← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حجية المتواتر والدفاع عن هذه الحجية: ١٣٥- والمتواتر موثوق به، لبعد تهمة التواطؤ على الكذب من ناقليه؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، فهو يضاهي السماع من الرسول ﷺ مباشرة، و"لهذا كان موجبًا علم اليقين عند جمهور الفقهاء". ويقول شمس الأئمة السرخسي -مبينًا مقدار الثقة بالمتواتر عند الأحناف والشافعية: "ثم المذهب عند علمائنا أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت بالمعاينة، وأصحاب الشافعي يقولون: الثابت به علم يقين ولكنه مكتسب لا ضروري" ثم حكى قولًا ثالثًا لطائفة قالت: إن المتواتر يفيد علم طمأنينة القلب لا علم اليقين، ومعنى هذا أنه يثبت العلم به مع توهم الغلط أو الكذب، ولكن لرجحان جانب الصدق في نقله تطمئن القلوب إليه١، وكلهم مجمعون -تبعًا لهذا- على حجيته ووجوب العمل به. منكرو حجية المتواتر: ١٣٦- وإذا ان هذا هو رأي عامة المسلمين، فقد خالفهم من يقول: إن الخبر -والمتواتر منه- لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه من الوجوه، لأن الذي تولى نقله المخبرون، ويمكن أن يجتمعوا على اختراعه،

стр. 72

قلوا أو كثروا، ولا يسلم كل واحد منهم من الخطأ والوهم، فكذلك جميعهم١. ١٣٧- وقد حكى الإمام الشافعي، ﵁ قول هذه الطائفة التي ردت الأخبار كلها، ولم تثق فيها، فقد جاء له بعض منها، فقال: إن الله تعالى قد حكى أن في القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء٢، فلا يجوز أن يخصص عامه، أو يقيد مطلقه أو يفسر الأمر فيه؛ مرة بالفرض، ومرة بالإباحة بالأحاديث التي ينقلها الرواة، ولا يبرأ كل واحد منهم من الغلط والنسيان والخطأ في الرواية "أفيجوز أن يفرق بين شيء من أحكام القرآن وظاهره واحد عند من سمعه بخبر من هو كما وصفتم فيه، وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وأنتم تعملون بها، وتمنعون بها٣"، كما يحكي الإمام الشافعي قول بعضهم: "ولا أقبل منها شيئًا إذا كان يمكن فيهم الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله، كما أشهد بكتابه الذي لا يسع أحدًا الشك في حرف منه، أيجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة، وليس بها٤؟! ". وخلاصة هذه الدعوة -كما نرى من هذه النصوص- هو رفض السنن وعدم قبولها، والاكتفاء بكتاب الله . ١٣٧- وقد وجدت بذور هذه الدعوى في عهد رسول الله ﷺ ، فحذر منها حين قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". وحين قال: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه" ٥.

стр. 73

١٣٨- كما وجدت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، فقد أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين ﵁ ذكر الشفاعة، فقال له رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلًا في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟. قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا قال: لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه؟، وأخذناه عن النبي ﷺ ؟ وقال: أوجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ ١، أوجدتم فيه: فطوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين خلف المقام، أوجدتم في القرآن: "لا جلب، ولا جنب ولا شغار في الإسلام"٢؟. أما سمعتم الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣؟!. قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله ﷺ أشياء ليس لكم بها علم٤". ١٣٩- وفي عصر التابعيين وجدنا رجلًا يجابه التابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير، ويقول له: "لا تحدثونا إلا بالقرآن٥".

стр. 74

١٤٠- ولكن الجديد في هذه الدعوى -في القرن الثاني- أن أصحابها، وقد وجدوا الأسس التي وضعها المحدثون، والجهود المضنية التي بذلوها في خدمة السنة وصيانتها من الخطأ والنسيان والوضع، يريدون أن يشككوا في هذه الجهود، حتى لا تقف حجر عثرة أمام أهدافهم، وكأنهم يقولون: مهما فعلتم، فالشك قائم في الأخبار، وهي غير موثقة؛ لأن ناقليها، قلوا أو كثروا - لا يوثق بنقلهم. يقول شمس الأئمة السرخسي مبينًا حجة هؤلاء: "ومن الناس من يقول الخبر لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه، وكيف يقع العلم به، والمخبرون هم الذين تولوا نقله؟ وإنما وقوع العلم بما ليس من صنع البشر، ويتحقق منهم الاجتماع على اختراعه -قلوا أو كثروا- فذلك لا يكون موجبًا للعلم أصلًا١". ومن هنا ضاعفوا من جهودهم في التشكيك في السنة وفي حجيتها. ولكن من هؤلاء؟: ١٤١- لم يفصح الإمام الشافعي عمن يرى هذا الرأي، وإن كان قد أشار إلى أن الذين تفرقوا في تثبيت الخبر من أهل الكلام وممن نسبتهم العامة إلى الفقه٢. ورجح الدكتور مصطفى السباعي، مستنيرًا برأي للشيخ الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" -أن هؤلاء من المعتزلة، واستند في ذلك إلى ما يقوله ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث من أن شيوخ المعتزلة تطاولوا على السنة وعلى الصحابة، وأن الإمام الشافعي ذكر أن موطن هؤلاء المنكرين كان بالبصرة، وأكثر المتكلمين بما فيهم المعتزلة كان بالبصرة٣، كما أن أبا منصور البغدادي ذكر في كتابه "الفرق بين الفرق" أن النظام من المعتزلة

стр. 75

"٢٣٠هـ"، كان يقول بأن الخبر المتواتر، مع خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها -يجوز أن يقع كذبًا١. ١٤٢- ويرى الأستاذ أبو زهرة أن هؤلاء هم "الذين ارتكبوا ذلك الشذوذ العلمي ونابذوا بذلك الجماعة الإسلامية من الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا سواه؛ ليفسدوا أمر المسلمين، وينالوا من الشرع الإسلامي بمثل هذا الكيد الخفي، بعد أن عجزوا عن مغالبته بالحجة الظاهرة؛ إذ قضى عليهم بالأدلة الباهرة وبعض هؤلاء كانوا من الخوارج، ولذلك كان من الخوارج من أنكر حكم الرجم؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم" كما يرى أن هؤلاء قد اتخذوا نحلة الاعتزال سترًا لأهوائهم و"لنزعة العقل واعتماد المعتزلة عليه، ولقد وجدوا في مذهب الاعتزال ستارًا لإخفاء أهوائهم وطي مفاسدهم بالكتمان، حتى تفرخ، وتصل إلى غايتها٢". ١٤٣- ونحن مع الشيخ أبي زهرة في أن هؤلاء كانوا من الزنادقة، وإن لبسوا أثواب الخوارج حينًا وأثواب المعتزلة حينًا آخر ونجل المعتزلة والخوارج الحقيقيين من الوقوع في مثل هذا. ونرى أن هؤلاء من رواسب المذاهب القديمة التي قالت لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها كالسمنية والبراهمة، وهذه كانت موجود قبل الإسلام٣. مناقشة الإمام الشافعي: ١٤٤- وقد انبرى ناصر السنة الإمام الشافعي للدفاع عن السنة وحجيتها ضد هؤلاء، وجادلهم بالعقل والمنطق فقال لهم -على صورة حوار بينه وبين أحدهم:

