← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمات: مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى محمد خاتم النبيين والمرسلين. وبعد: فقد قام المسلمون من لدن الصحابة -رضوان الله عليهم- بالعناية الفائقة بسنة رسول الله ﷺ رواية ودراية، ووضعها للأسس التي تحفظها، من تحريف الغالين وانتحال المبطلين. وقد كانت في القرن الثاني الهجري العلامات البارزة في طريق رعاية السنة النبوية الكريمة وتوثيقها؛ ذلك أنه قد هبت في هذا القرن أعاصير عاتية، تهدف إلى الإطاحة بالسنة، وإبعاد المسلمين عنها، وتشكيكهم في طرق نقلها ورواتها ... وقيض الله أئمة كبارًا في هذا القرن، وقفوا في وجه هذه الأعاصير يردون كيدها، ويحفظون للمسلمين سنة نبيهم، ﷺ ، المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. حقيقة سعد هذا القرن بالنصيب الأوفى والقدح المعلى من أئمة المسلمين الذين قاموا بجهد كبير في توثيق السنة من أمثال مالك بن أنس، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، وصاحبيه، محمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف، يعقوب ابن إبراهيم، والشافعي محمد بن إدريس، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، هؤلاء الذين وهب لهم الله البصائر النيرة، والعقول الذكية، مع الإخلاص لله ، ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، فقاموا بوضع المصنفات في السنة، ووضع الأسس التي تميز ما نسب حقًّا وصدقًا إلى رسول الله ﷺ وما وضع عليه زورًا وبهتانًا.

стр. 2

وما أشبه الليلة بالبارحة كما يقولون! فقد نبتت نابتة في عصرنا الحديث، تشكك المسملين في السنة، وتسير على درب أسلافهم الذين كادوا للمسلمين وللإسلام، وردهم الله على أعقابهم خاسرين، زعمت هذه النابتة أن السنة حرفت وبدلت ... وأن أسس توثيقها كانت واهية وشكلية، ولم تنهض بعبء الحفاظ عليها. هل حقًّا ما يزعم هؤلاء؟.. إن الأمر في حاجة إلى دراسة متأنية موضوعية، تكشف وجه الحق، وتبرز ما أخفاه هؤلاء الجاهلون، أو غاب عنهم. وهذا ما دفعني إلى اختيار موضوع هذه الرسالة، "توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، أسسه واتجاهاته". ومهدت لهذا الموضوع بتمهيد وقف عند بعض الموضوعات التي تحدد أبعاده، وتكون الأساس لما يعالجه من قضايا. وإذا كان الحديث الذي هو بمعنى السنة -كما اصطلحنا في هذه الرسالة- ينقسم إلى قسمين: السند والمتن، وكانت عناية أهل القرن الثاني هي توثيق القسمين معًا؛ بهدف التأكد مما نقل عن رسول الله ﷺ نقلًا صحيحًا -فقد قسمت هذه الرسالة إلى قسمين: القسم الأول: ويعنى ببيان الأسس التي وضعت لتوثيق سند الحديث، مما يؤدي إلى توثيق متنه، وهو ما سماه بعض الباحثين بالنقد الخارجي للحديث. والقسم الثاني: ويعنى ببيان الأسس التي تتعلق بتوثيق متن الحديث بعيدًا عن سنده، وبالنظر إلى ألفاظه ومعانيه، وهو ما سُمي حديثًا كذلك بالنقد الداخلي للحديث. والقسم الأول: يتكون من أربعة فصول: يتناول الفصل الأول منه بيان كيفية نقل الحديث إلى أهل القرن الثاني الهجري؛ من حيث عدد رواته، وتواتر نقلته، أو عدم تواترهم.

стр. 3

ويتناول الفصل الثاني أسس توثيق الراوي ناقل الحديث، وبيان الشروط التي ينبغي توافرها فيه؛ حتى يطمأن إلى حمله للحديث، وروايته له نقيًّا غير محرف أو مبدل فيه. والفصل الثالث: يتناول مناهج تحمّل الحديث وروايته وما هو جدير منها بتوثيقه والمحافظة عليه؛ فيكون مقبولًا، وما هو غير ذلك، فيكون مرفوضًا. والفصل الأخير: من هذا القسم تعرض للأسانيد؛ من حيث اتصالها وانقطاعها، ومتى يكون الحديث بها موثقًا، ومتى يكون غير ذلك في رأي بعض الفقهاء والمحدثين. وقد طوف القسم الثاني من الرسالة مع الفقهاء ونقدهم الداخلي للحديث، بعيدًا عن رجاله وأسانيده.. وهو يتكون من ستة فصلول: الفصل الأول: يتناول مقياس عرض أحاديث الآحاد على القرآن الكريم بين الآخذين به والرافضين له، والأمثلة التي طبق عليها هذا المقياس. والفصل الثاني: تناول مقياس عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة، ذلك المقياس الذي أخذ به الأحناف، ورفضه الإمام الشافعي كأساس من أسس توثيق الحديث. ومقاييس أخرى عرض لها الفصل الثالث، ومنها عرض أحاديث الآحاد على ما هو مشهور بين الصحابة وعملهم وفتاواهم: وقد تناول هذا الفصل وجهة نظر الآخذين بها والرافضين لها كمقاييس أساسية في نقد الحديث وتوثيقه. والفصل الرابع: تناول مقياس عرض أحاديث الآحاد على عمل أهل المدينة الذي أخذ به أصحاب مالك ﵁، ورفض الإمام الشافعي له، ومناقشته للآخذين به ومناقشة غيره من مخالفيهم.

стр. 4

والفصل الخامس: تناول مقياس عرض خبر الواحد على القياس، بين من يأخذون به كأساس من أسس توثيق السنة، ومن يرفضون أخذه كذلك. والفصل الأخير: عرض لرواية الحديث بالمعنى، من حيث المجيزون لهما، والرافضون.. كما عرض للأسس والقواعد التي وضعها بعض أئمة هذا العصر، ضمانًا لانتقال الأحاديث صحيحة عند روايتها بالمعنى. ثم جاء دور الخاتمة، التي ذكرت أهم النتائج والاقتراحات التي انتهت إليها هذه الرسالة. وطبيعة البحث في موضوع هذه الرسالة، على هذا المنهج، تقتضي الرجوع إلى نوعين من المصادر: مصادر تتناول أصول الفقه وأدلته، وأخرى تتناول أصول الحديث وأسسه. أما بالنسبة للنوع الأول فقد يسر الله مؤلفات تمثل هذه الفترة خير تمثيل، وتحتوي على كثير من الأسس التي قال بها أئمة عاشوا في القرن الثاني الهجري، ومن هذه المؤلفات كتب الإمام الشافعي؛ كـ"الرسالة"، و"الأم"، و"اختلاف الحديث"، وبعض كتب الإمامين: محمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف، و"موطأ الإمام مالك بن أنس". وهذه الكتب -بالإضافة إلى إمدادها هذه الرسالة بكثير من أصول توثيق السنة- كانت الفيصل والحكم فيها نسبه المتأخرون إلى أئمة هذا القرن من أسس. أو بعبارة أخرى كانت موازين عادلة وزنت بها كل هذه المنسوبات فأحقت بعضها، وأبطلت بعضها الآخر. وأما النوع الآخر فقد كان بعضه من هذه الفترة، كمؤلفات الإمام أحمد بن حنبل، والإمام علي بن المديني. وبعض منه كان قريبًا منها، ويمتاز بالدقة والصدق فيما نقل عن أئمة هذا القرن، وعن مؤلفاتهم: وأهم هذه المصادر كتب ابن أبي حاتم الرازي: الجرح والتعديل، والمراسيل وآداب الشافعي، وعلل الحديث. وكتاب الرامهرمزي المحدث

