Полный текст (289 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
هل عُمُومِ وِلَايَتِهِ فِيمَا عَدَاهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أن تكون الولاية نوعين: عامة، أو خاصة. جاز أن يكون العزل عَامًّا وَخَاصًّا. وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ فِي التَّوْقِيعِ عن الحكم بينهما حين أمره بالكشف والوساطة، فقد قيل: إن نظرة عَلَى عُمُومِهِ فِي جَوَازِ حُكْمِهِ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ أَمْرَهُ بِبَعْضِ مَا إلَيْهِ لَا يَكُونُ مَنْعًا من غيره. وقيل: يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، مَقْصُورًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ مِنْ الْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ، لِأَنَّ فَحَوَى التَّوْقِيعِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ كان التوقيع بالوساطة، لم يلزم إنْهَاءُ الْحَالِ إلَيْهِ بَعْدَ الْوَسَاطَةِ، وَإِنْ كَانَ يكشف الصورة لزمه إنهاء حالها إلَيْهِ، لِأَنَّهُ اسْتِخْبَارٌ مِنْهُ، فَلَزِمَهُ إجَابَتُهُ عَنْهُ. فَهَذَا حُكْمُ تَوْقِيعِهِ إلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ. فأما الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ، وَهُوَ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ، كَتَوْقِيعِهِ إلَى فَقِيهٍ، أَوْ شَاهِدٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ تَوْقِيعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أحوال: إما أن يكون بكشف الصورة، أو يكون بالوساطة، أو بِالْحُكْمِ.
فَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِكَشْفِ الصُّورَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَهَا، وَيُنْهِيَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، لِيَجُوزَ لِلْمُوَقِّعِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ؛ فَإِنْ أَنْهَى مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ يه، كَانَ خَبَرًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْمُوَقِّعُ، وَلَكِنْ يَجْعَلُهُ فِي نَظَرِ الْمَظَالِمِ مِنْ الْأَمَارَاتِ الَّتِي يَغْلِبُ بِهَا حَالُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ في الإرهاب وفضل الكشف. وإن كان التوقيع بالوساطة بينهما لم يَقِفْ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ مِنْ تَخْصِيصِ الْوَسَاطَةِ، لِأَنَّ الْوَسَاطَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى تَقْلِيدٍ ولا ولاية، وإنما يقيد بِالْوَسَاطَةِ تَعْيِينَ الْوَسِيطِ بِاخْتِيَارِ الْمُوَقِّعِ، وَقَوَدِ الْخَصْمَيْنِ إليه إجباراً. فإذا أَفْضَتْ الْوَسَاطَةُ إلَى صُلْحِ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ إنهاؤها، وكان شاهداً فيها، متى استدعوه لِلشَّهَادَةِ أَدَّاهَا، وَإِنْ لَمْ تُفْضِ الْوَسَاطَةُ إلَى صُلْحِهِمَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْهِمَا فِيمَا اعْتَرَفَا بِهِ عِنْدَهُ، يُؤَدِّيهِ إلَى النَّاظِرِ فِي الْمَظَالِمِ، إنْ عَادَ الْخَصْمَانِ إلَى التَّظَلُّمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إنْ لَمْ يَعُودَا. وَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَهَذِهِ وِلَايَةٌ يُرَاعَى فِيهَا مَعَانِي التَّوْقِيعِ، ليكون نظره محمولا على ما يوجبه. وإذا كان كذلك فللتوقيع حالتان: إحداهما: أَنْ يُحَالَ بِهِ عَلَى إجَابَةِ الْخَصْمِ إلَى ملتمسه، فيعتبر حينئذ فيه مَا سَأَلَ الْخَصْمُ فِي ظُلَامَتِهِ، وَيَصِيرُ النَّظَرُ مقصورا عليه، فإن سأل الوساطة، أو كشف الصورة، كَانَ التَّوْقِيعُ مُوجِبًا لَهُ، وَكَانَ النَّظَرُ مَقْصُورًا عليه، سواء خَرَجَ التَّوْقِيعُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِ: أَجِبْهُ إلَى ما يلتمسه، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ، كَقَوْلِهِ: رَأْيُكَ فِي إجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ، كَانَ مُوَقَّعًا، لِأَنَّهُ لَا يقتضي ولاية يلزم حكمها، وكان أمرها أخف.
стр. 72
وإن سَأَلَ الْمُتَظَلِّمُ فِي قِصَّتِهِ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا، فَلَا بد من أن يكون الخصم في القصة مُسَمًّى، وَالْخُصُومَةُ مَذْكُورَةً، لِتَصِحَّ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لم يسم الخصم، ولم يذكر الْخُصُومَةُ لَمْ تَصِحَّ الْوِلَايَةُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وِلَايَةً عَامَّةً، فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا، وَلَا خَاصَّةً لِلْجَهْلِ بها.
فإن سَمَّى رَافِعُ الْقِصَّةِ خَصْمَهُ وَذَكَرَ خُصُومَتَهُ، نُظِرَ فِي التَّوْقِيعِ بِإِجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ فَإِنْ خَرَجَ مخرج الأمر فوقع " أجبه إلى ملتمسه" أو " اعمل بِمَا الْتَمَسَهُ" صَحَّتْ وِلَايَتُهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا بهذا التَّوْقِيعُ. وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ لِلْحَالِ، فَوَقَّعَ " رأيك في إجابته إلى ملتمسه موفقا". فَهَذَا التَّوْقِيعُ خَارِجٌ فِي الْأَعْمَالِ السُّلْطَانِيَّةِ مَخْرَجَ الْأَمْرِ، وَالْعُرْفُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا مُعْتَادٌ. فَأَمَّا فِي الأحكام الدينية، فقد أجازه طائفة من الفقهاء، اعتبارا بالعرف فيه، وصحت الْوِلَايَةُ، وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ جَوَازِهِ، وَانْعِقَادِ الولاية، حتى يقترن به أمر تنعقد به الولاية، اعْتِبَارًا بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ. فَلَوْ كَانَ رَافِعُ الْقِصَّةِ سَأَلَ التَّوْقِيعَ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا فَوَقَّعَ بِإِجَابَتِهِ إلَى ملتمسه، فمن اعتبر العرف المعتاد صحح الولاية بهذا التوقيع. ومن اعتبر معاني الألفاظ لم يصحح بِهِ الْوِلَايَةُ، لِأَنَّهُ سَأَلَ التَّوْقِيعَ بِالْحُكْمِ، وَلَمْ يسأل الحكم. الحالة الثانية من التَّوْقِيعَاتِ: أَنْ يُحَالَ فِيهِ عَلَى إجَابَةِ الْخَصْمِ إلَى مَا سَأَلَ، وَيُسْتَأْنَفَ فِيهِ الْأَمْرُ بِمَا تَضَمَّنَهُ، فَيَصِيرُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ في الولاية. وإذا كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالُ كَمَالٍ، وحال جواز، وحال تخلو عن الأمرين: أما الحال الَّتِي يَكُونُ التَّوْقِيعُ فِيهَا كَمَالًا فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ، فَهُوَ أَنْ يَتَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْأَمْرُ بالنظر. والثاني: الأمر بالحكم فيه، فَيَذْكُرُ فِيهِ " اُنْظُرْ بَيْنَ رَافِعِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَاحْكُمْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ، وَمُوجَبِ الشَّرْعِ". فهو أكمل التوقيعات. وإن لم يذكر في التوقيع " بالحق وموجب الشرع" جَازَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْحَقِّ الذي يوجبه حُكْمُ الشَّرْعِ. وَإِنَّمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ فِي التَّوْقِيعَاتِ، وصفاً لا شرطاً. فإذا كان التَّوْقِيعُ جَامِعًا لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: مِنْ النَّظَرِ، وَالْحُكْمِ، فَهُوَ التَّوْقِيعُ الْكَامِلُ، وَيَصِحُّ بِهِ التَّقْلِيدُ وَالْوِلَايَةُ.
وأما الحالة التي يكون التوقيع فيها جَائِزًا، مَعَ قُصُورِهِ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، فَهُوَ أن يتضمن الأمر بالحكم دون النظر فيه، فَيَذْكُرُ فِي تَوْقِيعِهِ " اُحْكُمْ بَيْنَ رَافِعِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ" أَوْ يَقُولُ " اقْضِ بَيْنَهُمَا" فتصح الولاية بذلك، لأن الحكم والقضاء لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ النَّظَرِ، فَصَارَ الْأَمْرُ بِهِ مُتَضَمِّنًا لِلنَّظَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو منه.
стр. 73
وأما الحال الَّتِي يَكُونُ التَّوْقِيعُ فِيهَا خَالِيًا مِنْ كَمَالٍ وجواز، فهو ان يذكر فيه " اُنْظُرْ بَيْنَهُمَا" فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَذَا التَّوْقِيعِ وِلَايَةٌ، لِأَنَّ النَّظَرَ بَيْنَهُمَا قَدْ يَحْتَمِلُ الْوَسَاطَةَ الْجَائِزَةَ، وَيَحْتَمِلُ الْحُكْمَ اللَّازِمَ، وَهُمَا فِي الِاحْتِمَالِ سَوَاءٌ، فلم تنعقد به مع الاحتمال الولاية. فإن ذَكَرَ فِيهِ " اُنْظُرْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ" فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوِلَايَةَ بِهِ مُنْعَقِدَةٌ، لِأَنَّ الْحَقَّ مَا لَزِمَ. وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ بِهِ لِأَنَّ الصُّلْحَ والوساطة حق وإن لم يلزم.
فصل في ولاية النقابة على ذوي الأنساب
وهي مَوْضُوعَةٌ عَلَى صِيَانَةِ ذَوِي الْأَنْسَابِ الشَّرِيفَةِ عَنْ وِلَايَةِ مَنْ لَا يُكَافِئُهُمْ فِي النَّسَبِ. وَلَا يساويهم في الشرف، ليكون عليهم أحنى، وأمره فيهم مضي. رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال " اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكن، فَإِنَّهُ لَا قُرْبَ بِالرَّحِمِ إذَا قُطِعَتْ وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً. وَلَا بُعْدَ بِهَا إذَا وُصِلَتْ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً". وَوِلَايَةُ هَذِهِ النِّقَابَةِ: تَصِحُّ مِنْ إحْدَى ثَلَاثِ جِهَاتٍ: إمَّا مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ الْأُمُورِ. وَإِمَّا مِمَّنْ فَوَّضَ الْخَلِيفَةُ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الْأُمُورِ، كَوَزِيرِ التَّفْوِيضِ، أو أمير الإقليم. وإما من نقيب عام الولاية، واستخلف نقيبا جعله خَاصَّ الْوِلَايَةِ. فَإِذَا أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يُوَلِّيَ على الطالبيين نقيبا، وعلى العباسيين نقيبا، تخير مِنْهُمْ أَجَلَّهُمْ بَيْتًا، وَأَكْثَرَهُمْ فَضْلًا، وَأَجْزَلَهُمْ رَأْيًا وولاه عليهم، ليجمع شُرُوطُ الرِّيَاسَةِ وَالسِّيَاسَةِ، فَيُسْرِعُوا إلَى طَاعَتِهِ بِرِيَاسَتِهِ، وَتَسْتَقِيمُ أُمُورُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ. وَالنِّقَابَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: خَاصَّةٌ ,وعامة. فأما الخاصة: فهي أَنْ يَقْتَصِرَ بِنَظَرِهِ عَلَى مُجَرَّدِ النِّقَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ لَهَا إلَى حُكْمٍ، وَإِقَامَةِ حَدٍّ، فَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ مُعْتَبَرًا فِي شُرُوطِهَا.