стр. 76

أولًا: ما دمتم تريدون اتباع القرآن الكريم والاكتفاء به، فإن اتباع السنة وقبولها إنما هو اتباع للقرآن الكريم واكتفاء به، قال : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ١، وقد علمنا أن الكتاب هو كتاب الله، فما الحكمة؟ إنها ليست سوى سنة رسول الله، ﷺ . قال المنكر: إنه من المحتمل أن الرسول ﷺ يعلمهم الكتاب جملة والحكمة خاصة، وهي أحكام الكتاب، فهو لم يخرج عن تعليم الكتاب فردّ عليه الإمام الشافعي: بأنه إذا كان يعني بالحكمة أنها أحكام كتاب الله تعالى وأنها لا تخرج عما بينه رسول الله، ﷺ من جملة الفرائض من الصلاة والزكاة والحج وغيرها، فيكون الله قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه الكريم، وبين كيف هي على لسان نبيه -إذا كان يعني ذلك، وليس غيره كما أقر، فهذه هي السنة التي لا نصل إليها إلا بخبر عن رسول الله، ﷺ . وإذا لم نقبل هذه الأخبار فإننا نكون قد فرطنا في أمور ديننا. ١٤٥- ويضيف الإمام الشافعي بأنه إذا كان من المحتمل أن تكون الحكمة في الآية الكريمة هي كتاب الله، ويحتمل أن تكون شيئًا غيره زائدًا عليه، فإن أظهر الاحتمالين هو الاحتمال الثاني، كما يدل عليه استعمال القرآن الكريم للفظ الحكمة، حيث يراد بها معنى آخر غير كتاب الله ، قال تعالى، في آية أخرى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٢، فأخبر تعالى أنه يتلى في بيوتهن شيئان: القرآن والحكمة، أي ينطق بكل منهما "فهذه أبين في أن الحكمة غير القرآن من الأولى"٣. ثانيًا: لقد افترض الله علينا اتباع نبيه، ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي

стр. 77

أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١، وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢، وقال عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣. ١٤٦- وقد فرض الله علينا اتباع أمره، ﷺ ، فقال جل ذكره: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤، فقد بين في التنزيل أن علينا فرضًا أن نأخذ الذي أمرنا به، وننتهي عما نهانا رسول الله ﷺ عنه. وإذا كان ذلك علينا فرضًا فإنه لا سبيل إلى ذلك بالنسبة لنا -نحن الذين لم نشاهد رسول الله، ﷺ إلا بالخبر عنه٥. ثالثًا: وفي معرفة ناسخ القرآن الكريم ومنسوخه نحتاج إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولا نصل إلى ذلك إلا بنقل الرواة، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٦، وقال في الفرائض: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ٧، "فزعمنا -بالخبر عن رسول الله، ﷺ أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين والأقربين٨،

стр. 78

فلو كنا ممن لا يقبل الخبر، فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض، فهل تجد الحجة عليه إلا الخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم١؟. رابعًا: إن في القرآن عامًّا يراد به الخاص، وبعض ذلك لا يبينه إلا السنة، وعلى هذا فنحن محتاجون إلى إخبار الرواة الذين ينقلونها، وإلا ما فهمنا كتاب الله ، فقد فرض الله تعالى الصلاة، ولكن ذلك ليس على الناس عامة، وإنما الحيض مخرجات بالسنة منه، وفرض الزكاة على الأموال عامة، ونجد بعض الأموال مخرجًا منه بالسنة، وفرض المواريث للآباء والأمهات والولد عامًّا، ولم يورث المسلمون كافرًا من مسلم، ولا عبدًا من حر، ولا قاتلًا ممن قتل، وكل ذلك بالسنة٢. خامسًا: وإذا كان الخبر متواترًا كان أو غير متواتر ليست له صفة الإحاطة التي في القرآن الكريم؛ لأنه أقل درجة منه فإن بعض هؤلاء المنكرين تساءل: هل من حجة في أن نبيح المحرم بإحاطة، وهو نص من القرآن الكريم بغير إحاطة، وهو الخبر عن رسول الله، ﷺ ؟. أجاب الشافعي بنعم، والحجة فيه واضحة، فالقاتل يباح دمه بشهادة شاهدين على أنه قتل، فقد أبيح الدم المحرم بإحاطة، وهو شهادة الشهود الذين يمكن فيهم الكذب أو الخطأ. ١٤٧- ثم يضيف أنه إذا كان قد قبلت شهادة الشاهدين بناء على صدقها في الظاهر -ولا يعلم الغيب إلا الله- فإنه -من باب أولى- يقبل الحديث من الوراة الناقلين له؛ لأن المحدثين يطلبون في الراوي أكثر مما يطلب في الشاهد ويقيمون الدلائل على صدق الرواة وكذبهم وغلطهم بمقارنة

стр. 79

رواياتهم بروايات الحفاظ، وبالكتاب والسنة مما لا يمكن في الشهادات، ولهذا وجدنا من تجوز شهادته ولا تجوز روايته١. هذا مجمل ما رد به الإمام الشافعي على منكري السنة عامة والأخبار المتواترة خاصة. ١٤٨- وهناك نوع آخر من الرد عليهم يعتمد على ما هو مقرر عند عامة العقلاء بحيث لا يستطيع إنسان ما -حتى ولو كان لا يؤمن بالقرآن- أن يشكك أو يجادل فيه. وقد ذكر هذا الرد شمس الأئمة السرخسي الحنفي. ولسنا ندري هل هو منقول عن أئمة المذهب في القرن الثاني الهجري أو لا، ولكننا نذكره هنا استكمالًا لما ذكره الإمام الشافعي، واحتمالًا أن يكون هو ما ردت به مدرسة أبي حنيفة في العصر الذي كانت فيه هذه الفئة المنكرة موجودة تعلن رأيها، حتى انتضى لها الإمام الشافعي، كما ذكرنا. ١٤٩- يقول شمس الأئمة: إن القائل برد الأخبار كلها سفيه، يزعم أنه لا يعرف نفسه، ولا دينه، ولا دنياه، ولا أمه ولا أباه، وهو بمنزلة من ينكر العيان من السوفسطائية، فلا يكون الكلام معه على سبيل الاحتجاج والاستدلال، لأن هذا أقل مما يثبته ويوجبه المتواتر؛ فإن هذا يوجب علمًا ضروريًّا والاستدلال لا يوجب ذلك، وإنما الكلام معه من حيث التقرير عند العقلاء بما لا يشك هو ولا أحد من الناس أنه مكابرة وجحد لما يعلم اضطرارًا، بمنزلة الكلام مع من يزعم أنه لا حقيقة للأشياء المحسوسة، "فنقول: إذا رجع الإنسان إلى نفسه علم أنه مولود اضطرارًا بالخبر، كما علم أن ولده مولود بالمعاينة، وعلم أن أبويه كانا من جنسه بالخبر، كما علم ذلك من ولده بالعيان، وعلم أن السماء والأرض كانتا قبله على هذه الصفة بالخبر، كما يعلم أنهما على هذه الصفة للحال بالعيان، وعلم أن آدم أبو البشر على وجه لا يتمكن فيه شبهة، فمن أنكر شيئًا من هذه الأشياء فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة بمنزلة من أنكر العيان".

стр. 80

١٥٠- وهذا العلم في الحقيقة لا يحصل بفعل المخبرين، وإنما هو من صنع الله حيث خلق الله الناس على طباع مختلفة تبعثهم على الاختلاف والتباين، واتفاقهم بعد ذلك لا بد أن يكون بشيء خارج عن طباعهم، مثل ما ركب الله في عقولهم من الاتفاق على المتواتر من الأخبار، وفي هذا حكمة بالغة، وهي بقاء الأحكام بعد وفاة المرسلين، تنقل إليهم بالتواتر فيعملون بها، ويكونون بمنزلة من سمعوا هذه الأحكام في حياتهم. وقد ختمت النبوة بمحمد ﷺ ، فقد كان مبعوثًا إلى الناس كافة، وقد أمرنا بالرجوع إليه والتيقن بما يخبر به، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١، وهذا الخطاب لكل الناس في عصره، وفي غير عصره، والطريق في الرجوع إليه للأخيرين هو الرجوع إلى ما نقل عنه بالتواتر، وهو كالمسموع في حياته، وقد قامت الدلالة على أنه، ﷺ ، كان لا يتكلم إلا بالحق خصوصًا فيما يرجع إلى بيان الدين، فيثبت منه بالسماع وبالأخبار علم اليقين٢.

