← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22876

رفقا بالقوارير - نصائح للأزواج

أمة الله بنت عبد المطلب

Полный текст (503 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عِزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ للهِ إلا رفعَه» (١) ، فهذِه هي العِزَّة يا باغيَ العزة، وهذه هي الرِّفعة يا من تنشُدُها. إنها رِفعة وعِزّة في الدنيا والآخرة، كيف لا وقد وعد الله المتَّصفِين بها بقولِه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ آل عمران:١٣٣، ١٣٤. والكاظِمونَ الغيظَ ـ عباد الله ـ هم الذين لا يُعْمِلون غضَبَهم في الناس، بل يكفّون عنهم شرَّهم، ويحتسِبون ذلك عند الله ، أمّا العافون عن الناس فهم الذين يعفونَ عمَّن ظلمَهم في أنفسهم، فلا يبقَى في أنفِسهم موجِدَة على أحدٍ. ومن كانت هذه سجيَّته فليبشِر بمحبَّةِ الله

стр. 352

له حيث بلَغَ مقامًا من مقاماتِ الإحسان، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ آل عمران:١٣٤. ألا إنَّ مَن أحسن فقد أحبَّه الله، ومن أحبَّه الله غفَر له ورحمه، ﴿إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ﴾ الأعراف:٥٦. العفو شِعار الصالحين الأنقِيَاء ذوِي الحِلم والأناة والنّفس الرضيّة؛ لأنَّ التنازلَ عن الحقِّ نوعُ إيثارٍ للآجلِ على العاجل وبسطٍ لخُلُقٍ نقيٍّ تقيٍّ ينفُذ بقوّةٍ إلى شِغاف قلوب الآخرين، فلا يملِكون أمامه إلا إبداءَ نظرةِ إجلالٍ وإكبار لمن هذه صفتُه وهذا ديدَنُه. إنَّ العفو عن الآخرين ليس بالأمرِ الهيِّن؛ إذ له في النّفسِ ثِقلٌ لا يتِمّ التغلُّب عليه إلاّ بمصارعةِ حبِّ الانتصار والانتقامِ للنفس، ولا يكون ذلك إلا للأقوياءِ الذين استعصَوا على حظوظ النّفس ورغباتها وإن كانت حقًّا لهم يجوزُ لهم إمضاؤُه لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ الشورى:٤١، غيرَ أنَّ التنازل عن

стр. 353

الحقّ وملكةَ النفس عن إنفاذِه لهو دليلٌ على تجاوزِ المألوفِ وخَرق العادات. ومِن هنا يأتي التميُّز والبراز عن العُموم، وهذا هو الشَّديد الممدوحُ «الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» كما في الصحيحَين وغيرهما عن النبي ﷺ (١) ، وقد أخرج الإمام أحمَد في مسنده قولَ النبيِّ ﷺ : «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ ﵎ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» . (٢) إنَّ شريعتَنا الغرّاء يوم حضَّت المسلمِين على التخلُّق بخلقِ العفو والتجاوُز لم تقصِر هذا الحضّ في نطاقٍ ضيق أو دائرة مغلَقَة، بل جعلتِ الأمرَ فيه موسَّعًا ليشمَلَ جوانبَ كثيرةً من شؤونِ التّعامُل العَامّ

стр. 354

والخاصّ، فلقد جاء الحضُّ من الشارع الحكيم للقيادة الكُبرى وأهلِ الولاية العظمى بذلك؛ لأنَّ تمثُّل القيادَةِ بسيما العفوِ والتسامُح أمارةٌ من أمارات القائدِ الناجحِ كما أمرَ الله نبيَّه ﷺ في قولِه: ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ الأعراف:١٩٩، والعفو هنا هو التجاوُز على أحدِ التفسيرَين، وكما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ آل عمران:١٩٥. ولقد تعدَّى الحضُّ أيضًا إلى أبوابِ الدِّماء والقِصاص كما في قولِه تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ المائدة:٥٤، كما تعدى الحضّ أيضًا إلى الزَّوجين في مسألةِ الصداق في الطلاق قبلَ الدخول حيث قال سبحانه: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ البقرة:٢٣٧، بل إنَّ الحضَّ على العفوِ قد تعدَّى

стр. 355

إلى ما يخصّ تبايُع الناس وشراءَهم ومدايناتهم، فقد قال النبي ﷺ : «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ» (١) ، وقال: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ» (٢) . وثمّة تأكيدٌ على عموم الحضِّ على العفوِ في التعاملِ مع الآخرين بسؤالِ الرجل الذي جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ نَعْفُو عَنْ الْخَادِمِ فَصَمَتَ ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَصَمَتَ فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٣)

