٢٣- كثرة المزاح تقود إلى قلة الهيبة وعدم الاحترام، فلا تكثر المزاح مع زوجتك.
٢٤- تذكر أن الوفاء، بالشروط التي تعهدت بها لزوجتك في عقد زواجكما أمر في غاية الأهمية والضرورة، فلا تهمل ذلك بعد الزواج.
٢٥- إذا خاطبت زوجتك أو عاتبتها أو تحدثت معها، فاختر اللطف والطيب من الألفاظ والعبارات، ولا تعاتبها أمام الآخرين أو أمام أولادك.
٢٦- ليس لك أن تطلب من زوجتك العمل خارج المنزل أو الإنفاق عليك من مالها.
٢٧- لا تكلف زوجتك ما لا تطيق من الأعمال، وخذ في عين الاعتبار بيئتها التي نشأت فيها، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية واستعدادها ليست كخدمة الضعيفة.
٢٨- ليس في وجوب خدمة المرأة لزوجها ما ينافي مشاركة الرجل لها في ذلك، إذا وجد الفراغ، بل إن ذلك من حسن المعاشرة بين الزوجين.
стр. 387
الأسرة وقواعد السلوك العائلي (٢)
الأُسرة تلك اللبنة التي تُشكل أساس المجتمع، وتتكون من أفراد تقوم بينهم علاقاتٌ دائمة، تكاد تكون أكثر العلاقات الإنسانيَّة أهميِّة، لذا كان لا بد من قواعد للسُّلوك تَحكُمُ هذه العلاقات وتُنظِّمها، حتى تكون على خيرِ ما يُرام وتؤتي أُكلها، متمثلاً في صبغ الحياة الأسريّة بالانسجام والتَّعاون والتَّأمين، والعلاقات الأسريّة علاقات بين الزوجين من جهة، والآباء والأبناء من جهة ثانية، والأبناء بعضهم ببعض من جهة ثالثة.
سلوك الزَّوجة:
١- من المستحيل أن يَتحقق نَجاحُ العلاقة الزَّوجيَّة إذا لم تلعب الزَّوجة دوراً إيجابياً فعَّالاً فيها مهما كان الزَّوج مثاليَّاً ورائعاً، فانتبهي -أيَّتها الزوجةُ الصالحةُ- لهذا الأمر وتَحمَّلي مسؤوليَّاتك، فعليك يعتمد نَجاح الأسرة أو فشلها.
стр. 388
٢- إذا أردت أن تصومي تطوعاً فلا تفعلي ذلك قبل أن تستأذني زوجك، فإن لم يأذن لك، فليس من حقك حينئذٍ الصَّوم.
٣- إذا لم يرغب زوجك بدخول أحد أقاربه أو أقاربك أو الجيران أو غيرهم من النَّاس، فلا تأذني بدخول ذلك الشخص منزلك.
٤- كلما اعتنيت بزوجك وقُمت على خدمته تقرَّبت من قلبه، فمعظم الأزواج يرون في خدمة زوجاتهم لهم مظهراً من مظاهر الحب، فلا تُهملي واجباتك نَحوه، وتنبهي لما يطلبه منك.
٥- اعلمي أن لقدرة زوجك المادية حدوداً، فارضي منه باليسير ولا تُكلفيه ما لا يُطيق، فتطالبيه بما هو فوق طاقته، فتوقعيه وتوقعي الأسرة كلها في الدُّيون، حتى لو كان زوجك من كبار الأغنياء، فإنَّ الإسراف في اللِّباس والأثاث أمر مكروه بغيض لا يليق الإقدام عليه بسيِّدة عاقلة، والفئة الوحيدة من الناس التي تودُّ شراء كل ما تشتهيه هم الأطفال!!
٦- استقبلي زوجك عند عودته من العمل بابتسامة، متزيِّنة له في شعرك ولباسك ومظهرك ومتعطِّرة، وإذا كان مُحمَّلاً بالأغراض فخذي عنه وساعديه.
стр. 389
٧- لا تَعرضي عليه مشاكلك ومشاكل الأولاد فوراً، أو تبدئي بالشكوى، فإنَّ هموم العمل والإثارات التي تعرَّض لها طيلة النهار تكفيه، فإن جئت لتكملي مسلسل متاعبه، فعليك وحدك تَحمُّل النتائج إذا ثار زوجك، لذا عليك أن توفِّري الجو الذي يَحتاجه رجلٌ يعمل وقتاً طويلاً في مجتمع مليء بالمشكلات والتَّناقضات والعجائب كمجتمعنا.
٨- ناقشي مشكلاتك مع زوجك على انفراد دون حضور أحد من الأولاد أو الأهل والأصدقاء.
٩- إحترامك وإكرامك لأهل زوجك إحترام لزوجك وإكرام له.
١٠- انتبهي باستمرار لنظافة أسنانك وطيب رائحة فمك، وحافظي عليهما باستمرار.
١١- أنت سيِّدة المنزل وراعيته فتحمَّلي مسؤوليَّاتك بأمانة وحافظي على أثاث البيت ومحتوياته، واعتمدي الاعتدال والتوفير أساساً للمصروف.