стр. 5

الفاضل الذي يعتبر في رأي كثير من الدارسين أول مؤلف في أصول الحديث. وقد قام هذا النوع بنفس الدور الذي قام به النوع الأول. وطبيعي أن تغني هذه المصادر الأصيلة عن كثير من المراجع الحديثة في كثير من الأحيان، وإن كان للأخيرة فضل الاسترشاد وإنارة الطريق، ووضع علامات استفهام في طريق البحث لفتت نظري إلى أهم ما يجب أن يبحث عنه في هذهالفترة، كإجابات عن هذه الاستفهامات. وتتبعت منهج١ أستاذنا الجليل محمد أبي زهرة عليه رحمة الله، فلم أثقل هوامش الرسالة بالإحالة إلى المراجع، واكتفيت بالمصادر عندما تلتقي الأولى بها، وبأهم المصادر وأقدمها عنما تلتقي هي أيضًا على فكرة واحدة. وإذا كانت الدراسة الموضوعية الصادقة هي تلك التي تعتمد على النصوص والوثائق فقد التزمت هذه الرسالة -إلى حد كبير- بإيرادها كشواهد ودلائل على ما عالجته من فكر ومبادئ ... وربما يلمس القارئ نوعًا من الغموض في بعضها، كنصوص الإمام الشافعي.. ولكن يعلم الله مقدار المعاناة في قراءة هذه النصوص والاستفادة منها، ومراجعتها أكثر من مرة ... وقد كنت حريصًا على إيرادها، والاستفادة منها، مؤثرًا الطريق الوعر، وتقديم كثير منها لأول مرة على الرغم من أن كتب الإمام الشافعي منتشرة بين العلماء، وطبعت منذ زمن بعيد.

стр. 6

وبعد؛ فقد اجتهد ما وسعني الاجتهاد في هذه الرسالة، ولكن الكمال لله وحده، والمعصومون من الأخطاء هم أنبياء الله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ... فأدعوا الله العلي الكريم أن يغفر زلات هذا العمل وأخطاءه، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به؛ إنه نعم المولى، ونعم المجيب. القاهرة في: ربيع الثاني ١٣٩٦هـ. أبريل ١٩٧٦م. رفعت فوزي عبد المطلب

стр. 7

تمهيد مدخل ... تمهيد: ١- يجدر بنا قبل أن نسير في بحثنا "توثيق السنة في القرن الثاني الهجري: أسسه واتجاهاته" أن نقف عند بعض الموضوعات التي تمهد له، وتكون أساسًا لما نعالجه من قضايا، وتوضح أبعاده. ونعني بهذه الموضوعات: تحديد معنى السنة والحديث، ومعنى كلمة التوثيق ... ونظرة عامة على التوثيق في القرن الأول الهجري ... ودوافع التوثيق في القرن الثاني ... والموثقون للأحاديث فيه. السنة: ٢- والسنة لها إطلاقات في اللغة١: فهي السيرة الحسنة أو القبيحة، ومن ذلك قول الشاعر: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها وفي الحديث النبوي الكريم الذي رواه مسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ٢. وكل من ابتدأ أمرًا واقتدى به فيه من بعده قيل: هو الذي سنه، قال الشاعر: كأني سننت الحب أول عاشق ... من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي

стр. 8

وقد يراد بها حسن الرعاية، والقيام على الشيء، من قولهم: سننت الإبل، إذا أحسنت رعايتها والقيام عليها. ٣- ولكن ماذا تعني "السنة عند العلماء؟ ... إذا بدأنا بالاستعمالات الأولى للسنة، وجدنا أنهم يريدون بها عمل رسول الله ﷺ وطريقته، فقد روى البخاري في صحيحه حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: "إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة"١. قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله، ﷺ ؟ قال: وهل يعنون بذلك إلا سنته؟! ... ويعلق السيوطي على هذا بقوله: "فنقل سالم، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي، ﷺ "٢. ومن هذا قول أبي قلابة: "عن أنس: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا". قال أبو قلابة: "لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي، ﷺ "؛ أي لو قلت لم أكذب؛ لأن قوله: من السنة" هذا معناه٣. وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن زياد بن عبد الله النخعي قال: "كنا جلوسًا مع علي ﵁ في المسجد الأعظم، فجاء المؤذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين. فقال: اجلس، فجلس، ثم عاد، فقال له

стр. 9

ذلك، فقال علي: هذا الكب يعلمنا السنة؟!. فقام علي فصلى بنا العصر، ثم انصرفنا، فرجعنا إلى المكان الذي كنا فيه جلوسًا، فجثونا للركب، لتزور الشمس للمغيب، نتراءاها١. وقد أطلقها عمر ﵁، وذكرها ابن عباس، وعمرو بن العاص، وعائشة، رضوان الله عليهم، وأرادوا بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. ولهذا قال الشافعي، ﵀، مطلق السنة يتناول سنة رسول الله، ﷺ ، فقط٣. ٤- وقد تطلق السنة وبراد بها عمل الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين، سواء أكان ذلك مأخوذًا من الكتاب أو من سنة رسول الله، ﷺ ، أم من اجتهادهم. وقد ساغ هذا؛ لأن عملهم اتباع لسنة ثبتت عندهم، لم تنقل إلينا، أو اجتهاد مجتمع عليه منهم أو من الخلفاء٤. وقد اعتبر الإمام مالك والإمام أحمد، رحمهما الله، فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم من السنة٥.

стр. 10

وينقل السرخسي أن السلف كانوا يطلقون اسم السنة على طريقة أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، وكانوا يأخذون البيعة على سنة العمرين. وبين أن أصل هذا الإطلاق قوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" ١. ٥- ولهذه الإطلاقات اختلف العلماء في قولهم: "من السنة كذا" فقد يحمل هذا القول على سنة الرسول، ﷺ ، وقد يكون مقصودًا به من بعده من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وخاصة الصحابة٢. ٦- على أنه ينبغي أن ننبه إلى أنه على الرغم من وجود المعاني السابقة للسنة - فإنهم كانوا يعتبرون ما صدر عن رسول الله، ﷺ مميزًا عن غيره، وأنه، بعد كتاب الله ، له الأولوية على ما عداه، وأنهم إذا أخذوا بغيره فلأنهم لم يجدوا ما يغنيهم من صحيح السنة، عندئذ يلجئون إليه، يقول الإمام الشافعي: "والعلم طبقات شتى، الأولى: الكتاب، والسنة إذا ثبتت السنة، ثم الثانية: الإجماع، فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي، ﷺ ، قولًا، ولا نعلم له مخالفًا منهم، وارابعة: اختلاف أصحاب النبي، ﷺ ، في ذلك. الخامسة: القياس على بعض الطبقات، ولا يصدر إلى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى٣". حقيقة وجدنا أن بعض العلماء، وخاصة في القرن الثاني الذي نقوم بدراسته، قد رد بعض الأخبار عدم شهرتها بين الصحابة، أو عدم