стр. 356

فإنّ العفو والتجاوز لا يقتضِي الذّلَّةَ والضعف، بل إنه قمَّة الشجاعة والامتنانِ وغلَبَة الهوى، لا سيَّما إذا كان العفوُ عند المقدِرَة على الانتصار، فقد بوَّب البخاريّ ﵀ في صحيحه بابًا عن الانتصارِ من الظالم لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ الشورى:٣٩، وذكَرَ عن إبراهيم النخعيّ قوله: (كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا) (١) ، قال الحسن بنُ علي رضي الله تعالى عنهما: (لو أنَّ رجلاً شتَمني في أذني هذه واعتذر في أُذني الأخرَى لقبِلتُ عذرَه) (٢) ، وقال جعفرُ الصادِق ﵀: (لأن أندمَ على العفوِ عشرين مرّةً أحبُّ إليَّ من أندَم على العقوبة مرة واحدة) (٣) ، وقال

стр. 357

الفضيل بنُ عياض ﵀ (١) : (إِذَا أَتَاكَ رَجُلٌ يَشْكُو إِلَيْكَ رَجُلًا، فَقُلْ: يَا أَخِي، اعْفُ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَفْوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، إِنْ كُنْتَ تُحْسِنُ أَنْ تَنْتَصِرَ وَإِلا فَارْجِعْ إِلَى بَابِ الْعَفْوِ، فَإِنَّهُ بَابٌ وَاسِعٌ، فَإِنَّهُ مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَصَاحِبُ الْعَفْوِ يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ بِاللَّيْلِ، وَصَاحِبُ الِانْتِصَارِ يُقَلِّبُ الْأُمُورَ) . ثم إنَّ بعض الناس قد بلغ من القسوةِ ما لا يمكن معها أن يعفوَ لأحد أو يتجاوَز عنه، لا ترونَ في حياته إلاّ الانتقام والتشفِّي، ليس إلا. ترونَه وترونَ أمثالَه كمثَل سماءٍ إذا تغيَّم لم يُرجَ صَحوُه، وإذا قَدر لا يُنتَظَر عفوه، يغضِبُه الجرمُ الخفيّ، ولا يرضيه العذرُ الجليّ، حتى إنّه ليرَى الذنبَ وهو أضيقُ من ظلِّ الرمح، ويعمَى عن العذرِ وهو أبيَنُ من وضَح النهار. ترونَه ذا أُذنين يسمَع بإحداهما القولَ فيشتطّ ويضطرب،

стр. 358

ويحجبُ عن الأخرَى العذرَ ولو كان له حجّةٌ وبرهان. ومَن هذه حالُه فهو عدوُّ عقلِه، وقد استولى عليه سلطان الهوَى فصرفَه عن الحسنِ بالعفوِ إلى القبيح بالتَّشفِّي، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ » (١) . ألا إنَّ الانتصارَ للنفس من الظلمِ لحقّ، ولكنَّ العفوَ هو الكمالُ والتّقوى، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الشورى:٤٠. إن تحضيضَ الشريعة على العفوِ والتجاوُز لم يكن مقتصِرًا على العفو في الظاهرِ دون الباطن، بل إنَّ التحضيضَ عمَّ الظاهر والباطنَ

стр. 359

معًا، فأطلق على الظاهر لفظَ العفو، وأطلق على الباطنِ لفظ الصَّفح، والعفوُ والصفح بينهما تقارُبٌ في الجملة، إلاَّ أنَّ الصفحَ أبلغ من العفو؛ لأنَّ الصفح تجاوزٌ عن الذنبِ بالكلية واعتباره كأن لم يكن، أمّا العفو فإنّه يقتضي إسقاطَ اللوم الظاهر دونَ الباطن، ولذا أمَر الله نبيَّه ﷺ به في قولِه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ الحجر:٨٥، وهو الذي لا عتاب معه. وقد جاءتِ الآيات متضَافِرةً في ذكرِ الصفح والجمعِ بينه وبين العفو كما في قولِه تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ المائدة:١٣، وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ البقرة:١٠٩، وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ التوبة:٢٢، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًا لَّكُمْ

стр. 360

فَاحْذَرُوَهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ التغابن:١٤. العفو والصّفح هما خلُقُ النبيّ ﷺ ، فأين المشمِّرون المقتَدون؟! أين من يغالِبهم حبُّ الانتصار والانتقام؟! أين هم من خلُق سيِّد المرسَلين؟! سئِلَت عائشة ﵂ عن خلُق رسولِ الله في أهله فقالت: «كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا سَخَّابًا بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يُجْزِئُ بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» (١) والحديث أصله في الصحيحين. ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا

стр. 361

وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ الشورى:٣٦، ٣٧.

