← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22870

مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت عتر

ابن الصلاح

Полный текст (405 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الرَّابِعُ: رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: اتَّبِعْ لَفْظَ الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا، وَحَدَّثَنِي، وَسَمِعْتُ، وَأَخْبَرَنَا "، وَلَا تَعْدُوهُ. قُلْتُ: لَيْسَ لَكَ فِيمَا تَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ رِوَايَاتِ مَنْ تَقَدَّمَكَ أَنْ تُبَدِّلَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ مَا قِيلَ فِيهِ (أَخْبَرَنَا) بِـ (حَدَّثَنَا)، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي إِقَامَةِ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ وَجَدْتَ مِنْ ذَلِكَ إِسْنَادًا عَرَفْتَ مِنْ مَذْهَبِ رِجَالِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فَإِقَامَتُكَ أَحَدَهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ مِنْ بَابِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فَالَّذِي نَرَاهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ إِجْرَاءِ مِثْلِهِ فِي إِبْدَالِ مَا وُضِعَ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ، وَالْمَجَامِعِ الْمَجْمُوعَةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ فِي " كِفَايَتِه " مِنْ إِجْرَاءِ ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي هَذَا، فَمَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَسْمَعُهُ الطَّالِبُ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ، غَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي كِتَابٍ مُؤَلَّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 142

الْخَامِسُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ سَمَاعِ مَنْ يَنْسَخُ وَقْتَ الْقِرَاءَةِ، فَوَرَدَ عَنِ الْإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَأَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ الْحَافِظِ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيِّ الْفَقِيهِ الْأُصُولِيِّ، وَغَيْرِهِمْ نَفْيُ ذَلِكَ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الصِّبْغِيِّ، أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيِّينَ بِخُرَاسَانَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَكْتُبُ فِي السَّمَاعِ؟ فَقَالَ: يَقُولُ: " حَضَرْتُ "، وَلَا يَقُلْ: " حَدَّثَنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا ". وَوَرَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّال ِ تَجْوِيزُ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ قَالَ: " كَتَبْتُ عِنْدَ عَارِمٍ وَهُوَ يَقْرَأُ، وَكَتَبْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَنْسَخُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ مَا يُقْرَأُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسْخِ مِنَ السَّامِعِ، وَالنَّسْخِ مِنَ الْمُسْمِعِ. قُلْتُ: وَخَيْرٌ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ التَّفْصِيلُ. فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ السَّمَاعُ إِذَا كَانَ النَّسْخُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ مَعَهُ فَهْمُ النَّاسِخِ لِمَا يُقْرَأُ، حَتَّى يَكُونَ الْوَاصِلُ إِلَى سَمْعِهِ كَأَنَّهُ صَوْتٌ غُفْلٌ. وَيَصِحُّ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الْفَهْمُ. كَمِثْلِ مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَافِظِ الْعَالِمِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ): أَنَّهُ حَضَرَ

стр. 143

فِي حَدَاثَتِهِ مَجْلِسَ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارِ، فَجَلَسَ يَنْسَخُ جُزْءًا كَانَ مَعَهُ، وَإِسْمَاعِيلُ يُمْلِي، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُكَ، وَأَنْتَ تَنْسَخُ، فَقَالَ: فَهْمِي لِلْإِمْلَاءِ خِلَافُ فَهْمِكَ، ثُمَّ قَالَ: تَحْفَظُ كَمْ أَمْلَى الشَّيْخُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى الْآنَ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَمْلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، فَعُدَّتِ الْأَحَادِيثُ فَوُجِدَتْ كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْهَا عَنْ فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، وَمَتْنُهُ كَذَا. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي، عَنْ فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، وَمَتْنُهُ كَذَا، وَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ أَسَانِيدَ الْأَحَادِيثِ، وَمُتُونَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْإِمْلَاءِ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسُ: مَا ذَكَرْنَاهُ فِي النَّسْخِ مِنَ التَّفْصِيلِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الشَّيْخُ، أَوِ السَّامِعُ يَتَحَدَّثُ، أَوْ كَانَ الْقَارِئُ خَفِيفَ الْقِرَاءَةِ يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ. أَوْ كَانَ يُهَيْنِمُ بِحَيْثُ يُخْفِي بَعْضَ الْكَلِمِ، أَوْ كَانَ السَّامِعُ بَعِيدًا عَنِ الْقَارِئِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْفَى فِي كُلِّ ذَلِكَ عَنِ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ نَحْوِ الْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَتَيْنِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ أَنْ يُجِيزَ لِجَمِيعِ السَّامِعِينَ رِوَايَةَ جَمِيعِ الْجُزْءِ، أَوِ الْكِتَابِ الَّذِي سَمِعُوهُ، وَإِنْ جَرَى عَلَى كُلِّهِ اسْمُ السَّمَاعِ. وَإِذَا بَذَلَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ خَطَّهُ بِذَلِكَ كَتَبَ لَهُ: سَمِعَ مِنِّي هَذَا

стр. 144

الْكِتَابَ، وَأَجَزْتُ لَهُ رِوَايَتَهُ عَنِّي، أَوْ نَحْوَ هَذَا، كَمَا كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَفْعَلُ. وَفِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ الْفَقِيهِ الْأَنْدَلُسِيِّ، عَنْ أَبِيهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا غِنَى فِي السَّمَاعِ عَنِ الْإِجَازَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَغْلَطُ الْقَارِئُ، وَيَغْفَلُ الشَّيْخُ، أَوْ يَغْلَطُ الشَّيْخُ إِنْ كَانَ الْقَارِئَ، وَيَغْفُلُ السَّامِعُ، فَيَنْجَبِرُ لَهُ مَا فَاتَهُ بِالْإِجَازَةِ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَحْقِيقٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: الشَّيْخُ يُدْغِمُ الْحَرْفَ يُعْرَفُ أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، تَرَى أَنْ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَضِيقَ هَذَا. وَبَلَغَنَا عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ الْمُخَرَّمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: " نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ " يُرِيدُ " حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ "، لَكِنِ اقْتَصَرَ مِنْ " حَدَّثَنَا " عَلَى " النُّونِ وَالْأَلِفِ " فَإِذَا قِيلَ لَهُ قُلْ: " حَدَّثَنَا عَمْرٌو "، قَالَ: لَا أَقُولُ ; لِأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا " ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ، وَهِيَ " حَدَّثَ " لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ. قُلْتُ: قَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ الْمُحَدِّثِينَ يَعْظُمُ الْجَمْعُ فِي مَجَالِسِهِمْ

стр. 145

جِدًّا، حَتَّى رُبَّمَا بَلَغَ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً، وَيُبَلِّغُهُمْ عَنْهُمُ الْمُسْتَمْلُونَ، فَيَكْتُبُونَ عَنْهُمْ بِوَاسِطَةِ تَبْلِيغِ الْمُسْتَمْلِينَ، فَأَجَازَ غَيْرُ وَاحِدٍ لَهُمْ رِوَايَةَ ذَلِكَ عَنِ الْمُمْلِي. رُوِّينَا عَنِ الْأَعْمَشِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَتَتَّسِعُ الْحَلْقَةُ، فَرُبَّمَا يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ فَلَا يَسْمَعُهُ مَنْ تَنَحَّى عَنْهُ، فَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَمَّا قَالَ، ثُمَّ يَرْوُونَهُ، وَمَا سَمِعُوهُ مِنْهُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ، كَيْفَ قُلْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَفْهِمْ مَنْ يَلِيكَ. وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلِيَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ لَا يَسْمَعُونَ، قَالَ أَلَا تَسْمَعُ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَسْمِعْهُمْ. وَأَبَى آخَرُونَ ذَلِكَ. رُوِّينَا عَنْ خَلَفِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَشَرَةَ آلَافٍ، أَوْ نَحْوَهَا، فَكُنْتُ أَسْتَفْهِمُ جَلِيسِي، فَقُلْتُ لِزَائِدَةَ؟ فَقَالَ لِي: لَا تُحَدِّثْ مِنْهَا إِلَّا بِمَا تَحْفَظُ بِقَلْبِكَ، وَسَمِعَ أُذُنُكَ، قَالَ: فَأَلْقَيْتُهَا. وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى فِيمَا سَقَطَ عَنْهُ مِنَ الْحَرْفِ الْوَاحِدِ، وَالِاسْمِ مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ سُفْيَانَ وَالْأَعْمَشِ، وَاسْتَفْهَمَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ، لَا يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ وَاسِعًا لَهُ.

