← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 22869

هداية القاري إلى تجويد كلام الباري

عبد الفتاح المرصفي

Полный текст (749 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قرينة تصرفه عن هذا الوجوب إلى غيره من المعاني كالندب أو الإباحة أو التهديد ... إلخ ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب إلى غيره مما ذكر ونحوه فبقي على الأصل وهو الوجوب فتأمل. وما الأمر بالترتيل هنا إلا لأن الترتيل صفة تكلم الله بالقرآن كما قال : ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٣] وناهيك بهذا شرفاً وجلالاً. وأما السنة: فكثيرة منها ما خرَّجه الحافظ السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، وعزاه للطبراني في الأوسط وابن مردويه وسعيد بن منصور من حديث موسى بن يزيد الكندي ﵁ قال: "كان ابن مسعود ﵁ يقرىء رجلاً، فقرأ الرجل: ﴿إنَّما الصَّدقات للفُقَراءِ والمَسَاكينِ﴾ [التوبة: ٦٠] مرسلة فقال ابن مسعود ما هكذا أقرأنيها النبي ﷺ ، فقال: وكيف أقرأكها؟ قال: أقرأنيها: ﴿إنَّما الصَّدقاتُ للفُقراءِ والمساكينِ﴾ [التوبة: ٦٠] فمدها أهـ فابن مسعود الذي هو أشبه الناس سمتاً ودلاًّ برسول الله ﷺ أنكر على الرجل أن يقرأ كلمة "الفقراء" من غير مد ولم يرخص له في تركه"، مع أن فعله وتركه سواء في عدم التأثير على دلالة الكلمة ومعناها، ولكن لأن القراءة سنة متَّبعة يأخذها الآخر عن الأول كما قال زيد بن ثابت ﵁. واستفاض النقل عنه بذلك؛ أنكر ابن مسعود ﵁ على الرجل أن يقرأ بغير قراءة النبي ﷺ التي أقرأ بها أصحابه ﵃ جميعاً، فدل ذلك على وجوب تعلم التجويد واتباع أحكامه عند التلاوة، لدلالة مثل هذا النص بالجزء على الكل. وسيأتي لهذا الحديث مزيد تفصيل في "باب المد والقصر" من هذا الكتاب إن شاء العزيز الوهاب . وهناك سنشير إلى تخريجه مستوفى. وأما إجماع الأمة فقد قال العلامة الشيخ محمد مكي نصر في نهاية القول المفيد ما نصه: فقد اجتمعت الأمة المعصومة من الخطأ على وجوب التجويد من زمن النبي ﷺ إلى زماننا ولم يختلف فيه أحد منهم وهذا من أقوى الحجج أهـ منه بلفظه ص (١٠) . العاشر: مسائله وهي قواعده كقولنا: كل نون ساكنة وقع بعدها حرف من

стр. 37

حروف الحلق يجب إظهارها ويسمى إظهاراً حلقيّاً، وكل حرف مد وقع بعده ساكن أصلي وصلاً ووقفاً يُمدّ مدّاً طويلاً ويسمى مدّاً لازماً وهكذا، وقد أشار إلى ما قدمنا في هذا الفصل الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله: والأخْذُ بالتَّجويدِ حتمٌ لازمٌ ... مَنْ لمْ يُجوِّدِ القرآنَ آثِمُ لأنَّه بِه الإلهُ أنزلا ... وهكذا مِنْه إلينَا وَصَلاَ وهوَ ايضاً حليَةُ التِّلاوةِ ... زينةُ الأداءِ والقراءةِ وهو إعطاءُ الحروفِ حقَّها ... من صفة لها ومُستحقَّها ورد كلِّ واحد لأصلهِ ... واللفظُ في نظيره كمثله مكمَّلاً من غيرَ ما تَكَلُّف ... باللطفِ في النُّطقِ بلا تعسُّفِ وليس بينهُ وبين تركهِ ... إلا رياضةُ امرىءٍ بفكِّهِ اهـ

стр. 38

الفصل الخامس / في بيان مراتب القراءة تقدم أن فرضيَّة علم التجويد ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما ورد في هذا الشأن من الأدلة قول الله ﵎: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤] . والترتيل هو أحد مراتب القراءة الثلاث التي يجب على القارىء معرفتها وهي كما يلي: الترتيل، والحدر، والتدوير. أما الترتيل: فهو القراءة بتؤدة واطمئنان مع تدبر المعاني ومراعاة أحكام التجويد من إعطاء الحروف حقها من الصفات والمخارج ومد الممدود وقصر المقصور وترقيق المرقَّق وتفخيم المفخَّم مما يتفق وقواعد التجويد وهو أفضل المراتب الثلاث فقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ فقال جل شأنه: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤] . وأما الحدر: بسكون الدال، فهو الإسراع في القراءة مع المحافظة على قواعد التجويد ومراعاتها بدقة وليحترز القارىء حينئذ من بتر حروف المد وذهاب صوت الغنة واختلاس أكثر الحركات ومن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة ولا توصف بها التلاوة. وأما التدوير: فهو القراءة بحالة متوسطة بين مرتبتي الترتيل والحدر مع المحافظة على قواعد التجويد ومراعاتها كذلك. والمراتب الثلاث في الأفضلية على النحو التالي الترتيل فالتدوير فالحدر آخرها وقد نظم هذه المراتب صاحب تذكرة القراء فقال: الحدْرُ والترتيل والتدوير ... والأوسط الأتم فالأخير والله تعالى أعلم.

стр. 39

الفصل السادس / في معرفة أركان القرآن اكريم تقدم أن الأخذ بقواعد التجويد واجب شرعي في قراءة القرآن الكريم يثاب القارىء بفعلها ويأثم بتركها، ولا يكفيه مجرد العلم بها من الكتب، بل لا بد له من الرجوع إلى الشيوخ المتقنين الآخذين ذلك عن أمثالهم المتصل سندهم برسول الله ﷺ : والأخذ عنهم والسماع من أفواههم لأن هناك أموراً لا تُدرَك إلا بالسَّماع منهم ورياضة اللسان عليها المرة تلو المرة أمامهم كالروم والإشمام والإدغام والإخفاء والمد والقصر والإمالة والتسهيل إلىآخر ما هنالك. وبهذا يكون القارىء سليم النطق حسن الأداء بعيداً عن اللحن. بخلاف من أخذ من الكتب وترك الرجوع إلى الشيوخ فإنه يعجز لا محالة عن الأداء الصحيح ويقع في التحريف الصريح الذي لا تصح به القراءة ولا توصف به التلاوة ولله در القائل: من يأخُذِ العلمَ عن شيخ مُشافهةً ... يكن عن الزيغ والتصحيف في حَرَم ومن يَكُنْ آخذاً للعلم من صُحُفٍ ... فعلمُهُ عند أهل العلمِ كالعَدَمِ والأخذ عن الشيوخ هو أحد أركان القرآن الثلاثة التي يجب على القارىء معرفتها وهي كما يلي: الأول: موافقة القراءة لوجه من وجوه العربية ولو ضعيفاً. الثاني: موافقتها للرسم العثماني ولو احتمالاً. ومعنى الاحتمال هنا أي ما يحتمله رسم المصحف الشريف كقراءة من قرأ "مالك" في قوله تعالى: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] بالألف فإنها كتبت في عموم المصاحف العثمانية بغير ألف

стр. 40

فاحتملت الكتابة أن تكون مالك بالألف وفعل بها كما فعل باسم الفاعل في نحو قادر وصالح مما حذفت منه الألف اختصاراً فهذا موافق للرسم تقديراً. وحينئذ فلا بد للقارىء من معرفة طرف من علم الرسم كمعرفة المقطوع والموصول والثابت والمحذوف من حروف المد وما كتب بالتاء المجرورة والمربوطة ليقف على المقطوع في محل قطعه وعلى الموصول عند انقضائه وعلى المرسوم بالتاء المجرورة تاء حسب الرواية وبالمربوطة هاء بالاتفاق وعلى الثابت من حروف المد بإثباته وعلى المحذوفة منها بحذفه مما سيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى. الثالث: صحة السند وهذا الركن شرط صحة للركنين السابقين وهو أن يأخذ القارىء القراءة عن شيخ متقن فطن لم يتطرق إليه اللحن واتصل سنده برسول الله ﷺ فإن اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة كانت القراءة شاذة ولو كانت من قراءات الأئمة السبعة المجمَع على صحتها وتواترها. وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن الجزري في طيبة النشر بقوله رحمه الله تعالى: فَكُلُّ ما وافق وَجْهَ نحوِ ... وكان للرسم احتمالاً يحوِي وصحَّ إسناداً هو القرآنُ ... فهذه الثلاثةُ الأركانُ وحيثما يختلُّ ركنٌ أثْبِتِ ... شُذوذهُ لو أنهُ في السبعة