وَيَلْزَمُهُ فِي النِّقَابَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ حُقُوقِ النَّظَرِ اثْنَا عَشَرَ حَقًّا: أَحَدُهَا: حِفْظُ أَنْسَابِهِمْ مَنْ دَاخِلٍ فِيهَا وَلَيْسَ مِنْهَا، أَوْ خَارِجٍ عَنْهَا وَهُوَ مِنْهَا. فَيَلْزَمُهُ حِفْظُ الْخَارِجِ مِنْهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ حِفْظُ الدَّاخِلِ فِيهَا، لِيَكُونَ النَّسَبُ مَحْفُوظًا على صحته، معزوا
стр. 74
إلى جهته. والثاني: أن يميز بطونهم ومعرفة أنسابهم، حتى لا يخفى علهي منهم بنو أب، فيذكره على تمييز أنسابهم. الثالث: معرفة من يولد من ذكورهم وإناثهم فَيُثْبِتُهُ، وَمَعْرِفَةُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَيَذْكُرُهُ، حَتَّى لَا يَضِيعَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ إنْ لَمْ يُثْبِتْهُ. وَلَا يَدَّعِي نَسَبَ الْمَيِّتِ غَيْرُهُ، إنْ لَمْ يذكره. الرابع: أن يأخذهم من الآداب بما يضاهي شريف أنسابهم، وكريم مُحْتَدِّهِمْ، لِتَكُونَ حِشْمَتُهُمْ فِي النُّفُوسِ مَوْفُورَةً، وَحُرْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ محفوظة. الخامس: أن ينزههم عن المكاسب الدنية، ويمنعهم من المطامع الخبيثة، حتى لا يستقل منهم متبذل، ولا يستضام منهم متذلل. السادس: أَنْ يَكُفَّهُمْ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ، وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ انتهاك المحامرم، لِيَكُونُوا عَلَى الدِّينِ الَّذِي نَصَرُوهُ أَغْيَرَ، وَلِلْمُنْكَرِ الذي أزالوه أنكر، فلا ينطلق بذمهم لسان. السابع: أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى الْعَامَّةِ لِشَرَفِهِمْ، وَالتَّشَطُّطِ عَلَيْهِمْ لِنَسَبِهِمْ، فَيَدْعُوهُمْ ذَلِكَ إلَى الْمَقْتِ وَالْبُغْضِ، وَيَبْعَثُهُمْ عَلَى الْمُنَاكَرَةِ وَالْبُعْدِ. وَيَنْدُبُهُمْ إلَى استعطاف القلوب، وتألف النُّفُوسِ، لِيَكُونَ الْمَيْلُ إلَيْهِمْ أَوْفَى، وَالْقُلُوبُ لَهُمْ أصفى. الثامن: أَنْ يَكُونَ عَوْنًا لَهُمْ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، حَتَّى لَا يَضْعُفُوا عَنْهَا، وَعَوْنًا عَلَيْهِمْ فِي أَخْذِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ، حَتَّى لَا يُمْنَعُوا مِنْهَا، ليصيروا لهم منتصفين، وبالمعونة عليهم منصفين، لأن من عدل السيرة فيهم: إنصافهم وانتصافهم. التاسع: أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِمْ الْعَامَّةِ: من سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمْ، حَتَّى يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، بِحَسَبِ ما أوجبه الله تعالى لهم. العاشر: أن يمنع الأيامى من نسائهم أن يتزوجن بغير الأكفاء، صِيَانَةً لِأَنْسَابِهِنَّ. وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِنَّ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ غَيْرَ الولاة، أو ينكحهن غير الكفاة.
الحادي عَشَرَ: أَنْ يَقُومَ ذَوِي الْهَفَوَاتِ مِنْهُمْ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ، بِمَا لَا يَبْلُغُ بِهِ حَدًّا، ولا ينهر به دما. ويقيل ذا الْهَيْئَةِ مِنْهُمْ عَثْرَتَهُ، وَيَغْفِرُ بَعْدَ الْوَعْظِ زَلَّتَهُ. الثاني عَشَرَ: مُرَاعَاةُ وُقُوفِهِمْ بِحِفْظِ أُصُولِهَا، وَتَنْمِيَةِ فُرُوعِهَا، وإذا لم ترد إليه جباتها راعى الجباة فِيمَا أَخَذُوهُ، وَرَاعَى قِسْمَتَهَا إذَا قَسَّمُوهُ، وَمَيَّزَ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا إذَا خُصَّتْ وَرَاعَى أَوْصَافَهُمْ فِيهَا إذا شرطت، حتى لا يخرج منها مستحق، ولا يدخل فيها غير محق. وَأَمَّا النِّقَابَةُ الْعَامَّةُ: فَعُمُومُهَا أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ في النقابة عليهم مع ما قدمناه مِنْ حُقُوقِ النَّظَرِ
стр. 75
خمسة أشياء: أحدها: الحكم بينهم فيما تنازعوه. الثاني: الولاية على أيتامهم فيما ملكوه. الثالث: إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه. الرابع: تزويج الأيامى اللائي لَا يَتَعَيَّنُ أَوْلِيَاؤُهُنَّ، أَوْ قَدْ تَعَيَّنُوا فَعَضَلُوهُنَّ. الخامس: إيقاع الحجر على من جن منهم أوسفه، وفكه إذا أفاق أو رشد. فيصير بهذه الخمسة عام النِّقَابَةِ، فَيُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ فِي صِحَّةِ نِقَابَتِهِ وَعَقْدِ وِلَايَتِهِ. أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، ليصح حكمه، وينفذ قضاؤه. وإذا انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ صَرْفَ الْقَاضِي عَنْ النظر في أحكامهم، أو لا يتضمن. فإذا كَانَتْ وِلَايَتُهُ مُطْلَقَةَ الْعُمُومِ، لَا تَتَضَمَّنُ صَرْفَ الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ تَقْلِيدُ النَّقِيبِ لِلنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ مُوجِبًا لِصَرْفِ الْقَاضِي عَنْهَا، جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقِيبِ والقاضي الظر في أحكامهم. أما النقيب فبخصوص ولايته التي عينوا فيها. وأما القاضي فبعموم ولايته التي أوجبت دخولهم فيها. فأيهما حكم بينهم فِي تَنَازُعِهِمْ وَتَشَاجُرِهِمْ، وَفِي تَزْوِيجِ أَيَامَاهُمْ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَجَرَى أَمْرُهُمَا فِي الْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ مَجْرَى قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ. فَأَيُّهُمَا حكم بين متنازعيه نفذ حكمه ولم يكن للآخر نقضه. فإن اخْتَلَفَ مُتَنَازِعَانِ مِنْهُمْ، فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى حُكْمِ النَّقِيبِ وَدَعَا الْآخَرُ إلَى حُكْمِ الْقَاضِي.
فَقَدْ قيل: إن الداعي إلى حكم النَّقِيبِ أَوْلَى لِخُصُوصِ وِلَايَتِهِ، وَقِيلَ: بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فَيَكُونَانِ كَالْمُتَنَازِعِينَ فِي التَّحَاكُمِ إلَى قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ، فَيُغَلَّبُ قَوْلُ الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ. فإن تساويا كانا على ما قدمناه، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُعْمَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَرَعَ منهما. فَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَةِ النَّقِيبِ صَرْفُ الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ بَيْنَ أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ، لَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ، سواء استدعى إليه منهم مستدع أو لم يستدع. وَخَالَفَ ذَلِكَ حَالَ الْقَاضِيَيْنِ فِي جَانِبَيْ بَلَدٍ، إذَا اسْتَعْدَى إلَيْهِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ مُسْتَعْدٍ لزمه أن يعديه على خصمه، وذلك لأن وِلَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ مَحْصُورَةٌ بِمَكَانِهِ. فَاسْتَوَى حُكْمُ الطَّارِئِ إلَيْهِ وَالْقَاطِنِ فِيهِ، لِأَنَّهُمَا يَصِيرَانِ مِنْ أَهْلِهِ، وَوِلَايَةُ النِّقَابَةِ مَحْصُورَةٌ بِالنَّسَبِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ.
стр. 76
فَلَوْ تَرَاضَى الْمُتَنَازِعَانِ مِنْ أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ بِحُكْمِ الْقَاضِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ بَيْنَهُمَا ولا الحكم لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ بِالصَّرْفِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَانَ النَّقِيبُ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ التَّنَازُعُ بَيْنَهُمْ لَا يَتَعَدَّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ. فَإِنْ تَعَدَّاهُمْ، فَتَنَازَعَ طَالِبِيٌّ وَعَبَّاسِيٌّ، فَدَعَا الطَّالِبِيُّ إلَى حُكْمِ نَقِيبِهِ، وَدَعَا الْعَبَّاسِيُّ إلَى حُكْمِ نَقِيبِهِ، لم يجب على واحد منهما الإجابة إلى حكم نقيبه، لخروجه من وِلَايَتِهِ. فَإِذَا أَقَامَا عَلَى تَمَانُعِهِمَا مِنْ الْإِجَابَةِ إلى نقيب. اجتمع النقيبان وأحضر كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. وَيَشْتَرِكَانِ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى، وَيَنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا نَقِيبُ الْمَطْلُوبِ دُونَ الطَّالِبِ، لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ أَهْلِهِ حُقُوقَ مُسْتَحِقِّيهَا. فَإِنْ تَعَلَّقَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ عَلَى أَحَدِهِمَا، أَوْ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا أَحَدُهُمَا سَمِعَ الْبَيِّنَةَ نَقِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ نَقِيبِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَأَحْلَفَ نَقِيبَ الْحَالِفِ دُونَ نَقِيبِ الْمُسْتَحْلِفِ لِيَصِيرَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا هُوَ نقيب المطلوب دون الطالب. فإن تَمَانَعَ النَّقِيبَانِ أَنْ يَجْتَمِعَا، لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِمَا في الوجه الأول مأثم، ويتوجه عَلَيْهِمَا الْمَأْثَمُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَكَانَ أَغْلَظَ النَّقِيبَيْنِ مَأْثَمًا نَقِيبُ الْمَطْلُوبِ مِنْهُمَا، لِاخْتِصَاصِهِ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ.