стр. 146

قُلْتُ: الْأَوَّلُ تَسَاهُلٌ بَعِيدٌ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ الْحَافِظِ الْأَصْبَهَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا فُلَانُ، يَكْفِيكَ مِنَ السَّمَاعِ شَمُّهُ. وَهَذَا إِمَّا مُتَأَوَّلٌ، أَوْ مَتْرُوكٌ عَلَى قَائِلِهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظ ِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: يَا فُلَانُ، يَكْفِيكَ مِنَ الْحَدِيثِ شَمُّهُ. قَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ: قَالَ لَنَا حَمْزَةُ: يَعْنِي إِذَا سُئِلَ عَنْ أَوَّلِ شَيْءٍ عَرَفَهُ، وَلَيْسَ يَعْنِي التَّسْهِيلَ فِي السَّمَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّابِعُ: يَصِحُّ السَّمَاعُ مِمَّنْ هُوَ وَرَاءَ حِجَابٍ، إِذَا عَرَفَ صَوْتَهُ، فِيمَا إِذَا حَدَّثَ بِلَفْظِهِ، وَإِذَا عَرَفَ حُضُورَهُ بِمَسْمَعٍ مِنْهُ فِيمَا إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الِاعْتِمَادُ فِي مَعْرِفَةِ صَوْتِهِ وَحُضُورِهِ عَلَى خَبَرِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ. وَقَدْ ... كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ عَائِشَةَ ﵂ وَغَيْرِهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ... ، وَيَرْوُونَهُ عَنْهُنَّ اعْتِمَادًا عَلَى الصَّوْتِ. وَاحْتَجَّ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ : " إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ". وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا حَدَّثَكَ الْمُحَدِّثُ فَلَمْ تَرَ وَجْهَهُ

стр. 147

فَلَا تَرْوِ عَنْهُ، فَلَعَلَّهُ شَيْطَانٌ قَدْ تصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ يَقُولُ: " حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنُ: مَنْ سَمِعَ مِنْ شَيْخٍ حَدِيثًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَا تَرْوِهِ عَنِّي، أَوْ: لَا آذَنُ لَكَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِّي، أَوْ قَالَ: لَسْتُ أُخْبِرُكَ بِهِ، أَوْ: رَجَعْتُ عَنْ إِخْبَارِي إِيَّاكَ بِهِ، فَلَا تَرْوِهِ عَنِّي، غَيْرَ مُسْنِدٍ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ، أَوْ شَكَّ فِيهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ مَنَعَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ مَعَ جَزْمِهِ بِأَنَّهُ حَدِيثُهُ وَرِوَايَتُهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِسَمَاعِهِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ. وَسَأَلَ الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَلِيَّكْ النَّيْسَابُورِيُّ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، عَنْ مُحَدِّثٍ خَصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْمًا، فَجَاءَ غَيْرُهُمْ، وَسَمِعَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمُحَدِّثِ بِهِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ رِوَايَةُ ذَلِكَ عَنْهُ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَوْ قَالَ الْمُحَدِّثُ: إِنِّي أُخْبِرُكُمْ، وَلَا أُخْبِرُ فُلَانًا، لَمْ يَضُرُّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 148

الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ: الْإِجَازَةُ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ أَنْوَاعًا: أَوَّلُهَا: أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنٍ فِي مُعَيَّنٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ لَكَ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ، أَوْ: مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي هَذِهِ "، فَهَذَا عَلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْمُنَاوَلَةِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا، وَلَا خَالَفَ فِيهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا خِلَافُهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا النَّوْعِ. وَزَادَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْمَالِكِيُّ فَأَطْلَقَ نَفْيَ الْخِلَافِ، وَقَالَ: " لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا "، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَحَكَى الْخِلَافَ فِي الْعَمَلِ بِهَا، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ). قُلْتُ: هَذَا بَاطِلٌ، فَقَدْ خَالَفَ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ

стр. 149

جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْفُقَهَاءِ، وَالْأُصُولِيِّينَ، وَذَلِكَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁. رُوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: " كَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى الْإِجَازَةَ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ الرَّبِيعُ: أَنَا أُخَالِفُ الشَّافِعِيَّ فِي هَذَا. وَقَدْ قَالَ بِإِبْطَالِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، مِنْهُمُ الْقَاضِيَانِ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْحَاوِي)، وَعَزَاهُ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَا جَمِيعًا: " لَوْ جَازَتِ الْإِجَازَةُ لَبَطَلَتِ الرِّحْلَةُ ". وَرُوِيَ أَيْضًا هَذَا الْكَلَامُ عَنْ شُعْبَةَ، وَغَيْرِهِ. وَمِمَّنْ أَبْطَلَهَا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْإِمَامُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِأَبِي الشَّيْخِ، وَالْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ الْوَايِلِيُّ السِّجْزِيُّ. وَحَكَى أَبُو نَصْرٍ فَسَادَهَا عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيَه ُ. قَالَ أَبُو نَصْرٍ: وَسَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: قَوْلُ الْمُحَدِّثِ: قَدْ أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي تَقْدِيرُهُ: أَجَزْتُ لَكَ مَا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُبِيحُ رِوَايَةَ مَا لَمْ يُسْمَعْ. قُلْتُ: وَيُشْبِهُ هَذَا مَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْخُجَنْدِيُّ أَحَدُ مَنْ أَبْطَلَ الْإِجَازَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ أَحَدِ أَئِمَّةِ

стр. 150

الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا لَمْ تَسْمَعْ "، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ ". ثُمَّ إِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَقَالَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمُ: الْقَوْلُ بِتَجْوِيزِ الْإِجَازَةِ، وَإِبَاحَةِ الرِّوَايَةِ بِهَا. وَفِي الِاحْتِجَاجِ لِذَلِكَ غُمُوضٌ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يَقُولَ: إِذَا أَجَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَرْوِيَّاتِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهَا جُمْلَةً، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ تَفْصِيلًا، وَإِخْبَارُهُ بِهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّصْرِيحِ نُطْقًا كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ حُصُولُ الْإِفْهَامِ، وَالْفَهْمِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْإِجَازَةِ الْمُفْهِمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 151

ثُمَّ إِنَّهُ كَمَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْإِجَازَةِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَرْوِيِّ بِهَا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْمُرْسَلِ. وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِجَازَةِ مَا يَقْدَحُ فِي اتِّصَالِ الْمَنْقُولِ بِهَا، وَفِي الثِّقَةِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ لَكَ، أَوْ لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي، أَوْ جَمِيعَ مَرْوِيَّاتِي " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالْخِلَافُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَقْوَى وَأَكْثَرُ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ عَلَى تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِهَا أَيْضًا، وَعَلَى إِيجَابِ الْعَمَلِ بِمَا رُوِيَ بِهَا بِشَرْطِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: أَنْ يُجِيزَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَجَزْتُ لِكُلِّ أَحَدٍ، أَوْ أَجَزْتُ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانِي "، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا نَوْعٌ تَكَلَّمَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِمَّنْ جَوَّزَ أَصْلَ الْإِجَازَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِوَصْفٍ حَاصِرٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَهُوَ إِلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ.

