَالٍ.
هَذِهِ آخِرُ كَلَامِ أَبِي الشَّيْخِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ
стр. 27
حَدِيثٍ يُحَقَّقُ فِيهِ شَرْطُ النَّسْخِ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَنَفَرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَقَالُوا: كَمَا خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي اللَّوَازِمِ وَالتَّوَابِعِ، كَذَلِكَ السُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ، لِتَبَايُنِهِمَا فِي الْحَقَائِقِ وَاللَّوَاحِقِ، وَرُوِّينَا مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁.
أَخْبَرَنِي الْأَمِيرُ أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ
طَاهِرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَالنَّاسِخُ مِنَ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ يُخَالِفُهُ، كَمَا حَوَّلَ الْقِبْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكُلُّ مَنْسُوخٍ يَكُونُ حَقًّا مَا لَمْ يُنْسَخْ، فَإِذَا نُسِخَ كَانَ الْحَقُّ فِي نَاسِخِهِ، وَلَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا كِتَابُهُ، وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ - قَالَ: لَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَلَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَالُوا: النَّاسِخُ فِي الْحَقِيقَةِ - هُوَ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْكُلُّ مِنْ عِنْدِهِ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ؟ وَأَيُّ تَأْثِيرٍ لِاعْتِبَارِ التَّجَانُسِ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُهُ، وَالسَّمْعَ دَلَّ عَلَى وُقُوعِهِ؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَارِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيُّ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ، حَدَّثَنَا جَبْرُونُ بْنُ وَاقِدٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ
стр. 28
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
جَبَرُونُ بْنُ وَاقِدٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ سِوَى حَدِيثَيْنِ؛ هَذَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُنْكَرٌ، وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهُ غَيْرُهُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ التَّجَانُسِ، قَالُوا:
الْكِتَابُ مُجْمَلٌ، وَالسُّنَّةُ مُبَيِّنَةٌ، وَفِي تَجْوِيزِ نَسْخِ الْمُبَيَّنِ بِالْمُجْمَلِ إِخْلَالٌ بِمَقْصُودِ التَّفَاهُمِ، وَتَفَاصِيلُ مَذَاهِبِ الْكُلِّ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْقَصْدُ هُنَا الْإِيمَاءُ إِلَى جُمَلٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذْ تَمَّتِ الْمُقَدِّمَةُ، فَلْنَشْرَعِ الْآنَ فِي الْمَقْصُودِ، مُرَتَّبًا عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ؛ لِيَكُونَ أَسْهَلَ تَنَاوُلًا، وَاللَّهُ تَعَالَى يُدِيمُ بِهِ النَّفْعَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْغُسْلِ:
مَا كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا غُسْلَ إِلَّا مِنَ الْإِنْزَالِ
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ الطَّرْقِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ أَحَدٌ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُمْنِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ.
قَالَ
стр. 29
عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ: وَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ،
وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا جَامَعَ أَحَدُنَا فَلَمْ يُنْزِلْ مَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيُصَلِّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَثْبَتُ مِنْ إِسْنَادِ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ.
هُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَخْرَجُهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَحَمَّادٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ الْوَكِيلُ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ: لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ. رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ،
стр. 30
وَمِنَ التَّابِعِينَ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ الِاغْتِسَالَ إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَلَمْ يُنْزِلْ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَمِيرُ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْدَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَقَامَ أَبُو مُوسَى إِلَى عَائِشَةَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ فَقَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنِ الْأَنْصَارِيِّ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْقَاسِمِ غَانِمُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْبُرْجِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَهِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ،
عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ اجْتَهَدَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. وَزَادَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَهِشَامٍ، وَرَوَاهُ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ قَتَادَةَ، وَذَكَرَ فِيهِ الزِّيَادَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَمَاعَةٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَطَرٍ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ، وَأَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْمُوصِلِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ
стр. 31
الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْقَدِيمِ، وَأَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ نَحْوَهُ.
فَهَذِهِ الْآثَارُ تُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ إِذَا جَامَعَ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الْآثَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ. وَمِنَ التَّابِعِينَ: شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الْآثَارُ تُخْبِرُ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ حَتْمٌ، وَالْآثَارُ الْأُوَلُ تُخْبِرُ عَمَّا يَجِبُ وَعَمَّا لَا يَجِبُ فَهِيَ أَوْلَى، يُقَالُ: الْآثَارُ الَّتِي رُوِيَتْ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ قِسْمَانِ:
قِسْمٌ مِنْهَا: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ لَا غَيْرَ.