стр. 11

أخذهم بها دليلًا، أو لأن بعض البلدان، وخاصة المدينة، لا تعمل بها، ثم يأخذون بأقوال للصحابة أو بعمل أهل المدينة، ولكن هذا لا يعني إلا أمرين. الأول: أنهم لم يأخذوا بهذا على أنه مثل السنة في المكانة، ولا لأن السنة تطلق عليهما؛ وإنما لأنهم أصبحوا في شك، يقرب من اليقين أن هذا لم يصدر من الرسول، ﷺ ، وأن هناك انقطاعًا باطنيًّا في الحديث، كما يعبر الأحناف. الثاني: أن هذا تمسك بسنة الرسول ﷺ فقط؛ لأنهم عندما يلجئون إلى عمل، أو إلى الصحابة، فلاعتقاد منهم أنهم ورثوه عن النبي ﷺ ، أو بعبارة أخرى عن سنة الرسول ﷺ . نقول هذا لندرك مدى الخطأ الذي وقع فيه بعض المستشرقين من أمثال يوسف شاخت، الذي يقول عن علماء القرن الثاني الهجري قبل الشافعي ومعاصريه إن "السنة بالنسبة إليهم لا ترتبط ضرورة بالنبي، ولكنها تمثل الآثار، ولو تصورًا، التي كان عليها العمل بين الجماعة مكونة العرف، فكانت على قدم المساواة مع ما كان يجري عليه العمل من عاداتهم، أو ما كانت تأخذ به عامتهم على وجه العموم". ويؤكد فكرة المساواة هذه بعبارة أوضح، فيقول: "ومن ناحية أخرى، فإنه من المؤكد أن السابقين والمعاصرين للشافعي كانوا يقدمون أحاديث الرسول إلا أنهم كانوا يضعونها في نفس المنزلة، التي يضعون فيها آثار الصحابة والتابعين"١، ثم يناقض نفسه فيجعل سنة الرسول في منزلة أقل فيقول: "وقد كان الاحتجاج بآثار الصحابة والتابعين هو المعمول فيه عند الجيلين السابقين للشافعي، وكان الاحتجاج بأحاديث الرسول الأمر الشاذ"٢.

стр. 12

نقول: لم يتصور أحد من المسلمين قبل الشافعي أو بعده أن عمل الصحابة ومن بعدهم، أو العمل بين الجماعة. والذي يكوِّن العرف يكون على قدم المساواة مع ما ينسب إلى النبي، ﷺ ، أو في نفس المنزلة، فضلًا عن أن يكون في منزلة أدنى، أو في وضع شاذ بالنسبة لعمل غيره. والأمر لا يتعدى أن بعض الفقهاء قد وضع بعض المقاييس لتوثيق السنة، وهو الذي جعل الإمام الشافعي يرميهم بترك السنة، وعدم الاعتماد على صحتها من حيث الإسناد. ولم يكن الشافعي هو الذي أتى بالجديد في ذلك، كما يزعم هذا الرجل، ويتبعه في ذلك بعض الباحثين، فقد كان معه ووراءه وقبله المحدثون جميعًا ينادون بترك هذه المقاييس والاقتصار على صحة الإسناد، ويتهمون مخالفيهم بترك السنة والابتعاد عنها، وهي تهمة كان يفزع منها خصومهم، ويحاولون أن يثبتوا أنهم برآء منها، ولو كان الأمر عندهم كما يصور "شاخت" وأمثاله ما بالوا بهذه التهم، ولما كانت شنيعة في نظرهم ونظر مجتمعهم، ما دام الأخذ بالسنة هو الأمر الشاذ. وسيثبت لنا هذا البحث في جزء كبير منه، أنهم في الحقيقة كانوا يقدمون سنة النبي، النبي متى صحت عندهم بالمقاييس التي وضعوها، ولا يقدمون عليها إجماعًا أو قولًا أو عملًا، من الصحابة أو من غيرهم. ٧- وغير هذه الإطلاقات قد تطلق السنة في مقابلة البدعة، أي ما يحدثه الناس من قول أو عمل في الدين مما لم يؤثر عنه ﷺ وعن أصحابه، يقول الشاطبي: "فيقال فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ ؛ كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا ... ويقال فلان على بدعة إذا كان على خلاف ذلك "واعتبر في هذا الإطلاق عمل صاحب الشريعة، وإن كان العمل بمقضى الكتاب١". ٨- وتطلق السنة على النوافل من العبادات غير الفروض، مما نقل

стр. 13

عن النبي، ﷺ ، سواء كانت مؤكدة يكره تركها أو غير ذلك١. ٩- والسنة عند الشيعة لها إطلاق يختلف إلى حد كبير عن كل هذا. لأنها عندهم قول النبي ﷺ أو فعله أو تقريره، وقول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، أو بعبارة أخرى قول المعصوم أو فعله أو تقريره. وذلك لأن المعصوم من آل البيت يجري قوله مجرى قول النبي من كونه حجة على العباد واجب الاتباع "والأئمة من آل البيت عندهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبي ﷺ والمحدثين عنه ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصّبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام ... وذلك من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي من المعصوم قبله"٢. ١٠- وبعد أن استقرت المصطلحات في مؤلفات أصول الحديث والفقه وأصوله وجدنا للسنة مفهومات محددة تسير عليها هذه المؤلفات، ويسير عليها العلماء المتأخرون في هذه العلوم الثلاثة: فالسنة عند علماء الحديث هي كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، سواء أدل ذلك على حكم شرعي أم لا. والسنة عند علماء أصول الفقه هي كل ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي. والسنة عند علماء الفقه هي كل ما ثبت عن النبي، ﷺ .

стр. 14

ولم يكن من باب الفرض. فهي الطريقة المتبعة في الدين من غير افتراض١. ١١- وسنسير في بحثنا -إن شاء الله تعالى- على الإطلاق الأول، وهو إطلاق المحدثين الذين يعنون بالسنة -كما أسلفنا- كل ما أثر عن النبي، ﷺ ؛ وذلك لأن التوثيق للسنة اتجه إلى هذا المعنى، وعليه وضعت الأسس لمعرفة الصحيح الذي ينسب إلى الرسول ﷺ أو ما يتعلق به حقًّا، من زيفه الذي ينسب إليه كذبًا أو ضعيفه الذي يُشك في نسبته إليه ﷺ . كما أنه لن يلتفت إلى أسس توثيق الشيعة للحديث؛ لأنهم لم يقوموا بوضع هذه الأسس إلا بعد القرن الثاني الهجري، وفي هذا القرن وما قبله كان هناك الأئمة الذين يأخذون منهم الأحاديث مباشرة، فمثلهم في هذا مثل من كانوا في العهد يرجعون إلى النبي ﷺ ، ولم تكن هناك من حاجة إلى وضع هذه الأسس، ولا إلى تلك الحركة العلمية الهائلة التي قامت بوضع أسس لتوثيق السنة عند أهل السنة. ولم يبدأ التصنيف في علم أصول الحديث عندهم إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، مع التسليم بأن الحاكم النيسابوري منهم "٤٠٥هـ"٢. هل يختلف هذا المفهوم الذي اخترناه للسنة عن مفهوم الحديث؟: الحديث: ١٢- الحديث في اللغة يطلق على الجديد ضد القديم، كما يطلق على الخبر والقصص، قال في "القاموس المحيط": "والحديث الجديد والخبر"

стр. 15

وفي "لسان العرب": "والحديث الجديد من الأشياء، والحديث الخبر يأتي على القليل والكثير، والجمع أحاديث". ١٣- وتخصيص الحديث بما قاله الرسول، ﷺ ، قد بدأ في حياته ﷺ ، فقد سأله أبو هريرة: "يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة".. فأجابه رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أدل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث" ١. ١٤- وقد اتسع استعمال الحديث بعد وفاة الرسول ﷺ فأصبح يشمل مع القول فعله وتقريره صلى الله عليه وسلم٢. ولهذا يصطلح المحدثون على أنه "ما صدر عن الرسول، ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة٣. وهذا ما يطبق فعلًا في كتب الحديث منذ القرن الثاني الهجري، حتى إننا نجده في الكتب الخاصة بالسنن، أي بأدلة الأحكام من السنة٤.

