Полный текст (289 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فقال في رواية صالح " والعسل إذا كان في أرض العشر أو الخراج، حيث كان. ففيه العشر". وجعل نصابه عشر قرب، ذكره في رواية أبي داود. وقال: قال الزهري " في كل عشرة أفراق فرق". والفرق: ستة عشر رطلا.
وَزَكَاةُ الزَّرْعِ تَجِبُ فِيهِ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَاشْتِدَادِهِ. ولا يؤخذ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ دِيَاسِهِ وَتَصْفِيَتِهِ، إذَا بَلَغَ الصنف منها خمسة أوسق. ولا زكاة فيما دونها. وقد قال أحمد في رواية صالح " مكروه أن يبيع الثمر حتى يطيب ... وإن باع ثمرة قد طابت فالزكاة على البائع". وقد اختلفت الرواية عنه في ضم الحنطة إلى الشعير والقطاني، بعضها إلى بعض، كالعدس إلى الأرز، والعدس إلى الباقلاء. على روايتين. إحداهما: تضم كما تضم العلس إلى الحنطة، والسلت إلى الشعير. والثانية: لا تضم، كما لا يضم التمر إلى الشعير. وَإِذَا جَزَّ الْمَالِكُ زَرْعَهُ: بَقْلًا أَوْ قَصِيلًا. نظرت. فإن قصد الفرار من الزكاة لم تسقط. وإن كان لحاجة سقطت. وإذا ملك الذمي أرض عشر فزرعها، أخذ منه ضعف الصدقة المأخوذة من المسلم.
стр. 107
نص عليه الميموني، وأبي طالب، وأبي بكر بن هانئ. فإن أسلم سقطت عنها مضاعفة الصدقة. وَإِذَا زَرَعَ الْمُسْلِمُ أَرْضَ خَرَاجٍ أُخِذَ مِنْهُ عشر الزرع، مع خراج الأرض. وإذا استأجر أرض خراج فزرعها فالخراج على مؤجرها. العشر على مستأجرها. المال الرابع: الذهب والفضة وَهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ. وَزَكَاتُهُمَا: رُبُعُ الْعُشْرِ. وَنِصَابُ الْفِضَّةِ: مِائَتَا دِرْهَمٍ بِوَزْنِ الْإِسْلَامِ، الَّذِي وزن كل درهم منه ستة دوانيق وكل عشرة منها سبع مثاقيل.
стр. 108
وَفِيهَا إذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ هي ربع عشرها. ولا زكاة فيها إن نقصت عن مائتي درهم. وفيما زاد بحسابه. وَأَمَّا الذَّهَبُ فَنِصَابُهُ عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِمَثَاقِيلِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ فِيهِ رُبُعُ عُشْرِهِ، وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ. وَيَسْتَوِي فِيهِ خَالِصُهُ وَمَطْبُوعُهُ. واختلفت الرواية في ضم الفضة إلى الذهب. فروي عنه أنها لا تضم. وروي عنه أنها تضم. وفي ضمها روايتان. إحداهما. بضم الأقل إلى الأكثر، ويقوم بقيمة الأكثر. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي عبد الله النيسابوري.
وقد سئل: إذا كان عنده مائة درهم، وعشرة دنانير، وأربعةى من الإبل، وأوساق من طعام هل يضم بعضها إلى بعض فيزكيها؟ فقال أحمد " أما الدراهم والدنانير فأحب له أن يضم بعضها إلى بعض، فيضم الأقل إلى الأكثر، فيحسبها، ويزكيها". والثانية: تضم بالأجزاء إذا كان معه عشرة دنانير ومائة درهم ضم بعضها إلى بعض. ولا تعتبر القيمة. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم: في رجل عنده مائة درهم وثمانية دنانير. فقال " هذه مسألة فيها اختلاف، وإنما قال من قال فيها: الزكاة إذا كانت عشرة دنانير ومائة درهم".
стр. 109
وظاهر هذا أنه إنما يصح الضم على هذا الوجه. وإذا اتجر بالدراهم والدنانير زكاها، وربحها تبع لها إذا حال الحول. وإذا اتخذ من الذهب والفضة حليا مباحا سقطت زكاته إذا كان يعار ويلبس وإن كان للكراء وجبت فيه الزكاة.
стр. 110
وإن اتخذ منهما ما يحظر من الحلي والأواني وجبت زكاته. فأما المعادن فهي من الأموال الظاهرة: وتجب الزكاة في جميع الخارج منها. سواء كان مما يطبع: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، أو مما لا يطبع: من مائع، كالقبر، والنفظ، أو حجر: كالجواهر، والكحل، والمغرة - إذا بلغ المأخوذ من الذهب والفضة بعد السبك والتصفية نصابا، أو بلغ قيمة المأخوذ من غيرهما نصابا. وقدر المأخوذ: ربع العشر، كالمقتنى من الذهب، والفضة، وعروض التجارة. فأما الرِّكَازُ فَهُوَ كُلُّ مَالٍ وُجِدَ مَدْفُونًا مِنْ ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ، فِي مَوَاتٍ، أَوْ طَرِيقٍ سَابِلٍ، يكون لواجده
стр. 111
وعليه الخمس، يصرف مصرف الزكاة. ونقل بكر بن محمد عن أحمد أنه يصرف مصرف الفيء. ويجب المأخوذ من الركاز في جميع ما كان من أموالهم: كالذهب والفضة، والعروض وما وجد من الركاز مدفونا في أرض مملوكة ففيه روايتان إحداهما: هو لمالك الأرض لا حق فيه لواجده، وعلى مالكه الخمس.
وقد نص على أنه لمالك الأرض دون واجده في رواية أبي الحارث: فيمن استأجر حفارا يحفر له بئرا في داره، فحفر فأصاب كنزا في البئر: ركازا عاديا فهو لصاحب الدار. وإن كان ضرب الإسلام عرّفه" فقد نص على أنه لمالك الأرض. وأما إيجاب الخمس: فقد نص على أن حق المعدن يجب على من وجده في أرضه، في رواية أبي الحارث، وصالح، فالركازمثله. وفيه رواية أخرى: يكون لمن وجده دون مالك الأرض، وفيه الخمس، نص عليه في رواية ابن منصور: فيمن اشترى دارا، فوجد فيها دراهم فيه لقطة حتى تكون ضرب الأكاسرة، فتكون لمن وجدها. فقد نص على أنه للواجد وهو المشتري، ولم يسأل من انتقلت عنه الدار، ولو كان لمالك الدار لوجب السؤال له. وجه الرواية الأولة، وأنه يكون لصاحب الأرض: أن الركاز مودع في الأرض، فلم يملك بالظهور. دليله: إذا وجد فيها دفن الإسلام، ولا يلزم عليه المعدن، لأنه غير مودع بل هو من تربة الأرض. والدلالة على إيجاب الخمس: أن ما يوجب الحق لا يختلف أن يستخرجه من أرض فلاة، أو من داره، كالمعدن. وقد ثبت من أصلنا وجوب الحق فيما وجده في داره، كذلك الركاز. ووجه الرواية الثانية، وأنه لمن وجده: أنه مال مخموس، فوجب أن يحصل ملكه بالظهور عليه، كمن دخل دار الحرب بغير إذن الإمام وأخذ مالا، فإنه يخمسه ويكون بقيته له، والحصول حصل هاهنا من واجده. فأما من وُجِدَ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ مَدْفُونًا أَوْ غَيْرَ مَدْفُونٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ يَجِبُ تَعْرِيفُهَا حَوْلًا، فَإِنْ جاء صاحبها وإلا فللواحد أَنْ يَتَمَلَّكَهَا مَضْمُونَةً فِي ذِمَّتِهِ لِمَالِكِهَا إذَا ظهر. فإن وجد في داره معدنا - ذهبا أو فضة - ففيه الزكاة؛ لأنه مستخرج من المعدن، فتعلق الحق به.دليله: إذا كان المعدن في موات الأرض فاستخرج ولأنه غير ممتنع أن يكون ملكا له، ويتعلق به كالعشر في الخضراوات.
стр. 112
[فَصْلٌ] وَعَلَى عَامِلِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَدْعُوَ لِأَهْلِهَا عند دفعها، تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْمُسَارَعَةِ، وَتَمْيِيزًا لَهُمْ مِنْ أهل الذمة، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى (٩: ١٠٣ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سكن لهم) . وروي عبد الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة، قال " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم. قال: فأتاه أبي بصدقته، فقال: الله صل على آل أبي أوفى". وإذا كتم رجل زَكَاةَ مَالِهِ وَأَخْفَاهَا عَنْ الْعَامِلِ مَعَ عَدْلِهِ، أَخَذَهَا الْعَامِلُ مِنْهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا وَنَظَرَ في سبب إخفائها. فإن كان يتولى إخْرَاجَهَا بِنَفْسِهِ، لَمْ يُعَزِّرْهُ. وَإِنْ أَخْفَاهَا لِيَغُلَّهَا ويمنع حق الله تعالى منها، عزره. وهل يغرمه زيادة عليها؟ المنصوص عن أحمد " لا زيادة عليه". قال في رواية بكر بن محمد عن أبيه " إذا منع الصدقة آخذها منه. ولا آخذ غير ما وجب عليه، فقال له: كيف تصنع بهذا الحديث؟ قال: لا أدري ما وجهه".