وَقِسْمٌ مِنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا غُسْلَ عَلَى مَنْ أَكْسَلَ حَتَّى يُنْزِلَ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَهُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، رُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، حَدَّثَنَا الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ " فِي الَّذِي يَحْتَلِمُ لَيْلًا، فَيَسْتَيْقِظُ مِنْ مَنَامِهِ وَلَا يَجِدُ بَلَلًا.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا بَيَّنَ فِيهِ الْأَمْرَ، وَأَخْبَرَ فِيهِ بِالْقِصَّةِ،
وَأَنَّهُ لَا غُسْلَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّتِ الْأَخْبَارُ فِي طَرَفَيِ الْإِيجَابِ وَالرُّخْصَةِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ مَنَاصًا عَنْ غَوَائِلِ التَّعَارُضِ مِنْ جِهَةِ التَّارِيخِ؛ حَيْثُ تَعَذَّرَ مَعْرِفَتُهُ مِنْ صَرِيحِ اللَّفْظِ؟ فَوَجَدْنَا آثَارًا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَبَعْضُهَا يُصَرِّحُ بِالنَّسْخِ، فَحِينَئِذٍ
стр. 32
تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَى الْإِيجَابِ لِتَحَقُّقِ النَّسْخِ فِي ذَلِكَ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ شَيْئًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تُرِكَ ذَلِكَ بَعْدُ، وَأُمِرُوا بِالْغُسْلِ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّاجِرُ فِي كِتَابِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُيَالٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا.
هَذَا حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيُّ، فَرَوَاهُ يُونُسُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَرْضَى، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أُبَيٍّ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، مَوْقُوفًا عَلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أُبَيٍّ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا بَدَأْتُ بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَنُزُوعُهُ: أَنَّ فِيهِ دِلَالَةً عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَسْمَعْ خِلَافَهُ فَقَالَ بِهِ، ثُمَّ لَا أَحْسَبُهُ تَرَكَهُ إِلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بَعْدَهُ مَا نَسَخَهُ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ
стр. 33
بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْمُذَكِّرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ
رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِي، فَقُمْتُ وَلَمْ أُنْزِلْ، فَاغْتَسَلْتُ وَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي وَأَنَا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِي، فَقُمْتُ وَلَمْ أُنْزِلْ، فَاغْتَسَلْتُ وَخَرَجْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا عَلَيْكَ، الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ.
قَالَ رَافِعٌ: ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْغُسْلِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَسُؤَالَ أَبِي مُوسَى، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهِيَ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ تُشِيدُ هَذِهِ الْآثَارَ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يُكْسِلُ وَلَا يُنْزِلُ. فَقَالَ زَيْدٌ: يَغْتَسِلُ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ لَا يَرَى الْغُسْلَ. فَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّ أُبَيًّا قَدْ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
فَهَذَا أُبَيٌّ قَدْ قَالَ هَذَا، وَقَدْ رَوَّى النَّبِيَّ ﷺ خِلَافَ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَنَا؛ إِلَّا وَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَقَدْ رَوَاهُ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ بُنْدَارٍ، وَهُمَا مِنَ الثِّقَاتِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ الْمَاءُ بِالْمَاءِ ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْغُسْلِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ خَرَجَ الْمَاءُ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو طَاهِرٍ رَوْحُ بْنُ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَوْ قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّاجِرُ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا
стр. 34
الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " لَيْسَ عَلَى مَنْ لَمْ يُنْزِلْ غُسْلٌ ". ثُمَّ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ أُبَيٌّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَفِيمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - يُفْتُونَ (الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ) ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ مَسَّ امْرَأَتَهُ غُسْلٌ مَا لَمْ يُمْنِ. فَلَمَّا ذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ عُمَرَ، أَبَوْا تِلْكَ الْفُتْيَا، وَقَالُوا: إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ كَانَ يَرَى الرُّخْصَةَ لَمَّا بَلَغَهُمُ النَّسْخُ نَزَعُوا عَنْ ذَلِكَ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ نَحْوَهُ.
ذِكْرُ خَبَرٍ آخَرَ يُشِيدُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ
أُخْبِرْتُ عَنْ زَاهِرِ بْنِ طَاهِرٍ الْمُسْتَمْلِي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الزَّوْزَنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ، مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ
стр. 35
الْجَوْزَجَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عُرْوَةَ فِي الَّذِي يُجَامِعُ وَلَا يُنْزِلُ؟ قَالَ: عَلَى النَّاسِ أَنْ يَأْخُذُوا بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ.
هَذَا حَدِيثٌ قَدْ حَكَمَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ بِصِحَّتِهِ، وَأَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عِمْرَانَ قَدْ يَأْتِي عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْمَنَاكِيرِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْحَدِيثُ بِهَذَا السِّيَاقِ فِيهِ مَا فِيهِ، لَكِنَّهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ فِي الِاسْتِشْهَادِ.
بَابُ النَّهْيِ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، لَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ، كُلِّهِمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَقِيهُ السَّلَامِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ،
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا.
