تلك نصيحتي لنفسي أولاً ثم لك يا عبد الله أن تتدارك أخطاءك في حياتك وبالذات مع شريكة حياتك وأم أولادك ثم أبناؤك فبهم فابدأ إن كنت صادقا في استقامتك وعاشرهم بالمعروف كما أمرك الله وإياك إياك والإهمال والانشغال عنهم دون أن تعطيهم حقوقهم فسيسألك الله عنهم فما عساك تقول؟
стр. 251
صفات الزوج المثالي (١)
- يتميز الزوج المثالي بالصدق والصراحة منذ الوهلة الأولى، فلا يخفي على المرأة شيئا عند الخطبة.
- هو تقي - نقي - ورع يخاف الله ويخشاه في السر والعلن، فلا يخاطب زوجه إلا سلاما ولا يعاملها إلا إكراما ولا يطعمها ويكسوها إلا حلالا.
- هو الذي يجعل مقياس اختياره الدين والخلق فنراه يهتم بما في جوهر المرأة قبل مظهرها.
стр. 252
- هو الذي يكون منطقيا في متطلباته فلا يرهق زوجه بالعمل داخل البيت وخارجه، فإذا اتفق معها على العمل خارج البيت عليه أن يساعدها في أعمال المنزل.
- هو الذي يمتلك الحكمة والمقدرة على فض المنازعات ولا يفتش بيديه عن المشكلات المدفونة.
- يهتم بمظهره ونظافته الداخلية والخارجية ويعرف أن هذا واجب ديني عليه وليس هذا أمرا خاصا بالمرأة متعلقا بها.
- يحب النظام فيقسم ساعات يومه بين عمله وزوجه وأولاده، ويسهم في تربية الأولاد والاستذكار لهم، فليست المرأة وحدها المسؤولة عن ذلك.
- لا يكثر السفر من غير زوجه وأولاده بلا داع، فإن اضطره عمل إلى السفر لفترات طويلة أصر على أن يصحب عائلته.
стр. 253
- يساعد زوجه على الاستعداد ليوم الميعاد فيحثها على حضور مجالس الذكر، ويساعدها على ذلك ويذلل لها كل الصعاب.
- يثق في زوجه وفي عفتها وأخلاقها فلا يسيء الظن بها لأتفه الأسباب، ولا يجعل الشك أساس المعاملة.
- يحفظ أسرار الزوجية فلا يتحدث بشيء منها فتنتهبه الأسماع والأقوال.
- يبتعد عن ضرب زوجه أو سبها أو شتمها.
- ينفق على زوجه وأولاده من غير إسراف ولا تقتير.
- يحسن الحديث مع زوجته بأسلوب رقيق مهذب فالكلمة الطيبة لها أثر في النفس، كما يحسن الاستماع إلى حديثها ويقدر رأيها.
стр. 254
أنت يا من حديثه وديدنه التعدد ! (١)
ألا تتقي الله تعالى! وأنت ديدنك استفزاز الزوجة، وتهديدها في كل مناسبة، ومن دون مناسبة! سأتزوج عليك، سأفتح بيتًا آخر!
فتعيش الضعيفة بين الغيرة، والقلق، والاضطراب النفسي، وبين المحافظة على تلك المملكة التي أسستها لك ولأولادك، وأنت لا هم لك إلا أن تشفي غليلك بالعبث بتلك الأعصاب والدموع والقلب الضعيف!
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تستغل طيبة تلك الأسر العفيفة التي تفضل من يظهر عليه سمات الصالحين، أو تستغل فقرها، أو حرصها على الستر والعفاف، فتتقدم وفي نيتك إشباع رغبة، ومتى ما انتهيت
стр. 255
منها، تذكرت الأولى، وما سيحصل لو علمت بما فعلت! فتندم على مراهقتك باصطناع أتفه المشكلات لتفارق تلك المسكينة، فتصبح مطلقة! ولم يمضي على زواجك بها أيامًا، فتنهي بعبثك الطفولي مستقبلها، فلا يُعرف سبب طلاقها المستعجل! ويظن أن بها عيب، وما علموا أن العيب في جرأتك على أعراض المسلمين!