стр. 81

حجية خبر الآحاد: ١٥١- وإذا كان الذين ينكرون المتواتر والأخبار عامة قلة قليلة خالفت عامة المسلمين وجماهيرهم، وأنكرت ما هو معلوم ضرورة -فإن خطورتهم من أجل هذا لم تكن كبيرة، ولم تكن مثل خطورة من أنكروا أخبار الآحاد، فهم أكثر منهم عددًا، ولهم حجتهم التي من الممكن أن تنطلي على كثير من الناس لو تركت وشأنها ومن هنا كان جهد الشافعي أكبر من جهده السابق، وناقشهم بشيء من التفصيل وبكثير من الأدلة. وقبل أن نعرض مناقشة الإمام الشافعي هذه فإنه يجدر بنا أن نذكر منزلة خبر الواحد عند عامة المسلمين، وإلى أي مدى هو موثق عندهم حتى يقبلوه ويبنوا عليه أحكام دينهم، كما نذكر حجة من يرفضونه ولا يثقون فيه.

стр. 82

١٥٢- قال الفقهاء وكثير من المحدثين: إن خبر الواحد العدل حجة للعمل به في أمر الدين ولا يثبت به علم اليقين، يقول ابن حزم: وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين: إن خبر الواحد لا يوجب العلم. ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذبًا أو موهومًا فيه وقال سائر من ذكرنا أنه يوجب العمل١. ١٥٣- وقال بعض أهل الحديث يثبت بخبر الواحد علم اليقين، وهو مذهب أحمد بن حنبل٢، وروي هذا عن مالك، رضي الله عنه٣. وقال بعض الناس لا بد فيه من عدد الشهادة ليكون حجة ومنهم من اعتبر أقصى عدد للشهادة وهو أربعة٤. وخبر الواحد عند هؤلاء جميعًا موضع ثقة، فأخذوا به في الحلال والحرام وجعلوه مصدرًا من مصادر التشريع. منكرو خبر الواحد وحجتهم: وقال بعض الناس: إن خبر الواحد لا يكون حجة أصلًا في الدين، فلا يوجب العلم ولا العمل، وينسب هذا الرأي إلى المعتزلة، ابتداء من القرن الثاني الهجري، كما ذكر ابن حزم في "الإحكام"، قال: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي، ﷺ ، يجري على ذلك كل فرقة فيعلمها؛ كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية، حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد "١٤٤هـ"، يتدين بما يروى عن الحسن ويفتي به، هذا أمر لا يجهله من له أقل علم"٥.

стр. 83

١٥٤- وينسب هذا الرأي إلى الشريف المرتضى أيضًا من الشيعة "٤٣٦هـ"، فهو يقول: "لا بد في الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم ولذلك أبطلنا العمل بأخبار الآحاد؛ لأنها لا توجب علمًا ولا عملًا وأوجبنا أن يكون العمل تابعًا للعلم؛ لأن راوي خبر الواحد إذا كان عدلًا فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبًا"١. ١٥٥- وحجة هذا الفريق أن الله قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢، وإذا كان خبر الواحد لا يوجب العلم لم يجز اتباعه، والعمل به بهذا الظاهر. ١٥٦- وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَق﴾ ٣، وخبر الواحد إذا لم يكن راويه معصومًا عن الكذب والغلط لا يكون حقًّا على الإطلاق، ولا يجوز القول بإيجاب العمل به في الدين. وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ ٤، وقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٥، ومعنى الصدق في خبر الواحد غير موجود إلا بطريق الظن. وخبر الواحد محتمل للصدق والكذب، وإذا كان النص الذي هو محتمل للتأويل لا يكون موجبًا للعمل بنفسه، مع أن كل واحد من الاحتمالين فيه يجوز أن يعمل به، فلأن لا يجوز العمل بما هو محتمل للكذب -مثل خبر الواحد- أولى؛ لأن الكذب باطل أصلًا٦. وإن الله هو صاحب الشرع، وهو موصوف بكمال القدرة، فكان قادرًا على إثبات ما شرعه بأوضح دليل، ولا ضرورة له في التجاوز عن الدليل القطعي إلى ما لا يفيد إلا الظن٧.

стр. 84

مناقشة الإمام الشافعي: والآن نعرض لما قاله الإمام الشافعي، ﵁، في توثيق خبر الواحد من حيث حجيته، ووجوب العمل به. ١٥٧- لقد بدأ بإيراد الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ ، التي تدل على أن خبر الواحد أقام به الرسول ﷺ الحجة، وعمل المسلمون به في عهده ﷺ . ١- روى بسنده عن عبد الله بن مسعود، ﵁ أن النبي ﷺ قال: "نضّر اللهُ عبدًا سمع مقالتي، فحفظها، ووعاها، وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم١". ثم قال: "فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها، والامرؤ واحد -دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلال يؤتى وحرام يجتنب، وحد يقام ومال يؤخذ، ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا٢". ٢- وروى بسنده عن أبي رافع أنه قال: قال النبي ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما نهيت عنه أو أمرت به، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٣.

стр. 85

ويقول الشافعي: إن في هذا تثبيت الخبر عن رسول الله، ﷺ ، وأنه لازم للمسلمين أن يعملوا به، حتى وإن كان ما جاء به من الحكم ليس منصوصًا عليه في كتاب الله عز وجل١. ٣- روى بسنده عن عطاء بن يسار "أن رجلًا قبّل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة، أم المؤمنين فأخبرتها؟ فقالت أم سلمة: إن رسول الله، ﷺ يُقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله، يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله عندها. فقال رسول الله: ما بال هذه المرأة؟. فأخبرته أم سلمة. فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها، فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله، يحل الله لرسوله ما شاء. فغضب رسول الله، ثم قال: والله إني لأتقاكم ولأعلمكم بحدوده"٢. ويبين الشافعي وجه استدلاله بهذا الحديث فيقول: إن الرسول ﷺ لما سأل أم سلمة بإخبارها عن فعله، ﷺ ، كان في ذلك دليل على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يسألها ذلك إلا وفي خبرها الحجة على من أخبرته. وهكذا خبر المرأة إن كانت من أهل الصدق عنده٣. ٤- إن أهل قباء حولوا قبلتهم من الشام إلى الكعبة بخبر واحد؛ روى الشافعي بسنده عن ابن عمر قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: إن رسول الله، ﷺ ، قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة٤".

стр. 86

ويبين وجه الاستدلال بهذا الخبر، فيقول: إن أهل قباء من سابقي الأنصار، وأهل فقه، وقد كانوا يستقبلون قبلة فرضها الله عليهم، ولم يكونوا بتاركي هذا الفرض إلا بما تقوم به الحجة ... وكان ذلك بخبر الواحد -كما رأينا في هذا الحديث- ولم ينتظروا أن يسمعوا ذلك من رسول الله، ﷺ ، أو ينقل إليهم هذا الخبر عامة الناس، فيكون متواترًا. كما أن رسول الله، ﷺ ، لم ينكر عليهم ما فعلوا، ولو كان يرى أن خبر الواحد لا تقوم به الحجة"، لقال لهم: إن شاء الله-: "قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم به عليكم حجة، من سماعكم مني، أو خبر عامة، أو أكثر من خبر واحد عني"١. ٥- وامتنع بعض الصحابة من شرب الخمر بعدما أتاهم آت وأخبرهم بتحريمها، فروى الشافعي بسنده عن أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا طلحة، وأبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب شرابًا، من فضيخ وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله، حتى تكسرت٢". ولم يقل أحد من الموجودين نحن على تحليلها؛ حتى نلقى رسول الله، ﷺ ، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وإنما قبلوا خبر الواحد هذا٣. ٦- وأمر رسول الله، ﷺ أنيسًا أن يغدو على امرأة رجل، ذكر أنها زنت، "فإن اعترفت فارجمها"، فاعترفت فرجمها٤. ولو لم تقم الحجة بخبر الواحد ما اكتفى بأن يكلف واحدًا بالقيام بهذا الذي كلف به أنيسًا٥.