١٢- إنَّ حقَّ القوامة حقٌّ منحه الله تعالى للرَّجل عليك، فلا تطالبي بالمساواة كمثل ما تطالب به المرأة الغربيَّة، ولكن طالبي بالعدل وان تؤدَّي إليك حقوقك التي أعطاك الله.
стр. 390
١٣- لا تكثري الخروج من المنزل ولا تغادريه في حالة اعتراض زوجك على ذلك.
١٤- لا تتحدَّثي مع غريب أو أجنبي إلا أن يأذن لك زوجك وبالشروط الشرعيَّة المعروفة.
١٥- إذا خرجت مع زوجك للسُّوق أو للزِّيارة فلا تتقدمي عليه بالسَّير.
١٦- احذري نشر الأسرار المتعلقة بالجماع فإن في ذلك إثمٌ كبيرٌ.
١٧- لا تكثري الكلام والنِّقاش مع زوجك إذا لم تلمسي منه رغبة بالحوار أو الحديث، وتَجنَّبي عادة الرَّد عليه، فتلك عادة سيِّئة.
١٨- إذا تكلم زوجك فأحسني الاستماع إليه.
١٩- في حالة غياب زوجك عنك، كوني اكثر محافظةً على نفسك ورعايةً له وأولاده ومنزله.
٢٠- حاولي ألا يراك زوجك إلا بِمظهر جميل وثوبك نظيف ومزيَّنة دائماً.
стр. 391
٢١- لا تترددي في إظهار محبتَّك لزوجك، فهذا مما يُقرِّبه لك ويشدُّه للبيت والأسرة في وقت كثرت فيه الإغراءات خارج المنزل.
٢٢- قابلي ما ينفق زوجك عليك وعلى المنزل بالشكر والعِرفان لا بالجحود والنُّكران.
٢٣- إذا استفسر أحد أصدقاء زوجك عن زوجك، فلا تطيلي الكلام معه، واقتصري على إجابة الضَّروري من أسئلته.
٢٤- ليس لك أن تُعيري أحداً شيئاً من المنزل إلا بموافقة زوجك.
٢٥- إذا أقسم عليك زوجك أن تفعلي شيئاً، فليس من المشروع ألا تبرِّي قسمه.
٢٦- إيَّاك أن تهجري فراش زوجك مهما كانت الأسباب التي تَجعلك تُقدمين على ذلك.
هذه قواعدٌ عامةٌ مبنيَّةٌ على دلائل من الكتاب والسُّنَّة، إذا وعاها الرجلُ، وطبَّقتها المرأة، كان ذلك سبيلاً لبناء أُسرة صالحة، قوامُها المحبَّةُ، وأساسُها السَّعادةُ.
стр. 392
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحمّلون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة، حتى أن بعض الإخوة يقصرون دور الرجل على النفقة ويرون أن على الزوجة الاهتمام بالباقي، الزوجة وحدها هي التي يجب أن تسعى لحسن تربية الأبناء وراحة الزوج والأبناء، ما قد يغيب عن ذهن البعض هو أن تعلق الولد بأمه يقابله تعلق البنت بوالدها، أيضا الأولاد الذكور في أغلب الأحيان هم في حاجة إلى رجل لردعهم عن الخطأ، وكما الرجل في حاجة إلى حنان زوجته وهو بين أهله فما بالك بالمرأة وهي بعيدة عن أهلها، وفي مقابل هذه المسؤولية التي يسعى الجميع إلى أن يحملها إياها نجد إخوتنا يقولون إن على المرأة أن تسلم أمرها لزوجها، وقد سمعت مؤخراً إحدى الأخوات من هذا الرأي تقول إن الرسول ﷺ قد قال: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»
стр. 393
(١) ، فهل هذا الحديث صحيح أم ضعيف؟ وهل أن الحديث القائل بأن معظم سكان النار هم نساء، مع ما نفعله من تقرّب من الله، الذي يفوق تقرب الرجال في العديد من البلدان؟
علماً إن مهمة الرجل والمرأة في هذه الحياة واحدة ووظيفتهما مشتركة، وكل منهما يقوم بواجبه حسب تكوينه الجسمي والعقلي والعاطفي.... وما فطره الله -تعالى- عليه وما وهبه من خصائص، فمهمة المرأة داخلية أكثر منها في الخارج، ومهمة الرجل خارجية أكثر منها في الداخل، وبذلك يتم بناء الأسرة على أكمل وجه وأحسن حال.
فالزوجة تتحمل المسؤولية الكبرى في رعاية البيت وتربية الأبناء وخاصة في المرحلة الأولى من أعمار الأبناء، وبقيامها بواجباتها الدينية والاجتماعية تجاه بيتها وأولادها وزوجها تنال رضا الله -تعالى- ورضا
стр. 394
الناس ودخول الجنة، وعلى الزوج أن يوفر لزوجته ولأسرته ما تحتاج له مادياً ومعنوياً.