ألا تتقي الله تعالى! وأنت قد أتخذت من تلك الرخص والفتاوى المشبوهة لدعاة - الوجبات السريعة - (افعل ولا حرج!) منهجًا لك، وأصبح التعدد عندك يؤصل بتأصيلاتٍ ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، ولم يفتي بها أحد من أهل الثقة والإيمان، فأصبحت - للأسف - تمارس المتعة، بأسماء سنية شرعية! بل للأسف أصبح بعضهم يصطاف سنويًا في بلدان معروفة لينافس أهل الفساد والإفساد، وليتفاخر عند أقرانه بإنه عدد بأكثر من واحدة من تلك الدولة فترة إجازته الصيفية، وما علم المسكين كم هي جرأته على شرع الله تعالى!؟
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تثير غيرة الأولى في كل مناسبة، أو تتفنن في إهانة كرامتها أمام الثانية، أو تعيير إحداهن لترضي الأخرى، أو
стр. 256
تصطنع تلك المشاكل التافهة مع إحداهن لتحرمها من النفقة، والمبيت، وتهديه للأخرى، وبغطاء شرعي أسميته الهجر!
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تعبث بتلك التوكيلات الشرعية الممنحوة لك من إحداهن لإدارة أموالها وممتلكاتها، فتغتصب تلك الحقوق لتعطيه للأخرى، أو تجبر إحداهن أن تتقبل عيش الأخرى معها في ممتلكاتها، وإذا عارضت هددت بنقل الأموال والممتلكات لحسابك الخاص، فتخيرها بين فقدان الرزق والطلاق معًا، أو أن ترضى بغصبك للحقوق الأمر الواقع!
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تحرم الثانية حقها الشرعي في الأمومة، وأن هذا الحق يحرم عليها النقاش فيه، وإن ناقشتك بذلك، وذكرتك بالله وبحقوقها هددتها بالطلاق! وكأن الزواج الشرعي عندك هو الفراش، وأما الذرية فقد أكتفيت بما عند الأولى، وعلى الثانية أن تترك فطرتها من أجل راحتك النفسية وهدوء بيتك!
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تستر زواجك بها! أو أن تظهر إرتباطها بك شرعًا! وتحرم على نفسك وعليها الحق في المبيت عندها! وكل ذلك
стр. 257
خوفًا من معرفة الأولى وأهلها، فمن كانت هذه شروطه! هل تعتقد - يا من زوجتها له - أنه سيسمح لها بالإنجاب؟ أو أن نيته صادقة بالإستمرار معها، وهو يخشى مواجهة الأولى!
ألا تتقي الله تعالى! وأنت حينما تعدد تسقط حقوق الأولى، فلا نفقة، ولا مبيت، ولا نزهة، ولا سؤال، وهي وحدها من يتحمل مسؤولية بيتك المهمل، وتربية أولادك! وكل ما تريده بعد ذلك طعام الأولى وفراش الثانية.
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تقدم على التعدد، وتعرف بقناعة نفسك أنك ضعيف الشخصية أمام الأولى، فتهرب من نقصك بالزواج من الثانية، فإذا ما عرفت الأولى حقيقة أمرك هددتك بطلب الطلاق، وأخذ الأولاد، فتهرب مرة ثانية منها بتطليق الثاني لترضي الأولى، فماذا أستفدت؟ هل وازنت بين المفاسد والمصالح؟ ماذا سيكون مصير الثانية؟ وقد تخليت عنها لسفاهة فعلك وعقلك، فأصبحت بنظر المجتمع مطلقة بلا سبب! وماذا سيكون موقف الأولى، وقد هربت منها مرتين؟ وماذا ستكون نظرة أولادك لك، وهم يرون قوة شخصيتك؟ ومن
стр. 258
كانت هذه شخصيته، فعلى ولي الثانية أن يطلب منه رضى الأولى - وهذا مستحيل -، أو أن يضع على ظهره مؤخر لا يرحمه، ولا يستطيع الفكاك منه، ليعلم خطورة الإقدام على أمر لا يُحسن التصرف فيه، أو ليس كفؤاً له!