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ الرِّيَاحَيِّ، بَصْرِيٌّ، صَالِحُ الْحَدِيثِ، تَفَرَّدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِ، وَأَظُنُّ لَيْسَ لَهُ فِي كِتَابِهِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
وَكَذَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، تَفَرَّدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ
стр. 36
مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ كَمَا سُقْنَاهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّا لَنَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ! قَالَ: إِنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ.
صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ يَقُولُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَ النَّاسَ بِذَلِكَ.
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ الْقَاضِي، أَنْبَأَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَرَجِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى الثَّعْلَبِيِّينَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ؛ حَلِيفٍ لَهُمْ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ:
فَصِنْفٌ كَرِهُوهُ مُطْلَقًا، وَحَمَلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا؛ مِنْهُمْ: مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُتَوَقَّى فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُيُوتِ.
وَصِنْفٌ رَخَّصُوا فِيهِ، وَلَمْ يَرَوْا بِذَلِكَ بَأْسًا، مِنْهُمْ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَحَكَى ذَلِكَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّأْيُ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالرُّخْصَةِ اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْبَابِ جَاءَتْ مُخْتَلِفَةً فَيَجِبُ إِيقَافُهَا، وَتَرْكُ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ الَّتِي كَانَتْ، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا مَنْسُوخَةٌ.
стр. 37
بَيَانُ النَّسْخِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي هَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ. فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ أَوْ نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إِذَا أَهْرَقْنَا الْمَاءَ، ثُمَّ قَدْ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدَارٍ، وَأَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ.
أَخْبَرَنِي الْأَدِيبُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بَنِيمَانَ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرَيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ، وَعِنْدَهُ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا اسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ وَلَا اسْتَدْبَرَتُهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عِرَاكٌ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ أَمَرَّ بِمَقْعَدَتِهِ فَاسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةَ.
تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَفِي الْحَدِيثِ كَلَامٌ كَثِيرٌ أَشَرْتُ إِلَى بَعْضِهِ فِي مُسْنَدِ الْمُهَذِّبِ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى النَّسْخِ.
وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: جَمَعُوا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، وَجَعَلُوا الرُّخْصَةَ فِي اسْتِقْبَالِ
стр. 38
الْقِبْلَةِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فِي الْمَنَازِلِ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارَى، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا: الشَّعْبِيُّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. وَكَانَ حُجَّتَهُمْ فِي النَّهْيِ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، وَفِي الرُّخْصَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ
حِبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ مَالِكٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا! فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى؛ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ هِرَامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْبِرَازَ فَلْيُكْرِمْ قِبْلَةَ اللَّهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ زَمْعَةَ مُرْسَلًا، وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ زَمْعَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، وَابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا.
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ:
стр. 39
أَكَانَ زَمْعَةُ يَرْفَعُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَأَلْتُ سَلَمَةَ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، يَعْنِي لَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: حَدِيثُ طَاوُسٍ هَذَا مُرْسَلٌ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَهُ، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُسْنَدٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، وَأَوْلَى أَنْ يُثْبَتَ مِنْهُ لَوْ خَالَفَهُ، وَإِنْ كَانَ - قَالَ طَاوُسٌ - حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكْرِمَ قِبْلَةَ اللَّهِ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَهَا، فَإِنَّمَا سَمِعَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى إِكْرَامِ الْقِبْلَةِ، وَهِيَ أَهْلُ أَنْ تُكَرَّمَ، وَالْحَالُ فِي الصَّحَارَى كَمَا حَدَّثَ أَبُو أَيُّوبَ، وَفِي الْبُيُوتِ كَمَا حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ، لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ
بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: عَجِبْتُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا ". وَقَالَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَهَبَ مَذْهَبًا مُوَاجِهَ الْقِبْلَةِ. قَالَ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحْرَاءِ: " إِنَّ لِلَّهِ خَلْقًا مِنْ عِبَادِهِ يُصَلُّونَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوهُمْ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهُمْ، أَمَّا بُيُوتُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَتَّخِذُونَهَا لِلنَّتْنِ فَإِنَّهُ لَا قِبْلَةَ لَهَا.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى هُوَ الْخَيَّاطُ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ مَيْسَرَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ يَحْيَى الزَّعْفَرَانِيُّ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ قَاضِي الْيَمَامَةِ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَسِّ
стр. 40
الذَّكَرِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْ جَسَدِكَ.
رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَتَابَعُهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَقَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ
قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : هَلْ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ؟ قَالَ: لَا.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَكُونُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ فَيَمَسُّ ذَكَرَهُ، يُعِيدُ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا هُوَ مِنْكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَرَأَوْا تَرْكَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ: فَذَهَبُوا إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَبَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ادَّعَى أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَنْسُوخٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِيجَابُ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَبُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ؛ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رِيَاحٍ،
следующие страницы →