стр. 16

السنة والحديث: ١٥- وهذا التعريف للحديث عند المحدثين ينطبق تمامًا على تعريف السنة، عندهم كما سبق أن ذكرنا. ولكنه قد يبدو في أقوال بعض العلماء في القرن الثاني الهجري التفرقة بينهما نلمس، ذلك في قول الأعمش١ ﵀: "لا أعلم لله قومًا أفضل من قوم يطلبون هذا الحديث، ويحبون هذه السنة٢"، وأوضح منه على هذا قول عبد الرحمن بن مهدي: "الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة". وربما كان أساس هذا التفريق هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن "الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي؛ إذ أنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا، وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها٤". وربما كان الأساس هو أن بعضهم كان ينظر إلى السنة على أنها أعم من فعلالرسول وقوله وتقريره، وتشمل أفعال الصحابة والتابعين، كما سبق أن ذكرنا. ١٦- ولكننا سنسير في بحثنا هذا -إن شاء الله تعالى- على أن السنة والحديث يتطابقان في المعنى، ويمكن أن يطلق أحدهما على الآخر. ١٧- وقد نطلق لفظين آخرين، ونريد بكل منهما ما نريده من كلمتي السنة والحديث بالمفهوم الذي اخترناه، وهما الخبر والأثر، وهما مرادفان للحديث عند المحدثين، ولهما مفهومات أخرى عند غيرهم٥ ليس هنا مجال بحثها.

стр. 17

توثيق السنة والمراد منه: ١٨- في "لسان العرب" في مادة "وث ق": الثقة مصدر قولك: وثق به يثق بالكسر فيهما، وثاقة وثقة: ائتمنه، وأنا واثق به، وهو موثوق به، وهي موثوق بها وهم موثق بهم.... وثقت فلانًا إذا قلت: إنه ثقة، ووثقت الشيء توثيقًا؛ فهو موثق، والوثيقة الإحكام في الأمر ... ويقال: استوثقت من فلان، وتوثقت من الأمر: إذا أخذت منه بالوثاقة. وأخذت الأمر بالأوثق؛ أي: الأشد الأحكم ... وناقة موثقة الخلق: محكمة١. ويضيف "تاج العروس": ووثقه توثيقًا؛ فهو موثق: أحكمه، ووثق فلانًا، قال فيه: ثقة، أي مؤتمن. ١٩- ونريد من توثيق السنة أو الحديث قريبًا من هذا، وهو الوصول بالحديث، بتطبيق الأسس العلمية التي وضعها العلماء، إلى درجة إحكام اتصاله، ونسبته إلى رسول الله ﷺ ، وتوفر الأمانة في نقله من التحريف والتغيير أو الزيادة فيه. وعدم ائتمان ما يخالف هذه الأسس. ويمكننا أن نقول على غرار هذه المادة اللغوية: وثق بالحديث يثق به، ائتمنه وأنا واثق به، أي آمن نسبته إلى رسول الله ﷺ ، ووثقت الحديث توثيقًا، أحكمت نسبته إلى رسول الله، ﷺ . ٢٠- وقد شاع استعمال لفظ "ثقة" على لسان النقاد من المحدثين، وكتبهم وصفًا للرواة، ويعنون به ذلك الراوي العدل الضابط الذي يروي الأحاديث الصحيحة، لكنهم لم يتسعملوها كثيرًا -على ما أعلم- وصفًا للحديث الثابت الصحيح، وممن استعمل هذا في القرن الثاني الهجري الإمام محمد بن الحسن الشبياني في كتابه "الحجة" الذي ألفه في الرد على أهل المدينة،

стр. 18

فقال: "قد جاءت في الوتر أحاديث مختلفة، فأخذنا بأوثقها١"، ولكنه شاع في العصر الحديث، وخاصة في كتابة التاريخ مدعمًا بالأسانيد التي تثبت الوقائع، والمصادر الأصلية والمضبوطة، وصولًا منها إلى الحقائق التاريخية الثابتة والصحيحة. ٢١- ونريد ما هو شبيه بهذا من بحثنا، وهو بيان الأسس التي وضعها نقاد الحديث، صيانة لحديث رسول الله ﷺ ، وانتقاء لصحيحه، وإبعادًا للضعيف والموضوع. ٢٢- وقد آثرنا هذه الكلمة على غيرها مما كان شائعًا عند المحدثين، وهو كلمة "النقد٢"؛ لأنها، وإن كان معناها الحقيقي بيان الصحيح من غيره، إلا أنه قد شاع استعمالها الآن خطأ في بيان العيوب، وقد يوحي استعمالنا لها في عنوان هذا البحث أننا نبين أسس عيوب السنة، وليس هذا بالطبع هو الواقع، أو ما نريده، وإنما الذي نريده، هو كشف الأسس التي قام عليها تمييز صحيح السنة من ضعيفها وزيفها٣؛ لنصل بالدراسة إلى أي مدى كانت هذه الأسس، مؤدية إلى الهدف الذي كان يريد أن يصل إليه علماؤنا من المحدثين والفقهاء؛ وهو تنقية السنة مما علق بها من شوائب التحريف والزيف، ثم تقديمها خالصة نقية؛ كي يستفيد منها المسلمون، كينبوع ثان من ينابيع التشريع الإسلامي، بعد كتاب الله : الينبوع الأول.

стр. 19

نظرة عامة على التوثيق في القرن الأول الهجري: ٢٣- إن جهود توثيق السنة في القرن الثاني الهجري لا تؤتي الثمار المرجوة منها إلا إذا سبقتها جهود أخرى قام بها قبلهم رجال القرن الأول الهجري؛ إذ أن هذه الجهود كانت هي الأساس الذي بنى عليه أهل القرن الثاني عملهم. ما هذه الجهود؟: ٢٤- إن القرن الأول الهجري كان فيه الصحابة الذين تلقوا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وكان فيه كبار التابعين الذين أخذوا الحديث عنهم. إذن فلنبين ما قام به الصحابة رضوان الله عليهم من أجل الحفاظ على سنة رسول الله، ﷺ ، وجهود التابعين من بعدهم في هذا السبيل، حتى أسلموهها إلى أهل القرن الثاني الهجري. توثيق الصحابة: ٢٥- لقد رأى الصحابة، رضوان الله عليهم، أن سنة رسول الله، ﷺ ، جزء من الدين الذي يدينون به؛ ففي القرآن الكريم الحث على طاعة الرسول، ﷺ ، والنهي عن مخالفته، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ١، وقال جل شأنه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾ ٢، وقال عز من قائل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 20

٢٦- وفي القرآن الكريم أيضًا الحث على الاقتداء به صلى الله عله وسلم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . ٢٧- بالإضافة إلى ذلك فالرسول، ﷺ ، حذرهم من ترك سنته حين قال لهم: " لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٢، وحين قال لهم يوم أن حرم عليهم أشياء يوم خيبر: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإنما حرم رسول الله كما حرم الله" ٣. ٢٨- وقد أحسوا بذلك يقينًا حين نزلت بعض آيات من القرآن الكريم، فلم يستطيعوا فهمها، أو تنفيذ ما فيها من الوامر أو النواهي إلا بالرجوع إلى الرسول، ﷺ ، وبيانه لها؛ تنفيذًا لقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤. لقد نزلت الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، فأبهم معنى كلمة الظلم عليهم، ويئسوا وقالوا:

