← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال الترمذي: هو أحسن شيء في هذا الباب١، وأصح، ويقول الإمام بدر الدين الزركشي: وإسناده على شرط مسلم٢. ٥٦- ونلمح مقياس عرض السنة على القرآن في قول عمر، ﵁، عندما رد حديث فاطمة بنت قيس: "طلقني زوجي ثلاثًا على عهد النبي ﷺ : فقال رسول الله، ﷺ : "لا سكنى لك ولا نفقة". قال عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظة أو نسيت"، وهو بهذا يشير إلى أن حديث فاطمة يتعارض مع قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٣. ٣- عرض الحديث على القياس: ٥٧- روي أبو هريرة، ﵁ عن رسول الله، ﷺ ، "الوضوء مما مست النار، ولو من ثور أقط٤". فرد ابن عباس هذا الحديث بالقياس قائلًا لأبي هريرة: "يا أبا هريرة، أنتوضأ من الدهن؟! أنتوضأ من الحميم؟! "٥، ٦. ٥٨- وروى أبو هريرة أيضًا: "من غسّل ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ"، والأصح أن هذا موقوف على أبي هريرة، إلا أنه في حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه. أنكر ذلك ابن عباس قياسًا على غير الجسد الميت، مما يحمل فلا ينقض

стр. 37

الوضوء، وقال: "لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة"١، وكذلك أنكرته عائشة، وقالت قولًا شبيهًا بقول ابن عباس، وطبقت المقياس نفسه، قالت: "أوَ نجس موتى المسلمين؟!، وما على رجل لو حمل عودًا؟! "٢. ٤- عرض الحديث على ما يقول به الصحابة: ٥٩- لأنهم إذا كانوا يقولون بخلافة، فمعنى هذا أنه لم يصدر من الرسول، ﷺ ، أو هو قد نسخ، وخاصة عرضه على من يغلب على الظن أنه لا يخفى عليه لو كان قد صدر فعلًا عن رسول الله، ﷺ ، كزوجات الرسول، وخاصة في الأمور الجنسية. والقصة التالية تبين ذلك: ٦٠- قال: عبيد بن رفاعة الأنصاري: "كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت، فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة"، فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر، فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل: "اذهب أنت بنفسك، فأتني به، حتى تكون أنت الشاهد عليه"، فذهب فجاءه به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله، ﷺ ، منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي عُديّ نفسه ... تفتي الناس بهذا؟! "، فقال زيد: "أما والله ما ابتدعه، ولكن سمعته من أعمامي؛ رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاري". فقال عمر لمن عنده: "يا عباد الله، قد اختلفتم، وأنتم أهل بدر الأخيار"، فقال له علي: "فأرسل إلى أزواج النبي، ﷺ ، فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه "فأرسل إلى حفصة، فسألها، فقالت: "لا علم لي بذلك"، ثم أرسل إلى عائشة، فقالت: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". فقال

стр. 38

عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله، ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالًا"١، وهكذا نظروا في متن الحديث، ولم يكن هناك فاصل يفصل بينهم إلا عرضه على الصحابة الذين يطبقون ما يعلمون عن رسول الله، ﷺ . ٦١- حقيقة لقد ردت عائشة حديث "الماء من الماء" بحديث آخر، كما رأينا، ولكن عرض عمر له على الصحابة، واختلافهم، وفطنة علي إلى عرضه على نساء الرسول لأنه -في الغالب- لا يخفى على بعضهن شيء من هذا-كل هذا دليل على وجود هذا الاتجاه عند الصحابة، رضوان الله عليهم ... هذا الاتجاه نما وأصبح قويًّا عند بعض علماء القرن الثاني الهجري.. سنرى -بإذن الله- عند الأحناف مثلًا عرض الحديث على عمل الصحابة وأقوالهم، وهل اشتهر بينهم إذا كان مما تعم به البلوى؟ أو لا؟. وسنرى عند أصحاب مالك عرض الحديث على عمل أهل المدينة. ٦٢- وبعد؛ فإن هذه المقاييس المتعلقة بالرواية ونقل الحديث وبالمتن نفسه في بعض الأحايين، قد رجعت بكثير منهم إلى الصواب، فيما أخطأ أونسي فيه، بالإضافة إلى أنها قد مهدت الطريق لمن أتى بعدهم، فقد وضعت البذور للضوابط والمقاييس التي توثقت السنة بها، وتخلصت من الدخيل الذي علق بها عن قصد أو عن غير قصد. كما أنها تدل على أن السنة لم تؤخذ، حتى في عصر الصحابة قضية مسلمة، وإنما محصت، ونظر إليها وإلى رواتها بعين النقد. ولكن، هل هذا هو كل ما قام به الصحابة، رضوان الله عليهم، لتوثيق السنة. أم كان لبعضهم جهد آخر يسهم في توثيق السنة وتحريرها؟ ٦٣- الحق أنه كان هناك جهد لا يقل عن تلك الجهود السابقة ونعني به تدوين السنة في صحائف حفظتها وأعانت الذاكرة على ضبطها وصيانتها.

стр. 39

الموثقون في القرن الثاني الهجري: تدوين السنة: ٦٤- مما لا شك فيه أن الكتابة من أهم عوامل التوثيق إن لم تكن أهمها جميعها. وإذا كان واضحًا جليًّا أن السنة النبوية قد حفظها الله بالكتابة ابتداء من القرن الثاني الهجري فما تلاه من القرون، فإنه قد أثيرت شبه واعتراضات حول كتابة الحديث في عهد الصحابة والتابعين، أي في القرن الأول١. ٦٥- وزعم من آثار هذه الشبه والاعتراضات أن الحديث لم ينقل إلا بالرواية الشفهية في هذا العهد، عندما حفظه الصحابة رضوان الله عليهم ونقلوه إلى التابعين ونقله هؤلاء بهذه الطريقة إلى من بعدهم، حتى دونت السنة ابتداء من القرن الثاني الهجري، فأسهم الحفظ في الذاكرة والكتاب معًا في توثيق السنة وصونها. ٦٦- وأساس هذا الزعم ما روي عن رسول الله، ﷺ ، وعن بعض صحابته من نهي عن كتابة الحديث. ومن ذلك ما رواه زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: "لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وفي -رواية: "من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وكذلك ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁ قال: "استأذنت النبي، ﷺ أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي "وفي رواية: "استأذنا النبي، ﷺ في الكتاب فأبى أن يأذن لنا". كما روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء عن أبي هريرة قال: "خرج علينا رسول الله، ﷺ ، ونحن نكتبالأحاديث فقال: ما هذا الذي تكتبون؟.. قلنا: أحاديث سمعناها منك. قال: أكتابًا

стр. 40

غير كتاب الله تريدون؟. ما أضل الأمم من قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة انتحدث عنك يا رسول الله؟. قال: "نعم، تحدثوا عني ولا حرج، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وفي رواية: "فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار"، وفي رواية أخرى: "أكتابًا مع كتاب الله؟. أمحضوا كتاب الله وأخلصوه". وهناك روايات أخرى عن أبي هريرة تفيد كلها هذا المعنى. ٦٧- ومع الروايات عن أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄، روي عن زيد بن ثابت أنه قال: إن رسول الله ﷺ أمرنا ألا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه"، وفي رواية عنه: "إن النبي ﷺ نهى أن يكتب حديثه١". هذه هي كل الروايات المرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، واتخذها الزاعمون دليلًا على أن الحديث لم يكتب في عهد النبي ﷺ . ٦٨- وزعموا أيضًا أنه لم يكتب في عهد الصحابة وبعد وفاة الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه؛ مستدلين بروايات موقوفة على بعض الصحابة تفيد رفضهم لكتابة الأحاديث، وهذه الروايات عن أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر٢. ٦٩- ويدعمون زعمهم بعدم كتابة الحديث حتى أواخر القرن الأول بأن تيار كراهة الكتابة قد امتد إلى بعض التابعين أمثال محمد بن سيرين والقاسم بن محمد، وإبراهيم النخعي وأبي العالية والضحاك٣.