стр. 152

وَمِمَّنْ جَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ الْحَافِظِ أَنَّهُ قَالَ: " أَجَزْتُ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". وَجَوَّزَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ الْإِجَازَةَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ. وَأَجَازَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سَعِيدٍ أَحَدُ الْجِلَّةِ مِنْ شُيُوخِ الْأَنْدَلُسِ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قُرْطُبَةَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ. وَوَافَقَهُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ ﵃. وَأَنْبَأَنِي مَنْ سَأَلَ الْحَازِمِيَّ أَبَا بَكْرٍ، عَنِ الْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ هَذِهِ، فَكَانَ مِنْ جَوَابِهِ: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ - نَحْوَ أَبِي الْعَلَاءِ الْحَافِظِ وَغَيْرِهِ - كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَى الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَلَمْ نَرَ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْإِجَازَةَ فَرَوَى بِهَا، وَلَا عَنِ الشِّرْذِمَةِ الْمُسْتَأْخِرَةِ الَّذِينَ سَوَّغُوهَا، وَالْإِجَازَةُ فِي أَصْلِهَا ضَعْفٌ، وَتَزْدَادُ بِهَذَا التَّوَسُّعِ، وَالِاسْتِرْسَالِ ضَعْفًا كَثِيرًا لَا يَنْبَغِي احْتِمَالُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 153

النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: الْإِجَازَةُ لِلْمَجْهُولِ، أَوْ بِالْمَجْهُولِ، وَيَتَشَبَّثُ بِذَيْلِهَا الْإِجَازَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِالشَّرْطِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيِّ "، وَفِي وَقْتِهِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الِاسْمِ، وَالنَّسَبِ، ثُمَّ لَا يُعَيِّنُ الْمُجَازَ لَهُ مِنْهُمْ. أَوْ يَقُولُ: " أَجَزْتُ لِفُلَانٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابَ السُّنَنِ " وَهُوَ يَرْوِي جَمَاعَةً مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَا يُعَيِّنُ. فَهَذِهِ إِجَازَةٌ فَاسِدَةٌ لَا فَائِدَةَ لَهَا. وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا إِذَا أَجَازَ لِجَمَاعَةٍ مُسَمَّيْنَ، مُعَيَّنِينَ بِأَنْسَابِهِمْ، وَالْمُجِيزُ جَاهِلٌ بِأَعْيَانِهِمْ غَيْرُ عَارِفٍ بِهِمْ، فَهَذَا غَيْرُ قَادِحٍ، كَمَا لَا يَقْدَحُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِهِ إِذَا حَضَرَ شَخْصُهُ فِي السَّمَاعِ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَجَازَ لِلْمُسَمَّيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ فِي الِاسْتِجَازَةِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَلَا بِأَنْسَابِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفْ عَدَدَهُمْ، وَلَمْ يَتَصَفَّحْ أَسْمَاءَهُمْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا يَصِحُّ سَمَاعُ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ لِلسَّمَاعِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ أَصْلًا وَلَمْ يَعْرِفْ عَدَدَهُمْ، وَلَا تَصَفَّحْ أَشْخَاصَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. وَإِذَا قَالَ: " أَجَزْتُ لِمَنْ يَشَاءُ فُلَانٌ "، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا فِيهِ جَهَالَةٌ، وَتَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ الشَّافِعِيُّ، إِذْ سَأَلَهُ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنْ ذَلِكَ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ إِجَازَةٌ لِمَجْهُولٍ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: " أَجَزْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ " مِنْ غَيْرِ

стр. 154

تَعْيِينٍ. وَقَدْ يُعَلِّلُ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا فِيهَا مِنَ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، فَإِنَّ مَا يَفْسُدُ بِالْجَهَالَةِ يَفْسُدُ بِالتَّعْلِيقِ، عَلَى مَا عُرِفَ عِنْدَ قَوْمٍ. وَحَكَى الْخَطِيبُ، عَنْ أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيِّ، وَأَبِي الْفَضْلِ بْنِ عُمْرُوسٍ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُمَا أَجَازَا ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ كَانُوا مَشَايِخَ مَذَاهِبِهِمْ بِبَغْدَادَ إِذْ ذَاكَ. وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تَرْتَفِعُ فِي ثَانِي الْحَالِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَشِيئَةِ، بِخِلَافِ الْجَهَالَةِ الْوَاقِعَةِ فِيمَا إِذَا أَجَازَ لِبَعْضِ النَّاسِ. وَإِذَا قَالَ: (أَجَزْتُ لِمَنْ شَاءَ) فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ (أَجَزْتُ لِمَنْ شَاءَ فُلَانٌ) بَلْ هَذِهِ أَكْثَرُ جَهَالَةً، وَانْتِشَارًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا يُحْصَرُ عَدَدُهُمْ بِخِلَافِ تِلْكَ. ثُمَّ هَذَا فِيمَا إِذَا أَجَازَ لِمَنْ شَاءَ الْإِجَازَةَ مِنْهُ لَهُ. فَإِنْ أَجَازَ لِمَنْ شَاءَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ فَهَذَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُقْتَضَى كُلِّ إِجَازَةٍ تَفْوِيضُ الرِّوَايَةِ بِهَا إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجَازِ لَهُ، فَكَانَ هَذَا - مَعَ كَوْنِهِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ - تَصْرِيحًا بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ وَحِكَايَةً لِلْحَالِ، لَا تَعْلِيقًا فِي الْحَقِيقَةِ. وَلِهَذَا أَجَازَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيِّينَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَقُولَ: (بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا إِنْ شِئْتَ)، فَيَقُولُ: (قَبِلْتُ). وَوُجِدَ بِخَطِّ أَبِي الْفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيِّ الْمَوْصِلِيِّ الْحَافِظِ:

стр. 155

" أَجَزْتُ رِوَايَةَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَ ذَلِكَ عَنِّي ". أَمَّا إِذَا قَالَ: (أَجَزْتُ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا إِنْ شَاءَ رِوَايَتَهُ عَنِّي، أَوْ لَكَ إِنْ شِئْتَ، أَوْ أَحْبَبْتَ، أَوْ أَرَدْتَ)، فَالْأَظْهَرُ الْأَقْوَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، إِذْ قَدِ انْتَفَتْ فِيهِ الْجَهَالَةُ، وَحَقِيقَةُ التَّعْلِيقِ، وَلَمْ يَبْقَ سِوَى صِيغَتِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ. وَلْنَذْكُرْ مَعَهُ الْإِجَازَةَ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ. هَذَا نَوْعٌ خَاضَ فِيهِ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ، وَمِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: (أَجَزْتُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ). فَإِنْ عَطَفَ الْمَعْدُومَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَوْجُودِ بِأَنْ قَالَ: (أَجَزْتُ لِفُلَانٍ وَلِمَنْ يُوَلَدُ لَهُ، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ وَلِوَلَدِكَ، وَلِعَقِبِكَ مَا تَنَاسَلُوا)، كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الْجَوَازِ مِنَ الْأَوَّلِ. وَلِمِثْلِ ذَلِكَ أَجَازَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْوَقْفِ الْقِسْمَ الثَّانِيَ دُونَ الْأَوَّلِ. وَقَدْ أَجَازَ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵄ أَوْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي الْوَقْفِ - الْقِسْمَيْنِ

стр. 156

كِلَيْهِمَا. وَفَعَلَ هَذَا الثَّانِيَ فِي الْإِجَازَةِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، فَإِنَّا رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ الْإِجَازَةَ، فَقَالَ: " قَدْ أَجَزْتُ لَكَ، وَلِأَوْلَادِكَ، وَلِحَبَلِ الْحَبَلَة ِ ". يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ. وَأَمَّا الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ عَلَى مَوْجُودٍ: فَقَدْ أَجَازَهَا الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا يَعْلَى بْنَ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيَّ، وَأَبَا الْفَضْلِ بْنَ عُمْرُوسٍ الْمَالِكِيَّ يُجِيزَانِ ذَلِكَ. وَحَكَى جَوَازَ ذَلِكَ أَيْضًا أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ الْفَقِيهُ، فَقَالَ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجِيزَ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ، قَالَ: " وَهَذَا إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِجَازَةَ إِذْنٌ فِي الرِّوَايَةِ لَا مُحَادَثَةٌ ". ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلَانَ هَذِهِ الْإِجَازَةِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ الْإِمَامِ. وَذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ جُمْلَةً بِالْمُجَازِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَيَانِ صِحَّةِ أَصْلِ الْإِجَازَةِ، فَكَمَا لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ لِلْمَعْدُومِ لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ. وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْإِجَازَةَ إِذْنٌ فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا ذَلِكَ لِلْمَعْدُومِ، كَمَا لَا يَصِحُّ الْإِذْنُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لِلْمَعْدُومِ، لِوُقُوعِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنَ الْمَأْذُونِ لَهُ. وَهَذَا أَيْضًا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَصِحُّ

стр. 157

سَمَاعُهُ. قَالَ الْخَطِيبُ: سَأَلْتُ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ عَنِ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ، هَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهَا سِنُّهُ أَوْ تَمْيِيزُهُ، كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِهِ؟ فَقَالَ: لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ: لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ لِمَنْ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ، فَقَالَ: قَدْ يَصِحُّ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ لِلْغَائِبِ عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ لَهُ. وَاحْتَجَّ الْخَطِيبُ لِصِحَّتِهَا لِلطِّفْلِ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ إِنَّمَا هِيَ إِبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ، وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ لِلْعَاقِلِ، وَغَيْرِ الْعَاقِلِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا رَأَيْنَا كَافَّةَ شُيُوخِنَا يُجِيزُونَ لِلْأَطْفَالِ الْغُيَّبِ عَنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مَبْلَغِ أَسْنَانِهِمْ، وَحَالِ تَمْيِيزِهِمْ، وَلَمْ نَرَهُمْ أَجَازُوا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا فِي الْحَالِ. قُلْتُ: كَأَنَّهُمْ رَأَوُا الطِّفْلَ أَهْلًا لِتَحَمُّلِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ، لِيُؤَدِّيَ بِهِ بَعْدَ حُصُولِ أَهْلِيَّتِهِ، حِرْصًا عَلَى تَوْسِيعِ السَّبِيلِ إِلَى بَقَاءِ الْإِسْنَادِ الَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَتَقْرِيبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ).

стр. 158

النَّوْعُ السَّادِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: إِجَازَةُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجِيزُ، وَلَمْ يَتَحَمَّلْهُ أَصْلًا بَعْدُ، لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لَهُ إِذَا تَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ بَعْدَ ذَلِكَ . أَخْبَرَنِي مَنْ أَخْبَرَ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضِ بْنِ مُوسَى مِنْ فُضَلَاءِ وَقْتِهِ بِالْمَغْرِبِ، قَالَ: " هَذَا لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْعَصْرِيِّينَ يَصْنَعُونَهُ "، ثُمَّ حَكَى عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ يُونُسَ بْنِ مُغِيثٍ قَاضِي قُرْطُبَةَ أَنَّهُ سُئِلَ الْإِجَازَةَ لِجَمِيعِ مَا رَوَاهُ إِلَى تَارِيخِهَا، وَمَا يَرْوِيهِ بَعْدُ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَغَضِبَ السَّائِلُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا هَذَا، يُعْطِيكَ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ؟ هَذَا مُحَالٌ! قَالَ عِيَاضٌ: " وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ". قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ بِالْمُجَازِ جُمْلَةً، أَوْ هِيَ إِذْنٌ، فَإِنْ جُعِلَتْ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الْإِجَازَةُ، إِذْ كَيْفَ يُخْبِرُ بِمَا لَا خَبَرَ عِنْدَهُ مِنْهُ. وَإِنْ جُعِلَتْ إِذْنًا انْبَنَى هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي تَصْحِيحِ الْإِذْنِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْآذِنُ الْمُوَكِّلُ بَعْدُ، مِثْلَ أَنْ يُوَكِّلَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ. وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ هَذِهِ الْإِجَازَةِ، وَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَرْوِيَ بِالْإِجَازَةِ عَنْ شَيْخٍ أَجَازَ لَهُ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِهِ مَثَلًا أَنْ

стр. 159

يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَاكَ الَّذِي يُرِيدُ رِوَايَتَهُ عَنْهُ مِمَّا سَمِعَهُ قَبْلَ تَارِيخِ هَذِهِ الْإِجَازَةِ. وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَجَزْتُ لَكَ مَا صَحَّ وَيَصِحُّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي "، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَقَدْ فَعَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَرْوِيَ بِذَلِكَ عَنْهُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ أَنَّهُ سَمِعَهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " ما صَحَّ عِنْدَكَ "، وَلَمْ يَقُلْ: " وَمَا يَصِحُّ "، لِأَنَّ الْمُرَادَ " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا صَحَّ عِنْدَكَ "، فَالْمُعْتَبَرُ إِذًا فِيهِ صِحَّةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ حَالَةَ الرِّوَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النَّوْعُ السَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: إِجَازَةُ الْمُجَازِ . مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الشَّيْخُ (أَجَزْتُ لَكَ مُجَازَاتِي، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَةَ مَا أُجِيزَ لِي رِوَايَتُهُ)، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالصَّحِيحُ - وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ - أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَا امْتَنَعَ مِنْ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ، وَوَجَدْتُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو السَّفَاقُسِيِّ الْحَافِظِ الْمَغْرِبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ الْحَافِظَ الْأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ: " الْإِجَازَةُ عَلَى الْإِجَازَةِ قَوِيَّةٌ جَائِزَة ٌ ".

стр. 160

وَحَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ تَجْوِيزَ ذَلِكَ عَنِ الْحَافِظِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عُقْدَةَ الْكُوفِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ كَانَ الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ نَصْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ يَرْوِي بِالْإِجَازَةِ عَنِ الْإِجَازَةِ، حَتَّى رُبَّمَا وَالَى فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ إِجَازَاتٍ ثَلَاثٍ. وَيَنْبَغِي لِمَنْ يَرْوِي بِالْإِجَازَةِ عَنِ الْإِجَازَةِ أَنْ يَتَأَمَّلَ كَيْفِيَّةَ إِجَازَةِ شَيْخِ شَيْخِهِ، وَمُقْتَضَاهَا، حَتَّى لَا يَرْوِيَ بِهَا مَا لَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَهَا، فَإِذَا كَانَ مَثَلًا صُورَةُ إِجَازَةِ شَيْخِ شَيْخِهِ (أَجَزْتُ لَهُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ سَمَاعَاتِي)، فَرَأَى شَيْئًا مِنْ مَسْمُوعَاتِ شَيْخِ شَيْخِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِهِ عَنْهُ، حَتَّى يَسْتَبِينَ أَنَّهُ مِمَّا كَانَ قَدْ صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ كَوْنُهُ مِنْ سَمَاعَاتِ شَيْخِهِ الَّذِي تِلْكَ إِجَازَتُهُ، وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ صِحَّةِ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْآنَ، عَمَلًا بِلَفْظِهِ، وَتَقْيِيدِهِ، وَمَنْ لَا يَتَفَطَّنْ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ يَكْثُرْ عِثَارُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذِهِ أَنْوَاعُ الْإِجَازَةِ الَّتِي تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِهَا، وَيَتَرَكَّبُ مِنْهَا أَنْوَاعٌ أُخَرُ سَيَتَعَرَّفُ الْمُتَأَمِّلُ حُكْمَهَا مِمَّا أَمْلَيْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ إِنَّا نُنَبِّهُ عَلَى أُمُورٍ: أَحَدُهَا: رُوِّينَا عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ الْأَدِيبِ الْمُصَنِّفِ ﵀ قَالَ: " مَعْنَى الْإِجَازَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ جَوَازِ