стр. 87

٧- وأرسل رسول الله، ﷺ ، علي بن أبي طالب ﵁ في أيام الحج، فجاء الناس بمنى، فبلغهم أن رسول الله، ﷺ يقول لهم: "إن هذه أيام طعام وشراب، فلا يصومن أحد" ١. ووجه الاستدلال أن رسول الله لا يبعث بنهيه واحدًا صادقًا إلا لزم خبره عن النبي، خاصة، وقد كان قادرًا على أن يذهب إلى هؤلاء الناس، فيشافههم، وقد كان قادرًا أيضًا على أن يبعث إليهم عددًا، "فبعث واحدًا يعرفونه بالصدق، وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم٢". وكان هذا أولى بالأجيال التي تأتي بعده، صلى اللهعليه وسلم، ممن لا يمكنهم ما أمكن أصحابه٣. ٨- وفي الحج أيضًا بعث، ﷺ ، رسوله إلى الناس ليقول لهم: إنه يأمرهم أن يقفوا على مشاعرهم؛ لأنهم على إرث من إرث أبيهم إبراهيم عليه السلام٤. ٩- وبعث رسول الله، ﷺ ، أبا بكر أميرًا على الحج في سنة تسع، وحضر الحجاج من أهل البلدان المختلفة، فأقام لهم مناسكهم، "وأخبرهم عن رسول الله، ﷺ ، بما لهم وما عليهم٥".

стр. 88

كما بعث علي بن أبي طالب في تلك السنة إليهم، فقرأ عليهم يوم النحر آيات من سورة "براءة"، ونبذ إلى قوم على سواء، وجعل لهم مددًا، ونهاهم عن أمور١. فكان أبو بكر وعلي معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق، وكان من جهلهما أو أحدهما من الحاج وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما، ولم يكن رسول الله، ﷺ ليبعث واحدًا إلا والحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه - إن شاء الله تعالى٢. ١٠- وقد بعث النبي، ﷺ عماله إلى النواحي يعلمون الناس أمور دينهم، ويأخذون منهم حقوق الله في الأموال٣. ولم يقل من بعثوا إليهم ليس لكم أن تأخذوا منا ما لم نسمع رسلول الله ﷺ يذكر أنه علينا. وهذا لأن رسول الله ﷺ يرى أن الحجة تقوم بمثلهم على من بعثهم إليهم، وعلم هؤلاء ذلك فأطاعوهم٤. ١١- ومثل هذا أمراء السرايا الذين أمّرهم رسول الله، ﷺ على الجيوش، وكلهم حاكم فيما بعثه فيه، "لأن عليهم أن يدعوا من لم تبلغه الدعوة، ويقاتلوا من حل قتاله٥". وقد كان يمكنه، ﷺ ، أن يبعث بدل الواحد اثنين وثلاثة وأربعة وأكثر. وقد بعث، ﷺ اثني عشر رسولًا في وقت واحد إلى اثني عشر ملكًا، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها.

стр. 89

ولم تزل كتب رسول الله، ﷺ تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي على يد رسول صادق، ولم يترك أحد من ولاته أمره، ﷺ ، أو نهيه عندئذ١. ١٢- وقد كانت كتب خلفائه، ﷺ ، مثل كتبه، وعمالها مثل عماله وأجمع المسلمون على ذلك٢. ثم أعقب الإمام الشافعي ذلك بقوله: "ففيما وصفت من سنة رسول الله ثم ما أجمع المسلمون عليه منه - دلالة على فرق بين الشهادة والخبر والحكم٣". وكأنه يرد بذلك على من يقولون: إن خبر الواحد لا يكون حجة إلا إذا اعتبر فيه عدد الشهادة٤. ١٥٨- وبعد أن ساق هذه الأخبار لتثبيت خبر الواحد، وإثبات كونه حجة انتقل إلى لون آخر من الاستدلال، فقال: إن خبر الواحد نعمل به في حياتنا فيما لا يقل عن الأحاديث التي يرويها الآحاد من الرواة، وذلك أننا نرى القاضي يقضي على الرجل للرجل بحكم من الأحكام ... هذا الحكم في حقيقته إنما هو خبر يخبر به القاضي عن بينه تثبت عنده، أو إقرار من الخصم، ثم ينفذ هذا الحكم ... إن هذا في معنى المخبر بحلال وحرام وبعبارة أخرى في معنى راوي السنة أو الأحاديث٥. ١٥٩- ثم يرد الإمام الشافعي على من يقولون: إن من علامة الضعف في خبر الواحد ترك البعض الأئمة له، فيقول:

стр. 90

إن خبر الواحد ثابت على كل حال، حتى لو عمل بغيره أحد الأئمة، أو لم يمض عمل من الأئمة بمثله؛ لأن كل هذا يحدث، حين يجهلون بعض الأخبار، وعندما يصلهم علم بهذه الأخبار؛ فإنهم يتمسكون بها ولا يحيدون عنها. ١٦٠- فعمر ﵁ قاس على خبر من الأخبار حين قضى في دية الأصابع، في الإبهام بخمس عشرة، وفي كل من السبابة والوسطى بعشر وفي التي تلي الخنصر بتسع وفي الخنصر بست، لقد رأى أن النبي ﷺ ، قضى في اليد بخمسين، ففرقها على الأصابع بأقدار مختلفة لأنها مختلفة١. ١٦١- ولكن وجد كتاب عمرو بن حزم، وثبت أنه كتاب رسول الله ﷺ ، وفيه: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" - فصاروا إليه، وترك قول عمر، رضي الله عنه٢. ١٦٢- ويوضح الإمام الشافعي ﵁ أن هنا أكثر من دلالة: ١- قبول خبر الواحد في الوقت الذي ثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا. ٢- أنه لو مضى عمل من أحد الأئمة، ثم وجد خبر عن النبي، ﷺ يخالفه ترك هذا العمل إلى خبر رسول الله، ﷺ .

стр. 91

٣- أن حديث رسول الله ﷺ ، يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده١. ١٦٢- وإذا كان عمر، ﵁، لم يبلغه هذا الخبر، فلم يصر إليه -فإنه في بعض الحالات وصله الخبر بخلاف ما أفتى، فرجع عن فتياه إلى خبر رسول الله، ﷺ ، فعن سعيد بن المسيب: "أن عمر ابن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا". حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله، ﷺ ، كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر٢. ١٦٤- وفي بعض الأوقات يجمع الصحابة ليبحث عندهم عن حديث يقضي به فيما عنده من مشكلات، ولا يبيح لنفسه أن يقضي فيها برأيه عندما يجد حديثًا في موضوعها عن الصحابة، رضوان الله عليه وعليهم ... عن طاوس: "أن عمر قال: أذكِّر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئًا، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جارتين لي -يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله، ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره٣. ١٦٥- وأيضًا لم يكن عمر، ﵁، يأخذ الجزية من المجوس، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف: أن النبي، ﷺ ، أخذها من مجوس هجر، وقال: أشهد لسمعت رسول الله يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٤.

стр. 92

قَبِل عمر ﵁ هذا في الوقت الذي يعرف فيه أن القرآن الكريم يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١ ويأمر بقتال الكافرين حتى يسلموا، فهم عنده من الكافرين، لأنه لا يعرف فيهم شيئًا عن النبي، ﷺ ؛ لكنه أتاه خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، فاتبعه، وترك عمله وفهمه، وذهب إلى خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. ١٦٦- ثم ثنّى الإمام الشافعي بالرد على من يقولون بالعدد في قبول خبر الواحد، وقد يستدلون بطلب عمر راويًا آخر مع رجل أخبره خبرًا عن رسول الله، ﷺ ، فيقول: إن عمر، ﵁ لا يفعل هذا إلا لأحد أسباب ثلاثة: ١- إما للحيطة فقط، وإن كانت الحجة تثبت بخبر الواحد عنده، فخبر الاثنين يزيدها ثبوتًا، وهذا مثل ما نراه عند القاضي، فقد يثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثة، فيقول للمشهود له: زدني شهودًا، وإنما يريد بذلك الحيطة والتأكد والاطمئنان النفسي.. لكنه -لو لم يزده المشهود له لحكم له بالشاهدين؛ لأن الحجة تقوم بهما. ٢- وربما طلب مخبرًا آخر؛ لأنه لا يعرف الأول، فيقف في خبره حتى يأتي مخبر آخر يعرفه: وهذا هو الواجب، فلا يقبل الخبر إلا عن معروف، حتى يمكن الوقوف على الصفات التي يقبل بها خبر الراوي. ٣- ويحتمل أن الذي أخبره ليس بمقبول القول عنده، فيرده، حتى يجد غيره ممن يقبل قوله٣. ١٦٧- وكل الأخبار التي رويت عن عمر ترجع إلى أحد هذه الأسباب:

стр. 93

فعندما أخبره أبو موسى الأشعري عن رسول الله، ﷺ أن الاستئذان ثلاث مرات، ثم يرجع الزائر إذا لم يؤذن له -طلب آخر يخبره بذلك، وقد صرح في بعض الروايات بأن هذا للحيطة، حيث قال: "أما إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله، ﷺ ". ١٦٨- وإذا كانت الرواية التي يصرح فيها عمر بأنه لم يتهم أبا موسى الأشعري، كما روى الشافعي، منقطعة١، فإن المعقول يقويها، لأن عمر في غير هذا الخبر قبل خبر الواحد، ولا يجوز على إمام عاقل أن يقبل خبر الواحد مرة، وهو يعلم أنه تقوم به الحجة، ثم يرد مثله مرة أخرى إلا لسبب آخر مثل زيادة الاحتياط وتعليم الناس ذلك، كما هنا٢. ١٦٩- وفي القرآن الكريم دليل على أن الحجة على الخلق تقوم بالواحد من الرسل، ومع هذا، وزيادة في تأكيد الحجة على القوم الذين أرسل إليهم الرسل -قد يرسل الله أكثر من رسول، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ٣. عقب الإمام فكذبوهما، فعززنا بثالث، فقالوا: إنا إليكم مرسلون٣". عقب الإمام الشافعي على هذا بقوله: "فظاهر الحجج عليهم باثنين، ثم ثالث وكذا أقام الحجة على الأمم بواحد، وليس الزيادة في التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد٤".

стр. 94

١٧٠- وإذا ثبت أن الواحد يقبل خبره، وليس ذلك في الشهادة، مما يرد على الذين يشترطون العدد في الأخبار كالشهادة -فإنما يرد عليهم أيضًا أن المسلمين قبلوا خبر المرأة فيما لا يكتفى فيه بالمرأة في الشهادات، فقد روت الفريعة بنت مالك بن سنان: "أنها جاءت إلى النبي ﷺ ، تسأله أن ترجع إلى أهلها، في بني خدرة١، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له، حتى إذا كان بطرف القدوم٢ لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، قالت: فقال رسول الله، ﷺ : نعم، فانصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني، أو أمر بي، فدعيت له، فقال: كيف قلت؟. فرددت عليه القصة، التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال لي: امكثي في بيتك، حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان عثمان أرسل إلي، فسألني عن ذلك؟. فأخبرته فاتبعه، وقضى به٣. ١٧١- فعثمان ﵁ في إمامته وعلمه، قضى بخبر امرأة بين المهاجرين والأنصار٤. وفعل زيد بن ثابت، ﵁، مثل ما فعل عثمان، ﵁، فقد كان يرى أن النهي عن صدور الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت -عام، حتى سمع ابن عباس، ﵄، يفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فأنكر عليه ذلك، فأحاله ابن عباس إلى صحابية من الأنصار، روت عن النبي ﷺ ما يستند إليه ابن عباس في فتواه، فسألها زيد، فأخبرته، فرجع يقول بما يقول به ابن عباس. وأساس هذا كما نرى رواية امرأة٥.

стр. 95

١٧٢- وفي موقف الصحابة الآخرين ما يبين لنا بجلاء -أنهم قبلوا خبر الواحد، ورجعوا إليه، وعارضوا ما يخالفه، فابن عباس، ﵁ خطأ رجلًا قال: إن موسى، صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل. ورد عليه بخبر أبي بن كعب عن رسول الله، ﷺ ، الذي يقول: إن موسى صاحب الخضر ﵇ هو موسى بني إسرائيل١. وسأل طاوس ابن عباس عن الركعتين بعد العصر؟ فنهاه عنهما. قال طاوس: فقلت له: ما أدعهما!. وهنا بدا لابن عباس أنه يخالف سنة رسول الله، ﷺ ، فتلا له قوله عز ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ ٢. "فرأى ابن عباس الحجة قائمة على طاوس بخبره عن النبي، صلى الله عليه وسلم٣" ... وكان ابن عمر يرى المخابرة جائزة، وينتفع بها، حتى أخبره واحد لا يتهمه أن رسول الله، ﷺ ، نهى عنها فتركها، ولم يستعمل رأيه مع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم٤. ١٧٣- ويلفت الشافعي النظر هنا إلى أن عمل بعض الصحابة بخلاف الخبر لا يضعفه، وبهذا يرد على من اتخذوا هذا مقياسًا لعدم صحة الخبر، ولا يثبتونه عندئذ، فيقول: "وفي هذا ما يبين أن العمل بالشيء بعد النبي، ﷺ ، إذا لم يكن بخبر عن النبي، ﷺ ، لم يوهن الخبر عن النبي عليه السلام٥".

стр. 96

١٧٤- ورأى أبو الدرداء معاوية بن أبي سفيان، ﵁ باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا، وقال معاوية: ما أرى بهذه بأسًا ... فلم يعجب أبا الدرداء أن يرد معاوية خبر رسول الله، وقال: من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله، ويخبرني عن رأيه! لا أساكنك بأرض، "فرأى أبو الدرداء أن الحجة تقوم على معاوية بخبره، ولما لم ير ذلك معاوية فارق أبو الدرداء الأرض الذي هو بها، إعظامًا لأن ترك خبر ثقة عن النبي"١. وفعل مثل هذا أبو سعيد الخدري حين لقي رجلًا، فأخبره عن رسول الله شيئًا، فذكر الرجل ما يخالفه، فقال أبو سعيد: "والله لا أواني وإياك سقف بيت أبدًا". ١٧٥- وإذا تركنا الصحابة إلى التابعين وجدنا الأمر كذلك، يتمسكون بخبر الواحد ويرجعون إليه، وإن خالف رأيًا رأوه أو فتيًا أفتوا بها. فعمر بن عبد العزيز قضى برد عبد ظهر فيه عيب وغلته، فأخبره عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله قضى في مثل هذا أن "الخراج بالضمان٣"، أي لا يرد غلة العبد، لأنها مستحقة بسبب ضمان المشتري له، فرجع عن قضائه الأول إلى خبر الواحد هذا، وقال: "فما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله، فأرد قضاء عمر، وأنفذ سنة رسول الله٤". ١٧٦- وقضى سعد بن إبراهيم على رجل في قضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبره ابن أبي ذئب بخلاف، ما قضى به، فقال سعد

стр. 97

لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبي بخلاف ما قضيت به؟ ... فرأى ربيعة أنه قد مضى حكمه باجتهاد، وأنه لا داعي لأن يرجع فيه، فرد عليه سعد: واعجبًا! !. أنفذ قضاء سعد بن أم سعد، وأراد قضاء رسول الله؟!. بل أرد قضاء سعد بن أم سعد، وأنفذ قضاء رسول الله، فدعا سعد بكتاب القضية، فمزقه، وقضى بالخبر الذي رواه له ابن أبي ذئب١. ١٧٧- وعلى الرغم من أن الإمام الشافعي ﵁ قد أفاض في تثبيت خبر الواحد، وتوثيقه -كما رأينا- فإنه يقول: إن هناك أحاديث أخرى كثيرة تثبت أن خبر الواحد حجة إلا أنه اكتفى بذلك منها٢. وأجمل بعد هذا قبول علماء الأمصار لخبر الواحد، ثم قال: إنه لو جاز لأحد من الناس أن يقول في خبر "الخاصة": أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بسبب أنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحدًا إلا وقد ثبته -لو جاز لأحد ذلك لجاز له ... ولكنه يصوغ القضية صياغة واقعية يقول: "ولكني أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفت من أن ذلك موجودًا٣ على كلهم٤". ١٧٨- وفي نهاية المطاف فرق الإمام الشافعي بين حجية المتواتر، أو خبر العامة وبين حجية خبر الواحد، فقال: إن العذر مقطوع في الواقع فلا يسع أحدًا من المسلمين الشك فيه، كما لا يسعه الشك في القرآن؛ لأن كلاهما نقل على درجة واحدة وهي التواتر، وعلى هذا فالذي يمتنع عن قبوله يستتاب.