стр. 41

وهذا كل ما قيل تقريبًا من أحاديث مرفوعة إلى رسول الله ﷺ وموقوفة على الصحابة، ومنسوبة إلى بعض التابعين، ويتخذها الزاعمون دليلًا على عدم كتابة السنة في القرن الأول الهجري. ٧٠- ولا يتسع المجال هنا لمناقشة هذا الزعم بإفاضة، ونكتفي بإبداء ملاحظتين جديرتين بالنظر، حتى لا نذهب إلى ما ذهب إليه هؤلاء فنجانب الصواب: الملاحظة الأولى: أن هذه الأدلة -على الرغم من أنها قليلة جدًّا- تتعارض مع ما صح عن رسول الله، ﷺ ، وصحابته والتابعين من إباحة الكتابة، بل وكتابتهم، الأحاديث فعلًا- كما سيتضح لنا بعد قليل. الملاحظة الثانية: والأحاديث المرفوعة منها إلى النبي ﷺ -على قلتها- لا تسلم من الطعن، والشك في صدورها عن رسول الله، ﷺ : فالحديث الأول منها، حديث زيد بن أسلم قال عنه الخطيب البغدادي: "تفرد همام بروايته هذا الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعًا ... ويقال: إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد من قوله: غير مرفوع إلى النبي، ﷺ "١. ولا نريد أن نسلم بهذا القول، فنقلول: إنه موقوف؛ لأن الإمام مسلمًا قد روى هذا الحديث مرفوعًا، ولكننا نقول: إن تفرد همام بن يحيى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مما يجعل أحاديث إباحة الكتابة الصحيحة أرجح منه لما ليس فيها من التفرد الذي في حديثنا هذا، كما سنرى.

стр. 42

والحديث الثاني رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي سعيد، وعبد الرحمن هذا ضعيف عند أهل العلم، قال يحيى بن معين: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء، وقال أحمد: ضعيف، وقال الشافعي: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن أبيه: "أن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين"؟ قال: نعم، وضعفه آخرون، أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وعلي بن المديني والنسائي١. فالحديث إذن ضعيف، لا يعتمد عليه. ومثل هذا يقال فيما روي عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، لأن راويه هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا. يبقى من الأحاديث المرفوعة الحديث الذي نسب إلى زيد بن ثابت ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ . وهذا الحديث فيه مقال أيضًا، ينزله عن درجة الصحيح إلى درجة الضعيف، ففي سنده كثير بن زيد، وروى ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل أن يحيى بن معين سئل عنه، فقال: "ليس بالقوي"، وقال النسائي فيه: "ضعيف"، وقال أبو زرعة: "صدوق فيه لين" كما روى له الذهبي في الميزان حديثًا فيه نكارة، وفيه علة فوق نكارته٢، فلا يحتج به إذن، بالإضافة إلى أن المطلب الذي روى عنه كثير هذا الحديث لم يدرك زيد بن ثابت، فهو منقطع٣. وعلى هذا فلم يسلم من الضعف في هذه الأحاديث جميعها إلا حديث واحد تفرد به رواته، وقيل فيه: إنه موقوف على الصحابي -كما رأينا- وكما يقول صاحب الأنوار الكاشفة: "أما الأحاديث، فإنما هي حديث مختلف في صحته وآخر متفق على ضعفه"٤.

стр. 43

٧١- أما الروايات أو الأحاديث الموقوفة على بعض الصحابة، فإننا إذا سلمنا بصحتها، فإنها: أولًا: عن عدد قليل، على حين نرى أن كثيرًا من الصحابة قد كتبوا. وثانيًا: أنه قد وردت روايات تفيد أن هذا البعص نفسه قد كتب أو أباح الكتابة. ٧٢- وإذا انتقلنا إلى الكتابة نجد أننا أمام نصوص وأحاديث كثيرة، مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وموقوفة على الصحابة والتابعين -تفيد أنهم أجازوا الكتابة أو كتبوا، وأن بعض الصحابة قد وثق الأحاديث بالتدوين والكتابة مما يدحض الزعم الذي يقول: إن الأحاديث لم تكتب في القرن الأول الهجري. ٧٣- وسنترك الأحاديث الضعيفة التي رفعت إلى رسول الله ﷺ ، والتي اتخذها المنكرون للكتابة من أداتهم، ونقتصر على ما صح. ١- وروى البخاري ومسلم وغيرهما أنه "لما فتح رسول الله ﷺ مكة خطب ... فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله، فقال ﷺ : "اكتبوا لأبي فلان". قال ابن حجر هو أبو شاه، وقيل للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي؟ قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ . ٢- وروي البخاري بسنده: "أن رسول الله ﷺ لما اشتد وجعه قال: "ائتوني بكتاب، أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده ... ". ولو لم يكن النبي ﷺ يبيح الكتابة ما دعا إلى كتابة هذا الكتاب، ولهذا يقول ابن حجر: "وفي هذا الحديث دليل على جواز كتابة العلم،

стр. 44

لأنه "هَمّ أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بحق"١. ٣- وروي البخاري أيضًا بسنده عن وهب بن منبه، عن أخيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب". ويقول البخاري: "تابعه -يعني وهب بن منبه- معمر عن همام عن أبي هريرة٢". وإذا كان حديث أبي شاه يحتمل أن يكون إذن الكتابة له خاصًّا لأنه كان أميًّا، وكان أعمى؛ فإن هذا الحديث بطرقه التي ذكرها البخاري وغيره أقوى في الاستدلال للجواز، لأن ابن عمرو لم يكن أميًّا، ولم يكن أعمى. ٤- وروي البخاري بسنده "عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، وفهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ ... قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر"٣. هذه الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ -وغيرها- إن لم تدل على أن حديث أبي سعيد غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، فإنها تقضي بتأويله، والجمع بينه وبينها٤. ٧٤- ولا نقول -كما يقول بعضهم- إن حديث أبي سعيد هو المتأخر، فيكون ناسخًا لها؛ لأن الكتاب الذي كان النبي ﷺ ، يريد أن يكتبه إنما كان في مرض موته ﷺ ، ولا يعقل أن حديث أبي سعيد كان بعد ذلك.

стр. 45

٧٥- والذي يحتمل هو أن يكون حديث أبي سعيد هو المنسوخ، وقد نسخته هذه الأحاديث التي تبين إباحة الكتابة ... أو أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، أما في غيره فيكون الإذن بالكتابة ... أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في كتابة الأحاديث بعيدة عما يكتب فيه القرآن ... أوالنهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك١. ٧٦- وعلى أية حال فقد فهم الصحابة -باستثناء أبي سعدي الخدري وأبي موسى الأشعري- أانه لا مانع من كتابة الأحاديث، وتوثيقها بها، وقاموا بتنفيذ ذلك، ومما روي لنا في هذا الصدد: ١- أن عبد الله بن عمرو بن العاص كتب صحيفة سماها الصادقة٢. ٢- وكتب أبو بكر لأنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله ﷺ ، وقد توارث هذا الكتاب ثمامة بن عبد الله بن أنس بعد أن حدثه به جده٣. ٣- وروي الرامهرمزي والخطيب البغدادي وابن عبد البر كل بإسناده أن عمر بن الخطاب قال: "قيدوا العلم بالكتاب٤"، وصح مثله عن أنس رضي الله عنه٥. ٤- وقد تقدم أن عند علي صحيفة فيها العقل، وفكاك الأسير، والنهي عن قتل المسلم بالكافر٦.