стр. 362

الرحمة والرحماء (١) هذه قصة من قصص النبي ﷺ حفظها أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر وأرضاه، وجعل أعالي الفردوس مسكنه ومثواه، حافظ الصحابة، وعالم من علمائهم، حفظ هذه القصة العظيمة التي إذا تأملها المسلم وجد فيها عبرة جليلة كريمة حفظها وأرضاه من رسول الله، أخبر بها صلوات الله وسلامه عليه، والله شهيد مطلع عليها، وكفى بالله شهيدًا، وكفى بالله حسيبًا. حاصل هذه القصة الصحيحة التي ثبتت بأصح الأسانيد عن رسول الله ﷺ (٢) أن امرأة كانت عاصية بعيدة عن

стр. 363

الله خرجت ذات يوم فبينما هي تسير في الطريق إذ رأت ذلك الكلب الذي اكتوى بالظمأ والعطش، رأت كلبًا معذبًا قد أنهكه العطش والظمأ وقد وقف على بئر من الماء لا يدري كيف يشرب، يلهث الثرى من شدة الظمأ والعطش، فلما رأته تلك المرأة العاصية أشفقت عليه ورحمته، فنزلت إلى البئر وملأت خفها من الماء ثم سقت ذلك الكلب وأطفأت ظمأه وعطشه، فنظر الله إلى رحمتها بهذا المخلوق فشكر لها معروفها فغفر ذنوبها. بشربة ماء غفرت ذنوبها، وبشربة ماء سترت عيوبها، وبشربة ماء رضي عنها ربها، إنها الرحمة التي أسكنها الله القلوب، فرج بها الغموم والهموم عن كل مهموم ومنكوب، إنها الرحمة التي يرحم الله بها الرحماء،

стр. 364

ويفتح بها أبواب البركات والخيرات من السماء، بعث بها سيد الأولين والآخرين كما قال في كتاب المبين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٧، هي شعار المسلمين ودثار الأخيار والصالحين وشأن الموفقين المسددين، كم فرج الله بها من هموم، كم أزال الله بها من غموم، إنها الرحمة التي إذا أسكنها الله في قلبك فتح بها أبواب الخير في وجهك، وسددك وألهمك وأرشدك وكنت من المحسنين. الرحمة عباد الله أحوج من يكون إليها أقرب الناس إليك، من هم أحوج الناس إلى رحمتك وشفقتك وإحسانك وبرك؟ أحق الناس برحمتك الوالدان: الأم والأب، ما أحوجهما إلى الرحمة، فارحمهما ولا تعذبهما، وسامحهما ولا تؤاخذهما ولا تُهنهما ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الإسراء: ٢٤، يحتاجان إلى رحمتك خاصة عند المشيب والكبر، إذا خارت قواهما وصار البياض في شعورهما، والتهبت بالأحاسيس مشاعرهما فهما عند ذلك أحوج ما

стр. 365

يكونان إلى عطفك ورحمتك وحلمك، يحتاج الوالدان إلى رحمة الأولاد وهم بين القبور، ينتظران البعث بعد النشور، فما أحوجهما اليوم إلى دعوة صالحة منك، ترفعهما إلى الله ﷻ أن يفسح لهما في قبريهما فقد صارا غرباء سفر لا يُنتظرون، ورهناء ذنوب لا يُفكون ولا يطلقون، فارفع الأكف الصادقة إلى الله أن يرحمهما. أحوج الناس إلى رحمتك أولادك أبناؤك وبناتك، وزوجتك، وإخوانك وأخواتك وسائر الأقربين، أحوج الناس إلى رحمتك الأبناء والبنات، عن أنس وأرضاه قال: «كان أرحم الناس بالعيال والصبيان» (١) ، قبَّل الحسن فقال له رجل: إني لي عشرة من الولد ما قبلت

стр. 366

واحدًا منهم، قال ﷺ : «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» . (١) ولما دعي صلوات الله وسلامه عليه وقد حضر الموت لابنه إبراهيم فاضت عيناه بالدموع، فقيل: ما هذا يا رسول الله؟ قال ﷺ : «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» . (٢) ، الأولاد يحتاجون إلى العطف والإحسان، يحتاجون منك إلى البر والحنان، فارحمهم برحمة الله جلا وعلا. أحوج الناس إلى رحمتك من قلدك الله أمره من العمال والمستضعفين والمستخدمين، قال ﷺ : «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ

стр. 367

فَأَعِينُوهُمْ» (١) ، فأحسنوا إليهم، أحسنوا إلى أمثال هؤلاء من المستضعفين، واجبروا خواطرهم طلبًا لرحمة الله رب العالمين، أحوج الناس إلى رحمتك من قلدك الله أمره من الموظفين والمستخدمين فارحمهم ووسع عليهم، قال ﷺ : «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (٢) ، فمن أراد أن تصيبه دعوة النبي ﷺ فيكون مرحومًا من الله جل وعلا فليوسع على من قلده الله أمره فمن رحمة هؤلاء أن يوسع الإنسان صدره لمن يُسيء منهم ولمن يعتدي عليه من هؤلاء، فالعفو والصفح عن الزلات وستر الخطيئات شأن أهل المكرمات والرحمات. أحوج الناس إلى رحمتك الضعفاء والفقراء، فمن شعائر الإسلام العظيمة إطعام الطعام والإحسان إلى الأرامل والأيتام والتوسيع عليهم

стр. 368

طلبًا لرحمة الله الملك العلام قال ﷺ : «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ» (١) ، الذي يطعم الأرملة ويدخل السرور عليها ويرحم بُعد زوجها عنها حين يكون لها كزوجها إحسانًا وحنانًا كالصائم الذي لا يفطر من صيامه، والقائم الذي لا يفتر من قيامه، فهنيئًا ثم هنيئًا لأمثال هؤلاء الرحماء. أحوج الناس إلى رحمتك الفقراء، فلعل القليل من المال تكفكف به دموعهم وتجبر به كسر قلوبهم، يكفكف الله به نار جنهم عنك يوم القيامة قال ﷺ : «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (٢) ، وفي الصحيح عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها قالت:

стр. 369

«جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ» (١) . الصدقات والإحسان إلى المؤمنين والمؤمنات من أعظم الأمور التي تُفرج بها الغموم والكربات والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. عباد الله: وتعظم حاجة المسلم إذا كان مظلومًا مخذولاً، فعند ذلك يجب عليك نصره، وتجب عليك معونته، ويجب عليك أن تُمدَّ له يد المساعدة لله ﷻ .

стр. 370

عباد الله: وهؤلاء إخوانكم المسلمين وأخواتكم المسلمات يعانون ظلم الكافرين والكافرات، ها هم عباد الله تحت هدير المدافع والرصاص، لا يعلم كيف تمر عليهم الساعات واللحظات إلا الله ﷻ وقع عليهم ذلك في ظلم واضطهاد لم يكن له من مثيل على مرأى ومسمع من الجليل والحقير. عباد الله، ها هم اليوم تسفك لهم الدماء وتقطع لهم الأشلاء والأعضاء ولا يعلم بحالهم إلا الله فاطر الأرض والسماء، وقفوا اليوم ـ عباد الله ـ ينتظرون منكم العون والمساعدة، ينتظرون منكم أن تغيثوهم بعد الله ﷻ ، فأنفقوا ينفق الله عليكم، وما يدريك فلعل هذا القليل من المال تداوي به جرح مسلم أو تفرج به كرب مسلم فيفرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة، وما يدريك فلعل هذا القليل من المال يكفكف الله به دمعة اليتيم ويجبر به الأرملة، فاحتسبوا عباد الله هُبُوا

стр. 371

لنجدة إخوانكم ونصرتهم لله وفي الله، وها هي ـ عباد الله ـ قد يسرت الأسباب لمعونتهم ومساعدتهم فاحتسبوا البذل لوجه الله. عباد الله: ومن صفات الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم أنه أرحم الراحمين يرحم عباده رحمة عامة فيشملهم بها أجمعين ويرحم رحمة خاصة بعباده المؤمنين، يرحم سبحانه عباده فيرحم المعذبين فيزيل عنهم العذاب، والضالين فيهديهم إلى رشدٍ وصوابٍ، يرحم ربك المذنبين فيغفر ذنوبهم ويستر عيوبهم ويقيل عثرات النادمين ويجود بإحسانه على التائبين. ما أحوجنا ـ عباد الله ـ إلى رحمة الله ﷻ بنا، فكم لله علينا من نعمة لا تعد ولا تحصى، ومنن لا تكافأ ولا تجزى، ولكننا إذا نظرنا إلى أعمالنا نشكو إلى الله عظيم تقصيرنا، ما أحوجنا إلى رحمة يغفر بها ذنوبنا ويستر بها عيوبنا، ويفرج عنها بها كروبنا، فأكثروا ـ عباد الله ـ من

стр. 372

سؤال الرحمة فقد كان النبي ﷺ يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي» (١) وكان يسأل الله الرحمة في أكثر من دعاء، وكان يستعيذ برحمة الله من عذابه، نسأل الله من واسع رحمته وأن يشملكم بعظيم حلمه وعفوه.