стр. 21

أينا لم يظلم وانشتنهم رسولهم الكريم من هذا اليأس حين وضح لهم أن هذه الكلمة، تبين أن المراد بالظلم في هذه الآية الكريمة هو الشرك١. ونزلت الأوامر مجملة بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، ثم جاء رسول الله ﷺ ، ففصل هذا الإجمال بسنته القولية أحيانًا وبسنته العملية كثيرًا، ولولا هذا البيان ما استطاعوا أن ينفذوا أمر الله تعالى بذلك. ونزلت بعض الآيات الكريمة تحمل أحكامًا عامة، وجاء رسول الله ﷺ فخصص هذا العموم، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢، فقال ﷺ "لا يرث القاتل"٣، وقال: "لا نورث، ما تركنا صدقة"٤. وجاءت بعض الآيات الكريمة بأحكام مطلقة، فجاءت سنة رسول الله ﷺ فقيدتها، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٥ وقيد رسول الله ﷺ الوصية بالثلث٦، ولا تكون لوارث٧. بالإضافة إلى ذلك فقد جرت السنة بأحكام أخرى، غير توضيح المبهم، وتفصيل المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق؛ فحرمت مثلًا الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها٨. وحرمت أكل كل ذي ناب من

стр. 22

السباع١، وحللت أكل لحم الضب والأرانب٢ وغير ذلك٣. ٢٩- أحس الصحابة في هذا كله بالحاجة الملحة إلى أخذ سنة رسول الله ﷺ ، وأحسوا أيضًا بالحاجة إلى حملها وصيانتها وحفظها وتسليمها إلى من بعدهم من الأجيال، والقرآن الكريم وجههم إلى حين قال لهم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٤. والرسول ﷺ ، وجههم إلى ذلك أيضًا حين قال لهم: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها، ووعاها فبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ٥. وحين يقول لهم عقب بعض خطبه: "هل بلغت ... اللهم اشهد ... يأيها الناس، ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ٦. وحين كان يقول لهم: "تسمعون ويُسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" ٧. ٣٠- وحرصوا على عدم الغلط في الأخذ أو في الأداء؛ لأنهم سمعوا رسول الله، ﷺ ، يقول لهم: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٨. لهذا كله جدوا غاية الجد، وأخذوا بكل الوسائل التي تحقق لهم أخذ سنة رسول الله، ﷺ ، أخذًا صحيحًا، وأداءها أداءً سليمًا، لا تبديل فيه ولا تغيير، ولا زيادة ولا نقصان.

стр. 23

دوافع التوثيق في القرن الهجري: ومن هذه الوسائل: ١- الحرص على سماع الأحاديث: ٣١- ففي عهد رسول الله، ﷺ ، كان الرجل منهم يحرص على حضور مجلسه، ﷺ ؛ لسماع الأحاديث منه، والتزود من توجيهاته السديدة، ونصائحه الكريمة، وبيانه، ﷺ ، للقرآن الكريم. ولما كانت عندهم أعمال تشغلهم في بعض الأوقات عن حضور مجلسه، ﷺ ، تناوبوا الذهاب إليه، ﷺ ؛ كي يبلغ الشاهد منهم الغائب، فلا يفوت أحدًا منهم أمرًا من الأمور التي يجب أن يحفظوها عنه، وينفذوا ما فيها من تعاليم١. ٣٢- وكان لا يمل أحدهم أن يسمع الحديث من رسول الله ﷺ ، أكثر من مرة، ويذكر بعضهم أنه لا يجيز لنفسه أن يروي الحديث إلا إلا إذا سمعه أكثر من ثلاث مرات٢. ولقد كان بعضهم يَلزم رسول الله، ﷺ ؛ يأكل معه ويشرب، حتى يسمع منه كل ما يحدث به، وحتى لا يفوته من سنة رسول الله شيء، ومن هؤلاء أبو هريرة ﵁، الذي يقول: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله، ﷺ ، بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"٣. ٣٣- وكانوا يتثبتون في السماع، فيسألون من حضر منهم مجلس رسول الله، ﷺ ، يقول جابر بن سمرة، سمعت رسول الله،

стр. 24

صلى الله عليه وسلم، يقول: "اثنا عشر قيما من قريسش لا تضرهم عداوة من عاداهم" ١، فالتفت، فإذا عمر بن الخطاب وأبي في أناس، فأثبتوا لي الحديث، كما سمعت. ٣٤- وكان هذا التقليد من الصحابة، رضوان الله عليهم، هو الأساس الذي سار عليه معظم علماء الحديث والفقه بعد ذلك، توثيقًا لحديث رسول الله، ﷺ ، وصيانة له، فاعتبروا أن الأحاديث التي تؤخذ سماعًا أصح من غيرها؛ لأن الأخذ من الكتاب قد يؤدي إلى الخطأ إذا قرأه قراءة محرفة. ٢- حفظ الأحاديث: ٣٥- وبعد سماعهم للأحاديث وتثبتهم في سماعهم يحفظونها، ويؤدونها أداء سليمًا، ولقد نبههم إلى ذلك رسول الله، ﷺ ، حين قال لهم: "عليكم بالقرآن، وسترجعون إلى أقوام سيبلغون الحديث عني، فمن عقل شيئًا فليحدث به، ومن قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتًا، أو مقعده من جهنم" ٣. ٣٦- ولهذا رأينا إقلالهم من رواية الأحاديث، واستثقالهم لها؛ لأنهم يخافون ألا يكونوا قد حفظوا الأحاديث، فيكذبون فيها، أي يخطئون٤، وقد روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود قولهما: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" ٥، وذلك لأنه ليس كل ما يسمع الإنسان يحفظه.

стр. 25

٣٧- ومن أجل حفظ الأحاديث وأدائها أداء سليمًا كانوا يتذاكرونها فيما بينهم، ويحضون على ذلك، يقول أبو سعيد الخدري، ﵁: "تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج بعضه بعضًا". وقال علي كرم الله وجهه: "تزاوروا وأكثروا ذكر الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يندرس". وعن عبد الله بن مسعود: "تذاكروا الحديث، فإن حياته مذاكراته"١. ٣- تمحيص الرواة: ٣٨- أي الأخذ من الضابطين منهم وترك غيرهم، ممن لا يضبطون أحاديثهم فيخطئون في روايتها. يقول السخاوي: "وأما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى، ومصابيح الظلام، المستضاء بهم في دفع الردى، لا يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة، رضي الله له عنهم، وهلم جرًّا ... سرد ابن عدي في مقدمة "كامله" منهم خلقًا إلى زمنه، فالصحابة الذين أوردهم: عمر، وعلي، وابن عباس، وعبد الله بن سلام، وعبادة بن الصامت، وأنس، وعائشة، ﵃، وتصريح كل منهم بتكذيب من لم يصدقه فيما قال"٢. ٣٩- ومن هنا نشأ تشديدهم على من يروي لهم الأحاديث التي لم يسمعوها من رسول الله ﷺ يقول البراء بن عازب، ﵁، مبينًا هذا: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله، ﷺ ، كان يحدثنا أصحابنا، وكنا مشتغلين في رعاية الإبل، وأصحاب رسول الله، ﷺ ، كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله، ﷺ ، فيسمعونه من أقرانهم، ومن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه"٣.

