Полный текст (244 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ كَمَا سُقْنَاهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّا لَنَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ! قَالَ: إِنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ.
صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ يَقُولُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَ النَّاسَ بِذَلِكَ.
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ الْقَاضِي، أَنْبَأَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَرَجِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى الثَّعْلَبِيِّينَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ؛ حَلِيفٍ لَهُمْ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ:
فَصِنْفٌ كَرِهُوهُ مُطْلَقًا، وَحَمَلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا؛ مِنْهُمْ: مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُتَوَقَّى فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُيُوتِ.
وَصِنْفٌ رَخَّصُوا فِيهِ، وَلَمْ يَرَوْا بِذَلِكَ بَأْسًا، مِنْهُمْ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَحَكَى ذَلِكَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّأْيُ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالرُّخْصَةِ اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْبَابِ جَاءَتْ مُخْتَلِفَةً فَيَجِبُ إِيقَافُهَا، وَتَرْكُ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ الَّتِي كَانَتْ، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا مَنْسُوخَةٌ.
стр. 37
بَيَانُ النَّسْخِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي هَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ. فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ أَوْ نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إِذَا أَهْرَقْنَا الْمَاءَ، ثُمَّ قَدْ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدَارٍ، وَأَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ.
أَخْبَرَنِي الْأَدِيبُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بَنِيمَانَ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرَيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ، وَعِنْدَهُ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا اسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ وَلَا اسْتَدْبَرَتُهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عِرَاكٌ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ أَمَرَّ بِمَقْعَدَتِهِ فَاسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةَ.
تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَفِي الْحَدِيثِ كَلَامٌ كَثِيرٌ أَشَرْتُ إِلَى بَعْضِهِ فِي مُسْنَدِ الْمُهَذِّبِ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى النَّسْخِ.
وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: جَمَعُوا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، وَجَعَلُوا الرُّخْصَةَ فِي اسْتِقْبَالِ
стр. 38
الْقِبْلَةِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فِي الْمَنَازِلِ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارَى، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا: الشَّعْبِيُّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. وَكَانَ حُجَّتَهُمْ فِي النَّهْيِ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، وَفِي الرُّخْصَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ
حِبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ مَالِكٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا! فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى؛ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ هِرَامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْبِرَازَ فَلْيُكْرِمْ قِبْلَةَ اللَّهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ زَمْعَةَ مُرْسَلًا، وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ زَمْعَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، وَابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا.
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ:
стр. 39
أَكَانَ زَمْعَةُ يَرْفَعُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَأَلْتُ سَلَمَةَ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، يَعْنِي لَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: حَدِيثُ طَاوُسٍ هَذَا مُرْسَلٌ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَهُ، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُسْنَدٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، وَأَوْلَى أَنْ يُثْبَتَ مِنْهُ لَوْ خَالَفَهُ، وَإِنْ كَانَ - قَالَ طَاوُسٌ - حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكْرِمَ قِبْلَةَ اللَّهِ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَهَا، فَإِنَّمَا سَمِعَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى إِكْرَامِ الْقِبْلَةِ، وَهِيَ أَهْلُ أَنْ تُكَرَّمَ، وَالْحَالُ فِي الصَّحَارَى كَمَا حَدَّثَ أَبُو أَيُّوبَ، وَفِي الْبُيُوتِ كَمَا حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ، لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ
بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: عَجِبْتُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا ". وَقَالَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَهَبَ مَذْهَبًا مُوَاجِهَ الْقِبْلَةِ. قَالَ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحْرَاءِ: " إِنَّ لِلَّهِ خَلْقًا مِنْ عِبَادِهِ يُصَلُّونَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوهُمْ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهُمْ، أَمَّا بُيُوتُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَتَّخِذُونَهَا لِلنَّتْنِ فَإِنَّهُ لَا قِبْلَةَ لَهَا.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى هُوَ الْخَيَّاطُ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ مَيْسَرَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ يَحْيَى الزَّعْفَرَانِيُّ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ قَاضِي الْيَمَامَةِ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَسِّ
стр. 40
الذَّكَرِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْ جَسَدِكَ.
رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَتَابَعُهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَقَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ
قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : هَلْ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ؟ قَالَ: لَا.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَكُونُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ فَيَمَسُّ ذَكَرَهُ، يُعِيدُ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا هُوَ مِنْكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَرَأَوْا تَرْكَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ: فَذَهَبُوا إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَبَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ادَّعَى أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَنْسُوخٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِيجَابُ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَبُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ؛ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رِيَاحٍ،
стр. 41
وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ رِجَالِ الْأَنْصَارِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءَ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ادَّعَى أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مَنْسُوخٌ، وَنَاسِخُهُ مَا أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ.
قَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ! قَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ ابْنَةُ صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ.
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَعْنٍ، وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأْ.
هَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَرَوَاهُ فِي سُنَنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ النَّوْفَلِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْخَيَّاطِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ الْمِصْرِيُّ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدٍ.
كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَوَّلًا، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، سُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدْ رَوَى
стр. 42
عَنْهُ نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، كَمَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ دَلَّتْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّمَا رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ.
هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ إِمَامٌ غَيْرُ مُدَافَعٍ، وَقَدْ خَرَّجَهُ
فِي مُسْنَدِهِ، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفَيْنِ فَيُحْتَجُّ بِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ حَدِيثَهُ مُحْتَجِّينَ بِهِ.
وَالزُّبَيْدِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَاضِي دِمَشْقَ، مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ، مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الصِّحَاحِ كُلِّهَا.
وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَإِذَا رَوَى عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ لَيْسَ فِيهَا إِرْسَالٌ وَلَا انْقِطَاعٌ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينِ.