وأنت يا من تزكي من يريد التعدد:
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تزكي هذا وذاك، وتعلم أن هدفه من التعدد زيادة أرصدته بالمصارف من الأموال والأسهم، أو اتخاذه التعدد وسيلة لسداد ديونه المتراكمة، أو لتحسين وضعه الإقتصادي!
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تزكي هذا وذاك، وتعلم أنه ليس بكفىءٍ أن يعيش مع واحدة، فكيف بثانية، وذلك إما لعقوقه، أو ظلمه، أو عدم إنصافه، أبو بخله، أو ضعف شخصيته، أو سرقته واغتصابه أموال وممتلكات الأولى!
стр. 259
ألا تتقي الله تعالى! وأنت تزكي هذا وذاك، وتعلم أنه ممن اتخذ من التعدد، وسلية للعبث بأعراض المسلمين، فتجده يصطنع المشاكل التافهة ليتخلص من هذه وتلك، يتزوج اليوم ويطلق غدًا، وكأن المرأة عنده قطعة أثاث في بيته ومكتبه، أو مركبة في شارعه يبدلها متى ما استحسن مزايا غيرها!
وأنتم يا من مجالسكم حديث التعدد:
ألا تتقون الله تعالى! وأنتم تضيعون تلك الأوقات الثمينة بالتفاخر بكشف أستار البيوت والزوجات في ما بينكم، وبالتباهي بكيفية إيذاء الصابرات، وبالتفنن بتحريض وإفساد إخوانكم على نسائهن! فكم بيتًا آمنًا خربتم وأفسدتم؟ وكم زوجة سعيدة طلقت بسببكم؟ وكم ضاع من الأولاد لتحدياتكم الطفولية؟ وكأن الرجل - عندكم - لا يكتمل إلا بالتعدد! أمن أجل هذا كانت مجالس الرجال!
وفي الختام نقول:
стр. 260
ماذا لو كانت تلك الضعيفة المسكينة أختك، أو ابنتك، أو من محارمك ... هل سترضى لها ذلك؟
стр. 261
تعدد الزوجات بين الظلم والعدل (١)
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ النساء:٣، عندما أباح الله للرجل الزيادة على واحدة قيّد ذلك بالعدل
ومن الناس من يحتاج إلى التعدد فيتزوج اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، والتعدد مشروع، وله حِكمَهُ المتنوعة، وفوائده المتعددة، لكن المصيبة أن يحيف الزوج في معاملته لزوجاته، فلا يلزم العدل ولا يقوم بما أوجب الله عليه، فالرجل راع في أسرته وهو مسؤول عن رعيته، وسياسة الراعي وعدله في رعيته هو الحد الفاصل بين فطنته وحماقته، فإذا ترك الرجل العدل بين زوجاته ثارت المشكلات وثارت الخلافات.
стр. 262
أنواع ظلم الزوج لزوجته
وأنواع الظلم الواقع على الزوجات عديدة وأشكالها متنوعة عند من ابتعد عن نور الهداية، ومنها هجر الرجل إحدى زوجاته لخلاف يسير دون أن يسبق هذا الهجر تحذير، وقد لا يقتصر في هجره على مجرد التأديب والتأنيب، بل يتجه في هجره إلى الإضرار بالزوجة، ثم لو قامت زوجة أخرى من زوجاته بمثل ما قامت به تلك التي هجرها لغض الطرف عنها، ولم يفعل معها ما فعل مع الأولى، فتراه يقسو مع الواحدة ويضعف أمام الأخرى.
وكذلك نرى الظلم في ترك العدل في المبيت، فقد يبيت بعض الأزواج عند بعض الزوجات أكثر مما يبيت عند الأخرى، وقد يمكث الوقت الطويل عند إحداهن ولا يأتي عند الأخرى إلا لماماً، وقد يدعها شهوراً وربما أعواماً وربما علقها دون أن يطلقها، أو يعاشرها بالمعروف.