стр. 113
وقال أبو بكر بن جعفر - من أصحابنا - يأخذ الزكاة منه الزكاة وشطر ماله. لحديث بهز بن الحكم " من منعها فإنا آخذوها وشطر ماله". وإذا كان العامل جائرا في أخذ الصدقات، عَادِلًا فِي قِسْمَتِهَا، جَازَ كَتْمُهَا، وَأَجْزَأَ دَفْعُهَا إليه. وإن كَانَ عَادِلًا فِي أَخْذِهَا جَائِرًا فِي قِسْمَتِهَا، وجب كتمها مِنْهُ. وَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ. فَإِنْ أَخَذَهَا طوعا واختيارا أجزأتهم، ولا يلزمهم إعادتها. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية المروزي؛ لأنه قال " قد قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمر؟ فقال: ادفعوها إليهم". وقد روي عن أبي هريرة وغير واحد من أصحاب النبي ﷺ : أنهم قالوا " ادفعوها إليهم" إلا عبيد بن عمير قال " لا تدفعوها إليهم". فحكى قول ابن عمر، ولم ينكره، ولا خالفه. وقد صرح بأخذه به في رواية إسحاق بن هانئ: إذا غلبت الخوارج على موضع قوم وأخذوا زكاة أموالهم، هل يجزئ عنهم؟ فقال: "أقول لك فيه عن ابن عمر وتقول لي: تذهب إليه؟ ".
وقال في رواية حنبل: وذكر حديث خيار بن سلمة قلت لابن عمر " يجيء مصدق ابن الزبير فيأخذ مني صدقة مالي، ويجيئني مصدق نجدة، فيأخذ مني. فقال: لأيهما أعطيت أجزأ
стр. 114
عنك" فقال حنبل " سمعت أبا عبد الله يقول " لأيهما أعطى أجزأه إذا أداها على حقها إن شاء الله". وبهذا قال مالك. وقال الشافعي: لم يجزهم، ولزمهم إخراجها بأنفسهم إلى مستحقها. والدلالة عليه ما رواه أبو حفص بإسناده عن سهل بن أبي صالح عن أبيه قال " اجتمع عندي مال فأحببت أن أؤدي زكاته، فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: يا أبا إسحاق قد اجتمع عندي مال، وأنا أحب أن أؤدي زكاته، وهؤلاء يصنعون في الزكاة ما يصنعون؟ قال: أدّه إليهم. قال: ثم لقيت أبا سعيد الخدري، فقلت له مثل ذلك. فقال: أدّه إليهم. ثم لقيت أبا هريرة، فقلت له مثل ذلك. فقال: أدّه إليهم، فلقيت ابن عمر، فقلت له مثل ذلك. فقال: أدّه إليهم". وبإسناده عن نافع " أن الأنصار سألوا ابن عمر عن الصدقة، فقال: ادفعوها إلى العمال فقالوا: إن أهل الشام يظهرون مرة، وهؤلاء يظهرون مرة، فقال: ادفعوها إلى من غلب " وَإِذَا أَقَرَّ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ بِقَبْضِهَا مِنْ أَهْلِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ وَقْتَ وِلَايَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عمال التفويض أو من عمال التنفيذ. ويقبل قوله بعد عزله أيضا، بناء على أصلين، أحدهما: أن دفعها إليه مستحب، وليس بواجب، الثاني: إذا عزل القاضي، وقال: قد كنت حكمت لفلان في ولايتي. يقبل قوله. وإذا ادعى رب المال إخراجها قبل قوله، مع تأخر العامل عنه بعد إمكان أدائها، ومع حضور العامل بناء على أصل. وهو أن دفعها إليه مستحب وليس بواجب. ولا يحلف رب المال على ذلك. وظاهر كلام أحمد أنها لا تجب ولا تستحب. فقال في رواية ابن منصور - وقد سأله: هل يستحلف الناس على صدقاتهم، أو ما جاءوا به أخذ منهم؟ قال " ما جاءوا من شيء أخذ منهم، ولا يستحلفون".
وقال في رواية حنبل " ولا يسأل المصدق عن شيء، ولا يبحث، إنما يأخذ مما وجد وكل ما أصابه مجتمعا وكان مما تجب فيه الصدقة".
стр. 115
فأما قسمة الصدقات فَهِيَ لِمَنْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. وهم الأصناف الثمانية (٩: ٦٩ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفِي الرِّقَابِ، وَالْغَارِمِينَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ) . ويجوز أن يصرفها في أحد الأصناف الثمانية، مع وجودهم. أما الفقراء: فهم الذين لا شيء لهم. وأما المساكين: فهم الذين قد أسكنهم العدم، وهم أحسن حالا من الفقراء. فيدفع إلى كل منهما ما يخرج به عن اسْمِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى، وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِحَسَبِ حَالِهِمْ. فَمِنْهُمْ مِنْ يَصِيرُ بِالدِّينَارِ الْوَاحِدِ غَنِيًّا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الأسواق، يربح فيه قدر كفايته لا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يستغني إلا بمائة دينار، فيدفع إليه قيمة ذلك عروضا أو حبوبا. فإن دفع إليه دنانير دفع إليه خمسة دنانير، أو خمسين درهما وإن لم يكن قدر كفايته. للخبر المروي في ذلك. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ ذَا جَلَدٍ يَكْتَسِبُ بِصِنَاعَتِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى، وَإِنْ كان لا يملك شيئا. وأما العاملون عليها: فهم صنفان. أحدهما: المقيمون بأخذها وجباتها. وَالثَّانِي. الْمُقِيمُونَ بِقِسْمَتِهَا وَتَفْرِيقِهَا: مِنْ أَمِينٍ، وَمُبَاشِرٍ، وتابع، ومتبوع، يعطون بقدر أمثالهم. وأما المؤلفة قلوبهم. وهم أربعة أصناف: صنف منهم تتألف قلوبهم لمعونة المسلمين وصنف تتألف للكف عن المسلمين، وصنف ليرغبهم في الإسلام. وصنف يتألفهم ترغيبا لقومهم وعشائرهم في الإسلام. فيجوز أن يعطى كل واحد من هذه الأصناف من سهم المؤلفة، مسلما كان أو مشركا. وفيه رواية أخرى " يعطى المسلم منهم" فأما المشرك فيعطى من سهم المصالح من الفيء والغنيمة.
стр. 116
وأما سهم الرقاب: فهو مَصْرُوفٌ فِي الْمُكَاتَبِينَ، يُدْفَعُ إلَيْهِمْ قَدْرَ مَا يعتقون به. وروي عنه رواية أخرى " يجوز أن يصرف في شراء عبيد يعتقون". وأما الغارمون.
فهم صِنْفَانِ: صِنْفٌ مِنْهُمْ اسْتَدَانُوا فِي مَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مَعَ الْفَقْرِ، دُونَ الْغِنَى مَا يقضون به ديونهم، وقد قال أحمد في رواية بكر بن محمد " والغارم يكون عليه غرم وهو غني فقال: في هذا حجة عندي , يعطى وهو غني". وقوله " في هذه حجة" أشار به إلى ما رواه أحمد بإسناده عن النبي ﷺ " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسه" فذكر الغارم منها. وهذا محمول على أنه غني بقدر كفايته؛ لأن من أصلنا أن الغريم يترك له من ماله بقدر كفايته. وصنف اسْتَدَانُوا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ - مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى - قَدْرَ دُيُونِهِمْ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ. وأما سهم سبيل الله: فهم الغزاة، يدفع إليهم قدر حاجتهم في جهادهم، فإن كانوا مرابطين في الثغر دفع إليهم نفقة ذهابهم وعودهم. وأما سهم ابن السبيل: فهم المسافرون لا يجدون نفقة سفرهم، يدفع إلى المجتاز دون المنشئ المبتدئ بالسفر. ويفرق زَكَاةُ كُلِّ نَاحِيَةٍ فِي أَهْلِهَا. وَلَا يَجُوزُ أن تنتقل زَكَاةُ بَلَدٍ إلَى غَيْرِهِ، إلَّا عِنْدَ عَدَمِ السهمان فيه، وإن نقلها عنه مع وجودهم فيه لم يجزه. واختلفت الرواية عنه في سهم سبيل الله، هل يجوز نقلها إلى الناظر في الثغر؟ على روايتين. ولا يجوز دفع الزكاة إلى كافر. وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بني هاشم وبني المطلب، تنزيها لهم عن أوساخ الذنوب. ولا يجوز دفعها إلى من بعضه رقيق على قياس قولهم: إنه يرث بقدر ما فيه من الحرية. ويدفع إليه نصف كفايته إذا كان نصفه حرّ، لأنه في كفاسته بنفقة سيده في النصف الآخر ولا يدفعها الرجل إلى زوجته. وهل يجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها؟ على روايتين.
стр. 117
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ أَحَدٌ زَكَاتَهُ إلَى من تجب عليه نفقته: من والد، وولد، وأخ ,وأخت، وعم، لغنائهم به. ولا يدفع إليهم مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ إذَا كَانُوا مِنْهُمْ. وَيَجُوزُ دفعها من أقاربه إلى من لا تلزمه نفقته، كذوي الأرحام: كالخالة، والعمة، والخال، وأولادهم، وَصَرْفُهَا فِيهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الْأَجَانِبِ.