стр. 41

الفصل السابع / في معرفة اللحن والمقصود منه هنا وحكمه يَرِدُ اللحن في لغة العرب على عدة معان والمقصود به هنا الخطأ والميل عن الصواب في القراءة وينقسم إلى قسمين: جلي - أي ظاهر - وخفيّ - أي مستتر - ولكل منهما حد يخصه وحقيقة يتميز بها عن الآخر. فالجلي: هو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بعرف القراءة سواء أخل بالمعنى أم لم يخل. فالأول: كتغيير حركة باخرى كضم التاء أو كسرها من نحو: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] و ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال﴾ [النساء: ٧٧] أو فتحها أو كسرها من نحو ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] أو تحريك السواكن كتحريك الميم بالفتح من نحو ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] ﴿وَلاَ حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أو إبدال حرف بحرف كإبدال الطاء دالاً أو تاء وذلك بترك إطباقها واستعلائها نحو ﴿يَطْبَعُ﴾ [الأعراف: ١٠١] إلى غير ذلك مما يغير المعنى. والثاني: كرفع الهاء من قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] أو تحريك الدال بالضم من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] . وسمي هذا اللحن جليّاً

стр. 42

لأنه خلل ظاهر يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم وحكمه التحريم بالإجماع. والخفي: هو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بالعرف دون المعنى. وسمي خفيّاً لاختصاص معرفته بعلماء القراءة دون غيرهم وهو نوعان: الأول: مثاله ترك الإدغام في موضعه وكذلك الإظهار والإقلاب والإخفاء وترقيق المفخم وعكسه وتخفيف المشدد كذلك وقصر الممدود ومد المقصور والوقف بالحركة كاملة في غير الوقف بالروم إلى غير ذلك مما هو مخالف لقواعد هذا الفن. الثاني: وهو لا يعرفه إلا مهرة القراء وحذاقهم ومثاله تكرير الراءات وتطنين النونات وتغليظ اللامات في غير محله وترقيقها كذلك ترعيد الصوت بالمد وبالغنة وكذلك ترك الغنة أو الزيادة على مقدارها أو النقص عنه وكذلك الزيادة في مقدار المد أو النقص عنه إلى غير ذلك مما يخل باللفظ ويذهب برونقه وحسن طلاوته. والحكم في هذا اللحن بنوعيه التحريم أيضاً خلافاً لما ذكره مُلاَّ علي القاري في شرحه على المقدمة الجزرية حيث قال في النوع الأول: "ولا شك أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد وإما فيه خوف العقاب والتهديد" أهـ. وقال في النوع الثاني: "ولا يتصور أن يكون فرض عين يترتب العقاب على فاعله لما فيه من حرج عظيم". قال في نهاية القول المفيد: وقال البركوي في شرحه على الدر اليتيم: "تحرم هذه التغييرات جميعها لأنها وإن كانت لا تخل بالمعنى لكنها تخل باللفظ لفساد رونقه وذهاب حسنه وطلاوته" أهـ بحروفه. قلت: والصواب ما قاله

стр. 43

البركوي عليه ﵀؛ لأن القارىء إذا قرأ بترك الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء وبترك المد في موضعه والقصر كذلك ... إلخ فماذا بقي من أحكام التجويد؟ وكيف توصف التلاوة بعد ذلك بالصحة؟ إن ترك هذه الأحكام لا يتفق وقواعد التجويد المجمع عليها بين عامة المسملين. وقد تقدم إجماع الأمة على ذلك. والأمة كما هم متعبَّدون بإقامة حدود القرآن متعبَّدون كذلك بإقامة حروفه وتصحيح ألفاظه، وإقامة الحروف وتصحيحها لا يقومان إلا بتطبيق أحكام التجويد كاملة من إظهار المظهَر وإدغام المدغَم ... إلخ. انظر إلى قول الحافظ ابن الجزري في النشر: "ولا شك أن هذه الأمة كما هم متعبَّدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبَّدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها" أهـ منه بلفظه قلت: ويؤخذ من عبارة الحافظ ابن الجزري هذه أنه لا بد من الأخذ بجميع أحكام التجويد كاملة حال أداء القرآن ولا يجوز العدول عنها إلى غيرها لأنه وصف إقامة الحروف وتصحيحها بالصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية ولم نسمع بل ولم يوجد نص يدل دلالة واضحة أو غير واضحة على أن قراءة رسول الله ﷺ كانت بترك الإظهار أو الإدغام ... إلخ ما تقدم بل دلت النصوص والأدلة على أنها كانت قراءة محكمة مجوَّدة كما علمها إياه جبريل ﵇ على هذه الكيفية المعروفة ثم تلقاها عنه ﷺ الصحابة رضوان الله عليهم ثم من بعدهم التابعون ثم أتباعهم ثم أئمة القراءة ثم من بعدهم أمم وخلائق لا يُحصَوْن عدداً في جميع الأعصار والأمصار إلى أن وصل إلينا بهذه الصفة بطريق التواتر الذي يستفاد منه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز لأحد كائناً من كان أن يحيد عن هذه الصفة قيد أنملة فمن تركها وتحول إلى غيرها أو رغب عنها فهو معتد أثيم مستحق للعقاب لتركه واجباً شرعيّاً، ويحضرني الآن فتوى لشيخ الإسلام في وقته العلامة المحقق شيخ شيوخنا الشيخ

стр. 44

ناصر الدين الطبلاوي حيث وُجِّه إليه سؤال في هذا الشأن وأجاب عليه ﵀ وإليك نص السؤال والإجابة عليه كما أوردهما صاحب نهاية القول المفيد: "هل يجب إدغام النون الساكنة والتنوين في حروف الإدغام وإظهارهما عند حروف الإظهار وإخفاؤهما عند حروف الإخفاء وقلبهما عند حرف الإقلاب أم لا؟ وإذا كان واجباً فهل يجب على مؤدب الأطفال تعليمهم ذلك؟ وهل المد اللازم والمتصل كذلك؟ وإذا قلتم بالوجوب في جميع ذلك فهل هو شرعي يثاب فاعله ويأثم تاركه ويكون تركه لحناً؟ أو صناعي فلا ثواب لفاعله ولا إثم على تاركه ولا يكون تركه لحناً؟ وماذا يترتب على تارك ذلك؟ وإذا أنكر شخص وجوبه فهل هو مصيب أو مخطىء؟ وماذا يترتب عليه في إنكار ذلك؟ أفتونا أثابكم الله. فأجاب بقوله: الحمد لله الهادي للصواب نقول بالوجوب في جميع ذلك من أحكام النون الساكنة والتنوين والمد اللازم والمتصل، ولم يرد عن أحد من الأئمة أنه خالف فيه، وإنما تفاوت مراتبهم في المد المتصل مع اتفاقهم على أنه لا يجوز قصره كقصر المنفصل في وجه من الوجوه، وقد أجمع الفقهاء والأصوليون على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ مع وروده في الجملة، فما بالك بقراءة ما لم يرد أصلاً وقد نص الفقهاء على أنه أذا ترك شدة من الفاتحة كشدة الرحمن منها بأن جزم اللازم وأتى بها ظاهرة فلا تصح صلاته، ويلزم من عدم الصحة التحريم لأن كل ما أبطل الصلاة حرم تعاطيه ولا عكس، وقد قال ابن الجزري في التمهيد: ما قرىء به وكان متواتراً فجائز وإن اختلف لفظه، وما كان شاذّاً فحرام تعاطيه، وما خالف ذلك فكذلك ويكفر متعمده. فإذا تقرر ذلك فترك ما ذكر ممتنع بالشرع وليس للقياس فيه مدخل بل محض اتباع، وقد قال العلامة ابن الجزري: والأخذُ بالتجويدِ حتمٌ "لازمٌ" ... من لم يجوِّد القرآنَ آثمُ فيجب على كل عاقل له ديانة أن يتلقاها بالقبول عن الأئمة المعتبرين، ويرجع إليهم في كيفية أدائه لأن كل فن يؤخذ عن أهله فاعتن به ولا تأخذ بالظن ولا تنقله عن غير أهله، ويجب على المعلم للقرآن من فقيه الأولاد وغيره أن يعلم تلك الأحكام وغيرها مما أجمع القراء على تلقيه بالقبول لأن كل ما أجمع عليه القراء حرمت مخالفته. ومن أنكر ذلك أي مما تقدم كله فهو مخطىء آثم يجب

стр. 45

عليه الرجوع عن هذا الاعتقاد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، انتهى بحروفه. "قلت": ومما يجدر ذكره في هذا المقام أيضاً ما كان من أمر سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁ حينما كان يقرىء رجلاً قوله الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] الآية فلم يمد الرجل لفظ الفقراء فأوقفه ابن مسعود عن القراءة وقال له ما معناه: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقال له الرجل: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن فقال: أقرأنيها ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] فمدها. فإذا تأملنا هذا الحديث وألقينا عليه نظرة فاحصة عابرة نجد أن ابن مسعود وهو الصحابي الجليل لم يسمح للرجل في عدم مد لفظ الفقراء وهذا شيء لا يغير المعنى وأوقفه عن القرءاة ثم عاد وقرأ لفظ الفقراء ممدوداً. وما ذاك إلا لأن ابن مسعود ﵁ قرأ هذا اللفظ ممدوداً على سيدنا رسول الله ﷺ كما علم من الحديث. فما بالك بالقراءة التي فيها ترك الإظهار والإدغام والإخفاء ... إلى آخر ما تقدم فهذا شيء لا يصح فعله بحال. هذا. وما ذكرنا من أدلة على تحريم اللحن الخفي بنوعيه هو الصواب وإن لم يكن من أدلته إلا ما جاء عن سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁ لكفى. ولا التفات إلى ما ذكره العلامة مُلاَّ علي القاري في شرحه على المقدمة الجزرية ومن حذا حذوه وبالله التوفيق، اللهم سامحنا وتجاوز عن تقصيرنا وألهمنا رشدنا وارزقنا تلاوة كتابك على النحو الصحيح الذي يرضيك وترضى به عنا ياذا الجلال والإكرام. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد النبي العربي الأمي وعلى آله وصحبه والتابعين وعلى سائر النبيين والمرسلين وآلهم والحمد لله رب العالمين.

стр. 46

الباب الأول / في مخارج الحروف التمهيد للدخول إلى الباب مما لا يخفى أن هذا الباب وكذلك باب الصفات الذي سنذكره بعد من أهم مباحث هذا الفن بل إن كل مسائله أو جلها منحصرة فيهما وإذا كان كذلك فيجب إتقان كل منهما قبل البدء في مباحثه، ولذا افتتحنا بهما كتابنا هذا بعد المقدمة، وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله: إذْ واجبٌ عليهمُ محتَّمُ ... قبل الشروع أولاً أن يعلمُوا مخارج الحروفِ والصفاتِ ... ليلفظُوا بأفصحِ اللُّغاتِ هذا: والمخارج جمع مخرج ومعناه في اللغة: اسم لموضع خروج الحرف أو هو عبارة عن الحيّز المولِّد للحرف. وفي الاصطلاح: محل خروج الحرف - أي ظهوره - الذي ينقطع عنده صوت النطق به فيتميز به عن غيره كما سيأتي. والحروف: جمع حرف وهو في اللغة طرف الشيء. وفي الاصطلاح: صوت معتمد على مقطع "أي مخرج" محقق أو مقدر فالمخرج المحقق أن يكون معتمداً على جزء معين من أجزاء الحلق أو اللسان أو الشفتين. والمقدر هو الهواء الذي في داخل الحلق والفم وهو مخرج حروف المد الثلاثة. وذلك لأنها لا تعتمد على شيء من أجزاء الفم بحيث ينقطع عند ذلك الجزء ولهذا قبلت الزيادة على مقدار الطبيعي كما ستقف على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. والمراد بالحروف هنا الحروف الهجائية أو حروف التهجي التي

стр. 47

هي: أبا تا ثا إلى الياء لا حروف المعاني المذكورة في علم العربية كباء الجر وسين التنفيس وهمزة الاستفهام. إلخ. هذا: ويعرف مخرج الحرف بأن يسكن أو يشدد ويدخل عليه همزة الوصل محركة بأي حركة كانت فحيث ينتهي صوته فثم مخرجه المحقق وحيث يمكن انقطاع الصوت فثم مخرجه المقدر. وهذا خاص بمخرج حروف المد الثلاثة. ثم اعلم أن مخارج الحروف نوعان: الأول: المخارج العامة. الثاني: المخارج الخاصة. أما المخارج العامة فهي ما اشتمل الواحد منها على مخرج واحد فأكثر. وأما المخارج الخاصة فهي ما اشتمل الواحد منها على مخرج واحد فقط، وقد يخرج منه حرف واحد أو حرفان أو ثلاثة ولا أكثر من ذلك.

стр. 48

الفصل الأول / في بيان اختلاف علماء القراءة واللغة في عدد مخارج الحروف اختلف علماء القراءة واللغة في عدد المخارج على ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب سيبويه ومن تبعه كالإمامين الجليلين الشاطبي وابن بريّ ﵄. ومخارج الحروف عند هؤلاء ستة عشر مخرجاً فقد أسقطوا مخرج الجوف الذي هون مخرج حروف المد الثلاثة ووزعوا حروفه على مخارج الحلق واللسان والشفتين فجعلوا مخرج "الألف" من أقصى الحلق مع الهمزة و"الياء" من وسط اللسان مع الياء المتحركة أو الساكنة بعد فتح و"الواو" من الشفتين مع الواو المتحركة أو الساكنة بعد فتح كذلك. الثاني: مذهب الفراء والجرمي وقطرب وابن كيسان ومن تبعهم وعدد المخارج عندهم أربعة عشرة مخرجاً فقد أسقطوا مخرج الجوف ووزعوا حروفه كما تقدم في مذهب سيبويه وموافقيه ثم جعلوا مخرج اللام والنون والراء مخرجاً واحداً وهو طرف اللسان مع ما يحاذيه ويعم المخارج على هذين المذهبين أربعة مخارج عامة وهي الحلق واللسان والشفتان والخيشوم. ففي الحلق ثلاثة مخارج وفي اللسان عشرة على المذهب الأول وثمانية على المذهب الثاني وفي الشفتين مخرجان. وفي الخيشوم واحد. الثالث: مذهب الخليل بن أحمد شيخ سيبويه ومن تبعه من المحققين كالحافظ ابن الجزري وغيره. وعدد المخارج عند أصحاب هذا المذهب سبعة عشر مخرجاً فقد أثبتوا مخرج الجوف في مكانه وجعلوا حروف المد فيه ثابتة لم توزع كما وزعت فيما سبق وكذلك أثبتوا لكل من اللام والنون والراء مخرجاً سيأتي بيان كل منها في محله من الباب. والمختار من هذه المذاهب الثلاثة هو مذهب الخليل بن أحمد وهو الذي عليه الجمهور واختاره الحافظ ابن الجزري

стр. 49

وإليه أشار في المقدمة الجزرية والطيبة بقوله ﵀: مخارج الحروف سبعة عشر ... على الذي يختاره من اختبر اهـ هذا: وتنحصر المخارج على هذا المذهب في خمسة مخارج عامة وهي: الجوف والحلق واللسان والشفتان والخيشوم فيخرج من الجوف مخرج واحد ومن الحلق ثلاثة، ومن اللسان عشرة، ومن الشفتين اثنان، ومن الخيشوم واحد. ثم إن حصر المخارج فيما تقدم ذكره إنما هو على وجه التقريب وإلا فالتحقيق أن لكل حرف مخرجاً خاصّاً به يخالف مخرج الآخر وإلا لكان إياه. وفي هذا المعنى يقول العلامة ابن عبد الرزاق في تذكرة القراء ﵀: والحصرُ تقريبٌ وبالحقيقهْ ... لكل حرفٍ بقعة دقيقهْ إذ قال جمهور الورى ما نصُّهْ ... لكلِّ حرفٍ مخرجٌ يخصُّهْ

стр. 50

الفصل الثاني / في بيان تفصيل المخارج وتفصيلنا لهذه المخارج سيكون إن شاء الله تعالى حسبما جاء في المذهب الثالث الذي هو سبعة عشرة مخرجاً وفقاً لما عليه الجمهور ولما ذكره الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة الجزرية كما أنه سيكون حسب ترتيب المخارج الخمسة العامة والمتضمنة للسبعة عشرة مخرجاً الخاصة فنقول وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والقول: المخرج الأول: الجوف - أي جوف الحلق والفم - وهو في اللغة الخلاء. وفي الاصطلاح الخلاء الداخل في الفم. ويخرج منه مخرج واحد هو مخرج حروف المد الثلاثة، وهي الألف ولا يكون ما قبلها مفتوحاً دائماً كقال. والواو الساكنة المضموم ما قبلها كقولوا. والياء الساكنة المكسور ما قبلها كقيل، وهذه الحروف ليس لها حيز محقق تنتهي إليه كما لسائر الحروف غيرها بل تنتهي بانتهاء الصوت ولذا قبلت الزيادة على المد الطبيعي كما سيأتي في مراتب المد. وقد أشار إلى هذا المخرج الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله: فألِفُ الجوْف وأُختاها وهي ... حروفُ مدٍّ للهواءِ تَنْتَهي المخرج الثاني: الحلق: ويخرج منه ثلاثة مخارج لستة أحرف وهي: الأول: أقصاه - أعني أبعَدهُ مما يلي الصدر ويخرج منه حرفان: الهمزة فالهاء. الثاني: وسطه ويخرج منه حرفان العين فالحاء المهملتان. الثالث: أدناه أعني أقربه مما يلي الفم ويخرج منه حرفان الغين فالخاء المعجمتان، وقد أشار إلى مخارج الحلق الثلاثة الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:

стр. 51

ثم لأقصى الحلقِ همزٌ هاءُ ... ثمَّ لوسطهِ فعيْنٌ حَاءُ أدْنَاهُ غَيْنٌ خاؤُها ... ... ... ... ... ... ... المخرج الثالث: اللسان ويخرج منه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفاً وتنحصر في أربعة مواضع منه وهي: أقصاه ووسطه وحافته وطرفه. ففي أقصاه مخرجان لحرفين. وفي وسطه مخرج واحد لثلاثة أحرف. وفي حافته مخرجان لحرفين. وفي طرفه خمسة مخارج لأحد عشر حرفاً وها هي على النحو التالي: الأول: أقصى اللسان أعني أبعده مما يلي الحلق وما فوقه من الحنك الأعلى ويخرج منه حرف واحد وهو القاف. الثاني: أقصى اللسان من أسفل مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى تحت مخرج القاف قليلاً ويخرج منه حرف واحد وهو الكاف وهو أقرب إلى مقدم الفم من القاف وأبعد من الحلق. الثالث: وسط اللسان وما يليه من الحنك الأعلى ويخرج منه مخرج واحد لثلاثة أحرف وهي الجيم فالشين فالياء. ونعني بالياء هنا غير المدية وهي المتحركة مطلقاً أو الساكنة بعد فتح كخير وشيء ويَوَدُّ. أما الياء المدية وهي الساكنة إثر كسر كقيل فتقدم أنها تخرج من جوف الحلق على مذهب الجمهور وعلى غيره من وسط اللسان مع المتحركة والساكنة إثر فتح. الرابع: إحدى حافتي اللسان وما يليها من الأضراس العليا التي في الجانب الأيسر أو الأيمن. ويخرج منها حرف واحد وهو الضاد المعجمة وخروجها من الحافة اليسرى أكثر وأيسر. من اليمنى أصعب وأقل. ومن الحافتين معاً أقل وأعسر وهذا ما أشار إليه الإمام الشاطبي بقوله: ... ... وهو لَدَيْهما ... يعزُّ وباليمنى يكون مُقلَّلا اهـ قال في نهاية القول المفيد: وكان ﷺ يخرجها من الجانبين وقيل: كان سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ يخرجها من الجانبين

стр. 52

أيضاً وبالجملة فهي أصعب الحروف مخرجاً وأشدها على اللسان ولا يمكن ضبط مخرجها إلا بالمشافهة. قال الحافظ ابن الجزري في التمهيد: واعلم أن هذا الحرف ليس من الحروف حرف يعسر على اللسان غيره والناس يتفاضلون في النطق به أهـ. الخامس: أدنى حافتي اللسان أي أقربها إلى مقدم الفم بعد مخرج الضاد مع ما يليها من اللثة "أي لحمة الأسنان العليا" ويخرج منه حرف واحد وهو اللام وليس في الحروف أوسع مخرجاً منه. وخروج اللام من الحافة اليسرى أقل وأعسر ومن اليمنى أكثر وأسهل على العكس من الضاد، وخروجها من الحافتين معاً عزيز وصعب كما في الضاد. قال العلامة المارغني في النجوم الطوالع: "ويتأتى إخراج اللام من كلتا الحافتين إلا أن إخراجها من الحافة اليمنى أمكن بخلاف الضاد فإنها من اليسرى أمكن" أهـ. السادس: طرف اللسان تحت مخرج اللام قليلاً وما يحاذيه من لثة الثنيتين العُلْيَيَيْن ويخرج منه حرف واحد وهو النون الساكنة المظهرة ولو تنويناً والمدغمة في مثلها وكذلك المتحركة مشددة كانت أو مخففة. وخرج بهذا القيد: النون المخفاة والمدغمة مطلقاً في غير مثلها. فأما النون المخفاة فتتحول من طرف اللسان إلى قرب مخرج ما تخفى عنده من الحروف: وأما المدغمة مطلقاً أي بالغنة أو بغيرها في غير مثلها فتتحول أيضاً من طرف اللسان إلى مخرج ما تدغم فيه نفسه من الحروف وهذا هو الصواب خلافاً لمن قال بأن مخرج النون في هاتين الحالتين يتحول من طرف اللسان إلى الخيشوم ولمن قال بخروج المشددة من الخيشوم كذلك وسيأتي في باب الغنة ما يوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 53

السابع: طرف اللسان مع ظهره بالقرب من مخرج النون وما يحاذيه من لثة الثَّنيتَين العُلْيَيَيْن أيضاً ويخرج منه حرف واحد وهو الراء ومن هنا يتضح أن النون والراء اشتركتا في المخرج من طرف اللسان وما يحاذيه من لثة الثَّنيتَين العُلْيَيَيْن إلا أن الراء أدخل إلى ظهر اللسان من مخرج النون. وهذا هو الفرق بينهما فاعرفه. هذا: وما ذكرناه من أن لكل من اللام والنون والراء مخرجاً مستقلاً هو ما قال به الجمهور خلافاً للفراء وموافقيه حيث قالوا: إن مخرج الحروف الثلاثة واحد وهو طرف اللسان وما يحاذيه كما تقدم والتحقيق ما قال به الجمهور لأن طرف اللسان غير ظهره وحافته غيرهما. وقد أشار الإمام ابن برِّي إلى مذهب الفراء والجمهور معاً بقوله ﵁: واللامُ من طرفه والرَّاء ... والنون هكذا حكى الفرَّاءُ والحقُّ أنَّ قد تناهى ... له من الحافة من أدناها والراءُ أدخَلُ إلى ظهر اللسانْ ... من مخرج النُّون فدونك البيان اهـ الثامن: طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا ويخرج منه ثلاثة أحرف: الطاء فالدال المهملتان فالتاء المثناة فوق. التاسع: طرف اللسان ومن فوق الثنايا السفلى مع إبقاء فرجة قليلة بين طرف اللسان والثنايا عند النطق ويخرج منه ثلاثة أحرف: الصاد فالزاي فالسين. العاشر: طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا أي رؤسها ويخرج منه ثلاثة أحرف: الظاء فالذال المعجمتان فالثاء المثلثة وهذه الأحرف الثلاثة هي التي جرت

стр. 54

عادة المعلمين لكتاب الله تعالى على النصح بإخراج اللسان عند النطق بها. وإلى هنا انتهى كلامنا على مخارج اللسان العشرة وتسمى كلها لسانية لخروجها من اللسان في الجملة وإن كان يشاركه فيها غيره كما مر توضيحه فتأمل. وقد أشار إلى مخارج اللسان العشرة الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة الجزرية بقوله: ... ... ... والقافُ ... أقصى اللسانِ فوقُ ثمَّ الكافُ أسفلُ والوسْطُ فجيمُ الشين يا ... والضَّاد من حافتهِ إذْ ولِيَا لاضراس من أيسرَ أو يُمناها ... واللامُ أدناها لمُنتهاها والنُّون من طرفهِ تحتُ اجْعَلُوا ... والرَّا يُدانيهِ لظَهْرِ أدْخَلُوا والطاءُ والدالُ وتَا مِنْهُ ومنْ ... عُليا الثَّنايا والصفيرُ مُستكِنْ منهُ ومنْ فوق الثنايا السُّفلى ... والظاءُ والذالُ وثا للعُليَا منْ طَرَفيْهِما ... ... المخرج الرابع: الشفتان: ويخرج منهما مخرجان لأربعة أحرف فيخرج من الأول حرف واحد ومن الثاني ثلاثة وهما على النحو التالي: الأول: باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا ويخرج منه الفاء. الثاني: ما بين الشفتين معاً ويخرج منه ثلاثة أحرف وهو الواو والباء الموحدة والميم لكن بانطباقهما في الميم والباء وانفتاحهما في الواو أو انضمامهما وانطباق الشفتين في الباء أقوى من انطباقهما في الميم ونعنى بالواو

стр. 55

هنا الواو غير المدية وهي المتحركة مطلقاً أو الساكنة بعد فتح كخوف. أما الواو المدية وهي الساكنة بعد ضم كقولوا فتقدم أنها تخرج من جوف الحلق على مذهب الجمهور وعلى غيره من بين الشفتين مع المتحركة والساكنة إثر فتح. المخرج الخامس والأخير: الخيشوم وهو خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم. وقيل هو أقصى الأنف ويخرج منه مخرج واحد: هو مخرج الغنة أي صوتها لا حروفها كما سيأتي في مبحثها. وقال بعضهم: وتكون (أي الغنة) في النون والميم السكانتين حالة الإخفاء أو الإدغام بالغنة فإن مخرج هذين الحرفين في هذه الحالة يتحول من مخرجه الأصلي الذي هو طرف اللسان بالنسبة لنون وبين الشفتين بالنسبة للميم إلى الخيشوم على القول الصحيح هذا بعض ما قاله أئمتنا في هذا المقام. ويؤخذ منه أن مخرج النون والميم حال تحريكهما بالتخفيف أو بالتشديد أو حال سكونهما مع الإظهار يكون من طرف اللسان بالنسبة للنون ومن بين الشفتين بالنسبة للميم وهو كذلك. وللكلام صِلة تأتي في البحث الخاص بالغنة بعون الله تعالى. وقد أشار إلى مخرجي الشفتين ومخرج الخيشوم الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة والجزرية بقوله: ... ... ومنْ بطنِ الشِّفَهْ ... فالفا معَ اطرافِ الثَّنايَا المُشْرِفهْ للشفتين الواوُ باءُ ميمُ ... وغُنَّةٌ مخرَجُها الخيشومُ وإلى هنا انتهى كلامنا على مخارج الحروف على مذهب الجمهور مع التنبيه على مذهب الغير والله أعلم.

стр. 56

الفصل الثالث / في ألقاب الحروف وهي عشرة ألقاب لقبها بها الخليل بن أحمد في أول كتاب العين وهي مشتقة من أسماء المواضع التي تخرج منها، وإليك بيانها: الأول: الحروف الجوفية وهي حروف المد الثلاثة - الألف - ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً - والواو - الساكنة المضموم ما قبلها - والياء - الساكنة المكسور ما قبلها ويجمع الكل لفظ (نوحيها) ولقبت بذلك لخروجها من جوف الحلق كما مر وتلقب أيضاً بالمدية لامتداد الصوت بها كما سيأتي الكلام عليها في موضعه، وتلقب أيضاً بحروف العلة لما يعتريها من القلب والإبدال والإعلال كما تقرر في فن الصرف. قال في نهاية القول المفيد: "وهو بالصوت أشبه فلولا تَصَعُّدُ الألف وتسفّل الياء واعتراض الواو بين التصعُّد والتسفُّل لما تميزت عن الصوت المجرد" أهـ بحروفه وقال بمعناه ملا علي القاري. الثاني: الحروف الحلقية وهي الهمزة والهاء والعين والحاء المهملتان والغين والخاء المعجمتان ولقبت بذلك لخروجها من الحلق كما تقدم فإن روعي ما جاء في مذهبي سيبويه والفراء فتصير الحروف الحلقية سبعة أحرف بإضافة ألف المد إليها حيث قالا بخروجها من أقصى الحلق مع الهمزة.

стр. 57

وفي ذلك يقول الإمام ابن بري في الدرر وهو ممن أخذ بمذهب سيبويه: فالهاءُ والهمزةُ ثمَّ الألفُ ... من آخر الحلقِ جميعاً تُعرفُ والعين من وسطهِ والحاءُ ... والغين من آخره والخاءُ أهـ الثالث: الحروف اللهوية وهما حرفان: القاف والكاف ويقال لهما: اللهويان نسبة إلى "اللهاة" بفتح اللام وهي اللحمة المشرفة على الحلق. الرابع: الحروف الشجرية بسكون الجيم وقد اختلف العلماء في حروف هذا اللقب فذهب البعض إلى أن حروفه ثلاثة، وذهب البعض الآخر إلى أنها أربعة. واختلف القائلون بالأحرف الثلاثة فذهب بعضهم إلى أنها الجيم والشين والياء. وذهب غيرهم إلى أنها الجيم والشين والضاد بإسقاط الياء. أما القائلون بالأحرف الأربعة فهي عندهم: الجيم والشين والياء والضاد، واختلف قول الحافظ ابن الجزري فقال في النشر: إن الحروف الشجرية الجيم والشين

стр. 58

المعجمة والياء غير المدية أهـ. وقال في التمهيد: الشجرية وهي ثلاثة أحرف: الجيم والشين والضاد أهـ. فأسقط الياء وفي المسألة كلام كثير غير ما ذكرنا وقد أتينا بما يلائم المبتدئين وفيه الكفاية إن شاء الله. هذا والمراد بالياء في كل ما ذكر الياء غير المدية. أما هي فقد تقدم أنها تخرج من الجوف. وسواء قلنا بأن الأحرف الشجرية ثلاثة أو أربعة فإن اعتبرنا مذهبي سيبويه والفراء فتصير الأحرف الشجرية أربعة بالنسبة لمن قال إنها ثلاثة وتصير خمسة بالنسبة لمن قال إنها أربعة وذلك بإضافة الياء المدية إليها حيث قالا بخروجها من وسط اللسان مع الياء المتحركة مطلقاً والساكنة إثر فتح كما مر في المخارج. ولقبت هذه الأحرف بالشجرية لخروجها من شجر الفم وهو ما بين وسط اللسان وما يقابله من الحنك الأعلى في قول. وقيل غير ذلك، وبالله التوفيق. الخامس: الحروف الذلقية بفتح اللام وسكونها وهي اللام والنون والراء ولقبت بذلك لخروجها من ذلق اللسان وهو طرفه وقال في الرعاية: سماهن الخليل بذلك لأنه نسبهنَّ إلى الموضع الذي يخرجن منه. ومخرجهن من طرف اللسان وطرف كل شيء ذلقه أهـ. السادس: الحروف النطعية بكسر النون وفتح الطاء وهي الطاء والدال المهملتان والتاء المثناة فوق قال العلامة المارغني في النجوم الطوالع: وتسمى هذه الأحرف الثلاثة نطعية لمجاورة مخرجها نطع غار الحنك الأعلى وهو سقفه لا لخروجها منه كما قيل، والنطع بكسر النون وإسكان الطاء وفتحها ما ظهر من الحنك الأعلى فيه آثار كالتحزيز كما في القاموس أهـ. السابع: الحروف الأسلية وهي الصاد والسين المهملتان والزاي ولقبت بذلك لخروجها من أسلة اللسان أي طرفه لا مستقره كما قيل وتسمى حروف

стр. 59

الصفير أيضاً كما سيأتي بيانه في مبحث الصفات. الثامن: الحروف اللثوية وهي الظاء والذال المعجمتان والثاء المثلثة ولقبت بذلك لخروجها من قرب اللثة لا منها: التاسع: الحروف الشفوية أو الشفهية وهي الفاء والواو غير المدية والباء الموحدة والميم ولقبت بذلك لخروجها من الموضع الذي تخرج منه وهو باطن الشفة السفلى بالنسبة للفاء وللشفتين معاً بالنسبة لغيرها في الجملة. فإن روعي ما قاله سيبويه والفراء فتصير الحروف الشفوية خمسة أحرف بإضافة الواو المدية إليها حيث قالا بخروجها من الشفتين مع المتحركة فتنبه. العاشر: الحروف الهوائية وهي حروف المد الثلاثة التي تقدم ذكرها في الحروف الجوفية ولقبت بذلك لانتشار هوائها في الفم حال النطق بها حتى يمر على جميع المخارج فهي باعتبار المد هوائية وباعتبار مخرجها من الجوف جوفية وهذا هو السبب في تلقيبها بهذين اللقبين فتأمل والله الموفق. وقد نظم هذه الألقاب العشرة غير واحد من الفضلاء وإليك أسهلها وأخصرها لصاحب لآلىء البيان فقال: وأحرفُ المدَّ إلى الجوفِ انتمت ... وهكذا إلى الهواء نُسبتْ وأحرف الحلقِ أتتْ حلقيَّهْ ... والقاف والكاف معاً لهويَّهْ والجيم والشين وياء لقِّبتْ ... مع ضادها شجرية كما ثبتْ واللام والنون ورا ذلقيَّهْ ... والطاءُ والدالُ وتا نطعيَّهْ وأحرفُ الصَّفير قلْ أسْليَّهْ ... والظاءُ والذالُ وثا لثويَّة والفا وميمُ با واوٌ سُمِّيتْ ... شفوية فتلك عشرة أتتْ أهـ والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 60

الباب الثاني / في صفات الحروف التمهيد للدخول إلى الباب الصفات جمع صفة وهي في اللغة ما قام بالشيء من المعاني حسيًّا كان كالبياض والصفرة والحمرة واللمس أو معنويًّا كالعلم والأدب. وفي الاصطلاح كيفية تعرض للحرف عند النطق به كجريان النفس في الحروف المهموسة وعدم جريانه في الحروف المجهورة وما إلى ذلك مما سيأتي مفصلاً. ولمعرفة هذا الباب فوائد مهمة وجليلة منها: ١- تمييز الحروف المشتركة في المخرج إذ لولاها لكانت تلك الحروف حرفاً واحداً فمن ذلك: الطاء المهلمة فلولا انفرادها بالاستعلاء والإطباق والجهر لكانت تاءاً لاتفاقهما في المخرج. والذال المعجمة لولا الاستفال والانفتاح اللذان فيها لكانت ظاءاً معجمة لاتفاقهما في المخرج أيضاً. والحاء المهملة والهاء والثاء المثلثة لولا اختلافهن في المخرج لكن حرفاً واحداً لاتفاقهن في الصفات. ٢- تحسين لفظ الحروف المختلفة في المخرج. ٣- معرفة قوي الحروف وضعيفها ليعلم ما يجوز فيه الإدغام وما لا يجوز إلى غير ذلك من الفوائد.

стр. 61

الفصل الأول / في أقوال العلماء في عدد صفات الحروف اختلف العلماء في عدد صفات الحروف فأنْهاهَا بعضهم إلى أربع وأربعين صفة وبعضهم إلى أربع وثلاثين صفة. وبعضهم إلى أربع عشرة صفة وبعضهم زاد على ما ذكر وبعضهم نقص. والقول المشهور عند الجمهور هو سبع عشرة صفة وهو الذي اختاره الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية والطيبة وتابعه على ذلك شارحو المقدمة والطيبة وغيرهما وذِكْرُنا للصفات في كتابنا هذا سيكون إن شاء الله تعالى على القول الأخير الذي هو سبع عشرة صفة وفقاً لما عليه الجمهور ولما ذكره الحافظ ابن الجزري في مقدمته وطيبته فنقول وبالله التوفيق: تنقسم الصفات إلى قسمين: الأول: الصفات الأصلية - اللازمة. الثاني: الصفات العرضية. أما الصفات الأصلية فهي الملازمة للحرف لا تفارقه بحال من الأحوال كالجهر والاستعلاء والإطباق والقلقلة. وأما الصفات العرضيَّة فهي التي تعرض للحرف في بعض الأحوال وتنفك عنه في البعض الآخر لسبب من الأسباب كالتفخيم والترقيق والإظهار والإدغام والمد والقصر وسنتكلم على هذا القسم بعد الانتهاء من الكلام على الصفات اللازمة إن شاء الله تعالى.