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ " الْعِلَلِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ مَسِّ الذَّكَرِ هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، فَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهُ مِنْ مَفَارِيدِ بَقِيَّةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَهُ عَنْ مَجْهُولٍ، وَالْغَرَضُ مِنْ تَبْيِينِ هَذَا الْحَدِيثِ زَجْرُ مَنْ لَمْ يُتْقِنْ مَعْرِفَةَ مَخَارِجِ الْحَدِيثِ عَنِ الطَّعْنِ فِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعٍ وَبَحْثٍ عَنْ مَطَالِعِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الرُّخْصَةِ: الْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ طَلْقٍ أَوْلَى لِأَسْبَابٍ:
مِنْهَا: اشْتِهَارُ طَلْقٍ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمِنْهَا: طُولُ صُحْبَتِهِ، وَكَثْرَةُ رِوَايَتِهِ.
وَأَمَّا بُسْرَةُ فَغَيْرُ مَشْهُورَةٍ، وَاخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي نَسَبِهَا يَدُلُّ عَلَى جَهَالَتِهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: هِيَ كِنَانِيَّةٌ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ: أَسَدِيَةٌ. ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنَا
стр. 43
انْتِفَاءَ الْجَهَالَةِ عَنْهَا مَا كَانَتْ أَيْضًا تُوَازِي طَلْقًا فِي كَثْرَةِ رِوَايَتِهِ؛ إِذْ قِلَّةُ رِوَايَتِهَا تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ صُحْبَتِهَا، ثُمَّ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِهَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهَا، ثُمَّ حَدِيثُ النِّسَاءِ إِلَى الضَّعْفِ مَا هُوَ!
قَالُوا: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمَحَلُّهُ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ مَا قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ قَالَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: كَيْفَ تَتَقَلَّدُ إِسْنَادَ بُسْرَةَ وَمَرْوَانُ أَرْسَلَ شَرْطِيًّا حَتَّى رَدَّ جَوَابَهَا إِلَيْهِ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عِنْدَنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.
ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا ثُبُوتَ الْحَدِيثِ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمُ ادِّعَاءُ النَّسْخِ فِي ذَلِكَ؟ إِذْ لَيْسَ فِي حَدِيثِ بُسْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ، بَلْ أَوْلَى الطُّرُقِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، كَمَا حَكَاهُ لُوَيْنٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: تَفْسِيرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ مَعْنَاهُ: أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ إِذَا مَسَّهُ، أَجَابَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِيجَابِ، وَقَالَ: لَا يُنْكِرُ اشْتِهَارَ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَتَانَةَ حَدِيثِهَا إِلَّا مِنْ جَهِلَ مَذَاهِبَ التَّحْدِيثِ، وَلَمْ يُحِطْ عِلْمُهُ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ رُوِّينَا قَوْلَنَا عَنْ غَيْرِ بُسْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِي يَعِيبُ عَلَيْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ بُسْرَةَ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ عَجْرَدٍ، وَأُمِّ خِدَاشٍ، وَعِدَّةٍ مِنَ النِّسَاءِ لَسْنَ بِمَعْرُوفَاتٍ فِي الْعَامَّةِ، وَيَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِنَّ، وَيُضَعِّفُ بُسْرَةَ مَعَ سَابِقَتِهَا وَقَدِيمِ هِجْرَتِهَا وَصُحْبَتِهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ حَدَّثَتْ بِهَذَا فِي دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، بَلْ عَلِمْنَا بَعْضَهُمْ صَارَ إِلَيْهِ عَنْ رِوَايَتِهَا مِنْهُمْ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ دَفَعَ وَأَنْكَرَ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْخَبَرَ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ بُسْرَةَ رَوَتْهُ قَالَ بِهِ وَتَرَكَ قَوْلَهُ، وَسَمِعَهَا ابْنُ عُمَرَ تُحَدِّثُ بِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ حَتَّى مَاتَ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: أَتَدْرُونَ مَنْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ؟ هِيَ جَدَّةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أُمُّ أُمِّهِ، فَاعْرِفُوهَا.
وَقَالَ مُصْعَبُ
стр. 44
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ عَمُّهَا، وَلَيْسَ لِصَفْوَانَ بْنِ نَوْفَلٍ عَقِبٌ إِلَّا مِنْ قِبَلِ بُسْرَةَ، هِيَ زَوْجَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
قَالُوا: وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِهَا فَقَدْ وُجِدَ فِي حَدِيثِ طَلْقٍ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَوْلَى.
ثُمَّ إِذَا صَحَّ لِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ، وَسَلِمَ مِنْ شَوَائِبِ الطَّعْنِ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْبَاقِينَ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ الَّذِي مَرَّ سَنَدُهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي عَدَالَةِ رُوَاتِهِ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ بِأَنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يُمَارِي مَرْوَانَ فِي ذَلِكَ حَتَّى دَعَا رَجُلًا مِنْ حَرَسِهِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى بُسْرَةَ يَسْأَلُهَا، فَغَيْرُ قَادِحٍ فِي الْمَقْصُودِ؛ لِصَيْرُورَةِ عُرْوَةَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَوْلَا ثِقَةُ الْحَرَسِيِّ عِنْدَهُ لَمَا صَارَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَأَلَ بُسْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَصَدَّقَتْهُ، نَحْوَ ذَلِكَ رَوَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِزَامِيُّ، وَعَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بُسْرَةَ، قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْقٍ فَلَا يُقَاوِمُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ لِأَسْبَابٍ:
مِنْهَا: نَكَارَةُ سَنَدِهِ، وَرَكَاكَةُ رِوَايَتِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: وَزَعَمَ - يَعْنِي مَنْ خَالَفَهُ - أَنَّ قَاضِيَ الْيَمَامَةِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ جَابِرٍ ذَكَرَا عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ سَأَلْنَا عَنْ قَيْسٍ فَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ، فَمَا يَكُونُ لَنَا فِيهِ قَبُولُ خَبَرِهِ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَنْ وَصَفْنَا نَعْتَهُ وَرَجَاحَتَهُ فِي الْحَدِيثِ وَثَبْتَهُ.
وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى حَدِيثِ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ قَاضِي الْيَمَامَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ السُّحَيْمِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، وَقَدْ مَرَّ حَدِيثُهُمَا، وَأَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ضَعِيفَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ طَلْقٍ أَيْضًا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسٍ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَيِ الصَّحِيحِ لَمْ يَحْتَجَّا بِشَيْءٍ مِنْ رِوَايَتِهِ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وَعِكْرِمَةُ أَقْوَى مَنْ رَوَاهُ عَنْ قَيْسٍ، إِلَّا أَنَّهُ رَوَاهُ مُنْقَطِعًا.
قَالُوا: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي
قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ.
стр. 45
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَقَالَا: قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ لَيْسَ مِمَّنْ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَوَهَّنَاهُ، وَلَمْ يُثْبِتَاهُ. قَالُوا: وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ كَمَا لَمْ يُخْرِجْهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ فِي الصَّحِيحِ لَمْ يَحْتَجَّا أَيْضًا بِشَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ، وَلَا بِرِوَايَاتِ أَكْثَرِ رُوَاةِ حَدِيثِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَحَدِيثُ بُسْرَةَ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجَاهُ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي سَمَاعِ عُرْوَةَ مِنْ بُسْرَةَ، أَوْ هُوَ عَنْ مَرْوَانَ، عَنْ بُسْرَةَ، فَقَدِ احْتَجَّا بِسَائِرِ رُوَاةِ حَدِيثِهَا؛ مَرْوَانُ فَمَنْ دُونَهُ، قَالُوا: فَهَذَا وَجْهُ رُجْحَانِ حَدِيثِهَا عَلَى حَدِيثِ قَيْسٍ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الرُّجْحَانَ إِنَّمَا يَقَعُ بِوُجُودِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، وَالْعَدَالَةِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ دُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَأَمَّا مَنْعُهُمُ ادِّعَاءَ النَّسْخِ قَالُوا: الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ زَمَنَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْنِي الْمَسْجِدَ، وَحَدِيثَ بُسْرَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَأَخُّرِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ.
ذِكْرُ خَبَرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُدُومَ طَلْقٍ كَانَ أَوَّلَ الْهِجْرَةِ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رُسْتُمَ، حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: يَا يَمَامِيُّ أَنْتَ أَرْفَقُ بِتَخْلِيطِ الطِّينِ فَلَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ، فَرَقَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . كَذَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَفِيهِ ذِكْرُ الرُّخْصَةِ فِي مَسِّ الذَّكَرِ، قَالُوا: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مُتَقَدِّمٌ، وَأَحَادِيثَ الْمَنْعِ مُتَأَخِّرَةٌ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَصَحَّ ادِّعَاءُ النَّسْخِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرْنَا: هَلْ نَجِدُ أَمْرًا يُؤَكِّدُ مَا صِرْنَا إِلَيْهِ، فَوَجَدْنَا طَلْقًا رَوَى حَدِيثًا فِي الْمَنْعِ، فَدَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ النَّقْلِ فِي إِثْبَاتِ النَّسْخِ، وَأَنَّ طَلْقًا قَدْ شَاهَدَ الْحَالَتَيْنِ،
стр. 46
وَرَوَى النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعُلَا الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّسَوِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ.
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عُتْبَةَ إِلَّا حَمَّادُ
بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُمَا عِنْدِي صَحِيحَانِ، يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ هَذَا، ثُمَّ سَمِعَ هَذَا بَعْدُ؛ فَوَافَقَ حَدِيثَ بُسْرَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَسَمِعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُوسِي الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْكِسَائِيُّ الْفَقِيهُ قَالَ: الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَنْ يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ، يَقُولُونَ: قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، فَلَا يَرُدُّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، وَلَوْ كَانَتْ رِوَايَتُهُمَا مُثْبَتَةً لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَى بِخِلَافِ رِوَايَتِهِمَا، وَمَعَ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ أَبْلَغُ.
وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّ الذَّكَرَ لَا يُشْبِهُ سَائِرَ الْجَسَدِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْهَامِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، مَا هُوَ مِنَّا لَكَانَ لَا بَأْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَمَسَّهُ بِأَيْمَانِنَا، فَكَيْفَ يُشَبَّهُ الذَّكَرُ بِمَا وَصَفُوا مِنَ الْإِبْهَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا سَوَاءً لَكَانَ سَبِيلُهُ فِي الْمَسِّ سَبِيلَ مَا سَمَّيْنَا، وَلَكِنَّ هَهُنَا عِلَّةً قَدْ غَابَتْ عَنَّا مَعْرِفَتُهَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِكَيْ يَتْرُكَ النَّاسُ مَسَّ الذَّكَرِ، فَيَصِيرُ مِنْ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ.
بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْكِنَانِيِّ بِوَاسِطٍ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ
стр. 47
أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ بْنُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ. أَكَلَ أَثْوَارًا مِنْ أَقِطٍ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لِمَ تَوَضَّأْتَ؟ قَالَ: إِنِّي أَكَلْتُ أَثْوَارًا مِنْ أَقِطٍ فَتَوَضَّأْتُ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَتَوَضَّأُ مِنَ السُّكَّرِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ تَفَرَّدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ قَارِظٍ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ الْقَارِئُ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي مُوسَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إِلَى الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ: ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَائِشَةُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو عَزَّةَ الْهُذَلِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو مِجْلَزٍ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَرَأَوْهُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ مِنْهُ وُضُوءًا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ عَامَّتُهُمْ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ،
стр. 48
وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بَنِيمَانَ بْنِ يُوسُفَ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ مِنْ أَصْلِهِ الْعَتِيقِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِيمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ يُقَالُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا صَحِبَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ يُرْوَى عَنْهُ: أَنَّهُ رَآهُ يَأْكُلُ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ أَبْيَنِ
стр. 49
الدِّلَالَاتِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ مَنْسُوخٌ، أَوْ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ بِالْغَسْلِ وَالتَّنْظِيفِ، وَالثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهُ، ثُمَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَدَلُّ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ مَنْسُوخٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صُحْبَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَأَخِّرَةٌ، إِنَّمَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَدْ قِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي خَلْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ آخِرَ أَمْرِهِ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَتَكَافَأَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ، وَتَكَلَّمَتِ الْأَئِمَّةُ فِي الْأَوَّلِ مِنْهُ وَالْآخِرِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، فَأَكْثَرُهُمْ رَوَاهُ مَنْسُوخًا، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّيْنِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ هُوَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَالنَّاسِخُ الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ رَوْحُ بْنُ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ جَبِيرَةَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، عَنْ أَبِيهِ جَبِيرَةَ بْنِ مَحْمُودٍ،
стр. 50
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقَشٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُمَا دَخَلَا وَلِيمَةً عَلَى وُضُوءٍ فَأَكَلُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، فَتَوَضَّأَ سَلَمَةُ فَقَالَ لَهُ جَبِيرَةُ: أَلَمْ تَكُنْ عَلَى وُضُوءٍ؟
قَالَ: بَلَى؛ وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجْنَا مِنْ دَعْوَةٍ دَعَوْنَا لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، فَأَكَلَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَكُنْ عَلَى وُضُوءٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى؛ وَلَكِنَّ الْأَمْرَ يَحْدُثُ، وَهَذَا مِمَّا حَدَثَ.
وَقَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ الْقَاضِي، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكُرْجِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْنَا الزُّهْرِيَّ عَمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَنَا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ أُمِرَ فِيهَا بِالْوُضُوءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ هَهُنَا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَهْلِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَكَلْنَا خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَمَا مَسَّ أَحَدٌ مِنَّا وُضُوءًا، وَانْصَرَفْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي وِلَايَتِهِ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَابْتَغَى عَشَاءً، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَهُنَا إِلَّا هَذِهِ الشَّاةُ وَقَدْ وَلَدَتْ، فَحَلَبَهَا وَطَبَخَ لَنَا لُبَّاءً، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِنَا، وَمَا مَسَّ مَاءً وَلَا مَسَسْتُ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رُبَّمَا جَفَنَ لَنَا فِي وِلَايَتِهِ، فَأَكَلْنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ، فَيَخْرُجُ فَيُصَلِّي وَنُصَلِّي مَعَهُ، وَمَا يَمَسُّ أَحَدُنَا وُضُوءًا.
فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أَيْضًا - إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَهُ - حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ عُضْوًا فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَقُلْنَا لَهُ: فَمَا بَعْدَ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّهُ يَكُونُ أَمْرٌ، وَيَكُونُ بَعْدَهُ الْأَمْرُ.
دَلَّنَا مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ كَانَ بَعْدَ الرُّخْصَةِ، فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ يَدُلُّ عَلَى
стр. 51
الرُّخْصَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ.
ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ، وَهُوَ قَبْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَوَجَدْنَا حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ وَادِي خَيْبَرَ - فَنَزَلَ لِلْعَصْرِ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَذْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
قَالَ يَحْيَى: ثُرِّيَ: بُلَّ بِالْمَاءِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَالْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حَدِيثَ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ هَذَا كَانَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلَى مَا صَرَّحَتْ بِهِ التَّوَارِيخُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ فِي تَصْحِيحِهَا.
ذِكْرُ خَبَرٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ بِوَاسِطِ الْعِرَاقِ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَارِئُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَرْحَانَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ طَعَامًا وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَامَ، وَقَدْ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ لِيَتَوَضَّأَ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ لِي: وَرَاءَكَ فَسَاءَنِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِ انْتِهَارُكَ إِيَّاهُ، خَشِيَ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. فَقَالَ: لَيْسَ فِي نَفْسِي عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا خَيْرٌ، لَكِنَّهُ أَتَانِي بِمَاءٍ
стр. 52
لِأَتَوَضَّأَ، وَإِنَّمَا أَكَلْتُ طَعَامًا، وَلَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِي.
هَذَا حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْ سُوَيْدٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ: كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَانَ تَوَضَّأَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: لَمَّا رَأَيْنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاخْتَلَفَ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى النَّاسِخِ مِنْهُمَا، فَنَظَرْنَا إِلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَعْلَامُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذْنَا بِإِجْمَاعِهِمْ فِي الرُّخْصَةِ فِيهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَسْلِ لِلتَّنْظِيفِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَرَجَّحَ أَخْبَارَ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ بِمَا رُوِيَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَعْلَامِ
الصَّحَابَةِ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ الدَّارِمِيُّ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ مَنْسُوخٌ، ثُمَّ اجْتِمَاعُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِجْمَاعُ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ بَعْدَهُمْ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ النَّسْخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْحَاضِرِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَوَضَّئُوا لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى الْتِمَاسِ الْفَضْلِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ وَجَدْتُمْ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ بِهَمَذَانَ، أَخْبَرَنَا الرَّئِيسُ عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 53
الْعَبْدُوسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِإِنَاءٍ صَغِيرٍ فَتَوَضَّأَ، قُلْتُ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَأَنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ مَا لَمْ نُحْدِثْ. قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبِي عِيسَى، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَخْرَجُوهُ فِي كُتُبِهِمْ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّاجِرُ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْمَرُوَزِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ. قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى فِي كِتَابِهِ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فَهَذَا أَنَسٌ قَدْ عَلِمَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَهُوَ وَاجِبٌ، ثُمَّ نُسِخَ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ الطَّرْقِيُّ بِهَا، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بَكِيرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ ابْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ عَنْ مَا هُوَ؟ قَالَ: أَخْبَرَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ.
هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ
стр. 54
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ تَوَضُّؤَ ابْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ؟ قَالَ: أَخْبَرَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ حَدَّثَهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ لَا يَدَعُ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ الطَّائِيِّ الْحِمْصِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ.
ذِكْرُ خَبَرٍ آخَرَ شَاهِدٍ لِلنَّسْخِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ شَهْرَ دَارِ بْنُ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ بِهَمَذَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ قَدْ كَانَتْ أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: فَهَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا.
هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
стр. 55
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ الشَّيْخُ الصَّالِحُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الْمُسْتَمْلِي، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجَنْزَرُودِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ،
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَتْ فُلَانَةُ - تَعْنِي الشَّاةَ - قَالَ: أَفَلَا أَخَذْتُمْ مِسْكَهَا؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَأْخُذُ مِسْكَ شَاةٍ مَاتَتْ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ؛ إِنْ تَسْلُخُونَهُ ثُمَّ تَدْبِغُونَهُ ثُمَّ تَنْتَفِعُونَ بِهِ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَسَلَخَتْ مِسْكَهَا فَدَبَغَتْهُ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ طُرُفًا مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ، وَهُوَ أَنَّ سَوْدَةَ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مِسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا وَلَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ لِسَوْدَةَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ لَهَا عِنْدَ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ شَيْءٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدِي مَاءٌ إِلَّا مَاءً فِي قِرْبَةِ مَيْتَةٍ! فَقَالَ: أَلَيْسَ دَبَغْتِيهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
فَقَالَ: إِنَّ ذَكَاتَهَا دِبَاغُهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نَحْوُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ.
وَرُوِيَ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِيهِ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الْخَمْرِ.
وَرُوِيَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ
стр. 56
أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ،
وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْآثَارِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمَنَعُوا جَوَازَ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، وَرَأَوْهُ نَاسِخًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
ذِكْرُ دَلِيلِهِ
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ انْطَلَقَ وَنَاسٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: فَدَخَلُوا، وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجُوا إِلَيَّ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَوِيِّ؛ أَخْرَجَاهُ فِي كِتَابَيْهِمَا
مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَفِيهِمَا اخْتِلَافُ أَلْفَاظٍ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: الْمَصِيرُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِ دِلَالَةَ النَّسْخِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَدِيثَ سَلَمَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ يَوْمَ تَبُوكَ! وَهَذَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، فَهُوَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِمُدَّةٍ؛ وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ سَوْدَةَ: " حَتَّى تَخَرَّقَتْ "، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " كُنَّا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا "، وَلَا تَتَخَرَّقُ الْقِرْبَةُ وَلَا تَصِيرُ شَنًّا فِي شَهْرٍ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّهُ انْطَلَقَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ خَالِدٌ: أَمَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ هَذَا الْكِتَابِ بِكِتَابٍ آخَرَ. قُلْتُ: فِي تَحْلِيلِهِ؟ قَالَ: مَا تَصَنَعُ بِهِ؟ هَذَا بَعْدَهُ.
كَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَقَالَ: وَفِي قَوْلِ خَالِدٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ تَحْلِيلٌ قَبْلَ التَّشْدِيدِ، وَأَنَّ التَّشْدِيدَ كَانَ بَعْدُ، وَلَوِ اشْتُهِرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ بِلَا مَقَالٍ فِيهِ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرُّخْصَةِ لَكَانَ لِحَدِيثِنَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ: رَوَاهُ الْحَكَمُ مَرَّةً عَنْ
стр. 57
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ عُكَيْمٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنِ ابْنِ عُكَيْمٍ، وَلَكِنْ مِنْ أُنَاسٍ دَخَلُوا عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجُوا فَأَخْبَرُوهُ بِهِ، وَلَوْلَا هَذِهِ الْعِلَلُ لَكَانَ أَوْلَى الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، وَالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً أَخَذُوا بِهِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَائِشَةُ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ
الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: حُكِيَ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ نَاظَرَ الشَّافِعِيَّ - وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَاضِرٌ - فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " دِبَاغُهَا طَهُورُهَا " فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: مَا الدَّلِيلُ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ: كَتَبَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ فَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا كِتَابٌ وَذَاكَ سَمَاعٌ، فَقَالَ إِسْحَاقُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَكَانَتْ حُجَّةً بَيْنَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أَحْمَدُ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ وَأَفْتَى بِهِ، وَرَجَعَ إِسْحَاقُ إِلَى حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ.
قُلْتُ: وَقَدْ حَكَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ لَمَّا رَأَى تَزَلْزُلَ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَجَعَ عَنْهُ. وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكُيْمٍ ظَاهِرُ الدِّلَالَةِ فِي النَّسْخِ - لَوْ صَحَّ - وَلَكِنَّهُ كَثِيرُ الِاضْطِرَابِ، ثُمَّ لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ مَيْمُونَةَ فِي الصِّحَّةِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ: أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ؛ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ، حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَرُوِّينَا عَنِ الدُّورِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَيُّمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ: لَا تَنْتَفِعُ
стр. 58
مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ، أَوْ دِبَاغُهَا طَهُورُهَا؟ قَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا أَعْجَبُ إِلَيَّ.
وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْلَى؛ لِوُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ عَلَى مَنْعِ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَحِينَئِذٍ يُسَمَّى إِهَابًا، وَبَعْدَ الدِّبَاغِ يُسَمَّى جِلْدًا وَلَا يُسَمَّى إِهَابًا، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ فِي نَفْيِ التَّضَادِّ فِي الْأَخْبَارِ.
وَمِنْ بَابِ التَّيَمُّمِ
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَتَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَنَاكِبِ.
هَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ الثِّقَةِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنْ أَبِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقِيلَ: عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: عَنْهُ دُونَ ذِكْرِ أَبِيهِ، وَقِيلَ: عَنْهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ شَهْرَ دَارِ بْنِ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِهَمَذَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ، وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ، فَانْقَطَعَ عِقْدُهَا مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ، فَحَبَسَ النَّاسُ فِي ابْتِغَاءِ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ، قَالَ: فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -
стр. 59
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَنْفُضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى فِي آخَرِينَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا، وَرَأَوْا مَسْحَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْآبَاطِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ سَالِمٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ، وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
ذَهَبَتِ الْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَقَالُوا: حَدِيثُ عَمَّارٍ لَا يَخْلُوا إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لَا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِهِ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُ هَذَا، وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مَعَ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَنَاسِخُهُ أَيْضًا حَدِيثُ عَمَّارٍ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْقَاسِمِ غَانِمُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْبُرْجِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، سَمِعَ ذَرَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ عُمَرَ ﵁ فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ فَأَجْنَبَ، وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنِّي كُنْتُ فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا
стр. 60
فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا عَمَّارُ فَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَتَمَعَّكَ كَمَا تَتَمَعَّكُ الدَّابَّةُ، إِنَّمَا كَانَ يَجْزِيكَ، وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا، فَنَفَخَ فِيهَا، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِفْصَلِ، وَلَيْسَ فِيهِ الذِّرَاعَانِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَالنَّضِرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُ الدِّلَالَةِ فِي النَّسْخِ؛ لِتَأَخُّرِهِ عَنِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فِيهِ شَأْنُ نُزُولِ الرُّخْصَةِ فِي التَّيَمُّمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ عَمَّارًا شَهِدَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي كَانَ فِي بَعْضِ السَّرَايَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ كَانَ عَمَّارٌ حَفِظَ التَّيَمُّمَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانَ الْحَدِيثُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ كَمَا زَعَمْتُمْ، لَمَا اضْطُرَّ عَمَّارٌ إِلَى التَّمْرِيغِ فِي التُّرَابِ تَمْرِيغَ الدَّابَّةِ وَلَاكْتَفَى بِالْمَسْحِ إِلَى الْآبَاطِ، قُلْتُ: إِنَّمَا أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَى عُمَرَ وَعَمَّارٍ لِحُصُولِ الْجَنَابَةِ، فَاعْتَزَلَ عُمَرُ، وَتَمَعَّكَ عَمَّارٌ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ حَالَةَ الْجَنَابَةِ تُخَالِفُ حَالَةَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ أَصَابَتْهُمْ جَنَابَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا نِيَامًا، فَأَصْبَحُوا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، وَاحْتَاجُوا إِلَى الْوُضُوءِ، فَأُمِرُوا بِالْوُضُوءِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ، أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ الْمُوصِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَلَا يَجُوزُ عَلَى عَمَّارٍ إِذَا كَانَ ذَكَرَ تَيَمُّمَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ إِلَى الْمَنَاكِبِ إِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُ؛ إِذْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
стр. 61
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُوسَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
لَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مُجَرَّدًا مُتَّصِلًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ أَيْضًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَسْخِهِ.
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكُرْجِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَنِي أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ أَتَى كِظَامَةَ قَوْمٍ بِالطَّائِفِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ.
قَالَ هُشَيْمٌ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانُ بْنُ أَحْمَدَ الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَبَلَغَكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ؟ فَقَالَ: لَا.
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ فَوْرَكَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُؤَمِّلٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَجَرَتِ السُّنَّةُ بِالْغَسْلِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ.
стр. 62
أَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعَ صِحَّتِهَا، وَلَا يُعَارِضُهَا مِثْلُ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّزَلْزُلِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ يَعْلَى، عَنْ أَوْسٍ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ رَجُلٍ، وَمَعَ هَذَا الِاضْطِرَابِ لَا يُمْكِنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ مَنْسُوخًا، كَمَا قَالَهُ هُشَيْمٌ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وَمِنْ بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - قَالَ زُهَيْرٌ: أَوْ أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ - وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَتْ يَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالتَّوَجُّهِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَأَشْهُرَ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النَّسْخِ.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَنْسُوخِ هَلْ كَانَ ثَابِتًا بِنَصِّ الْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ كَانَ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَنْ يَرَى نَسْخَ السُّنَّةَ بِالْقُرْآنِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِظَوَاهِرَ رُوِيَتْ فِي هَذَا الْبَابِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ
فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْفَرَائِينِيُّ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 63
كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ رُكُوعٌ نَحْوَ الْقِبْلَةِ
قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابَيْهِمَا، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِمَّنْ يَعْتَبِرُ التَّجَانُسَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ كَانَ ثَابِتًا بِالْقُرْآنِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْقُرْآنِ؛ إِذِ الْقُرْآنُ لَا يُنْسَخُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِمَا أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ بِالرَّيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - شَأْنُ الْقِبْلَةِ، قَالَ اللَّهُ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَرَكَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، فَقَالَ: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَنَسَخَتْهَا، وَصَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَقَالَ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ثَمَّ الْوَجْهُ الَّذِي وَجَّهَكُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ.
стр. 64
بَابٌ فِي نَسْخِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ نَظَرَ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ نَظَرَ هَكَذَا، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ بِبَصَرِهِ نَحْوَ الْأَرْضِ.
هَذَا، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، غَيْرَ أَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ تُشِيدُهُ؛ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ: مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخِرَقِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ
يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ مُتَّصِلًا، وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا، وَقَالُوا: لَا بَأْسَ بِالِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَلْوِ عُنُقَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلَّاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ، وَقَالَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَاقِضُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الشِّعْبَ كَانَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ.
وَذَهَبَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ إِلَى أَنَّهُ مَنْ تَأَمَّلَ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ صَلَاةٌ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ
стр. 65
الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ فِي الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ، وَمَعَ الِالْتِفَاتِ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْغَرَضُ، قَالَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ: كَانَ الِالْتِفَاتُ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ فَصَارَ مَكْرُوهًا، وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا قَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي الثَّنَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الْوَاعِظِ، أَخْبَرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَ: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ.