وَفِي جِيرَانِ المالك أَفْضَلُ مِنْ الْأَبَاعِدِ. وَإِذَا أَحْضَرَ رَبُّ الْمَالِ أقاربه إلى العامل ليخصم بزكاة ماله. فإن لم يخلط زكاته بزكاة غيره خصهم بها. وإن اخْتَلَطَتْ كَانُوا فِي الْمُخْتَلَطِ أُسْوَةَ غَيْرِهِمْ، لَكِنْ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا لِأَنَّ فِيهَا مَا هُمْ به أخص. وَإِذَا اسْتَرَابَ رَبُّ الْمَالِ بِالْعَامِلِ فِي مَصْرِفِ الزكاة وَسَأَلَهُ أَنْ يُشْرِفَ عَلَى قِسْمَتِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْهَا بِدَفْعِهَا إلَيْهِ. وَلَوْ سَأَلَ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ أَنْ يَحْضُرَ قِسْمَتَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ، لِبَرَاءَتِهِ مِنْهَا بِالدَّفْعِ. وَإِذَا هَلَكَتْ الزَّكَاةُ فِي يَدِ الْعَامِلِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا، أَجْزَأَتْ رَبَّ الْمَالِ، وَلَمْ يَضْمَنْهَا الْعَامِلُ إلَّا بِالْعُدْوَانِ. وَإِذَا تَلِفَتْ الزَّكَاةُ فِي يَدِ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْعَامِلِ، لَمْ تُجْزِهِ وَأَعَادَهَا. وَلَوْ تَلِفَ مَالُهُ قبل إخراج زكاته لم تسقط عن، سواء تلف قبل إمكان أدائها، أو بعد الإمكان. وإذ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ تَلَفَ مَالِهِ قَبْلَ ضَمَانِ زكاته. كان القول قوله، ولا تلزمه اليمين. وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ رِشْوَةَ أَرْبَابِ الأموال، ولا يقبل هداياهم، قال ﷺ " هدايا الأمراء غُلُولٌ". وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ: أَنَّ الرِّشْوَةَ مَا أُخِذَتْ طَلَبًا، وَالْهَدِيَّةَ مَا بُذِلَتْ عَفْوًا. وإذا ظهرت خيانة العامل كان الإمام هو الْمُسْتَدْرِكُ لِخِيَانَتِهِ دُونَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ
стр. 118
أهل السَّهْمَانِ فِي خُصُومَتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَظَلَّمُوا إلَى الإمام ظلامة ذوي الْحَاجَاتِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْعَامِلِ لِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ بِهِمْ، فَأَمَّا شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي وَضْعِهِ لَهَا في غَيْرَ حَقِّهَا سُمِعَتْ. وَإِذَا ادَّعَى أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ دفع الزكاة إلى العامل وأنكرها العامل، فالقول قول أرباب الأموال بغير يمين، بناء على ما تقدم وأنهم لا يستحلفون، وأحلف العامل على ما أنكره وبرئ، لأن كونه أمينا لا يمنع يمينه كالمودع. فإن شهد بعض أرباب الأموال لبعض في الدفع إلى العامل نظرت، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّنَاكُرِ وَالتَّخَاصُمِ لَمْ تُسْمَعْ شهادتهم، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا سُمِعَتْ وَحُكِمَ عَلَى الْعَامِلِ بالغرم.
وإن ادَّعَى بَعْدَ الشَّهَادَةِ أَنَّهُ قَسَمَهَا فِي أَهْلِ السَّهْمَانِ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ هَذِهِ الدَّعْوَى بِإِنْكَارِهِ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ السهمان بأخذها منه لم تسمع شهادتهم، لأنه قد أكذبها بِإِنْكَارِ الْأَخْذِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْعَامِلُ بِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَادَّعَى قِسْمَتَهَا فِي أَهْلِ السَّهْمَانِ فَأَنْكَرُوهُ كَانَ قوله في قسمتها مقبولا لأنه مؤتمن فيها، وقولهم في الإنكار مقبولا فِي بَقَاءِ فَقْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ. وَمَنْ ادَّعَى مِنْ أَهْلِ السَّهْمَانِ فَقْرًا قُبِلَ مِنْهُ. وَمَنْ ادَّعَى غرما لم يقبل منه إلا بِبَيِّنَةٍ. وَإِذَا أَقَرَّ رَبُّ الْمَالِ عِنْدَ الْعَامِلِ بقدر زكاته ولم يخبره مبلغ مَالِهِ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ، ولم يجبره بإحضار ماله. وإذا أخطأ رب المال قسمة الزكاة، ووضعها في غير مستحق نظرت، فإن كان مما يخفى حاله من الأغنياء فهل يضمنها؟ على روايتين، وإن كان ممن لا يخفى حاله من ذوي القربى والكفار والعبيد ضمنها رواية واحدة. ولو كان العامل هو الخاطئ في قسمتها، فقياس قوله أنه يضمن لرب المال فيما لا يخفى، وهل يضمن فيما يخفى؟ على الروايتين لأن أحمد قال في رب المال " إذا دفعها إلى غنى يضمن". جعل العلة فيه أنها للفقراء وهذا غني، وهذا المعنى موجود في العامل، فقال في رواية المروزي " يعيد إنما هي للفقراء".
стр. 119
فصل في قسمة الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
وَأَمْوَالُ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ: مَا وَصَلَتْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ كَانُوا سَبَبَ وُصُولِهَا. وَيَخْتَلِفُ الْمَالَانِ فِي حُكْمِهِمَا , وَهُمَا مُخَالِفَانِ لِأَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّدَقَاتِ مَأْخُوذَةٌ من المسلمين، تطهيرا لهم. الفيء وَالْغَنِيمَةَ مَأْخُوذَانِ مِنْ الْكُفَّارِ انْتِقَامًا مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ فِيهِ. وَفِي أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ مَا يَقِفُ مَصْرِفُهُ عَلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ أَمْوَالَ الصَّدَقَاتِ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ أَرْبَابُهَا بِقِسْمَتِهَا في أهلها. ولا يجوز لأهل الفيء أَنْ يَنْفَرِدُوا بِوَضْعِهِ فِي مُسْتَحِقِّهِ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْوُلَاةِ. وَالرَّابِعُ: اخْتِلَافُ الْمَصْرِفَيْنِ، على ما نذكره. والفيء والغنيمة متفقان من وجهين، مختلفان من وجهين.
أما وجها افتراقهما: فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ وَاصِلٌ بِالْكُفْرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَصْرِفَ خُمُسِهِمَا وَاحِدٌ. وَأَمَّا وجها افتراقهما: فأحدهما: أن مال الفيءمأخوذ عَفْوًا، وَمَالَ الْغَنِيمَةِ مَأْخُوذٌ قَهْرًا. وَالثَّانِي: أَنَّ مصرف أربعة أخماس الفيء مخالف لمصرف أربعة أخماس الغنيمة على ما نذكره. فنبدأ بِمَالِ الْفَيْءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَالٍ وَصَلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَلَا بإيجاف خيل ولا ركاب: كَمَالِ الْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ وَأَعْشَارِ مَتَاجِرِهِمْ، أَوْ كَانَ واصلا بسبب من جهتهم، كمال الخراج، فظاهر كلام أحمد: أن ما أخذ بسبب من جهتهم جار مجرى ما أخذ منهم، لأنه قال في رواية إسحاق ". الفيء ما صولحوا عليه، وهو جزية الرءوس. وخراج الأرضين السواد، وغيرها. وهذا لكل المسلمين فيه حق". وقال في رواية ابن منصور وصالح " الخراج على الأرض مثل الجزية على الرقبة". فقد نص على أن الخراج من جملة الفيء وأنه للمسلمين. وإذا ثبت أن حكمه حكم الفيء، فهل يخمس ذلك أم لا؟ المنصوص عنه، أنه لا يخمس، ويصرف جميعه في المصالح العامة.
стр. 120
قال في رواية أبي طالب - في قوم حملتهم الريح فألقتهم في بعض السواحل، فقالوا جئنا للتجارة " فإن لم يعرفوا بالتجارة ولا يشبهون التجار لم يصدقوا ولا يخمس مالهم، إنما الخمس في الغنيمة وما قاتلوا عليه، وهذا لم يقاتلوت عليه، فلا يكون غنيمة ولا فيه خمس". وذكر الخرقي أن فيه الخمس لأهل الخمس، مقسوما عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةٍ. سَهْمٌ مِنْهَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ، يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَزْوَاجِهِ، وَيَصْرِفُهُ في مصالح المسلمين. وأما بعد موته فالمنصوص عنه أن مصرفه إلى أهل الديوان وهم الذين نصبوا أنفسهم للقتال في الثغور على قدر كفاياتهم. قال في رواية أبي طالب " سهم الله والرسول واحد فلما مات رسول الله ﷺ جعله أبو بكر في الكراع والسلاح فهو فيما جعله، لا يجوز صرفه لغير أهل الديوان".
وظاهر كلام الخرقي: أنه مصروف إلى مصالح المسلمين عامة، كأرزاق الجيش ن وَإِعْدَادِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ، وَأَرْزَاقِ القضاة وَالْأَئِمَّةِ، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِنْ وُجُوهِ المصالح، يبدأ بالأهم فالأهم، لأنه قال" سهم الرسول مصروف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين". السهم الثاني: سهم ذوي القربى، وحقهم فيه ثابت وهم بنو هاشم، وبنو المطلب ابنا عبد مناف خاصة، ولا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ وَأَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، ويفضل فيه بين الرجال والنساء، للذكر مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ بِاسْمِ الْقَرَابَةِ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِمَوَالِيهِمْ وَلَا لِأَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ. وقد قال أحمد رواية حنبل وابن منصور " إذا وصى لبني هاشم لا يكون لمواليهم شيء". وهذا من كلامه يدل على أنه لا حق لهم في خمس الخمس، لأنه لما أسقط دخولهم في الوصية دل على أنهم لا يدخلون في خمس الخمس. وإنما لم يتبعوا مواليهم في استحقاق الفيء، لأنه مستحق بالقرابة ولا قرابة وتبعوهم في حرمان الزكاة.