стр. 161

الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَاهُ الْمَالُ مِنَ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ، يُقَالُ مِنْهُ: اسْتَجَزْتُ فُلَانًا، فَأَجَازَ لِي، إِذَا أَسْقَاكَ مَاءً لِأَرْضِكَ، أَوْ مَاشِيَتِكَ، كَذَلِكَ طَالِبُ الْعِلْمِ يَسْأَلُ الْعَالِمَ أَنْ يُجِيزَهُ عِلْمَهُ، فَيُجِيزُهُ إِيَّاهُ. قُلْتُ: فَلِلْمُجِيزِ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ فُلَانًا مَسْمُوعَاتِي، أَوْ مَرْوِيَّاتِي "، فَيُعَدِّيَهُ بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى ذِكْرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ يَجْعَلُ الْإِجَازَةَ بِمَعْنَى التَّسْوِيغِ، وَالْإِذْنِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ، فَيَقُولُ: (أَجَزْتُ لِفُلَانٍ رِوَايَةَ مَسْمُوعَاتِي) مَثَلًا، وَمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ: (أَجَزْتُ لَهُ مَسْمُوعَاتِي) فَعَلَى سَبِيلِ الْحَذْفِ الَّذِي لَا يَخْفَى نَظِيرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: إِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الْإِجَازَةُ إِذَا كَانَ الْمُجِيزُ عَالِمًا بِمَا يُجِيزُ، وَالْمُجَازُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهَا تَوَسُّعٌ، وَتَرْخِيصٌ، يَتَأَهَّلُ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ لِمَسِيسِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَهُ شَرْطًا فِيهَا. وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ، عَنْ مَالِكٍ ﵁. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ: " الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا لِمَاهِرٍ بِالصِّنَاعَةِ، وَفِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُشْكِلُ إِسْنَادُهُ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثُ: يَنْبَغِي لِلْمُجِيزِ إِذَا كَتَبَ إِجَازَتَهُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَا، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ كَانَ ذَلِكَ إِجَازَةً جَائِزَةً، إِذَا اقْتَرَنَ بِقَصْدِ الْإِجَازَةِ.

стр. 162

غَيْرَ أَنَّهَا أَنْقَصُ مَرْتَبَةً مِنَ الْإِجَازَةِ الْمَلْفُوظِ بِهَا، وَغَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ تَصْحِيحُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْكِتَابَةِ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ، الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَلْفِظْ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ إِخْبَارًا مِنْهُ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ طُرُقِ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ، وَتَلَقِّيهِ: الْمُنَاوَلَةُ وَهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمُنَاوَلَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْإِجَازَةِ، وَهِيَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَلَهَا صُوَر ٌ: مِنْهَا: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ إِلَى الطَّالِبِ أَصْلَ سَمَاعِهِ، أَوْ فَرْعًا مُقَابَلًا بِهِ،

стр. 163

وَيَقُولَ: (هَذَا سَمَاعِي، أَوْ رِوَايَتِي عَنْ فُلَانٍ، فَارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ عَنِّي)، ثُمَّ يُمَلِّكَهُ إِيَّاهُ. أَوْ يَقُولَ: (خُذْهُ، وَانْسَخْهُ، وَقَابِلْ بِهِ، ثُمَّ رُدَّهُ إِلَيَّ) أَوْ نَحْوَ هَذَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَجِيءَ الطَّالِبُ إِلَى الشَّيْخِ بِكِتَابٍ، أَوْ جُزْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ، فَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ، فَيَتَأَمَّلُهُ الشَّيْخُ وَهُوَ عَارِفٌ مُتَيَقِّظٌ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُ: (وَقَفْتُ عَلَى مَا فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثِي عَنْ فُلَانٍ، أَوْ رِوَايَتِي عَنْ شُيُوخِي فِيهِ، فَارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ عَنِّي). وَهَذَا قَدْ سَمَّاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ (عَرْضًا)، وَقَدْ سَبَقَتْ حِكَايَتُنَا فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ أَنَّهَا تُسَمَّى عَرْضًا، فَلْنُسَمِّ ذَلِكَ (عَرْضَ الْقِرَاءَةِ)، وَهَذَا (عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْمُنَاوَلَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْإِجَازَةِ: حَالَّةٌ مَحَلَّ السَّمَاعِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَحَكَى الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ - فِي عَرْضِ الْمُنَاوَلَةِ الْمَذْكُورِ - عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُ سَمَاعٌ. وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي سَائِرِ مَا يُمَاثِلُهُ مِنْ صُوَرِ الْمُنَاوَلَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْإِجَازَةِ: فَمِمَّنْ حَكَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ عَنْهُمْ: ابنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - الْإِمَامُ -، فِي آخَرِينَ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَمَاعَةٍ

стр. 164

مِنَ الْمَكِّيِّينَ، وَعَلْقَمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيَّانِ، وَالشَّعْبِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَأَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبُ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَآخَرُونَ مِنَ الشَّامِيِّينَ، وَالْخُرَاسَانِيِّينَ. وَرَأَى الْحَاكِمُ طَائِفَةً مِنْ مَشَايِخِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي كَلَامِهِ بَعْضُ التَّخْلِيطِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خَلَطَ بَعْضَ مَا وَرَدَ فِي (عَرْضِ الْقِرَاءَةِ) بِمَا وَرَدَ فِي (عَرْضِ الْمُنَاوَلَةِ) وَسَاقَ الْجَمِيعَ مَسَاقًا وَاحِدًا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَالٍّ مَحَلَّ السَّمَاعِ، وَأَنَّهُ مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ التَّحْدِيثِ لَفْظًا، وَالْإِخْبَارِ قِرَاءَةً. وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ فِي هَذَا الْعَرْضِ: " أَمَّا فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ أَفْتَوْا فِي الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ سَمَاعًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْبُوَيْطِيُّ، وَالْمُزْنِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. قَالَ: وَعَلَيْهِ عَهِدْنَا أَئِمَّتَنَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبُوا، وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: أَنْ يُنَاوِلَ الشَّيْخُ الطَّالِبَ كِتَابَهُ، وَيُجِيزَ لَهُ رِوَايَتَهُ عَنْهُ، ثُمَّ يُمْسِكَهُ الشَّيْخُ عِنْدَهُ، وَلَا يُمَكِّنَهُ مِنْهُ، فَهَذَا يَتَقَاعَدُ عَمَّا سَبَقَ، لِعَدَمِ احْتِوَاءِ الطَّالِبِ عَلَى مَا تَحَمَّلَهُ، وَغَيَّبْتَهُ عَنْهُ، وَجَائِزٌ لَهُ رِوَايَةُ ذَلِكَ

стр. 165

عَنْهُ، إِذَا ظَفِرَ بِالْكِتَابِ، أَوْ بِمَا هُوَ مُقَابَلٌ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَثِقُ مَعَهُ بِمُوَافَقَتِهِ لِمَا تَنَاوَلَتْهُ الْإِجَازَةُ، عَلَى مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْإِجَازَاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْمُنَاوَلَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُنَاوَلَةَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَكَادُ يَظْهَرُ حُصُولُ مَزِيَّةٍ بِهَا عَلَى الْإِجَازَةِ الْوَاقِعَةِ فِي مُعَيَّنٍ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُنَاوَلَةٍ. وَقَدْ صَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا وَلَا فَائِدَةَ، غَيْرَ أَنَّ شُيُوخَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ - أَوْ مَنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْهُمْ - يَرَوْنَ لِذَلِكَ مَزِيَّةً مُعْتَبَرَةً، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﵎. وَمِنْهَا: أَنْ يَأْتِيَ الطَّالِبُ الشَّيْخَ بِكِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ فَيَقُولُ: (هَذَا رِوَايَتُكَ، فَنَاوِلْنِيهِ، وَأَجِزْ لِي رِوَايَتَهُ)، فَيُجِيبُهُ إِلَى ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، وَيَتَحَقَّقَ رِوَايَتَهُ لِجَمِيعِهِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِح ُّ. فَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ مَوْثُوقًا بِخَبَرِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ إِجَازَةً جَائِزَةً، كَمَا جَازَ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الطَّالِبِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْقَارِئُ مِنَ الْأَصْلِ، إِذَا كَانَ مَوْثُوقًا بِهِ مَعْرِفَةً وَدِينًا. قَالَ الْخَطيِبُ أَبُو بَكْرٍ ﵀: " وَلَوْ قَالَ: حَدِّثْ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَنِّي إِنْ كَانَ مِنْ حَدِيثِي مَعَ بَرَاءَتِي مِنَ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا حَسَنًا "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 166