وعليه أن يقوم بواجبه في تربية الأبناء وتعليمهم، وبقيامه بتلك الواجبات يستحق نفس الجزاء الذي تستحقه المرأة، ولذلك فإن كلا الزوجين مكمل لصاحبه، واختلافهما اختلاف تنوع وتكامل وليس اختلاف تضاد وتناقض، وما يوجد من الصراع والجدل حول وظيفة المرأة ووظيفة الرجل في الثقافات الأخرى مرفوض في ثقافة الإسلام، فالمسؤولية العامة تقع على عاتق كل منهما، والمسؤولية الخاصة تختلف باختلاف تكوين كل منهما الفطري.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ النحل:٩٧، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ البقرة:٢٢٨.
وبذلك تكون الإدارة العامة في الأسرة للزوج، وهو ما يفسر لنا قول النبي ﷺ : «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ
стр. 395
لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» (١) ، وهو حديث صحّحه كثير من أهل العلم، والحديث يفيد وجوب طاعة الزوجة لزوجها بالمعروف واحترامها له إذا كان يقوم بواجباته، وبذلك تستقر الأسرة ويسعد أفرادها.
واجبات الأسرة ووظائفها
تضطلع الأسرة بمسؤوليات أساسية على جانب كبير من الأهمية. وإن أدنى تقصير في أداء هذه المسؤوليات ليؤدّي -ولا شك- إلى حدوث خلل اجتماعي وإنساني وإلى عواقب وخيمة تدفع ثمنه الأجيال المتعاقبة وإلى تفشيّ الجريمة والإدمان على المخدرات..ولا يحسبنّ أحدٌ أن مسألة الإنجاب أمر ذو أهمية ثانوية، فهو الوسيلة التي تحفظ النوع البشري من الانقراض وهو الذي يرفد المجتمع بالدماء الشابّة، وقد أدّى انخفاض الإنجاب في بعض البلدان الصناعية الكبرى إلى نشوء مخاوف
стр. 396
جدّيّة من أن تصبح بعض هذه البلدان -في بحر عقدين أو ثلاثة من الزمن- أمّة "هرمة" تفتقر إلى عدد كافٍ من الشباب، وهو الأمر الذي يهدّد عجلة الصناعة والاقتصاد والبحث العلمي والإدارة والإنتاج بالتوقف.
ولابد للعائلة من الإشراف الكامل على تربية أطفالها: فالأسرة مسؤولة عن عملية التنشئة الاجتماعية التي يتعلّم الطفل من خلالها خبرات الثقافة وقواعدها في صورة تؤهله فيما بعد لمزيد من الاكتساب، وتُمكّنه من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع"، و: "إن حرمان الطفل من أبيه -مؤقتاً أو بصورة دائمة- يثير فيه كآبةً وقلقاً مقرونين بشعور الإثم والضغينة، ومزاجاً عاتياً متمرِّداً، وخوراً في النفس وفقداناً لحسن العطف العائلي.
وقد لُوحظ (في معاهد الأطفال) أنه إذا كانت صحة الطفل البدنية، ونموه العضلي، وضبط دوافعه الإرادية تتفتح وتزدهر بصورة متناسقة في تلك المعاهد، فإن انفصاله عنُ والدَيه قد يؤدّي من جهة
стр. 397
أخرى إلى ظهور بعض المعايب كصعوبة النطق، وتمكّن العادات السيئة منه، وصعوبة نموّ حسّه العاطفي.
أما الواجبات الأخرى للأسرة فهي:
١- إعداد الأولاد للمشاركة في حياة المجتمع والتعرّف على قِيَمِهِ وعاداته.
٢- إمدادهم بالوسائل التي تهيئ لهم ذواتهم داخل المجتمع.
٣- توفير الاستقرار والأمن والحماية والحنو على الأطفال.
ففي الدين يجد الشباب الأمان والاطمئنان والسلامة النفسية في الحاضر والمستقبل، وعلينا أن نعلم بأننا سوف نخسر أنفسنا عندما ننكر تراثنا وشخصيتنا الإسلامية أو نبتعد عنها بدلاً من أن نحاول إثباتها.
فالدين إحدى الدعامات الرئيسية التي يرتكز عليها الكيان النفسي لأي إنسان، وهذه الدعامة تقيه من الهزّات التي قد تعتريه في
стр. 398
صراعه مع ظروف الحياة المتقلّبة، هذا فضلاً عن أنه يمنحه قناعة ورضا بما قسم الله -تعالى- له من رزق وصحة.
وقد أرسى الإسلام الحنيف نظام الأسرة على أسسٍ راسخة تستجيب لمتطلبات الحياة وتتواءم مع حاجات الناس وسلوكهم، وقد شاء الله تعالى أن تقوم الزوجية -وهي أسّ الحياة العائلية ونواتها الأولى- على أساس من المودّة والرحمة، قال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾ الروم: ٢١
قال الراغب (١) : (يُقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى من الحيوانات المتزاوجة: زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج، قال تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ القيامة:٣٩،
стр. 399
وقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ البقرة:٣٥،الأعراف:١٩، وزوجة لغة رديئة وجمعها زوجات، وجمع الزوج أزواج) .
فقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ الروم:٢١ أي خلق لأجلكم -أو لينفعكم- من جنسكم فكل واحد منهما ناقص في نفسه مفتقر إلى الآخر، ولهذا النقص والافتقار يتحرك الواحد منهما إلى الآخر، حتى إذا اتصل به سكن إليه؛ لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله وكل مفتقر مائل إلى ما يزيل فقره، وهذا هو الشبق المودَع في كلّ من هذين القرينين، وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الروم:٢١ المودّة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل فنسبة المودّة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع الذي هو تأثّر نفساني عن العظمة والكبرياء، والرحمة نوع تأثّرٍ نفساني عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال وحاجته إلى رفع نقيصته يدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ورفع نقصه.
стр. 400
ومن أجَلّ موارد المودّة والرحمة المجتمع المنزلي، فإن الزوجَين يتلازمان بالمودّة والمحبة وهما معاً -وخاصة الزوجة- يرحمان الصغار من الأولاد في حفظهم وحراستهم وتغذيتهم وكسوتهم وإيوائهم وتربيتهم، ولولا هذه الرحمة لانقطع النسل ولم يعش النوع قط.
ويحرص الإسلام كل الحرص على أن يجعل الأسرة المسلمة أنموذجاً رفيعاً ومثالاً يحتذى به بما يُمثِّله من عناصر الريادة والقيادة الصالحة في المجتمع الإنساني، قال في وصف عباده الصالحين: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان:٧٤.
ومرادهم بكون أزواجهم وذرياتهم قرّة أعين لهم، أن يسرّوهم بطاعة الله والتجنّب عن معصيته، فلا حاجة لهم في غير ذلك ولا إربة، وهم أهل حق لا يتبعون الهوى، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي متسابقين إلى الخيرات سابقين إلى رحمتك فيتبعنا غيرنا من المتقين، وكأنّ
стр. 401
المراد أن يكونوا صفاً واحداً متقدِّماً على غيرهم من المتّقين ولذا جيء بالإمام بلفظ الأفراد.
وهكذا نجد أن نظام الأسرة الذي شرّعه مبني على أساس الحرص الشديد على تأمين السعادة للأسرة، وعلى تمتين أسس تماسكها وترابطها من الناحية النفسية والاجتماعية والجسدية كيما ينعم كل فرد من أفرادها بالحب والحنان والدعة والاستقرار والتفاهم والتكافل.
والدولة الإسلامية مكلّفة أن تعنى أعظم العناية بإنشاء الأُسَر وحياطتها وتوفير ضمانات الاستقرار لها، وتعالج ما تلده الظروف الاقتصادية والثقافية والسياسية من آثار تمسّها، نَعَم هي مسؤولة عن ذلك مسؤوليتها عن التموين والتعليم والدفاع وما أشبه هذه الأغراض التي لا يمكن تركها للأفراد، لأنها من صميم عمل الدولة.
стр. 402
الوسائل العلمية [المؤثرة] لتربية الأبناء (١)
علينا أن نقف لنذكر كيف نحقق الجوانب السابقة، ولتطبيق ما ذكرنا فإن هناك عدة وسائل تعرف بوسائل التربية المؤثرة وهي:
١- التربية بالقدوة: فالطفل حين يجد من أبويه ومربيه القدوة الصالحة فإنه يتشرب مبادئ الخير والتربية بالقدوة تكون بقدوة الأبوين، وقدوة الرفقة الصالحة، وقدوة المعلم، وقدوة الأخ الأكبر.
٢- التربية بالعادة: إذا توفر للطفل عامل التربية وعامل البيئة مع الفطرة السليمة المولود بها فإن ذلك له أثره الطيب ونشأته النشأة الصحيحة والتربية بالعادة تكون بالتقليد والتعويد.
стр. 403
٣- التربية بالملاحظة: ويقصد بها أن يلحظ الوالدين ابنائهما ويراقبا حركاتهم وسكناتهم، فإذا أخطأوا أرشدوهم، وإذا فعلوا معروفًا شكروا لهم صنيعهم.
٤- التربية بالمثوبة: اللين والرحمة والرفق هي الأصل في معاملة الابناء، ولكن في حال الخطأ فلا بد من استعمال العقوبة الغير مهينة ليكون الولد متزنا نفسيًا وانفعاليًا، ولا بد أيضًا من التدرج في العقوبة.، وتأتي حكمة المربى في استعمال أساليب العقوبة واختيار الأصلح منها، فهذه الوسائل تتفاوت بتفاوت الابناء ذكاءً وثقافة وحساسية ومزاجًا، فمنهم من تكفيه الإشارة البعيدة ويرتجف لها قلبه، ومنهم من لا يردعه ذلك! ومنهم من يصلحه الهجر، ومنهم من ينفعه التأنيب، ومنهم من لا بد من تقريب العصا منه حتى يراها على مقربة فينزجر.
ويجب على الوالدين تجنب الضرب لا سيما في حالة الغضب الشديد مخافة إلحاق الضرر والأذى، وإذا رأى الوالد انصلاح حال ولده
стр. 404
بعد العقوبة فعليه أن ينبسط له ويتلطف معه ويبش في وجهه ويشعره أنه ما قصد من العقوبة إلا صلاحه.