стр. 98

١٧٩- أما خبر الآحاد أو خبر الخاصة -كما يعبر الشافعي- فالحجة فيه قائمة، ولازم للمسلمين أن يعملوا به، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول ... ولكنه دون نص كتاب الله وخبر العامة، بحيث لو شك فيه شاك لمنقل له: تب، "وقلنا ليس لك -إن كنت عالمًا- أن تشك، كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم١". ١٨٠- وعلى الرغم من هذه الإفاضة فإننا نلاحظ أن أكثر من أورده -إن لم يكن كله- يعتمد على خبر الواحد الذي ينكره الخصم، ومع هذا فيبدو أن الذين كان يجادلهم الشافعي يعرفون تلك الأخبار، ويسلمون بها، أو كما يقول السرخسي معتذرًا عن إيراد عيسى بن أبان "٢٢٠هـ". لها أيضًا: إنما استدل بها؛ لكونها مشهورة في حيز التواتر٢، ويقول البخاري صاحب كشف الأسرار: إن هذه الأخبار، وإن كانت أخبار آحاد لكنها متواترة من جهة المعنى، كالأخبار الواردة بسخاء حاتم، وشجاعة علي فلا يكون لقائل أن يقول: ما ذكرتموه في إثبات كون خبر الواحد حجة هي أخبار آحاد٣. جهود أخرى: ومن الإنصاف أن نقول: إنه لم يكن الشافعي وحده في ميدان المدافعين عن خبر الواحد، وإنما كان معه في عصره أئمة دافعوا عن السنة ضد هؤلاء المهاجمين لها أو التاركين، ويهمنا أن نشير في هذا الصدد إلى جهود مدرسة الأحناف، فقد ذكر السرخسي أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني ذكر دفاعه في كتاب "الاستحسان"، كما ذكر عيسى بن أبان كثيرًا من الأدلة التي تثبت حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به٤.

стр. 99

١٨١- ويكفينا عن إيراد هذه الأدلة ما ذكره الإمام الشافعي، ولكننا نذكر هنا ما أورده السرخسي من مناقشة عقلية بعيدة عن تلك الآثار -استكمالا لصورة الدفاع، وعرضًا لجانب هام من جوانبه الذي قدمه الأحناف ولا يبعد أن يكون أصوليوهم قد نقلوه عنهم. ١٨٢- لم يهتم السرخسي إذن بإيراد الآثار التي أوردها الشافعي وعيسى ابن أبان؛ أولًا لشهرتها ... وثانيًا لأن الخصوم -كما قلنا- سيقولون: كيف يحتجون على وجوب العمل بخبر الواحد من الأخبار، وهو نفس الخلاف١؟ ولهذا فقد اتجه اتجاهًا آخر هو ما نبينه هنا: ١-قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ٢ الآية الكريمة. وقال جل شأنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه﴾ ٣، ففي هاتين الآيتين نهى كل واحد عن الكتمان، وأمر بالبيان والتبيلغ؛ لأن الحكم في الجمع المضاف إلى جماعة يتناول كل واحد منهم؛ ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين، والخطاب للجماعة فيما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد، وهذا يقتضي من المبلغ القبول والعمل بما جاء به المبلغ أو المخبر. "فكل واحد إنما يخاطب بما في وسعه، ولو لم يكن خبره حجة لما أمر ببيان العلم٤". وإذا كان الفاسق يدخل في هذين النصين، فإنه مخصوص منهما بنص آخر، وهو قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٦ ففيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق٥. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ

стр. 100

وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ، والفرقة اسم للثلاثة فصاعدًا، والطائفة من الفرقة بعضهما، وهو الواحد أو الاثنان، فيثقفه الواحد، ويحذر قومه بالإنذار، ويلزمهم ذلك وهذا لا يكون إلا لأن خبر الواحد حجة. وإذا كان المتقدمون قد اختلفوا في تفسير الطائفة، فقال بعضهم: تطلق على الواحد، وقال بعضهم: تطلق على الاثنين، وقال آخرون: تطلق على العشرة -فإن أحدًا لم يقل إنها تطلق على ما يزيد على العشرة، ومعلوم أن خبر العشرة وإنذارهم يحتمل الكذب، "فعرفنا أنه لا يشترط لوجوب العمل كون المخبر بحيث لا يبقى في خبره تهمة الكذب"، وهو ما يحتج به منكرو خبر الآحاد. ولا يقال: هذا خطاب لجميع الطوائف بالإنذار، وهم يبلغون حد التواتر، فيكون خبرهم مستفيضًا مشتهرًا -لا يقال هذا؛ لأن الجمع المضاف إلى جماعة- كما قلنا: يتناول كل واحد منهم. وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم﴾ ؛ ما يدل على أن ذلك يتحقق بالواحد؛ لأن الرجوع إنما يتحقق لمن كان خارجًا عن القوم، ثم صار قادمًا عليهم وإتيان جميع الطوائف إلى قوم لا يكون رجوعًا إليهم. على أن هذا لو كان شرطًا لبينه الرسول ﷺ لهم، وكلفهم أن يفعلوه ولو فعلوه لاشتهر، ولكن لم ينقل من الآثار ما يدل على ذلك. وأيضًا فلو سلمنا بما تقولون فالذين يتحقق بهم الإنذار على الطوائف كلها لا ينقطع توهم الكذب على خبرهم؛ لاحتمال التواطؤ فيما بينهم، فكان الاستدلال قائمًا. وقد يقال: إن إنذار الطائفة ليس معناه إلزام المبلغين بالقبول؛ بل المقصود أن يشتهر ذلك، وعند الاشتهار تنتفي تهمة الكذب، فتصير حجة عندئذ، وذلك بمنزلة الشاهد الواحد، فإنه مأمور بالشهادة وإن

стр. 101

كان العمل بشهادته لا يجب ما لم ينضم إليه شاهد آخر، وتظهر عدالته بالتزكية. ويرد السرخسي على هذا الاعتراض بأن الشاهد الواحد ليس عليه أداء الشهادة إذا كان وحده -كما يدعي هؤلاء- لأن شهادته لا تنفع المدعي فلو لم يكن خبر الواحد حجة وواجب العمل به هنا لما وجب الإنذار بما سمع، وهذا بخلاف الشاهد إذا كان وحده. وإذا ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار، فإنه يجب القبول منه؛ لأنه في هذا بمنزلة رسول الله ﷺ الذي كان مأمورًا بالإنذار، وكان قوله ملزمًا للسامعين، وقد بين الله في النص حكم القبول والعمل به في قوله : ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي: لكي يحذروا عن الرد والامتناع عن العمل بعد لزوم الحجة إياهم بخبر الواحد١. ٢- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ، وقد بلغ رسول الله ﷺ ، الرسالة بلا خلاف، وهو ﷺ ، لم يأت كل واحد بنفسه فشافهه، ولكنه بلغ قومًا بنفسه وآخرين برسول من رسله وآخرين بكتاب من كتبه ... فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما كان مبلغًا رسالة ربه بهذا الطريق إلى الناس كافة، وعندما فتحت بلدان نائية في عهده ﷺ ، أرسل إلى كل بلد عاملًا عن عماله، ولو لم يكن خبر الواحد حجة في أمور الدين لما اكتفى رسول الله ﷺ بهذا العامل أو ذاك. وكذلك النساء في البيوت على عهده، ﷺ ، إنما كانت تبلغهن أمور الدعوة، وهن مخدرات في بيوتهن بإخبار أزواجهن الذين كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ ، ثم يبلغونهن ويعلمونهن ولو لم يكن خبر الواحد حجة لأمرهن الرسول، صلوات الله وسلامه عليه