стр. 263
يجب على الزوج أن يساوي بين زوجاته في المبيت، فإذا بات عند إحدى زوجاته ليلة بات عند غيرها مثلها، فكذلك كان رسول الله ﷺ يقسم بين زوجاته، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ (١) «كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي ثُمَّ قَالَتْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْطَانِيهِ فَقَضِمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي» وقال الحافظ
стр. 264
ابن حجر في شرح الحديث (١) : (الْقَسْم لَهُنَّ يَسْقُط بِإِذْنِهِنَّ فِي ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُنَّ وَهَبْنَ أَيَّامهنَّ تِلْكَ لِلَّتِي هُوَ فِي بَيْتهَا) .
وفي صورة أخرى لظلم الرجل غير العادل نراه يصطحب إحدى زوجاته في أسفاره دون أن يكون لغيرها نصيب، فإذا أراد السفر ورغب أن تصحبه إحدى زوجاته، فلابد أن يرضين كلهن، وإلا فالقرعة بينهن، ومثالنا على ذلك فعل النبي الكريم ﷺ ، فقد قال النبي ﷺ «كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه» (٢) .
وأكثر ما يلاحظ في سلوك الزوج غير العادل هو المبالغة في الاهتمام بالزوجة الجديدة، وربما كان ذلك على مسمع من الأخرى بما يزيد في إغاظتها واشتداد غيرتها، دون أية مراعاة لمشاعرها، وذلك من الخطأ والجهل
стр. 265
وكذلك نرى أن الزوج غير العادل يميل في الهبة لإحدى زوجاته الكثير من أمواله، ويحنو كثيراً على أولاده منها، بينما يهمل الأخرى ويحرمها مما يعطيه لغيرها، وقد يقسو على أولاده منها، إذ لابد من العدل في النفقة والكسوة والعطية وغيرها، فيعدل بينهن من كل جهة وبكل ما استطاع وبكل ما يليق بكل منهن دون تفضيل إحداهن على الأخرى، فإذا وفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك.
ولأجل ذلك كله، ولرفع الضيم عن الزوجة من ظلم الزوج غير العادل شَرط الدين الإسلامي في إباحة التعدد إمكان القدرة على النفقة، والقيام بأعباء الزوجية كاملة، وقيده بقيد، هو ضرورة العدل في المعيشة والمعاشرة، إذ قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ النساء:٣. وبهذا الشرط والقيد تصان الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال، ومن الجور والظلم وتحفظ كرامة المرأة حتى لا تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملحة واحتياط كامل.
стр. 266
العدل مشروط بالاستطاعة والعدل المشروط هنا هو العدل المادي في المعاشرة والمعاملة والنفقة وفي كل ما يمكن تحقيق العدل فيه، ويدخل تحت طاقة الإنسان وإرادته بحيث لا تبخس زوجة حقها ولا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء.
أما فيما يتعلق بالمشاعر والقلوب وأحاسيس النفوس فذلك خارج عن إرادة الإنسان واستطاعته، ولا يطالبه بالعدل فيه أحد، وإلى هذا المعنى جاءت الإشارة في قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ النساء:١٢٩، ومع أن نبي الإسلام ﷺ كان يعدل بين نسائه كأرفع ما يكون وأنبل ما يكون، إلا أنه مع ذلك كان يحب السيدة عائشة ﵂ أكثر منهن، فرسول الله ﷺ عدل بينهن في كل شيء، أما المحبة القلبية والميل النفسي فهذا من الله، ولا يملك فيهما شيئاً.
стр. 267
والعدل الذي نفيت استطاعته في هذه الآية هو العدل المعنوي المتمثل في المحبة والميل النفسي، لذلك يقول سبحانه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ النساء:١٢٩، وبهذا قرن الشرع العدل في الآية الكريمة بقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي أنكم إذا لم تستطيعوا تحقيق العدل بالمحبة والميل النفسي فلا تتركوا من تكون في درجة أقل من هذه المحبة كالمعلقة، بل اعدلوا بينهن في كل شيء، وحاولوا قدر الاستطاعة في المحبة أيضاَ. والرسول الكريم ﷺ بين أن الرجل إذا مال لإحدى زوجتيه أثم، وعوقب في الدار الآخرة، حيث قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (١) ، والزوج الذي يعرف واجباته الدينية تجاه زوجاته، على وعي تام بأهمية العدل بينهن، وإذا كان العدل بين الزوجات قد فرض على الزوج كأمر واجب القيام به فما ذلك إلا لأن
стр. 268
المسؤولية والتبعة يتحملها الرجل، الذي هو راع في بيته، والمسؤول عن رعيته، كما أنه قد افترض فيه أنه أبعد نظراً وأوسع أفقاً، والزوج العاقل هو الذي يقوم بالعدل بين زوجاته، ويحاول دائماً التوفيق، حتى يتهيأ لأفراد الأسرة أجواء الأمان والحماية والاستقرار والمودة، وليكونوا أعضاء أسوياء داخل المجتمع.