فَلَوْ تَرَاضَى الطَّالِبِيُّ وَالْعَبَّاسِيُّ بِالتَّحَاكُمِ إلَى أَحَدِ النَّقِيبَيْنِ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا نَقِيبُ أَحَدِهِمَا. نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا نَقِيبَ الْمَطْلُوبِ، صَحَّ حُكْمُهُ، وَأَخَذَ بِهِ خَصْمُهُ، وَإِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا نقيب الطالب، احتمل تنفيذ حكمه، واحتمل رده. فإن أَحْضَرَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي، لِيَسْمَعَهَا عَلَى خصمه ويكتب بها إلى نقيبه، وهو مصروف عَنْ النَّظَرِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْمَعَ بينته وَإِنْ كَانَ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ عَلَى مَنْ تَقُومُ عَلَيْهِ البينة لو حضر، فأولى أن ينفذ حكمه عليه مع الغيبة. فإن أراد القاضي - الذي يرى القضاء على الغالب - سماع بينة على رجل في غَيْرِ عَمَلِهِ، لِيَكْتُبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْهَا إلَى قَاضِي بَلَدِهِ جَازَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: إنْ من كَانَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَوْ حَضَرَ عِنْدَهُ، نفذ حكمه عليه، لذلك جَازَ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ. وَأَهْلُ هَذَيْنِ النَّسَبَيْنِ لو حضر أحدهما عنده لم ينفذ حكمه عليه فلذلك لم يجز أن يسمع البينة عليه. فإن كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي لِصَاحِبِهِ بِحَقٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي شَاهِدًا بِهِ عليه عند نقيبه، ولم يجز أن يخبر بِهِ حُكْمًا، لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ.
стр. 77
وكذلك لو أقر به عند النقيبين كان شاهدا فيه عند نقيبه. ولو أقر به عِنْدَ نَقِيبِهِ جَازَ وَكَانَ حَاكِمًا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ. ولو أقر به عند نقيب خصمه احتمل أن يكون شاهدا عليه، واحتمل أن يكون حاكما فيه، لما بينا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ نَقِيبِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي وِلَايَاتِ زُعَمَاءِ الْعَشَائِرِ، وَوُلَاةِ الْقَبَائِلِ المنفردين بالولايات على عشائرهم وقبائلهم.
فصل في الولايات على إمامة الصلوات
وذلك ينقسم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. الثاني: الْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَالثَّالِثُ: الْإِمَامَةُ فِي صلاة النَّدْبِ. فَأَمَّا الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. فَنَصْبُ الأئمة فيها معتبر بحال المساجد التي تقام الصلوات فيها. وهي ضربان: مساجد سلطانية، ومساجد عامية. أما المساجد السلطانية: فهي الجوامع وَالْمَشَاهِدُ، وَمَا عَظُمَ وَكَثُرَ أَهْلُهُ، مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي يَقُومُ السُّلْطَانُ بِمُرَاعَاتِهَا.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ ينتدب للإمامة فيها إلا من يندبه السلطان لها، لئلا تفتات الرعية عليه فيما هو موكول إليه. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية مهنا، وقد سأله: هل يجتمع القاضي إذا لم يخرج الوالي؟ فقال " إذا أمره، فإن لم يأمره لا يخرج إلا بإذنه". فَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ فِيهَا إمَامًا كَانَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ منه وأعلم. وهذه الولاية طريقها الأولى، لا طريق اللازم وَالْوُجُوبِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالنِّقَابَةِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ تَرَاضَى النَّاسُ بِإِمَامٍ وَصَلَّى بِهِمْ، أَجْزَأَهُمْ وَصَحَّتْ جَمَاعَتُهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصلوات الخمس من السنن المختارة، وليست من الفروض على قول كثير من الفقهاء، وإنما أوجبها أحمد وداود. فإذا ندب السلطان لها إمَامًا، لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهَا مع مع حضوره، فإن غاب واستناب كان الذي استنابه فيها أحق بالإمامة، فإن لَمْ يَسْتَنِبْ فِي غَيْبَتِهِ اُسْتُؤْذِنَ الْإِمَامُ فِيمَنْ يقدم فيها إن أمكن، فإن تعذر استئذانه تراضى أهل المسجد فِيمَنْ يَؤُمُّهُمْ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ جَمَاعَتُهُمْ، فَإِذَا حَضَرَتْ
стр. 78
صَلَاةٌ أُخْرَى - وَالْإِمَامُ عَلَى غَيْبَتِهِ - فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرْتَضَى لِلصَّلَاةِ الْأُولَى يَتَقَدَّمُ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ الْمُوَلَّى. وقيل: يختار للصلاة الثانية: بأن يُرْتَضَى لَهَا غَيْرَ الْأَوَّلِ، لِئَلَّا يَصِيرَ هَذَا الاختيار تقليدا سلطانيا. والأولى أَنْ يُرَاعَى حَالُ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، فإن حضرها مَنْ حَضَرَ فِي الْأُولَى كَانَ الْمُرْتَضَى فِي الأول أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ حَضَرَهَا غَيْرُهُمْ كَانَ الْأَوَّلُ كَأَحَدِهِمْ، وَاسْتَأْنَفُوا اخْتِيَارَ إمَامٍ يتقدمهم. فإذا صلى إمام هذا المسجد جماعة، وحضر من لم يدرك الْجَمَاعَةَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جماعة، وصلوا فُرَادَى، لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمُبَايَنَةِ وَالتُّهْمَةِ بِالْمُشَاقَّةِ وَالْمُخَالَفَةِ.
وَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ لِهَذَا الْمَسْجِدِ إمامين، فإن خص وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ جَازَ، وَكَانَ كل واحد منهما مقصورا على ما خص بِهِ، كَتَقْلِيدِ أَحَدِهِمَا صَلَاةَ النَّهَارِ، وَتَقْلِيدِ الْآخَرِ صلاة الليل، فلا يتجاوز وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا رَدَّهُ إلَيْهِ. وَإِنْ قَلَّدَ الْإِمَامَةَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ببعض الصلوات، ولكن رد إلى كل مِنْهُمَا يَوْمًا غَيْرَ يَوْمِ صَاحِبِهِ، كَانَ كُلُّ واحد منهما في يوم أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ مِنْ صَاحِبِهِ. فَإِنْ أَطْلَقَ تَقْلِيدَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَانَا فِي الْإِمَامَةِ سَوَاءً، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ إلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَؤُمَّ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ فِي الْمَسَاجِدِ السُّلْطَانِيَّةِ جَمَاعَتَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَاخْتُلِفَ فِي السَّبْقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ التقدم، فقيل: سبقه بالحضور في المسجد، وقيل: سَبْقُهُ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ. فَإِنْ حَضَرَ الْإِمَامَانِ فِي حال واحدة، ولم يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَقْدِيمِ أحدهما كان أولى بالإمامة.
стр. 79
وإن تنازعاها احتمل أن يقرع بينهما، ويقدم من قرع منهما، واحتمل أن يَرْجِعُ إلَى اخْتِيَارِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ لِأَحَدِهِمَا. وَيَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ هَذَا الْإِمَامِ: تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِينَ، مَا لم يصرح له بالصرف عنه، لأن الأذان من سنن الصلاة الَّتِي وَلِيَ الْقِيَامَ بِهَا فَصَارَ دَاخِلًا فِي الولاية عليها. وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذِّنِينَ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إليه في الوقت والأذان. فإن كان حنبليا يرى تعجيل الصلوات في أول الأوقات ولا يرجع الأذان، ويرى إفراد الْإِقَامَةِ، أَخَذَ الْمُؤَذِّنِينَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ خلاف ذلك. وَإِنْ كَانَ حَنَفِيًّا يَرَى تَأْخِيرَ الصَّلَوَاتِ إلَى آخِرِ الْأَوْقَاتِ، إلَّا الْمَغْرِبَ، وَيَرَى تَرْكَ التَّرْجِيعِ في الأذان، ويرى تثنية الْإِقَامَةِ، أَخَذَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ بِخِلَافِهِ. ويعمل الْإِمَامُ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي أَحْكَامِ صَلَاتِهِ، فإن كان حنبليا يَرَى تَرْكَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَتَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، عُمِلَ عَلَى رَأْيِهِ وَلَمْ يُعَارَضْ فِيهِ، وكذلك إن كان شافعيا يرى الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح لم يعرض له.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ: أَنَّهُ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَارَضَ في اجتهاده والمؤذن يؤدي في حق غيره، فجاز أن يعارض على اجتهاده. وَالصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي تَقْلِيدِ هَذَا الْإِمَامِ خَمْسٌ: أن يكون رجلا، عدلا، قَارِئًا، فَقِيهًا، سَلِيمَ اللَّفْظِ مِنْ نَقْصٍ أَوْ لثغ، فإن كان صبيا أو فاسقا أو امرأة أو خنثي، أو أخرس، أو ألثغ، لم تصح إمامة الصبي في الفرض، وصحت في النفل.
стр. 80
ولم تصح إمامة الفاسق في فرض ولا نفل لعدل ولا لفاسق. ولا تصح إمامة المرأة بالرجال، وكذلك الخنثي. وإن أمّ أخرس أو ألثغ، يُبَدِّلُ الْحُرُوفَ بِأَغْيَارِهَا، بَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِثْلِ خَرَسِهِ، أَوْ لَثَغِهِ. وَأَقَلُّ مَا عَلَى هَذَا الْإِمَامِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ: أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِأُمِّ الْقُرْآنِ، عَالِمًا بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُسْتَحَقُّ فيها، ولأن يكون حافظا لجميع القرآن، عالما بجميع الأحكام أَوْلَى. وَإِذَا اجْتَمَعَ فَقِيهٌ لَيْسَ بِقَارِئٍ، وَقَارِئٌ ليس بفقيه، كان القارئ أولى من الفقيه إذا كان عالما بأحكام الصلاة لأن القراءة والإكثار منها متحقق وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ متحقق، مع أنا قد اعتبرنا العلم بأحكامها.
стр. 81
ويجوز أن يأخذ هذا، لإمام ومؤذنوه رِزْقًا عَلَى الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، من سهم المصالح، لأن هذا ليس بأجرة على الصلاة والأذان، وإنما هو حق ثابت في بيت المال. وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب تعظيم حرمة الصلاة، قال: وقد كان على بن عيسى الوزير نصب للجوامع - مثل جامع الرمالة وغيره - أصحاب ابن مجاهد، في كل يوم رجلا يصلي بالناس الخمس الصلوات، وجعل لهم الأرزاق. قال أبو جعفر: وقد كان أبو بكر الخلال في مجلس في جامع الرصافة، وكان يصلي الجمعة والعصر خلف هؤلاء الذين يأخذون الأجرة، ثم خلفه بعده غلامه عبد العزيز، وأبو القاسم الخرقي. وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب الإمامة " باب ذكر الصلاة خلف من يأخذ أجرا على الصلاة.
وروي عن أحمد في رواية المروزي، وصالح، وأبي الحارث، ومهنا، وإسحاق بن إبراهيم " لايصلي خلفه" وذكر بعد أبواب أخر، فقال "باب الصلاة خلف من يأخذ الأجرة من السلطان على الإمامة في المساجد، وروي عن أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه وقد سأله عن الرجل يصلي في مسجد الجامع غير صلاة الجمعة والإمام يعطي أجر الإمامة والأذان - أحب إليك، أم يصلي في مساج القبائل؟ - فقال: مازلنا نصلي ف المسجد الجامع خلف هؤلاء الذين يعطوا أجرا". وإنما أراد بالأجر ههنا: الرزق، لأن السلطان يعطي رزقا. وأما المساجد العامية، الَّتِي يَبْنِيهَا أَهْلُ الشَّوَارِعِ وَالْقَبَائِلِ فِي شَوَارِعِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِلسُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ فِي أَئِمَّةِ مَسَاجِدِهِمْ، وَتَكُونُ الْإِمَامَةُ فِيهَا لِمَنْ اتَّفَقُوا عَلَى الرِّضَا بِإِمَامَتِهِ وَلَيْسَ لَهُمْ بَعْدَ الرِّضَا بِهِ أَنْ يَصْرِفُوهُ عَنْ الْإِمَامَةِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حاله، وليس له بعد رضاهم به أن يستخلف مكانه نائبا عنه، ويكون أهل المسجد أحق بِالِاخْتِيَارِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فِي اخْتِيَارِ إمام أو مؤذن، قرع بين المختلف فيهما، نص عليه في رواية أبي داود: في رجلين تشاحا في الأذان، وقالا: يجمع أهل المسجد، فينظر من يختارون. فقال أحمد " لا، ولكن يقترعا، على ما فعل سعد".