стр. 373

لا تتجسس..التجسس في الميزان الشرعي (١) إن التجسس عمل وضيع نهى الله عنه لأسباب، منها أنه تتبع للعورات، وفضح لأسرار الناس، ومن تتبع عورة المسلم فضحه الله ولو في جوف بيته.. والتجسس: هو تتبع عورات الناس وهم في خلواتهم، إما بالنظر إليهم وهم لا يشعرون، وإما باستراق السمع وهم لا يعلمون. وإما بالاطلاع على مكتوباتهم ووثائقهم وأسرارهم وما يخفونه عن أعين الناس دون إذن منهم. وقد نهى الإسلام عن التجسس على المسلمين، ما داموا ظاهري الاستقامة غير مجاهرين بمعاصيهم، وكان ما يخفونه من أمورهم من السلوك الشخصي الذي يخصهم ولا يتعلق بكيد للمسلمين. والتجسس مما يولد في المجتمع الأحقاد، ويورث العداوات والبغضاء،

стр. 374

إذ يشعر المتجسس عليه بأنه مشكوك بأمره غير موثوق. وهما يكشفان عورات الناس، ويتسببان بإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. وسوف نلقي الضوء على هذا الموضوع من خلال الآتي: أولاً: التجسس اصطلاحاً: قال ابن الأثير: (التجسس: التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر) . (١) وذُكِرَ في معنى التجسس: (هو أن تتبع عين أخيك فتطلع على سره) (٢) وقيل: (هو أن يتتبع الإنسان أخاه ليطلع على عوراته سواء كان ذلك عن طريق مباشر بأن يذهب هو بنفسه يتجسس، أو كان عن طريق الآلات المستخدمة في حفظ الصوت أو غير ذلك فهو محرم) .

стр. 375

ثانياً: الفرق بين التجسس والتحسس: أكثر العلماء يقولون بوجود الفرق بينهما قال ابن كثير (١) : (التجسس غالباً يطلق في الشر ومنه الجاسوس، وأما التحسس فيكون غالباً في الخير، كما قال إخباراً عن يعقوب أنه قال: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ يوسف:٨٧. وقد يستعمل كل منهما في الشر، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال (٢) : «لَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» ) . وقال القرطبي (٣) : (وَالتَّحَسُّس (بِالْحَاءِ) طَلَب الْأَخْبَار وَالْبَحْث عَنْهَا.

стр. 376

وَقِيلَ: إِنَّ التَّجَسُّس (بِالْجِيمِ) هُوَ الْبَحْث، وَمِنْهُ قِيلَ: رَجُل جَاسُوس إِذَا كَانَ يَبْحَث عَنْ الْأُمُور. وَبِالْحَاءِ: هُوَ مَا أَدْرَكَهُ الْإِنْسَان بِبَعْضِ حَوَاسّه. وَقَوْل ثَانٍ فِي الْفَرْق: أَنَّهُ بِالْحَاءِ تَطَلُّبه لِنَفْسِهِ، وَبِالْجِيمِ أَنْ يَكُون رَسُولًا لِغَيْرِهِ، قَالَهُ ثَعْلَب. وَالْأَوَّل أَعْرَف. جَسَسْت الْأَخْبَار وَتَجَسَّسْتهَا أَيْ تَفَحَّصْت عَنْهَا، وَمِنْهُ الْجَاسُوس) . ثالثاً:- النصوص الشرعية الواردة في ذم التجسس: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ الحجرات:١٢ قال ابن جرير: (قوله: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ يَقُول: وَلَا يَتَتَبَّع بَعْضكُمْ عَوْرَة بَعْض، وَلَا يَبْحَث عَنْ سَرَائِره، لَا عَلَى مَا لَا تَعْلَمُونَهُ مِنْ سَرَائِره.

стр. 377

ثم ذكر أثر ابن عباس: نَهَى اللَّه الْمُؤْمِن أَنْ يَتَتَبَّع عَوْرَات الْمُؤْمِن (١) . عَنْ قَتَادَة: هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّجَسُّس أَوْ التَّجْسِيس؟ هُوَ أَنْ تَتْبَع، أَوْ تَبْتَغِي عَيْب أَخِيك لِتَطَّلِع عَلَى سِرّه (٢)) . ومن الأدلة: قول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ دلت الآية على حرمة أذية المؤمنين والمؤمنات ومن الأذية تتبع عوراتهم والتجسس عليهم.. قال قتادة: إِيَّاكُمْ وَأَذَى الْمُؤْمِن، فَإِنَّ اللَّهَ يَحُوطهُ، وَيَغْضَب لَهُ (٣) . وقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ سورة

стр. 378

التوبة:٤٧. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ : وفيكم محبون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس. (١) وقد وردت أحاديث شريفة تدل على حرمة التجسس، فمنها: أ - عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ (٢) : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا» ب - عن أبي برزة الأسلمي: قال رسول الله ﷺ (٣) : «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ»

стр. 379

ج- وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (١) : «إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُم» . رابعاً: من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذم التجسس: قال عبد الله بن مسعود ﵁ (٢) : «إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنْ التَّجَسُّسِ وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِه» . قال أبو حاتم البستي (٣) : (التجسس من شُعب النفاق، كما أن حسن الظن من شعب الإيمان، والعاقل يحسن الظن بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أن الجاهل يسئ الظن بإخوانه، ولا يفكر في جناياته وأشجانه) .