стр. 121
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ حُصُولِ الْمَالِ وَقَبْلَ القسمة، كان سهمه مستحقا لورثته. السهم الثالث لليتامى من ذوي الحاجات. واليتيم: موت الأب مع الصغر، يستوي فِيهِ حُكْمُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ، فَإِذَا بَلَغَا زَالَ اليتيم عنهما. السهم الرابع: للمساكين: وهم من لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ، لأن مساكين الفيء متميزون عن مساكين الصدقات، لاختلاف مصرفهما. السهم الْخَامِسُ. لِبَنِي السَّبِيلِ: وَهُمْ الْمُسَافِرُونَ مِنْ أَهْلِ الفيء، لا يجدون ما ينفقون، المجتاز منهم دون المنشئ للسفر، فهذا حكم خمس الفيء في القسمة. وأما أربعة أخماسه فهو مصروف في مصالح العامة الَّتِي مِنْهَا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ وَمَا لَا غِنَى بالمسلمين عنه، ولا يختص ذلك بالجيش. وقد قال أحمد في رواية الحسن بن على بن الحسن الإسكافي - وقد سأله عن الفيء: للمسلمين عامة أو لقوم دون قوم؟ - فقال " للمسلمين عامة". فقد جوز أن تصرف الصدقة في أهل الفيء، ولا يصرف الفيء في أهل الصدقة.
وقد قال محمد بن يحيي الكحال: قلت لأبي عبد الله " يوجه من زكاته إلى الثغر؟ قال: نعم". فقد أجاز صرفها إلى المرابطين من أهل الفيء، خلافا لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يجوز ذلك. وقالوا: وأهل الصدقة من لا هجرة له، ولا هو من المقاتلة عن المسلين، ولا من حماة البيضة. وأهل الفيء ذوو الهجرة، الذوابون عَنْ الْبَيْضَةِ، وَالْمَانِعُونَ عَنْ الْحَرِيمِ، وَالْمُجَاهِدُونَ لِلْعَدُوِّ. وَكَانَ اسْمُ الْهِجْرَةِ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى من هاجر من وطنه إلى المدينة، طلبا للإسلام ثُمَّ سَقَطَ حُكْمُ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ مُهَاجِرِينَ وَأَعْرَابًا، فَكَانَ أَهْلُ الصَّدَقَةِ يُسَمَّوْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعرابا، ويسمي أهل الفيء مهاجرين. فإذا أراد الإمام أن يصل قوما لما يعود بمصالح المسلمين، كالرسل والمؤلفة قلوبهم، جاز أن يصلهم من مال الفيء، كما أعطى النبي ﷺ للمؤلفة يوم حنين، مثل عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، والعباس بن مرداس السلمي.
стр. 122
وإن كان صلة لَا تَعُودُ بِمَصْلَحَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ الْمَقْصُودُ بها نفع المعطي خاصة كانت الصلة من ماله. ويجوز للإمام أن يعطي ذكور أولاده من مَالَ الْفَيْءِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنْ كَانُوا صغارا فالحكم فيهم، وفي صغار أولاد غيره، وفي إناث أولاده وإناث أولاد غيره سواء. وظاهر كلام أحمد: جواز العطاء لهم. قال في رواية بكر بن محمد عن أبيه " الأموال - كالفيء، والغنيمة، والصدقة - فالفيء ما صولح عليه من الأرضين وجزية الرءوس، وخراج الأرضين السواد وغيره، وهذا لكل المسلمين فيه حق، وهو على ما يرى - يعني الإمام أليس عمر ﵁ قد فرض لأمهات المؤمنين في الفيء، ولأبناء المهاجرين سواء؟ وكان يقول: لكل أحد في هذا المال حق إلا العبد، وكان يقضي للمنفوس". فقد حكى قول عمر " لكل أحد فيه حق إلا العبد" وحكى فعله، وأنه فرض لنساء النبي ﷺ ولأبناء المهاجرين وللمنفوس، ولم ينكر ذلك. والظاهر أنه أخذ بذلك.
وَأَمَّا عَبِيدُهُ وَعَبِيدُ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مقاتلة فنفقاتهم في ماله وأموال ساداتهم. وإن كانوا، فظاهر كلام أحمد: لا يَفْرِضُ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ، وَلَكِنْ تُزَادُ سَادَاتُهُمْ في العطاء لأجلهم. فَإِنْ عَتَقُوا جَازَ أَنْ يَفْرِضَ لَهُمْ فِي العطاء، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية " لكل أحد في هذا المال حق إلا العبد".
стр. 123
وَيَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِنُقَبَاءِ أَهْلِ الْفَيْءِ فِي عَطَايَاهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِعُمَّالِهِمْ، لِأَنَّ النُّقَبَاءَ مِنْهُمْ وَالْعُمَّالَ يَأْخُذُونَ أَجْرًا عَلَى عَمَلِهِمْ. وقد نقل المروزي عن أحمد في العاملين على الصدقة يكون الكتبة معهم قال: ما سمعت الكتبة". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِلُ الْفَيْءِ مِنْ ذَوِي القربى من بني هاشم وبني المطلب. وكذلك العامل في الصدقات إذا أراد سهمه منها وقد ذكرنا فيما تقدم. وَلَا يَجُوزُ لِعَامِلِ الْفَيْءِ أَنْ يَقْسِمَ مَا جَبَاهُ إلَّا بِإِذْنِ. وَيَجُوزُ لِعَامِلِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يقسم ما جباه بغير إذن مالم ينه عنه، لأن مصرف مَالِ الْفَيْءِ عَنْ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَمَصْرِفِ الصَّدَقَةِ بنص الكتاب. وولاية العامل تنقسم ثلاثة أقسام أَحَدُهَا: أَنْ يَتَوَلَّى تَقْدِيرَ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَتَقْدِيرَ وَضْعِهَا فِي الْجِهَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ مِنْهَا، كَوَضْعِ الْخَرَاجِ والجزية. فمن شرط هذه الولاية أربعة أوصاف: أن يكون مسلما، حرا، مجتهدا في أحكام الشريعة، متضلعا في الحساب وَالْمِسَاحَةِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَامَّ الْوِلَايَةِ على الجباية ما استقر من أموال الفيء، فلها ثلاثة أوصاف: الْإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالِاضْطِلَاعِ بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ, وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ ما استقر بوضع غيره. القسم الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَاصَّ الْوِلَايَةِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ خَاصٍّ، فَيُعْتَبَرُ مَا وَلِيَهُ منها. فإن لم يستقر فِيهِ عَنْ اسْتِنَابَةٍ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ، مع اضطلاعه بشروط ما ولي من حساب أو مساحة، ولم يجز أن يكون ذميا. ويجوز أن يكون عبدا على قياس العامل في الصدقات. وقد قيل: لا يجوز لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً. وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنَابَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، لِأَنَّهُ كَالرَّسُولِ الْمَأْمُورِ.
فأما كونه ذميا فينظر فيما وليه مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ فِيهِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْجِزْيَةِ، وَأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا. وَإِنْ كَانَتْ معاملته مَعَ الْمُسْلِمِينَ، كَالْخَرَاجِ الْمَوْضُوعِ عَلَى رِقَابِ الْأَرْضِينَ إذا صارت في أيدي المسلمين احتمل وجهين. وَإِذَا بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ فَقَبَضَ مَالَ الْفَيْءِ مَعَ فَسَادِ وِلَايَتِهِ بَرِئَ الدَّافِعُ مِمَّا عَلَيْهِ إذا لم ينه عن القبض، لأن القابض مأذون له مع فساد وِلَايَتُهُ، وَجَرَى فِي الْقَبْضِ مَجْرَى الرَّسُولِ. وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَفَسَادِهَا أَنَّ لَهُ الإجبار على الدفع مع صحة الولاية وليس له الْإِجْبَارُ مَعَ فَسَادِهَا.
стр. 124
فإن نهى عن القبض مع فساد الولاية لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَبْضُ وَلَا الْإِجْبَارُ، وَلَمْ يَبْرَأْ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ إذَا عَلِمَ بِنَهْيِهِ. وفي براءته إن لم يعلم بالنهي وجهان: بناء على عزل الوكيل إذا تصرف من غير علم بالعزل, وفيه روايتان: فهذا حكم مال الفيء. فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَهِيَ أَكْثَرُ أَقْسَامًا وَأَحْكَامًا، لِأَنَّهَا أصل تفرع عنه الفيء. وتشتمل على أربعة أقسام: أسرى، وسبي , وأرضين، وأموال. أما الأسرى: فهم الرجال الْمُقَاتِلُونَ مِنْ الْكُفَّارِ إذَا ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِأَسْرِهِمْ، فالإمام، أو من استنابه الإمام عليهم من أمراء الْجِهَادِ، مُخَيَّرٌ فِيهِمْ - إذَا أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ - في فعل الْأَصْلَحِ: مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ. إمَّا الْقَتْلُ، وَإِمَّا الِاسْتِرْقَاقُ، وَإِمَّا الْفِدَاءُ بِمَالٍ أَوْ أَسْرَى، أو المن بِغَيْرِ فِدَاءٍ. فَإِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْهُمْ، ورقوا في الحال، وسقط التخيير بين الرق والمن والفداء. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب: في العرب إبذا أسلموا بعتد أن أخذوا صاروا في حيز المسلمين وقبضهم، يجري فيه سهام المسلمين يقسمون بين من قال الله ، وذلك أن الفداء عقوبة يؤخذ لأجل الكفر فسقطت بالإسلام كالقتل. ولا يلزم عليه الرق، لأنه لا تجب عقوبته، بدليل أنه يجري على النساء والصبيان وليسا من أهل العقوبة.