الثَّانِي: الْمُنَاوَلَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الْإِجَازَةِ: بِأَنْ يُنَاوِلَهُ الْكِتَابَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوَّلًا، وَيَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: " هَذَا مِنْ حَدِيثِي، أَوْ مِنْ سَمَاعَاتِي " وَلَا يَقُولُ: " ارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ عَنِّي " وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَهَذِهِ مُنَاوَلَةٌ مُخْتَلَّةٌ، لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا، وَعَابَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْأُصُولِيِّينَ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ أَجَازُوهَا وَسَوَّغُوا الرِّوَايَةَ بِهَا. وَحَكَى الْخَطيِبُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهَا، وَأَجَازُوا الرِّوَايَةَ بِهَا، وَسَنَذْكُرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى - قَوْلَ مَنْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ بِمُجَرَّدِ إِعْلَامِ الشَّيْخِ الطَّالِبِ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ سَمَاعُهُ مِنْ فُلَانٍ، وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَرَجَّحُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمُنَاوَلَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ إِشْعَارٍ بِالْإِذْنِ فِي الرِّوَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقَوْلُ فِي عِبَارَةِ الرَّاوِي بِطَرِيقِ الْمُنَاوَلَةِ وَالْإِجَازَةِ: حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَنَّهُمْ جَوَّزُوا إِطْلَاقَ " حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا " فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُنَاوَلَةِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ لَائِقٌ بِمَذْهَبِ جَمِيعِ مَنْ سَبَقَتِ الْحِكَايَةُ عَنْهُمْ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْإِجَازَةِ سَمَاعًا.

стр. 167

وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ قَوْمٍ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ. وَكَانَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ - صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ - يُطْلِقُ (أَخْبَرَنَا) فِيمَا يَرْوِيهِ بِالْإِجَازَةِ. رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا إِذَا قُلْتُ: (حَدَّثَنَا) فَهُوَ سَمَاعِي، وَإِذَا قُلْتُ: (أَخْبَرَنَا) عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهُوَ إِجَازَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَذْكُرَ فِيهِ (إِجَازَةً، أَوْ كِتَابَةً، أَوْ كَتَبَ إِلَيَّ، أَوْ أَذِنَ لِي فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ). وَكَانَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ الْأَخْبَارِيُّ - صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي عِلْمِ الْخَبَرِ - يَرْوِي أَكْثَرَ مَا فِي كُتُبِهِ إِجَازَةً مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَيَقُولُ فِي الْإِجَازَةِ: (أَخْبَرَنَا)، وَلَا يُبَيِّنُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ - فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ - مِمَّا عِيبَ بِهِ. وَالصَّحِيحُ - وَالْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْجُمْهُورِ، وَإِيَّاهُ اخْتَارَ أَهْلُ التَّحَرِّي، وَالْوَرَعِ - الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ مِنْ إِطْلَاقِ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا)، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْعِبَارَاتِ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ تُشْعِرُ بِهِ، بِأَنْ يُقَيِّدَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فَيَقُولُ: (أَخْبَرَنَا، أَوْ حَدَّثَنَا فُلَانٌ مُنَاوَلَةً وَإِجَازَةً، أَوْ أَخْبَرَنَا إِجَازَةً، أَوْ أَخْبَرَنَا مُنَاوَلَةً، أَوْ أَخْبَرَنَا إِذْنًا، أَوْ فِي إِذْنِهِ، أَوْ فِيمَا أَذِنَ لِي فِيهِ، أَوْ فِيمَا أَطْلَقَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ)، أَوْ يَقُولُ: (أَجَازَ لِي فُلَانٌ، أَوْ أَجَازَنِي فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، أَوْ نَاوَلَنِي فُلَانٌ)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ. وَخَصَّصَ قَوْمٌ الْإِجَازَةَ بِعِبَارَاتٍ لَمْ يَسْلَمُوا فِيهَا مِنَ التَّدْلِيسِ، أَوْ

стр. 168

طَرَفٍ مِنْهُ، كَعِبَارَةِ مَنْ يَقُولُ فِي الْإِجَازَةِ (أَخْبَرَنَا مُشَافَهَةً) إِذَا كَانَ قَدْ شَافَهَهُ بِالْإِجَازَةِ لَفْظًا، كَعِبَارَةِ مَنْ يَقُولُ: (أَخْبَرَنَا فُلَانٌ كِتَابَةً، أَوْ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، أَوْ فِي كِتَابِهِ) إِذَا كَانَ قَدْ أَجَازَهُ بِخَطِّهِ. فَهَذَا - وَإِنْ تَعَارَفَهُ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ - فَلَا يَخْلُو عَنْ طَرَفٍ مِنَ التَّدْلِيسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَالِاشْتِبَاهِ بِمَا إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ. وَوَرَدَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ خَصَّصَ الْإِجَازَةَ بِقَوْلِهِ: " خَبَّرَنَا " بِالتَّشْدِيدِ، وَالْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ " أَخْبَرَنَا ". وَاصْطَلَحَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إِطْلَاقِ (أَنْبَأَنَا) فِي الْإِجَازَةِ، وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ بِكْرٍ صَاحِبُ (الْوَجَازَةِ فِي الْإِجَازَةِ). وَقَدْ كَانَ (أَنْبَأَنَا) عِنْدَ الْقَوْمِ - فِيمَا تَقَدَّمَ - بِمَنْزِلَةِ (أَخْبَرَنَا)، وَإِلَى هَذَا نَحَا الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ إِذْ كَانَ يَقُولُ: " أَنْبَأَنِي فُلَانٌ إِجَازَةً "، وَفِيهِ أَيْضًا رِعَايَةٌ لِاصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِّينَا عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: " الَّذِي أَخْتَارُهُ، وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايِخِي، وَأَئِمَّةِ عَصْرِي أَنْ يَقُولَ فِيمَا عَرَضَ عَلَى الْمُحَدِّثِ، فَأَجَازَ لَهُ رِوَايَتَهُ شِفَاهًا: " أَنْبَأَنِي فُلَانٌ "، وَفِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُحَدِّثُ مِنْ مَدِينَةٍ، وَلَمْ يُشَافِهْهُ بِالْإِجَازَةِ: " كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ ". قَالَ: " وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ

стр. 169

النَّيْسَابُورِيِّ) قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كُلُّ مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ " قَالَ لِي فُلَانٌ " فَهُوَ عَرْضٌ، وَمُنَاوَلَةٌ. قُلْتُ: وَوَرَدَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الرُّوَاةِ التَّعْبِيرُ عَنِ الْإِجَازَةِ بِقَوْلِ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ ". وَبَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ اخْتَارَهُ، أَوْ حَكَاهُ، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ بَعِيدٌ عَنِ الْإِشْعَارِ بِالْإِجَازَةِ، وَهُوَ فِيمَا إِذَا سَمِعَ مِنْهُ الْإِسْنَادَ، فَحَسْبُ، وَأَجَازَ لَهُ مَا رَوَاهُ قَرِيبٌ، فَإِنَّ كَلِمَةَ (أَنَّ) فِي قَوْلِهِ: " أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا أَخْبَرَهُ "، فِيهَا إِشْعَارٌ بِوُجُودِ أَصْلِ الْإِخْبَارِ وَإِنْ أَجْمَلَ الْمُخْبَرَ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ تَفْصِيلًا. قُلْتُ: وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الرُّوَاةُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنِ الْإِجَازَةِ الْوَاقِعَةِ فِي رِوَايَةِ مَنْ فَوْقَ الشَّيْخِ الْمُسْمِعِ بِكَلِمَةِ (عَنْ)، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ عَلَى شَيْخٍ بِإِجَازَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ: (قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ)، وَذَلِكَ قَرِيبٌ فِيمَا إِذَا كَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ بِإِجَازَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا فَإِنَّهُ شَاكٌّ، وَحَرْفُ (عَنْ) مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السَّمَاعِ، وَالْإِجَازَةِ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ إِطْلَاقِ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فِي الْإِجَازَةِ لَا يَزُولُ بِإِبَاحَةِ الْمُجِيزِ لِذَلِكَ، كَمَا اعْتَادَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي إِجَازَتِهِمْ لِمَنْ يُجِيزُونَ لَهُ، إِنْ شَاءَ قَالَ: (حَدَّثَنَا)، وَإِنْ شَاءَ

стр. 170

قَالَ: (أَخْبَرَنَا) فَلْيَعْلَمْ ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى. الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ أَقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الْحَدِيثِ، وَتَلَقِّيهِ: الْمُكَاتَبَةُ: وَهِيَ أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ إِلَى الطَّالِبِ، وَهُوَ غَائِبٌ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ بِخَطِّهِ، أَوْ يَكْتُبَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ حَاضِرٌ. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا إِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَكْتُبَ لَهُ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَيْهِ. وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَجَرَّدَ الْمُكَاتَبَةُ عَنِ الْإِجَازَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْإِجَازَةِ، بِأَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ وَيَقُولَ: (أَجَزْتُ لَكَ مَا كَتَبْتُهُ لَكَ، أَوْ مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ)، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِ الْإِجَازَةِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَقَدْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمْ: أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَمَنْصُورٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، وَجَعَلَهَا أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ مِنْهُمْ أَقْوَى مِنَ الْإِجَازَةِ، وَإِلَيْهِ صَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَأَبَى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ، وَإِلَيْهِ صَارَ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي كِتَابِهِ (الْحَاوِي).

стр. 171

وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي مَسَانِيدِهِمْ، وَمُصَنَّفَاتِهِمْ قَوْلُهُمْ: " كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ "، وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا. وَذَلِكَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ، مَعْدُودٌ فِي الْمُسْنَدِ الْمَوْصُولِ، وَفِيهَا إِشْعَارٌ قَوِيٌّ بِمَعْنَى الْإِجَازَةِ فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالْإِجَازَةِ لَفْظًا فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْإِجَازَةَ مَعْنًى. ثُمَّ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ خَطَّ الْكَاتِبِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: " الْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى ذَلِكَ ". وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ خَطَّ الْإِنْسَانِ لَا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ الْتِبَاسٌ. ثُمَّ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَكابِرِهِمْ، مِنْهُمْ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَمَنْصُورٌ: إِلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ (حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا) فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُكَاتَبَةِ. وَالْمُخْتَارُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ فِيهَا: (كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ: قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا)، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ اللَّائِقُ بِمَذَاهِبِ أَهْلِ التَّحَرِّي، وَالنَّزَاهَةِ. وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَخْبَرَنِي بِهِ مُكَاتَبَةً، أَوْ كِتَابَةً) وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ). أَمَّا الْمُكَاتَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ فَهِيَ فِي الصِّحَّةِ، وَالْقُوَّةِ شَبِيهَةٌ بِالْمُنَاوَلَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْإِجَازَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 172

الْقِسْمُ السَّادِسُ مِنْ أَقْسَامِ الْأَخْذِ وَوُجُوهِ النَّقْلِ: إِعْلَامُ الرَّاوِي لِلطَّالِبِ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ، أَوْ هَذَا الْكِتَابَ سَمَاعُهُ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ رِوَايَتُهُ، مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: (ارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَذِنْتُ لَكَ فِي رِوَايَتِهِ) وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَهَذَا عِنْدَ كَثِيرِينَ طَرِيقٌ مُجَوِّزٌ لِرِوَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُ وَنَقْلِهِ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَطَوَائِفَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَالْأَصْلِيِّينَ وَالظَّاهِرِيِّينَ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، وَاخْتَارَهُ وَنَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ الْغَمْرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِ (الْوَجَازَةُ فِي تَجْوِيزِ الْإِجَازَةِ). وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ (الْفَاصِلُ بَيْنَ الرَّاوِي وَالْوَاعِي) عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ لَهُ، وَزَادَ فَقَالَ: " لَوْ قَالَ لَهُ: هَذِهِ رِوَايَتِي، لَكِنْ لَا تَرْوِهَا عَنِّي، كَانَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهَا عَنْهُ، كَمَا لَوْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَا تَرْوِهِ عَنِّي، وَلَا أُجِيزُهُ لَكَ، لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ ". وَوَجْهُ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ رِوَايَتُهُ عَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، جَازَ

стр. 173

لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: " ارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَذِنْتُ لَكَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِّي "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُخْتَارُ مَا ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الطُّوسِيُّ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَسْمُوعَهُ وَرِوَايَتَهُ، ثُمَّ لَا يَأْذَنُ لَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ، لِكَوْنِهِ لَا يُجَوِّزُ رِوَايَتَهُ لِخَلَلٍ يَعْرِفُهُ فِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِهِ، وَلَا مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَلَفُّظِهِ بِهِ، وَهُوَ تَلَفُّظُ الْقَارِئِ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ وَيُقِرُّ بِهِ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُ الرَّاوِي عَنْهُ السَّامِعِ ذَلِكَ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) صِدْقًا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ. وَإِنَّمَا هَذَا كَالشَّاهِدِ، إِذَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ شَهَادَتُهُ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ، إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَى شَهَادَتِهِ. وَذَلِكَ مِمَّا تَسَاوَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ، وَالرِّوَايَةُ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَإِنِ افْتَرَقَا فِي غَيْرِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرَهُ لَهُ إِذَا صَحَّ إِسْنَادُهُ، وَإِنْ لَمْ

стр. 174

تَجُزْ لَهُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ صِحَّتُهُ فِي نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقِسْمُ السَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ الْأَخْذِ، وَالتَّحَمُّلِ: الْوَصِيَّةُ بِالْكُتُبِ: بِأَنْ يُوصِيَ الرَّاوِي بِكِتَابٍ يَرْوِيهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ سَفَرِهِ لِشَخْصٍ، فَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ [تَعَالَى] عَنْهُمْ: أَنَّهُ جَوَّزَ بِذَلِكَ رِوَايَةَ الْمُوصَى لَهُ لِذَلِكَ عَنِ الْمُوصِي الرَّاوِي. وَهَذَا بِعِيدٌ جِدًّا، وَهُوَ إِمَّا زَلَّةُ عَالِمٍ، أَوْ مُتَأَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الرِّوَايَةَ عَلَى سَبِيلِ الْوِجَادَةِ الَّتِي يَأْتِي شَرْحُهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ، فَشَبَّهَهُ بِقِسْمِ الْإِعْلَامِ، وَقِسْمِ الْمُنَاوَلَةِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِقَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الرِّوَايَةَ بِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ، وَالْمُنَاوَلَةِ مُسْتَنَدًا ذَكَرْنَاهُ، لَا يَتَقَرَّرُ مِثْلُهُ، وَلَا قَرِيبٌ مِنْهُ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 175

الْقِسْمُ الثَّامِنُ الْوِجَادَةُ: وَهِيَ مَصْدَرٌ لِـ (وَجَدَ يَجِدُ)، مُوَلَّدٌ غَيْرُ مَسْمُوعٍ مِنَ الْعَرَبِ. رُوِّينَا عَنِ الْمُعَافَى بْنِ زَكَرِيَّا النَّهْرَوَانِيِّ الْعَلَّامَةِ فِي الْعُلُومِ أَنَّ الْمُوَلَّدِينَ فَرَّعُوا قَوْلَهُمْ: (وِجَادَةً) فِيمَا أُخِذَ مِنَ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَلَا إِجَازَةٍ، وَلَا مُنَاوَلَةٍ مِنْ تَفْرِيقِ الْعَرَبِ بَيْنَ مَصَادِرِ (وَجَدَ) لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ، يَعْنِي قَوْلَهُمْ " وَجَدَ ضَالَّتَهُ وِجْدَانًا، وَمَطْلُوبَهُ وُجُودًا "، وَفِي الْغَضَبِ " مَوْجِدَةً "، وَفِي الْغِنَى " وُجْدًا "، وَفِي الْحُبِّ " وَجْدًا ". مِثَالُ الْوِجَادَةِ: أَنْ يَقِفَ عَلَى كِتَابِ شَخْصٍ فِيهِ أَحَادِيثُ يَرْوِيهَا بِخَطِّهِ، وَلَمْ يَلْقَهُ، أَوْ لَقِيَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ذَلِكَ الَّذِي وَجَدَهُ بِخَطِّهِ، وَلَا لَهُ مِنْهُ إِجَازَةٌ، وَلَا نَحْوُهَا. فَلَهُ أَنْ يَقُولَ (وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ، أَوْ قَرَأْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ، أَوْ فِي كِتَابِ فُلَانٍ بِخَطِّهِ أَخْبَرَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) وَيَذْكُرُ شَيْخَهُ، وَيَسُوقُ سَائِرَ الْإِسْنَادِ، وَالْمَتْنِ. أَوْ يَقُولُ: (وَجَدْتُ، أَوْ قَرَأْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ)، وَيَذْكُرُ الَّذِي حَدَّثَهُ وَمَنْ فَوْقَهُ. هَذَا الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا، وَحَدِيثًا، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُنْقَطِعِ، وَالْمُرْسَلِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَخَذَ شَوْبًا مِنْ الِاتِّصَالِ بِقَوْلِهِ (وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ).

стр. 176

وَرُبَّمَا دَلَّسَ بَعْضُهُمْ، فَذَكَرَ الَّذِي وَجَدَ خَطَّهُ، وَقَالَ فِيهِ: (عَنْ فُلَانٍ، أَوْ قَالَ فُلَانٌ)، وَذَلِكَ تَدْلِيسٌ قَبِيحٌ، إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يُوهِمُ سَمَاعَهُ مِنْهُ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي نَوْعِ التَّدْلِيسِ. وَجَازَفَ بَعْضُهُمْ، فَأَطْلَقَ فِيهِ (حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا) وَانْتَقَدَ ذَلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ. وَإِذَا وَجَدَ حَدِيثًا فِي تَأْلِيفِ شَخْصٍ، وَلَيْسَ بِخَطِّهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: (ذَكَرَ فُلَانٌ، أَوْ قَالَ فُلَانٌ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، أَوْ ذَكَرَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ)، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لَمْ يَأْخُذْ شَوْبًا مِنْ الِاتِّصَالِ. وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا وَثِقَ بِأَنَّهُ خَطُّ الْمَذْكُورِ، أَوْ كِتَابُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلْيَقُلْ: (بَلَغَنِي عَنْ فُلَانٍ، أَوْ وَجَدْتُ عَنْ فُلَانٍ)، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ، أَوْ لِيُفْصِحْ بِالْمُسْتَنَدِ فِيهِ، بِأَنْ يَقُولَ مَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ: (قَرَأْتُ فِي كِتَابِ فُلَانٍ بِخَطِّهِ، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّهُ بِخَطِّهِ) أَوْ يَقُولُ: (وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ ظَنَنْتُ أَنَّهُ بِخَطِّ فُلَانٍ، أَوْ فِي كِتَابٍ ذَكَرَ كَاتِبُهُ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، أَوْ فِي كِتَابٍ قِيلَ إِنَّهُ بِخَطِّ فُلَانٍ). وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ مِنْ كِتَابٍ مَنْسُوبٍ إِلَى مُصَنِّفٍ فَلَا يَقُلْ: (قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا) إِلَّا إِذَا وَثِقَ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ، بِأَنْ قَابَلَهَا هُوَ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ بِأُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي آخِرِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ فَلْيَقُلْ (بَلَغَنِي عَنْ فُلَانٍ أَنَّهُ ذَكَرَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ)، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَاتِ.

стр. 177

وَقَدْ تَسَامَحَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْجَازِمِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ، وَتَثَبُّتٍ، فَيُطَالِعُ أَحَدُهُمْ كِتَابًا مَنْسُوبًا إِلَى مُصَنِّفٍ مُعَيَّنٍ، وَيَنْقُلُ مِنْهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثِقَ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ، قَائِلًا: (قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، أَوْ ذَكَرَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا)، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ. فَإِنْ كَانَ الْمُطَالِعُ عَالِمًا فَطِنًا، بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ مَوَاضِعُ الْإِسْقَاطِ، وَالسَّقْطِ، وَمَا أُحِيلَ عَنْ جِهَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا رَجَوْنَا أَنْ يَجُوزَ لَهُ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْجَازِمِ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا - فِيمَا أَحْسَبُ - اسْتَرْوَحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِيمَا نَقَلُوهُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ فِي كَيْفِيَّةِ النَّقْلِ بِطَرِيقِ الْوِجَادَةِ. وَأَمَّا جَوَازُ الْعَمَلِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يُوثَقُ بِهِ مِنْهَا، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ مُعْظَمَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ لَا يَرَوْنَ الْعَمَلَ بِذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَطَائِفَةٍ مِنْ نُظَّارِ أَصْحَابِهِ جَوَازُ الْعَمَلِ بِهِ. قُلْتُ: قَطَعَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ حُصُولِ الثِّقَةِ بِهِ، وَقَالَ: " لَوْ عُرِضَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى جُمْلَةِ الْمُحَدِّثِينَ لَأَبَوْهُ "، وَمَا قُطِعَ بِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ فِي

стр. 178

الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى الرِّوَايَةِ لَانْسَدَّ بَابُ الْعَمَلِ بِالْمَنْقُولِ، لِتَعَذُّرِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ فِيهَا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفِيَّةِ ضَبْطِ الْكِتَابِ، وَتَقْيِيدِهِ اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ ﵃ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ، وَالْعِلْمِ، وَأَمَرُوا بِحِفْظِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ كَرَاهَةَ ذَلِكَ: عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ إِبَاحَةَ ذَلِكَ، أَوْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُهُ الْحَسَنُ،

стр. 179

وَأَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فِي جَمْعٍ آخَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، ﵃ أَجْمَعِينَ. وَمِنْ صَحِيحِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ: حَدِيثُ أَبِي شَاهٍ الْيَمَنِيِّ فِي الْتِمَاسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ خُطْبَتِهِ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ ". وَلَعَلَّهُ ﷺ أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ عَنْهُ لِمَنْ خَشِيَ عَلَيْهِ النِّسْيَانَ، وَنَهَى عَنِ الْكِتَابَةِ عَنْهُ مَنْ وَثِقَ بِحِفْظِهِ، مَخَافَةَ الِاتِّكَالِ عَلَى الْكِتَابِ، أَوْ نَهَى عَنْ كِتَابَةِ ذَلِكَ حِينَ خَافَ عَلَيْهِمُ اخْتِلَاطَ ذَلِكَ بِصُحُفِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَذِنَ فِي كِتَابَتِهِ حِينَ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْفُرَاوِيُّ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِنَيْسَابُورَ جَبَرَهَا اللَّهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، ثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: " كَانَ هَذَا الْعِلْمُ كَرِيمًا

стр. 180

يَتَلَقَّاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الْكُتُبِ دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ فِي الْكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَى كَتَبَةِ الْحَدِيثِ، وَطَلَبَتِهِ صَرْفَ الْهِمَّةِ إِلَى ضَبْطِ مَا يَكْتُبُونَهُ، أَوْ يُحَصِّلُونَهُ بِخَطِّ الْغَيْرِ مِنْ مَرْوِيَّاتِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَوَوْهُ شَكْلًا، وَنَقْطًا يُؤْمَنُ مَعَهُمَا الِالْتِبَاسُ، وَكَثِيرًا مَا يَتَهَاوَنُ بِذَلِكَ الْوَاثِقُ بِذِهْنِهِ، وَتَيَقُّظِهِ، وَذَلِكَ وَخِيمُ الْعَاقِبَةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنِّسْيَانِ، وَأَوَّلُ نَاسٍ أَوَّلُ النَّاسِ، وَإِعْجَامُ الْمَكْتُوبِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْجَامِهِ، وَشَكْلُهُ يَمْنَعُ مِنْ إِشْكَالِهِ. ثُمَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَنَّى بِتَقْيِيدِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يَكَادُ يَلْتَبِسُ، وَقَدْ أَحْسَنَ مِنْ قَالَ: إِنَّمَا يُشْكَلُ مَا يُشْكِل ُ.
следующие страницы →