стр. 380

خامساً: أضرار التجسس: ١- التجسس دليل على ضعف الإيمان وفساد الخلق. ٢- وهو دليل دناءة النفس وخستها. ٣- يوغر الصدور ويورث الفجور. ٤- يؤدي إلى فساد الحياة وكشف العورات. ٥- يستحق صاحبه غضب الله ودخول النار، والعياذ بالله تعالى. فائدة: قال الحافظ ابن حجر (١) (وَيُسْتَثْنَى مِنْ النَّهْي عَنْ التَّجَسُّس مَا لَوْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذ نَفْس مِنْ الْهَلَاك مَثَلًا كَأَنْ يُخْبِر ثِقَة بِأَنَّ فُلَانًا خَلَا بِشَخْصٍ لِيَقْتُلهُ ظُلْمًا، أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيُشْرَع فِي هَذِهِ الصُّورَة التَّجَسُّس وَالْبَحْث عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ فَوَات اِسْتِدْرَاكه، نَقَلَهُ النَّوَوِيّ عَنْ الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة لِلْمَاوَرْدِيِّ وَاسْتَجَادَهُ) .

стр. 381

الأسرة وقواعد السلوك العائلي الأسرة وقواعد السلوك العائلي (١) الأسرة تلك اللبنة التي تشكل أساس المجتمع، وتتكون من أفراد تقوم بينهم علاقات دائمة، تكاد تكون أكثر العلاقات الإنسانية أهمية. لذا كان لابد من قواعد السلوك تحكم هذه العلاقات وتنظمها، حتى تكون على خير ما يرام وتؤتي أكلها، ممثلاً في صبغ الحياة الأسرية بالانسجام والتعاون التامين، والعلاقات الأسرية بين الزوجين من جهة، والآباء والأبناء من جهة ثانية، والأبناء بعضهم ببعض من جهة ثالثة. سلوك الزوج: ١- ليس من العيب -بل إن من الأدب- أن يشارك الزوج في الاعتناء بشؤونه الخاصة كإصلاح الثوب أو نحو ذلك.

стр. 382

٢- من اللائق ألا يقتصر الرجل على خدمة نفسه، فالزوجة تقوم بأعباء المنزل الكثيرة، إذن فمن الأدب أن يمد الزوج يد المساعدة لزوجته في المنزل في حالات الحاجة، كالمرض والولادة وما شابه ذلك. ٣- الزوج المثالي هو من يتعاون مع زوجته بحسن المعاشرة وحسن الخلق، بكل ما في اللفظين من معنى، بل أن أفضل الأزواج معاملة لزوجاتهم هم أفضل الناس في نظر الإسلام، وهذه المعاشرة بالمعروف يجب أن تتسم بها الحياة الزوجية حتى عند الطلاق. ٤- ينبغي الحذر من اتصاف العلاقة بين الزوجين بالجدية القاتلة! فإن اتصاف الحياة العائلية بالصبغة العسكرية يعد سبباً من أسباب الفشل، ونذير سوء. ٥- من لطف الزوج وحسن خلقه تلبية طلبات زوجته إذا لم تكن ممنوعة شرعاً، والإسراف أكلاً وشرباً ولبساً في مقدمة الممنوعات الشرعية. ٦- يجدر بالزوج تخصيص وقت للهو المباح مع زوجته.

стр. 383

٧- العلاقة بين الزوجين يجب أن تكون ذات صبغة خاصة، ولا يمكن أن تكون كذلك، إلا إذا بادر الزوجان إلى تحطيم الحواجز، بينهما، فلا يتحرج الزوج أن يشرب من الكأس التي شربت منها زوجته مثلاً. ٨- ليس هناك إنسان كامل، فقد يرى الزوج في زوجته خصالاً لا تنسجم مع مزاجه وطبيعته، فإن كانت هذه الخصال لا تتعارض مع أصول الشريعة أو طاعة الزوج وحقوقه، فعليه حينئذ ألا يحاول تغيير شخصيتها لتتفق مع مزاجه، وعليه أن يتذكر دائماً أن لكل من الزوجين شخصية تختلف عن شخصية الآخر، وأن يتذكر أيضاً أنه إن كان في زوجته صفات لا تعجبه، فإن فيها صفات أخرى لا بد أن تعجبه. ٩- لا يكن رمضان عائقاً في طريق ملاطفة زوجتك كتقبيلها إذا كنت متمكناً من نفسك، إذ إن الممنوع في نهار رمضان هو الجماع فقط. ١٠- لا تتبع أخطاء زوجتك وتحصيها عليها، فإن كثرة اللوم والعتاب يفسد العلاقة بينكما ويهدد الحياة الزوجية، فتغافل عن يسير زلة زوجتك وأقل عثراتها.