стр. 102

بالذهاب دائمًا إليه والسماع منه، ولكن ذلك لم يحدث؛ لأنه لو حدث لاشتهر١. ٣- ونحن نعلم أنه ﵇ كان مأمورًا بأكل الطيب من الطعام قال عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ ٢. وربما كان يُهدى إليه، فقد روي أن سلمان، ﵁ أهدى إليه طبقًا من رطب كما وأن بربرة ﵂ كانت تهدي إليه ﵊ ... كما كان ﷺ يدعى إلى طعام ... وفي هذا دليل على حجية خبر الواحد؛ لأنه لو لم يكن خبر الواحد حجة للعمل به في حق الله تعالى ما اعتمد عليه فيما يأكله ﷺ . ٤- وقد أمر الله القاضي أن يقضي بالشهادة، ومعلوم أن احتمال الكذب يبقى بعد شهادة شاهدين.. وقد قضى رسول الله ﷺ بالشهادات والأيمان مع احتمال هذا الكذب، وأعلن عنه حين قال، ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم أقضي بما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فكأنما أقطع له قطعة من النار" ٣ ... هذا مع أنه كان ممكنًا له أن ينتظر الوحي، فيقضي باليقين ويزيل هذا الاحتمال. ولو ان شرط وجوب العمل باللخبر انتفاء تهمة الكذب عن كل وجه ما وجب على القاضي الحكم بالشهادة مع بقاء هذا الاحتمال؛ إذ النتيجة تكاد تكون واحدة٤. ٥- وقد سمى الله خبر الواحد علمًا، قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ ٥، وإنما قالوا ذلك سماعًا من مخبر أخبرهم به، وقال جل

стр. 103

ذكره: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ١، وإنما قال ذلك باعتبار غالب الرأي، واعتماد نوع من الظاهر، ففي هاتين الآيتين الكريمتين دليل على أن خبر الواحد علم لا ظن، والظن إنما هو خبر الفاسق، ولهذا أمر الله بالتوقف في خبره، حتى لا يصاب قوم بجهالة ... ومن اعتمد خبر العدل في العمل بهذا العلم الذي ليس ظنًّا يكون مصيبًا؛ لأنه عمل بعلم لا بجهالة٢. ٦- إن الذين لا يجوزون العمل بخبر الواحد يفزعون إلى القياس، مع أن الاحتمال من حيث الخطأ أقوى منه في خبر الواحد؛ لأن الأخير لا شبهة فيه، والشبهة إنما تكون في طريق الاتصال به، وفي القياس الشبهة والاحتمال في المعنى المعمول به، والطريق فيهما غالب الرأي، فكان العمل بالقياس دليلًا على جواز العمل بخبر الواحد بالطريق الأولى، ولا يستقيم عقلًا ترك العمل بما هو أقوى، والعمل بما هو دونه. ٧- إن حاجتنا إلى معرفة أحكام الدين وحقوق الله علينا لنعمل بها مثل حاجة من كانوا في زمن الرسول ﷺ ، هؤلاء الذين كانوا في زمن الرسول ﷺ ، هؤلاء الذين كانوا يسمعون منه، ومعلوم أنه بعد طول الزمن بيننا وبين رسولنا الكريم لا يوجد خبر تواتر في كل حكم من أحكام الشرع، فوجب أن يجعل خبر الواحد حجة للعمل به؛ لتحقق الحاجة إليه على هذا النحو. ٨- وإذا كان من حجة الدين لا يجوزون العمل بخبر الواحد أننا لو قبلنا خبره وهو غير معصوم عن الكذب لازدادت درجته على الرسول المعصوم الذي يتنزل عليه الوحي؛ لأن خبر الرسول يكون واجب القبول لاقتران المعجزات به، أما خبر الواحد فيقبل على النحو الذي تقولون به من غير دليل ... - فيرد السرخسي بأن هذا غلط بيّن؛ لأن الرسول في حاجة إلى

стр. 104

المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته، ولم نقل: إن علم اليقين يثبت بخبر الواحد. كما يفيد خبر الرسول بالمعجزات في بادئ أمره١. ٩- إن٢ الإجماع قد انعقد من الأمة على قبول خبر الواحد في المعاملات؛ فإن العقود كلها بنيت على أخبار الآحاد، مع أنه قد يترتب على قبول خبر الواحد في المعاملات ما هو حق الله تعالى، كما في الإخبار بطهارة الماء ونجاسته، والإخبار بأن هذا الشيء أهدى إليك فلان، وأن فلانًا وكلني ببيع هذه الجارية أو بيع هذا الشيء، كما أجمعت على قبول من لا يقع العلم بقوله مع أنها قد تكون في إباحة دم، وإقامة حد واستباحة فرج، وأجمعت على قبول قول المفتي للمستفتي مع أن فتواه هذه مبنية على ما بلغه عن الرسول ﷺ ، بطريق الآحاد، فإذا جاز القبول فيما ذكرنا من أمور الدين والدنيا جاز في سائر المواضع، ومنها أخبار الآحاد عن الرسول صلى الله عليه وسلم٣. ١٨٣- ثم انتقل السرخسي إلى الرد على من يقول بأن خبر الواحد يوجب العلم، كالخبر المتواتر، وقد حكاه ابن الصباغ عن قوم من أهل الحديث، وعزاه أبو الوليد الباجي "٢٤٥ هـ"، إلى الإمام أحمد، وابن خويز منداد إلى مالك، وإن نازعه فيه المازري بعدم وجود نص له فيه٤. ١٨٤- وحجة القائلين بهذا أن النبي ﷺ ، قال لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "ثم أعلمهم أن الله تعالتى فرض عليهم صدقة في أموالهم"، ومراده الإعلام بالإخبار. وإذا لم يكن خبر الواحد موجبًا للعلم عند السامع ما عبر عنه ﷺ بالإعلام.

стр. 105

١٨٥- وأيضًا فإن العمل بخبر الواحد واجب، ولا يجب العمل إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١ ... ولأن الله قال في نبأ الفاسق: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ٢، وضد الجهالة العلم، وضد الفسق العدالة، ففي هذا دلالة على أن العلم لا يقع بخبر الفاسق، وأنه يثبت بخبر العدل. ١٨٦- وقد يثبت بالآحاد من الأخبار العلم فقط مثل عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة -مما يبين أن خبر الواحد يوجب العلم٣. ١٨٧- رد على هؤلاء فقال: إن القائلين بهذا خلطوا بين أمرين: بين سكون النفس وطمأنينة القلب وبين علم اليقين، والذي يحدث في خبر الواحد إنما هو طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ لأنه ما دامت هناك شبهة الكذب واحتماله؛ فلا يوجد اليقين، وطمأنينة القلب هذه نوع من العلم من حيث الظاهر، وهذا هو المراد بقوله ﷺ ، في حديث معاذ: "فأعلمهم"، ويجوز العمل بهذا، كما يجوز العمل بمثله في تحري القبلة عند الاشتباه ... وينتفي هذا العلم بالجهالة؛ لأنه في خبر العدل يترجح جانب الصدق بظهور عدالته، أما في خبر الفاسق فلا يترجح فيه جانب الصدق، والجهالة مثله. ١٨٨- وأما الآثار المروية في عذاب القبر فهي توجب عقد القلب عليها؛ أي: طمأنينتة وسكينته، والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء بالعمل به أو أهم وسمى بعضهم هذا نوعًا من العمل، وعقد القلب هذا غير العلم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ٤، وقال جل شأنه: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ ٥ "فهم تركوا عقد القلب على ثبوته بعد العلم به"، فهذا غير ذاك٦.

