← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22870

مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت عتر

ابن الصلاح

Полный текст (405 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثُمَّ مَنِ انْزَاحَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ مِنْهُمْ بِبَحْثٍ عَنْ حَالِهِ أَوْجَبَ الثِّقَةَ بِعَدَالَتِهِ قَبِلْنَا حَدِيثَهُ وَلَمْ نَتَوَقَّفْ، كَالَّذِينَ احْتَجَّ بِهِمْ صَاحِبَا الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ مَسَّهُمْ مِثْلُ هَذَا الْجَرْحِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَافْهَمْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَخْلَصٌ حَسَنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَثْبُتُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ، أَوْ لَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إِلَّا بِاثْنَيْنِ، كَمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الشَّهَادَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ - أَنَّهُ يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ، لِأَنَّ الْعَدَدَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي جَرْحِ رَاوِيهِ وَتَعْدِيلِهِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ: إِذَا اجْتَمَعَ فِي شَخْصٍ جَرْحٌ وَتَعْدِيلٌ، فَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ، وَالْجَارِحَ يُخْبِرُ عَنْ بَاطِنٍ خَفِيَ عَلَى الْمُعَدِّلِ، فَإِنْ كَانَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ أَكْثَرَ فَقَدْ قِيلَ التَّعْدِيلُ أَوْلَى.

стр. 107

وَالصَّحِيحُ - وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ - أَنَّ الْجَرْحَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةُ: لَا يُجْزِئُ التَّعْدِيلُ عَلَى الْإِبْهَامِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمُعَدَّلِ، فَإِذَا قَالَ: " حَدَّثَنِي الثِّقَةُ " أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لَمْ يُكْتَفَ بِهِ، فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ وَالصَّيْرَفِيُّ الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُمَا، خِلَافًا لِمَنِ اكْتَفَى بِذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثِقَةً عِنْدَهِ، وَغَيْرُهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى جَرْحِهِ بِمَا هُوَ جَارِحٌ عِنْدَهُ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ، فَيُحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُسَمِّيَهُ حَتَّى يُعْرَفَ، بَلْ إِضْرَابُهُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ مُرِيبٌ يُوقِعُ فِي الْقُلُوبِ فِيهِ تَرَدُّدًا، فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ عَالِمًا أَجْزَأَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يُوَافِقُهُ فِي مَذْهَبِهِ، عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ.

стр. 108

وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا قَالَ: " كُلُّ مَنْ رَوَيْتُ عَنْهُ فَهُوَ ثِقَةٌ وَإِنْ لَمْ أُسَمِّهِ، ثُمَّ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُزَكِّيًا لَهُ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَعْمَلُ بِتَزْكِيَتِهِ هَذِهِ " وَهَذَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّابِعَةُ: إِذَا رَوَى الْعَدْلُ عَنْ رَجُلٍ وَسَمَّاهُ لَمْ تُجْعَلْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ تَعْدِيلًا مِنْهُ لَهُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: " يُجْعَلُ ذَلِكَ تَعْدِيلًا مِنْهُ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّعْدِيلَ "، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ فَلَمْ تَتَضَمَّنْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ تَعْدِيلَهُ. وَهَكَذَا نَقُولُ: إِنَّ عَمَلَ الْعَالِمِ أَوْ فُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِلْحَدِيثِ لَيْسَتْ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ وَلَا فِي رَاوِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ: فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ فِي غَرَضِنَا هَاهُنَا أَقْسَامٌ: (أَحَدُهَا): الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ جَمِيعًا، وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ عَلَى مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ أَوَّلًا. (الثَّانِي): الْمَجْهُولُ الَّذِي جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ الْبَاطِنَةُ، وَهُوَ عَدْلٌ فِي

стр. 109

الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: " الْمَسْتُورُ مَنْ يَكُونُ عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ، وَلَا تُعْرَفَ عَدَالَةُ بَاطِنِهِ ". فَهَذَا الْمَجْهُولُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ بَعْضُ مَنْ رَدَّ رِوَايَةَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيِّينَ وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمُ الْإِمَامُ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ، قَالَ: " لِأَنَّ أَمْرَ الْأَخْبَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي؛ وَلِأَنَّ رِوَايَةَ الْأَخْبَارِ تَكُونُ عِنْدَ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ فِي الْبَاطِنِ، فَاقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ، وَتُفَارِقُ الشَّهَادَةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَالَةُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ". قُلْتُ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الرُّوَاةِ الَّذِينَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ بِهِمْ، وَتَعَذَّرَتِ الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ بِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ): الْمَجْهُولُ الْعَيْنِ، وَقَدْ يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ مَنْ لَا يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ الْعَيْنِ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ عَدْلَانِ وَعَيَّنَاهُ فَقَدِ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْجَهَالَةُ. ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي أَجْوِبَةِ مَسَائِلَ سُئِلَ عَنْهَا أَنَّ الْمَجْهُولَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ هُوَ كُلُّ مَنْ لَمْ تَعْرِفْهُ الْعُلَمَاءُ، وَمَنْ لَمْ

стр. 110

يُعْرَفُ حَدِيثُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ مِثْلَ عَمْرٍو ذِي مُرٍّ، وَجَبَّارٍ الطَّائِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ ذِي حُدَّانَ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَمِثْلَ الْهَزْهَازِ بْنِ مَيْزَنٍ، لَا رَاوِيَ عَنْهُ غَيْرُ الشَّعْبِيِّ، وَمِثْلَ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَتَادَةُ. قُلْتُ: قَدْ رَوَى عَنِ الْهَزْهَازِ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا. قَالَ الْخَطِيبُ: " وَأَقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ الرَّجُلِ اثْنَانِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْعَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ ". وَهَذَا مِمَّا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: قَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ جَمَاعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ رَاوٍ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ مِرْدَاسٌ الْأَسْلَمِيُّ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ قَوْمٍ لَا رَاوِيَ لَهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَذَلِكَ مِنْهُمَا مُصَيِّرٌ إِلَى أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَجْهُولًا

стр. 111

مَرْدُودًا بِرِوَايَةِ وَاحِدٍ عَنْهُ. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مُتَّجِهٌ نَحْوَ اتِّجَاهِ الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ فِي التَّعْدِيلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التَّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يُكَفَّرُ فِي بِدْعَتِهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّ رِوَايَتَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ بِبِدْعَتِهِ، وَكَمَا اسْتَوَى فِي الْكُفْرِ الْمُتَأَوِّلُ وَغَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ يَسْتَوِي فِي الْفِسْقِ الْمُتَأَوِّلُ وَغَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ رِوَايَةَ الْمُبْتَدِعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ الْكَذِبَ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ أَوْ لِأَهْلِ مَذْهَبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ دَاعِيَةً إِلَى بِدْعَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَعَزَا بَعْضُهُمْ هَذَا إِلَى الشَّافِعِيِّ، لِقَوْلِهِ: " أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ مِنَ الرَّافِضَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافَقِيهِمْ ". وَقَالَ قَوْمٌ: " تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً، وَلَا تُقْبَلُ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً "، وَهَذَا مَذْهَبُ الْكَثِيرِ أَوِ الْأَكْثَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي

стр. 112

قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ إِذَا لَمْ يَدْعُ إِلَى بِدْعَتِهِ، وَقَالَ: أَمَّا إِذَا كَانَ دَاعِيَةً فَلَا خِلَافَ بَيْنَهِمْ فِي عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ أَحَدُ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: " الدَّاعِيَةُ إِلَى الْبِدَعِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا قَاطِبَةً، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا ". وَهَذَا الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَعْدَلُهَا وَأَوْلَاهَا، وَالْأَوَّلُ بَعِيدٌ مُبَاعِدٌ لِلشَّائِعِ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ كُتُبَهُمْ طَافِحَةٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ غَيْرِ الدُّعَاةِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ كَثِيرٌ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ فِي الشَّوَاهِدِ وَالْأُصُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 113

الْعَاشِرَةُ: التَّائِبُ مِنَ الْكَذِبِ فِي حَدِيثِ النَّاسِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، إِلَّا التَّائِبَ مِنَ الْكَذِبِ مُتَعَمِّدًا فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَبَدًا، وَإِنْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ. وَأَطْلَقَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ الشَّافِعِيُّ فِيمَا وَجَدْتُ لَهُ فِي شَرْحِهِ لِرِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ: " كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ بِكَذِبٍ وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ لَمْ نَعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ تَظْهَرُ، وَمَنْ ضَعَّفْنَا نَقْلَهُ لَمْ نَجْعَلْهُ قَوِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ ". وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا افْتَرَقَتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ أَنَّ مَنْ كَذَبَ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إِسْقَاطُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَهَذَا يُضَاهِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيثًا وَرُوجِعَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ

стр. 114

فَنَفَاهُ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ جَازِمًا بِنَفْيِهِ بِأَنْ قَالَ: " مَا رَوَيْتُهُ، أَوْ كَذَبَ عَلَيَّ " أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَعَارَضَ الْجَزْمَانِ، وَالْجَاحِدُ هُوَ الْأَصْلُ، فَوَجَبَ رَدُّ حَدِيثٍ فَرْعُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ جَرْحًا لَهُ يُوجِبُ رَدَّ بَاقِي حَدِيثِهِ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِشَيْخِهِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ شَيْخِهِ لَهُ بِأَوْلَى مِنْ قَبُولِ جَرْحِهِ لِشَيْخِهِ، فَتَسَاقَطَا. أَمَّا إِذَا قَالَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ: " لَا أَعْرِفُهُ، أَوْ لَا أَذْكُرُهُ " أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ لَا يُوجِبُ رَدَّ رِوَايَةِ الرَّاوِي عَنْهُ. وَمَنْ رَوَى حَدِيثًا ثُمَّ نَسِيَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، خِلَافًا لِقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ صَارُوا إِلَى إِسْقَاطِهِ بِذَلِكَ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ رَدَّهُمْ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا نُكِحْتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ. . . " الْحَدِيثَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: " لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ ". وَكَذَا حَدِيثُ رَبِيعَةَ الرَّأْيِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ " فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ قَالَ: " لَقِيتُ سُهَيْلًا فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَلَمْ

стр. 115

يَعْرِفْهُ ". وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ بِصَدَدِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ ثِقَةٌ جَازِمٌ، فَلَا يُرَدُّ بِالِاحْتِمَالِ رِوَايَتُهُ، وَلِهَذَا كَانَ سُهَيْلٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي، عَنْ أَبِي وَيَسُوقُ الْحَدِيثَ. وَقَدْ رَوَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَكَابِرِ أَحَادِيثَ نَسُوهَا بَعْدَ مَا حَدَّثُوا بِهَا عَمَّنْ سَمِعَهَا مِنْهُمْ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ: " حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنِّي، عَنْ فُلَانٍ، بِكَذَا وَكَذَا. وَجَمَعَ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ (أَخْبَارِ مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ). وَلِأَجْلِ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنِّسْيَانِ كَرِهَ مَنْ كَرِهَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرِّوَايَةَ عَنِ الْأَحْيَاءِ "، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ قَالَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: " إِيَّاكَ وَالرِّوَايَةَ عَنِ الْأَحْيَاءِ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَنْ أَخَذَ عَلَى التَّحْدِيثِ أَجْرًا مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ رِوَايَتِهِ عِنْدَ قَوْمٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، رُوِّينَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُحَدِّثِ يُحَدِّثُ بِالْأَجْرِ، فَقَالَ: " لَا يُكْتَبُ عَنْهُ "، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ.

стр. 116

وَتَرَخَّصَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ وَآخَرُونَ فِي أَخْذِ الْعِوَضِ (عَلَى التَّحْدِيثِ)، وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي هَذَا مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ، وَالظَّنُّ يُسَاءُ بِفَاعِلِهِ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ يَنْفِي ذَلِكَ عَنْهُ، كَمِثْلِ مَا حَدَّثَنِيهِ الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ، عَنْ أَبِيهِ الْحَافِظِ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ مُحَمَّدَ بْنَ نَاصِرٍ السَّلَّامِيَّ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ النَّقُورِ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ أَفْتَاهُ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّحْدِيثِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ كَانُوا يَمْنَعُونَهُ عَنِ الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ عُرِفَ بِالتَّسَاهُلِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ أَوْ إِسْمَاعِهِ، كَمَنْ لَا يُبَالِي بِالنَّوْمِ فِي مَجْلِسِ السَّمَاعِ، وَكَمَنْ يُحَدِّثُ لَا مِنْ أَصْلٍ مُقَابَلٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَنْ عُرِفَ بِقَبُولِ التَّلْقِينِ فِي الْحَدِيثِ. وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ كَثُرَتِ الشَّوَاذُّ وَالْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ. جَاءَ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَجِيئُكَ الْحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ ". وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ فِي رِوَايَاتِهِ إِذَا لَمْ يُحَدِّثْ مِنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ. وَكُلُّ هَذَا يَخْرِمُ الثِّقَةَ بِالرَّاوِي وَبِضَبْطِهِ.