стр. 46

وروى أبو خيثمة بسنده الصحيح عن علي كرم الله وجهه أنه قال: "من يشتري مني علمًا بدرهم". قال أبو خيثمة: "يقول: يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم١. وزاد ابن سعد في روايته: "فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم، ثم جاء بها عليًّا، فكتب له علمًا كثيرًا٢. ومما يدل على أن حديث علي كان مكتوبًا أن أبي مليكة كتب إلى ابن عباس وسأله أن يكتب له كتابًا، ويخفى عنه، فقال: ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيار وأخفي عنه، فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء٣. وكما يقول شيخنا الحافظ التجاني: "هذا يدل على أن قضاء علي كان مكتوبًا، والقضاء يستند إلى السنة٤". ٥- ويبدو أن الحسن قد أخذ عن أبيه ﵄ هذا، فعن شرحبيل بن سعد، قال: جمع الحسن بن علي بنيه وبني أخيه، فقال: "يا بني إنكم اليوم صغار قوم، أوشك أن تكونوا كبار قوم، فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فيلكتبه. وفي رواية زادت: "وليضعه في بيته"٥. ٦- وكتب ابن عباس حديث رسول الله ﷺ ، وكان يأتي أبا رافع الصحابي، ويقول: "ما صنع النبي ﷺ يوم كذا"؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها٦. وقد شهدت بهذا الصحابية الجليلة سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فقالت: رأيت عبد الله ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئًا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم٧.

стр. 47

وحدث أبو خيثمة أن ابن عباس كان يحض على قيد العلم١، ويروي ابن سعد أنه كانت له كتب حمل بعير٢. ٧- وكتب أنس بن مالك من حديث رسول الله ﷺ وقد مر أنه نقل كتاب أبي بكر في الصدقة٣، وقد روي مسلم بسنده أنه كتب حديثًا عن رسول الله ﷺ غير كتاب أبي بكر٤ ... وقد مر أيضًا أنه صح عنه قوله: "قيدوا العلم بالكتاب ... ويروي الخطيب بسنده عن عبد الله بن المثنى قال: حدثني عماي: النضر وموسى ابنا أنس عن أبيهما أنس بن مالك أنه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله ﷺ وتعلمها٥. ٨- وإذا كان أبو هريرة لا يكتب، ويحفظ الحديث حفظًا جيدًا ببركة دعاء رسول الله ﷺ له بالحفظ٦ - فإن تلاميذه قد كتبوا له حديثه٧، وأخذ هذه الكتب، فحفظها عنده، حتى لا يغير في حديثه أو يبدل فيه، وحتى تكون مقياسًا عنده لما ينسب إليه من الأحاديث الكثيرة التي بثها في التابعين الذين بلغوا -كما روى البخاري- ثمانمائة نفس٨. ٩- وكتب سمرة بن جندب ﵁ ما رواه من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وصحيفته مشهورة عند المحدثين، وقد تكون هذه الصحيفة هي رسالته إلى أبنائه، تلك الرسالة التي تضم - كما يرى

стр. 48

ابن سيرين -علمًا كثيرًا، وقد نقل البخاري بعضًا منها، وقد تكون غيرها كما ذكر بعض الباحثين١. ١٠- وكتب جابر بن عدب الله، ﵁ صحيفة اشتهرت فيما بعد بصحيفة جابر بن عبد الله، وقيل: إن مجاهد بن جبر كان يحدث٢ منها، وإذا علمنا أن هذا الصحابي الجليل قد حمل عن رسول الله ﷺ علمًا كثيرًا نافعًا -كما يقول الذهبي٣- أدركنا أنه قد دون الكثير من هذا العلم في هذه الصحيفة، وقد أخرج مسلم في جامعه الصحيح من هذه الصحيفة في مناسك الحج ما يقرب من الثلاثين حديثًا، وكان أطولها ذلك الحديث الذي رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في حجة الوداع، فقد استغرق هذا الحديث أكثر من أربع صحائف كاملة من كتاب مسلم، ويصف حجة النبي ﷺ وصفًا كاملًا٤. ١١- وروى الدرامي بسند حسن أن أبا أمامة الباهلي أجاز كتابة العلم، فقد سأله أحد تاميذه، وهو الحسن بن جابر عن كتابته، فقال: لا بأس بذلك٥. ١٢- وكتب عبد الله بن أبي أوفى ﵄ حديث رسول الله ﷺ ، وأرسله إلى بعض أصحابه٦.

стр. 49

١٣- وجمعت أسماء بنت عميس ﵂ بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم١. ١٤- وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية بن أبي سفيان، ﵃ بعض الحديث٢. ويروي أبو خيثمة بسنده الصحجيح عن وراد كاتب المغيرة، قال: أملى علي المغيرة، وكتبته بيدي٣. ١٥- ويروى أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج إلى السوق نظر إلى كتبه٤، وقد أكد الراوي أن كتبه كانت في الحديث. هذا ما ستطعنا أن نجمعه ونشير إليه في هذه العجالة عن كتابة الصحابة رضوان الله عليهم للحديث. ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذا كان اتجاهًا عامًّا ... كيف ذلك وقد روي أن بعضهم نهى عن الكتابة؟ ٧٦- نقول: لعلنا قد لمسنا أن بعض من قيل: إنهم كرهوا الكتابة قد ثبت عنهم أنهم أجازوها أو كتبوا، مما يجعلنا نرى أن الكراهة كانت في بعض الحالات، وليست في جميعها ... وهذه الأخبار نفسها تحمل في طياتها ذلك الاتجاه العام إلى كتابة الأحاديث، والإلحاح من أجل كتابتها والإحساس بتلك الحاجة: فهذا عمر ﵁ أراد أن يكتب السنن، "فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله، ﷺ ، فأشاروا عليه أن يكتبها٥" ... هكذا تقول الرواية!! ... وهذا أبو بكر ﵁ هم بجمع السنن، فكتب ما يقرب من خمسمائة حديث، ثم رأى

стр. 50

أن يحرقها؛ لا لأن الرسول نهى عنها، ولكن خاف أن تُؤْثَر عنه وتنقل، وقد يكون فيها حديث غير صحيح١. ٧٧- وهذا هو أبو سعيد الذي روى الحديث المرفوع في كراهة الكتابة وروى عنه غيره من الموقوفات يلح دائمًا عليه تلاميذه: "إنا نخاف أن نزيد أن ننقص، فلو أنا كتبنا؟ " ... ويذهب الأمر بابنه إلى أن يخالف أباه ويكتب حديثه٢.... والعجب في الأمر أنه مع هذا الإلحاح لا نجد أبا سعيد يرى علة لهذا المنع إلا أنه لا يريد أن يجعل الحديث كالقرآن في مصاحف، ويريد لهم أن يحفظوا كما حفظ هو وغيره منالصحابة، ولكنه لا يذكر أن العلة هي أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك٣، وهذا يضاف إلى ما قيل من أن المرفوع عنه إلى رسول الله ﷺ ، إنما هو موقوف عليه. ٧٨- وابن مسعود وأبو موسى اللذان قيل: إنهما كرها الكتابة جهد بعض تلاميذهما أن يكتبا حديثهما مثل ابن أبي سعيد ... حقيقة تقول الروايات إنهما اكتشفا ذلك فمحواه ... ولكن هل اكتشفا كل الحديث الذي كتب دون أن يشعرا؟. إن الروايات تقول: إنهما محوا ما اكتشفاه بمحض الصدفة٤ ... والكلام في هذا طويل ... لكن هذا ليس مجاله ... ٧- ومع هذا فليس عجبًا أن تبرز بعض الضوابط لكتابة الأحاديث عند الصحابة، والتي تمت وظهرت واضحة بعد ذلك، أي بعد أن كثرت الكتابة في القرن الثاني الهجري الذي نتكلم عنه.. ومن هذه الضوابط حفظ الكتاب حتى لا تمتد إليه يد آثمة بالتغيير، وقد سبق أن روي هذا