وإذا ثبت خياره بين الأمورالأربعة تصفح أحوالهم، واجتهد رأيه فيهم فم علم منه قوة بأسه، وشدة نكايته، وأيس من إسلامه، وعلم ما في قلبه مِنْ وَهَنِ قَوْمِهِ قَتَلَهُ صَبْرًا مِنْ غَيْرِ مثله.
стр. 125
وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ ذَا جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى العمل، وكان مأمون الخيانة والجناية استرقه، فيكون عَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ مَرْجُوَّ الْإِسْلَامِ، أَوْ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَرَجَا بِالْمَنِّ عَلَيْهِ إما إسلامه، أو تألف قومه من عليه وأطلقه. ومن وجده منه ذَا مَالٍ وَجَدَّةٍ وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ خُلَّةٌ وَحَاجَةٌ فاداه على مال، وجعله عدة للمسلمين وقوة للإسلام، وإن كان في أسرى عشيرته أحد م الْمُسْلِمِينَ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ فَأَدَّاهُ عَلَى إطلاقهم. فيكون خياره في الأربعة على الوجه الأحظ والأصلح. ويكون المال المأخوذ في الفداء غنيمة يضاف إلى الغنائم، ولا يختص به من بين المسلمين. ومن أباح الإمام دمع من المشركين لعظم نكايته، وشدة بأسه وأذيته ثُمَّ أُسِرَ جَازَ لَهُ الْمَنُّ عَلَيْهِ وَالْعَفْوُ عنه.
стр. 126
فأما ضعفة الكفار: كالشيخ الهرم، والزمن، أو كان ممن قد تخلى من الرهبان، وأصحاب الصوامع، فينظر، فإن كانوا يمدون المقاتلة بآرائهم وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ جَازَ قَتْلُهُمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَكَانُوا فِي حُكْمِ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ فِي رَأْيٍ وَلَا تَحْرِيضٍ لم يجز قتلهم، فهذا حكم القتل. وَأَمَّا السَّبْيُ فَهُمْ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ. فَلَا يَجُوزُ قتلهم، سواء كانوا من أهل الكتاب، أو كانوا مِنْ قَوْمٍ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ، كَالدَّهْرِيَّةِ، وَعَبَدَةِ الأوثان. ويكونون سبيا مسترقا، يقسمون بين الغانمين , وهذا ظاره كلام الخرقي؛ لأنه قال " وإنما يكون له استراقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو مجوس. فأما ما سوى هؤلاء من العدو فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء". وظاهر هذا أن غير البالغين من الرجال والنساء لا يقتلون. وليس يمتنع أن لا يجري القتل على النساء والصبيان من غير أهل الكتاب. ويجري على الرجال والبالغين، كما وجب حقن دماء أهل الكتاب ولم يجب حقن دماء الرجال منهم.
ولا يفرق - ممن استرق - بين ذوي الرحم المحرم، كالوالدين، والمولودين، الإخوة، والأخوات. ولا يجوز أن يفادى بالسبي على مال. ولا يفادونهم على أسرى من المسلمين في أيدي قومهم. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه: في الصغير يسبى، هل يفادى به، وهو مع أبويه، وهو على دينهم؟ قال " لا" وإن كان على دينهم، ولا يفادي وهم صغار، يطمع أن يموت أبواهم وهم صغار، فيكونون مسلمين".فقد نص على المنع في الصبيان.
стр. 127
وحكم في النساء كذلك لاشتراكهم في المعنى، خلافا لأصحاب الشافعي في قولهم: يجوز الفداء بالمال، ويكون المال مغنوم. وإن كان الفداء بالأسارى عوض الغانمين مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ. وَإِنْ أَرَادَ الْمَنَّ عَلَيْهِمْ، لم يجز إلا باستطابة نفوس الغانمين بالعفو عنهم أو بمال يعوضهم من سهم المصالح. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْغَانِمِينَ عَنْ تَرْكِ حَقِّهِ، لم يجبر. وإنما لم يجز الفداء لأن حقهم ثابت في السبي، فلم تجز المعاوضة عليه. دليله سائر أموالهم، وكما لو قسمها بينهم، ولأنه لو جاز الفداء لجاز المن عليهم كالبالغين ولأن من أصلنا أنه لا يجوز بيع السبي من أهل الذمة، فالفداء كذلك، لأنه معاوضة. وإذا كان في السبايا ذوات أزواج، نظرت، فإن سُبِينَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ فَهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ سبين منفردات بطل النكاح. وإذا أَسْلَمَتْ مِنْهُنَّ ذَاتُ زَوْجٍ قَبْلَ حُصُولِهَا فِي السبي، فهي حرة، ونكاحها يبطل بانقضاء العدة.
стр. 128
وَإِذَا قَسَمَ السَّبَايَا فِي الْغَانِمِينَ حَرُمَ وَطْؤُهُنَّ حتى يستبرئهن بِحَيْضَةٍ، إنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ أَوْ بوضع الحمل إن كن حوامل. وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وأحرزوه ملكوه فإن أَدْرَكَهُ مَالِكُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ، وإن أدركه بعدها فعلى روايتين: إحداهما: هو أحق به بالثمن. والثانية: لا حق له فيه، وغانمه أحق به. ويجوز شراء أولاد الْحَرْبِ مِنْهُمْ، كَمَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ. وَيَجُوزُ شِرَاءُ أولاد العهد منهم، ولا يجوز سبيهم.
وما غنمه الواحد والاثنان هل يجري عليه حكم الغنيمة في أخذ خمسه؟ على ثلاث روايات: إحداها: يجري، والثانية: لا يؤخذ خمسه حتى يكونوا سرية عددا ممتنعا، والثالثة: لا حق للغانمين فيه، وجميعه فيء للمسلمين، عقوبة لهم لخروجهم بغير إذن الإمام. وإذا أسلم أحد الأبوين كان إسلاما لصغير أَوْلَادِهِمَا مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْبَالِغَيْنِ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَالِغُ مَجْنُونًا، وكذلك من مات من الأبوين حكم بإسلام أولاده الأصاغر. وإذا كان الصغير مميزا فأسلم، صح إسلامه بنفسه، وتصح ردته، ولكن لا يقتل حتى يبلغ.
стр. 129
فأما الأرضون إذا استولى عليها المسلمون فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما ملكت عليهم عَنْوَةً وَقَهْرًا، حَتَّى فَارَقُوهَا بِقَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ أو جلاء، ففيها روايتان، نقلهما عبد الله. إحداهما: أَنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً، كَالْأَمْوَالِ تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، إلَّا أَنْ يَطِيبُوا نَفْسًا بِتَرْكِهَا فَتُوقَفُ عَلَى مصالح المسلمين. ولفظ كلام أحمد رحمه الله تعالى قال: " كل أرض تؤخذ عنوة فهي لم قاتل عليها بمنزلة الأموال: أربعة أسهم لمن قاتل عليها، وسهم لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين، بمنزلة الأموال " نقلها أبو بكر الخلال في الأموال. والثانية: أن الإمام فيها بالخيار في قسمتها بين الغانمين، فتكون أرض عشر أَوْ يَقِفُهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ دَارَ إسْلَامٍ، سَوَاءٌ سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوْ أعيد إليها المشركون. ولفظ كلام أحمد في ذلك أن قال " الأرض إذا كانت عنوة هي لمن قاتل عليها، إلا أن
стр. 130
يكون وقفها من فتحها على المسلمين، كما فعل عمر رضي اله عنه بالسواد، وضرب عليهم الخراج، فهي كما فعل الفاتح لها إذا كان من أئمة الهدى". وظاهر هذا أنها تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها حتى يقفها الإمام لفظا. وقد روي عنه ما دل على أنها تصير وقفا بالاستيلاء. فقال في رواية حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم ثم دفعوها إلى أهلها وأضافوا عليها وظيفة، فتلك الوظيفة جارية للمسلمين".
وكذلك نقل محمد بن أبي حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون، فصارت فيئا لهم". فقد أطلق القول أنها تصير فيئا، ويجب الخراج، ولم يعتبر لفظ الوقف، وهو اختيار أبي بكر بن عبد العزيز في الأموال فقال " كل ما فتحه المسلمون عنوة فعليه الخراج حق الرقبة". وإذا ثبت أنها تصير وقفا، إما لفظا، أو بنفس الاستيلاء، فإنه لا يجوز بيعها ولا رهنها.
стр. 131
والإمام يضرب عليها خراجا يكون أجرة لرقابها، يؤخذ مِمَّنْ عُومِلَ عَلَيْهَا، مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ ويجمع بَيْنَ خَرَاجِهَا وَأَعْشَارِ زُرُوعِهَا وَثِمَارِهَا، إلَّا أَنْ تكون الثمار من نخل كان فيها عند الاستيلاء عليها، فيكون النَّخْلُ وَقْفًا مَعَهَا لَا يَجِبُ فِي ثَمَرِهَا عشر، ويضع الإمام عليها الخراج، ويكون ما استؤنف غرسه من النخل معشورا، وأرضه خراجا. والقسم الثاني فيها ما ملك عفوا، وهو إن أجلوا عنها خوفا فيكون وقفا. وقيل لا يصير وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ لَفْظًا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا خراجا يكون أجرة لرقابها، يؤخذ ممن عومل عليها من مسلم ومعاهد، وَيَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ خَرَاجِهَا وَأَعْشَارِ زُرُوعِهَا وَثِمَارِهَا، إلا أن يكون النخل من نخل كان فيها عند الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَتَكُونُ تِلْكَ النَّخْلُ وَقْفًا مَعَهَا لَا يَجِبُ فِي ثَمَرِهَا عُشْرٌ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا، أَوْ المساقاة على ثمرها، ويكون ما ستؤنف غرسه من النخل معشورا وأرضه خراجا. وظاهر كلام أحمد أنها تكون وقفا، لأنه قال في رواية أبي الحارث وصالح " كل أرض جلا عنها أهلها بغير قتال فيه فيء". ومعناه وقف، كما قال في رواية حنبل " ما فتح عنوة هو فيء للمسلمين". وقال في رواية حرب ومحمد بن أبي حرب " الأرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم، ثم دفعها إلى أهلها وأضافوا عليها وظيفة، فتلك الوظيفة جارية للمسلمين أبدا". فقد سمى أرض الخراج العنوة فيئا.
القسم الثَّالِثُ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا صُلْحًا عَلَى أَنْ تُقَرَّ فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا، فَهَذَا على ضربين: أحدهما: أن تصالحهم عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْأَرْضِ لَنَا، فَتَصِيرُ بِهَذَا الصلح وقفا من دار الإسلام، لا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا رَهْنُهَا، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أُجْرَةً لا يسقط عنهم بإسلامهم، ويؤخذ خَرَاجُهَا إذَا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ صَارُوا بِهَذَا الصُّلْحِ أَهْلَ عَهْدٍ، فَإِنْ بذلوا الجزية عن رِقَابِهِمْ جَازَ إقْرَارُهُمْ فِيهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ منعوا الجزية لم يجبروا عليها، ولم يقروا فيها سنة بغير جزية. وقد قال أحمد في رواية " ما فتح عنوة فهو فيء للمسلمين، وما صولحوا عليه فهو لهم يؤدون إلى ما صولحوا عليه، ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية، والأرض فيء للمسلمين". فقد بين أن الأرض فيء وهذا محمول على أن الأرض لنا. والضرب الثاني: أن يصالحوا على أن ملك الْأَرْضِينَ لَهُمْ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا، فهذا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عنهم، نص عليه في رواية ابن منصور وذكر له قول سفيان " ما كان من أرض صولح عليها ثم أسلم أهلها فقد وضع الخراج عنهم". قال أحمد " جيد" قيل له: وما كان من أرض أخذت عنوة ثم سلم صاحبها وضعت عنها وأقر على أرضه بالخراج؟ قال أحمد "جيد". فقد نص على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام. وهذا محمول على ملك الأرضين لهم. وَلَا تَصِيرُ أَرْضُهُمْ دَارَ إسْلَامٍ، وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ، وَلَهُمْ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا. وَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا،
стр. 132
وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الصُّلْحِ، وَلَا تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الإسلام. فإن نقضوا الصلح بعد استقرارهم، نظرت، فإن ملكت غير فهل تكون على حكمها دار عهد؟ يخرج على وجهين: ذكر الخرقي أنه ينتقض في الدار، فتحصل دار حرب. وذكر أبو بكر أنه لاينتقض، فعلى هذا تكون دار عهد. وإن لم يملك صارت الدار حربا وجها واحدا.
стр. 133
فأما الأموال المنقولة فإذا جمعت لم تقسم مع غنائم الْحَرْبِ حَتَّى تَنْجَلِيَ، لِيُعْلَمَ بِانْجِلَائِهَا تَحَقُّقُ الظَّفَرِ، واستقرار الملك؛ لأن لا يَتَشَاغَلَ الْمُقَاتِلَةُ بِهَا فَيُهْزَمُوا. فَإِذَا انْجَلَتْ الْحَرْبُ جاز تعجيل قسمتها في دار الحرب، وجاز تأخيرها إلى دار الإسلام، بحسب ما يراه أمير الجيش من الصلاح. وإذا أَرَادَ قِسْمَتَهَا بَدَأَ بِأَسْلَابِ الْقَتْلَى، فَأَعْطَى كُلَّ قاتل سلب قتيله، سواء شرط الأمير له بذلك أو لم يشرطه. وعنه رواية أخرى: إن أشرطه لهم استحقوه، وإن لم يشرطه لهم كان غنيمة يشتركون فيه، ولا يخمس السلب. فإذا فرغ من إعطاء السلب، فإنه يَبْدَأُ بَعْدَ السَّلَبِ بِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ، فَيَقْسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ عَلَى خَمْسَةٍ أسهم، وهذا لا تختلف الرواية فيه، وإنما اختلفت في مال الفيء هل يخمس؟
стр. 134
وَأَهْلُ الْخُمُسِ فِي الْغَنِيمَةِ: هُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ في الفيء على ما شرحناه هناك. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب، وقد سئل: إذا جمعوا الغنائم هل يعطيهم النفل؟ قال: " لايعطيهم شيئا حتى يخمس جميع الغنيمة، فإذا خمس جميع الغنيمة أعطاهم النفل". وهو مقدم أيضا على أهل الرضخ، وهم مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ حَاضِرِي الْوَقْعَةِ: من العبيد، والنساء، والصبيان، والمرضى، و'أهل الذمة، على الرواية التي لا سهم لهم. فالخمس مقدم عليهم لا يرضخ لهم من الغنيمة بحسب غنائمهم. ولا يبلغ برضخ أحد منه سهم فارس ولا راجل. فإن زال نقص أهل الرضخ بعد حضور الواقعة، فعنق العبد، وبلغ الصبي، وأسلم الْكَافِرِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ أسهم لهم ولم يرضخ،، وإن كان بَعْدَ انْقِضَائِهَا رَضَخَ لَهُمْ وَلَمْ يُسْهِمْ. ثُمَّ تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ، بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَالرَّضْخِ مِنْهَا، بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَهُمْ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ الْأَصِحَّاءُ، يَشْتَرِكُ فِيهَا من قاتل ومن لم يقاتل، لأن غير المقاتل عون للمقاتل وردء له عند الحاجة. وقسمة الغنيمة بينهم قسمة استحقاق، لا يرجع فيها إلى اختيار القاسم، ووالي الجهاد، ولا يجوز أن يشترك معهم غيرهم ممن لم يشهد الواقعة.
واختلفت الرواية عن أحمد في تفضيل بعضهم على بعض، فروي عنه جواز ذلك، وروي عنه التسوية. وَإِذَا اخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَجَبَ أن يفضل الفارس على الراجل بفضل غنائه، فيعطي الفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهم واحد. وَلَا يُعْطَى سَهْمُ الْفَارِسِ إلَّا لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ خاصة ويعطى لركاب البغال والحمير سهام الرجالة، ويعطى ركاب الإبل والفيلة سهام الهجين.
стр. 135
وفي سهم الهجين روايتان: إحداهما: مثل سهام عتاق الخيل. والثانية: يعطى الهجين سهمان. وإذا شهد الواقعة بفرسه أسهم له وإن لمن يُقَاتِلْ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَلَّفَهُ فِي الْعَسْكَرِ لَمْ يسهم له، وإذا حضر الوقعة بأفراس أعطي سهم فرسين. وَمَنْ مَاتَ فَرَسُهُ بَعْدَ حُضُورِ الْوَقْعَةِ أَسْهَمَ له، ومن مات قبلها لم يسهم له، وكذلك إن كان هو الميت. وإذا جاءهم مدد قبل انجلاء الحرب شركوهم في الغنيمة وغن جاءوا بعد انجلائها لم يشركوهم. ويستوي في قسمة الغنيمة بين مرتزقة والجيش وبين متطوعة إذَا شَهِدَ جَمِيعُهُمْ الْوَقْعَةَ. وَإِذَا غَزَا قَوْمٌ بغير إذا الإمام كان ماغنموه مخموسا والباقي لهم. وفيه رواية أخرى: لا يخمس وجميعه لهم. وفيه رواية أخرى ثالثة: لا يملك كالغنيمة. وإذا دخل دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، أَوْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَهُمْ فَأَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ. لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي نفس ولا مال، وعليه أن يؤمنهم كما أمنوه. وإذا كان في المقاتلة من هر غناؤه، وَأَثَّرَ بَلَاؤُهُ؛ لِشَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ، أَخَذَ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أُسْوَةَ غَيْرِهِ، وَزِيدَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ لأجل غنائه، وإن رأي تفضيله من سهم الغنيمة على إحدى الروايتين فله ذلك.
стр. 136
فصل في وضع الخراج والجزية
والجزية والخراج حقان أوصل الله تعالى الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ. يَجْتَمِعَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. ثُمَّ تَتَفَرَّعُ أَحْكَامُهُمَا. فَأَمَّا الْأَوْجُهُ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا: فَأَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ عَنْ مُشْرِكٍ صغارا له وذلة. والثاني: أنهما مالا فَيْءٍ يُصْرَفَانِ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يَجِبَانِ بِحُلُولِ الْحَوْلِ، وَلَا يُسْتَحَقَّانِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا الوجوه الَّتِي يَفْتَرِقَانِ فِيهَا.
فَأَحَدُهَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ نَصٌّ، والخراج اجْتِهَادٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ، وأكثرها مقدر بالاجتهاد. والخراج أكثره وأقله مُقَدَّرٌ بِالِاجْتِهَادِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مَعَ بقاء الكفر، وتسقط بحدوث الإسلام، والخراج قد يؤخذ مع الكفر والإسلام. فنبدأ بالجزية فنقول: هي مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ، وَاسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَزَاءِ، إمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا، أو جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا. وتؤخذ الجزية ممن له كتاب أو شبهة كتاب.
стр. 137
أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل؛ والعرب في أخذ الجزية منهم كغيرهم. وأما من له شبهة كتاب فهم المجوس، يجرون مجرى أهل الكتاب في أخذ الجزية وَإِنْ حَرُمَ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ. وَتُؤْخَذُ مِنْ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ إذَا وَافَقُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى في أصل معتقدهم وإن خالفوهم في فروعهم. ولا تؤخذ منهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم. ولا تؤخذ جزية مرتد، ولا دهري، ولا عابد وثن. ومن دخل في اليهودية والنصرانية مقبل تَبْدِيلِهِمَا أُقِرَّ عَلَى مَا دَانَ بِهِ مِنْهُمَا، وَلَا يُقَرُّ إنْ دَخَلَ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمَا. وَمَنْ جهلت حالة أخذت جزيته، ولم تؤكل ذبيحته، ولم تنكح نساؤه. وفيه رواية أخرى: تنكح، وتؤكل ذبيحته، نص عليها في نصارى بني تغلب. وَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إلَى نَصْرَانِيَّةٍ لَمْ يقر في أحد الوجهين، وأخذ بالإسلام، وإن عَادَ إلَى دِينِهِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ. فَفِي إقراره روايتان. ويهود خيبر وغيرهم في الجزية سواء. وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْعُقَلَاءِ. وَلَا تَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ ولا مجنون، ولو انفردت امرأة منهم على أن تكون تبعا لزوج أو لنسيب لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهَا جِزْيَةٌ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِرِجَالِ قومها وإن كانوا أجانب منها. ولو انفردت امرأة في دَارِ الْحَرْبِ فَبَذَلَتْ الْجِزْيَةَ لِلْمَقَامِ فِي دَارِ الإسلام ولم يَلْزَمْهَا مَا بَذَلَتْهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا كَالْهِبَةِ لا تؤخذ به إن امتنعت.
стр. 138
وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ.
فَإِنْ زال إشكاله وبان رجلا، أخذ بها في مستقبل أمره دون ماضيه. واختلف عن أحمد في قدر الجزية على ثلاث روايات. أحدها: أنها مقدرة الأقل والأكثر. فيؤخذ من الفقير المعتمل اثنا عشر درهما. ومن المتوسط أربعة وعشرون. ومن الموسر ثمانية وأربعون، نقلها الجماعة. والثانية: أنها غير مقدرة الأكثر والأقل، وهي إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان، نقلها الأثرم، فقال " تعاد الجزية على ما يطيقون، تزاد وتنقص. وما يرى الإمام". والثالثة: أنها مقدرة الأقل، غير مقدرة الأكثر، فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدر عمر. ولا يجوز أن ينقص منه، نقلها يعقوب بن بختان فقال: " لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد". والأولى: اختيار الخرقي، والثالثة: اختيار أبي بكر. وإذا صُولِحُوا عَلَى مُضَاعَفَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ ضُوعِفَتْ، كَمَا فعل عمر ﵁ مَعَ تَنُوخِ، وَبَهْرَاءَ، وَبَنِي تغلب بالشام. ويؤخذ من النساء والصبيان. والمنصوص عنه في الصبيان في رواية ابن القاسم، وذلك لأنها جزية مأخوذة على طريق الصلح فاستوى فيها النساء والصبيان. ويدل عليه: ما روي أبو عبيد بإسناده قال: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ " وفي الحالم والحالمة دينار أو عدله من المعافر".
стр. 139
ومعلوم أن ذلك على وجه الصلح. ولا يلزم عليه الجزية لأنها غير مأخوذة على طريق الصلح، لأن الصلح ما اعتبر فيه رضى كل واحد من المتصالحين. والجزية لا يعتبر فيها ذلك لأنهم لو بذلوها لزم الإمام قبولها من طريق الشرع. وقد صرح أحمد أنها جزية في رواية محمد بن موسى وقد سأله عن نصارى بني تغلب، فقال: " تضاغف عليهم الجزية" فقد سماه جزية. وقد علق القول في رواية ابن القاسم فقال " المال والمواشي والأرض سواء الصغير والكبير، إنما هي الزكاة". فسماها زكاة، ومعناه: حكمها حكم الزكاة في أنها تجب على الصغير والكبير.
وإذا صولحوا على ضيافة من يمر بهم من المسلمين قدرت عليهم، وأخذوا بها ثلاثة أيام لَا يُزَادُونَ عَلَيْهَا، كَمَا صَالَحَ عُمَرُ نَصَارَى الشَّامِ عَلَى ضِيَافَةِ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ المسلمين ثلاثة أيام مما يأكلون. لا يكلفونهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبن دَوَابِّهِمْ مِنْ غَيْرِ شَعِيرٍ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أهل السواد دون المدن. وإن لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ وَمُضَاعَفَةَ الصَّدَقَةِ، فَلَا صدقة عليهم في زرع ولا ثمر، ولا يلزمهم إضافة سائل ولا سابل. وقد روي عن أحمد كلام يدل على أن الذي شرط عليهم يوم وليلة. فقال حمدان بن علي: قلت لأحمد " عمر بن الخطاب جعل على أهل السواد يوما وليلة؟ قال: كنا إذا تولينا عليهم قالوا: شباشبا. قلت لأحمد: ما يوم وليلة؟ قال: يضيفونهم. قلت: ما قولهم: شباشبا؟ قال أحمد: هو بالفارسية ليلة ليلة". وقد رواه أبو بكر الخلال بإسناده عن الأحنف بن قيس " أن عمر ﵁ اشترط
стр. 140
على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته". وفي لفظ آخر " أن عمر اشترط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، فإن حبسهم مطر أو مرض فيومين. فإن مكثوا أكثر من ذلك أنفقوا من أموالهم، ويكلفوا ما يطيقون". وكذلك الضيافة في حق المسلمين الواجب يوم وليلة. قال في رواية حنبل " قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بذلك، وهو دين له: قلت: كم مقدار ما يقدر له؟ قال: ما يمونه في الثلاثة الأيام التي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : واليوم والليلة هو حق واجب". فقد بين أن المستحب ثلاثة أيام والواجب يوم وليلة. وقال في موضع آخر من مسائل حنبل وصالح " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة". فكانت جائزته أوكد من الثلاثة. وقد روى أبو بكر الخلال ما دل على الاستحباب والإيجاب.
فروى بإسناده عن أبي كريمة - المقدام بن معد يكرب - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ليلة الضيف حق واجبة، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضى الدين وإن شاء ترك ". يعني إذا لم يضف. وبإسناده عن أبي شريح الخزاعي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا رسول الله، كيف يوثمه؟ قال: يقيم عنده، وليس عنده ما يقربه". فحديث أبي كريمة يدل على وجوب اليوم والليلة. وحديث أبي شريح يدل على استحباب الثلاث. فالضيافة في حق الكفار والمسلمين، يتفقان في قدر الوجوب والاستحباب، ويختلفان في حكمين آخرين. أحدهما: أنها في حق المسلمين تجب ابتداء بالشرع، وفي حق الكفار تجب بالشرط. والثاني: أنها في حق المسلمين تعم أهل القرى والأمصار. وفي حق الكفار تختص بأهل القرى.
стр. 141
قال في رواية أبي الحارث " الضيافة تجب على كل مسلم، من كان من أهل الأمصار وغيرهم من المسلمين". وقال في موضع آخر " تجب الضيافة على المسلمين كلهم، ومن نزل به ضيف عليه أن يضيفه. والفرق بينهما " أن عمر شرط تلك على أهل القرى، والأخبار الواردة في حق المسلمين عامة لقوله ﷺ " ليلة الضيف حق واجبة". وفي لفظ آخر " الضيافة ثلاثة أيام". وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار، لعموم الخبر. وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل - وقد سأله " إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم". دل على أن المسلم والمشرك مضاف. والضيافة معناها معنى الصدقة التطوع على المسلم والكافر. فقد احتج بعموم الخبر، وأنه يعم المسلم والكافر. وإذا نزل به الضيف فلم يضفه كان دينا له على المضاف به. نص عليه في رواية حنبل. فقال " إذا نزل القوم فلم يضافوا، فإن شاء طلبه. وإن شاء ترك".