стр. 384

١١- لا تتردد إذا كنت مقتدراً أن تحسن لزوجتك في الكسوة والطعام، وأن تكون كريماً في الإنفاق عليها بحدود إمكانيتك. ١٢- لا تتهاون في وضع حد لارتكاب أي مخالفة شرعية في المنزل أو خارجه ترتكبها الزوجة، وقد يكون هذا هو السبب المهم الموجب لغضبك، فلا تنفعل لأي سبب. ١٣- ما سبق لا يعني أن تتسيب الأمور نتيجة للمرونة، فكلما شعرت أن الأمر قد يتسيب، وازن ذلك بنوع من الجدية والحزم، دون أن تكون فيها غلطة أو قسوة. ١٤- المرأة هي سيدة المنزل المسؤولة عنه، فلا تحاول أن تتدخل في أمور لا تدخل في دائرة اختصاصك ومسؤولياتك كالطعام أو ترتيب المنزل. ١٥- احذر أن تعاقب زوجتك أو تعاتبها على خطأ ارتكبته بحضور الآخرين، ولو كانوا أبناءك، فإن ذلك أمر ينافي اللياقة، ويؤدي إلى إيغار الصدور.

стр. 385

١٦- إذا اضطررت لإنزال عقوبة بزوجتك، فليكن ذلك هو هجرك لها في الفراش، ولا تهجر إلا في البيت وجنب السباب والشتائم والضرب ووصفها بالقبح، فتلك الأمور لا تليق بالزوج الناجح. ١٧- غيرتك على زوجتك أمر محمود يدل على حبك لها، ولكن شريطة إلا تبالغ في هذه الغيرة، فتقلب عندها أمر مذموماً. ١٨- دخول المنزل: لا تفاجئ أهلك بغتة، وادخل عليهم على علم منهم ثم سلم عليهم، واسأل عنهم وعن أحوالهم، ولا تنس أن تذكر الله عند دخولك المنزل. ١٩- احذر نشر الأسرار المتعلقة بالوقاع، فذلك أمر محظور وحرام. ٢٠- حافظ على نظافة فمك وطيب رائحته باستمرار. ٢١- لا تعني القوامة أن تغتسل ما فضلك الله به عليها فتضرها أو تظلمها. ٢٢- احترامك لأهل زوجتك وإكرامك لهم احترام وإكرام لها، حتى بعد وفاتها، شريطة ألا يصاحب ذلك محظور شرعي كاختلاط أو خلوة.

стр. 386

٢٣- كثرة المزاح تقود إلى قلة الهيبة وعدم الاحترام، فلا تكثر المزاح مع زوجتك. ٢٤- تذكر أن الوفاء، بالشروط التي تعهدت بها لزوجتك في عقد زواجكما أمر في غاية الأهمية والضرورة، فلا تهمل ذلك بعد الزواج. ٢٥- إذا خاطبت زوجتك أو عاتبتها أو تحدثت معها، فاختر اللطف والطيب من الألفاظ والعبارات، ولا تعاتبها أمام الآخرين أو أمام أولادك. ٢٦- ليس لك أن تطلب من زوجتك العمل خارج المنزل أو الإنفاق عليك من مالها. ٢٧- لا تكلف زوجتك ما لا تطيق من الأعمال، وخذ في عين الاعتبار بيئتها التي نشأت فيها، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية واستعدادها ليست كخدمة الضعيفة. ٢٨- ليس في وجوب خدمة المرأة لزوجها ما ينافي مشاركة الرجل لها في ذلك، إذا وجد الفراغ، بل إن ذلك من حسن المعاشرة بين الزوجين.

стр. 387

الأسرة وقواعد السلوك العائلي (٢) الأُسرة تلك اللبنة التي تُشكل أساس المجتمع، وتتكون من أفراد تقوم بينهم علاقاتٌ دائمة، تكاد تكون أكثر العلاقات الإنسانيَّة أهميِّة، لذا كان لا بد من قواعد للسُّلوك تَحكُمُ هذه العلاقات وتُنظِّمها، حتى تكون على خيرِ ما يُرام وتؤتي أُكلها، متمثلاً في صبغ الحياة الأسريّة بالانسجام والتَّعاون والتَّأمين، والعلاقات الأسريّة علاقات بين الزوجين من جهة، والآباء والأبناء من جهة ثانية، والأبناء بعضهم ببعض من جهة ثالثة. سلوك الزَّوجة: ١- من المستحيل أن يَتحقق نَجاحُ العلاقة الزَّوجيَّة إذا لم تلعب الزَّوجة دوراً إيجابياً فعَّالاً فيها مهما كان الزَّوج مثاليَّاً ورائعاً، فانتبهي -أيَّتها الزوجةُ الصالحةُ- لهذا الأمر وتَحمَّلي مسؤوليَّاتك، فعليك يعتمد نَجاح الأسرة أو فشلها.