стр. 51

عن الحسن بن علي رضي الله عنه١. وعن أبي هريرة رضي الله عنه٢. وكان علي ﵁ يحفظ الصحيفة التي كتبها في "الديات" في قراب سيفه٣. ٨٠- ونشأت طريقة القراءة على الشيخ مع طريقة السماع في تلقي الأحاديث. وروي عن علي كرم الله وجهه قوله: القراءة على العالم بمنزلة السماع٤. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له عن الأمر الأمور، وكان رسول الله، ﷺ قال: اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل، فلما عمي أتاه ناس من أهل الطائف، ومعهم علم من علمه أو كتب من كتبه، فجعلوا يستقرئونه، وجعل يقدم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد تلهت٥ من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، أو كتب من كتبي فليقرأ علي، فإن إقراري له به كقراءتي عليه"٦. ومن تلاميذه الصحابة من كان يجمع بين القراءة والسماع كما كان يفعل بشير بن نهيك مع أبي هريرة٧. ٨١- كما روي عن بعضهم أنه كره تلقي الحديث من الكتب دون سماع أو قراءة، روى عن عمر ﵁ قوله: "إذا وجد أحدكم كتابًا فيه علم لم يسمعه من عالم فليدع بإناء وماء فلينقعه فيه، حتى يختلط سواده مع بياضه٨. ٨٨- ونجمل هذا التطواف مع صحابة رسول الله ﷺ

стр. 52

في عنياتهم بحديث رسولهم ﷺ وتوثيقهم له، أو بعبارة أخرى: وضع البذور لأسس هذا التوثيق فنقول: إنهم وضعوا الأسس التالية: ١- الحرص على سماع الحديث. ٢- حفظ الأحاديث والتثبت في روايتها. ٣- التنقيب عن الرواة. ٤- حرص بعضهم على الإسناد. ٥- عرض بعضهم الحديث على النصوص الثابتة والمبادئ الإسلامية. ٦- تدوين بعضهم للسنة، ووضع ضوابط للرواية من هذا التدوين. التابعون وتوثيقهم للسنة: ٨٩- وتسلم راية حمل السنة وروايتها وحفظها وتوثيقها بعد الصحابة رضوان الله عليهم التابعون ... وكانت هناك الدوافع نفسها التي دفعت الصحابة إلى العناية بالسنة وتوثيقها. ٩٠- وجدت أمور دفعتهم إلى أن يزيدوا من هذه العناية وهذا التوثيق، فعندما وقعت الفتنة قبلي استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ﵁، واستمرت بعد ذلك كان بعض من أهلها لم ينالوا شرف الصحبة، ولم يكن عندهم من الإيمان ما يعصمهم من الكذب على رسول الله ﷺ ، فزادوا في الأحاديث مما يصور بدعهم وأهواءهم. ولهذا فقد كان واجبًا على التابعين أن يزيدوا في توثيقهم للسنة، حتى يميزوا بين أحاديث رسول الله ﷺ وغيرها مما وضعه الوضاعون الذين يريدون نصرة ما يروجون له بالباطل١.

стр. 53

ومن وسائل توثيق التابعين للسنة: ١- نقد الرجال: ٩١- كانت الوسيلة لنقل السنة هي الرواية، وكان معيار صدق الحديث أو كذبه هو صدق ناقليه أو كذبهم -بالدرجة الأولى- ولهذا فقد اهتم التابعون بدراسة الرجال، والبحث عما إذا كانوا عدولًا، فيقبل حديثهم، أو مجرحين فلا يقبل منهم ما يروون. ومن أجل هذا تكلموا في رواة الأحاديث بما يبين تعديلهم أوتجريحهم، وممن تكلم في ذلك مما يذكره ابن عدي -ونقله عنه السخاوي- الأئمة: الشعبي، وابن سيرين، وابن جبير، وإن كان كلامهم قليلًا؛ لأن التابعين أكثرهم عدول، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض بوفاة الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد١، ولك لقرب العهد من رسول الله ﷺ ، ولشيوع الورع والتقوى تأسيًا بصحابة رسول الله ﷺ الذين كان إيمانهم قويًّا رائعًا ... ظاهرًا في حركاتهم وسكناتهم. ٩٢- وعلى هذا لم يقبلوا الحديث إلا عن ثقة عرف بالعدالة والضبط يقول الإمام الشافعي، ﵁: "كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة، يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب٢. ٩٣- بالإضافة إلى ذلك فقد أحصوا أخطاء الرواة ليعرفوا حقيقة ما يروون، يقول الإمام الشعبي: "والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة لعدوا على تلك الواحدة٣". ٢- الاهتمام بالإسناد: ٩٤- ونمت بذور الإسناد التي عرفناها عند الصحابة رضوان الله عليهم، والتزم بعضهم به؛ كي يتبين لهم رجال الحديث، فيلتقوا بهم،

стр. 54

أو يسألوا غيرهم عنهم، فيقفوا على حالهم، ومن هذا ما يرويه الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بعدي من أمتي -أو- سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لايجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ... "، قال عبد الله بن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر، كذا وكذا ... فذكرت له هذا الحديث، قال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ "١. ٩٥- ويبين الإمام ابن سيرين السر وراء الاهتمام بالإسناد، فيقول: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم٢. ٣- الحفظ والسماع والتثبت في الآداء: ٩٦- واقتدى التابعون بالصحابة، رضوان الله عليهم في وجوب الاحتياط في حمل الحديث وفي أدائه، فوجدناهم يحرصون على سماع الأحاديث، حتى ولو كانت في بلد آخر غير الذي يعيشون فيه، يقول أحدهم: "إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه٣"، ويقول أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم٤. ٩٧- ولم يجز كل واحد منهم أن يلقي الحديث قبل أن يتثبت فيه وقبل أن يتأكد من أنه لن يحرفه عن وجهه الصحيح، يقول الإمام الشعبي،

стр. 55

مصورًا عبء الرواية: "يا ليتني انفلت من علمي كفافًا؛ لا عليّ ولالي١"، ويقول أيضًا ما يدل على محاسبته لنفسه في رواية الحديث: "كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث٢"، ومن أجل هذا حفظوه في صدورهم، فكان قتادة، مثلًا -كما يروي الرامهرمزي- إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل، حتى يحفظه٣، وكانوا يستعينون على الحفظ والتثبت فيه بالمذاكرة ونبه أكثر من واحد منهم عليها٤. وقد تركت رواية الكثيرين لأنهم غير متثبتين في روايتهم، وإن كانوا عدولًا، فعن أبي الزناد قال: أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات، يقال: ليس من أهله٥. ٤- نقد متن الحديث: ٩٨- وكانت لهم نظرات في متن الحديث وتوثيقه بعيدًا عن السند، فكان إبراهيم النخعي -مثلًا- يترك بعض أحاديث أبي هريرة، ويبرر ذلك بفعل بعض الصحابة، وموقفهم من هذه الأحاديث، وكان يقول: "كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة، ويدعون ... ولو كان ولد الزنا شر الثلاثة لما انتظر بأمه أن تضع٦، وهو بهذا ينكر حديث أبي هريرة: "ولد الزنا شر الثلاثة٧". وقد رده هنا، كما نرى، بالقياس، وروي هذا عن الشعبي أيضًا. ٩٩- وقد رد إبراهيم النخعي أيضًا حديث فاطمة بنت قيس، وحديث