стр. 82
وقال في رواية حنبل " وإذا اختلفا في الإمامة يقرع بينهما، على ما فعل سعد". وقد قيل: يعمل على قول الأكثر، وقد أومأ إليه أحمد في رواية صالح والمروذي: في الإمام إذا كرهه قوم ورضي به قوم، فإن أكثرهم قد رضي به يؤمهم. فاعتبر رضا الأكثر في الواحد اختلفوا فيه. فعلى هذه الرواية: إن تكافأ المختلفون احتمل القرعة، واحتمل أن يختار السُّلْطَانُ لَهُمْ - قَطْعًا لِتَشَاجُرِهِمْ - مَنْ هُوَ أَدْيَنُ وأسنّ وأقرأ فيه. وَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ مَقْصُورًا عَلَى الْعَدَدِ الْمُخْتَلَفِ فيهم، أو يكون عاما في أهل المسجد! يحتمل أن يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ الْمُخْتَلِفِ فِي اختيار أَحَدُهُمْ، وَلَا يَتَعَدَّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ترك من عداهم.
ويحتمل أن يَخْتَارُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مَنْ يَرَاهُ لإمامته، لأن السلطان لا يضيق عليه الاختيار. فإن بَنَى رَجُلٌ مَسْجِدًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْإِمَامَةَ فِيهِ، وكان هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ سَوَاءً فِي إمامته، وأذانه، نص عليه في رواية حرب ويعقوب بن بختان. وقد سئل عن المؤذن وما رضيه أهل المسجد، أو الذي بنى المسجد؟ فقال: "هو ما رضيه أهل المسجد، ليس الذي بناه". فإن حضر جماعة بمنزل، رَجُلٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، كَانَ مَالِكُ الْمَنْزِلِ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي الْفَضْلِ. فإن حضر السلطان كان أحق من المالك، لعموم ولايته عليه، ولهذا يقدم على الولي في صلاة الجنازة. صـ ٩٩ وأما الإمامة في صلاة الجمعة فقد اختلفت الرواية عن أحمد في وجوب تقليدها فروي عنه أن التقليد فيها ندب، وحضور السلطان فيها ليس بشرط، وإن أقامها الناس على شروطها انعقدت وصحت.
стр. 83
وروي عنه: أَنَّهَا مِنْ الْوِلَايَاتِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِحُضُورِ السُّلْطَانِ، أَوْ مَنْ يستنيبه فيها. وهل يجوز أن يكون الإمام فيها عبدا؟ على روايتين، بناء على وجوبها على العبد. فإن قلنا: لا تجب على العبد لم يجز أن يؤم فيها، وإن قلنا: تجب عليه، جاز أن يكون إماما فيها. ولا تجوز إمامة الصبي فيها. ولا تجوز إقامتها إلا في وطن يجمع الْمَنَازِلِ، يَسْكُنُهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، لَا يَظْعَنُونَ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، إلَّا ظَعْنَ حاجة، سواء كان مصرا أو قرية. وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وقد سئل: على من تجب، يعني الجمعة؟ قال " أما الواجب فالذي يسمع النداء أو أهل القرية إذا كانت مجتمعة" فقد اعتبر اجتماع المنازل في القرية. وقال في رواية أبي النضر العجلي " ليس على أهل البادية جمعة، لأنهم ينتقلون". فقد أسقط عنهم الجمعة، وعلل بأنه غير مستوطنين.
стр. 84
وتجب الجمعة على من كان خارج المصر إذا سمعوا نداءها منه، وقد حدّه أحمد بفرسخ، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا من أهل القرية، ليس فيهم امرأة، ولا مسافر، وإن كان فيهم عبد ففيه روايتان بناء على وجوبها على العبد. وهل يكون الإمام زائدا على العدد. قال في رواية عبد الله " أقل ما يجزئ الإمام يوم الجمعة أن يصلي معه أربعون رجلا". فاعتبر أربعين غيره. وذلك لما روي عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه " أن أسعد بن زرارة صلى بهم بالمدينة وهم يومئذ أربعون رجلا".
стр. 85
وهذا يقتضي أن الأربعين غيره، كما لو قال: أطعمنا ونحن أربعون، ولأن ما اعتبر في كان المتبوع غيره. دليله: الشهود في عقد النكاح، غير الولي، وكذلك الشهود عند الحاكم بالحق هم غير الحاكم، وهذا يلزمه عليه الجماعة. والثانية: يكونون أربعين مع الإمام. قال في رواية الأثرم " إذا كانوا أربعين يجمعون" وكذلك قال في رواية الميموني " إذا كانوا أربعين" وكذلك قال في رواية ابن القاسم " تجب الجماعة إذا كان أهل القرية أربعين رجلا". فاعتبر جملة العدد أربعين. والوجه فيه: ما وري عطاء عن جابر أنه قال " مضت السنة أن في كل ثلاثة إمام، وفي كل أربعين فما فوقها جمعة". فأخبر أن السنة في الأربعين، وإذا كان الإمام أحدهم فقد وجد الأربعون، ولأن العدد الذي يعتبر في الجماعة يكون الإمام واحدا منهم، كذلك في عدد الجمعة.
стр. 86
وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ، يَرَى أَنَّهَا لا تنعقد بأقل من أربعين، وكان المأمون - وهم أقل من أربعين - يَرَوْنَ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ. وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ من أربعين، والمأمون لَا يَرَوْنَهُ - وَهُمْ أَقَلُّ- لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ ولا المأمومين إقامتها، لأن المأمومين لا يرونها ولا الإمام يَجِدْ مَعَهُ مَنْ يُصَلِّيهَا.
وَإِذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ الإمام في الجمعة أن لا يصلي إلا بأربعين، لم يجز أَنْ يُصَلِّيَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانَ يراه مذهبا، لأنه مقصور الولاية على الأربعين، ومصروف عما دونها. ولا يجوز أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُصَلِّيهَا، لِصَرْفِ وِلَايَتِهِ عنها. فإن أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وهو لا يراه، فالولايه باطلة، لتعذرها من جهته. وَإِذَا كَانَ الْمِصْرُ جَامِعًا لِقُرًى قَدْ اتَّصَلَ بنيانها حتى اتسع بكثرة أهله كَبَغْدَادَ، جَازَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوَاضِعِهِ الْقَدِيمَةِ، ولا يمنع البنيان من إقامتها في مواضعها. وقد نقل أو داود أن أحمد سئل عن المسجدين اللذين يجمع فيهما ببغداد: هل فيه شيء متقدم؟ فقال: " أكثر ما فيه: أمر علي ﵁ أن يصلي بالضعفة". وإن كان المصر واحدا موضوعا في الأصل على سعة وجامعه يسع جميع أهله، كمكة والمدينة لَمْ يَجُزْ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِيهِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْمِصْرُ وَاحِدًا مُتَّصِلَ الْأَبْنِيَةِ لَا يَسَعُ جَامِعُهُ جَمِيعَ أهله لكثرتهم كالبصرة، ففيه روايتان: إحداهما: تجوز إقامة الجمعة في موضعين منه للضرورة. لكثرة أهله. وقد أومأ إليه أحمد في رواية المروذي. وقد سئل عن الصلاة يوم الجمعة في موضع يكون فيه مسجدان. فقال " صل. أذهب إلى قول على في العيد إنه أمر رجلا يصلي بضعفة الناس". وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: " وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة". وفيه رواية أخرى: لا يجوز. فإن ضَاقَ بِهِمْ اتَّسَعَتْ لَهُمْ الطُّرُقَاتُ، فَلَمْ يُضْطَرُّوا إلى تفريق الجمعة في مواضع منه. وقد أومأ إليه أحمد في رواية الأثرم وقد سئل: " هل علمت أن أحدا جمع جمعتين في مصر واحد؟ قال: لا أعلم أحدا فعله - أي من الماضين - وجمعة بعد جمعة لا أعرف". فعلى هذه الرواية: إن أقيمت الجمعة في موضعين من مِصْرٍ قَدْ مُنِعَ أَهْلُهُ مِنْ تَفْرِيقِ الْجُمُعَةِ، فقد قيل: أَنَّ الْجُمُعَةَ لِأَسْبَقِهِمَا بِإِقَامَتِهَا، وَعَلَى الْمَسْبُوقِ أَنْ يعيد صلاته ظهرا.
стр. 87
وقيل: الْجُمُعَةَ لِلْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يَحْضُرُهُ السُّلْطَانُ، سَابِقًا كان أو مسبوقا، على من صلى في الأصغر إعادة صلاتهم ظهرا. وجه القائل الأول: أن الثانية استفتاج جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها فيه لغير ضرورة، فأشبه إذا لم يحضر الثانية سلطان. ووجه القائل الثاني: أنا لو قلنا: إن جمعة الرعية أولى لافتتنا على الإمام وفوتنا الجمعة عليه، وذلك أنه لا يشاء شاء أن يخرج على الإمام إلا جمع بأربعين قبله، فيفوتها عليه. وهذا أشبه بقول أحمد لأنه قال في بعض رواياته في صوم يوم الشك " إنه يتبع الإمام في ذلك". وليس لمن قلد الجمعة أن يؤم في الصلوات الخمس، وكذلك من قلد الصلوات الخمس لا يستحق الإمامة في صلاة الجمعة بنا على الأصل، وهو أن الجمعة فرض مبتدأ وليس بظهر مقصورة. ويشهد له أيضا ما قاله في رواية مهنا - وقد سأله " هل يجمع القاضي إذا لم يخرج الوالي؟ فقال: إذا أمره، فإن لم يأمره لم يجمع". [الإمامة في غير الصلوات الخمس] وأما الإمامة في صلوات الندب المنسوبة إلى الجماعة فخمس: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء.
стр. 88
فتقليد الإمام فيها ندب لجوازها جماعة وفرادى. وَلَيْسَ لِمَنْ قُلِّدَ إمَامَةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ إقامة الجمعة حتى فِي إقَامَتِهَا إلَّا أَنْ يُقَلَّدَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ، فتدخل في عمومها. [صلاة العيد] فأما صلاة العيد، فوقتها بين طلوع الشمس وزوالها، ويختار له تَعْجِيلُ الْأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ. وَيُكَبِّرُ النَّاسُ فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مِنْ بَعْدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى حِينِ أَخْذِهِمْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ. وَيَخْتَصُّ عِيدُ الأضحى بالتكبير له في أعقاب الصلوات المفروضات، من بعد صلاة الصبح، من يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَيُصَلِّي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الخطبة والجمعة بعدها اتباعا للسنة فيهما. وتختص صلاة العيدين بالتكبيرات الزوائد، وهي في الأولى ست سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام قبل القراءة فيهما.