نصائح ذهبية..للسعادة الأسرية
بمقدار دقة كلا الزوجين في حسن اختيار شريك الحياة يتحقق في النسل الآثار التربوية الصالحة للوراثة ويعصم من آثارها السيئة -بإذن الله تعالى- وتجنيب الأسرة الكثير مما يظهر لدى الأطفال من صفات وراثية سيئة.
الرؤية المشتركة في تربية الأبناء تستلزم من الزوجين التعرف على طبيعة المرحلة العمرية الموجود فيها الابن ونوع هذا الابن لأن كل مرحلة عمرية لها خصائصها ومميزاتها التي تميزها عن غيرها، ولها -أيضاً- مطالبها التي تختلف عن غيرها من المراحل، فمثلاً مرحلة الطفولة لها خصائص ومطالب تختلف عن مرحلة المراهقة، وكذلك الولد يختلف عن البنت في الخصائص ومراحل النمو، ومن حسن رعاية الزوجين
стр. 405
للأبناء التعرف على ما ذكرنا لتحقيق التربية المنشودة والصحة النفسية للأبناء والبنات، يجب على الآباء الانتباه الى ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال أمام الأبناء، بالسكينة والمودة والتراحم يشيع الاستقرار النفسي؛ فتكون الزوجة قرة عين لزوجها، كما يكون الزوج قرة عين لزوجته.
أما المودة: فهي شعور متبادل بالحب يجعل العلاقة قائمة على الرضاء والسعادة..
أما الرحمة: هي أساس الأخلاق العظيمة في الرجال والنساء على حد سواء، فعندما تقوم البيوت على الود المتصل، والتراحم الحاني فإن الزواج يكون أشرف النعم، وأبركها أثرًا.
استقرار البيوت واستمرارها راسخة لا تتأثر بريح عاتية ولا تتزعزع لظروف مفاجئة تهز البنيان وتعود الأركان مبناها على أمرين اثنين هما: التفاهم والحب؛ والحب هو سبيل التفاهم.
إذًا: تفاهم وحب = بيت سعيد مستقر..
стр. 406
فمن أحب زوجته وعاشرها بالمعروف يكون له ذرية صالحة تنشأ في دفء العلاقة الحميمة بين أبوين متحابين متراحمين، في إطار أسري قوي البنيان ومجتمعً متين الأركان.
موقع الأسرة في الإسلام
تُعتبر الأسرة بمثابة "نواةٍ" للمجتمع الذي نحيى فيه. إذ أنها أصغر "وحدة" اجتماعية تمارس دورها بين الوحدات الاجتماعية الأخرى.
ولئن كانت الأسرة أصغر الوحدات الاجتماعية حجماً فما هي بأصغرها معنى ولا بأقّلها أهمية، فهي الأساس والقاعدة الصلبة التي تتولى النشأة الأولى للأولاد وتقوم بتربيتهم وتعليمهم، وإعدادهم كيما يضطلعوا بالمسؤوليات التي تقع على عاتقهم مستقبلاً. وليست الأسرة سوى "مؤسسة إنسانية" تقوم على أكتاف شخصين هما الرجل والمرأة.
стр. 407
وهذه المؤسسة تشبع رغبات ملحّة في ذات كل منهما، وهي: رغبة الجنس، ورغبة الإدارة، ورغبة التربية، ورغبة الأمومة، ورغبة الأبّوة. وهي تدفع كل فرد من أفرادها إلى القيام بواجباته دون إرغام، بعد أن تشبع فيهم كافة الرغبات الإنسانية، فيقوم الأبوان فيها بتدريس أصول الحياة وكيفية العشرة، لأفراد المجتمع ورجال المستقبل، وهم الأولاد.
وما من نظام يستطيع أن يلغي الأسرة بشكل نهائي لأن أيّ نظام عاجز عن مقاومة الرغبات التي تشبعها الأسرة، وهي رغبات متأصِّلة في أعماق كل إنسان.
ولهذا فإن الأنظمة التي ألغت الأسرة عادت فأوجدتها على شكل أوسع. فالنظام الشيوعي مثلاً ألغى الأسرة التي تتألف من (رجل) و (امرأة) و (أولاد) ، ولكنه أقام المزارع الجماعية التي تتكون من (عدّة رجال) و (عدّة نساء) و (عدّة أولاد) .
стр. 408
هذه المزارع عاجزة عن حلّ مشكلاتها (على عكس الخلية الحيّة التي تقوم بإنماء نفسها وحلّ مشكلاتها بلا تدخّل أجنبي) ، فكانت بحاجة إلى تدخّل الدولة لحلّ تلك المشكلات. والَمزَارع الجماعية ذات مفعول رجعي.. بينما نجد أن الأسرة ترتفع بالإنسان إلى مستواه كإنسان -ذي حياة منتظمة-.