стр. 269
حكم من أنكر جواز تعدد الزوجات (١)
سؤال: بعض النساء يفضلن العادات الاجتماعية في أوروبا أو في الغرب عموماً، أو في البلاد غير الإسلامية، ويقلن في ذلك: إن تعدد الزوجة ممنوع، وهنا مثلاً في الحكم الشرعي يباح تعدد الزوجة، فما الحكم في إلصاق هذه التهمة في الإسلام؟
الجواب: من كره تعدد الزوجات وزعم أن عدم التعدد هو أفضل هو كافر ومرتد عن الإسلام، لأنه -نعوذ بالله- منكر لحكم الله وكاره لما شرع الله؛ والله يقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ محمد:٩، من كره ما أنزل الله حبط عمله؛ فالذي يكره تعدد الزوجات ويرى أن الشريعة قد ظلمت؛ أو أن حكم الله في هذا
стр. 270
ناقص أو مو طيب، أو أن ما يفعلونه في بلاد النصارى من الوحدة أن هذا أولى وأفضل، هذا كله ردة على الإسلام -نعوذ بالله- كالذي يقول إن فرض الصلاة ما هو مناسب؛ لو ترك الناس بدون صلاة كان أحسن أو بدون صيام أحسن، أو بدون زكاة يكون أحسن؛ من قال هذا فهو كافر؛ من قال أن عدم الصلاة أولى أو عدم الصيام أولى أو عدم الزكاة أولى، أو عدم الحج أولى كان كافراً؛ وهكذا لو قال: لا بأس أن يحكم بغير الشريعة، يجوز، ولو قال حكم الشريعة أفضل، لكن إذا قال إن الحكم بغير ما أنزل الله جائز أو إنه حسن، كل هذا ردة عن الإسلام نعوذ بال؛ فالحاصل أن من كره ما أنزل الله وما شرعه الله فهو مرتد؛ وهكذا من أحب أو رضي بما حرم الله وقال إنه طيب وأنه مناسب كالزنا والسرقة يكون كافراً أيضاً، نسأل الله العافية.
стр. 271
حث العقلاء على التحلي بمكارم الأخلاق (١)
اعلموا - بارك الله فيكم - أن مكارم الأخلاق صفة الأنبياء والصديقين والصالحين، وأن الأخلاق السيئة هي الممحقات المهلكات التي تردي بصاحبها إلى أسفل الدرجات؛ لذلك بعث الله نبينا محمد ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق وصالحها، فقال ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (٢)
وقد ندب رسول الله ﷺ أمته إلى حسن الخلق، وأخبر أن الأخلاق الحسنة هي من تمام إيمان العبد وكماله، فقال عليه
стр. 272
الصلاة والسلام «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» (١) ، فلن يكمل إيمان العبد حتى يحسن خلقه.
فإن أراد العبد أن يصل إلى هذه الدرجة العالية وهي كمال الإيمان، فعليه أن يجتهد ويصرف همته في اكتساب كل خلق كريم، وأن يبعد عن كل خلق سيء مكروه؛ وعليه في ذلك أن يقتدي برسول الله ﷺ فلقد كان من أحسن الناس خلقاً، وأتقاهم لله وأعلمهم به.
فقد منَّ الله على عبده ورسوله ﷺ بتوفيقه إلى مكارم الأخلاق فقال تعالى مثنيا عليه مظهراً نعمته لديه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم:٤؛ وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين عائشة ﵂ لمن سألها عنه وهو سعد بن هشام قال: «يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ أَلَسْتَ
стр. 273
تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ بَلَى قَالَتْ فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ» . (١)
(وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، والآيات الحاثات على كل خلق جميل فكان له منها، أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا. فكان سهلا لينا، قريبا من الناس، مجيبا لدعوة من دعاه، قاضيا لحاجة من استقضاه، جابرا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبا. وإذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسا، إلا أتم عشرة وأحسنها. فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي
стр. 274
عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إليه غاية الإحسان ويحتمله غاية الاحتمال) (١) .