стр. 62

الفصل الثاني / في الكلام على الصفات الأصلية اللازمة تنقسم الصفات الأصلية إلى قسمين أيضاً: قسم له ضد وهو خمس وضده كذلك وتسمى هذه الصفات ذوات الأضداد. وقسم لا ضد له وهو سبع. وفيما يلي الكلام على كل قسم بانفراد: الكلام على الصفات ذوات الأضداد والصفات ذوات الأضداد عشر وهي كالآتي: الجهر وضده الهمس. والرخو وضده الشدة والتوسط معاً. والاستفال وضده الاستعلاء. والانفتاح وضده الإطباق. والإصمات وضده الإذلاق. وأما الصفات التي لا ضد لها فسبع كما مر وهي: الصفير، والقلقلة، واللين، والانحراف، والتكرار، والتفشي، والاستطالة. وسنتكلم أولاً علىكل صفة وضدها على حدة إلى أن تنتهي ذوات الأضداد ثم نعقب بالكلام على الصفات السبع التي لا ضد لها فنقول وبالله التوفيق. الصفة الأولى: الهمس وهو في اللغة الخفاء. وفي الاصطلاح ضعف التصويت بالحرف لضعف الاعتماد عليه في المخرج حتى جرى النفس معه فكان فيه همس أي خفاء ولذا سمي مهموساً وحروفها عشرة جمعها الحافظ ابن الجزري في المقدمة والطيبة في قوله: "فحثه شخص سكت" وهي الفاء والحاء والثاء المثلثة والهاء والشين والخاء والصاد والسين والكاف والتاء المثناة فوق. الصفة الثانية: الجهر وهو ضد الهمس ومعناه في اللغة الإعلان والإظهار. وفي الاصطلاح قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى منع

стр. 63

جريان النفس معه فكان فيه جهر أي إعلان وإظهار ولذا سمي مجهوراً وحروفه تسعة عشر حرفاً وهي الأحرف الباقية من حروف الهجاء بعد حروف الهمس العشرة السابقة ويؤخذ من التعريف الاصطلاحي لصفتي الجهر والهمس أن الفرق بينهما قائم على عدم جريان النفس في الأول وجريانه في الثاني، كما يؤخذ أيضاً أن الحروف الهجائية موزعة على الصفتين فما كان من حروف (فحثه شخص سكت) فهو من صفة الهمس وما كان من غيرها فهو من صفة الجهر. الصفة الثالثة: الشدة والتوسط. فالشدة معناها في اللغة القوة وفي الاصطلاح لزوم الحرف لموضعه لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى حبس الصوت عن الجريان معه فكان فيه شدة أي قوة ولذا سمي شديداً وحروفها ثمانية جمعها الحافظ ابن الجزري في المقدمة والطيبة في قوله: "أجد قط بكت" وهي الهمزة والجيم والدال والقاف والطاء والباء الموحدة والكاف والتاء المثناة فوق. والتوسط: أي بين الشدة والرخو معناه في اللغة الاعتدال وفي الاصطلاح كون الحرف بين الصفتين (أي بين صفة الشدة وصفة الرخو الآتية بعد) بحيث يكون عند النطق به ينحبس بعض الصوت معه ويجري بعضه ولذا سمي متوسطاً. وحروفه خمسة جمعها الحافظ ابن الجزري في المقدمة والطيبة في قوله: "لن عمر" وهي اللام والنون والعين والميم والراء. الصفة الرابعة: الرخو وهو ضد الشدة والتوسط ومعناه في اللغة اللين وفي الاصطلاح ضعف لزوم الحرف لموضعه لضعف الاعتماد عليه في المخرج حتى جرى معه الصوت فكان فيه رخو أي لين ولذا سمي رخواً. وحروفه ستة عشر حرفاً وهي الباقية من حروف الهجاء بعد حروف الشدة الثمانية المتقدم ذكرها وحروف التوسط الخمسة السابق ذكرها كذلك. ويؤخذ مما سبق توضيحه أن الحروف الهجائية موزعة على صفة الشدة والتوسط والرخو فما كان من حروف "أجد قط بكت" فهو من صفة الشدة وما كان من حروف "لن عمر" فهو من صفة التوسط وما ليس منهما فهو من صفة الرخو كما يؤخذ أيضاً من التعريف الاصطلاحي للصفات الثلاث ونعني بها الشدة

стр. 64

والتوسط والرخو أن الفرق بينهن قائم على حبس جريان الصوت في الأولى وجريانه في الثالثة وعدم كمال جريانه في الثانية بمعنى أن الصوت لم يجر في حروف التوسط كجريانه مع الرخو ولم ينحبس كانحباسه مع الشدة، وإليك بعضاً من الأمثلة ليظهر لك الفرق بينهن فإذا وقفت على الدال والجيم من نحو ﴿مُّهْتَدٍ﴾ [الحديد: ٢٦] ﴿والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] ترى أن الصوت انحبس ولم يخرج لأن الدال والجيم من حروف الشدة. وإذا وقفت على السين والفاء من نحو ﴿المس﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿أُفٍّ﴾ [الأحقاف: ١٧] ترى أن الصوت قد جرى جرياناً ظاهراً وذلك لأن السين والفاء من حروف الرخو. وإذا وقفت على اللام والنون من نحو ﴿قُلْ﴾ [الناس: ١] و ﴿يَكُنْ﴾ [الإخلاص: ٤] ترى أن الصوت لم ينحبس عند النطق بهذين الحرفين كانحباسه مع الشدة ولم يجر معهما كجريانه مع الرخو ومن ثم سميت بحروف التوسط أو الحروف البينية وهذه الأمور كلها مدركة بالحس بأدنى تأمل، والله أعلم. الصفة الخامسة: الاستعلاء وهو في اللغة الارتفاع وفي الاصطلاح ارتفاع اللسان إلى الحنك الأعلى عند النطق بالحرف فيرتفع الصوت معه ولذا سمي مستعلياً وحروفه سبعة جمعها الحافظ ابن الجزري في المقدمة والطيبة في قوله: "خص ضغط قظ" وهي الخاء والصاد والضاد والغين والطاء والقاف والظاء". الصفة السادسة: الاستفال وهو ضد الاستعلاء ومعناه في اللغة الانخفاض وقيل الانحطاط. وفي الاصطلاح انخفاض اللسان أو انحطاطه عن الحنك الأعلى عند النطق بالحرف فينخفض معه الصوت إلى قاع الفم ولذا سمي مستفلاً وحروفه اثنان وعشرون حرفاً وهي الباقية من حروف الهجاء بعد حروف الاستعلاء السبعة المتقدمة. ومن هنا يؤخذ أن حروف الهجاء موزعة على الصفتين فما كان من حروف "

стр. 65

خص ضغط قظ" فهو مستعل وما كان من غيرها فهو مستفل. كما يؤخذ أيضاً من التعريف الاصطلاحي لهاتين الصفتين أن الفرق بينهما قائم على ارتفاع اللسان بالحرف إلى الحنك الأعلى عند النطق به أو انخفاضه عنه فما كان من الحروف مرتفع مع اللسان فهو مستعل وما كان منها منخفض معه فهو مستفل. ويترتب على صفة الاستفال الترقيق لحروفها كما يترتب على صفة الاستعلاء التفخيم لحروفها وسيأتي مزيد بيان لهذا. الصفة السابعة: الإطباق ومعناه في اللغة الالتصاق. وفي الاصطلاح انطباق طائفة - أي جملة - من اللسان إلى الحنك الأعلى عند النطق بالحرف وانحصار الصوت بينهما ولذا سمي مطبقاً وحروفه أربعة وهي: (الصاد والضاد والطاء والظاء) وأقوى حروف الإطباق الطاء المهملة لجهرها وشدتها وأضعفها الظاء المعجمة لرخاوتها، وأما الصاد والضاد فمتوسطتان. ومعنى انطباق اللسان أي قربه من الحنك الأعلى عند النطق بهذه الأحرف زيادة عن قربه منه عند غيرها من حروف الاستعلاء المتقدمة. واعلم أن الإطباق أبلغ وأخص من الاستعلاء فكونه أبلغ لأن اللسان عند النطق بحروفه يرتفع بها إلى الحنك الأعلى وينطبق بخلاف الاستعلاء فإن اللسان يرتفع بحروفه فقط ولا ينطبق بها ولذا خصت حروف الإطباق من بين حروف الاستعلاء بتفخيم أقوى كما سيأتي. وكون الإطباق أخص من الاستعلاء لأنه يلزم من الإطباق الاستعلاء ولا يلزم من الاستعلاء الإطباق فكل مطبق مستعل وليس كل مستعل مطبقاً. الصفة الثامنة: الانتفاح وهو ضد الإطباق ومعناه في اللغة الافتراق. وفي الاصطلاح انفتاح ما بين اللسان والحنك الأعلى عند النطق بالحرف فلا ينحصر الصوت بينهما ولذا سمي منفتحاً وحروفه خمسة وعشرون حرفاً وهي الحروف الباقية من حروف الهجاء بعد حروف الإطباق الأربعة التي تقدمت. ويؤخذ من هذا أن حروف الهجاء موزعة على الصفتين فما كان من حروف الإطباق الأربعة فمطبق وما كان من غيرها فمنفتح كما يؤخذ أيضاً من التعريف الاصطلاحي لصفتي الإطباق والانفتاح أن الفرق بينهما قائم على انطباق اللسان