стр. 26

ومن مظاهر هذا التشدد أن بعض الصحابة كان يستحلف راوي الحديث غير مبال بمنزلة هذا الراوي في الإسلام، أو منزلته من رسول الله، ﷺ ، وقد استحلف بعضهم عليًّا، وهو أمير للمؤمنين١. وكان هذا من مذهب علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، يستحلف من يروي له عن رسول الله، ﷺ ، يقول الحاكم: "وأما أمير المؤمنين علي، ﵁، فكان إذا فاته عن رسول الله، ﷺ ، حديث، ثم سمعه من غيره يحلف المحدث الذي يحدث به، والحديث في ذلك عنه مستفيض مشهور ... وكذلك جماعة من الصحابة والتابعين"٣. ٤٠- وليس معنى هذا التشدد وذلك التمحيص أنهم كانوا يكذبون ناقل الحديث إليهم، فلم يثبت أن أحدًا من الصحابة، رضوان الله عليهم، رمى أخاه بالكذب على رسول الله، ﷺ ، وإنما كانوا يخشون أن يخطئوا في نقل الحديث، فلا يؤدونه على وجهه، ويصور هذا عمران ابن حصين حين يقول: "والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن رسول الله، ﷺ ، يومين متتابعين، ولكن يبطأني عن ذلك أن رجالًا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي، كما يشبه لهم"، ويعلق ابن قتيبة على هذا بقوله: "فأعلمك أنهم كانوا يغلطون، لا أنهم كانوا يتعمدون"٣. ٤١- ولقد نفى بعضهم الكذب عنه وعن إخوانه من الصحابة، يقول البراء بن عازب ﵁: "ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ،

стр. 27

فيحدث الشاهد الغائب"١، وفي رواية: "لم نكن نكذب"، ويقول أنس، ﵁، "ولكن كان يحدث بعضنا بعضًا ولا يتهم بعضنا بعضًا"٢. وتقول عائشة ﵂: "ما كان خلق أبغض إلى أصحاب رسول الله، ﷺ ، من الكذب"٣. ٤٢- والحق أن هذا أمر ينبغي أن يعرف وجه الصواب فيه؛ لأن بعض المحدثين اتهم بعض الصحابة بالكذب ... وإذا كان المنبع الأول يكذب، ثم اعتقد موثقوا القرن الثاني وغيره أن ليس فيه كذب، وانشغلوا بوجوه أخرى للتوثيق، أو هكذا فعل معظمهم، فإنه لا فائدة من توثيقهم على هذا النحو؛ لأنهم أخذوا أحاديث الصحابة دون مناقشة لعدالتهم ولم يبحثوا فيمن يكذب منهم ومن لا يكذب، إذن فالسنة لم توثق على الرغم من الجهود التي بذلت، وهذا هو ما توصل إليه هؤلاء بهدف العصف بالسنة وإبعادها عن المسلمين، أو إبعاد المسلمين عنها٤. إذن فلنناقش هذه القضية، هل كان الصحابة، رضوان الله عليهم، يكذبون في أحاديث الرسول، ﷺ ؟ ٤٣- لقد تعلق بعض هؤلاء المحدثين برد بعض الصحابة لأحاديث بعضهم الآخر، أو ببعض العبارات التي تتهم بعضهم "بعضًا" بالكذب ... أما اختلافم في بعض الأحاديث، ورد بعضهم لأحاديث بعضهم الآخر، فلا يدلان على أنهم كانوا يكذبون في الحديث، ولا يتعدى

стр. 28

الأمر أن يكون اختلافًا في فهم تلك الأحاديث، وما تدل عليه.. أو أن مدلول الحديث كان معمولًا به أولًا، ثم نسخ بعد ذلك، ولم يبلغ رواية هذا النسخ، فظل على العمل به وروايته.. أو توقف الصحابي فيما لم يبلغه من الأحاديث، حتى يتأكد من أنها صدرت من رسول الله، ﷺ ، وعند ما يتأكد الصحابي من ذلك، فإنه لا يتردد في التسليم والعمل بما روي له، والندم على عدم سماعه تلك الأحاديث. ومن الاختلاف في فهم النصوص، أن عمر، ﵁، روى عن رسول الله، ﷺ أنه قال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"، وفهمه على أنه عام، وأن التعذيب بسبب بكاء الأهل على الميت. أنكرت عليه ذلك الفهم عائشة وردت الحديث قائلة: "إنما قال النبي، ﷺ في يهودية: إنها تعذب، وهم يبكون عليها"، يعني تعذيب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١. ولم تنسب عائشة، ﵂، إلى عمر وابنه عبد الله، ﵄ الذي روى عن أبيه هذا الحديث، أنهما كذبا في حديث رسول الله، ﷺ ، وإنما بادرت فصرحت ينفي تهمة الكذب عنهما حين قالت: "إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين؛ ولكن السمع يخطئ"٢. وقد نسخ الحديث فلا يبلغ روايه ذلك النسخ، فيظل على روايته والعمل به -كما قلنا- ويكون هذا سببًا في معارضة بعض الصحابة، له، ورد روايته؛ ومثل هذا ما كان يفتي به أبو هريرة، ﵁، ويحدث به: "أن من أصبح جنبًا فقد أفطر"، ولم يبلغه أن ذلك نسخ، فلما

стр. 29

علم بذلك، وأن عائشة، وأم سلمة، زوجتي الرسول؛ أخبرتاه أن رسول الله ﷺ ، كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم -رجع عن قوله وفتياه. ويقول الإمام ابن حجر، في شرح حديث عائشة وأم سلمة، ﵄: "وذكر ابن خزيمة أن بعض العلماء توهم أن أبا هريرة غلط في هذا الحديث، ثم رد عليه بأنه لم يغلط، بل أحاله على رواية صادق "الذي روى عنه أبو هريرة هذا الحديث" إلا أن الخبر منسوخ ... فحديث عائشة، ﵂، ناسخ لحديث الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه١". ومن التوقف في قبول الحديث حتى يتأكد الصحابي من أنه صدر عن رسول الله، ﷺ ، ما حدث به أبو موسى الأشعري، ﵁، عمر بن الخطاب، في رجوع الزائر عند ما لا يؤذن له ثلاث مرات، فقد توقف عمر، ﵁، في قبول الحديث، ولكنه قبله عندما أحضر له أبو موسى الأشعري البينة، ولم يكتف بقبوله، بل قال كأنه يعتذر: "ألهاني الصفق بالأسواق٢"، يعني الخروج إلى التجارة. وحدث أبو هريرة، ﵁، بحديث. "من تبع جنازة فله قيراط"، فتوقف فيه ابن عمر، حتى سأل عائشة التي صدقت أبا هريرة، وعندئذ قبل الحديث. وندم على أنه لم يعمل به، وقال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة". إذن فما شأن عبارات بعضهم التي ورد فيها لفظ "الكذب" منسوبًا إلى بعضهم الآخر؟

стр. 30

٤٤- ومن هذا أن سبيعة الأسلمية تعالت من نفاسها بعد وفاة زوجها بأيام فمر بها أبو السنابل، فقال: "إنك لا تحلين حتى تمكثي أربعة أشهر، فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ ، فقال: كذب أبو السنابل، ليس كما قال، قد حللت فانكحي"١، ومن ذلك ما روي عن أبي الدرداء أنه قال: "من أدركه الصبح فلا وتر له، فذكر ذلك لعائشة: فقالت: كذب أبو الدرداء، كان النبي، ﷺ ، يصبح فيوتر"٢. ومن ذلك: "أن أسماء بنت عميس كانت هاجرت إلى الحبشة فيمن هاجر، فقال لها عمر، ﵁: "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله، ﷺ ، منكم فغضبت، وقالت: كذبت يا عمر٣".نقول: إن العرب قد استعملت الكذب بمعنى الخطأ٤، ومن هذا قول الأخطل: "كذبتك عينك أم رأيت بواسط". وقال ذو الرمة: "وما في سمعه كذب". وفي حديث عروة، وقيل له: إن ابن عباس يقول: إن النبي، ﷺ ، لبث بمكة بضع عشرة سنة، فقال: كذب، أي: أخطأ، وسماه كذبًا، لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النية والقصد. واستمع الزبير، ﵁، إلى أبي هريرة يحدث، جعل يقول كلما سمع حديثًا: كذب.. صدق.. كذب، فسأله عروة ابنه، يا أبت، ما قولك: صدق ... كذب. قال: يا بني، أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله، ﷺ ، فلا شك فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه٥.