أما النُظم الغربية فإنها لم تُقْدِم على إلغاء الأسرة عن سابق تخطيط، وإنّ ما قدّمته هذه النُظُم كبديل للأسرة لم يكن إلاّ الانحلال، والميوعة التي أسفرت عنها حركات الهيبيز والبيتلز والبانك.. الخ.
ويعرّف علمُ الاجتماع الأسرة بأنها رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب، على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة.، ويرى أحد الباحثين (١) أن الزواج الذي لا تصحبه ذرية لا يكون أسرة.
стр. 409
الأسرة هي إحدى العوامل الأساسية في بيان الكيان التربوي وإيجاد عملية التطبيع الاجتماعي وتشكيل شخصية الطفل، وإكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طول حياته، فهي البذرة الأولى في تكوين النمو الفردي وبناء الشخصية وفي تقويم السلوك الفردي، وبعث الحياة، والطمأنينة في نفس الطفل. فمنها يتعلّم اللغة ويكتسب القِيَم الحميدة، وإليها يعود الفضل في تعلّم الإنسان لأصول الاجتماع، وقواعد الآداب والأخلاق.
стр. 410
مكارم الأخلاق (١)
عن عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁، قال: لقيتُ رسولَ الله ﷺ ، فقال لي: «يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَك» (٢)
هذا التوجيهُ النبويُّ الشريفُ مِن أعظمِ التوجيهات، وأجلِّها، وأرفعها؛ ذلكم أنّ فيه إرشاداً لمعالي الأخلاق، وأكمل السَّجايا والصفات، والتقابُلُ في المعنى والمبنى -بين الآية والحديث- ظاهرٌ؛ حتى في ثلاثِيّةِ التوجيه والأمر:
فَصِلَةُ القاطعِ تُقابَل بالعفو ... وإعطاء المحروم تقابَلُ بالمعروف ... والعفو عن الظالم يُقابَل بالإعراض ...
стр. 411
وما أجملَ ما رواه الإمام البخاري (١) عن وهب بن كيسان، قال: (سمعتُ عبد الله بن الزبير يقولُ على المنبر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الأعراف:١٩٩، قال: (واللهِ! ما أَمَرَ بها أن تُؤْخَذَ إلا مِن أخلاق الناس. واللهِ! لآخُذُها منهم ما صحبتُهم) .
وقال الإمام ابنُ القيّم (٢) : (ليس المرادُ إعراضَه عمّن لا علم عنده؛ فلا يُعلّمه، ولا يُرشده، وإنّما المراد إعراضه عن جهل مَن جهل عليه؛ فلا يُقابله، ولا يُعاتبه) .
وقد ذكر الإمام ابنُ القيّم أيضاً (٣) : (أنّ هذه الآية جمعت للنبي ﷺ مكارمَ الأخلاق) .
وقال الإمام أبو هلال العسكري (٤) : (وأنت ترى أنّ في العفو صلَة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر
стр. 412
بالمعروف تقوى الله، وصِلَة الرحم، وصون اللسان من الكذب، وغضّ الطرف عن الحُرُمات، والتّبرُّؤ من كلّ قبيح، لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف؛ وهو يلابس شيئاً من المنكر) . (١)
وحتى لا يكونَ الكلامُ في (الأخلاق) -وبخاصّة مكارِمَها العليّة- نظريّاً؛ أذكُرُ -وأُذكِّرُ- بما رواه البخاري (٢) عن ابن عباس-﵄، قال: «قَدِمَ عُييْنة بنُ حِصْن بن حُذيفة، فنزَل على ابن أخيه الحُرِّ بن قَيْس -وكان من النّفر الذين يُدنيهم عُمَرُ- وكان القُرّاءُ أصحابَ مجالسِ عُمر، ومُشاورتَه -كُهُولاً كانوا أو شُبَّاناً-. فقال عُيَيْنة لابن أخيهِ: يا ابنَ أخي لك وَجهٌ عِنْدَ هذا الأمير، فاستأذِنْ لي عليه، قال: سأستأذِنُ لك عليه.، قال ابنُ عباس: فاستأذَنَ الحُرُّ لعُييْنةَ، فأذِنَ لهُ عمَر، فلمّا دَخلَ عليه، قال: هِيْ يا ابنَ الخطّابِ، فواللهِ ما تُعطينا الجزْلَ، ولا
стр. 413
تحكُمُ بيننا بالعدْل! فَغَضِبَ عُمَرُ حتى همَّ به، فقال له الحُرّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ الله -تعالى- قال لنَبِيّه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الأعراف:١٩٩، وإنَّ هذا من الجاهلين. واللهِ ما جاوَزَها عُمَرُ حينَ تلاها عليه، وكان وقَّافاً عِنْدَ كِتابِ الله» .
فهل مِن وقّاف؟!
مُلئَ صدرُهُ بالإنصاف؟!
وفارَقَ الظلمَ الاعتِساف؟!