وَمِنْ بَابِ الْأَذَانِ فِي الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ غَيْرُهُ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَمْلِي، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ حِينَ رَأَى الْأَذَانَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا فَأَذَّنَ، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ فَأَقَامَ.
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 66
زَيْدٍ، قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَشْيَاءَ لَمْ يَصْنَعْ فِيهَا شَيْئًا، قَالَ: فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ؛ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ. فَأَلْقَاهُ عَلَى بِلَالٍ، فَأَذَّنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ. قَالَ: فَأَقِمْ أَنْتَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ.
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يُؤْذِّنُ وَيُقِيمُ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَوْلَوِيَّةِ:
فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ مُتَّسِعٌ، وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ: مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُ جَاءَ وَقَدْ أَذَّنَ إِنْسَانٌ، فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: وَإِذَا أَذَّنَ الرَّجُلُ أَحْبَبْتُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ لِشَيْءٍ يُرْوَى فِيهِ: أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ.
وَكَانَ مِنْ حُجَّةٍ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ، حَدَّثَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ أَذَانُ الصُّبْحِ أَمَرَنِي فَأَذَّنْتُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ فَيَقُولُ:
لَا. حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَبَرَّزَ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيَّ، وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْوُضُوءِ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ هُوَ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ الصَّلَاةَ. قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَأَقَمْتُ الصَّلَاةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ،
стр. 67
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ وَيَعْلَى، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ.
قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ أَقْوَمُ إِسْنَادًا مِنَ الْأَوَّلِ كَمَا تَرَى.
ثُمَّ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا شُرِعَ الْأَذَانُ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى، وَحَدِيثُ الصُّدَائِيِّ كَانَ بَعْدَهُ بِلَا شَكٍّ، وَالْأَخْذُ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى عَلَى مَا قُرِّرَ.
وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنْ يُقَالَ: الْأَمْرُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى التَّوَسُّعِ وَادِّعَاءُ النَّسْخِ، مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِمُجَرَّدِ التَّرَاخِي عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، ثُمَّ نَقُولُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: إِنَّمَا فُوِّضَ الْأَذَانُ إِلَى بِلَالٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَنْدَى صَوْتًا مِنْ عَبْدِ اللِّهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ، وَمِنْ شَرْطِهِ الصَّوْتُ، وَكُلَّمَا كَانَ الصَّوْتُ أَعْلَى كَانَ أَوْلَى، وَأَمَّا زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ فَكَانَ جَهُورِيَّ الصَّوْتِ، وَمَنْ صَلَحَ لِلْأَذَانِ كَانَ لِلْإِقَامَةِ أَصْلَحَ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ.
بَابٌ فِي تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْعَبْدُوسِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي وَأُمُّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ خَرَجْتُ عَاشِرَ عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِطَلَبِهِمْ، فَسَمِعْنَاهُمْ يُؤَذِّنُونَ بِالصَّلَاةِ، فَقُمْنَا نُؤَذِّنُ نَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ سَمِعْتُ فِي هَؤُلَاءِ تَأْذِينَ إِنْسَانٍ حَسَنِ الصَّوْتِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَأَذَّنَّا رَجُلًا رَجُلًا وَكُنْتُ آخِرَهُمْ، فَقَالَ حِينَ أَذَّنْتُ: تَعَالَ. فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ نَاصِيَتِي، وَبَرَّكَ عَلَيَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَذِّنَ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَعَلَّمَنِي كَمَا يُؤْذَّنُ الْآنَ بِهَا " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
стр. 68
رَسُولُ اللَّهِ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فِي أَوَّلِ الصُّبْحِ، قَالَ: عَلَّمَنِي الْإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلْهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلْهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ
ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ هَذَا الْخَبَرَ كُلَّهُ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ أُمِّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا ذَلِكَ مِنْ أَبِي مَحْذُورَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَوِيِّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ مِثْلُ الْأَذَانِ مُثَنًّى، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَاحْتَجُّوا فِي هَذَا الْبَابِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَرَأَوْهُ مُحْكَمًا ونَاسِخًا لِحَدِيثِ بِلَالٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ الزَّاهِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا الصَّلَاةَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: نَوِّرُوا نَارًا، أَوِ اضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ وُهَيْبٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالُوا: وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا أُمِرَ بِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ أَوَّلَ مَا شُرِعَ الْأَذَانُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ كَانَ عَامَ حُنَيْنٍ وَبَيْنَ
стр. 69
الْوَقْتَيْنِ مُدَّةٌ مَدِيدَةٌ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَرَأَوْا أَنَّ الْإِقَامَةَ فُرَادَى، وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَكْحُولٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَالُوا: أَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ نَذْكُرُ بَعْضَهَا:
مِنْهَا: أَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ أَصَحَّ سَنَدًا، وَأَقْوَمَ قَاعِدَةً فِي جَمِيعِ جِهَاتِ التَّرْجِيحَاتِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ، وَغَيْرُ مَخْفِيٍّ عَلَى مَنِ الْحَدِيثُ صِنَاعَتُهُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ لَا يُوَازِي حَدِيثَ أَنَسٍ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّرْجِيحِ، فَضْلًا عَنِ الْجِهَاتِ كُلِّهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ؛ بِدَلِيلِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ اللَّهِ
مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ بْنِ إِسْحَاقَ أَخْبَرَهُمْ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ بَخُسْرَوْجِرْدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَخْبَرَنِي جَدِّي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَحْذُورَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: أَدْرَكْتُ جَدِّي وَأَبِي وَأَهْلِي يُقِيمُونَ فَيَقُولُونَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". وَنَحْوَ ذَلِكَ حَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ وَلَدِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَفِي بَقَاءِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَوَلَدِهِ عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ دِلَالَةٌ
стр. 70
ظَاهِرَةٌ عَلَى وَهْمٍ وَقَعَ فِيمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ مِنْ تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: إِنَّمَا وَرَدَ فِي تَثْنِيَةِ كَلِمَةِ التَّكْبِيرِ وَكَلِمَةِ الْإِقَامَةِ فَقَطْ، فَحَمَلَهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ عَلَى جَمِيعِ كَلِمَاتِهَا، وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ أُمِّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَحْفُوظَةٌ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ، وَلَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَذَانُ بِلَالٍ هُوَ آخِرُ الْأَذَانَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَادَ مِنْ حُنَيْنٍ وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ.