стр. 31

ولهذا يقول ابن القيم: الكذب نوعان: كذب عمد، وكذب خطأ، فكذب العمد معروف، وكذب الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه المتوفى عنها، إذا وضعت حملها. ومنه قوله، ﷺ : "كذب من قالها"، لمن قال: حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ. ومنه قول عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد، حيث قال: الوتر واجب، فهذا كله من كذب الخطأ، ومعناه: أخطأ قاتل كذا١. وقبل ابن القيم يقول ابن تيمية شيخه: "إن الكذب كانوا يطلقونه بإزاء الخطأ كقول عبادة: كذب أبو محمد، لما قال الوتر واجب، وكقول ابن عباس: كذب نوف لما قال: صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل. ٤٥- وقولهم أيضًا: "زعم" لآخر من الصحابة كانت تعني الإخبار فقط، كقول جابر، ﵁: "زعم أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله، ﷺ "، وسرد حديثًا٣، "وأبو سعيد من أفاضل الصحابة، وجابر أرفع حالًا من أن يشك بصدق أبي سعيد، لكنها اصطلاحاتهم٤". ومنه قول زينب امرأة ابن مسعود ﵄ للنبي، ﷺ "زعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : "صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق" ٥، وقول الزهري: زعم محمود بن الربيع الأنصاري أنه سمع عتبان بن مالك٦. وأنشد ابن الأعرابي: وإني أذين لكم أنه ... سينجزكم ربكم ما زعم٧

стр. 32

٤٦- وفي آخر عهد الصحابة كان هناك جيل من التابعين يحدث فتبلغهم روايته، فكانوا يتوقون رواية الكذابين والمخطئين: لقد أعرض ابن عباس عن واحد من هؤلاء عندما قال له: مالي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله، ﷺ ، ولا تسمع؟!. رد عليه: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله، ﷺ ، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف١"، وفي رواية: "إنا كنا نحدث عن رسول الله، ﷺ ، إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه. وكانت هذه الوسيلة "اختبار الرواة" من أكثر الوسائل وأنجحها في الكشف عن الحديث وتوثيقه، كما سنرى في بحثنا هذا إن شاء الله الكريم. ٤- إسناد الحديث: ٤٧- ومع تمحيص الرواة واختبار ضبطهم وجدنا وسيلة أخرى كانت لها أهميتها الكبيرة فيما بعد، وهي أن بعضهم حرص على ألا يأخذ حديثًا منقطع الصلة برسول الله، ﷺ ، ومن هنا كان يسلم الحديث بعضهم إلى بعض، وكل يذكر من رواه له قبل الرسول، ﷺ ، وعلى هذا نشأت بذور الإسناد في الحديث، والتي كانت من أهم الوسال لتوثيق الحديث، وتصحيحه فيما بعد- كما قلنا. وبطبيعة الحال نشأت البذور فقط؛ لأن الإسناد إنما هو وسيلة للكشف عن الرواة لاختبار عدالتهم وضبطهم، ومعظمهم -في ذلك الوقت عدول ضابطون. ٤٨- وقد قدم لنا الإمام مسلم مثالًا لهذا، فروي بسنده: "أن رسول الله، ﷺ ، كان يعطي عمر بن الخطاب، ﵁، العطاء،

стр. 33

فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله، ﷺ : خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك". في هذا الحديث أربعة من الصحابة كل منهم يروي عن الآخر، وهم: السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم أجمعين، ورواه عمر عن رسول الله ﷺ ، وهذا طبيعي؛ لأنه يحكي واقعه بينه وبين رسوله الكريم. وهذا رأينا أن كل واحد من هؤلاء الصحابة لم يكتف بذكر من سمعه منه، ولم يرفعه من بعد عمر إلى الرسول، ﷺ ، وإنما بين كل منهم كيف وصل إليه الحديث. ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: "وقد جاءت جملة من الأحاديث فيها أربعة صحابيون، يروي بعضهم عن بعض، وأربعة تابعين بعضهم عن بعض"١. كما قدم لنا السيوطي في "تدريب الراوي" أمثلة من هذا النوع؛ بعض الصحابة يروي بعضهم عن بعض، وبعض الصحابيات يروي بعضهن عن بعض. ٤٩- ومن الطريف الذي قدمه لنا أيضًا -ويدل على اهتمام بعض الصحابة بالإسناد- أن بعضهم سمع الحديث من تابعي رواه عن صحابي آخر، فرواه عن التابعي عن الصحابي الذي سمعه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم٢. وإلى جانب اتخاذ هذه الوسائل لتوثيق السنة، وكلها تتعلق بعملية نقل الحديث كانت هناك وسائل أخرى لتوثيقه إلى جانب ذلك، وتتعلق بمتن

стр. 34

الحديث من حيث النظر فيه مرتبطًا ذلك بعرضه على النصوص والمبادئ الإسلامية ومدى ملاءمته أو معارضته لها. ومن هذه الوسائل: ١- عرض الحديث على القرآن الكريم: ٥٠- فقد أنكر بعض الصحابة: رضوان الله عليهم، بعض الأخبار؛ لأنها، في رأيهم، تخالف كتاب الله . ٥١- وقد تقدم حكم عائشة، ﵂، على عمر، ﵁، بأنه أخطأ في رواية الحديث، وكان حكمًا مؤسسًا على أن معنى الحديث بهذه الرواية يخالف آية من القرآن الكريم١. وعندما سئلت عن متعة النساء، وقد كانت جائزة بالسنة، قالت: "بيني وبينكم كتاب الله وقرأت هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٢، ثم قالت: فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا"٣. ٥٢- وكأن ابن عباس لم ير الأحاديث التي نسخت زواج المتعة صحيحة فردها بالكتاب أيضًا؛ أي بنفس المقياس الذي استعملته عائشة لبيان التحريم. استدل ابن عباس بقوله : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ٤. وروي في قراءة عنه زيادة "إلى أجل مسمى٥".

стр. 35

٥٣- ومن هذا أيضًا رد عائشة الأحاديث التي حرمت لحوم الحمر الأهلية، لأنها تتعارض مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١، "فإن ظاهر هذه الآية يدل على أن ما عدا المذكور فيها حلال، وذكر ابن حزم أن الذاهبين إلى أنها حلال استدلوا بأن عائشة أم المؤمنين احتجت بتلك الآية عند سؤالها عن الحمر الأهلية، فكأنها تذهب إلى حليتها٢. وقد وافقها ابن عباس أيضًا فذهب إلى أنها حلال مستدلًا بهذه الآية٣. ٢- عرض السنة على السنة: ٥٤- ومن هذا ما روى أبو مسلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أماه، إن جابر بن عبد الله يقول: "الماء من الماء"، فقالت: أخطأ. جابر أعلم مني برسول الله، ﷺ ؟! ... يقول: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل"، أيوجب الرجم ولا يوجب الغسل"٤؟!. ٥٥- وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من جهة شريك بن عبد الله عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن عائشة قالت: "من حدثكم أن رسول الله ﷺ "كان يبول قائمًا" فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا"٥.