стр. 388

٢- إذا أردت أن تصومي تطوعاً فلا تفعلي ذلك قبل أن تستأذني زوجك، فإن لم يأذن لك، فليس من حقك حينئذٍ الصَّوم. ٣- إذا لم يرغب زوجك بدخول أحد أقاربه أو أقاربك أو الجيران أو غيرهم من النَّاس، فلا تأذني بدخول ذلك الشخص منزلك. ٤- كلما اعتنيت بزوجك وقُمت على خدمته تقرَّبت من قلبه، فمعظم الأزواج يرون في خدمة زوجاتهم لهم مظهراً من مظاهر الحب، فلا تُهملي واجباتك نَحوه، وتنبهي لما يطلبه منك. ٥- اعلمي أن لقدرة زوجك المادية حدوداً، فارضي منه باليسير ولا تُكلفيه ما لا يُطيق، فتطالبيه بما هو فوق طاقته، فتوقعيه وتوقعي الأسرة كلها في الدُّيون، حتى لو كان زوجك من كبار الأغنياء، فإنَّ الإسراف في اللِّباس والأثاث أمر مكروه بغيض لا يليق الإقدام عليه بسيِّدة عاقلة، والفئة الوحيدة من الناس التي تودُّ شراء كل ما تشتهيه هم الأطفال!! ٦- استقبلي زوجك عند عودته من العمل بابتسامة، متزيِّنة له في شعرك ولباسك ومظهرك ومتعطِّرة، وإذا كان مُحمَّلاً بالأغراض فخذي عنه وساعديه.

стр. 389

٧- لا تَعرضي عليه مشاكلك ومشاكل الأولاد فوراً، أو تبدئي بالشكوى، فإنَّ هموم العمل والإثارات التي تعرَّض لها طيلة النهار تكفيه، فإن جئت لتكملي مسلسل متاعبه، فعليك وحدك تَحمُّل النتائج إذا ثار زوجك، لذا عليك أن توفِّري الجو الذي يَحتاجه رجلٌ يعمل وقتاً طويلاً في مجتمع مليء بالمشكلات والتَّناقضات والعجائب كمجتمعنا. ٨- ناقشي مشكلاتك مع زوجك على انفراد دون حضور أحد من الأولاد أو الأهل والأصدقاء. ٩- إحترامك وإكرامك لأهل زوجك إحترام لزوجك وإكرام له. ١٠- انتبهي باستمرار لنظافة أسنانك وطيب رائحة فمك، وحافظي عليهما باستمرار. ١١- أنت سيِّدة المنزل وراعيته فتحمَّلي مسؤوليَّاتك بأمانة وحافظي على أثاث البيت ومحتوياته، واعتمدي الاعتدال والتوفير أساساً للمصروف. ١٢- إنَّ حقَّ القوامة حقٌّ منحه الله تعالى للرَّجل عليك، فلا تطالبي بالمساواة كمثل ما تطالب به المرأة الغربيَّة، ولكن طالبي بالعدل وان تؤدَّي إليك حقوقك التي أعطاك الله.

стр. 390

١٣- لا تكثري الخروج من المنزل ولا تغادريه في حالة اعتراض زوجك على ذلك. ١٤- لا تتحدَّثي مع غريب أو أجنبي إلا أن يأذن لك زوجك وبالشروط الشرعيَّة المعروفة. ١٥- إذا خرجت مع زوجك للسُّوق أو للزِّيارة فلا تتقدمي عليه بالسَّير. ١٦- احذري نشر الأسرار المتعلقة بالجماع فإن في ذلك إثمٌ كبيرٌ. ١٧- لا تكثري الكلام والنِّقاش مع زوجك إذا لم تلمسي منه رغبة بالحوار أو الحديث، وتَجنَّبي عادة الرَّد عليه، فتلك عادة سيِّئة. ١٨- إذا تكلم زوجك فأحسني الاستماع إليه. ١٩- في حالة غياب زوجك عنك، كوني اكثر محافظةً على نفسك ورعايةً له وأولاده ومنزله. ٢٠- حاولي ألا يراك زوجك إلا بِمظهر جميل وثوبك نظيف ومزيَّنة دائماً.
следующие страницы →