стр. 89
وَيَعْمَلُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَلَيْسَ لِمَنْ وَلَّاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْعَدَدِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ خَاصَّ الْوِلَايَةِ وَلَا يَصِيرُ بِذِكْرِ التَّكْبِيرِ فِي صلاة العيد خاص بالولاية، فافترقا. [صلاة الكسوف] وأما صلاة الخسوفين فيصليهما من ندبه السلطان، أو من عمت ولايته فاشتملت عليها.
стр. 90
وَهِيَ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَقِيَامَانِ، يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا، فَيَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ من الركعة الأولى جهرا بعد الفاتحة سورة البقرة أو نحوها، ويركع مسبحا بقدر النصف، ثُمَّ يَرْفَعُ مُنْتَصِبًا، وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسُورَةِ آل عمران أو نحوها، ويركع مسبحا بقدر النصف، ويسجد سجدتين كسائر الصلاة، ثم يصنع في الركعة الثانية كذلك ويقرأ في قيامها، ويسبح في ركوعها على النصف مما قرأ وسبح في الأولى. وهل يخطب بعدها؟ على روايتين مذكورتين في صلاة الاستسقاء. [صلاة الاستسقاء] وأما صلاة الاستسقاء فمندوب إلَيْهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ، وَخَوْفِ الْجَدْبِ. يَتَقَدَّمُ من قلدها بصيام ثلاثة أيام قبلها يكف فيها عن المظالم والتخاصم، ويصلح فيما بين المتشاحن والمتشاجر. وَهِيَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي وَقْتِهَا. وَإِذَا قُلِّدَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي عَامٍ جَازَ - مَعَ إطْلَاقِ وِلَايَتِهِ - أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَا لم يصرف. وإذا قلد صلاة الخسوف والاستسقاء في عام ولم يَكُنْ لَهُ مَعَ إطْلَاقِ وِلَايَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَلَّدَ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ رَاتِبَةٌ، وَصَلَاةَ الْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ عَارِضَةٌ. وَإِذَا مطروا في صلاة الاستسقاء أتموها.
وهل يخطب بعدها شكرا على روايتين:
стр. 91
وَلَوْ مُطِرُوا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا لَمْ يُصَلُّوا، وشكروا بغير خطبة رواية واحدة. وكذلك في الخسوف إذا تجلى. وَلَوْ اقْتَصَرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ أَجْزَأَ. روي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ، وَلَا صَبِيٌّ يصطبح، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا غَدَقًا مُغِيثًا سَحًّا طَبَقًا " وذكر الخبر.
فصل: في ولاية الحج
وهذه الولاية ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ. وَالثَّانِي: عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ. فَأَمَّا تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ فهو ولاية سياسية، وزعامة تدبير. وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُوَلَّى أَنْ يَكُونَ مُطَاعًا، ذَا رَأْيٍ، وَشَجَاعَةٍ وَهَيْبَةٍ وَهِدَايَةٍ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ من حُقُوقِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:
стр. 92
أَحَدُهَا: جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمْ وَنُزُولِهِمْ حَتَّى لا يتفرقوا، فيخاف عليهم النَّوَى وَالتَّغْرِيرَ. وَالثَّانِي: تَرْتِيبُهُمْ فِي الْمَسِيرِ وَالنُّزُولِ، بِإِعْطَاءِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مُقَادًا حَتَّى يَعْرِفَ كل قوم مِنْهُمْ مُقَادَهُ إذَا سَارَ، وَيَأْلَفَ مَكَانَهُ إذَا نَزَلَ، فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ وَلَا يَضِلُّونَ عَنْهُ. الثالث: أن يرفق بهم في المسير حَتَّى لَا يَعْجِزَ عَنْهُ ضَعِيفُهُمْ، وَلَا يَضِلَّ عنه منقطعهم. رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال " المضعف أميرا لرفقه" يريد مَنْ ضَعُفَتْ دَابَّتُهُ كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَسِيرُوا بِسَيْرِهِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَسْلُكَ بِهِمْ أَوْضَحَ الطرق وأخصبها، ويتجنب أوعرها وأجدبها. الخامس: أَنْ يَرْتَادَ لَهُمْ الْمِيَاهَ إذَا انْقَطَعَتْ، وَالْمَرَاعِيَ إذا قلت. السادس: أَنْ يَحْرُسَهُمْ إذَا نَزَلُوا، وَيَحُوطَهُمْ إذَا رَحَلُوا، حتى لا يتخطفهم داغل ولا يطمع فيهم متلصص. السابع: أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنْ الْمَسِيرِ، وَيَدْفَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَحْصُرُهُمْ عَنْ الْحَجِّ بِقِتَالٍ، إن قدر عليه، وببذل مَالٍ إنْ أَجَابَ الْحَجِيجُ إلَيْهِ. وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُجْبِرَ أَحَدًا عَلَى بَذْلِ الْخَفَارَةِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهَا حَتَّى يَكُونَ بَاذِلًا لَهَا عَفْوًا، ومحيبا إلَيْهَا طَوْعًا، فَإِنْ بَذَلَ الْمَالَ عَلَى التَّمْكِينِ من الحج لا يجب.
стр. 93
الثامن: أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَيُتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إجْبَارًا، إلَّا أَنْ يفوض إليه الحكم، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ. فَيَجُوزُ له حينئذ أن يحكم بَيْنَهُمْ، فَإِنْ دَخَلُوا بَلَدًا فِيهِ حَاكِمٌ جَازَ له ولحاكم البلد أن يحك بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمَا حَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَلَوْ كَانَ التنازع بين أحد الحجيج وأهل البلد لم يحكم بينهما إلا حاكم البلد. التاسع: أن يقوم زائغهم، ويؤدب جانبهم، ولا يتجاوز التعزير إلى حد، إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِيهِ فَيَسْتَوْفِيَهُ إذَا كان من أهل الاجتهاد، فَإِنْ دَخَلَ بَلَدًا فِيهِ مَنْ يَتَوَلَّى إقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهِ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ مَا أَتَاهُ الْمَحْدُودُ قَبْلَ دُخُولِ الْبَلَدِ، فَوَالِي الْحَجِيجِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْ وَالِي الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَ مَا أَتَاهُ الْمَحْدُودُ فِي الْبَلَدِ، فَوَالِي الْبَلَدِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْ والي الحجيج. العاشر: أَنْ يُرَاعِيَ اتِّسَاعَ الْوَقْتِ حَتَّى يُؤْمَنَ الْفَوَاتَ، وَلَا يُلْجِئَهُمْ ضِيقُهُ إلَى الْحَثِّ فِي السَّيْرِ. فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمِيقَاتِ أَمْهَلَهُمْ لِلْإِحْرَامِ وَإِقَامَةِ سُنَنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا عَدَلَ بِهِمْ إلَى مَكَّةَ لِيَخْرُجُوا مَعَ أَهْلِهَا إلَى الْمَوَاقِفِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا عَدَلَ بِهِمْ عَنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِهَا فَيَفُوتَ الْحَجُّ بِهَا، فَإِنَّ زَمَانَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى طلوع الفجر مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَإِنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النحر فقد فاته الحج ويتحلل بعمرة. وقيل: يصير إحرامه بالفوات عمرة، جبرة بدم، وقضاة في العالم المقبل إن أمكن، وفيما بعد إن تعذر عليه.
стр. 94
وإذا وصل الْحَجِيجَ إلَى مَكَّةَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى العود منهم فقد زال عنه ولاية الوالي على الحجيج فلم يكن له عليه يد، ومن كان منه عَلَى الْعَوْدِ فَهُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَمُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ طاعته. وإذا قَضَى النَّاسُ حَجَّهُمْ أَمْهَلَهُمْ الْأَيَّامَ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ فِي إنْجَازِ عَلَائِقِهِمْ، وَلَا يُرْهِقُهُمْ فِي الْخُرُوجِ، فَيَضُرَّ بِهِمْ.
فَإِذَا عَادَ بِهِمْ سار على طَرِيقَ الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رِعَايَةً لِحُرْمَتِهِ، وَقِيَامًا بِحُقُوقِ طاعته. وإن لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ فَهُوَ من مندوبات الشرع المستحبة، وعادات الحجيج المستحسنة. روى عمر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " من زار قبري وجبت له شفاعتي". ثم يكون في عوده بهم ملتزم فيهم من الحقوق ما التزمه في صدري حتى يصل بهم البلد فتنقطع ولايته عنهم بالعود إليه. وإن كان الْوِلَايَةُ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ فَهُوَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الإمام في إقامة الصلاة.
стр. 95
فمن شروط الولاية عليها، مع شروط الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَئِمَّةِ الصَّلَوَاتِ. أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ، عَارِفًا بِمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ. وَتَكُونُ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ مُقَدَّرَةً بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ. أَوَّلُهَا: مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الحجة. وآخرها: يوم النفر الثاني: وهو الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا أَحَدُ الرَّعَايَا، وَلَيْسَ مِنْ الْوُلَاةِ. فإذا كَانَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ، فَلَهُ إقَامَتُهُ فِي كُلِّ عَامٍ، مَا لَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ. وَإِنْ عُقِدَتْ لَهُ خَاصَّةً عَلَى عَامٍ لم يتعداه إلَى غَيْرِهِ إلَّا عَنْ وِلَايَةٍ. وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بولايته ويكون نظره نظره عليه مقصورا خَمْسَةُ أَحْكَامٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَسَادِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. أَحَدُهَا: إشْعَارُ النَّاسِ بِوَقْتِ إحْرَامِهِمْ، وَالْخُرُوجُ إلَى مشاعرهم ليكونوا له متبعين، وبأفعاله مقتدين. الثاني: ترتيبه لِلْمَنَاسِكِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فِيهَا فَلَا يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا وَلَا يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّرْتِيبُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مُسْتَحَبًّا. الثالث: تقدر المواقيت بمقامه فيها، ومسيره عنها كما تتقدم صلاة المأمومين بصلاة الإمام. الرابع: اتباعه على الأذكار الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا، وَالتَّأْمِينُ عَلَى أَدْعِيَتِهِ بِهَا لِيَتَّبِعُوهُ فِي الْقَوْلِ كَمَا اتَّبَعُوهُ فِي الْعَمَلِ، وَلِيَكُونَ اجتماع أدعيتهم أفتح لأبواب الإجابة. الخامس: إمامتهم في الصلوات التي شرعت خطب الحج فيها ويجتمع الحجيج عليها وهي خطبتان: يوم عرفة، ويوم النفر الأول، على ما نشرحه.
ويستحب له في اليوم الثامن: أن يخرج من مكة فينزل بمنى، بخيف بني كِنَانَةَ حَيْثُ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويبيت بها، ويسير بهم من عنده، - وهو اليوم التاسع - مع طلوع الشمس إلى يوم عَرَفَةَ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ، وَيَعُودُ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وليكون عائدا في غير طريق التي صدر منها. فَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى عَرَفَةَ نَزَلَ بِبَطْنِ عَرَفَةَ وأقام بها حتى نزول الشمس، ثم سار منها إلى مسجد إبراهيم ﵇ بوادي عرفة، فخظب الخطبة الأولة من خطب الحج قبل الصلاة الجمعة وجميع الْخُطَبِ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَّا خُطْبَتَيْنِ: خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، وَخُطْبَةُ عَرَفَةَ، فَإِذَا خَطَبَهَا ذَكَّرَ النَّاسَ فِيهَا مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ، وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِمْ بَعْدَ الْخُطْبَةِ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، جَامِعًا بينهما في وقت الظهر، ويقصرها الْمُسَافِرُونَ , وَيُتِمُّهَا الْمُقِيمُونَ.
стр. 96
اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَمْعِهِ وَقَصْرِهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ منها إلى عرفة. وهي الموقف المفروض. وحد عرفة ما جاوز وادي عرنة الَّذِي فِيهِ الْمَسْجِدُ. وَلَيْسَ الْمَسْجِدُ وَلَا وَادِي عرنة مِنْ عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ عَلَى عَرَفَةَ كلها. فيقف منها عند الأجبل الثلاثة: النبعه، والنبيعة، والنابت. فقد وقف النبي ﷺ عند النابت وجعل بطن ناقته إلَى الْمِحْرَابِ، فَهَذَا أَحَبُّ الْمَوَاقِفِ أَنْ يَقِفَ فيه الإمام. وأين وَقَفَ مِنْ عَرَفَةَ وَالنَّاسُ أَجْزَأَهُمْ. وَوُقُوفُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ أَوْلَى. ثُمَّ يَسِيرُ بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، فيؤخر صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ الآخرة بمزدلفة، ويؤم الناس فيها، ويبيت بمزدلفة وحدها من حيث يفضي مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ، وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مِنْهَا إلَى أَنْ يَأْتِيَ إلَى قَرْنِ مُحَسِّرٍ، وَلَيْسَ الْقَرْنُ منها، ويلتقط والناس منها حصى الجمار لعدد الأيام، مثل حصى الحذف، وَيَسِيرُ مِنْهَا بَعْدَ الْفَجْرِ. وَلَوْ سَارَ قَبْلَهُ وَبَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَ، وَلَيْسَ الْمَبِيتُ بِهَا ركن، ويجبر بدم إن تركه.
ثم يتوجه إذا سار منها إلى المشعر الحرام، فيقف فيه بِقُزَحَ دَاعِيًا، وَلَيْسَ الْوُقُوفُ بِهِ فَرْضًا. ثُمَّ يَسِيرُ إلَى مِنًى، فَيَبْدَأُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قبل الزوال بسبع حصيات، ثم ينحر هو ومن ساق هَدْيًا مِنْ الْحَجِيجِ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، يَفْعَلُ مِنْهُمَا مَا شَاءَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ. ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ بِهَا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَيَسْعَى بَعْدَ طَوَافِهِ إنْ لَمْ يَسْعَ قَبْلَ عرفة، ويجزيه سعيه قبل عرفة، ولا يجزيه طَوَافُهُ قَبْلَهَا. ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنًى، فَيُصَلِّي بالناس الظهر، وليس فيه خطبة مسنونة بعد الصلاة، لأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما يحتاجون إليه في يوم عرفة ما يبقى عليهم من مناسكهم فلا حاجة به إلى ذلك، ويبيت بمنى ليلة ليرمي من غدها - وهو يوم النفر الْحَادِيَ عَشَرَ - بَعْدَ الزَّوَالِ الْجِمَارَ الثَّلَاثَ، بِإِحْدَى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع، وَيَبِيتُ بِهَا لَيْلَتَهُ الثَّانِيَةَ، وَيَرْمِي مِنْ غَدِهَا - وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ - الْجِمَارَ الثَّلَاثَ، ثُمَّ يَخْطُبُ بعد صلاة الظهر الخطبة الثانية،
стр. 97
وَهِيَ آخِرُ الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْحَجِّ. وَيُعْلِمُ الناس أن لهم في الحج نفرين، خيرهم الله تعالى فيهما بقوله (٢: ٢٠٣ - فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، ومن تأخر فلا إثم عليه) وَيُعْلِمُهُمْ أَنَّ مَنْ نَفَرَ مِنْ مِنَى قَبْلَ غروب الشمس فقط سقط عنه المبيت بها ورمى الجمار مِنْ غَدِهِ، وَمَنْ أَقَامَ بِهَا حَتَّى غَرَبَتْ الشمس لزمه المبيت بها والرمي من غده. وليس في اليوم السابع من العشر خطبة، لأنه يوم لم يشرع في نسك من مناسك الحج، فلم يشرع فيه خطبة كليلة اليوم الأخير من أيام التشريق، ولا يلزمه عليه يوم عرفة ويوم النفر الأول لأنه شرع فيه النسك. ولا في يوم النحر خطبة، لأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما يحتاجون إليه في الغد وهو النفر الثاني، لم يحتج إلى إعادة الخطبة فيه. وليس لهذا الإمام يحكم وِلَايَتِهِ أَنْ يَنْفِرَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَيُقِيمَ بمنى لِيَبِيتَ بِهَا، وَيَنْفِرُ فِي النَّفْرِ الثَّانِي مِنْ غده من يوم الحلاق، وهو الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ متبوع، فلا يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْمَنَاسِكِ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّ حكم النفر الثاني انقضت ولايته وأدى مَا لَزِمَهُ. فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوِلَايَتِهِ. فأما السَّادِسُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: إنْ فعل أحد الحجيج ما يقتضي تعزيره أو يوجب حدا، فينظر، فإن كان مما لا تعلق له بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ وَلَا حَدُّهُ، وإن كان مما يتعلق بالحج مثل أن.... فله تعزيره زجرا وتأديبا، وأما الحد فليس له إقامته، لأنه خارج عن أفعال الحج، وقد قيل له ذلك لأنه من أحكام الحج. الثاني: أنه لا يجوز له أن يحكم بين الحجيج فيما يتنازعونه من غير أحكام الحج، فأما حكمه بينهم فيما يتنازعونه مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ، كَالزَّوْجَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِي إيجاب الكفارة للوطء ومؤنة القضاء، فعلى ما ذكرنا من الاحتمال الثالث أن يأتي أحد الحجيج بما يوجب الفدية فله أن يخبره بموجبها ويأمره بإخراجها، وهل يستحق إلزامه له ويصير خصما له في المطالبة؟ عل ما ذكرنا من الاحتمال في إقامة الحد. ويجوز لوالي الحجيج أَنْ يُفْتِيَ مَنْ اسْتَفْتَاهُ إذَا كَانَ فَقِيهًا وإن لم يجز له أَنْ يَحْكُمَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ما يسوغ فعله، إلا ما يخاف أن يجعله الجاهل قدرة فيه، فقد أنكر عمر على طلحة لُبْسَ الْمُضَرَّجِ فِي الْحَجِّ، وَقَالَ " أَخَافُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِكَ الْجَاهِلُ". وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ فِي الْمَنَاسِكِ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَلَوْ أَقَامَ للناس الحج - وهو حلال غَيْرُ مُحْرِمٍ - كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَحَّ الْحَجُّ معه بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فِيهَا وَهُوَ غَيْرُ مُصَلٍّ لَهَا.
стр. 98
وَلَوْ قَصَدَ النَّاسُ فِي الْحَجِّ التَّقَدُّمَ عَلَى إمامتهم فيه أو التأخر فيه جَازَ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالَفَةُ الْمَتْبُوعِ مَكْرُوهَةً، وَلَوْ قصدوا مخالفته في الصلاة فسدت عليهم، لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَانْفِصَالِ حَجِّ الناس عن حج الإمام.
فصل: في ولايات الصدقات
الزكاة تجب في الأموال المرصدة للنماء، إما بنفسها وإما بِالْعَمَلِ فِيهَا، طُهْرَةً لِأَهْلِهَا، وَمَعُونَةً لِأَهْلِ السَّهْمَانِ. وَالْأَمْوَالُ الْمُزَكَّاةُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ. فَالظَّاهِرَةُ: مَا لا يمكن إخفاؤه: من الزروع، وَالثِّمَارِ، وَالْمَوَاشِي.
وَالْبَاطِنَةُ: مَا أَمْكَنَ إخْفَاؤُهُ: مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ. وَلَيْسَ لِوَالِي الصَّدَقَاتِ نظر في زكاة المال الباطني، وَأَرْبَابُهُ أَحَقُّ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَبْذُلَهَا أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ طَوْعًا، فَيَقْبَلُهَا مِنْهُمْ، وَيَكُونُ في تفرقتها عونا لهم، ونظره مخصوص بزكاة المال الظاهر، يؤمر أرباب الأموال بدفعها إليه إذا طلبها، فإن لم يطلبها جاز دفعها إليه. والأفضل أن يتولى أرباب المال تفرقتها بأنفسهم، نص عليه، فإن طالبهم الإمام بدفعها إليه فامتنعوا من ذلك وأجابوا إلى إخراجها بأنفسهم لم يكن له قتالهم، والمنصوص عليه في قتالهم: إذا منعوا إخراجها في رواية منصور، والمروذي، والميموني، والأثرم. وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ: أَنْ يَكُونَ مسلما، عدلا، عَالِمًا بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ ' إنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التفويض. وقد قال في رواية أبي طالب - وقد سأله: يستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ - فقال " لا يستعان بهم في شيء". وَإِنْ كَانَ مُنَفِّذًا قَدْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرٍ يَأْخُذُهُ، جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَلَّدَهَا مَنْ تحرم عليه الصدقات من ذوي القربى، والعبيد، ويكون رزقه منها، لأن ما يأخذه أجرة زكاة، ولهذا يتقدر بقدر عمله. وقد قال الخرقي " ولا تدفع الصدقة لبني هاشم، ولا لكافر ولا لعبد، إلا أن يكونوا من العاملين عليها فيعطون بحق ما عملوا ".
стр. 99
وقال أبو حفص " ويدفع إلى العبد إذا كان من العاملين عليها".
وقد سأل المروذي أحمد: العاملون عليها قوم خاص؟ قال: لا، بل عام". وقال له أبو طالب: بعض الناس يقول. للعامل الثمن، فقال " ليس كذا، إن ولي رجل على البصرة يأخذ الثمن، لكن يأخذ على قدر عمالته". وقال أبو حفص " يعطي منها وإن كان غنيا" وذكر الحديث بإسناده عن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لا تحل الصدقة إلا الخمسة: لعامل عليها" وذكر الخبر. وإذا قلده أخذها، نظرت، فإن قلد أخذها وقسمتها، فله الجمع بين الأمرين. وإن قلده أخذها، ونهاه عن قسمتها، لم يجز له قسمتها. وإن أطلق التقليد فلم يأمره ولم ينهه، جاز له قسمتها، وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀، في رواية الميموني. فقال " والذي فارقته عليه: أن المصدق إذا جاءهم وأخذ صدقات أموالهم، فإن كانوا أغنياء عنها أخرجها، وردها إلى الإمام، وإن كانوا فقراء أعطاهم ما يغنيهم، فإن فضل عنهم شيء أخرجه عنهم". والأموال الْمُزَكَّاةَ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا: الْمَوَاشِي، وَهِيَ الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ والغنم، سميت مَاشِيَةً لِرَعْيِهَا وَهِيَ مَاشِيَةٌ. فَأَمَّا الْإِبِلُ فَأَوَّلُ نصابها: خمس، وفيها شَاةٌ جَذَعَةٌ مِنْ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنْ المعز، والجذع من الغنم: ماله ستة أشهر، وفيها، والثني منها: ما استكمل ستة إلى سبعة. فإذا بلغت الإبل عشرا، ففيها شاتان، إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة، ففيها ثلاث شياه، إلى تسع عشرة، فإذا بلغت عشرين، ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين. فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، عَدَلَ فِي فَرْضِهَا عن الغنم، وكان فيها ابنة مخاض، وهي: ما استكملت سنة، فإن عدمها فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين. فإذا بلغت ستا وثلاثين، ففيها ابنة لبون، وهي ما استكملت سنتين، إلى خمس وأربعين. فإذا بلغت ستا وأربعين، ففيها حِقَّةٌ وَهِيَ مَا اسْتَكْمَلَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَاسْتَحَقَّتْ الركوب وطرق الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، وهي ما استكملت أربع سنين إلى خمس وسبعين،
стр. 100
فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين.
فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، هذا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. فإذا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً، كَانَ فِي كل أربعين ابنة لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَيَكُونُ فِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مائة وأربعين حقتان وبنت لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ: أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ: ففيها أحد فرضين، إما أربع حقاق، وإما خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا إلا أحد الفرضين أخذا. وإن واجدا مَعًا أَخَذَ الْعَامِلُ أَفْضَلَهُمَا وَقِيلَ يَأْخُذُ الْحِقَاقَ لأنها أكثر منفعة وأقل مؤونة، وعلى هَذَا الْقِيَاسُ فِيمَا زَادَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابنة لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. وَأَمَّا الْبَقَرُ فأول نصابها ثلاثون. وفينا تبيع ذكر، وهو ما استكمل ستة أشره وَقَدَرَ عَلَى اتِّبَاعِ أُمِّهِ، فَإِنْ أَعْطَى تَبِيعَةً أنثى قبلت إلى تسعة وثلاثين. فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّةٌ أُنْثَى، وَهِيَ التي اسْتَكْمَلَتْ سَنَةً. فَإِنْ أَعْطَى مُسِنًّا ذَكَرًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إنْ كَانَ فِي بَقَرِهِ أُنْثَى. فإن كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُورًا، فَقَدْ قِيلَ: يُقْبَلُ الْمُسِنُّ الذكر. وقيل: لا يقبل. فإذا زادت على الأربعين من البقر فلا شيء فيها، حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعَانِ. ثُمَّ فِيمَا بَعْدَ السِّتِّينَ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ. وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ. فَيَكُونُ فِي سَبْعِينَ تبيع ومسنة وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ. وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ. وَفِي مِائَةٍ تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ, وَفِي مِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مسنتان وتبيع. وفي مائة وعشرين أحد فرضين. كالمئتين مِنْ الْإِبِلِ إمَّا أَرْبَعَةُ أَتْبِعَةٍ. أَوْ ثَلَاثُ مسنات. وقيل: يأخذ العامل منها مَا وَجَدَ. فَإِنْ وَجَدَهُمَا أَخَذَ أَفْضَلَهُمَا. وَقِيلَ: يَأْخُذُ الْمُسِنَّاتِ. ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِيمَا زَادَ، فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ. وَأَمَّا الْغَنَمُ، فَأَوَّلُ نِصَابِهَا أَرْبَعُونَ. وفيها جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنْ الْمَعْزِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا صِغَارًا دُونَ الْجِذَاعِ وَالثَّنَايَا. فَيُؤْخَذُ منها صغيرة دون الجذعة والثنية.
وقيل: لا يؤخذ إلا جذعة أو ثنية إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائة وتسعة وتسعين. فإذا صارت مائتي شاة. ففيها ثلاث أشياء إلى أن تبلغ أربعمائة. فإذا بلغتها ففيها أربع شياه.
стр. 101
وبضم الضَّأْنُ إلَى الْمَعْزِ، وَالْجَوَامِيسُ إلَى الْبَقَرِ، وَالْبَخَاتِيُّ إلى العرب لأنهما نوعان من جنس واحد. ولا تضم الْإِبِلُ إلَى الْبَقَرِ وَلَا الْبَقَرُ إلَى الْغَنَمِ، لاختلاف الجنس. والخلطاء في الزكاة يزكون زكاة الواحد إذا اجتمعت فيهم شروط الخلطة. ولا يجمع مال الإنسان من الماشية إذا تفرقت أماكنه بحيث تقصر الصلاة. فإذا كان له نصاب واحد في بلدين لم تجب الزكاة، وإن كان له نصابان في بلدين وجبت زكاتان. وزكاة المواشي تجب إذا بلغت نصابا، بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ سَائِمَةً تَرْعَى الْكَلَأَ. فتقل مؤونتها، وَيَتَوَفَّرُ دَرُّهَا وَنَسْلُهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَامِلَةً أَوْ معلوفة لم تجب فيها الزكاة. الثاني: أن يحول عليها الحول الذي تستكمل فيه النسل. والسخال فتزلى بزكاة أُمَّهَاتِهَا إذَا وُلِدَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ وَكَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نصابا. فإن نقصت الأمهات عن النصاب استؤنف بِهَا الْحَوْلُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ النِّصَابِ. وَلَا زَكَاةَ في الخيل والبغال والحمير. وَإِذَا كَانَ وَالِي الصَّدَقَاتِ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ أخذها - مما اختلف الفقهاء فيه - على رأيه واجتهاده الإمام، ولا على أرباب الأموال، ولا يلزم الإمالم أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّنْفِيذِ عَمِلَ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ دُونَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَجُزْ لِهَذَا الْعَامِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَلَزِمَ الْإِمَامَ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى الْقَدْرِ المأخوذ، ويكون رسولا في القبض، منفذا الاجتهاد الإمام.
стр. 102
فعلى هذا: إن كان العامل ذميا نظرت، فَإِنْ كَانَ فِي زَكَاةٍ عَامَّةٍ لَمْ يَجُزْ، لأن فيها ولاية ولا يصح ثبوتها مع الكفر، وإن كان في زكاة خاصة نظرت. فَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ قَدْ عَرَفَ مَبْلَغَ أصله وقدر زكاته، جاز أن يكون المأمور بقبضه ذميا، لأنه تجرد عن حُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَتَخَصَّصَ بِأَحْكَامِ الرِّسَالَةِ.
وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ لَمْ يَعْرِفْ مَبْلَغَهُ، وَلَا قَدْرَ زكاته لم يجز أن يكون المأمور ذميا، لأنه يحتاج إلى عد مال لا يقبل فيه خبره. فإذا تَأَخَّرَ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ عَنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاتِهِمْ. فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُرُودِ عَمَلِهِ وتشاغله بغيرهم أنظروه لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا مِنْ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ. وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ جَمِيعِهِمْ وَتَجَاوَزَ الْعُرْفَ فِي وَقْتِ زَكَاتِهِمْ أَخْرَجُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ، لأن الأمر بدفعها إليه معلق بطلبها، وَسَاقِطٌ مَعَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ. وَجَازَ لِمَنْ يَتَوَلَّى إخْرَاجَهَا مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا على اجتهاد نفسه إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ اسْتَفْتَى مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يأخذ بقوله ولا يلزمه أن يستفتى فقيهين. فإن استفتى فقيهين فأفتاه أحدهما بوجوبها وَأَفْتَاهُ الْآخَرُ بِإِسْقَاطِهَا. أَوْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِقَدْرٍ، وأفتاه الآخر بأكثر منه احتمل وجهين: أحدهما: أن يأخذ بأغلظ القولين بناء على قوله: إن أرباب الأموال يقومون السلع بما فيه الحظ، ولا يعتبر الثمن الذي اشتريت به. والثاني: يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ منهما بناء على قوله فيمن سأله عن طلاق فأرشده إلى أصحاب مالك طلبا للرخصة. وقال في موضع آخر " لا تحمل الناس على مذهبك". وإذا حَضَرَ الْعَامِلُ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى اجْتِهَادِ نَفْسِهِ، أَوْ اجْتِهَادِ مَنْ اسْتَفْتَاهُ وَكَانَ اجْتِهَادُ الْعَامِلِ مُؤَدِّيًا إلَى إيجَابِ مَا أسقط أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ كَانَ اجْتِهَادُ الْعَامِلِ أَمْضَى، إنْ كَانَ وَقْتُ الْإِمْكَانِ بَاقِيًا، وَاجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ أَنْفَذَ، إنْ كَانَ وَقْتُ الإمكان فانيا. وَلَوْ أَخَذَ الْعَامِلُ الزَّكَاةَ بِاجْتِهَادِهِ، وَعَمِلَ فِي وجوبها وإسقاطها عَلَى رَأْيِهِ، وَأَدَّى اجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ إلَى إيجَابِ مَا أَسْقَطَهُ، أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخَذَهُ لَزِمَ رَبُّ الْمَالِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إخْرَاجُ مَا أَسْقَطَهُ مِنْ أَصْلٍ أو تركه من زيادة، لأنه معترف بوجوب ما عليه لأهل السهمان. وقد قال أحمد في رواية حرب " إذا لم يأخذ السلطان منه تمام العشر يخرج تمام العشر، يتصدق به".
وَالْمَالُ الثَّانِي: مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ ثِمَارُ النَّخْلِ والكرم وما في معناها مما يكال ويدخر، كاللوز، والفستق، والبندق. ولا تجب في غير ذلك في جميع الفواكه والثمار زكاة.
стр. 103
وقد نص على ثمرة النخل والكرم في غير موضع. ونص على ثمرة اللوز، وأسقطها في الجوز في رواية أبي طالب. وأسقطها فيما عدا ذلك من الفواكه. وأوجبها في الزيتون، في رواية المروزي، وصالح. وزكاتها تجب بشرطين: أحدهما: بدو الصلاح فيها، وَاسْتِطَابَةُ أَكْلِهَا، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَطَعَهَا قَبْلَ بدو صلاحها زكاة إذا كان لحاجة، فإن فعله فرارا من الزكاة لم تسقط. والثاني: أن يبلغ خمسة أوسق. ولا زكاة فيها إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. وَالْوَسْقُ ستو صاعا. والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراق. ويجوز خرص الثمار على أصلها بقدر الزكاة، واستظهارا لأهال السهمان. وقد وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ عُمَّالًا. وَقَالَ لَهُمْ " خَفِّفُوا الْخَرْصَ، فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْوَصِيَّةَ وَالْعَرِيَّةَ، وَالْوَاطِئَةَ، وَالنَّائِبَةَ". فَالْوَصِيَّةُ: مَا يُوصِي بِهَا أَرْبَابُهَا بَعْدَ الوفاة. " والعرية": ما يعرى للصلاة في الحياة. " والواطئة": ما تأكله السابلة منه. سموا وَاطِئَةً لِوَطْئِهِمْ الْأَرْضَ. " وَالنَّائِبَةُ": مَا يَنُوبُ الثِّمَارَ من الجوائح. فأما ثمار البصرة فحكمها حكم غيرها في خرص النخل والكرم. ولا يجوز خرص النخل والكرم إلا بعد بدو صلاحها. فيخرصان بسرا وعنبا على روايتين. إحداهما: يعتبر كونه رطبا وعنبا. والثانية: تعتبر مَا يَرْجِعَانِ إلَيْهِ تَمْرًا وَزَبِيبًا ثُمَّ يُخَيَّرُ أَرْبَابُهَا إذَا كَانُوا أُمَنَاءَ بَيْنَ ضَمَانِهَا بِمَبْلَغِ خرصها، ليتصرفوا فيا وَيَضْمَنُوا قَدْرَ زَكَاتِهَا. وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي أَيْدِيهِمْ أَمَانَةٌ، يُمْنَعُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى تتناهى فتؤخذ زكاتها ما بلغت.