стр. 117

وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَنْ غَلِطَ فِي حَدِيثٍ وَبُيِّنَ لَهُ غَلَطُهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَأَصَرَّ عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ سَقَطَتْ رِوَايَتُهُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَنْهُ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الْعِنَادِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَعْرَضَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنِ اعْتِبَارِ مَجْمُوعِ مَا بَيَّنَّا مِنَ الشُّرُوطِ فِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَمَشَايِخِهِ، فَلَمْ يَتَقَيَّدُوا بِهَا فِي رِوَايَاتِهِمْ، لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا هَذَا مِنْ كَوْنِ الْمَقْصُودِ آلَ آخِرًا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى خِصِّيصَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْأَسَانِيدِ، وَالْمُحَاذَرَةِ مِنَ انْقِطَاعِ سِلْسِلَتِهَا، فَلْيُعْتَبَرْ مِنَ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَلِيقُ بِهَذَا الْغَرَضِ عَلَى تَجَرُّدِهِ، وَلْيُكْتَفَ فِي أَهْلِيَّةِ الشَّيْخِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلًا، غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بِالْفِسْقِ وَالسُّخْفِ، وَفِي ضَبْطِهِ بِوُجُودِ سَمَاعِهِ مُثْبَتًا بِخَطٍّ غَيْرِ مُتَّهَمٍ، وَبِرِوَايَتِهِ مِنْ أَصْلٍ مُوَافِقٍ لِأَصْلِ شَيْخِهِ.

стр. 118

وَقَدْ سَبَقَ إِلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ﵀، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا رُوِّينَا عَنْهُ تَوَسُّعَ مَنْ تَوَسَّعَ فِي السَّمَاعِ مِنْ بَعْضِ مُحَدِّثِي زَمَانِهِ الَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَ حَدِيثَهُمْ وَلَا يُحْسِنُونَ قِرَاءَتَهُ مَنْ كُتُبِهِمْ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِمْ. وَوَجْهُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ، أَوْ وَقَفَتْ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالسُّقْمِ قَدْ دُوِّنَتْ وَكُتِبَتْ فِي الْجَوَامِعِ الَّتِي جَمَعَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى بَعْضِهِمْ، لِضَمَانِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ حِفْظَهَا. قَالَ: " فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ لَا يُوجَدُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ جَاءَ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَالَّذِي يَرْوِيهِ لَا يَنْفَرِدُ بِرِوَايَتِهِ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِحَدِيثِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَالْقَصْدُ مِنْ رِوَايَتِهِ وَالسَّمَاعِ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْحَدِيثُ مُسَلْسَلًا " بِحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا "، وَتَبْقَى هَذِهِ الْكَرَامَةُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَفًا لِنَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: فِي بَيَانِ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَقَدْ رَتَّبَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ

стр. 119

الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فَأَجَادَ وَأَحْسَنَ، وَنَحْنُ نُرَتِّبُهَا كَذَلِكَ، وَنُورِدُ مَا ذَكَرَهُ، وَنُضِيفُ إِلَيْهِ مَا بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا أَلْفَاظُ التَّعْدِيلِ فَعَلَى مَرَاتِبَ: (الْأُولَى): قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " إِذَا قِيلَ لِلْوَاحِدِ إِنَّهُ " ثِقَةٌ أَوْ مُتْقِنٌ " فَهُوَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ". قُلْتُ: وَكَذَا إِذَا قِيلَ " ثَبْتٌ أَوْ حُجَّةٌ "، وَكَذَا إِذَا قِيلَ فِي الْعَدْلِ إِنَّهُ " حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِيَةُ): قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " إِذَا قِيلَ إِنَّهُ صَدُوقٌ أَوْ مَحَلُّهُ

стр. 120

الصِّدْقُ، أَوْ لَا بَأْسَ بِهِ " فَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ، وَهِيَ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ. قُلْتُ: هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَا تُشْعِرُ بِشَرِيطَةِ الضَّبْطِ، فَيُنْظَرُ فِي حَدِيثِهِ وَيُخْتَبَرُ حَتَّى يُعْرَفَ ضَبْطُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِهِ فِي أَوَّلِ هَذَا النَّوْعِ. وَإِنْ لَمْ نَسْتَوْفِ النَّظَرَ الْمُعَرِّفَ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْمُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطًا مُطْلَقًا، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ، وَنَظَرْنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ؟ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الِاعْتِبَارِ فِي النَّوْعِ الْخَامِسَ عَشَرَ. وَمَشْهُورٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ الْقُدْوَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَنَّهُ حَدَّثَ، فَقَالَ: " حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ "، فَقِيلَ لَهُ: " أَكَانَ ثِقَةً؟ " فَقَالَ: " كَانَ صَدُوقًا، وَكَانَ مَأْمُونًا، وَكَانَ خَيِّرًا - وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ خِيَارًا - الثِّقَةُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ ". ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ أَبِي

стр. 121

خَيْثَمَةَ، قَالَ: قَلْتُ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: إِنَّكَ تَقُولُ: فُلَانٌ " لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ "، وَفُلَانٌ " ضَعِيفٌ "؟ قَالَ: إِذَا قُلْتُ لَكَ: " لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ " فَهُوَ ثِقَةٌ، وَإِذَا قَلْتُ لَكَ: " هُوَ ضَعِيفٌ " فَلَيْسَ هُوَ بِثِقَةٍ، لَا تَكْتُبْ حَدِيثَهُ. قُلْتُ: لَيْسَ فِي هَذَا حِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثَةُ): قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " إِذَا قِيلَ: " شَيْخٌ " فَهُوَ بِالْمَنْزِلَةِ الثَّالِثَةِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ دُونَ الثَّانِيَةِ ". (الرَّابِعَةُ): قَالَ: إِذَا قِيلَ " صَالِحُ الْحَدِيثِ " فَإِنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ

стр. 122

لِلِاعْتِبَارِ. قُلْتُ: وَجَاءَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ رُبَّمَا جَرَى ذِكْرُ حَدِيثِ الرَّجُلِ فِيهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ رَجُلٌ صَدُوقٌ، فَيَقُولُ: رَجُلٌ صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا أَلْفَاظُهُمْ فِي الْجَرْحِ فَهِيَ أَيْضًا عَلَى مَرَاتِبَ: (أُولَاهَا): قَوْلُهُمْ: " لَيِّنُ الْحَدِيثِ ". قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: إِذَا أَجَابُوا فِي الرَّجُلِ " بِلَيِّنِ الْحَدِيثِ "، فَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَيُنْظَرُ فِيهِ اعْتِبَارًا. قُلْتُ: وَسَأَلَ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ أَبَا الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيَّ الْإِمَامَ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا قُلْتَ: " فُلَانٌ لَيِّنٌ " أَيْشِ تُرِيدُ بِهِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ سَاقِطًا مَتْرُوكَ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ مَجْرُوحًا بِشَيْءٍ لَا يُسْقِطُ عَنِ الْعَدَالَةِ. (الثَّانِيَةُ): قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: إِذَا قَالُوا: " لَيْسَ بِقَوِيٍّ " فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ فِي كَتْبِ حَدِيثِهِ، إِلَّا أَنَّهُ دُونَهُ. (الثَّالِثَةُ): قَالَ: إِذَا قَالُوا: " ضَعِيفُ الْحَدِيثِ " فَهُوَ دُونَ الثَّانِي، لَا يُطْرَحُ حَدِيثُهُ، بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ.

стр. 123

(الرَّابِعَةُ): قَالَ: إِذَا قَالُوا " مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ "، أَوْ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ، أَوْ كَذَّابٌ " فَهُوَ سَاقِطُ الْحَدِيثِ، لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَهِيَ الْمَنْزِلَةُ الرَّابِعَةُ. قَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ: أَرْفَعُ الْعِبَارَاتِ فِي أَحْوَالِ الرُّوَاةِ أَنْ يُقَالَ: " حُجَّةٌ أَوْ ثِقَةٌ "، وَأَدْوَنُهَا أَنْ يُقَالَ: " كَذَّابٌ، سَاقِطٌ ". أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الصَّاعِدِيُّ الْفَرَاوِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِنَيْسَابُورَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ

стр. 124

الْبَيْهَقِيُّ الْحَافِظُ، أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ قَالَ: لَا يُتْرَكُ حَدِيثُ رَجُلٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ. قَدْ يُقَالُ: " فُلَانٌ ضَعِيفٌ "، فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: " فُلَانٌ مَتْرُوكٌ " فَلَا، إِلَّا أَنْ يُجْمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ. وَمِمَّا لَمْ يَشْرَحْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: " فُلَانٌ قَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْهُ، فُلَانٌ وَسَطٌ، فُلَانٌ مُقَارَبُ الْحَدِيثِ، فُلَانٌ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، فُلَانٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فُلَانٌ مَجْهُولٌ، فُلَانٌ لَا شَيْءَ، فُلَانٌ لَيْسَ بِذَاكَ " وَرُبَّمَا قِيلَ " لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ "، " فُلَانٌ فِيهِ أَوْ فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ "، وَهُوَ فِي الْجَرْحِ أَقَلُّ مِنْ قَوْلِهِمْ: " فُلَانٌ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ "، " فُلَانٌ مَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا "، وَهُوَ فِي التَّعْبِيرِ دُونَ قَوْلِهِمْ: " لَا بَأْسَ بِهِ " وَمَا مِنْ لَفْظَةٍ مِنْهَا وَمِنْ أَشْبَاهِهَا إِلَّا وَلَهَا نَظِيرٌ شَرَحْنَاهُ، أَوْ أَصْلٌ أَصَّلْنَاهُ، يَتَنَبَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 125

النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ وَصِفَةِ ضَبْطِهِ اعْلَمْ أَنَّ طُرُقَ نَقْلِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ عَلَى أَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلْنُقَدِّمْ عَلَى بَيَانِهَا بَيَانَ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: يَصِحُّ التَّحَمُّلُ قَبْلَ وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ، فَتُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ تَحَمَّلَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَرَوَى بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ سَمِعَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَرَوَى بَعْدَهُ. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَوْمٌ فَأَخْطَئُوا؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَبِلُوا رِوَايَةَ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ كَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا تَحَمَّلُوهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَمْ يَزَالُوا قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُحْضِرُونَ الصِّبْيَانَ مَجَالِسَ التَّحْدِيثِ وَالسَّمَاعِ، وَيَعْتَدُّونَ بِرِوَايَتِهِمْ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: " يُسْتَحَبُّ كَتْبُ الْحَدِيثِ فِي الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهَا مُجْتَمَعُ الْعَقْلِ ". قَالَ: " وَأُحِبُّ أَنْ يَشْتَغِلَ دُونَهَا بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَالْفَرَائِضِ ". وَوَرَدَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الْحَدِيثَ تَعَبَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ". وَقِيلَ لِمُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ: " كَيْفَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ؟ "

стр. 126

فَقَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يُخْرِجُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ صِغَارًا حَتَّى يَسْتَكْمِلُوا عِشْرِينَ سَنَةً ". وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ: " أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَكْتُبُونَ لِعَشْرِ سِنِينَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ لِعِشْرِينَ، وَأَهْلُ الشَّامِ لِثَلَاثِينَ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي بَعْدَ أَنْ صَارَ الْمَلْحُوظُ إِبْقَاءَ سِلْسِلَةِ الْإِسْنَادِ أَنْ يُبَكَّرَ بِإِسْمَاعِ الصَّغِيرِ فِي أَوَّلِ زَمَانٍ يَصِحُّ فِيهِ بِسَمَاعِهِ، وَأَمَّا الِاشْتِغَالُ بِكَتْبِهِ الْحَدِيثَ، وَتَحْصِيلِهِ، وَضَبْطِهِ، وَتَقْيِيدِهِ، فَمِنْ حِينِ يَتَأَهَّلُ لِذَلِكَ وَيَسْتَعِدُّ لَهُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَلَيْسَ يَنْحَصِرُ فِي سِنٍّ مَخْصُوصٍ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ آنِفًا عَنْ قَوْمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثُ: اخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ زَمَانٍ يَصِحُّ فِيهِ سَمَاعُ الصَّغِيرِ، فَرُوِّينَا عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّالِ - أَحَدِ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ - أَنَّهُ سُئِلَ: مَتَى يَسْمَعُ الصَّبِيُّ الْحَدِيثَ؟ فَقَالَ: " إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالدَّابَّةِ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ ". وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ: " مَتَى يَجُوزُ سَمَاعُ الصَّبِيِّ لِلْحَدِيثِ؟ " فَقَالَ: " إِذَا عَقَلَ وَضَبَطَ "، فَذُكِرَ لَهُ عَنْ

стр. 127

رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَجُوزُ سَمَاعُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً "، فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ وَقَالَ: " بِئْسَ الْقَوْلُ ". وَأَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشِيرِيِّ، عَنِ الْقَاضِي الْحَافِظِ عِيَاضِ بْنِ مُوسَى السَّبْتِيِّ الْيَحْصُبِيِّ قَالَ: " قَدْ حَدَّدَ أَهْلُ الصَّنْعَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّهُ سِنُّ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ "، وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ: " مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: " عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ "، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ). قُلْتُ: التَّحْدِيدُ بِخَمْسٍ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَيَكْتُبُونَ لِابْنِ خَمْسٍ فَصَاعِدًا (سَمِعَ)، وَلِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسًا (حَضَرَ)، أَوْ (أُحْضِرَ). وَالَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِكَ أَنْ تُعْتَبَرَ فِي كُلِّ صَغِيرٍ حَالُهُ عَلَى الْخُصُوصِ، فَإِنْ وَجَدْنَاهُ مُرْتَفِعًا عَنْ حَالِ مَنْ لَا يَعْقِلُ فَهْمًا لِلْخِطَابِ وَرَدًّا لِلْجَوَابِ وَنَحْوَ ذَلِكَ صَحَّحْنَا سَمَاعَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ خَمْسٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ نُصَحِّحْ سَمَاعَهُ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ، بَلِ ابْنَ خَمْسِينَ.

стр. 128

وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ: " رَأَيْتُ صَبِيًّا ابْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ حُمِلَ إِلَى الْمَأْمُونِ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا جَاعَ يَبْكِي ". وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: " حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَلِي خَمْسُ سِنِينَ، وَحُمِلْتُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِئِ لِأَسْمَعَ مِنْهُ وَلِي أَرْبَعُ سِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: لَا تُسَمِّعُوا لَهُ فِيمَا قُرِئَ، فَإِنَّهُ صَغِيرٌ، فَقَالَ لِي ابْنُ الْمُقْرِئِ: اقْرَأْ سُورَةَ الْكَافِرِينَ، فَقَرَأْتُهَا، فَقَالَ: اقْرَأْ سُورَةَ التَّكْوِيرِ، فَقَرَأْتُهَا، فَقَالَ لِي غَيْرُهُ: اقْرَأْ سُورَةَ الْمُرْسَلَاتِ، فَقَرَأْتُهَا، وَلَمْ أَغْلَطْ فِيهَا. فَقَالَ ابْنُ الْمُقْرِئِ: سَمِّعُوا لَهُ وَالْعُهْدَةُ عَلَيَّ ". وَأَمَّا حَدِيثُ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ: فَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مِنَ ابْنِ خَمْسٍ مِثْلِ مَحْمُودٍ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ فِيمَنْ لَمْ يَكُنِ ابْنَ خَمْسٍ، وَلَا عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ وَلَمْ يُمَيِّزْ تَمْيِيزَ مَحْمُودٍ ﵁، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 129

بَيَانُ أَقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ وَمَجَامِعُهَا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ السَّمَاعُ مَنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى إِمْلَاءٍ، وَتَحْدِيثٍ مِنْ غَيْرِ إِمْلَاءٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْ حِفْظِهِ أَوْ مِنْ كِتَابِهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَرَفَعُ الْأَقْسَامِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ. وَفِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضِ بْنِ مُوسَى السَّبْتِيِّ - أَحَدِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُطَّلِعِينَ - قَوْلُهُ: " لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَا أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ مِنْهُ: " حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ، وَقَالَ لَنَا فُلَانٌ، وَذَكَرَ لَنَا فُلَانٌ ". قُلْتُ: فِي هَذَا نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي فِيمَا شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَخْصُوصًا بِمَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الشَّيْخِ - عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 130

تَعَالَى - أَنْ لَا يُطْلَقَ فِيمَا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ وَالْإِلْبَاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ أَنَّ أَرْفَعَ الْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ " سَمِعْتُ " ثُمَّ " حَدَّثَنَا وَحَدَّثَنِي "، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَقُولُ: " سَمِعْتُ " فِي أَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ، وَلَا فِي تَدْلِيسِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِيمَا أُجِيزَ لَهُ " حَدَّثَنَا "، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ " وَيَتَأَوَّلُ أَنَّهُ حَدَّثَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْحَسَنُ إِذْ ذَاكَ بِهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا. قُلْتُ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ سَمَاعًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 131

ثُمَّ يَتْلُو ذَلِكَ قَوْلُ: " أَخْبَرَنَا " وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، حَتَّى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا لَا يَكَادُونَ يُخْبِرُونَ عَمَّا سَمِعُوهُ مِنْ لَفْظِ مَنْ حَدَّثَهُمْ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ: " أَخْبَرَنَا "، مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيَّانِ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَكَرَ الْخَطِيبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ:

стр. 132

" أَنَا " حَتَّى قَدِمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، فَقَالَا لَهُ: قُلْ: " حَدَّثَنَا "، فَكُلُّ مَا سَمِعْتُ مَعَ هَؤُلَاءِ قَالَ: " حَدَّثَنَا " وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: " أَنَا ". وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظِ قَالَ: هُشَيْمٌ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، لَا يَقُولُونَ إِلَّا " أَخْبَرَنَا " فَإِذَا رَأَيْتَ " حَدَّثَنَا " فَهُوَ مِنَ خَطَأِ الْكَاتِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَشِيعَ تَخْصِيصُ (أَخْبَرَنَا) بِمَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَ " أَخْبَرَنَا " قَوْلُ " أَنْبَأَنَا "، وَ " نَبَّأَنَا "، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ. قُلْتُ: (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) أَرْفَعُ مِنْ (سَمِعْتُ) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي (سَمِعْتُ) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَوَّاهُ الْحَدِيثَ وَخَاطَبَهُ بِهِ، وَفِي (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِهِ وَرَوَاهُ لَهُ، أَوْ هُوَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ. سَأَلَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ شَيْخَهُ أَبَا بَكْرٍ الْبَرْقَانِيَّ الْفَقِيهَ الْحَافِظَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَنِ السِّرِّ فِي كَوْنِهِ يَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ لَهُمْ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهيِمَ الْجُرْجَانِيِّ الْآبَنْدُونِيِّ " سَمِعْتُ " وَلَا يَقُولُ " حَدَّثَنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا " فَذَكَرَ لَهُ: أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ كَانَ مَعَ ثِقَتِهِ وَصَلَاحِهِ عَسِرًا فِي الرِّوَايَةِ، فَكَانَ الْبَرْقَانِيُّ يَجْلِسُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَبُو

стр. 133

الْقَاسِمِ، وَلَا يَعْلَمُ بِحُضُورِهِ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ الشَّخْصَ الدَّاخِلَ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ: " سَمِعْتُ "، وَلَا يَقُولُ: " حَدَّثَنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا "، لِأَنَّ قَصْدَهُ كَانَ الرِّوَايَةَ لِلدَّاخِلِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ " قَالَ لَنَا فُلَانٌ، أَوْ ذَكَرَ لَنَا فُلَانٌ " فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا فُلَانٌ " غَيْرَ أَنَّهُ لَائِقٌ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ، وَهُوَ بِهِ أَشْبَهُ مِنْ (حَدَّثَنَا). وَقَدْ حَكَيْنَا فِي فَصْلِ التَّعْلِيقِ - عَقِيبَ النَّوْعِ الْحَادِيَ عَشَرَ - عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ مُعَبِّرِينَ بِهِ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي الْمُذَاكَرَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ. وَأَوْضَعُ الْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُول َ: " قَالَ فُلَانٌ، أَوْ: ذَكَرَ فُلَانٌ " مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَوْلِهِ " لِي، وَلَنَا " وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ أَنَّ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى السَّمَاعِ، إِذَا عُرِفَ لِقَاؤُهُ لَهُ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ: " قَالَ فُلَانٌ " إِلَّا فِيمَا سَمِعَهُ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ يَرْوِي عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كُتُبَهُ، وَيَقُولُ فِيهَا: " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ " فَحَمَلَهَا النَّاسُ عَنْهُ، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَاتِهِ، وَكَانَ قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا مَا سَمِعَهُ.

стр. 134

وَقَدْ خَصَّصَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْقَوْلَ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى السَّمَاعِ بِمَنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْمَحْفُوظُ الْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْأَخْذِ، وَالتَّحَمُّلِ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ . وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يُسَمُّونَهَا (عَرْضًا) مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَؤُهُ كَمَا يُعْرَضُ الْقُرْآنُ عَلَى الْمُقْرِئِ. وَسَوَاءٌ كُنْتَ أَنْتَ الْقَارِئَ، أَوْ قَرَأَ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، أَوْ قَرَأْتَ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ مِنْ حِفْظِكَ، أَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَحْفَظُهُ لَكِنْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ هُوَ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مِثْلُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي الْمَرْتَبَةِ، أَوْ دُونَهُ، أَوْ فَوْقَهُ؟ فَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَغَيْرِهِمَا تَرْجِيحُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا

стр. 135

مَذْهَبُ مُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ، وَالْكُوفَةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَشْيَاخِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَمَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَالصَّحِيحُ: تَرْجِيحُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْعِبَارَةُ عَنْهَا عِنْدَ الرِّوَايَةِ بِهَا فَهِيَ عَلَى مَرَاتِبَ: أَجْوَدُهَا وَأَسْلَمُهَا أَنْ يَقُولَ: (قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ، فَأَقَرَّ بِهِ) فَهَذَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَال ٍ. وَيَتْلُو ذَلِكَ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعِبَارَاتِ فِي السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ مُطْلَقَةً، إِذَا أَتَى بِهَا هَاهُنَا مُقَيَّدَةً، بِأَنْ يَقُولَ (حَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَوْ: أَخْبَرَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ) وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ (أَنْشَدَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ) فِي الشِّعْرِ. وَأَمَّا إِطْلَاقُ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ:

стр. 136

فَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ مَنَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَقِيَل َ: إِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَالسَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا). وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الْحِجَازِيِّينَ، وَالْكُوفِيِّينَ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فِي آخَرِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَجَازَ فِيهَا أَيْضًا أَنْ يَقُولَ (سَمِعْتُ فُلَانًا). وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَالْمَنْعُ مِنْ إِطْلَاقِ (حَدَّثَنَا)، وَتَجْوِيزُ إِطْلَاقِ (أَخْبَرَنَا)، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ (كِتَابِ الْإِنْصَافِ) مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ الْجَوْهَرِيُّ الْمِصْرِيُّ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ أَحَدٌ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوا (أَخْبَرَنَا) عَلَمًا يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِ قَائِلِهِ: " أَنَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، لَا أَنَّهُ لَفَظَ بِهِ لِي ". قَالَ: " وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، فِي جَمَاعَةٍ مِثْلِهِ مِنْ مُحَدِّثِينَا ". قُلْتُ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ

стр. 137

ابْنُ وَهْبٍ بِمِصْرَ. وَهَذَا يَدْفَعُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، والْأَوْزَاعِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُمَا الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ، إِلَّا أَنْ يَعْنِيَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِصْرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا صَارَ هُوَ الشَّائِعَ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالِاحْتِجَاجُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ عَنَاءٌ وَتَكَلُّفٌ، وَخَيْرُ مَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ خُصِّصَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ بِقَوْلِ " حَدَّثَنَا " لِقُوَّةِ إِشْعَارِهِ بِالنُّطْقِ، وَالْمُشَافَهَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى عَمَّنْ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْهَرَوِيِّ، أَحَدِ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ: أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: " حَدَّثَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ "، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابِ سَمِعَ الشَّيْخَ يَذْكُرُ: أَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ الْكِتَابَ مِنَ الْفَرَبْرِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، فَأَعَادَ أَبُو حَاتِمٍ قِرَاءَةَ الْكِتَابِ كُلِّهِ، وَقَالَ لَهُ فِي جَمِيعِهِ: " أَخْبَرَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 138

تَفْرِيعَاتٌ: الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَ أَصْلُ الشَّيْخِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ مُرَاعٍ لِمَا يُقْرَأُ، أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ، بَلْ أَوْلَى لِتَعَاضُدِ ذِهْنَيْ شَخْصَيْنِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ لَا يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَرَأَى بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ أَنَّ هَذَا سَمَاعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَبِهِ عَمِلَ مُعْظَمُ الشُّيُوخِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ. وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ بِيَدِ الْقَارِئِ، وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ دِينًا وَمَعْرِفَةً، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَأَوْلَى بِالتَّصْحِيحِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِإِمْسَاكِهِ لَهُ، وَلَا يُؤْمَنُ إِهْمَالُهُ لِمَا يُقْرَأُ، فَسَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ الْقَارِئِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ، فِي أَنَّهُ سَمَاعٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، إِذَا كَانَ الشَّيْخُ غَيْرَ حَافِظٍ لِلْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: إِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا: " أَخْبَرَكَ فُلَانٌ، أَوْ قُلْتَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ "، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَالشَّيْخُ سَاكِتٌ، مُصْغٍ إِلَيْهِ، فَاهِمٌ لِذَلِكَ، غَيْرُ مُنْكِرٍ لَهُ، فَهَذَا كَافٍ فِي ذَلِكَ.

стр. 139

وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ إِقْرَارَ الشَّيْخِ نُطْقًا، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ، وَأَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ. قَالَ أَبُو نَصْرٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ (حَدَّثَنِي)، أَوْ (أَخْبَرَنِي)، وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَوْ: قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ. وَفِي حِكَايَةِ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الظَّاهِرِيَّةِ شَرَطَ إِقْرَارَ الشَّيْخِ عِنْدَ تَمَامِ السَّمَاعِ: بِأَنْ يَقُولَ الْقَارِئُ لِلشَّيْخِ " وَهُوَ كَمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْكَ؟ "، فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَأَنَّ سُكُوتَ الشَّيْخِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِ بِتَصْدِيقِ الْقَارِئِ، اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثُ: فِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ ِ ﵀، قَالَ: " الَّذِي أَخْتَارُهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايِخِي، وَأَئِمَّةَ عَصْرِي: أَنْ يَقُولَ فِي الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ: " حَدَّثَنِي فُلَانٌ "، وَمَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا، وَمَعَهُ غَيْرُهُ: " حَدَّثَنَا فُلَانٌ "، وَمَا قَرَأَ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِنَفْسِهِ: " أَخْبَرَنِي فُلَانٌ "، وَمَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَهُوَ حَاضِرٌ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ ". وَقَدْ رُوِّينَا نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ

стр. 140

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ ﵄ وَهُوَ حَسَنٌ رَائِقٌ. فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ " حَدَّثَنَا، أَوْ أَخْبَرَنَا "، أَوْ مِنْ قَبِيلِ " حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي " لِتَرَدُّدِهِ فِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ، وَالسَّمَاعِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ: لِيَقُلْ " حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي "، لِأَنَّ عَدَمَ غَيْرِهِ هُوَ الْأَصْلُ. وَلَكِنْ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ الْإِمَامُ، عَنْ شَيْخِهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ الْإِمَامِ، فِيمَا إِذَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ: " حَدَّثَنِي فُلَانٌ "، أَوْ قَالَ " حَدَّثَنَا فُلَانٌ "، أَنَّهُ يَقُولُ " حَدَّثَنَا ". وَهَذَا يَقْتَضِي فِيمَا إِذَا شَكَّ فِي سَمَاعِ نَفْسِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنَا "، وَهُوَ عِنْدِي يَتَوَجَّهُ بِأَنَّ (حَدَّثَنِي) أَكْمَلُ مَرْتَبَةً، وَ (حَدَّثَنَا) أَنْقَصُ مَرْتَبَةً، فَلْيَقْتَصِرْ إِذَا شَكَّ عَلَى النَّاقِصِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الزَّائِدِ هُوَ الْأَصْلُ، وَهَذَا لَطِيفٌ. ثُمَّ وَجَدْتُ الْحَافِظَ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيَّ ﵀ قَدِ اخْتَارَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ قَوْلَ الْقَطَّانِ مَا قَدَّمْتُهُ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ مِنْ أَصْلِهِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً، فَجَائِزٌ إِذَا سَمِعَ وَحْدَهُ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنَا "، أَوْ نَحْوَهُ، لِجَوَازِ ذَلِكَ لِلْوَاحِدِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَجَائِزٌ إِذَا سَمِعَ فِي جَمَاعَةٍ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنِي " ; لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ، وَحَدَّثَ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 141

الرَّابِعُ: رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: اتَّبِعْ لَفْظَ الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا، وَحَدَّثَنِي، وَسَمِعْتُ، وَأَخْبَرَنَا "، وَلَا تَعْدُوهُ. قُلْتُ: لَيْسَ لَكَ فِيمَا تَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ رِوَايَاتِ مَنْ تَقَدَّمَكَ أَنْ تُبَدِّلَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ مَا قِيلَ فِيهِ (أَخْبَرَنَا) بِـ (حَدَّثَنَا)، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي إِقَامَةِ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ وَجَدْتَ مِنْ ذَلِكَ إِسْنَادًا عَرَفْتَ مِنْ مَذْهَبِ رِجَالِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فَإِقَامَتُكَ أَحَدَهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ مِنْ بَابِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فَالَّذِي نَرَاهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ إِجْرَاءِ مِثْلِهِ فِي إِبْدَالِ مَا وُضِعَ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ، وَالْمَجَامِعِ الْمَجْمُوعَةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ فِي " كِفَايَتِه " مِنْ إِجْرَاءِ ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي هَذَا، فَمَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَسْمَعُهُ الطَّالِبُ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ، غَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي كِتَابٍ مُؤَلَّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 142

الْخَامِسُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ سَمَاعِ مَنْ يَنْسَخُ وَقْتَ الْقِرَاءَةِ، فَوَرَدَ عَنِ الْإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَأَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ الْحَافِظِ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيِّ الْفَقِيهِ الْأُصُولِيِّ، وَغَيْرِهِمْ نَفْيُ ذَلِكَ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الصِّبْغِيِّ، أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيِّينَ بِخُرَاسَانَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَكْتُبُ فِي السَّمَاعِ؟ فَقَالَ: يَقُولُ: " حَضَرْتُ "، وَلَا يَقُلْ: " حَدَّثَنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا ". وَوَرَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّال ِ تَجْوِيزُ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ قَالَ: " كَتَبْتُ عِنْدَ عَارِمٍ وَهُوَ يَقْرَأُ، وَكَتَبْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَنْسَخُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ مَا يُقْرَأُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسْخِ مِنَ السَّامِعِ، وَالنَّسْخِ مِنَ الْمُسْمِعِ. قُلْتُ: وَخَيْرٌ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ التَّفْصِيلُ. فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ السَّمَاعُ إِذَا كَانَ النَّسْخُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ مَعَهُ فَهْمُ النَّاسِخِ لِمَا يُقْرَأُ، حَتَّى يَكُونَ الْوَاصِلُ إِلَى سَمْعِهِ كَأَنَّهُ صَوْتٌ غُفْلٌ. وَيَصِحُّ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الْفَهْمُ. كَمِثْلِ مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَافِظِ الْعَالِمِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ): أَنَّهُ حَضَرَ

стр. 143

فِي حَدَاثَتِهِ مَجْلِسَ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارِ، فَجَلَسَ يَنْسَخُ جُزْءًا كَانَ مَعَهُ، وَإِسْمَاعِيلُ يُمْلِي، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُكَ، وَأَنْتَ تَنْسَخُ، فَقَالَ: فَهْمِي لِلْإِمْلَاءِ خِلَافُ فَهْمِكَ، ثُمَّ قَالَ: تَحْفَظُ كَمْ أَمْلَى الشَّيْخُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى الْآنَ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَمْلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، فَعُدَّتِ الْأَحَادِيثُ فَوُجِدَتْ كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْهَا عَنْ فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، وَمَتْنُهُ كَذَا. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي، عَنْ فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، وَمَتْنُهُ كَذَا، وَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ أَسَانِيدَ الْأَحَادِيثِ، وَمُتُونَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْإِمْلَاءِ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسُ: مَا ذَكَرْنَاهُ فِي النَّسْخِ مِنَ التَّفْصِيلِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الشَّيْخُ، أَوِ السَّامِعُ يَتَحَدَّثُ، أَوْ كَانَ الْقَارِئُ خَفِيفَ الْقِرَاءَةِ يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ. أَوْ كَانَ يُهَيْنِمُ بِحَيْثُ يُخْفِي بَعْضَ الْكَلِمِ، أَوْ كَانَ السَّامِعُ بَعِيدًا عَنِ الْقَارِئِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْفَى فِي كُلِّ ذَلِكَ عَنِ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ نَحْوِ الْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَتَيْنِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ أَنْ يُجِيزَ لِجَمِيعِ السَّامِعِينَ رِوَايَةَ جَمِيعِ الْجُزْءِ، أَوِ الْكِتَابِ الَّذِي سَمِعُوهُ، وَإِنْ جَرَى عَلَى كُلِّهِ اسْمُ السَّمَاعِ. وَإِذَا بَذَلَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ خَطَّهُ بِذَلِكَ كَتَبَ لَهُ: سَمِعَ مِنِّي هَذَا

стр. 144

الْكِتَابَ، وَأَجَزْتُ لَهُ رِوَايَتَهُ عَنِّي، أَوْ نَحْوَ هَذَا، كَمَا كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَفْعَلُ. وَفِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ الْفَقِيهِ الْأَنْدَلُسِيِّ، عَنْ أَبِيهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا غِنَى فِي السَّمَاعِ عَنِ الْإِجَازَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَغْلَطُ الْقَارِئُ، وَيَغْفَلُ الشَّيْخُ، أَوْ يَغْلَطُ الشَّيْخُ إِنْ كَانَ الْقَارِئَ، وَيَغْفُلُ السَّامِعُ، فَيَنْجَبِرُ لَهُ مَا فَاتَهُ بِالْإِجَازَةِ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَحْقِيقٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: الشَّيْخُ يُدْغِمُ الْحَرْفَ يُعْرَفُ أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، تَرَى أَنْ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَضِيقَ هَذَا. وَبَلَغَنَا عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ الْمُخَرَّمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: " نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ " يُرِيدُ " حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ "، لَكِنِ اقْتَصَرَ مِنْ " حَدَّثَنَا " عَلَى " النُّونِ وَالْأَلِفِ " فَإِذَا قِيلَ لَهُ قُلْ: " حَدَّثَنَا عَمْرٌو "، قَالَ: لَا أَقُولُ ; لِأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا " ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ، وَهِيَ " حَدَّثَ " لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ. قُلْتُ: قَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ الْمُحَدِّثِينَ يَعْظُمُ الْجَمْعُ فِي مَجَالِسِهِمْ

стр. 145

جِدًّا، حَتَّى رُبَّمَا بَلَغَ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً، وَيُبَلِّغُهُمْ عَنْهُمُ الْمُسْتَمْلُونَ، فَيَكْتُبُونَ عَنْهُمْ بِوَاسِطَةِ تَبْلِيغِ الْمُسْتَمْلِينَ، فَأَجَازَ غَيْرُ وَاحِدٍ لَهُمْ رِوَايَةَ ذَلِكَ عَنِ الْمُمْلِي. رُوِّينَا عَنِ الْأَعْمَشِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَتَتَّسِعُ الْحَلْقَةُ، فَرُبَّمَا يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ فَلَا يَسْمَعُهُ مَنْ تَنَحَّى عَنْهُ، فَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَمَّا قَالَ، ثُمَّ يَرْوُونَهُ، وَمَا سَمِعُوهُ مِنْهُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ، كَيْفَ قُلْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَفْهِمْ مَنْ يَلِيكَ. وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلِيَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ لَا يَسْمَعُونَ، قَالَ أَلَا تَسْمَعُ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَسْمِعْهُمْ. وَأَبَى آخَرُونَ ذَلِكَ. رُوِّينَا عَنْ خَلَفِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَشَرَةَ آلَافٍ، أَوْ نَحْوَهَا، فَكُنْتُ أَسْتَفْهِمُ جَلِيسِي، فَقُلْتُ لِزَائِدَةَ؟ فَقَالَ لِي: لَا تُحَدِّثْ مِنْهَا إِلَّا بِمَا تَحْفَظُ بِقَلْبِكَ، وَسَمِعَ أُذُنُكَ، قَالَ: فَأَلْقَيْتُهَا. وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى فِيمَا سَقَطَ عَنْهُ مِنَ الْحَرْفِ الْوَاحِدِ، وَالِاسْمِ مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ سُفْيَانَ وَالْأَعْمَشِ، وَاسْتَفْهَمَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ، لَا يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ وَاسِعًا لَهُ.
следующие страницы →