стр. 36

وقال الترمذي: هو أحسن شيء في هذا الباب١، وأصح، ويقول الإمام بدر الدين الزركشي: وإسناده على شرط مسلم٢. ٥٦- ونلمح مقياس عرض السنة على القرآن في قول عمر، ﵁، عندما رد حديث فاطمة بنت قيس: "طلقني زوجي ثلاثًا على عهد النبي ﷺ : فقال رسول الله، ﷺ : "لا سكنى لك ولا نفقة". قال عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظة أو نسيت"، وهو بهذا يشير إلى أن حديث فاطمة يتعارض مع قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٣. ٣- عرض الحديث على القياس: ٥٧- روي أبو هريرة، ﵁ عن رسول الله، ﷺ ، "الوضوء مما مست النار، ولو من ثور أقط٤". فرد ابن عباس هذا الحديث بالقياس قائلًا لأبي هريرة: "يا أبا هريرة، أنتوضأ من الدهن؟! أنتوضأ من الحميم؟! "٥، ٦. ٥٨- وروى أبو هريرة أيضًا: "من غسّل ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ"، والأصح أن هذا موقوف على أبي هريرة، إلا أنه في حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه. أنكر ذلك ابن عباس قياسًا على غير الجسد الميت، مما يحمل فلا ينقض

стр. 37

الوضوء، وقال: "لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة"١، وكذلك أنكرته عائشة، وقالت قولًا شبيهًا بقول ابن عباس، وطبقت المقياس نفسه، قالت: "أوَ نجس موتى المسلمين؟!، وما على رجل لو حمل عودًا؟! "٢. ٤- عرض الحديث على ما يقول به الصحابة: ٥٩- لأنهم إذا كانوا يقولون بخلافة، فمعنى هذا أنه لم يصدر من الرسول، ﷺ ، أو هو قد نسخ، وخاصة عرضه على من يغلب على الظن أنه لا يخفى عليه لو كان قد صدر فعلًا عن رسول الله، ﷺ ، كزوجات الرسول، وخاصة في الأمور الجنسية. والقصة التالية تبين ذلك: ٦٠- قال: عبيد بن رفاعة الأنصاري: "كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت، فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة"، فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر، فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل: "اذهب أنت بنفسك، فأتني به، حتى تكون أنت الشاهد عليه"، فذهب فجاءه به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله، ﷺ ، منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي عُديّ نفسه ... تفتي الناس بهذا؟! "، فقال زيد: "أما والله ما ابتدعه، ولكن سمعته من أعمامي؛ رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاري". فقال عمر لمن عنده: "يا عباد الله، قد اختلفتم، وأنتم أهل بدر الأخيار"، فقال له علي: "فأرسل إلى أزواج النبي، ﷺ ، فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه "فأرسل إلى حفصة، فسألها، فقالت: "لا علم لي بذلك"، ثم أرسل إلى عائشة، فقالت: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". فقال

стр. 38

عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله، ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالًا"١، وهكذا نظروا في متن الحديث، ولم يكن هناك فاصل يفصل بينهم إلا عرضه على الصحابة الذين يطبقون ما يعلمون عن رسول الله، ﷺ . ٦١- حقيقة لقد ردت عائشة حديث "الماء من الماء" بحديث آخر، كما رأينا، ولكن عرض عمر له على الصحابة، واختلافهم، وفطنة علي إلى عرضه على نساء الرسول لأنه -في الغالب- لا يخفى على بعضهن شيء من هذا-كل هذا دليل على وجود هذا الاتجاه عند الصحابة، رضوان الله عليهم ... هذا الاتجاه نما وأصبح قويًّا عند بعض علماء القرن الثاني الهجري.. سنرى -بإذن الله- عند الأحناف مثلًا عرض الحديث على عمل الصحابة وأقوالهم، وهل اشتهر بينهم إذا كان مما تعم به البلوى؟ أو لا؟. وسنرى عند أصحاب مالك عرض الحديث على عمل أهل المدينة. ٦٢- وبعد؛ فإن هذه المقاييس المتعلقة بالرواية ونقل الحديث وبالمتن نفسه في بعض الأحايين، قد رجعت بكثير منهم إلى الصواب، فيما أخطأ أونسي فيه، بالإضافة إلى أنها قد مهدت الطريق لمن أتى بعدهم، فقد وضعت البذور للضوابط والمقاييس التي توثقت السنة بها، وتخلصت من الدخيل الذي علق بها عن قصد أو عن غير قصد. كما أنها تدل على أن السنة لم تؤخذ، حتى في عصر الصحابة قضية مسلمة، وإنما محصت، ونظر إليها وإلى رواتها بعين النقد. ولكن، هل هذا هو كل ما قام به الصحابة، رضوان الله عليهم، لتوثيق السنة. أم كان لبعضهم جهد آخر يسهم في توثيق السنة وتحريرها؟ ٦٣- الحق أنه كان هناك جهد لا يقل عن تلك الجهود السابقة ونعني به تدوين السنة في صحائف حفظتها وأعانت الذاكرة على ضبطها وصيانتها.

стр. 39

الموثقون في القرن الثاني الهجري: تدوين السنة: ٦٤- مما لا شك فيه أن الكتابة من أهم عوامل التوثيق إن لم تكن أهمها جميعها. وإذا كان واضحًا جليًّا أن السنة النبوية قد حفظها الله بالكتابة ابتداء من القرن الثاني الهجري فما تلاه من القرون، فإنه قد أثيرت شبه واعتراضات حول كتابة الحديث في عهد الصحابة والتابعين، أي في القرن الأول١. ٦٥- وزعم من آثار هذه الشبه والاعتراضات أن الحديث لم ينقل إلا بالرواية الشفهية في هذا العهد، عندما حفظه الصحابة رضوان الله عليهم ونقلوه إلى التابعين ونقله هؤلاء بهذه الطريقة إلى من بعدهم، حتى دونت السنة ابتداء من القرن الثاني الهجري، فأسهم الحفظ في الذاكرة والكتاب معًا في توثيق السنة وصونها. ٦٦- وأساس هذا الزعم ما روي عن رسول الله، ﷺ ، وعن بعض صحابته من نهي عن كتابة الحديث. ومن ذلك ما رواه زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: "لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وفي -رواية: "من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وكذلك ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁ قال: "استأذنت النبي، ﷺ أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي "وفي رواية: "استأذنا النبي، ﷺ في الكتاب فأبى أن يأذن لنا". كما روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء عن أبي هريرة قال: "خرج علينا رسول الله، ﷺ ، ونحن نكتبالأحاديث فقال: ما هذا الذي تكتبون؟.. قلنا: أحاديث سمعناها منك. قال: أكتابًا

стр. 40

غير كتاب الله تريدون؟. ما أضل الأمم من قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة انتحدث عنك يا رسول الله؟. قال: "نعم، تحدثوا عني ولا حرج، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وفي رواية: "فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار"، وفي رواية أخرى: "أكتابًا مع كتاب الله؟. أمحضوا كتاب الله وأخلصوه". وهناك روايات أخرى عن أبي هريرة تفيد كلها هذا المعنى. ٦٧- ومع الروايات عن أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄، روي عن زيد بن ثابت أنه قال: إن رسول الله ﷺ أمرنا ألا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه"، وفي رواية عنه: "إن النبي ﷺ نهى أن يكتب حديثه١". هذه هي كل الروايات المرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، واتخذها الزاعمون دليلًا على أن الحديث لم يكتب في عهد النبي ﷺ . ٦٨- وزعموا أيضًا أنه لم يكتب في عهد الصحابة وبعد وفاة الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه؛ مستدلين بروايات موقوفة على بعض الصحابة تفيد رفضهم لكتابة الأحاديث، وهذه الروايات عن أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر٢. ٦٩- ويدعمون زعمهم بعدم كتابة الحديث حتى أواخر القرن الأول بأن تيار كراهة الكتابة قد امتد إلى بعض التابعين أمثال محمد بن سيرين والقاسم بن محمد، وإبراهيم النخعي وأبي العالية والضحاك٣.
следующие страницы →