стр. 104
وقدر الزكاة: العشر إن سقيت عثريا أَوْ سَيْحًا. وَنِصْفُ الْعُشْرِ إنْ سُقِيَتْ غَرْبًا أو تضحا. فإن سقيت بهما فقد قيل: يعتبر أغلبهما. وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقِسْطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِذَا اختلف ربها وَالْعَامِلُ فِيمَا سُقِيَتْ بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ ربها.
فإن رأي العامل يستحلفه استظهارا فعل، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا اعْتَرَفَ به. وبضم أَنْوَاعَ النَّخْلِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْكَرْمِ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلَا يُضَمُّ النخل إلى الكرم. ويضم الملك إذا كان لواحد بعضه إلى بعض من الزرع، والثمار إذات كان في بلدين. نص عليه في رواية الأثرم في زروع في بلدان شتى، في كل بلد ثلاثة أوسق، أيجمعها فيزكيها؟ فقال " الزرع غير الماشية، إنما سمعنا في الماشية ولم نسمع في الزرع". ومعناه: أن الماشية يجمع المتفرق منها، وقد نص عليه أيضا في رواية حنبل. وَإِذَا كَانَتْ ثِمَارُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ تَصِيرُ تَمْرًا وزبيبا لم يأخذ زكاتها إلا بعد تناهي جفافها تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يؤخذ إلا رطبا أو عنبا أخذ عشرها. وقد أطلق أحمد القول في ذلك، سواء قلنا: إن القسمة إفراز حق، وهو المنصوص في رواية الأثرم. أو بيع لأن بيع الثمرة بعضها ببعض جائز عندنا. فإن أخرج عشر ثمنها إذا بيعت، فقد أطلق أحمد القول في ذلك، فقال في رواية صالح ابن منصور " وإذا باع نخلة أو ثمرة أو زرعهخ وقد بلغ في ثمنه العشر أو نصف العشر أخرجه". وكذلك قال في رواية أبي طالب "إذا ابيض السنبل فباعه بألف درهم يتصدق بعشرها، بمائة". فقد أطلق القول هاهنا أن العشر في الثمن. وقال في رواية أبي داود " إذا باع ثمرة نخلة عشره على الذي باعه، إن شاء أخرج تمرا، وإن شاء أخرج من الثمن". فقد خيره هاهنا، وإنما أخذ عشر ثمنها. ورأيت في تعاليق أبي بكر بن مشكايا عن أبي حفص البرمكي قال " إذا باع الرجل الثمر فالزكاة في الثمن، وإن لم يبعها فالزكاة في الثمرة". قال أبو بكر: وكان أبو إسحاق قد قال إن للأثرم كلاما يجيء بخلاف هذا المعنى. قال
стр. 105
أبو إسحاق "وقد أخرجنا هذه المسألة عن الكوسج: أن الزكاة في الثمن إذا باعها، فقال يجيء على هذا روايتان. قال: لأن من أصلنا لا تؤخذ القيمة في الزكاة".
والأمر على ما قال أبو إسحاق، وأنه متى ثبت جواز إخراج القيمة إ ... ذا باع النصاب ثبت جوازه إذا كان باقيا، ولا فرق بينهما. وَإِذَا هَلَكَتْ الثِّمَارُ بَعْدَ خَرْصِهَا بِجَائِحَةٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ سَمَاءٍ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ سَقَطَتْ وَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ إمْكَانِ أَدَائِهَا أُخِذَتْ. وقد قال أحمد في رواية حنبل " إذا خرص عليهم، وترك في رءوس النخل فعليهم حفظه. فإن أصابته جائحة من السماء فذهبت بالثمرة لم يؤخذ، وسقط عنهم الخرص ". المال الثالث: الزرع فتجب الزكاة في المكيل المدخر: كالبر وَالشَّعِيرُ، وَالْأَرُزُّ، وَالذُّرَةُ وَالْبَاقِلَّاءُ، وَاللُّوبْيَاءُ، وَالْحِمَّصُ، وَالْعَدَسُ، والدهن، والجلبا،. فَأَمَّا الْعَلَسُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُرِّ يُضَمُّ إليه، وعليه قشرتان لا تجب فيه الزكاة بِقِشْرَتِهِ إلَّا إذَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ. وَكَذَلِكَ الأرز في قشره. وَأَمَّا السُّلْتُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَالْجَاوَرْسُ: نَوْعٌ مِنْ الدُّخْنِ يُضَمُّ إلَيْهِ. وتجب أيضا في السمسم، وبزر الكتان، والخردل والشهدانج، والكمون، والكراويا. وتجب فيما لا يؤكل، كالقطن، والكتان في إحدى الروايتين، نقلها يعقوب بن يختان. ونقل أبو داود: لا زكاة في القطن. وقد قال في رواية أبي طالب " يعطي من كل شيء يكال ويدخر، مثل الحنطة، والشعير، والذرة والسلت، والزبيب، والتمر، والعدس، والحمص، والخردل، وأشباهه". وقال في رواية الأثرم " في الباقلاء والأرز واللوبيا". وقال في رواية مهنا " في السمسم والشهدانج". ولا تجب العشر في القبول والخضر، كالقثاء، والخيار، والباذنجان، والبطيخ. فأما ما لم يزرعه الآدميون من نبات الأودية والجبال مما يكال ويدخر، كاللوز، والفستق، والبندق، والسماق ,وحبة الخضراء والغبيراء، والعناب. فقياس قوله: يجب من العشر. لأنه نص على وجوب الزكاة في العسل المأخوذ من هذه المواضع.
стр. 106
فقال في رواية صالح " والعسل إذا كان في أرض العشر أو الخراج، حيث كان. ففيه العشر". وجعل نصابه عشر قرب، ذكره في رواية أبي داود. وقال: قال الزهري " في كل عشرة أفراق فرق". والفرق: ستة عشر رطلا.
وَزَكَاةُ الزَّرْعِ تَجِبُ فِيهِ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَاشْتِدَادِهِ. ولا يؤخذ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ دِيَاسِهِ وَتَصْفِيَتِهِ، إذَا بَلَغَ الصنف منها خمسة أوسق. ولا زكاة فيما دونها. وقد قال أحمد في رواية صالح " مكروه أن يبيع الثمر حتى يطيب ... وإن باع ثمرة قد طابت فالزكاة على البائع". وقد اختلفت الرواية عنه في ضم الحنطة إلى الشعير والقطاني، بعضها إلى بعض، كالعدس إلى الأرز، والعدس إلى الباقلاء. على روايتين. إحداهما: تضم كما تضم العلس إلى الحنطة، والسلت إلى الشعير. والثانية: لا تضم، كما لا يضم التمر إلى الشعير. وَإِذَا جَزَّ الْمَالِكُ زَرْعَهُ: بَقْلًا أَوْ قَصِيلًا. نظرت. فإن قصد الفرار من الزكاة لم تسقط. وإن كان لحاجة سقطت. وإذا ملك الذمي أرض عشر فزرعها، أخذ منه ضعف الصدقة المأخوذة من المسلم.
стр. 107
نص عليه الميموني، وأبي طالب، وأبي بكر بن هانئ. فإن أسلم سقطت عنها مضاعفة الصدقة. وَإِذَا زَرَعَ الْمُسْلِمُ أَرْضَ خَرَاجٍ أُخِذَ مِنْهُ عشر الزرع، مع خراج الأرض. وإذا استأجر أرض خراج فزرعها فالخراج على مؤجرها. العشر على مستأجرها. المال الرابع: الذهب والفضة وَهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ. وَزَكَاتُهُمَا: رُبُعُ الْعُشْرِ. وَنِصَابُ الْفِضَّةِ: مِائَتَا دِرْهَمٍ بِوَزْنِ الْإِسْلَامِ، الَّذِي وزن كل درهم منه ستة دوانيق وكل عشرة منها سبع مثاقيل.
стр. 108
وَفِيهَا إذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ هي ربع عشرها. ولا زكاة فيها إن نقصت عن مائتي درهم. وفيما زاد بحسابه. وَأَمَّا الذَّهَبُ فَنِصَابُهُ عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِمَثَاقِيلِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ فِيهِ رُبُعُ عُشْرِهِ، وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ. وَيَسْتَوِي فِيهِ خَالِصُهُ وَمَطْبُوعُهُ. واختلفت الرواية في ضم الفضة إلى الذهب. فروي عنه أنها لا تضم. وروي عنه أنها تضم. وفي ضمها روايتان. إحداهما. بضم الأقل إلى الأكثر، ويقوم بقيمة الأكثر. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي عبد الله النيسابوري.
وقد سئل: إذا كان عنده مائة درهم، وعشرة دنانير، وأربعةى من الإبل، وأوساق من طعام هل يضم بعضها إلى بعض فيزكيها؟ فقال أحمد " أما الدراهم والدنانير فأحب له أن يضم بعضها إلى بعض، فيضم الأقل إلى الأكثر، فيحسبها، ويزكيها". والثانية: تضم بالأجزاء إذا كان معه عشرة دنانير ومائة درهم ضم بعضها إلى بعض. ولا تعتبر القيمة. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم: في رجل عنده مائة درهم وثمانية دنانير. فقال " هذه مسألة فيها اختلاف، وإنما قال من قال فيها: الزكاة إذا كانت عشرة دنانير ومائة درهم".
стр. 109
وظاهر هذا أنه إنما يصح الضم على هذا الوجه. وإذا اتجر بالدراهم والدنانير زكاها، وربحها تبع لها إذا حال الحول. وإذا اتخذ من الذهب والفضة حليا مباحا سقطت زكاته إذا كان يعار ويلبس وإن كان للكراء وجبت فيه الزكاة.
стр. 110
وإن اتخذ منهما ما يحظر من الحلي والأواني وجبت زكاته. فأما المعادن فهي من الأموال الظاهرة: وتجب الزكاة في جميع الخارج منها. سواء كان مما يطبع: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، أو مما لا يطبع: من مائع، كالقبر، والنفظ، أو حجر: كالجواهر، والكحل، والمغرة - إذا بلغ المأخوذ من الذهب والفضة بعد السبك والتصفية نصابا، أو بلغ قيمة المأخوذ من غيرهما نصابا. وقدر المأخوذ: ربع العشر، كالمقتنى من الذهب، والفضة، وعروض التجارة. فأما الرِّكَازُ فَهُوَ كُلُّ مَالٍ وُجِدَ مَدْفُونًا مِنْ ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ، فِي مَوَاتٍ، أَوْ طَرِيقٍ سَابِلٍ، يكون لواجده
следующие страницы →