قَرَأْتُ عَلَى الْمُبَارَكِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيِّعِ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ إِذْنًا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ
بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ فَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ.
وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: نَاظَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي أَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ: فَقَالَ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ يُؤَذِّنُ، وَثَبَتَ أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَلَكِنَّ أَذَانَ بِلَالٍ هُوَ آخِرُ الْأَذَانِ.
بَابُ مَا نُسِخَ مِنَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ
ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزْوِينِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْفَقِيهِ الطَّبَرِيِّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الصَّلَاةِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ.
قَالَ سَهْلٌ: هَذَا مَنْسُوخٌ؛ قَالَ اللَّهُ : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَأُمِرُوا بِالسُّكُوتِ،
стр. 71
وَكَانُوا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنَا وَهُبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَمَّارٍ، عَنْ عَمَّارٍ، أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَرَدَّ عَلَيْهِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَرَدَّ ﵇.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَرَدَّ ﵇.
قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ.
هَذِهِ الْآثَارُ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْإِرْسَالِ وَالِانْقِطَاعِ يُعَارِضُهَا آثَارٌ أُخَرُ أَصَحُّ مِنْهَا، وَفِيهَا دَلَالَةُ النَّسْخِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَذْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ كُلْثُومٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَأُسَلِّمُ فَيَرُدُ عَلَيَّ السَّلَامُ، فَأَتَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَمَا صَلَّى صَلَاةً كَانَ أَعْظَمَ عَلَيَّ مِنْهَا، فَلَمَّا سَلَّمَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِيهَا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ
стр. 72
بْنُ شُبَيْلٍ، عَنْ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْحَاجَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
ذِكْرُ حَدِيثٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ
أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، حَتَّى قَدِمْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْتُ حَتَّى قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مَنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمَرَهُ أَنْ لَا يُتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ.
مَا ذُكِرَ فِي سَهْوِ الْكَلَامِ دُونَ عَمْدِهِ
ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَوَّدَنِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامُ، فَأَتَيْتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ فِي أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ؛ وَقَدْ أَحْدَثَ لَكُمْ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَنَّ أَحَدٌ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا يَنْبَغِي مِنْ تَحْمِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.
وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَجْرِي عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُ الْفَصْلَيْنِ: فِي الْمَنْعِ عَنْ مُطْلَقِ الْكَلَامِ؛ سَهْوِهِ وَعَمْدِهِ.
وَالثَّانِي: فِي اخْتِصَاصِ الْمَنْعِ بِالْعَمْدِ دُونَ السَّهْوِ.
أَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَامِدًا وَهُوَ لَا يُرِيدُ تَعْلِيمَ أَحَدٍ، أَوْ إِصْلَاحَ شَيْءٍ أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ، وَذَهَبُوا إِلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا.
стр. 73
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي السَّهْوِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُصَلِّي يُسَلِّمُ فِي صَلَاتِهِ سَاهِيًا، أَوْ يَتَكَلَّمُ سَاهِيًا قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ سَاهِيًا يَسْتَأْنِفُ صَلَاتَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَتَادَةُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيَتَنَاوَلُ حَالَتَيِ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رَكْعَتَيْنِ سَاهِيًا، وَبَنَى عَلَيْهِمَا، وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصَابَ، وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وقَتَادَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ.
وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَأَوْهُ نَاسِخًا لِلسَّهْوِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ دُونَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْحَدِيثَيْنِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُطَرِّزُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ. قَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَأَتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا سَلَّمَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَلَّمَ النَّبِيُّ
стр. 74
- ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ، فَقَامَ الْخِرْبَاقُ - رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ - فَنَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَأَخْبَرَ، فَصَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَحَامِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَذَكَرَ عَنِ الْقَاضِي أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْعَمْدِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِمَكَّةَ - يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ بِالْمَدِينَةِ؛ فَهُوَ نَاسِخٌ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُسْتَمْلِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاتِهِ سَاهِيًا -: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَلَيْسَ بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْكَلَامِ جُمْلَةً، وَدَلَّ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ كَلَامِ الْعَمْدِ وَالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ، فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ وَقَالَ: حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ ثَابِتٌ، وَلَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ. فَقُلْتُ: وَمَا نَاسِخُهُ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ. فَقُلْتُ لَهُ: وَالنَّاسِخُ لَهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ الْآخِرُ مِنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ لَهُ: أَلَسْتَ تَحَفَظُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ هَذَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَ: بَلَى. فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا كَانَ مَقْدِمُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ كَانَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ يَرْوِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 75
لَمْ يُصَلِّ فِي مَسْجِدِهِ إِلَّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْ مَكَّةَ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَحَدِيثُ عِمْرَانَ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ بِنَاسِخٍ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ.
بَابٌ فِي مُرُورِ الْحِمَارِ قُدَّامَ الْمُصَلِّي
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيْوَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَوْلًى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا بِتَبُوكَ مُقْعَدًا، فَقَالَ: مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ: قَطَعَ عَلَيْنَا صَلَاتَنَا، قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُرُورِ الْحِمَارِ قُدَّامَ الْمُصَلِّي تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَفِي الْبَابِ مَا يُشِيدُهُ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، أَخْبَرَكَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ قَائِمًا يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ. قُلْتُ: مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنَ
الْأَصْفَرِ مِنَ الْأَحْمَرِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا بَدَأْنَا بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى التَّأْقِيتِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ أَصَحَّ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ
следующие страницы →