стр. 56

التغريب للعانس وحديث الشاهد واليمين؛ لمعارضتها -في رأيه- للقرآن. كما رد أحاديث القنوت في الفجر، لأنه لو صح لاشتهر عن جمع من الصحابة، أي أنه فيما تعم به البلوى١. تدوين السنة في عهد التابعين: ١٠٠- وكان للتابعين دور في تدوين السنة لا يقل أهمية في توثيق الحديث عن دور الصحابة إن لم يزد عليهم. ١٠١- وممن كتب الحديث منهم أو أجاز كتابته لحفظه سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وبشير بن نهيك، وهمام بن منبه، وكثير بن أفلح، وسعيد بن جبير، وعبيدة بن عمرو السلماني، وابن عقيل، ومحمد بن علي أبو جعفر، ومحمد بن الحنفية، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن يزيد الجرمي، وأبو المليح عامر بن أسامة بن عمير، وقتادة بن دعامة السدوسي وغير هؤلاء كثيرون٢. ١٠٢- ويطول بنا الأمر إن استقرأنا صحف هؤلاء وكتبهم وما فيها من علم ومن سنة. إلا أننا ننبه إلى أن هؤلاء كانوا همزة الوصل بين الصحابة في القرن الأول والمصنفين الأوائل في بداية القرن الثاني. ١٠٣- وقد حفظ لنا التاريخ مثلًا "صحيفة همام بن منبه" التي كتبها عن أبي هريرة، ونقلها المصنفون بعد ذلك في القرن الثاني وما بعده٣.

стр. 57

وقد نقلها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في موضع واحد، ويسند واحد في أول الأحاديث١. ١٠٤- وكتب أبي قلابة عبد الله بن يزيد الجرمي انتقلت إلى أيوب السختياني٢. وأبو قلابة "١٠٤هـ" قد لقي من الصحابة سمرة بن جندب وأنس بن مالك، وثابت بن الضحاك، وعمرو بن سلمة وغيرهم، وأرسل عن حذيفة وعائشة٣. وأيوب "٢٣١هـ" الذي أخذ كتبه ورواها قد تتلمذ عليه من أهل القرن الثاني ومن المصنفين الأوائل في الحديث شعبة ومعمر والحمدان والسفيانان وغيرهم٤. وهكذا هيأ هؤلاء التابعون بتدوينهم علم الصحابة المادة المدونة لمن تصدوا لتصنيف المؤلفات الجامعة في الحديث، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري. ١٠٥- وقد وضع التابعون مع هذا التدوين ضوابطه وأسسه التي تجعل الأحاديث تنتقل به انتقالًا صحيحًا؛ فلا يعتريها تحريف أو تبديل: ومن هذه الضوابط المعارة والقابلة حتى يتلافى ما فيها من أخطاء أثناء النقل، يقول هشام بن عروة، قال لي أبي: أكتبت؟ قلت: نعم. قال: عارضت، قلت: لا. قال: لم تكتب. ويقول يحيى بن أبي كثير "١٢٩هـ" من كتب ولم يعارض كان كمن خرج من المخرج ولم يستنج٥. وكذلك عرضها على الشيخ حتى يقيمها، قيل لنافع، مولى ابن عمر: إنهم قد كتبوا حديثك، قال: فليأتوني، حتى أقيمه لهم٦.

стр. 58

١٠٦- وكذلك حفظ هذه الكتب، بعضهم بحفظها في ذاكرته، وبعضهم يحفظها في مكان أمين، وكان قتادة يحفظ صحيفة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله حفظًا جيدًا١، وكان الحسن بن علي يحفظ قول أبيه المكتوب في ربعة لا يخرجه منها إلا عند الحاجة إليها٢. وهذا الحفظ هو ما عبر عنه الحسن البصري منهم بقوله: "إن لنا كتبًا نتعاهدها"٣، وكان خالد بن معدان الذي لقي سبعين صحابيًّا يتخذ لكتابه عرى وأزرارًا حفظًا له٤. ١٠٧- وكانت هذه الكتب تراجع بالسماع أو بالقراءة على الشيخ حتى لا تقرأ محرفة، قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو ينظر فيه؟ قال: لا، حتى يسمعه من ثقة٥، واستفتي أيوب الناس فيما آل إليه من كتب أبي قلابة وصيه هل يحدث بما فيه مع أن بعضه انتقل إليه وجادة، ولهذا توقف ابن سيرين وقال له: لا آمرك ولا أنهاك٦. واعتنى الأئمة في القرن الهجري بهذه الناحية عناية شديدة فتناولوا هذه الكتب، ونبهوا على ما انتقل منها سماعًا أو عرضًا، وما لم ينقل كذلك فلا يعتمد عليه كثيرًا وخاصة إذا كان بطريق الوجادة، كما سنرى إن شاء الله تعالى. ١٠٨- هكذا رأينا أن التابعين، مثل الصحابة رضوان الله عليهم في الحفاظ على السنة صحيحة نقية، وأبعدوا عنها ما ليس منها بما وضعوا من أسس وطرائق لتوثيقها، والتي تمثلت في:

стр. 59

١- نقد الرجال. ٢- والاهتمام بالإسناد. ٣- والحفظ والسماع والتثبت في الأداء. ٤- ونقد بعضهم لمتن الحديث وعرضه على النصوص أو القياس. ٥- وتدوين السنة، ووضع ضوابط لهذا التدوين. السنة في القرن الثاني: ١٠٩- وبانتهاء عصر التابعين يبدأ عصر تابعي التابعين، أو ندخل في القرن الثاني الهجري الذي هو مناط بحثنا، من حيث بيان أسس التوثيق فيه للسنة واتجاهات هذا التوثيق. وقبل أن ندخل في غمار هذا نطل إطلالة عابرة على ما جد في هذا القرن عن سابقه، بما يحمل من عوامل ودوافع أخرى للتوثيق والعناية بالسنة، والموثقين في هذا القرن الذين سنتعامل معهم من خلال دراستنا. دوافع التوثيق في القرن الثاني: ١١٠- ببداية هذا القرن بَعُد العهد عن العصر الأول للإسلام، عصر النبوة، وجدت أمور لم تكن موجودة في القرن الأول الهجري، أو كانت موجودة في بدايتها، ولكنها تطورت في القرن الثاني، واحتاج الأمر معها إلى عناية أكبر بالسنة. ١١١- ويمكن إجمال ما جد في القرن الثاني الهجري، والذي يعتبر من الدوافع القوية إلى مواصلة السير في طريق التوثيق، وإنما أسسه واتجاهاته في النقاط التالية: ١- توفي الصحابة الذين كانوا يحفظون السنة، ويوشك أن يتوفى التابعون الذين تلقوها منهم.