стр. 414
نصيحة من القلب إلي الأزواج (١)
أيّها الأزواج، لا تتجاوَزوا ما شرَع الله لكم من الضّرب غيرِ المبرِّح حالَ النشوز إلى ما حرّم عليكم من الضّرب المفظع والاعتداءِ الموجِع والجَلد المروِّع، فإنّ عواقبَه وخيمة وأضراره جسيمة، وفي البخاريّ أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يجلِد أحدكم امرأتَه جلدَ العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم» (٢)
لقد تجاوَز رجالٌ على عهدِ رسول الله، فطاف النّساء بآلِ رسول الله يشتكين الضربَ من أزواجهنّ، فقال رسول الله ﷺ : «لقد طاف بآل محمّدٍ نساء كثير يشتكين مِن أزواجهن، ليس أولئك
стр. 415
بخياركم» (١) ، وعن معاوية بن حيدة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ولا تضربِ الوجهَ ولا تقبِّح» (٢) ، فويل للظالم، ويل للظالم يوم اقتصاصِ المظالم.
أيّها الأزواج، إنَّ السهرَ والسمَر خارجَ المنزل من مثيرات القلق والأرق، ينغِّص على الزّوجة حياتَها، ويزعزع ويزلزل استقرارَها، ويَضيع بسببه الأولاد فلذةُ الأكباد وثمرة الفؤاد، حتّى يصيروا فريسةً لوحوش الظلام وفتنِ هذا الزّمان، فاحذروا هذا السهرَ واجتنبوه ولا تقربوه.
أيّها الأزواج، إنّ ظهورَ المعاصي والمخالفات وانتشارَ المنكرات في كثير من البيوتات من أعظم أسباب خرابِها ودمارها، ولقد دبَّ الشّقاء والشقاق وثارَت ثائرة الغيرة واشتعلت نيران الشكّ والحيرة بين كثير من
стр. 416
الأزواج بسبب طبَق القنوات الخطرِ المحدِق والشرّ المطبق، فحين رأى غيرَها ورأت غيرَه رغِب عنها وزهدت فيه، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَاكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ آل عمران:١١٧، نعوذ بالله من الخزيِ والعار ومن فعل يقرِّب إلى النار.
فاتّقوا الله عبادَ الله، وطهِّروا بيوتكم ممّا يستوجب اللعنةَ والطرد والإبعاد، ﴿قُل إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ الرعد:٢٧.
ألا فلتذهبِ المرأةُ مربيةَ أجيال برقِّة طَبع ولطافة حسّ وذكاءِ عاطفة، وليذهَبِ الرجل قوّامًا وقائدًا بقوّةِ بأس وجلالة فِكر وسلامة تقدير وتدبير، وليذهبِ الاثنان إلى حياةٍ كريمة في ظلِّ تمسّك بالدين وفعلٍ للواجبات واجتنابٍ للمحرمات وتعاونٍ على البر والتقوى، «ورحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى، ثمّ أيقظ امرأته فصلّت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحِم الله امرأةً قامت من الليل فصلّت، ثمّ أيقظت زوجها فصلّى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» (١) .
стр. 417
﴿وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء كُلُّ امْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ الطور:٢١.
أيّها المعدِّدون! اتقوا الله واعدلوا بين أزواجكم، اعدِلوا بينهنّ في مسكنهنّ وملبسهنّ ومأكلهنّ ونفقةٍ عليهنّ والمبيتِ عندهنّ، واحذَروا الجورَ والحيف، فإنّه من أسباب العذاب وموجبات العقاب، يقول النبيّ ﷺ : «إذا كانت عندَ الرجل امرأتان فلم يعدِل بينهما جاءَ يوم القيامة وشقُّه ساقط» (١) ، و «كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائِه، فأيتهنّ خرج سهمُها خرج بها معه» (٢) . وكان يقسِم بين نسائه ويعدِل بينهن.
اعدِلوا بينهن، وراعوا ما يحصل بينهن من الغيرة التي لا يقدرن على دفعها، ولا سبيل لهن إلى رفعها ومنعها، غيرةٌ تغيّر القلبَ والطبع،
نصيحة من القلب إلي الأزواج (٢)(١)
إن من أسباب سعادة الزوجين قيام كل منهما بما يجب عليه نحو صاحبه، فقيام الزوج بالواجب عليه، وقيام المرأة بالواجب عليها، يكفل للبيت السعادة والهناء بتوفيق من الله.
والله جل وعلا في كتابه العزيز قد بين للزوجين الواجب على كل منهما فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة:٢٢٨، فأخبر تعالى أن للزوجة حقاً كما أن عليها واجباً، وللزوج حق كما أن عليه واجباً.
стр. 420
فالحق الواجب على الزوج نحو امرأته الإنفاق عليها، كسوتها، التعامل معها بالمعروف، كفُّ الأذى، حسن العشرة، وقد سأل رجل النبي ﷺ : «ما حق امرأة الرجل عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طمعت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في الفراش» (١) .
فهذه خمس خصال: أولاً: أمره أن يطعمها إذا طعم، فيوفر لها الطعام، وأمره أن يوفِّر لها الكسوة، ثم نهاه عن ضربها في الوجه، لأن الضرب في الوجه فيه إهانة وإذلال، ووجه الإنسان أشرف أعضائه الظاهرة، فلا يجوز تشويهه بضربه، ويمكن الأدب في غير ذلك، ونهاه أن يقبِّح أي: أن يقول كلمة قبيحة، نحو: قبَّحكِ الله أو غيره من الألفاظ
стр. 421
البذيئة، فإن الألفاظ السيئة تجرح القلب أعظم من الضرب، ولذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ الإسراء:٥٣، ونهاه عن الهجران إلا في الفراش، بمعنى: إذا أراد هجْرها هجَرها بترك المبيت معها، وأما هجرٌ بترك الكلام والمحادثة فهذا نهى عنه النبي ﷺ ، فبقاؤها معه من دون حديث صاحبهما للآخر يزيد في الجفاء، ويبعد كلاً منهما عن الآخر، فإن الأحاديث الودية مما يُكسب القلب محبة ومودة من كل منهما لصاحبه، وأما إذا دخل وخرج، لا يكلمها ولا يلتفت إليها، لا يسمع منها قولاً، ولا يُسمعها قولاً، فهذا أمر نهى عنه النبي ﷺ ، لأنه يحدث تصدُّعاً في الحياة الزوجية، وبعد كلٍ منهما عن الآخر، والله تعالى يقول أيضاً: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالْمَعْرُوفِ﴾ النساء:١٩، وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ وَمَن
стр. 422
يَفْعَلْ ذالِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ البقرة:٢٣١، فانظر إلى أن ربنا جل وعلا أرشد الزوج إذا طلق المرأة، وأراد العود إليها، فليكن بقصد الإصلاح، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ، ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقطاع العدة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بمعنى: استرجعوها لتكون الرجعة بالمعروف أي: ناوياً العشرة بالمعروف، لا جاعلاً الرجعة سبباً للعذاب والألم، ﴿أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فدعها تنقضي عدتها، ولعل الله أن يعوضها خيراً ويعوضك خيراً، وأما إمساك لأجل الإضرار والظلم والعدوان، فهذا نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ﴾ أي: لا تمسكوهن وتراجعوا المرأة ضراراً لأجل أن تعتدي عليها، أو أن تظلمها وتسيء إليها، فذاك محرم في شريعة الإسلام، والعدوان قد نهى الله عنه، ولا يحلّ للرجل أن يعتدي عليها بالإيذاء والإضرار، فذاك أمر لا يليق بالمسلم السامع والمطيع لله ورسوله.
стр. 423
ونبينا ﷺ قد أرشد الأزواج أيضاً، أرشد الزوج إلى المعاملة الحسنة مع المرأة، فأخبرهم ﷺ أن من كمال الإيمان حسن الخلق، فقال: «أكمل المؤمنين إيمان أحسنهم خلقاً، وخيركم خيركم لنسائه» (١) ، فإن حسن الخلق وحسن التعامل يدلّ على كمال الإيمان وقوته، وسوء العشرة وسوء المعاملة وعدم الوفاء يدل على نقص في الإيمان، ولذا قال نبينا ﷺ : «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» ، ثم قال: «وخيركم خيركم لنسائه» ، وخير الناس من كان خيره لنسائه، التعامل الحسن، والقيام بالواجب، والبعد عن كل ما يكدّر صفو العشرة وينغصها.
ويبين ﷺ في موضع آخر أن الرجل يجب أن يكون المستحمل للأخطاء، ويجب أن يكون الصبر والتحمل من أخلاقه،
стр. 424
فهو أقوى من المرأة تحملاً، والمرأة ضعيفة، وقد يكون منها الخطأ، لكن تحمّلُ الرجل وصبره هو المطلوب منه، فإنه القيّم عليها، وما دام القيم فلا بد من صبر وتحمل، فيقول ﷺ : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر» (١) ، لا يبغضها ويكرهها فإن أخلاقها قد يكون فيها خلق غير مناسب، ولكنها تشتمل على خلق طيب أيضاً، وهكذا حال الإنسان، فالكمال في المخلوق غير ممكن، لا من الرجل ولا من المرأة، فإن كرهت منها خلقا من الأخلاق فلا بد أن ترتضي منها خلقا غيره، وأما إذا كنت تعاتب على كل نقص، وتريد الكمال في كل الأحوال، فذاك طلب المستحيل، ومن كثر عتابه قلّ أصحابه.
стр. 425
ويبين ﷺ أيضاً ذلك بوضوح جلي فيقول فيما ترويه عائشة ﵂: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (١) ، فنبينا محمد ﷺ خير الناس لأهله، صبراً وتحملا وإكراماً ومعاملة بالحسنى، آلى شهراً منهن لما حصل منهن ما حصل، ومع هذا كان يعاملهن بالحسنى ﷺ ، وتخبر عائشة لما سئلت: ماذا كان يفعل في بيته؟ قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِه» (٢) ، فهو من أحسن الناس خلقاً، وأحسنهم تعاملاً صلوات الله وسلامه عليه أبداً دائماً إلى يوم الدين.
وهو ﷺ أرشد الأزواج إلى أمر عظيم، وهو أن المرأة من طبيعتها الضعف وقلة القيام بالواجب المطلوب، إن من