стр. 66

إلى الحنك الأعلى عند النطق بالحرف وانفتاحه عنه فما انطبق معه اللسان إلى الحنك الأعلى فمطبق وما انفتح اللسان عن الحنك الأعلى فمنفتح. الصفة التاسعة: الذلاقة ومن معانيها في اللغة الفصاحة والخفة وفي الاصطلاح الاعتماد عند النطق بالحرف على ذلق اللسان والشفة وقيل غير ذلك وحروفها ستة جمعها الحافظ ابن الجزري في المقدمة والطيبة في قوله: "فِرَّ مِنْ لُبِّ" وهي الفاء والراء والميم والنون اللام والباء الموحدة. وسميت بذلك لذلاقتها أي خفتها وسرعة النطق بحروفها لأن بعضها يخرج من ذلق اللسان أي طرفه وهو الراء واللام والنون وبعضها يخرج من ذلق الشفة وهو الفاء والباء والميم وكما تسمى بالذلاقة تسمى بالحروف المذلقة وبحروف الإذلاق وكلها ألفاظ مترادفة. الصفة العاشرة: الإصمات وهو ضد الذلاقة ومعناه في اللغة المنع وفي الاصطلاح منع حروفه من أن يبنى منها وحدها في كلام العرب كلمة رباعية الأصول أو خماسية لثقلها على اللسان فلا بد من أن تكون في الكلمات الرباعية الأصول أو الخماسية حرف من الحروف المذلقة لتعدل خفته ثقل حرف الإصمات ولهذا سميت بالحروف المصمتة. وأما كلمة عسجد اسم للذهب وعسطوس بفتح العين والسين اسم شجر فقيل إنهما غير أصليين في كلام العرب بل ملحقان به وقيل شاذان وقيل غير ذلك واعلم أن صفة الإذلاق وضدها صفة الصمت لا دخل لهما في تجويد الحروف. هذا: وحروف الإصمات ثلاثة وعشرون حرفاً هي الباقية من حروف الهجاء بعد الحروف الستة المتقدمة للذلاقة. ويؤخذ من هذا أن حروف الهجاء موزعة على صفتي الذلاقة والإصمات فماكان من حروف "فر من لب" فمذلق وما كان من غيرها فمصمت. وهنا قد انتهى كلامنا على الصفات العشر ذوات الأضداد وهي التي أشار إليها الحافظ ابن الجزري في المقدمة والطيبة بقوله: صفاتُها جهرٌ ورخوٌ مستفل ... منفتح مصمتةٌ والضدَّ قُلْ مهموسُها (فحثَّهُ شخصٌ سكت ... شديدها لفظٌ (أجد قط بَكَتْ) وبين رخو والشديد (لن عُمَرْ) ... وسبعُ عُلْوٍ (خُصَّ ضغطٍ قظْ) حصرْ وصادُ ضاد طاءُ ظاءٌ مُطبقهْ ... وَ (فِرَّ مِنْ لبِّ) الحروف المذلَقَهْ الكلام على الصفات التي لا ضد لها وهي سبع كما مر آنفاً وفيما يلي تفصيلها واحدة واحدة: الصفة الأولى: الصفير ومن معانيه في اللغة - حدة الصوت - وفي الاصطلاح حدوث صوت زائد يخرج من بين الشفتين يشبه صوت الطائر عند النطق بحروفه الثلاثة التي هي الصاد والزاي والسين ولذا سميت بحروف الصفير. وأقوى تلك الحروف في الصفير الصاد لاستعلائها وإطباقها ثم الزاي لجهرها ثم السين لهمسها. الصفة الثانية: القلقلة ومن معانيها في اللغة: التحريك والاضطراب وفي الاصطلاح اضطراب اللسان بالحرف عند النطق به ساكناً حتى يسمع له نبرة قوية وحروفها خمسة جمعها الحافظ ابن الجزري في مقدمته وطيبته بقوله: (قطب جد) وهي القاف والطاء والباء الموحدة والجيم والدال المهملة وسميت بذلك لأنها حال سكونها تتقلقل عند خروجها حتى يسمع لها نبرة قوية - أي صوت عال - وذلك لأن من صفاتها الشدة والجهر فالشدة تمنع الصوت أن يجري معها والجهر يمنع النفس أن يجري معها كذلك. فلما امتنع جريان الصوت والنفس مع حروفها احتيج إلى التكلف في بيانها بإخراجها شبيهة بالمتحرك. والقلقلة صفة لازمة لحروفها الخمسة المذكورة آنفاً ولا فرق بين أن يكون الساكن منها موصولاً نحو ﴿يَقْبَلُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ﴿يَطْبَعُ﴾ [الأعراف: ١٠١] ﴿يَبْدَأُ﴾ [يونس: ٤] ﴿يَجْمَعُ﴾ [المائدة: ١٠٩] ﴿

стр. 67

وَيَدْرَؤُاْ﴾ [النور: ٨] أو موقوفاً عليه سواء أكان مخففاً أم مشدداً فالمخفف نحو ﴿فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] ﴿الصراط﴾ [ص: ٢٢] ﴿الأحزاب﴾ [ص: ١٣] ﴿أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿المهاد﴾ [ص: ٥٦] والمشدد نحو ﴿الحق﴾ [الشورى: ١٨] ﴿وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] ﴿والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿أَشَدَّ﴾ [فاطر: ٤٤] . والقلقلة في الساكن الموقوف عليه بنوعيه أبين من الساكن الموصول. وفي هذا يقول الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية: وبيَّن مقلقلاً إنْ سكَنَا ... وإن يكنْ في الوقفِ كان أبْينا ثم اعلم أن القلقلة لم تكن قاصرة على ما تقدم من كونها في الساكن بأنواعه المتقدمة بل في المتحرك من حروفها قلقلة كذلك لأنها لا تنفك عنها ساكنة

стр. 68

كانت أو متحركة ولكونها من الصفات اللازمة لها ولتعريفها باجتماع صفتي الشدة والجهر كما تقدم فأصلها ثابت في المتحرك أيضاً وإن لم تكن ظاهرة إلا أنها أقل من الساكن غير الموقوف عليه كما أن أصل الغنة ثابت في النون والميم الساكنتين المظهرتين والمتحركتين الخفيفتين، وبهذا يتبين أن مراتب القلقلة أربع وهي على النحو التالي: الأولى: الساكن الموقوف عليه المشدد نحو ﴿بالحق﴾ [غافر: ٢٠] . الثانية: الساكن الموقوف عليه المخفف نحو ﴿مُّحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] . الثالثة: الساكن الموصول وهو المعروف بالأصلي نحو ﴿يَجْمَعُ﴾ [المائدة: ١٠٩] . الرابعة: المتحرك مطلقاً كالطاء والباء من نحو ﴿طَبَعَ﴾ [النحل: ١٠٨] . فالقلقلة في الساكن المشدد الموقوف عليه أقوى منها في الساكن المخفف الموقوف عليه. وفي الساكن المخفف الموقوف عليه أقوى منها في الساكن الموصول. وفي الساكن الموصول أقوى منها في المتحرك الذي فيه أصل القلقلة فقد وإن لم تكن ظاهرة فتأمل. أقسام القلقلة وكيفية أدائها تنقسم القلقلة في غير المتحرك من حروفها الذي فيه أصل القلقلة فقط ثلاثة أقسام صغيرة وكبيرة وأكبر: فالصغيرة: ما كان وجودها في الساكن الموصول كقاف ﴿وَيَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] . والكبيرة: ما كانت في الساكن الموقوف عليه المخفف كدال ﴿السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] . والأكبر ما كانت حاصلة في الساكن الموقوف عليه المشدد كقاف ﴿أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤] .

стр. 69

أما كيفية أدائها فقد اختلف العلماء في ذلك على أكثر من قول والمشهور منها قولان: الأول: أن الحرف المقلقل يتبع حركة ما قبله ويستوي في ذلك ما كان سكونه موصولاً أو موقوفاً عليه مخففاً كان أو مشدداً. فإن كان ما قبله مفتوحاً نحو ﴿لِيَقْطَعَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] ﴿والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] فقلقلته للفتح أقرب. وإن كان ما قبله مكسوراً نحو ﴿قِبْلَةً﴾ [البقرة: ١٤٤] فقلقلته للكسر أقرب. وإن كان مضموماً نحو ﴿مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] فقلقلته للضم أقرب. هذا هو القول المشهور وعليه الجمهور وانظر جهد المقل وشرحه للمرعشي. الثاني: أن الحرف المقلقل يكون للفتح أقرب مطلقاً سواء أكان قبله مفتوحاً أم مكسوراً أم مضموماً. وقد أشار بعضهم إلى هذا القول بقوله: وقلقلةً قرِّبْ إلى الفتح مُطلقاً * ولا تتبعنها بالذي قبلُ تجْمُلا كما أشار العلامة السمنودي في لآلىء البيان إلى القولين معاً مرجحاً الإتباع لما قبله ومبيناً تعريف كل من القلقلة الكبيرة والأكبر بقوله حفظه الله: قلقلةٌ قطبُ جدٍ وقُرِّبتْ ... للفتحِ والأرجحُ ما قبلُ اقْتَفَتْ كبيرةٌ حيث لدى الوقفِ أتتْ ... أكبرُ حيثُ عند وقف شُدِّدتْ اهـ هذا وذكر صاحب العميد قولاً ثالثاً في كيفية أداء القلقلة حاصلة أن حروف القلقلة تتبع حركة ما بعدها من الحروف لتتناسب الحركات. وهو قول من

стр. 70

الأقوال الواردة في غير القولين المشهورين. قلت: وإن صح هذا القول فيمكن تطبيقه على الساكن الموصول فقط نحو ﴿يُبْدِىءُ﴾ [البروج: ١٣] لأن الساكن الموقوف عليه كحرف الدال في نحو قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] لا يتأتى فيه إتباعه لما بعده لذهاب حركة ما بعده بسبب الوقف عليه فتنبه. ومما يجب معرفته والتنبيه عليه في كيفية أداء القلقلة أن حروفها الخمسة اجتمع فيها ماهو متصف بصفة الاستعلاء وهو القاف. وما هو متصف بصفة الإطباق وهو الطاء. وما هو متصف بصفة الاستفال وهو باقي الحروف الخمسة. ولكل مراعاة في الأداء ففي حروف الاستفال تؤدى القلقلة بمراتبها السابقة مرققة لأن حروف الاستفال حكمها الترقيق كما سيأتي بيانه في موضعه. وفي حرفي الاستعلاء والإطباق تؤدى القلقلة فيهما بمراتبها السابقة مفخمة لأن حروف الاستعلاء حكمها التفخيم كما سنوضحه بعد، ويلاحظ هنا أن تفخيم الطاء يكون أقوى من تفخيم القاف لأن حروف الإطباق في التفخيم أقوى من حروف الاستعلاء كما هو مقرر. فاحفظ ذلك جيداً واعمل به في الأداء فقد أوضحنا لك هذا المقام توضيحاً كاملاً فاحرص عليه فقد لا تجده مجموعاً في غيره والله ولي التوفيق. الصفة الثالثة: اللين وهو في اللغة السهولة وقيل في معناه ضد الخشونة. وفي الاصطلاح خروج الحرف من مخرجه من غير كلفة على اللسان وله حرفان: الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما نحو ﴿الخوف﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿البيت﴾ [قريش: ٣] وسيما بذلك لخروجهما بلين وعدم كلفة على اللسان ولهذين الحرفين كلام خاص وهام للغاية سنأتي عليه إن شاء الله تعالى في باب المد والقصر. الصفة الرابعة: الانحراف وهو في اللغة الميل. وفي الاصطلاح ميل

стр. 71

الحرف بعد خروجه من مخرجه حتى يتصل بمخرج غيره. وله حرفان اللام والراء على الصحيح وسمي حرفاه بذلك لانحرافهما عن مخرجهما حتى اتصلا بمخرج غيرهما فاللام فيها انحراف إلى طرف اللسان والراء فيها انحراف إلى ظهره وميل قليل إلى جهة اللام ولذلك يجعلها الألثغ لاماً. الصفة الخامسة: التكرير وهو في اللغة إعادة الشيء وأقله مرة وفي الاصطلاح ارتعاد طرف اللسان عند النطق بالحرف. وله حرف واحد وهو الراء وسمي بذلك لارتعاد طرف اللسان عند النطق به. ومعنى وَصْف الراء بالتكرير أنها قابلة له وليس المراد منه الإتيان به كما هو ظاهر وإنما المراد به التحرز منه واجتنابه وخاصة إذا كانت الراء مشددة فالواجب على القارىء حينئذ إخفاء هذا التكرير لأنه متى أظهره فقد جعل من الراء المشددة راءات ومن المخففة راءين والتكرير في المشددة أحوج إلى الإخفاء من التكرير في المخففة. ولهذا أمر الحافظ ابن الجزري في المقدمة بإخفاء تكرير المشدد بقوله: ... ... ... ... واخْفِ تكريراً إذا تُشَدَّدُ وخلاصة القول أن الغرض من معرفة صفة التكرير للراء ترك العمل به عكس ما تقدم في الصفات وما هو آت بعد إذ الغرض منها العمل بمقتضاها. وطريقة إخفاء التكرير في الراء كما قال الجعبري إنه يلصق اللافظ ظهر لسانه بأعلى حنكه لصقاً محكماً مرة واحدة بحيث لا يرتعد لأنه متى ارتعد حدث من كل مرة راء

стр. 72

أهـ بتصرف من النجوم الطوالع. الصفة السادسة: التفشي ومن معانيه في اللغة الانتشار وفي الاصطلاح انتشار الريح في الفم عند النطق بالحرف. وله حرف واحد على الصحيح وهو الشين وسمي بذلك لانتشار الريح في الفم عند النطق به حتى اتصل بمخرج الظاء المعجمة. الصفة السابعة: الاستطالة وهي في اللغة الامتداد. وفي الاصطلاح امتداد الصوت من أول حافة اللسان إلى آخرها وهي صفة لحرف واحد وهو الضاد المعجمة وسمي بذلك لاستطالته مخرجاً وصوتاً حتى اتصل بمخرج اللام. وهنا انقضى كلامنا على الصفات السبع التي لا ضد لها والتي أشار إليها الحافظ ابن الجزري في المقدمة والطيبة بقوله:

стр. 73

صفيرُها صادٌ وزايٌ سينُ ... قلقلةُ قطبُ جدٍ واللينُ واوٌ وياءُ سكَنَا وانفَتَحَا ... قبلَهُما والانحرافُ صُحِّحَا في اللام والرَّا وبتكريرٍ جُعِلْ ... وللتَّفَشِّي الشِّينُ ضادٌ اسْتُطِلْ أهـ تتمة في صفتي الخفاء والغنة: زاد كثير من الأئمة صفتين أخريين من الصفات اللازمة التي لا ضد لها على الصفات السبع التي تقدم الكلام عليها وهي صفة الخفاء والغنة. وفيما يلي الكلام عليهما.

стр. 74

أما الخفاء: فهو في اللغة الاستتار، وفي الاصطلاح خفاء صوت الحرف، وحروفه أربعة وهي: حروف المد الثلاثة المتقدمة غير مرة والهاء وسميت بذلك لأنها تخفى في اللفظ إذا اندرجت بعد حرف قبلها. أما الخفاء في حروف المد فلسعة مخرجها لأنه مقدر كما تقدم في المخارج ولذا قويت بالمد عند الهمز. وأما الخفاء في الهاء فلاجتماع صفات الضعف فيها ولذا قويت بالصلة إذا كانت ضميراً. وأما الغنة: فهي في اللغة صوت في الخيشوم وعرفها شيخ شيوخنا العلامة الشيخ عبد الحق البنهاوي في بهجة الصبيان بأنها في اللغة صوت أغَنّ لا عمل للسان فيه أهـ ومن معانيها في الاصطلاح صفة لازمة للنون ولو تنويناً والميم سكنتا أو تحركتا ظاهرتين أو مدغمتين أو مخفاتين وسيأتي استيفاء الكلام عليها في بابها المعد لها قريباً إن شاء الله تعالى. والحق أن هاتين الصفتين ينبغي إلحاقهما بالصفات السبع التي لا ضد لها لأن الغنة صفة لازمة للنون والميم من كل الأحوال كما تقدم. مثلُها مثلُ صفة القلقلة بالضبط لأنها لا تنفك عن حروفها حتى في حال تحركها كما سبق وكذلك صفة الخفاء لما ذكر. وبإلحاق صفتي الخفاء والغنة بالصفات السبع التي لا ضد لها تصير تسعاً يضاف إليها ذوات الأضداد العشر فتصير تسع عشرة صفة كلها صحيحة ومشهورة والله أعلم.

стр. 75

الفصل الثالث / في تقسيم الصفات بالنسبة إلى القوة والضعف تنقسم الصفات التي سبق ذكرها إلى ثلاثة أقسام: قوية وضعيفة ومتوسطة. فالصفات القوية إحدى عشرة صفة وهي: الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والصفير والقلقلة والانحراف والتكرير والتفشي والاستطالة والغنة. والصفات الضعيفة ست وهي: الهمس والرخاوة والاستفال والانتفاح واللين والخفاء. والصفات المتوسطة ثلاث وهي: الإصمات والذلاقة والبينية - أي التي بين الرخاوة والشدة - وقد نظمها صاحب لآلىء البيان فقال: ضعيفها همسٌ ورخو وخَفَا ... لينٌ انفتاحٌ واستفال عُرفا وما سِوَاها وصْفُهُ بالقُوَّةِ ... لا الذَّلْق والإصْماتِ والبينِيَّةِ اهـ هذا: وباعتبار تقسيم الصفات إلى هذا التقسيم تنقسم الحروف الهجائية كذلك إلى أقسام ثلاثة: قوية وضعيفة ومتوسطة، وذلك حسبما يتصف به الحرف من الصفات القوية أو الضعيفة أو المتوسطة. فالحرف الذي جمع كل صفات القوة كالطاء المهملة كان قويّاً. والحرف الذي جمع كل صفات الضعف كالهاء كان ضعيفاً. والحرف الذي جمع بين صفات القوة والضعف كاللام والغين كان متوسطاً وهكذا دواليك.
следующие страницы →