стр. 106

١٨٩- ويشير صاحب "كشف الأسرار" إلى أن معرفتنا عذاب القبر ومثله مما أثاروه بدلالات النصوص من كتاب الله وإشاراتها لا بأخبار الآحاد١. ١٩٠- وهناك رأي قريب من هذا الرأي الذي سبقت مناقشته، وهو أن خبر الواحد موجب للعلم ضرورة عند اقترانه ببعض الأسباب، وهذا الرأي يحكى عن النظام من المعتزلة٢، وهو يقول: إنه علم يحدثه الله تعالى في قلب السامع بمنزلة العلم للسامع بخبر التواتر؛ لأن التواتر ليس إلا مجموع الآحاد، ويجوز القول بأن الله يحدثه في قلب بعض السامعين دون بعض. وحجة هذا الرأي أن الواقع يشهد بذلك، ألا ترى أنه لو مر إنسان بباب، فرأى آثار غسل الميت، وسمع عجوزًا تخرج من الدار، وتقول: مات فلان، فإنه يعلم موته ضرورة بهذا الخبر. وهذا قول باطل -كما يقول السرخسي- لأن الثابت بالبضرورة لا يختلف الناس فيه، بمنزلة العلم الذي يحدث بالمعاينة والمشاهدة، وبمنزلة العلم الواقع بخبر التواتر، ولكننا نشاهد أن خبر الواحد يختلف فيه. ١٩١- وعلى هذا الرأي يبطل كثير من أحكام الشرع، ولا يرجع إلى كثير من البينات، والأيمان عند تعارض الدعوى والإنكار، ولا المصير إلى اللعان وعند قذف الزوج زوجته، فإن القرائن من أبين الأسباب، وينبغي أن يكون خبر الزوج موجبًا للعلم ضرورة، فلا يجوز للقاضي أن يصير عند ذلك إلى اللعان، وفي سائر الخصومات ينبغي للقاضي أن ينتظر حتى يحصل له هذا العلم الضروري وبخبر الواحد فيعمل به٣. ١٩٢- وأخيرًا ... هل يشترط للعمل بخبر الواحد عدد الشهادة ولا يكتفي براو واحد، كما لا يكتفي بشاهد واحد؟

стр. 107

رأى ذلك بعض الناس، وحجتهم في ذلك أن الشرع قد اعتبر عددًا في الشهادة لثبوت العلم على وجه يجب العمل به، فعرفنا أن الأقل من هذا العدد لا يثبت علمًا على هذه الحال، ولهذا وجدنا أبا بكر ﵁ حين شهد عنده المغيرة بن شعبة، ﵁ أن النبي ﷺ ، ورث الجدة السدس -قال: ائت بشاهد آخر، فشهد معه محمد بن مسلمة ﵁.. وطلب عمر ﵁ من أبي موسى الأشعري، ﵁ أن يأتي بشاهد آخر عندما روى له خبر الاستئذان، فشهد معه أبو سعيد الخدري ﵁ ... ورفض عمر حديث فاطمة بنت قيس ﵂ قائلًا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ... وروى أبو سنان الأشجعي ﵁ خبرًا في مهر المثل، فقال علي كرم الله وجهه: ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه. فاعتبر عدد الشهادة في كل هذا شرطًا في قبول خبر الواحد كما كانوا يعتبرون العدالة في كل. ١٩٣- ويرد على هؤلاء بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، وهذا النعت لكل مؤمن، ولا يكون كذلك إلا إذا كان يجب العمل بما يأمر به من المعروف، فاشتراط العدد في الأمر والنهي يكون زيادة على ما في كتاب الله ... ويقول السرخسي: إن كل ما رددنا به على المنكرين لحجية خبر الواحد هو رد أيضًا على هؤلاء، وهذا حق؛ لأننا أثبتنا أن خبر الواحد حجة بنقل راو واحد له. ١٩٤- أما الآثار التي ذكروها أدلة على ما يقولون فلا حجة لهم فيها، لأنهم لا يستطيعون أن يثبتوا أنها نقلت إليهم على شرطهم، وهو نقل الاثنين عن الاثنين إلى أن وصلت إليهم. ولا حجة لهم فيها أيضًا إذا سلمنا أنها كذلك، فقد طلب أبو بكر ﵁ شاهدًا آخر من المغيرة، لا لأن ذلك مذهبه، بل لأنه شك في خبره لداع رآه، أو لأنه أخبر أن هذا القضاء من رسول الله ﷺ ، كان بمحضر من الجماعة، فأحب أن يتثبت لذلك ... وكذلك عمر طلب من أبي موسى الأشعري أن يأتي بشاهد آخر، لأنه أخبر بما تعم به البلوى، فكان بنبغي أن يعرفه العام

стр. 108

والخاص، فأحب أن يستوثق من ذلك، ولو لم يأت بشاهد آخر لقبل حديثه؛ لأنه قبل حديث راو واحد، في غير ذلك من الأخبار، قبل حديث الضحاك ابن سفيان ﵁ في توريث المرأة من دية زوجها، وقبل حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ في الطاعون حين رجع من الشام. وقبل حديثه أيضًا في أخذ الجزية من المجوس، ولم يطلب منه شاهدًا آخر. وإنما لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس، لأنه يخالف كتاب الله، في رأيه، فقد نص القرآن الكريم على سكنى المطلقة، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ على حين أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى. ١٩٥- ولم يقبل علي ﵁ حديث أبي سنان لمذهب خاص اتخذه لنفسه من أجل توثيق سنة رسول الله ﷺ ، وهو أنه كان لا يقبل رواية الأعراب، وكان يحلف الراوي إذا روى له حديثًا إلا أبا بكر ﵁، فإنه كان لا يستحلفه، لثقته فيما يرويه عن رسول الله ﷺ . وقد عمل علي بخبر الواحد، ومن هذا قبوله رواية المقداد في حكم المذي. وقد قبل ابن مسعود حديث أبي سنان، هذا الذي رفضه علي، وسر به؛ لأنه لم يكن له مذهب على الذي ذكرناه. ١٩٦- على أن باب الشهادات غير باب الأخبار، ولا يلتقان دائمًا، ففي الشهادات تقوم المرأتان مقام رجل واحد، وفي الأخبار الرجال والنساء سواء. واشتراط العدد في الشهادات توقيفي لمعنى يعلمه الله تعالى، واستأثر بعلمه، والواجب علينا اتباع النص، وإلا فإن تهمة الكذب لا ترتفع بعدد الشهادة١. ١٩٧- وإذا كان المحدثون لا يرون بأسًا برواية الواحد، ولا يشترطون عدد الشهادة فإنهم قد يلتقون على نحو ما مع هؤلاء؛ لأنهم يكرهون الحديث

стр. 109

الذي يرويه واحد عن إمام مشهور من أئمة الحديث، ويسمون هذا الحديث غريبًا، ويسمون راويه منكر الحديث١، يقول ابن حجر: إن ابن حنبل يطلق على من يغرب على أقرانه في الحديث، أي يأتي بالغرائب: إنه منكر الحديث ... وقال الإمام مالك: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس ... وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا -يعني المشهور ... وروي عن الزهري قال: حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك، هكذا حدثنا، قلت: ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني!. قال: لا تقل ذلك، فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن٢ ... وحذر الإمام أبو يوسف من رواية هذا النوع من الحديث؛ لأنه منزلق للخطأ، فيقول: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس٣. ١٩٨- وكان الإمام الشافعي ﵁ يرى أن حديث اثنين أرجح من حديث واحد، وحديث خمسة أولى من حديث واحد٤" ... كما تكون المتابعة من أسباب ترجيح حديث على حديث٥ عنده. ومن أعجب الأمور عند الشافعي -إن صحت نسبة هذا إليه- أنه لا يعترف برواية الواحد من أهل العراق إلا إذا كان هناك لروايته أصل في مكة أو المدينة، يقول فيما يرويه ابن أبي حاتم بسنده: "والله لو صح الإسناد من حديث العراق، غاية ما يكون الصحة، ثم لم أجد له أصلًا عندنا "يعني بالمدينة ومكة" على أي وجه كان: لم أكن أعني بذلك الحديث على أي صحة كان"٦.

стр. 110

١٩٩- ويبدو أنه رجع عن هذا القول -إن صح عنه- لأن ابن أبي حاتم يروي بسنده عنه أيضًا قوله للإمام أحمد بن حنبل: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا، فأعلموني، كوفيًّا كان أو بصريًّا أو شاميًّا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا١.
следующие страницы →