قال له " فكم مقدار ما يقدر له؟ قال " ما يمونه في الثلاثة الأيام، واليوم والليلة حق واجب".قال له: " فإن لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من أموالهم بمقدار ما يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا بعلم أهله. وله أن يطالبهم بحقه". فقد نص على أن له المطالبة بذلك. وهذا يدل على ثبوته في ذمته، لقول النبي ﷺ في حديث أبي كريمة " فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك" ومنع من أن يأخذ من مال من تجب عليه الضيافة بغير إذنه، بناء على أصله، وهو " أن من كان له على رجل حق وامتنع من أدائه وقدر له على حق لم يجز له أن يأخذه بغير إذنه". ويلزم الذمي ترك ما فيه ضرر على المسلمين وآحادهم: في مال، أو نفس. وهي ثمانية أشياء: الاجتماع في قتال المسلمين، وأن لا يزني بمسلمة، ولا يصيبها باسم نكاح، ولا يفتن مسلما عن دينه. ولا يقطع عليه الطريق ولا يؤوي للمشركين عينا، أعني جاسوسا. ولا يعاون على المسلمين بدلالة، أعني لا يكاتب المشركين بأخبار المسلمين. لا يقتل مسلما ولا مسلمة. وكذلك يلزم ترك ما فيه غضاضة ونقص على الإسلام، وهي ثلاثة أشياء، ذكر الله تعالى، وكتابه، ودينه، ورسوله، بما لا ينبغي. فهذه الأشياء يلزمهم تركها، سواء شرط ذلك الإمام عليهم أو لم يشرط.
стр. 142
فإن فعلوا ذلك أو شيئاً منه، نقض العهد في إحدى الروايتين. قال في رواية أبي الحارث: في نصراني استكره مسلمة على نفسها " يقتل، ليس على هذا صولحوا، وإن طاوعته يقتل، وعليها الحد". وقال في رواية حنبل " كل من ذكر شيئا يعرض به بالرب فعليه القتل، مسلما كان أو كافرا". وقال في رواية أبي طالب: في يهودي شتم النبي ﷺ " يقتل. قد نقض العهد". وفيه رواية أخرى " لا ينقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية وجرى أحكامنا عليهم". وقال في رواية موسى بن عيسى الموصلي" في المشرك إذا قذف مسلما " يضرب".
كذلك في رواية الميموني: في الرجل من أهل الكتاب يقذف العبد المسلم وينكل به " يضرب ما يرى الحاكم". وظاهر هذا: أنه لم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلم وإن كان ضرر على المسلمين. فأما ما ليس فيه ضرر على المسلمين، ولا غضاضة على الإسلام، مثل إظهار منكر في دار الإسلام، بإحداث البيع والكنائس في دار الإسلام، ورفع أصواتهم بكتبهم، والضرب بالنواقيس، وإطالة البنيان على المسلمين، وإظهار الخمر والخنزير، وترك ما أخذ عليهم تركه من التشبه بالمسلمين في ملبوسهم، ومركوبهم، وكناهم، وشعورهم، فهل ذلك واجب عليهم تركه، أم هو مستحب؟. فقال في رواية أبي الحارث " ينبغي أن يؤخذ أهل الذمة بالنواصي والزنانير، يذلون بذلك".
стр. 143
وقال في رواية أبي طالب " السواد فتح عنوة، فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب فيه بنا قوس ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا تشرب في الخمر، ولا يرفعون أصواتهم في دورهم". وقال في رواية إبراهيم بن هانئ، ويعقوب بن بختان " لا يتركون أن يجتمعوا في كل أحد، ولا يظهرون خمرا ولا ناقوسا". فقد أطلق القول في ذلك. فيحتمل أن يقتضي الوجوب، ويلزم بعقد الذمة، لأنها إظهار منكر في دار الإسلام، فلزم تركه بعقد الذمة. دليله: ما كان فيه ضرر على الإسلام والمسلمين. ويحتمل أن يكون ترك هذه الأشياء مستحب، لأنه لا ضرر على الإسلام والمسلمين فيه. فعلى هذا لا يلزم حتى يشترط عليهم فيصير بالشرط ملتزما. فإن ارتكبها بعد الشرط، فهل يكون نقضا لعهدهم؟. ظاهر كلام الخرقي يكون نقضا لأنه قال " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله، لأنه بالشرط قد لزمهم، ويؤخذون به إجبارا، ويؤدبون على فعله" فكان ناقضا به، كالامتناع من أداء الجزية والأشياء التي في فعلها ضرر على الإسلام والمسلمين. ويثبت الإمام ما استقر من عهد الصُّلْحِ مَعَهُمْ فِي دَوَاوِينَ الْأَمْصَارِ لِيُؤْخَذُوا بِهِ إذَا تَرَكُوهُ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ صُلْحًا رُبَّمَا خَالَفَ مَا سِوَاهُ.
وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ في السنة إلا مرة بعد انقضائها بشهور الأهلة. ومن مات فِيهَا أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقَدْرِ مَا مَضَى منها. ومن أسلم منهم كان ماله مقرا عليه، وجزيته ساقطة عنه. وكذلك إن مات قبل أدائها. وَمَنْ بَلَغَ مِنْ صِغَارِهِمْ أَوْ أَفَاقَ مِنْ مجانينهم استقبل به حول الجزية. وتسقط الجزية عن الفقير، وعن الشيخ، وعن الزمن. وَإِذَا تَشَاجَرُوا فِي دِينِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مُعْتَقَدِهِمْ، لَمْ يُعَارَضُوا فِيهِ، وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْهُ.
стр. 144
وإذا تنازعوا في حق ارتفعوا فيه إلى حاكمهم لم يمنعوا منه. وإن تَرَافَعُوا فِيهِ إلَى حَاكِمِنَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا يُوجِبُهُ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَتُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ إذَا أتوها. ومن نقض منهم عهده لم يبلغ به مأمنه، وكان الإمام فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق. هذا كلام أحمد في رواية أحمد بن سعيد " إذا منع الجزية ضربت عنقه". وقال في رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل". وذلك لأنه عقد الذمة على أن يكف عنا ونكف عنه. فإذا نقض العهد عاد بمعناه الأول، فكأنه وجد لص حربي في دار الإسلام. وَلِأَهْلِ الْعَهْدِ - إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ - الْأَمَانُ على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا أقل من سنة بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، وَلَا يُقِيمُونَ سَنَةً إلَّا بِجِزْيَةٍ، وَيَلْزَمُ الْكَفُّ عَنْهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَا يَلْزَمُ الدَّفْعُ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَإِذَا أَمَّنَ بالغ من عقلاء الْمُسْلِمِينَ حَرْبِيًّا لَزِمَ أَمَانُهُ كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمَرْأَةُ فِي بَذْلِ الْأَمَانِ كَالرَّجُلِ، وَالْعَبْدُ فِيهِ كَالْحُرِّ، سواء كان مأذونا له في القتال أو لم يكن. ويصح أمان الصبي، نص عليه. قال أبو بكر الخلال " إذا كان له سبع سنين وعقل التخيير بين أبويه فأمانه جائز". ولا يصح أمان المجنون، ومن أمنه فهو حرب، إلا أن يجهل حكم أمانه فيبلغه مأمنه. ثم يكون حربا. وإذا تظاهر أهل الذمة أو العهد بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم تقتل مقاتلتهم. وإذا امتنع أهل الذمة من بذل الجزية كان نقضا لعهدهم. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْعَةً وَلَا كَنِيسَةً، فَإِنْ أَحْدَثُوهَا هُدِمَتْ عَلَيْهِمْ.
واختلفت الرواية عن أحمد في بناء ما استهدم من بيعهم وكنائسهم القديمة. فروي عنه، أنه ليس لهم ذلك. نقلها عبد الله. والثانية: لهم ذلك، والثالثة: إن خرب جميعها لم يكن لهم ذلك. وإن استهدم بعضها جاز.
стр. 145
وإذا نقض أهل الذمة عهدهم استبيح به قتلهم، وغنيمة أموالهم، وسبي ذراريهم. وهذا ظاهر ما نقلناه عنه في رواية أحمد بن سعيد " إذا امتنع الجزية ضربت عنقه". وفي رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل". وقال الخرقي في أمر الجزية " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله " وهذا صريح من الخرقي في ذلك. فإن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا، ناقضا للعهد - وله مال في دار الإسلام - هل يكون فيئا؟ ظاهر كلام الخرقي أنه يكون فيئا، لأنه قال " ومن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا ناقضا للعهد عاد حربا. وقال أبو بكر الخلال في كتاب الخلاف " إذا أودع الحربي المستأمن في دار الإسلام مالا، ثم لحق بدار الحرب فأسر أو قتل: إنه يرد إلى ورثته". وظاهر هذا: أنه لم ينقض أمانه في ماله. وهذا الكلام في الجزية. فأما الكلام في الخراج فهو ما وضع على رقاب الأرضين من حقوق تؤدي عنها. وَالْأَرْضُونَ كُلُّهَا تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ إحْيَاءَهُ، فَهُوَ أَرْضُ عُشْرٍ لَا يجوز أن يوضع عليها الخراج. نص عليه في رواية أبي الصقر- وقد سأله عن أرض موات في الإسلام لا يعرف لها أرباب، ولا للسلطان عليها خراج، فأحياها رجل من المسلمين - فقال " من أحيا أرضا مواتا في غير أرض السواد كان للسلطان عليه فيها عشر، ليس له عليه غير ذلك".
следующие страницы →