стр. 60

٢- كثر الوضع في الحديث، ويرجع ذلك إلى وجود قوم من أتباع التابعين ليس عندهم من التورع عن الكذب، والحيطة ما عند الصحابة وجل التابعين. ١١٢- والحقيقة أنه قد نشأت في القرن الثاني كل اتجاهات وضع الحديث ودوافعه تقريبًا: فالخلافات السياسية كانت على أشدها في هذا القرن، وكان الرافضة أكثر الفرق كذبًا فيه، وقد سئل الإمام مالك عن الرافضة، فقال: "لا تكلمهم ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون". وقال شريك بن عبد الله القاضي، وكان معروفًا بالتشيع مع الاعتدال فيه: "أحمل من كل من لقيت إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا". وقال حماد بن سلمة: "حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة- قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئًا جعلناه حديثًا، وقال الشافعي: "ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشهد بالزور من الرافضة١. وقد قابلهم الجهلة من أهل السنة بوضع الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة الذين وضع فيهم الرافضة ما ينقصهم ويذمون به٢". ووضع المتعصبون الجهلاء لمعاوية والأمويين بعض الأحاديث؛ دعوة لهم بين الناس وتثبيتًا لأقدام خلافتهم، وكذلك الحال بالنسبة للعباسيين٣.

стр. 61

ووضع بعض المتعصبين من الخوارج الأحاديث، إفسادًا لما عليه خصومهم١. وكثرت حركات الزندقة في هذا العصر، ودس هؤلاء الزنادقة الكثير من الأحاديث في العقائد والأخلاق، والحلال والحرام، وقد أقر زنديق أمام المهدي العباسي بأنه وضع مائة حديث تجول بين الناس وفي أيديهم٢. وكانت هناك العصبية للجنس وللقبيلة وللغة وللبلد ولأئمة الفقه، وكل هذا كان دافعًا إلى وضع الأحاديث، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم٣. وهناك القصاص الذين يتاجرون بالقصص ويستغلون سذاجة بعض الناس وجهلهم، فيروجون بضاعتهم بوضع الأحاديث التي تستميل إليهم هؤلاء، وتستثير فيهم العاطفة، فيدفعون إليهم الكثير من الأموال٤. وكانت الخلافات المذهبية فقهية وكلامية ... والجهل بالدين مع الرغبة في الخير، وترغيب الناس في التدين وترك الفسوق، والتقرب إلى الحكام بما يوافق أهواءهم -كل هذا كان موجودًا في القرن الثاني الهجري٥ ودفع بعض أهله إلى الكذب في الأحاديث والزيادة فيها ما ليس منها. ١١٣- ٣- ومما جد في القرن الثاني، وكان من دوافع التوثيق استطالة السند وتعذر مقابلة جميع الرواة الذين يوصلون الأحاديث إلى رسول الله ﷺ ، ووجدت الأحاديث المنقطعة، أو ما في إسنادها مجاهيل من الرواة. ١١٤- ٤- كما نشأت المذاهب الفقهية والاختلاف بينها، مما أدى

стр. 62

إلى أن يبذل أئمة كل مذهب توثيق ما عندهم من الأحاديث ومناقشة مخالفيهم، وكل هذا تمخضت عنه حركة هائلة في توثيق الحديث، وخاض غمارها الأحناف والشافعي وأصحاب مالك رضوان الله عليهم أجمعين. وقام الإمام الشافعي في وجه من ينكرون حجية السنة؛ لأنها غير موثقة، حتى يتاح للفقهاء أن يعملوا بها دون منازع. ١١٥- وسنرى من خلال بحثنا ملامح هذا التوثيق، وسماته، ونتائجه المباركة في إرساء الأسس التي حررت السنة، وأبعدت عنها الدخيل والموضوع والمحرف، وأبقت بعضها بعد أن رفضه بعضهم، وهذا أيضًا من أوجه التوثيق. ١١٥- ٥- لم تدون السنة في القرن الأول تدوينًا شاملًا وفي مصنفات وإنما كانت في صحائف، أما الآن، وفي القرن الثاني، فقد بدئ في هذا التصنيف، فقد أمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بجمعها، وكتب إلى الآفاق أن: "انظروا إلى حديث رسول الله، ﷺ ، فاجموه". وفي كتابه إلى أهل المدينة ما بيّن سبب إقدامه على هذه الخطوة، وهو خوفه من دروس العلم وذهاب العلماء. ١١٦- وامتثل العلماء لهذا الأمر، وجدوا في جمع السنن، ومن أوائل من قاموا بذلك الإمام ابن شهاب الزهري "١٢٤هـ" الذي أمره الخليفة عمر بذلك. ووجد في كل مدينة من يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السنة. وكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف، وفتاوى الصحابة والتابعين وأظهر مثل لذلك موطأ الإمام مالك الذي نرى فيه الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين. وعمل أهل المدينة ورأي مالك نفسه٤.

стр. 63

١١٧- ثم خطا التأليف خطوة أخرى على أيدي أئمة عاشوا في القرن الثاني، وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء الأئمة جمع الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضع واحد، فألفت المسانيد ومنها مسند أبي داود الطيالسي "٢٠٤هـ"، ومسند أحمد بن حنبل "١٦٤ - ٢٤١هـ" ... وهؤلاء لم يميزوا الحديث الصحيح من الضعيف، وإنما جمعوا هذا وذاك في مسانيدهم١. ١١٨- وتبع التصنيف في السنة أو تعاصر معه التألأيف في الرواة ناقلي الأحاديث من حيث بيان من روى عنهم، ومن رووا عنه، وتاريخ وفاة كل منهم وولادته، وبيان موطن كل منهم، ومعرفة أسمائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وبيان العدول منهم والمجرمين٢. ١١٩- ومع التصنيف في السنة والتأليف في الرواة ألف أهل هذا القرن في علل الحديث، أي في كشف الصحيح منها من غيره ببيان ما في بعضها من خلل خفي في المتن أو في الإسناد٣. ١٢٠- وإزاء كل هذا كان لا بد من وضع الضوابط والأسس التي تصون مسار السنة وتجعل انتقالها صحيحًا في أيدي الرواة، وكان هذا على أيدي أئمة عاشوا في هذا القرن. من هم هؤلاء الأئمة ... وهل كانوا قادرين على القيام بهذا العمل؟ الواقع أن هذا هو ما يهمنا معرفته؛ كي ندرك مدى توفيقهم في هذا المهمة، وكي نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تجيز بعض الأحاديث ولا تجيز بعضها الآخر. الموثقون في القرن الثاني: ١٢٠- والحق أن هذا القرن كان غنيًّا بالموثقين للحديث، وأشهرهم من الفقاء والمحدثين الأئمة الأربعة، مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد

стр. 64

ابن حنبل ومعهم سفيان الثوري، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج وصاحبا أبي حنيفة: محمد وأبو يوسف ... وغير هؤلاء. ١٢١- ويضيق بنا المقام إن استعرضنا حياة كل واحد من هؤلاء؛ ففي كل منهم ألفت المجلدات، وما وفت بحقوقهم ... وما يمكننا هنا ويفيدنا أن نسلك ما سلكه ابن أبي حاتم الرازي، فنقدمهم بصفاتهم التي أهلتهم لهذه المهمة، مهمة الحديث ونقده، وهو سيساعدنا بجزء كبير في هذا المجال١. ١٢٢- ومن هذه الصفات التي أهلتهم للتوثيق وجعلتهم جديرين به ويطمأن إلى أحكامهم فيه: ١- معرفتهم بمادة التوثيق، وهي الأحاديث، فحفظوا الكثير منها، وربما حفظ بعضهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة كي يبينها للناس ليتجنبوها. وقد قدم لنا ابن أبي حاتم، وجود هذه الصفة في الكثيرين منهم، وأثبت المعرفة الواسعة بالأحاديث لمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ووكيع ابن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني٢. ١٢٣- وللخلاف بين المحدثين ومدرسة أبي حنيفة لم يذكر أحدًا منهم، وقد اتهم أبو حنيفة من جانب بعض المحدثين بقلة بضاعته للحديث، لكن الحقيقة أنه كان من العارفين بالحديث٣، ولكن مقاييسه المتشددة، وتركه

стр. 65

بعض الأحاديث تبعًا لها هو ما أثار هؤلاء الخصوم عليه، وسنعرف الكثير من هذه المقاييس أثناء بحثنا هذا إن شاء الله تعالى، يقول ابن خلدون: "وقد يقول بعض المتعصبين المتعسفين: إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، ولهذا قلت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة ... والإمام أبوحنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل ... ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه واعتباره ردًّا وقبولًا١". ١٢٤- ولا تقل معرفة أبي يوسف ومحمد عن معرفة غيرهم من الفقهاء أو المحدثين، نلمس ذلك عند أبي يوسف في كتابه الخراج، فليس فيه صحيفة إلا فيها حديث، هذا مع ملاحظة كبر حجم الكتاب، وكونه في موضوع واحد٢. كما نلمس معرفة محمد الواسعة بالحديث في مؤلفاته: الآثار، والموطأ، والأصل، والحجة، والسير الصغير والكبير، والاكتساب ولا غرو فقد طلب الحديث منذ صغره، و"أخذ عن أعلام المحدثين في عصره، ورحل من العراق في سبيله أكثر من مرة٣". ١٢٥- ٢- ويتحلى موثقو الحديث هؤلاء بأنهم من الفقهاء بالسنن والآثار، ولسنا في حاجة إلى إثبات ذلك عند الأئمة الأربعة، وقد أثبت ذلك لغيرهم ابن أبي حاتم فذكر علم الأوزاعي وفقهه، وكذلك وكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بنمهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل٤. ١٢٦- ٣- معرفة هؤلاء الأئمة الواسعة برواة الآثار. معرفة تمكنهم من الحكم عليهم ومعرفة العدول منهم والمجرحين.

стр. 66

وقد كان للأئمة الأربعة وغيرهم هذه الصفة التي أهلتهم لأن يأخذوا بأحاديث ويحكموا بصحتها، ويتركوا أحاديث أخرى، لأن رواتها ليسوا على درجة من العدالة، أو الضبط١. ١٢٧- ٤- وجود الصلاح والتقوى والورع والزهد فيهم وطهارة الخلق وسخاء النفس. وهذا يجعلنا نطمئن إلى أحكامهم في توثيق الأحاديث، وأنهم لا يبتغون بهاعرضًا من أعراض الدنيا وقد زهدوا فيها، ولا تصدر عن إحن شخصية وقد برأهم الله منها٢. ١٢٨- ٥- كانوا أصحاب عقل سديد، ومنطق حسن وبراعة في الفهم٣، وهذا أعانهم على اكتشاف العلل الموغلة في الخفاء من الأحاديث. ١٢٩- ٦- وكانت فيهم جرأة في الحق لا يخافون في الله لومة لائم ولا يبتغون جاهًا عند سلطان أو يرهبونه، فلا تصدر عنهم الأحكام رغبة في هواه أو يخفونها خوفًا من بطشه. وقد ذكر ابن أبي حاتم مواقف مشهورة لكثير منهم، وقفوا فيها مع الحق، حتى ولو أغضب ذلك حاكمًا أو خالف ما يدعو إليه٤. وقد بلغ الأمر بأبي حنيفة أنه عد من يغشى السلطان طائعًا غير جدير بقبول روايته والسبب في ذلك كما يقول: "أما إني لا أقول إنهم يكذبون، أو يأمرونهم بما لا ينبغي، ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة

стр. 67

بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين١"، "من يغشون السلطان والشيعة". ١٣٠- هذه هي أهم الصفات التي تحلى بها موثقو الأحاديث، وهي صفات كما نرى تؤهل هؤلاء حقًّا إلى أن يوفقوا إلى الصواب فيما تصدوا إليه من تصحيح الأحاديث، أو تضعيف ما لم يصح منها. وهذا يجعلنا نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تميز الصحيح من غيره. والآن ... وبعون من الله وتوفيقه وهدايته - مع أسس توثيقهم للسنة واتجاهاتهم في هذا التوثيق ...

стр. 68

القسم الأول: توثيق سند الحديث الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد مدخل ... القسم الأول: توثيق سند الحديث الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد ١٣١- في القرن الثاني الهجري سار توثيق السنة في طريقين يكمل أحدهما الآخر حفاظًا على سنة رسول الله ﷺ . أحدهما: وضع المقاييس والأسس التي تكفل للسنة أن تنقل نقلًا صحيحًا دون تبديل أو تغيير، والتي تصونها من وضع الوضاعين، وتحريف بعض الرواة، وقد بدأ السير في هذا الطريق في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، كما سبق أن رأينا، واستكملت أسسه في القرن الثاني، كما سنرى إن شاء الله تعالى. ثانيهما: إثبات حجية السنة، كمصدر أساسي من مصادر التشريع الإسلامي، وإزالة العوائق التي وضعها الحاقدون على السنة دون تنفيذ ذلك؛ وقد بدأ هذا عندما ادعت طوائف أن سنة رسول الله ﷺ ، لم تنقل نقلًا صحيحًا، ولا يمكن لها ذلك، على الرغم من الجهود التي يبذلها القائمون في هذا المجال، وهي بالتالي غير موثقة، وغير صحيحة، وغير جديرة بالقبول، ولا تكون حجة. ١٣٢- وقد بدأ السير في هذا الطريق في القرن الثاني الهجري، وحمل لواءه الإمام الشافعي، ﵁. ١٣٣- وسنبدأ بالطريق الثاني؛ لأنه كالأساس للطريق الأول، فالذين وضعوا أسس توثيق السنة كان يدفعهم إلى ذلك أن العمل بها ضروري، وأن حجيتها ثابتة، وأن نقل معظمها عن طريق الآحاد من الرواة لا يجعلنا نشك فيها، أو لا نطمئن على ثبوتها، كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي موثوق به، كما فعل بعض الناس فهذا هو الأساس الذي تتلوه عملية التوثيق الأخرى، التي بدأت منذ عصر الصحابة، كما رأينا. وبدأت أولًا لأن القائلين برفض السنة واستحالة نقلها نقلًا صحيحًا عن طريق الرواة لم يظهر أثرهم وخطرهم على السنة إلا في القرن الثاني الهجري، ولهذا انتضى لهم الإمام الشافعي.

стр. 69

١٣٤- والسنة من حيث السند تنقسم إلى قسمين عند الجمهور: ١- قسم نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب؛ لكثرة عددهم، وتباين أمكنتهم ابتداء من أول القرن الثاني، عن قوم مثلهم. إلى أن يتصل برسول الله ﷺ ، فيكون أوله كآخره، وأوسطه كطرفيه، وذلك نحو نقل أعداد الركعات، وأعداد الصلوات، ومقادير الزكاة، ومنه حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١، فقد نقله من الصحابة ﵃ العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم٢. ويسمى هذا القسم بالمتواتر، ويطلق عليه الإمام الشافعي علم العامة أو علم الإحاطة٣. وهذا القسم لا يذكره المحدثون ولا يكاد يوجد في رواياتهم؛ لكونه لا تشمله صناعتهم، كما يعبر ابن الصلاح٤. ٢- وقسم ليس كذلك، وإنما نقله الآحاد من الرواة في أي طبقة من الطبقات الأولى الثلاث، الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين، وبعبارة أخرى قسم ليس بمتواتر، ويسمى هذا القسم "الآحاد"، ويسميه الإمام الشافعي "علم الخاصة"٥.

стр. 70

٣- وهناك قسم آخر عند الأحناف خاصة ويسمونه "المشهور"، وهو ما نقله عن رسول الله ﷺ الآحاد من الصحابة، ثم تواتر في طبقتي التابعين وتابعيهم. فباعتبار الأصل هو من الآحاد، وباعتبار الفرع هو متواتر، ومثاله ما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ ، في سفر، فأهويت لأنزع خفيه. فقال: "دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما. وكقوله ﵇: "لا يرث القاتل"، وقوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها" ١.

стр. 71

حجية المتواتر والدفاع عن هذه الحجية: ١٣٥- والمتواتر موثوق به، لبعد تهمة التواطؤ على الكذب من ناقليه؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، فهو يضاهي السماع من الرسول ﷺ مباشرة، و"لهذا كان موجبًا علم اليقين عند جمهور الفقهاء". ويقول شمس الأئمة السرخسي -مبينًا مقدار الثقة بالمتواتر عند الأحناف والشافعية: "ثم المذهب عند علمائنا أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت بالمعاينة، وأصحاب الشافعي يقولون: الثابت به علم يقين ولكنه مكتسب لا ضروري" ثم حكى قولًا ثالثًا لطائفة قالت: إن المتواتر يفيد علم طمأنينة القلب لا علم اليقين، ومعنى هذا أنه يثبت العلم به مع توهم الغلط أو الكذب، ولكن لرجحان جانب الصدق في نقله تطمئن القلوب إليه١، وكلهم مجمعون -تبعًا لهذا- على حجيته ووجوب العمل به. منكرو حجية المتواتر: ١٣٦- وإذا ان هذا هو رأي عامة المسلمين، فقد خالفهم من يقول: إن الخبر -والمتواتر منه- لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه من الوجوه، لأن الذي تولى نقله المخبرون، ويمكن أن يجتمعوا على اختراعه،

стр. 72

قلوا أو كثروا، ولا يسلم كل واحد منهم من الخطأ والوهم، فكذلك جميعهم١. ١٣٧- وقد حكى الإمام الشافعي، ﵁ قول هذه الطائفة التي ردت الأخبار كلها، ولم تثق فيها، فقد جاء له بعض منها، فقال: إن الله تعالى قد حكى أن في القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء٢، فلا يجوز أن يخصص عامه، أو يقيد مطلقه أو يفسر الأمر فيه؛ مرة بالفرض، ومرة بالإباحة بالأحاديث التي ينقلها الرواة، ولا يبرأ كل واحد منهم من الغلط والنسيان والخطأ في الرواية "أفيجوز أن يفرق بين شيء من أحكام القرآن وظاهره واحد عند من سمعه بخبر من هو كما وصفتم فيه، وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وأنتم تعملون بها، وتمنعون بها٣"، كما يحكي الإمام الشافعي قول بعضهم: "ولا أقبل منها شيئًا إذا كان يمكن فيهم الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله، كما أشهد بكتابه الذي لا يسع أحدًا الشك في حرف منه، أيجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة، وليس بها٤؟! ". وخلاصة هذه الدعوة -كما نرى من هذه النصوص- هو رفض السنن وعدم قبولها، والاكتفاء بكتاب الله . ١٣٧- وقد وجدت بذور هذه الدعوى في عهد رسول الله ﷺ ، فحذر منها حين قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". وحين قال: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه" ٥.

стр. 73

١٣٨- كما وجدت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، فقد أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين ﵁ ذكر الشفاعة، فقال له رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلًا في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟. قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا قال: لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه؟، وأخذناه عن النبي ﷺ ؟ وقال: أوجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ ١، أوجدتم فيه: فطوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين خلف المقام، أوجدتم في القرآن: "لا جلب، ولا جنب ولا شغار في الإسلام"٢؟. أما سمعتم الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣؟!. قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله ﷺ أشياء ليس لكم بها علم٤". ١٣٩- وفي عصر التابعيين وجدنا رجلًا يجابه التابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير، ويقول له: "لا تحدثونا إلا بالقرآن٥".

стр. 74

١٤٠- ولكن الجديد في هذه الدعوى -في القرن الثاني- أن أصحابها، وقد وجدوا الأسس التي وضعها المحدثون، والجهود المضنية التي بذلوها في خدمة السنة وصيانتها من الخطأ والنسيان والوضع، يريدون أن يشككوا في هذه الجهود، حتى لا تقف حجر عثرة أمام أهدافهم، وكأنهم يقولون: مهما فعلتم، فالشك قائم في الأخبار، وهي غير موثقة؛ لأن ناقليها، قلوا أو كثروا - لا يوثق بنقلهم. يقول شمس الأئمة السرخسي مبينًا حجة هؤلاء: "ومن الناس من يقول الخبر لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه، وكيف يقع العلم به، والمخبرون هم الذين تولوا نقله؟ وإنما وقوع العلم بما ليس من صنع البشر، ويتحقق منهم الاجتماع على اختراعه -قلوا أو كثروا- فذلك لا يكون موجبًا للعلم أصلًا١". ومن هنا ضاعفوا من جهودهم في التشكيك في السنة وفي حجيتها. ولكن من هؤلاء؟: ١٤١- لم يفصح الإمام الشافعي عمن يرى هذا الرأي، وإن كان قد أشار إلى أن الذين تفرقوا في تثبيت الخبر من أهل الكلام وممن نسبتهم العامة إلى الفقه٢. ورجح الدكتور مصطفى السباعي، مستنيرًا برأي للشيخ الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" -أن هؤلاء من المعتزلة، واستند في ذلك إلى ما يقوله ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث من أن شيوخ المعتزلة تطاولوا على السنة وعلى الصحابة، وأن الإمام الشافعي ذكر أن موطن هؤلاء المنكرين كان بالبصرة، وأكثر المتكلمين بما فيهم المعتزلة كان بالبصرة٣، كما أن أبا منصور البغدادي ذكر في كتابه "الفرق بين الفرق" أن النظام من المعتزلة

стр. 75

"٢٣٠هـ"، كان يقول بأن الخبر المتواتر، مع خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها -يجوز أن يقع كذبًا١. ١٤٢- ويرى الأستاذ أبو زهرة أن هؤلاء هم "الذين ارتكبوا ذلك الشذوذ العلمي ونابذوا بذلك الجماعة الإسلامية من الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا سواه؛ ليفسدوا أمر المسلمين، وينالوا من الشرع الإسلامي بمثل هذا الكيد الخفي، بعد أن عجزوا عن مغالبته بالحجة الظاهرة؛ إذ قضى عليهم بالأدلة الباهرة وبعض هؤلاء كانوا من الخوارج، ولذلك كان من الخوارج من أنكر حكم الرجم؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم" كما يرى أن هؤلاء قد اتخذوا نحلة الاعتزال سترًا لأهوائهم و"لنزعة العقل واعتماد المعتزلة عليه، ولقد وجدوا في مذهب الاعتزال ستارًا لإخفاء أهوائهم وطي مفاسدهم بالكتمان، حتى تفرخ، وتصل إلى غايتها٢". ١٤٣- ونحن مع الشيخ أبي زهرة في أن هؤلاء كانوا من الزنادقة، وإن لبسوا أثواب الخوارج حينًا وأثواب المعتزلة حينًا آخر ونجل المعتزلة والخوارج الحقيقيين من الوقوع في مثل هذا. ونرى أن هؤلاء من رواسب المذاهب القديمة التي قالت لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها كالسمنية والبراهمة، وهذه كانت موجود قبل الإسلام٣. مناقشة الإمام الشافعي: ١٤٤- وقد انبرى ناصر السنة الإمام الشافعي للدفاع عن السنة وحجيتها ضد هؤلاء، وجادلهم بالعقل والمنطق فقال لهم -على صورة حوار بينه وبين أحدهم:
следующие страницы →