فعلينا أن نتأسى برسول الله ﷺ ونلزم مكارم الأخلاق، قال- : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الأحزاب:٢١.
فمن لزم مكارم الأخلاق ومحاسنها، فإنه حريٌّ به أن يفوز ببيت في أعلى الجنة، قال ﷺ : «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» (٢)
- «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ
стр. 275
الْفَمُ وَالْفَرْجُ» (١) ، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقِهِ؛ فتقوى الله توجب له محبة الله تعالى وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته.
وإذا كان حسن الخلق يدخل صاحبه الجنة، فإنه أيضا يرفع منزلة العبد إلى درجة الصائم القائم، يقول النبي ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٢)
فيا ترى ما هو السر في وصول من كانت أخلاقه حسنة إلى درجة من قائم الليل وصائم النهار؟
فالسر يكمن في أن صاحب الخلق الحسن أعطي هذا الفضل العظيم، لأن الصائم في النهار والمصلي في الليل يجاهدان أنفسهما في مخالفة شهواتهم؛ وأما من يحسن خلقه مع الناس مع اختلاف طبائعهم
стр. 276
وأخلاقهم فكأنه يجاهد نفوساً كثيرة، فأدرك ما أدركه الصائم القائم، فاستويا في الدرجة.
وحريٌّ به أيضا أن يكون من أحب عباد الله إلى الله،: «قَالُوا: فَمَنْ أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ؟، قَالَ ﷺ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» (١)
-ويكون كذلك من أحب الناس وأقربهم مجلساً من النبي- ﷺ -يوم القيامة، قال ﵊: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» (٢)
وحريٌّ به أيضا أن يثقل ميزانه يوم القيامة، قال ﵊: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ» (٣)
стр. 277
وأيضا مكارم الأخلاق تزيد في الأعمار وتعمِّر الديار، قال ﷺ : «صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» (١)
فإذا عرفنا هذا الفضل العظيم والأجر الكبير الذي يناله من كانت أخلاقه حسنة، كان لزاماً علينا تزكية نفوسنا وتهذيب أخلاقنا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ الشمس:٩؛ وإهمال تهذيبها هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ الشمس: ١٠
وقبل أن نذكر كيفية ترويض النفس، وتهذيب أخلاقها، يحسن بنا أن نشير إلى سؤال مهم، وهو:
هل الأخلاق جبلِّية في الإنسان (أي غريزة وطبع فيه) أم أنها مكتسبة (يكتسبها بالتخلق والإقتداء بغيره) ؟
- اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حقيقة الخلق، فذهب بعضهم إلى أنه غريزة، وذهب آخرون بأنه مكتسب.
стр. 278
- والقول الكاشف للغطاء عن ذلك-والله أعلم-: أن من الخلق ما يكون في بعض الناس غريزة وطبعا جبلياً، ومنه ما يكون مكتسب بالتخلق وترويض النفس على محاسن الأخلاق.
- ودليل ذلك: قول النبي- ﷺ لذاك الصحابي وهو-الأشج بن قيس-: «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا قَالَ بَلْ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (١)
- ففي هذا دليل على أن الأخلاق منها ما هو جبلة في الانسان أي أن الله خلقه وفطره عليها.
- قال الحافظ ابن حجر (٢) : فَتَرْدِيده السُّؤَال وَتَقْرِيره عَلَيْهِ يُشْعِر بِأَنَّ فِي الْخُلُق مَا هُوَ جِبِلِيٌّ، وَمَا هُوَ مُكْتَسَب. اهـ
стр. 279
-ومنها ما يكون كسبي يحصل بمجاهدة النفس وتهذيبها على الأخلاق الحسنة.
- ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ» (١)
- ونقل النووي (٢) عن القاضي عياض قوله: (وَالصَّحِيح أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ غَرِيزَة، وَمِنْهُ مَا يُكْتَسَبُ بِالتَّخَلُّقِ وَالِاقْتِدَاء بِغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .اهـ
وحاصل القول أن الأخلاق قابلة للتغيير، فلو كانت لا تقبل التغيير لبطلت المواعظ والوصايا والتأديبات؛ وكيف لا تقبل التغيير ونرى خلق البهيمة يمكن تغييره، فالوحوش تستأنس، والفرس تروّض وتنقاد، وكلب الصيد يعلَّم، وكل ذلك تغيير للأخلاق؛ إلا أن بعض
стр. 280
النفوس سريعة الانقياد للصلاح، وبعضها مستصعبة، لأن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها.
بيان الطريقة العملية لإصلاح النفس وتهذيب أخلاقها:
مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها، مثال البدن في علاجه بمحو الأمراض عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه، وقد ذكر بعض العلماء بعض الطرق العملية لتهذيب الأخلاق وإصلاح النفس، اخترت منها طريقة قد لا تستصعبها النفس البشرية ولا تحتاج إلى كبير مجاهدة وعناء، وتكون بتوفيق الله تعالى أيسر من التفتيش عن مساوئ الأخلاق في النفس وإزالتها، وهي طريقة ذكرها ابن قيم الجوزية (١) قال:
стр. 281
(سألت يوماَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة وقطع الآفات والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس وهو- جب القذر- كلما نبشته ظهر وخرج ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه فإنك لن تصل إلى قراره وكلما نبشت شيئا ظهر غيره، فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ فقال لي: مثال آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السفر قط، ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك. فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدا وأثنى على قائله) اهـ
وعليه فكل من أراد تهذيب نفسه واكتساب الأخلاق الحسنة، فلا يشتغل بالبحث عن الأخلاق المذمومة الموجودة فيه، لأنه كلما بحث عن
стр. 282
خلق ذميم، ظهر له آخر، وهذا المسلك صعب على النفس وربما لا يوصله إلى الثمرة المرجوة؛ والطريق الأسلم هو أنه كلما عرض عليه خلق ذميم في حياته اليومية يجاهد نفسه في التخلّص منه في حينه، و «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي اللَّهِ » (١) كما قال ﵊
-مثال ذلك: لو أن مسلم رأى أن الله- منَّ على أخيه المسلم بالبيت الواسع والمركب الهنيء، فعرض له في نفسه الحسد، فتمني زوالها عنه فذلك حرام وهو الحسد المذموم؛ فهنا مباشرة يجاهد نفسه بإزالته في حينه كما أشار ابن القيم عند سرده للجواب (فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك) ، فإن أزاله حمد الله على توفيقه لتزكية نفسه؛ وهكذا كلما عرض له خلق ذميم
стр. 283
تنبيه
وأشير إلى أنه لا بد لتهذيب أخلاقنا وتحسينها، من الرجوع في ذلك إلى الشرع؛ " لأن تزكية النفوس مسلَّم إلى الرسل وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها وجعلها على أيديهم دعوة وتعليماً وبياناً وإرشاداً، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ الجمعة:٢
-وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: ١٥١
стр. 284
وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرسل، فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؛ فالرسل هم أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكية النفس وإصلاحها إلا من طريقهم وعلى أيديهم وبمحض الانقياد والتسليم لهم والله المستعان. (١)
فمن التزم طريق الرسل ﵈ في تزكية نفسه وإصلاحها، فإن أخلاقه ستكون موزونة بميزان الشرع
طريقة اكتساب الأخلاق المحمودة
стр. 285
اكتساب هذه الأخلاق المحمودة بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب. فمن أراد مثلاً أن يحصل لنفسه خلق الجود-الكرم- فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد الكريم وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفاً مجاهداً نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعاً ويتيسر عليه فيصير به جواداً، وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقاً له وطبعاً فيتيسّر عليه. وجميع الأخلاق المحمودة شرعاً تحصل بهذا الطريق، وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذاً فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال الذي يبذله دون الذي يبذله عن كراهة، والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع، ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس، ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة وما لم تترك جميعا الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى