Полный текст (289 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الحكم الخامس أن يمنع مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ معاهد أن يدخل الحرم، لا مقيما ولا مارا به، قال في رواية ابن منصور " ليس لليهودي والنصراني أن يدخل الحرم " فقد منع منه. فإن دخل مشرك عزر إذا دخله بغير إذن ولم يستبح به قتله، فإن دَخَلَهُ بِإِذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ وَأُنْكِرَ عَلَى الْآذِنِ له ولم يستبح به قتله، وَعُزِّرَ إنْ اقْتَضَتْ حَالُهُ التَّعْزِيرَ، وَأُخْرِجَ مِنْهُ المشرك آمنا. وإن أراد مشرك دخول لِيُسْلِمَ فِيهِ مُنِعَ مِنْهُ حَتَّى يُسْلِمَ قَبْلَ دُخُولِهِ. وَإِذَا مَاتَ مُشْرِكٌ فِي الْحَرَمِ حَرُمَ دَفْنُهُ فِيهِ، وَدُفِنَ فِي الْحِلِّ، فَإِنْ دُفِنَ فِي الْحَرَمِ نُقِلَ إلَى الْحِلِّ، إلَّا أَنْ يكون قد بلي فيترك كما ترك فيه أموات الجاهلية. قال أحمد في رواية أبي طالب: " فضلت مكة بغير شيء: يصلي فيها أي ساعة شاء من ليل أو نهار، ولا يقطع الصلاة فيها شيء، تمر المرأة بين يدي الرجل، ومن دخل كان آمنا، والصيد". فأما سائر المساجد فهل يجوز أن يؤذن لهم في دخولها؟ على روايتين إحداهما: جواز ذلك، ما لم يقصدوا بالدخول استبذالها بأكل ونوم، فإن قصدوا ذلك منعوا. والثانية: لا يجوز أن يؤذن لهم بحال. فأما الحجاز فقال الأصمعي: سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد، فما سِوَى الْحَرَمِ مِنْهُ مَخْصُوصٌ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَسْتَوْطِنَهُ مُشْرِكٌ من ذمي ولا معاهد.
قال أحمد في رواية بكر بن محمد - وقد سأله عن قول النبي ﷺ -
стр. 177
" أخرجوا المشركين من بلاد العرب" قال: " إنما الجزيرة موضع العرب، وأما الموضع الذي يكون فيه أهل السواد والفرس فليس هي جزيرة العرب". وقال أيضا في رواية عبد الله في حديث النبي ﷺ " لا يبقى دينان بجزيرة العرب " وتفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم". وقال في رواية حنبل" قال: عمر: جزيرة العرب - يعني المدينة وما والاها، لأن النبي ﷺ أوصى بإجلاء اليهود منها، فليس لهم أن يقيموا بها".
стр. 178
وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ قَالَتْ " كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ". وَأَجْلَى عمر أَهْلَ الذِّمَّةِ عَنْ الْحِجَازِ وَضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ منهم: تاجرا، أوصانعا مقام ثلاثة أيام يخرجون بَعْدَ انْقِضَائِهَا. فَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الحكم. فيمنع أهل الذمة من استيطان الحجاز، ويمكنون مِنْ دُخُولِهِ، وَلَا يُقِيمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا انْقَضَتْ صُرِفَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَجَازَ أَنْ يُقِيمَ فِي غَيْرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يُصْرَفَ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ أَقَامَ بِمَوْضِعٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثلاثة أيام عزر، ولم يكن معذورا. الحكم الثاني أن لا يدفن فيه أمواتهم وينقلون - إنْ دُفِنُوا فِيهِ - إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ دَفْنَهُمْ فيه مستدام فصار كالاستيطان إلا أن تبعد مَسَافَةُ إخْرَاجِهِمْ مِنْهُ، وَيَتَغَيَّرُوا إنْ أُخْرِجُوا، فَيَجُوزُ لأجل الضرورة أن يدفنوا فيه. الحكم الثالث أن لمدينة الرسول ﷺ حرما محظورا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، يُمْنَعُ مِنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، وَعَضُدِ شجره، كحرمة مكة. الحكم الرابع أرض الحجاز اختص رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِهَا، وهي تنقسم قسمين. أحدها: صدقات رسول الله ﷺ التي أخذها بحقيه. فإن حقيه: خمس الخمس من الفيء والغنائم.
وأما أربعة أخماس الفيء مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فهل كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وحقا له؟ على وجهين: أحدهما: كان حقا له، ذكره أبو بكر في كتاب التفسير في سورة الحشر فقال: " جعل الله ما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ لرسوله خاصة دون غيره , ولم يجعل فيه لأحد نصيبها".
стр. 179
واحتج بحديث عمر " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصا دون المسلمين". والوجه الثاني: لم يكن له بل كان لجماعة المسلمين، لأن أحمد قال في رواية أبي النضر وبكر بن محمد " والفيء ما صولح عليه من الأرضين، وجزية الرؤوس وخراج الأرضين. فهذا لكل المسلمين فيه حق الغني والفقير على ما يرى الإمام". واحتج بأن عمر فرض لأمهات المؤمنين في الفيء ولأبناء المهاجرين سوى العطاء. وكان يقول " لكل أحد في المال حق إلا العبد". فلو كان النبي ﷺ خالصا لجعله بعد موته لأهل الديوان، كما جعل سهمه من خمس الغنيمة لأهل الديوان. فقال في رواية أبي طالب " سهم الله والرسول واحد، فلما مات رسول الله ﷺ جعله أبو بكر في الكراع والسلاح، فهو كما جعله لا يجوز صرف لغير أهل الديوان". وكذلك قال في رواية صالح " يعزل الخمس، يعطاه أهل الديوان: المقاتلة دون غيرهم ". والوجه لهذا القائل قول النبي ﷺ : " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم". وهذا ينبغي أن يكون له أربعة أخماسه. فما صار إليه من أحد هَذَيْنِ الْحَقَّيْنِ فَقَدْ رَضَخَ مِنْهُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وترك باقيه لنفقته وصلاته ومصالح المسلمين، وحكمه حين مات عنه: أَنَّهَا صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَةُ الرِّقَابِ مَخْصُوصَةُ الْمَنَافِعِ، مَصْرُوفَةٌ الارتفاع فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
وَمَا سِوَى صَدَقَاتِهِ فإنها أَرْضُ عُشْرٍ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَا بَيْنَ مَغْنُومٍ، مُلِكَ عَلَى أَهْلِهِ، أَوْ مَتْرُوكٍ أسلم عليه أهله، وكلا الأرضين معشور لا خراج عليه.
стр. 180
فأما الصدقات رسول الله ﷺ فمحصورة، لأنه قيض عنها فتعينت. هي ثمانية: أحدها: - وَهِيَ أَوَّلُ أَرْضٍ مَلَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من وَصِيَّةُ مُخَيْرِيقٍ الْيَهُودِيِّ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. حكى الواقدي: أن مخيريق الْيَهُودِيَّ كَانَ حَبْرًا، مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. وَكَانَتْ لَهُ سَبْعَةُ حَوَائِطَ. وَهِيَ: المثبت، والصافية، والدلال وحسنى، وبرقة، والأعواف، والمشربة، فَوَصَّى بِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَسْلَمَ، وَقَاتَلَ مَعَهُ بِأُحُدٍ حَتَّى قتل. وَالصَّدَقَةُ الثَّانِيَةُ: أَرْضُهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ أَرْضٍ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا وَكَفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، وَجَعَلَ لَهُمْ مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا الْحَلَقَةَ - وَهِيَ السِّلَاحُ - فَخَرَجُوا بِمَا اسْتَقَلَّتْ إبِلُهُمْ إلى الشام وخيبر، وحصلت أرضهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا ما كان ليامين بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَبِي سَعْدِ بْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُمَا أسلما قبل المظفر، فَأَحْرَزَ لَهُمَا إسْلَامُهُمَا جَمِيعَ أَمْوَالِهِمَا، ثُمَّ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا سِوَى الْأَرْضَيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
стр. 181
عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، دُونَ الْأَنْصَارِ، إلَّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ، فإنهما ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ وحبس الأرض عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ، يَضَعُهَا حَيْثُ شاء، وَيُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَزْوَاجِهِ ثُمَّ سَلَّمَهَا عُمَرُ إلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا لِيَقُومَا بمصرفها. الصدقة الثالثة، والرابعة، والخامسة: ثلاث حصون من خيبر، وكانت خيبر ثَمَانِيَةَ حُصُونٍ: نَاعِمَ، وَالْقُمُوصَ، وَشَقَّ، وَالنَّطَاةَ، وَالْكَتِيبَةَ، والوطيح، والسلالم، وحصن الصعب ابن مُعَاذٍ، وَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ فَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منها: ناعم، ثم القموص، ثُمَّ حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَكَانَ أَعْظَمَ حُصُونِ خَيْبَرَ، وَأَكْثَرَهَا مَالًا وَطَعَامًا وَحَيَوَانًا، ثُمَّ شق، والنطاة والكتيبة، فهذه الحصون الستة فتحها عنوة، ثم افتتح الوطيح والسلالم، وهو آخِرُ فُتُوحِ خَيْبَرَ صُلْحًا بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهُمْ، وَمَلَكَ مِنْ هَذِهِ الْحُصُونِ الثَّمَانِيَةِ: ثَلَاثَةَ حُصُونٍ: الكتيبة، والوطيح، وَالسَّلَالِمَ. أَمَّا الْكَتِيبَةُ: فَأَخَذَهَا بِخُمُسِ الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا الوطيح، وَالسَّلَالِمُ: فَهُمَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛
стр. 182
لأنه فتحهما صُلْحًا. فَصَارَتْ هَذِهِ الْحُصُونُ الثَّلَاثَةُ - بِالْفَيْءِ وَالْخُمُسِ - خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَصَدَّقَ بِهَا، وَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ. وَقَسَّمَ الْخَمْسَةَ الباقية بين الغانمين. الصدقة السادسة: النصف من فدك. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لما فتح خيبر خافه أَهْلُ فَدَكَ فَصَالَحُوهُ، بِسِفَارَةِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، على أن له نصف أرضهم ونخيلهم. يُعَامِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ النِّصْفُ الْآخَرُ، فَصَارَ النِّصْفُ مِنْهَا مِنْ صَدَقَاتِهِ مُعَامَلَةً مَعَ أَهْلِهَا بِالنِّصْفِ من ثمرها، والنصف خالص لهم إلى أن أجلاهم عمر فِيمَنْ أَجْلَاهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ الْحِجَازِ. فَقَوَّمَ فَدَكَ، وَدَفَعَ إلَيْهِمْ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ سِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَكَانَ الَّذِي قَوَّمَهَا مالك ابن التَّيْهَانِ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَصَارَ نِصْفُهَا مِنْ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ونصفها لكافة المسلمين. ومصرف النصفين الآن سواء. الصدقة السابعة: الثلث من وَادِي الْقُرَى، لِأَنَّ ثُلُثَهَا كَانَ لِبَنِي عُذْرَةَ وثلثاها لليهود. فصالحهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نِصْفِهِ، فَصَارَتْ أَثْلَاثًا: ثُلُثُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو صدقاته - وَثُلُثُهَا لِبَنِي عُذْرَةَ إلَى أَنْ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ عنها، وقوم حقهم منها، فبلغت قيمته تسعين ألف دينار، فدفعها عمر إلَيْهِمْ وَقَالَ لِبَنِي عُذْرَةَ، " إنْ شِئْتُمْ أَدَّيْتُمْ نصف ما أعطيت ونعطيكم النصف" فأعطوا خمسة وأربعين أَلْفَ دِينَارٍ، فَصَارَ نِصْفُ الْوَادِي لِبَنِي عُذْرَةَ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ: الثُّلُثُ مِنْهُ فِي صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالسُّدُسُ مِنْهُ لكافة المسلمين، ومصرف جميع النصف سواء.
الصدقة الثامنة: موضع بسوق بالمدينة يقال له مهزور، استقطعها مروان من عثمان. فتقم بها الناس عليه. فاحتمل أن يكون إقطاع تصمين لَا تَمْلِيكٍ، لِيَكُونَ لَهُ فِي الْجَوَازِ وَجْهٌ. فَأَمَّا مَا سِوَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ أمواله، فذكر الْوَاقِدِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ أُمَّ أيمن الحبشية، واسمها بركة خمسة أجمال، وقطعة من غنم، وَمَوْلَاهُ شُقْرَانَ وَابْنَهُ صَالِحًا، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وورث من أمه آمنة بنت وهب دارها التي ولد فيه بمكة فِي شِعْبِ بَنِي عَلِيٍّ. وَوَرِثَ مِنْ زَوْجَتِهِ خديجة بنت خويلد دَارَهَا بِمَكَّةَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ خَلْفَ سُوقِ الْعَطَّارِينَ، وَأَمْوَالًا. وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ اشْتَرَى لِخَدِيجَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأعتقه، وزوجه أم أيمن، فولدت منه أُسَامَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
стр. 183
فَأَمَّا الدَّارَانِ، فَإِنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ باعهما بد هجرة النبي ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قِيلَ لَهُ " فِي أَيِّ دورك تنزل؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ". فلم يرجع فيما باعه عقيل لأنه غلب عَلَيْهِ، وَمَكَّةُ دَارُ حَرْبٍ يَوْمَئِذٍ، فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُسْتَهْلَكِ، فَخَرَجَتْ هَاتَانِ الدَّارَانِ مِنْ صَدَقَاتِهِ. وأما دور أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بالمدينة، فكان قد أعطى كل واحدة منهن الدار التي تسكنها، وَوَصَّى بِذَلِكَ لَهُنَّ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَطِيَّةَ تَمْلِيكٍ فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ صَدَقَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَطِيَّةَ سُكْنَى وَإِرْفَاقٍ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ صدقاته، وقد دخلت اليوم في مسجده، وَلَا أَحْسَبُ مِنْهَا مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ. وَأَمَّا رَحْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ رَوَى هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الحكم: أن أبا بكر دفع إلى علي آلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورايته وَحِذَاءَهُ، وَقَالَ " مَا سِوَى ذَلِكَ صَدَقَةٌ". وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ".
فَإِنْ كَانَتْ دِرْعُهُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْبَتْرَاءِ، فَقَدْ حُكِيَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ يَوْمَ قُتِلَ فَأَخَذَهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فلما قتل المختار عبيد الله صار الدِّرْعُ إلَى عَبَّادِ بْنِ الْحُصَيْنِ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ إن خالد بن عبد الله بن خالد بْنِ أُسَيْدٍ - وَكَانَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ - سَأَلَ عَبَّادًا عَنْهَا فَجَحَدَهُ إيَّاهَا فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ " مِثْلُ عَبَّادٍ لا يضرب، إنما كان ينبغي أن تقتله، أو تعفو عنه" ثم لم يعرف للدرع خبر بعد ذلك. وأما البردة فقد حكى أبان بن تغلب: أن رسول الله ﷺ كان وهبها لكعب بن زهير فاشتراها منه معاوية، فهي التي تلبسها الْخُلَفَاءُ. وَحَكَى ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَنَّ هَذِهِ البردة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعطاها أهل أيلة فأخذها منهم عبد الله بْنُ خَالِدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ عَامِلًا عليهم من قبل مروان ابن محمد وبعث بها إليه، وكانت في خزانته حَتَّى أُخِذَتْ بَعْدَ قَتْلِهِ. وَقِيلَ: اشْتَرَاهَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ. وَأَمَّا الْقَضِيبُ فَهُوَ مِنْ تَرِكَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هِيَ صَدَقَةٌ، وَقَدْ صَارَ مَعَ البردة من شعار الخلفاء.
стр. 184
وأما الْخَاتَمُ فَلَبِسَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عثمان، حتى سقط من يد عثمان فِي بِئْرٍ فَلَمْ يَجِدْهُ. فَهَذَا شَرْحُ مَا قبض عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من صدقته وتركته، والله أعلم. فأما عَدَا الْحَرَمَ وَالْحِجَازَ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ فَقَدْ تقدم ذكر انقسامه إلى أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، فَيَكُونُ أرض عشر. وقسم أحياه المسلمون فيكون ما أحيوه معشورا. وقسم ملكه الغانمون عنوة ولم يقفه الإمام فيكون معشورا. وقسم صولح عليه أهله فَيَكُونُ فَيْئًا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ. وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا صُولِحُوا عَلَى زَوَالِ مُلْكِهِمْ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أجرة لا تسقط بإسلام أهله، ويؤخذ من المسلم والذمي.
وَالثَّانِي: مَا صُولِحُوا عَلَى بَقَاءِ مُلْكِهِمْ عَلَيْهِ فيجوز بيعه، ويكون الخراج أجرة يسقط بِإِسْلَامِهِمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ من المسلمين. فأما أَرْضِ السَّوَادِ فَإِنَّهَا أَصْلُ، حُكْمِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا يعتبر به نظائرها. وهذا السواد مشاربه إلَى سَوَادِ كِسْرَى الَّذِي فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عهد عمر من أرض العراق، سمي سوادا، لسواده بالزروع وَالْأَشْجَارِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَاخَمَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ الَّتِي لا زرع فيها ولا شجركانوا إذا خرجوا من أرضهم إليه ظهرت لهم خضرة الزروع وَالْأَشْجَارِ. وَهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْخُضْرَةِ وَالسَّوَادِ فِي الاسم. فَسَمُّوا خُضْرَةَ الْعِرَاقِ سَوَادًا. وَسُمِّيَ عِرَاقًا لِاسْتِوَاءِ أَرْضِهِ حِينَ خَلَتْ مِنْ جِبَالٍ تَعْلُو وَأَوْدِيَةٍ تَنْخَفِضُ. وَالْعِرَاقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الِاسْتِوَاءُ. وَحَدُّ السَّوَادِ طُولًا: مِنْ حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ إلَى عبادان، وعرضا: مِنْ عُذَيْب الْقَادِسِيَّةِ إلَى حُلْوَانَ. يَكُونُ طُولُهُ مائة وستين فرسخا، وعرضه ثمانين فرسخا، إلا قريات قد سماها أحمد، وذكرها أبو عبيد: الحيرة، وبانقيا، وأرض بني صلوبا، وقرية أخرى كانوا صلحا. وروى أبو بكر بإسناده عن عمر أنه كتب: " إن الله قد فتح ما بين العذيب إلى حلوان".
стр. 185
وأما العراق: فهو في العرض مستوعب لعرض السواد عرفا، ويقصر عن طوله في العرض، لأن أوله في شرقي دجلة: العلث. وعن غَرْبَيْهَا حَرْبِيٌّ، ثُمَّ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ أَعْمَالِ الْبَصْرَةِ مِنْ جَزِيرَةِ عَبَّادَانِ، فَيَكُونُ طُولُهُ مِائَةً وخمسة وعشرين فرسخا، يقصر عن طول السواد بخمسة وثلاثين فرسخا، وعرضه: ثَمَانُونَ فَرْسَخًا كَالسَّوَادِ. قَالَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ: يكون ذلك مُكَسَّرًا عَشَرَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ.
وَطُولُ الْفَرْسَخِ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ ذِرَاعٍ بِالذِّرَاعِ الْمُرْسَلَةِ، وَيَكُونُ بِذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ – وَهِيَ الذِّرَاعُ الْهَاشِمِيَّةُ – تِسْعَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ فيكون ذلك إذا ضرب في مثله، وهو تَكْسِيرُ فَرْسَخٍ فِي فَرْسَخِ: اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ أَلْفَ جَرِيبٍ وَخَمْسِمِائَةِ جَرِيبٍ، فَإِذَا ضُرِبَ ذَلِكَ فِي عَدَدِ الْفَرَاسِخِ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ: بَلَغَ مِائَتَيْ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، يَسْقُطُ مِنْهَا بِالتَّخْمِينِ مَوَاضِعُ التِّلَالِ وَالْآكَامِ، والسباخ، والآجام ومدارس الطرق والمحاج، ومجاري الانهار، وعراص المدن والقرى، ومواضع الأرحاء، والبريدات والقناطر، والشاذروانات، والبيادر، ومطارح القصب وأتانين الآجر وغير ذلك، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ يَصِيرُ الْبَاقِي مِنْ مِسَاحَةِ الْعِرَاقِ: مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ جريب، وخمسين وسبعون أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ يُرَاحُ مِنْهَا النِّصْفُ، وَيَكُونُ النِّصْفُ مَزْرُوعًا مَعَ مَا فِي الْجَمِيعِ مِنْ المخل والكرم والأشجار. وإذا أضاف إلَى مَا ذَكَرَهُ قُدَامَةُ فِي مِسَاحَةِ الْعِرَاقِ ما زاد عليها من بَقِيَّةَ السَّوَادِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ فَرْسَخًا كَانَتْ الزيادة على تلك المساحة السواد قَدْرَ رُبْعِهَا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مِسَاحَةَ جَمِيعِ مَا يصلح للزرع والغرس من أرض السواد. وَقَدْ يَتَعَطَّلُ مِنْهُ بِالْعَوَارِضِ وَالْحَوَادِثِ مَا لَا ينحصر. وقد قيل: إنه كانت بلغت مساحة السواد أيام كسرى مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف جريب، وكان مبلغ ارتفاعه مائتي ألف ألف وسبعة وثمانين أَلْفِ دِرْهَمٍ، بِوَزْنِ سَبْعَةٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عن كل جريب درهما وقفيزا، وأن مساحة ما كان يزرع عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁، مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ إلَى سِتَّةٍ وثلاثين ألف ألف جريب. وإذا ثبت بما ذكرنا حدود السواد ومساحة مزارعه فالكلام في فتحه وفي حكمه.
فمذهب أحمد أنه فتح عنوة، ولم يقسمه عمر بين الغانمين، بل وقفه على كافة المسلمين وأقره في يد أَرْبَابِهِ بِخَرَاجٍ ضَرَبَهُ عَلَى رِقَابِ الْأَرْضَيْنِ، يَكُونُ أجرة لها، يؤدي في كل عام وإن لم
стр. 186
يتقدر مدتها، لعموم المصلحة فيها؛ فصارت بِوَقْفِهِ لَهَا فِي حُكْمِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ وَالْعَوَالِي وَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْ خَرَاجِهَا مَصْرُوفًا فِي الْمَصَالِحِ، وَلَا يَكُونُ فَيْئًا مَخْمُوسًا لِأَنَّهُ قَدْ خمس. ويكون مقصورا على الجيش لأنه وقف على جميع الْمُسْلِمِينَ. فَصَارَ مَصْرِفُهُ فِي عُمُومِ مَصَالِحِهِمْ الَّتِي منها أرزاق الجيش، وتحصين الثغور، وبناء القناطر والجوامع، وكرى الْأَنْهَارِ، وَأَرْزَاقُ مَنْ تَعُمُّ بِهِمْ الْمَصْلَحَةُ: مِنْ القضاة، والفقهاء، والقراء، والأئمة، والمؤذنين، فإن فضل بعد ذلك كان لجميع المسلمين ممن تعم بهم المصلحة ومن لا مصلحة فيه الغني والفقير. وقد نص أحمد على أن عمر لم يقسمه بين الغانمين، بل وقفه. فقال في رواية حنبل " أوقفه عمر ولم يقسمه. أشار علي عليه بذلك". وقال في رواية المروزي " إنما أذهب إلى أن السواد وقف وعمر ترك السواد ولم يقسمه". وقال في رواية الميموني " السواد إنما أوقف على من يجئ من المسلمين". وقال في رواية الأثرم، وذكر قوله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم) " تأول عمر في ذلك أن الأرض موقوفة لمن يجئ من بعدهم". فقد نص على أنها وقف، وأن عمر لم يقسمها. فعلى هذا لا يجوز بيع رقابها، رواية واحدة. وهل يجوز شراؤها، مع منعه لبيعها؟ على روايتين: إحداهما لا يجوز نقل ذلك الجماعة فقال: في رواية المروزي - وقد سئل عن الرجل يريد الخروج إلى العراق، ترى له أن يبيع داره؟ فلم ير له، وقال " لا يفعل". وقال في رواية إسحاق - وقد سئل عن الرجل يكون له الضيعة في السواد، وعليه دين، هل يبيع ويقضي دينه؟ قال " لا ". وقال أيضا في رواية محمد بن أبي حرب مثل ذلك. وقال في رواية حنبل" السواد وقف، ولا أرى بيع أرضه، ولا شراءه". فقد نقل الجماعة عنه المنع على الإطلاق.
والوجه فيه: أنها وقف عمر على جماعة المسلمين، فجرى مجرى سائر الوقوف وقد روى عن عمر منع الشراء.
стр. 187
فروى أبو بكر بإسناده عن الشعبي قال " جاء عتبة بن فرقد إلى عمر فقال: إني اشتريت أرضا من أرض السواد، قال: من أهلها؟ قال: نعم. قال: فإن أهل الكوفة هم أهلها". وبإسناده عن ابن عباس " أنه كره شراء أرض الحيرة. وقال في رواية يعقوب بن بختان - وقد سأله عن سكنى بغداد وشراء دورها - فقال " اشتر منه ولا تسكنه أو غلة بقيمة ولا يعجبني بيعه". وقال أيضا في رواية أبي طالب " يشتري ما يفوته ويقوت عياله، فما كان أكثر من القوت فلا". وقد أجاز شراء ما تدعو الحاجة إليه منها، وقد أطلق القول في رواية مهنا، وقد سأله عن بيع أرض السواد وشراءهان فرخص في الشراء ولم يعجبه البيع. فقد أطلق جواز الشراء. وهذا محمول على قدر الحاجة، لأن للحاجة تأثيرا في جواز البيع، بدليل بيع العرايا، وهو بيع رطب بتمر خرصا يجوز للحاجة إلى شراء الرطب، وإن كان ممنوعا منه في غير العرايا وكذلك قرض الخبز والعجين يجوز للحاجة وإن كان ممنوعا منه في غير القرض ويكون الشراء في الحقيقة استنقاذا وفداء وغير ممتنع أن يقع العقد على وجه الاستنقاذ فيكون جائزا في حق الباذل للعوض. وهو ممنوع منه في حق الأخذ، بدليل فك الأسير من أيدي المشركين بعوض بذله لهم، فهو استنقاذ وفداء مباح من جهة الباذل، ومحرم من جهة الأخذ، وهما سواء، لأن ذلك العقد مع مشرك، وكذلك هاهنا سبب عقد الخراج مع المشركين. وكذلك إذا شهد شاهد على رجل أنه أعتق عبده أو طلق زوجتهن ورد الحاكم شهادته ثم إنه ابتاع العبد من سيده وخالع المرأة من زوجها بعوض بذله له، فإن ذلك جائزا في حق الباذل؛ لأنه استنقاذ للعبد من الرق، وللزوجة من وطء الحرام، وهو عوض محرم من جهة السيدة والزوج لأنه يأخذه بغير حق، كذلك البائع للسواد.
وقد قال أحمد في رواية المروزي " والحجة في شراء السواد ولا يباع فعل أصحاب رسول الله ﷺ ، رخصوا في شراء المصاحف، وكرهوا بيعها". وهو استحسان، وليس هو القياس. وقد قيل: إن المعارضة عليها بالابتياع على طريق الإجارة. فتكون إجارة بلفظ البيع. وهذا لا يخرج عن قول أحمد؛ لأنه أجاز الشراء وكره البيع، ولأنه خص ذلك بالحاجة ولو كان على وجه الإجارة لم يمنع البائع منه، ولم يخصه بالحاجة. فأما المعاوضة على ما أحدث فيها من بناء وغراس، فالمنصوص عنه المنع في رواية يعقوب بن بختان، في الرجل يقول: أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض " هذا خداع ". وكذلك قال في رواية المروزي إنه قالف " أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض هذا خداع". فقد منع من ذلك، وقد قيل فيه: إنه إنما منع من ذلك لأن البناء في العادة يكون من تراب الأرض الوقف فلم يصح بيعه لأنه من جملته.
стр. 188
وتعليل أحمد خلاف هذا، لأنه قال " هذا خداع". ومعناه أنه يجعل بيع البناء طريقا إلى أخذ العوض عن الأرض، والذرائع معتبرة في الأصول. ونقل بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد جواز بيع ذلك، فقال في رجل يري أن يوصي بثلث داره " أكره أن يبتاع الدار من أرض السواد، إلا أن يباع البناء فإذا كان لرجل مال وله دار نظر إلى بناء الدار والمال، فيكون قد أخرج ثلثه من المال والبناء". وهذه الرواية أصح؛ لأن البناء ملكه لم يدخل في الوقت فجاز له بيعه. فإن مات وعليه دين، وفي يده من أرض السواد، فهل فهل يتعلق قضاء دينه من إجازة ذلك؟ ظاهر كلام أحمد معلوم. قال المروزي وفوزان: مات أبو عبد الله وعليه خمسة وأربعون دينارا دين، فأوصى أن يعطي من الغلة واللفظ لفوزان. ولفظ المروزي " أن يعطي من الغلة حتى يستوفي حقه". والوجه فيه: أنها في يده بعقد الإجارة، والإجارة لا تبطل بموت المستأجر، فكانت باقية على حكم ملكه.
فإن كان عليه صداق أوجبه أو دين في ذمته، فسلم الأرض لمن له عليه الدين، جاز نص عليه في رواية محمد بن حرب في رجل لامرأته عليه صداق، ولهي ضيعة بالسواد فقال " امرأته وغيرها سواء، يسلمها إليها". ومعناه: أنه يسلم حقه في منافعها، ولم يرد تسليم رقبتها. قال في رواية المروزي " أنت تعلم أن هذه لا تقيمنا، وإنما آخذها على الاضطرار " يعني غلة السواد. وقال " التجارة أحب إليّ من غلة بغداد، إنما أختار التجارة على غلة بغداد، لأن الأصل فيه أنها وقف، وقد تداولتها أيدي السلاطين وغيرهم بالبيع والإقطاع، ورفع أيدي القوم الذين أقرهم عمر فيها، والخراج الذي هو أجرة، فجعلها في حكم المغصوبة. ومن أصله: الزرع في الأرض المغصوبة لصاحب الأرض، ولهذا اختار النقل منها لأنها مال ضرورة، والضرورة قد تؤثر في الإباحة. قال في رواية المروزي - وقد سئل: هل ترى أن يرث الرجل من أرض السواد؟ فقال: " وهل يجري فيه ميراث؟ ". وإنما منع من الميراث لأنه يقتضي نقل الملك في الرقبة، ولا يجوز ذلك. وقال في رواية حنبل " السواد وقفة عمر على المسلمين، فمثله كمثل رجل أوقف دارا على رجل وعلى ولده لاتباع، وهي للذي أوقف عليه، فإذا مات الموقوف عليه كان لولده بالوقف الذي أوقف الأب لا يباع، وكذلك السواد لا يباع، ويكون الذي بعده يملك منه مثل الذي ملك قبله على ذلك، وقفا أبدا للمسلمين". فقد بين أنه يكون في يد الوارث على ما كان في يده.
стр. 189
فأما إجارة أرض السواد فيجوز نص عليه في رواية محمد بن أبي حرب والأثرم " إذا استأجر أرضا من أرض السواد ممن هي في يده بأجرة معلومة فجائز، ويكون فيها مثلهم " وذلك لأنها في يده بحكم الإجارة، لأن الخراج أجرة عنها، فجاز أن يؤجر ما استأجره كسائر الأشياء. ونقل الجماعة عنه في بيوت مكة " لا تكري".
قال في رواية حنبل " مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة، دخلها رسول الله ﷺ بالسيف، فلما كانت عنوة كان المسلمون فيها شرعا واحدا، وعمر إنما ترك السواد لذلك". وقال في رواية أبي طالب والأثرم وابن منصور " لا تكرى بيوت مكة". فقد منع من إجارة بيوت مكة مع كونها عنوة. والفرق بينها وبين أرض السواد: أن الفاتح لأرض السواد - وهو عمر - أذن في إجارتها، وهو أن ضرب الخراج على من انتفع بها وهو أجرة عنها والفاتح لمكة - وهو النبي ﷺ أذن في الانتفاع بها من غير أجرة فقال " مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤجر بيوتها". فإن قيل: فإذا كان الخراج أجرة فلم سماه أحمد صغارا؟. وقد قال في رواية حنبل، وقد سئل عن شراء الضياع والمساكن بالسواد فقال " مالك يؤدي الخراج، وهو الصغار " قيل: لما روى أبو بكر بإسناده عن أبي عياض أن عمر ابن الخطاب قال " لا تشتروا من رقيق أهل الذمة شيئا، فإنهم أهل خرج، ولا من أراضيهم، ولا يقر أحدكم بالصغار في عنقه وقد نجاه الله منه". فسماه صغارا. وبإسناده عن عمر قال: " إنكم على شريعة حسنة من دينكم، ما لم تشاركوا الكفار في صغارهم وقد نجاكم الله من ذلك". وبإسناده عن رجل من جهينة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " من أقر بالطسق بعد إذ أنقذه الله منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال " سأخبركم من المرتد على عقبيه: رجل أسلم فحسن إسلامه، ثم هاجر فحسنت هجرته ثم جاهد فحسن جهاده، ثم عمد إلى نبطي بيده أرض فأخذها غرسها وورقها، ثم أقبل عليها يعمرها وترك جهاده، فذلك المرتد على عقبيه". ولأنه قد أخذ شبها من الجزية، وهو أنه لا يبتدأ به المسلم، وإنما يبتدأ به الكفار ولأنه يلحق بمال الفيء. قال في رواية إسحاق، وقد سئل عن الرجل يستأجر أرضا من أرض السواد فقال: " يزارع رجلا أحب إلى من أن استأجر أرضا".
إنما اختار أحمد المزارعة على الإجارة لأن الإجارة أخذ عوض عن المنفعة، وقد منع من المعاوضة عليها، والمزارعة هي بذل عوض منفعة العامل، فلهذا اختاره على الإجارة.
стр. 190
فصل في إحياء الموات، واستخراج المياه
ومن أحيى مواتا ملكه بإذن الإمام وغير إذنه.
والموات: مَا لَمْ يَكُنْ عَامِرًا، وَلَا حَرِيمًا لِعَامِرٍ وإن كان متصلا بعامر. وقد قال على بن سعيد: قلت لأحمد " يجعل للأرض حد من القرية حد من القربة في القرب والبعد؟ فقال: قد روى عن الليث بن سعد غلوة ونحوه، ولا أدري ما هذا؟. فقد أنكر قول الليث في اعتباره بعد الموات من العمارة بهذه المسافة. ويستوي في إحياء الموات بعده من العامر هذه المسافة وغيرها. وقد قال أحمد، في رواية أبي الصقر - وقد سئل عن رجل أحيى أرضا ميتة، وأحيى آخر إلى جنب أرضه قطعة أرض، وبقيت بين القطعتين رقعة، فجاء رجل، فدخل بينهما على الرقعة هل لهما أن يمنعاه؟ فقال " ليس لهما أن يمنعاه، إلا أن يكونا أحيوها". وقال أيضا في رواية على بن سعيد " إذا كانت أرض بجنب المدينة أو القرية، فإذا لم يكن في أخذها ضرر على أحد فهي لمن أحياها". وقال رواية يوسف بن موسى " الميتة التي لم يملكها أحد تكون في البرية، وإن كانت بين القرى فلا ". وهذا محمول على أنها حريم لعامر، أو متعلق بمصلحته. وصفة الإحياء فيما يراد للسكنى - حيازتها ببناء حائط، ولا يشترط فيه تسقيف البناء.
стр. 191
وفيما يراد للزرع والغرس أحد شيئين: إما حيازتها بحائط، أو سوق الماء إليها إن كانت يبسا، أو حبسه عَنْهَا إنْ كَانَتْ بَطَائِحَ، لِأَنَّ إحْيَاءَ الْيَبِسِ بِسَوْقِ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَإِحْيَاءَ الْبَطَائِحِ بِحَبْسِ الْمَاءِ عنها حتى يمكن زرعها وغرسها. ولا يقوم جَمْعُ التُّرَابِ الْمُحِيطِ بِهَا حَتَّى يَصِيرَ حَاجِزًا بينها وبين غيرها مقام الحائط. ولا يشترط فيه حرثها، وهو يَجْمَعُ إثَارَةَ الْمُعْتَدِلِ، وَكَسْحَ الْمُسْتَعْلِي، وَطَمَّ الْمُنْخَفِضِ.
وقد قال أحمد في رواية على بن سعيد، " الإحياء لا يكون إلا بأن يحوط عليها، فإن كرب حولها لم يستحق بذلك حتى يحوط" وقال " الإحياء من احتاط حائطا أو احتفر بئرا ومن احتاط يمنع الناس والدواب فهي له، زرع فيها أو لم يزرع، ومن حفر بئرا فحريمه خمسة وعشرون ذراعا، فلم يجعل جمع التراب بالكوب إحياء، واشترط الحائط أو حصول مائها. وكذلك قال في رواية عبد الله " والإحجار ليس بشيء إلا أن يرفعه بحائط" وكذلك قال في رواية أحمد بن أبي عبيدة في أرض سبخة لا رب ضرب عليها الناس، فقال: " هل بني عليها حائط؟.فقيل له: فقال: لا، إلا أن يبني عليها حائطا". وقال في رواية إسحاق " والأرض الموات إنما يكون إحياؤها بأن يعمل فيها أو يحفر، ويبني فيكون بهذا أحياها، ولا يكون بالزرع أحياها". وقد روى أبو بكر بإسناده عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ " من احتاط حائطا على أرض فهي له". فظاهر هذا: أنه يملكها بالحائط ولم يعتبر التسقيف في ذلك ولا الحرث، كما قال " من قتل قتيلا فله سلبه" ولأن الموات هو الذي لا منفعة فيه. وإذا أحاط عليها حائطا انتفع بها بجبر وطيج وجمع الماشية فخرج بذلك عن حكم الموات. فإن أقام عليها بعد الإحياء من قام بزرعها وحراثتها كَانَ الْمُحْيِي مَالِكًا لِلْأَرْضِ، وَالْمُثِيرُ مَالِكًا لِلْعِمَارَةِ، فَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْأَرْضِ بَيْعَهَا جَازَ، وَإِنْ أراد مالك العمارة بيعها فقياس المذهب أنه يجوز له بيع العمارة التي هي الإثارة، سواء كان فيها أعيان قائمة: كشجر أو زرع أو لم يكن. ويكون الأكار شريكا في الأرض بعمارته لأنه قد قال في الغاصب " إذا كانت له آثار في العين كان شريكا بها ".
стр. 192
ونقل ابن المنصور عنه كلاما يدل على أنه لا يجوز بيع ذلك، فقال" قلت لأحمد: الأكار يريد أن يخرج من الأرض فيبيع الزرع؟ قال: لا يجوز بيعه حتى يبدو صلاحه. قلت: فيبيع عمل يديه وما عمل في الأرض وليس فيها زرع؟ قال: لم يجب له بعد شيء، إنما يجب بعد التمام".
وَإِذَا تَحَجَّرَ عَلَى مَوَاتٍ كَانَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مَنْ أَحْيَاهُ كان المحيي أحق به من المتحجر. فلو أَرَادَ الْمُتَحَجِّرُ عَلَى الْأَرْضِ بَيْعَهَا قَبْلَ إحْيَائِهَا لم يجز على ظاهر كلام أحمد، لأنه قال في رواية على بن سعيد " فإن كرب حولها لم يستحق بذلك حتى يحوط". وقوله " لم يستحق بذلك" يعني لم يستحق الملك، وإذا لم يملك لم يصح البيع. فإن تَحَجَّرَ وَسَاقَ الْمَاءَ وَلَمْ يَحْرُثْ فَقَدْ مَلَكَ الماء وما يحري فِيهِ مِنْ الْمَوَاتِ وَحَرِيمَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَا سواه من المحجور. وما أحياه من الموات معشور لم يجز أن يضرب عليه الخراج، سواء سقي بماء الخراج أو بماء العشر.
стр. 193
وقد قال أحمد في رواية أبي الصقر في أرض موات في دار الإسلام لا يعرف لها أرباب ولا للسلطان عليها خراج، أحياها رجل من المسلمين فقال " من أحيا أرضا في غير أرض السواد فإن للسلطان عليه فيها العشر، ليس له غير ذلك". فأما حَرِيمُ مَا أَحْيَاهُ مِنْ الْمَوَاتِ لِسُكْنَى أَوْ زرع فهو مُعْتَبَرٌ بِمَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ تِلْكَ الْأَرْضُ من طريقها وفنائها ومجرى مائها شربا ومغيضا. وقد قال في رواية يوسف بن موسى " الميتة التي لا يملكها أحد تكون في البرية في الصحراء وإن كانت بين القرى فلا ". وقال في رواية على بن سعيد) وقد سأله عن مروج قرب المدينة: هي مرعى للدواب، ويقبر فيها الموتى ولا يعرف لها مالك؟ قال: " لا أرى أن يتعرض لها إذا كانت بهذه الحال قريبة من القرية". وقال بعد ذلك، إذا لم يكن في أخذها ضرر على أحد فهي لمن أحياها". وإذا انحسر نهر عظيم " كدجلة، والفرات، النيل، عن موضع لم يجز لأحد أن يجيبه. نص عليه في رواية ابن إبراهيم في دجلة يصير في وسطها جزيرة فيها طرق فحازها قوم، فقال: " كيف يحوزونها وهي شيء لا يملكه أحد؟ ". وقال في رواية يوسف بن موسى " إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل، هل يبني فيها؟ قال: لا، فيه ضرر على غيره، لأن الماء يرجع".
وقد مصرت الصحابة البصرة على عهد عمر، وَجَعَلُوهَا خُطَطًا لِقَبَائِلِ أَهْلِهَا، فَجَعَلُوا عَرْضَ
стр. 194
شَارِعِهَا الْأَعْظَمِ - وَهُوَ مِرْبَدُهَا - سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَجَعَلُوا عَرْضَ مَا سِوَاهُ مِنْ الشَّوَارِعِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَجَعَلُوا عَرْضَ كُلِّ زُقَاقٍ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلُوا وسط كل خطة رحبة فسيحة لمربط خَيْلِهِمْ وَقُبُورِ مَوْتَاهُمْ، وَتَلَاصَقُوا فِي الْمَنَازِلِ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَأْيٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أو نص لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ. وَقَدْ رَوَى بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إذَا تَدَارَأَ القوم في طريق فلنجعل سبعة أذرع". وروى أبو حفص العكبري بإسناده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوها سبعة أذرع". وفي لفظ آخر" إن اختصمتم في سكة فاجعلوها سبعة أذرع ثم ابنوا". وبإسناده عن عبادة بن الصامت قال: " إن من قضاء رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قضى في الرحبة تكون بين الناس ثم يريد أهلها البناء فيها قضى أن يترك الطريق منها سبعة أذرع، قال: وكانت تلك الطريق تسمى الميتاء". قال أحمد في رواية المروزي وقد سئل عن حديث النبي ﷺ " إذا اختلف في الطريق جعل سبعة أذرع" فقال " هذا قبل أن تقع الحدود، فإذا وقعت لم يحرك منها شيء". وقال في رواية ابن القاسم " إذا كان الطريق واسعا كبيرا مثل هذه الشوارع؟ قال " نعم وهو أشد ممن أخذ حدا بينه وبين شريكه، لأن هذا يأخذ من واحد، وهذا لجماعة المسلمين ". وقال أبو عبد الله بن بطة " إنما قال ذلك رسول الله ﷺ لأرباب الأموال المشتركة إذا احتاجوا إلى قسمتها واختلفوا في مبلغ حاجاتهم، ومقدار مسالكهم، فقال " اجعلوها سبع أذرع" وذلك كله قبل إخراج الطريق، فأما إذا طرقت الطرق وعرفت المعالم فقد حرم الله على واضع أن يضع فيها شيئا إلا باتفاق الأئمة".
فأما الْمِيَاهُ الْمُسْتَخْرَجَةُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مِيَاهُ أَنْهَارٍ، وَمِيَاهُ آبَارٍ، وَمِيَاهُ عُيُونٍ فَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَتَنْقَسِمُ ثلاثة أقسام:
стр. 195
أحدها: ما أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كِبَارِ الْأَنْهَارِ الَّتِي لم يحفرها الآدميةن، كدجلة والفرات فماؤها يتسع للزرع والشاربة، وَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ قُصُورٌ عَنْ كِفَايَةٍ، وَلَا ضرورة تدعو فيه إلى تنازع او مشاحة، فَيَجُوزُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا لِضَيْعَتِهِ شُرْبًا، وَيَجْعَلَ مِنْ ضَيْعَتِهِ إلَيْهَا مغيضا، لا يمنع من أخذ شربا، ولا من جعل لضيعته إليها مغيضا. والقسم الثاني: ما أجراه الله من صغار الأنهار، فهو عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلُوَ مَاؤُهَا وَإِنْ لم يحبس، ويكفي جميع أهله منغير تَقْصِيرٍ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ ذِي أَرْضٍ مِنْ أَهْلِهِ أن يأخذ من شراب أرضه في وقت حاجته، لا يُعَارِضُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ أَنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ نَهْرًا يُسَاقُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى أَوْ يَجْعَلُوا إلَيْهِ مَغِيضَ نَهْرٍ آخَرَ، نُظِرَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِأَهْلِ هَذَا النَّهْرِ منع منه، وإن لم يضر لَمْ يُمْنَعْ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَقِلَّ مَاءُ هَذَا النَّهْرِ وَلَا يَعْلُوَ لِلشُّرْبِ إلَّا بِحَبْسِهِ، فللأول من أهل هذا النهر أن يبتدئ يسقي أرضه حتى ي يكتفي منه ويرتوي ثُمَّ يَحْبِسَهُ مَنْ يَلِيهِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ أرضا آخرهم حبسا. وقدر ما يحبسه من الماء في أرضه إلى الكعبين، فإذا بلغ الكعبين أرسل إلى الآخر، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: " والماء الجاري فإنه يحبس على أهل العوالي بقدر الكعب " وذكر الحديث. ولفظ الحديث ما رواه أبو بكر بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: " قضى رسول الله ﷺ في مهزور، وادي بني قريظة، أن الماء إلى الكعبين، بحبس الأعلى على الأسفل. وبإسناده عن عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن رسول الله ﷺ " قضى في سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل".
стр. 196
وقد قيل: إن هذا القضاء ليس على العموم في الأزمان والبلدان وإنما هو مقدر بالحاجة وقد تختلف من خمسة أوجه: أحدها: بِاخْتِلَافِ الْأَرْضِينَ: فَمِنْهَا مَا يَرْتَوِي بِالْيَسِيرِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَرْتَوِي إلَّا بِالْكَثِيرِ. وَالثَّانِي: بِاخْتِلَافِ ما فيها فإن للزروع من الشرب قدرا، وللنخيل وَالْأَشْجَارِ قَدْرًا. وَالثَّالِثُ: بِاخْتِلَافِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، فَإِنَّ لكل واحد من الزمانين قدرا. والرابع: باختلافهما فِي وَقْتِ الزَّرْعِ وَقَبْلِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَقْتَيْنِ قَدْرًا. وَالْخَامِسُ: بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَاءِ فِي بَقَائِهِ وَانْقِطَاعِهِ، فَإِنَّ الْمُنْقَطِعَ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يَدَّخِرُ وَالدَّائِمُ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يُسْتَعْمَلُ. فلاختلافه من هذه الأوجه الخمسة لا يمكن تَحْدِيدُهُ بِمَا قَضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أحدها، فكان معتبرا بالعرف والعادة المعهودة عند الحاجة إليه. فإن سَقَى رَجُلٌ أَرْضَهُ أَوْ فَجَّرَهَا فَسَالَ مِنْ مَائِهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَغَرَّقَهَا لَمْ يَضْمَنْ، لأنه تصرف في ملكه بمباح. وقد نص أحمد على نظير هذا في رواية البرزاطي " إذا أحرق حقلا له فتعدت النار إلى زرع غيره فأحرقه لا ضمان عليه". فَإِنْ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ سَمَكٌ كَانَ الثاني أحق بصيده من الأول، لأنه في ملكه. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية موسى بن أبي موسى " في رجل اشترى قطعة باقلي أو شيء ونضب الماء عنها فصار فيها سمك فالسمك لصاحب الأرض" فحكم به لصاحب الأرض دون مشتري الباقلي. القسم الثالث من الأنهار ما احتفر الآدميون مِنْ الْأَرْضِينَ، فَيَكُونُ النَّهْرُ بَيْنَهُمْ مِلْكًا مُشْتَرَكًا، كالرزق المشترك بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمْ بِمِلْكِهِ. فَإِنْ كان النَّهْرُ بِالْبَصْرَةِ يَدْخُلُهُ مَاءُ الْمَدِّ فَهُوَ يَعُمُّ جَمِيعَ أَهْلِهِ لَا يَتَشَاحُّونَ فِيهِ لِاتِّسَاعِ مَائِهِ.
وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى حَبْسِهِ لِعُلُوِّهِ بِالْمَدِّ إلَى الحد الذي يرتوي منه جميع الأرضين، ثم يغيض بعد الارتواء في الجزائر، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْبَصْرَةِ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي لا مدّ فيها ولا يجوز، فالنهر مملوك لم احتفره من أرباب الأرضين، لا حقّ لِغَيْرِهِ فِي شُرْبٍ مِنْهُ وَلَا مَغِيضَ، وَلَا يجوز
стр. 197
لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَصْبِ عِبَارَةٍ عليه، ولا يرفع ماءه لإدارة رحى فيه إلا عن مرضاة جَمِيعِ أَهْلِهِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّفَرُّدِ بِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الزُّقَاقِ المشترك أَنْ يَفْتَحَ إلَيْهِ بَابًا، وَلَا أَنْ يُخْرِجَ إليه جَنَاحًا، وَلَا يَمُدَّ عَلَيْهِ سَابَاطًا إلَّا بِمُرَاضَاةِ جميعهم. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية صالح: في نهر ماؤه عيون يخرج من فوق بقدر، والماء لأقوام معروفين لهم أرضون فوق المدينة وتحتها، والذين لهم ضياع فوق يحتاجون أن يأخذوا الماء لأرضهم من فوق المدينة، وفيه ضرر على أخل المدينة فقال " إن كان هذا النهر لهؤلاء القوم احتفروه وأنفقوا عليه، فليس لأحد أن يمنعهم وإن كان هذا شيئا لم يزل هكذا فللقوم أن يمنعوهم حتى يستوي الناس في شربهم على ما كانوا ". فقد نص على أنه إن كان ملكهم كان على ما اتفقوا عليه، وليس لأحدهم أن ينفرد بشيء منه. ثم لا يخلو حال شربهم مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَنَاوَبُوا عَلَيْهِ بالأيام إن قلوا، وبالساعات إن كثروا، أو يقترعوا إنْ تَنَازَعُوا فِي التَّرْتِيبِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ لَهُمْ تَرْتِيبُ الْأَوَّلِ وَمَنْ يَلِيهِ، وَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَوْبَتِهِ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا، ثُمَّ هم من بعده على ما ترتبوا. القسم الثاني: أن يقتسموا فم النَّهْرِ عَرْضًا بِخَشَبَةٍ تَأْخُذُ جَانِبَيْ النَّهْرِ، وَيُقْسَمُ فيها حفور مقدرة بحقوقهم من الماء يدخل فِي كُلِّ حُفْرَةٍ مِنْهَا قَدْرُ مَا اسْتَحَقَّهُ صاحبها من خمس أو عشر، يأخذه إلى أرضه على الأدوار.
القسم الثالث: أن يحتفر كل واحد منهم في وجه أرضه شربا مُقَدَّرًا لَهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ، أَوْ عَلَى مِسَاحَةِ أَمْلَاكِهِمْ، ليأخذ من ماء النهر قدر حقه ما يساوي فيه جميع شركائه، ثم ليس لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ، وَلَا لَهُمْ أَنْ ينقصوا منه، وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَخِّرَ شُرْبًا مُقَدَّمًا، كما ليس لواحد من أهل الزقاق المشترك أَنْ يُؤَخِّرَ بَابًا مُقَدَّمًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ شُرْبًا مُؤَخَّرًا وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَدِّمَ بَابًا مُؤَخَّرًا، لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْبَابِ الْمُؤَخَّرِ اقْتِصَارًا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ، وَفِي تَقْدِيمِ الشُّرْبِ المؤخر زيادة عَلَى الْحَقِّ. فَأَمَّا حَرِيمُ هَذَا النَّهْرِ الْمَحْفُورِ في الموات فقد قيل: إنه يعتبر بعرف الناس في مثله، وكذلك القناة، لأن القناة نهر باطن، وقيل: حريم النهر ملقى طينه، وقيل: حريم الْقَنَاةِ مَا لَمْ يَسِحْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وكان جامعا للماء، وقد قلنا في حريم ما أحياه لسكنى أو زرع: إنه مُعْتَبَرٌ بِمَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ تِلْكَ الْأَرْضُ في طريقها وفنائها.
стр. 198
فأما الْآبَارُ فَلِحَافِرِهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْفِرَهَا للسابلة فَيَكُونُ مَاؤُهَا مُشْتَرَكًا، وَحَافِرُهَا فِيهِ كَأَحَدِهِمْ. قَدْ وَقَفَ عُثْمَانُ ﵁ بِئْرَ رُومَةَ، وكان يَضْرِبُ بِدَلْوِهِ مَعَ النَّاسِ، وَيَشْتَرِكُ فِي مَائِهَا. إذا اتسع شرب وسقي الزروع. فإن ضاق عَنْهُمَا كَانَ شُرْبُ الْحَيَوَانِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الزَّرْعِ، وَيَشْتَرِكُ فِيهَا الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ. فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا كَانَ الْآدَمِيُّونَ بِمَائِهَا أَحَقَّ مِنْ الْبَهَائِمِ. الحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِارْتِفَاقِهِ بِمَائِهَا، كَالْبَادِيَةِ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا وَحَفَرُوا فِيهَا بِئْرًا لِشُرْبِهِمْ وَشُرْبِ مَوَاشِيهِمْ كَانُوا أَحَقَّ بِمَائِهَا مَا أَقَامُوا عَلَيْهَا في نجعهم، وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ الْفَضْلِ مِنْ مَائِهَا لِلشَّارِبِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَإِذَا ارْتَحَلُوا عَنْهَا صَارَتْ الْبِئْرُ سَابِلَةً، فتكون خاصة الابتداء عامة الِانْتِهَاءِ، فَإِنْ عَادُوا إلَيْهَا بَعْدَ الِارْتِحَالِ عَنْهَا كانوا وغيرهم فيها سواء، ويكون السابق إليها أحق بها. وقد قال أحمد في رواية حرب: في رجل سبق إلى أفواه قني عتيبة، فذهب رجل فسبق إلى بعض أفواه القني من فوق أو من أسفل. فقال الأول: ليس لك ذلك لأني سبقت إلى أصل القناة.
فقال أحمد: " إذا لم يكن ملكا لأحد فلكل إنسان ما سبق إليه". الحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِنَفْسِهِ مِلْكًا، فَمَا لَمْ يبلغ بالحفر إلَى اسْتِنْبَاطِ مَائِهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا. وقد قال أحمد في رواية حرب " وإذا حفر بئرا ولم يبلغ الماء لا يكون إحياء". فقد نص على أنه لا يملكها بذلك. وإذا استنبط ماءها استقر ملكه عليها لكمال الْإِحْيَاءِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ فَيَكُونُ طَيُّهَا مِنْ كَمَالِ الْإِحْيَاءِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ. ثُمَّ يصير مالكها لها ولحريمها وهو خمسة وعشرون ذراعا سواء كانت بئر الناضح أو بئر العطن، وهي التي تحفر لشرب الماشية. وإن سبق إلى بئر قد حفرها الكفار صارت ملكا له بالسبق إليها بحريمها، وهو خمسون ذراعا. وقد نص على هذا التقدير في رواية حرب فقال " من حفر بئرا فله خمسة وعشرون ذراعا حاليها حريمها، والعادية خمسون ذراعا وهي التي لم تزل ". قيل له: فبئر الزرع؟ قال: " ما أدري كيف هذا؟ قد روى ثلاثمائة واختلفوا".
стр. 199
ويمكن أن يحمل هذا التقدير على قدر حاجته، وهو ممر الناضح، فأما إن كان دون حاجته فيكون له قدر الحاجة، والعدد المذكور. والوجه في هذا التقدير: ما روى أبو بكر الخلال في كتاب المزارعات والشرب قال: حدثنا الحسن - يعني ابن علي بن عفان - قال أخبرنا يحيى - يعني ابن آدم - قال أبنأنا أبو حماد عن سفيان بن سعيد عن إسماعيل بن أمية عن الزهري عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: " حريم البئر العادي خمسون ذراعا، وحريم البئر الهدئ خمسة وعشرون ذراعا". قال: وقال سعيد بن المسيب " حريم قليب الزرع ثلاثمائة ذراع". قال: وقال الزهري " للعين وما حولها ثلاثمائة ذراع". ورواه أبو الحسن الدارقطني في سننه بإسناده عن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " حريم البئر البدئ خمسة وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعا، وحريم العين السائحة ثلاثمائة ذراع، وحريم الزرع ستمائة ذراع".
فقد رواه متصلا بهذه الزيادة. وإذا اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى الْبِئْرِ وَحَرِيمِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بمائها، ولا تصير ملكا له قبل استقائه وحيازته، وإنما يملكه بعد الحيازة، وله أن يمنع من التصرف بالاستيفاء، فإن عاليه واستقى لم يسترجع فيه. وقد نص على هذا في رواية أبي طالب، فقال: " لا يبيع نقع ماء البئر لأحد، فإن استقاه وحمله فما باع يكون لعمله". وقال أيضا في رواية حرب في رجل له ماء في قناة أو شرب في قناة، وليست له أرض " فلا يبيع ذلك الماء، نهى النبي ﷺ عن بيع الماء، ولا نعلم أحدا رخص في بيع الماء إلا الحسن".
стр. 200
وقال أيضا في رواية أبي طالب - وقد سئل عن الرجل يكون له الماء فيشارك صاحب الأرض كرهه، وقال " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الماء". فقد منع من المشاركة بالماء لصاحب الأرض، كما منع من بيعه لأنه في التحقيق معاوضة عن الماء. ونقل يعقوب بن بختان عن أحمد " أنه سئل عن رجل له أرض والآخر ماء، فقال صاحب الأرض لصاحب الماء: سق ماءك إلى أرضي والزرع بيننا قال: لا بأس به". فقد أجاز الشركة في الماء. وهذا يدل على أنه ملك له قبل استقائه وحيازته، وأنه يحدث عَلَى مِلْكِهِ فِي قَرَارِهِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ كَمَا إذَا مَلَكَ مَعْدِنًا مَلَكَ مَا فِيهِ قَبْلَ أخذه، وعلى هذا يجوز قبل استقائه، ومن استقاه بغير إذنه استرجع منه، لأنه لما جاز الشركة فيه دل على أنه قد ملكه، وإذا لا يصح أن يشارك فيما لا يملك. واختار أبو بكر رواية يعقوب، وقال " الشركة ليست بيعا، وإنما نهى النبي ﷺ عن بيع الماء". وفي هذا بعد، لأن الشركة معاوضة بالماء لما يحصل له من الزرع، وهذا يختص البيع. وإذا ثبت اختصاصه بها فله أن يسقي مواشيه وزرعه ونخله وَأَشْجَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كِفَايَتِهِ فَضْلٌ لم يلزمه بذل شيء منه إلا لمضطر على نفس. وقد نقل ابن منصور عن أحمد أنه سئل عن رجل جاء إلى أهل أبيات فَاسْتَسْقَاهُمْ فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَأَغْرَمَهُمْ عُمَرُ الدية.
قيل لأحمد: تقول به؟ قال: " أي شيء أقول؟ بقوله عمر، قيل له: تقول به أنت؟ قال: إي والله". ونقل الفضل بن زياد عنه - وقد سئل يوقف الماء؟ فقال " إن كان شيئا قد استجازوه بينهم جاز ذلك". وهذا محمول على وقف المكان الذي فيه الماء الدائم، لأن الماء لا ينتفع به إلا بإتلافه، فلا يصح وقفه. فإن فضل منه بعد كفايته فضل لزمه بذله للشاربة من أرباب المواشي والحيوان. وهل يلزم بذله للزرع؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه نص عليه في رواية حرب في رجل في داره بستان صغير، وفي البستان قناة تجري في الأرض التراب يستقى من تلك القناة دلي، ويستقي بستانه، قال: " لا، إلا أن يكون له شرب من القناة، أو هو شريك، لايسقي إلا بإذن أهله". فقد منعه من ذلك، وهذا يدل على أنه لا يلزم صاحب الماء بذل الفضلة. والثانية: يلزمه، قال في رواية إسحق بن إبراهيم: في القوم يكون لهم نهر يشربون فيه، فيجئ رجل فيغرس على جنب النهر بستانا، فقال " إذا كان يفضل عن شرب القوم ولا يضر بغير فلا بأس أن يستقي البستان".
стр. 201
فقد أجاز له أن يستقي بستانه من نهر مملوك بغير إذنهم، وهذا يدل على أنه يلزمه بذله للزرع. وقال في رواية البرزاطي: في الرجل يكون له الأرض وليس له فيها بئر ولجاره بئر في أرضه، فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئره. والأولى أصح وأنه يلزمه بذله للحيوان دون الزروع. وقد روى أبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: " مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الكلأ منعه الله رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَبَذْلُ هَذَا الْفَضْلِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي قَرَارِ البئر، فإن استقاه لم يلزمه بذله وجاز بيعه. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِكَلَأٍ يَرْعَى، فَإِنْ لَمْ يَقْرُبْ مِنْ الْكَلَأِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ. والثالث: أن لا تجد المواشي غيره من.
فإن وجدت غيره مباحا لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ، وَعَدَلَتْ الْمَوَاشِي إلَى الْمَاءِ الْمُبَاحِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَوْجُودِ مَمْلُوكًا لَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِكِي الْمَاءَيْنِ أَنْ يَبْذُلَ فَضْلَ مَائِهِ لِمَنْ وَرَدَ إلَيْهِ، فَإِذَا اكْتَفَتْ الْمَوَاشِي بِفَضْلِ أَحَدِ الْمَاءَيْنِ سَقَطَ الْفَرْضُ عن الآخر. والرابع: أن لا يكون عليه في ورود الْمَوَاشِي إلَى مَائِهِ ضَرَرٌ يَلْحَقُهُ فِي زَرْعٍ وَلَا مَاشِيَةٍ. فَإِنْ لَحِقَهُ بِوُرُودِهَا ضَرَرٌ مُنِعَتْ، وَجَازَ لِلرُّعَاةِ اسْتِقَاءُ فَضْلِ الْمَاءِ لَهَا. فَإِذَا كملت هذا الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ لَزِمَهُ بَذْلُ الْفَضْلِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أن يأخذ له ثمنا، ويجوز الإخلال بهذا الشُّرُوطِ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَهُ إذَا بَاعَهُ مُقَدَّرًا بكيل أو وزن، ولا يجوز بيعه جُزَافًا وَلَا مُقَدَّرًا بِرَيِّ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب " فإن كان له بئر في داره فيؤديه بالدخول عليه فلا بأس أن يمنع أو يكون له مكان يجعل فيه ماء السماء فلا يمنعه إذا خاف العطش". فقد أسقط عنه بذل الفضل إذا كان يتأذى ببذله. وقال في رواية صالح " ليس له أن يمنع الفضل لمن دعا إذا لم يجدوا ما يسقون، يكون قد منعهم شيئا مباحا". فقد اعتبر أن لا يجدوا غير ذلك في الماء وإذا احتفر بئر فملكها وحريمها، ثم احتفر بئرا فنصب ماء الأولة إليها وغار فيها، أو احتفرها لطهور فتغير بها ماء الأولة، فهل تطم عليه أم لا؟ فيه روايتان: إحداهما: تقر عليه ولا يمنع منها نص عليه في رواية أبي على الحسن بن ثواب: في رجل حفر في داره بئرا فجاء آخر فحفر في داره بئرا إلى جنب الحائط الذي بينه وبينه فجرت هذه البئر ماء تلك البئر فقال " لا تسد هذه من أجل تلك، هذه في ملك صاحبها".
стр. 202
فقيل له: إن أبا يوسف كان يقول: تسد هذه، فإن رجع ماء تلك البئر لم تفتح، وإن لم يرجع الماء فتحت فلم ير ذلك. وكذلك قال في رواية محمد بن يحيى المتطبب: في الرجل يحفر إلى جنب قناة الرجل فقال: " ليس له أن يمنعه إذا جاوز حريمه، أضرّ به ن أو لم يضر". والثانية: لا يقر عليها وتطم عليه.
قال في رواية ابن منصور " لا يحفر بئرا إلى جنب بئره أو كنيفا إلى جنب حائطه وإن كان في حده، قيل له: فيقدر أن يمنعه؟ قال: نعم". وإذا كان له منعه اقتضى أن له طمها. وقد صرح به في رواية الميموني: فقال عن الشعبي: إنه حدث في قاض قضى بين رجلين، لكل واحد منهما بستان إلى جنب صاحبه، فاحتفر أحدهما في بستانه بئرا فساق ماء بئر جاره، فقضى أن تسد بئر هذا، فإن رجع ماؤه فذاك، وإن لم يرجع كلف أن يخرج ما ألقى في بئر جاره، فقال الشعبي: أصاب القضاء وأعجب أحمد قضاؤه، وهو اختيار أبي بكر ذكره أبو إسحاق في تعاليقه، فقال: " إن كان الخلاء عمل قبل البئر كان صاحب البئر مفرطا في عمل البئر، وإن كانت البئر قد عملت قبل الخلاء فأفسد الخلاء، ماء البئر وجب على صاحب الخلاء إزالته". قال: ويعتبر البئر بأن يجعل في الخلاء نقط، ثم يعتبر ماء البئر، فإن خرج ريح النفط في الماء علم أن فساد البئر من قبل الخلاء. وَأَمَّا الْعُيُونُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَنَبَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَاءَهَا وَلَمْ يَسْتَنْبِطْهُ الْآدَمِيُّونَ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَنْهَارِ، وَلِمَنْ أَحْيَا أَرْضًا بِمَائِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، فَإِنْ تَشَاحُّوا فِيهِ لِضِيقِهِ رُوعِيَ مَا أُحْيِيَ بِمَائِهَا مِنْ الموات، فإذا تقدم به بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَانَ لِأَسْبَقِهِمْ إحْيَاءً أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا شُرْبَ أَرْضِهِ ثُمَّ لِمَنْ يَلِيهِ، فَإِنْ قَصُرَ الشُّرْبُ عَنْ بَعْضِهِمْ كَانَ نُقْصَانُهُ
стр. 203
فِي حَقِّ الْأَخِيرِ، وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى سَوَاءٍ وَلَمْ يَسْبِقْ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، تَحَاصُّوا فِيهِ: إمَّا بِقِسْمَةِ الْمَاءِ وَإِمَّا بِالْمُهَايَأَةِ عليه. القسم الثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْبِطَهَا الْآدَمِيُّونَ فَتَكُونَ مِلْكًا لِمَنْ استنبطها، ويملك معها حريمها وهو خمسمائة ذراع" كأنه ذهب إليه. وكذلك في رواية إبراهيم بن هانئ في الرجل يحفر العين إلى جنب عين الرجل قال: " يروى عن الزهري أنه قال: حريم العين خمسمائة ذراع " كأنه ذهب إليه ليس له منعه.
وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال " حريم العي السائحة ثلاثمائة ذراع، وحريم الزرع ستمائة ذِرَاعٍ". وَلِمُسْتَنْبِطِ هَذِهِ الْعَيْنِ سَوْقُ مَائِهَا إلَى حيث شاء، وكان ما جرى فيه ماؤه ملكا له وحريما لها. القسم الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَنْبِطَهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ فَيَكُونَ أحق بمائها كشرب أَرْضِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ كِفَايَتِهَا فَلَا حَقَّ له عليه فيها إلَّا لِشَارِبٍ مُضْطَرٍّ، وَإِنْ فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ بِفَضْلِهِ أَرْضًا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لِشُرْبِ مَا أَحْيَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ لِمَوَاتٍ أَحْيَاهُ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِأَرْبَابِ الْمَوَاشِي دون الزروع كَفَضْلِ مَاءِ الْبِئْرِ، فَإِنْ اعْتَاضَ عَلَيْهِ مِنْ أرباب الزروع جاز، وإن اعتاض عليه من أرباب المواشي لم يجز، ولا يجوز لِمَنْ احْتَفَرَ فِي الْبَادِيَةِ بِئْرًا فَمَلَكَهَا أَوْ عينا استنبطها أن يبيعها. وهذا على كلام أحمد في رواية أبي طالب " لا يبيع نقع ماء البئر لأحد، ولم يفرق بين أن يحفرها في البادية أو في ملكه لنفسه وقد قيل: يجوز بيعها".
فصل في الحمي والإرفاق وَحِمَى الْمَوَاتِ:
هُوَ الْمَنْعُ مِنْ إحْيَائِهِ إمْلَاكًا، لِيَكُونَ مُسْتَبْقَى الْإِبَاحَةِ لِنَبْتِ الْكَلَأِ، وَرَعْيِ الْمَوَاشِي، وقد حَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالمدينة جبلا بالنقيع. وَقَالَ " هَذَا حِمَايَ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الْقَاعِ، وَهُوَ قَدْرُ مِيلٍ فِي سِتَّةِ أَمْيَالٍ، حَمَاهُ لخيل المسلمين من الأنصار والمهاجرين. وأما حمي الأئمة بعده: فإن عموا بِهِ جَمِيعَ الْمَوَاتِ أَوْ أَكْثَرَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ حَمَوْا أَقَلَّهُ لِخَاصٍّ مِنْ النَّاسِ، أَوْ لأغنيائهم لم يجز، وإن حموا لكافة المسلمين أو للفقراء والمساكين.
стр. 204
فإنه لا يجوز حمي الأئمة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قال في رواية أبي الحارث " ويحمى الكلأ لإبل الصدقة، لأنه لله ولرسوله ﷺ ". وقال أيضا في رواية عبد الله " ليس لرجل أن يحمي أرضا لا يملكها إلا ما كان لله ولرسوله".
قال: ومعنى ما كان لله ولرسوله: فالإبل يحمل عليها في سبيل الله، أمر رسول الله قال: ومعنى ما كان لله ولرسوله: فالإبل يحمل عليها في سبيل الله، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يحمي لما ينوبه، فأما ما سوى ذلك فلا يحمى إلا من ملك أرضا لله أن يحميها". فقد منع أن يحمي الإنسان الموات لحاجته، وأجاز ذلك للمسلمين، وبين أن ذلك لله ولرسوله، فيكون تقدير قول النبي ﷺ " لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ". فَمَعْنَاهُ: لَا حِمًى إلَّا عَلَى مثل ما حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لمصالح كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَفَرُّدِ الْعَزِيزِ مِنْهُمْ بالحمى لنفسه.
стр. 205
فإذا جَرَى عَلَى الْأَرْضِ حُكْمُ الْحِمَى اسْتِبْقَاءً لِمَوَاتِهَا، نظرت فيه. فإن كان لكافة الناس تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَمُسْلِمٍ وذمي، في رعي كلئه لخيله وماشيته. وإن خُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ أَغْنِيَاؤُهُمْ وَفُقَرَاؤُهُمْ، ومنع منه أهل الذمة. وإن خص به فقراء المسلمين مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْفُقَرَاءِ، وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ خَصَّ بِهِ نَعَمَ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْلَ الْمُجَاهِدِينَ، لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ. ثُمَّ يَكُونُ الْحِمَى جَارِيًا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ، فَلَوْ اتَّسَعَ الْحِمَى الْمَخْصُوصُ لِعُمُومِ النَّاسِ جَازَ أَنْ يشتركوا فيه لارتفاع الضرر على من خَصَّ بِهِ، وَلَوْ ضَاقَ الْحِمَى الْعَامُّ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أغنياؤهم. وفي جواز اختصاص فقرائهم احتمال. واذا استقر حكم الحمي عَلَى أَرْضٍ فَأَقْدَمَ عَلَيْهَا مَنْ أَحْيَاهَا وَنَقَضَ حماها، نظرت. فَإِنْ كَانَ مِمَّا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْحِمَى ثَابِتًا، وَالْإِحْيَاءُ باطلا.
وإن كان مما حمي الأئمة بعده احتمل وجهين: أحدهما: لا يقر، ويجري عليه حكم الْحِمَى، كَاَلَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويحتمل أن يُقَرُّ الْإِحْيَاءُ وَيَكُونُ حُكْمُهُ أَثْبَتَ مِنْ الْحِمَى، لعموم قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ ". وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي عِوَضًا عَنْ مَرَاعِي مَوَاتٍ أَوْ حِمًى، لقوله ﷺ " الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ". وأما الإرفاق فهو من ارتفاق النَّاسِ بِمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ، وَحَرِيمِ الْأَمْصَارِ، ومنازل الأسفار. فتنقسم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارَى وَالْفَلَوَاتِ. وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِأَفْنِيَةِ الْأَمْلَاكِ. وقسم يختص بالشوارع والطرقات. أما الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِالصَّحَارَى وَالْفَلَوَاتِ، كمنازل الأسفار وحلول المياه فذلك ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُ لِاجْتِيَازِ السَّابِلَةِ وَاسْتِرَاحَةِ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ، فَلَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ لِبُعْدِهِ
стр. 206
عنه وضرورة السابلة إليه. وَيَكُونُ السَّابِقُ إلَى الْمَنْزِلِ أَحَقَّ بِحُلُولِهِ فِيهِ من المسبوق، حتى يرتحل إليه، لقوله ﷺ " مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا". فَإِنْ وَرَدُوهُ عَلَى سَوَاءٍ وَتَنَازَعُوا فيه نظر في التعديل بينهم بما يُزِيلُ تَنَازُعَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْبَادِيَةُ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا طلبا لكلأ، وارتفاقا بالمرعى، وانتقالا من أرض إلى أرض كانوا فيما تركوه، وَارْتَحَلُوا عَنْهُ كَالسَّابِلَةِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ فِي تنقلهم ورعيهم. الضرب الثاني: أن يقصدوا بنزولهم بها الإقامة بها والاستيطان لها؛ فللسلطان في نزولهم بِهَا نَظَرٌ يُرَاعَى فِيهِ الْأَصْلَحُ، فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِالسَّابِلَةِ مُنِعُوا مِنْهَا قَبْلَ النُّزُولِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّابِلَةِ رَاعَى الْأَصْلَحَ فِي نُزُولِهِمْ فِيهَا أَوْ مَنَعَهُمْ مِنْهَا وَنَقَلَ غَيْرَهُمْ إلَيْهَا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ حِينَ مَصَّرَ الْبَصْرَةَ والكوفة نقل إلى كل واحدة مِنْ الْمِصْرَيْنِ مَنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِيهِ الْمُسَافِرُونَ، فَيَكُونَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ الْفِتْنَةِ وسفك الدماء، كما يفعل في إقطاع الموات وما يرى.
فإن لم يستأذنوه حتى نزلوا فيه لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُ، كَمَا لَا يَمْنَعُ مَنْ أحيى مَوَاتًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَدَبَّرَهُمْ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ إحْدَاثِ زِيَادَةِ مَنْ بَعْدُ إلَّا عَنْ إذْنِهِ. رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " قَدِمْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عُمْرَتِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَكَلَّمَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ فِي الطَّرِيقِ أن يبنوا منازل فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذلك، فأذن لهم، واشترط أن ابن السبيل أحق بالماء والظل". الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ والأملاك. نظرت، فإن كان مضرا بأربابها منع المرتفق منها إلا أن يأذن بِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ فَيُمَكِّنُوا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مضر بهم، فهل يعتبر إذنهم؟ يحتمل أن يعتبر، لأن الحريم مرفق، ولا حاجة بهم إليه، وكانوا وغيرهم سواء. وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ: في الرجل يحفر العين حيث عين الرجل فقال " روي عن الزهري أنه قال: حريم العيون خمسمائة ذراع" وكأنه ذهب إليه. قيل له: فإن حفر على أكثر له التصرف فيما جاوز فناء غيره، ولم يعتبر إذنه. وقال في رواية الحسن بن ثواب: فيمن حفر بئرا في فنائه فعطب رجل، يعني بها " لزمه".
стр. 207
وهذا يدل على أنه ليس له التصرف فيما جاوز فناءه. وأما حريم المساجد والجوامع، فينظر، فإن كان الارتفاق بها مضرا بأهل الجوامع والمساج مُنِعُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فيه، لأن المصلين بها أحق، وإن لم يكن مضرا جاز ارْتِفَاقَهُمْ بِحَرِيمِهَا. وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ السُّلْطَانِ؟ يخرج على الوجهين في حريم الأملاك. وقد قال أحمد في رواية المروزي: في الرجل يحفر في فناء المسجد، وفي وسط المسجد بئر لماء " ما يعجبني أن يحفر، وإن حفر تطم". وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِأَفْنِيَةِ الشوارع والطرقات، نظرت، فإن كان مضرا بالمجتازين لضيق الطريق مُنِعُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فيه، وإن لم يكن مضرا لسعة الطريق، فعلى روايتين: إحداهما: المنع.
قال في رواية إسحاق بن إبراهيم - وقد سئل عن الرجل يبيع على الطريق الواسع: هل يشتري منه، إذا لم يجد حاجته عند غيره؟ فقال " ومن يسلم من هذا؟ البيع على الطريق مكروه". وقال في موضع آخر " لا ينبغي أن يبيع على طريق المسلمين شيئا " وكرهه جدا. والثانية: الجواز. قال في رواية حرب - وقد سئل عن الرجل يسبق إلى دكاكين السوق، فقال " إذا لم يكن لأحد فمن سبق إليه غدوة فهو له إلى الليل. قال: وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى". وهل يفتقر ذلك إلى السلطان؟ يخرّج على الوجهين. وظاهر كلامه في رواية حرب أنه لم يعتبر إذنه، وإذا اعتبرنا إذنه فهو موضع اجتهاد وهو كفهم عن التعدي، والاصلاح بينهم عند التشاجر، وإجلاس مَنْ يُجْلِسُهُ، وَمَنْعِ مَنْ يَمْنَعُهُ وَتَقْدِيمِ مَنْ يقدم، كَمَا يَجْتَهِدُ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِقْطَاعِ الموات ولا يجعل السابق أحق على هذا الوجه، وليس له أن يأخذ عَلَى الْجُلُوسِ أَجْرًا، وَإِذَا تَرَكَهُمْ عَلَى التَّرَاضِي كان السابق إلى المكان أحق من المسبوق، وإذا انصرف عنه كان هو وغيره فيه من الغد سواء يراعي السابق فيه على ظاهر كلامه في رواية حرب، لأنه لو كان أحق به أبدا خرج عن حكم الإباحة إلى حد الملك. وَأَمَّا جُلُوسُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَالتَّصَدِّي لِلتَّدْرِيسِ وَالْفُتْيَا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زاجر من نفسه أن لَا يَتَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، فَيَضِلُّ بِهِ الْمُسْتَهْدِي، وَيَزِلُّ بِهِ الْمُسْتَرْشِدُ، وَقَدْ جَاءَ الأثر " أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى جَرَاثِيمِ جَهَنَّمَ". وقد قال أحمد في رواية صالح " ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجود القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن".
стр. 208
وقال في رواية حنبل " ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتى" وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاحتياط من إنكار وإقرار.
وإذا أَرَادَ مَنْ هُوَ لِذَلِكَ أَهْلٌ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ لِتَدْرِيسٍ أَوْ فُتْيَا، نُظِرَ في حال المسجد، فإن كان من مَسَاجِدُ الْمُحَالِ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ الْأَئِمَّةُ فِيهَا من قبل السلطان لم يلزم من يترتب فيها لذلك اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِي جُلُوسِهِ، كَمَا لَا يَلْزَمُ أن يستأذنه فيها من يترتب لِلْإِمَامَةِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْجَوَامِعِ وَكِبَارِ الْمَسَاجِدِ التي يترتب للإمامة فِيهَا بِتَقْلِيدِ السُّلْطَانِ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْبَلَدِ وَعَادَتُهُ فِي جُلُوسِ أَمْثَالِهِ فَإِنْ كَانَ لِلسُّلْطَانِ فِي جُلُوسِ مِثْلِهِ نَظَرٌ لَمْ يَكُنْ له أن يترتب للجلوس في إلَّا عَنْ إذْنِهِ، كَمَا لَا يَتَرَتَّبُ لِلْإِمَامَةِ فيه إلا عن إذنه لأنه لا يُفْتَاتَ عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ فِي مِثْلِهِ نَظَرٌ مَعْهُودٌ لَمْ يَلْزَمْ استئذانه في ذلك وكان كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ. وَإِذَا ارْتَسَمَ بِمَوْضِعٍ مِنْ جامع أو مسجد ثم قَامَ عَنْهُ زَالَ حَقُّهُ مِنْهُ وَكَانَ السَّابِقُ إليه أحق، لقوله تعالى (سواء العاكف فيه والباد) . وَيُمْنَعُ النَّاسُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حَلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ، صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال " لا حمى إلا في ثلاثة: ثُلَّةُ الْبِئْرِ، وَطِوَلُ الْفَرَسِ، وَحَلَقَةُ الْقَوْمِ ". فَأَمَّا ثُلَّةُ الْبِئْرِ فَهُوَ مُنْتَهَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا طِوَلُ الْفَرَسِ فَهُوَ مَا دَار فِيهِ بِمَقُودِهِ إذَا كَانَ مَرْبُوطًا، وَأَمَّا حَلَقَةُ الْقَوْمِ فَهُوَ اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ. وَإِذَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَحْدُثَ بَيْنَهُمْ تَنَافُرٌ فَيُكَفُّوا عَنْهُ. وَإِنْ حَدَثَ مُنَازِعٌ ارْتَكَبَ ما لا يسوغ في الِاجْتِهَادُ كُفَّ عَنْهُ وَمُنِعَ مِنْهُ. فَإِنْ أَقَامَ عليه وتظاهر باستواء من يدعو إليه لزم السلطان أن يحسمه بزواجر السلطنة ليبين ظُهُورَ بِدْعَتِهِ، وَيُوَضِّحَ بِدَلَائِلِ الشَّرْعِ فَسَادَ مَقَالَتِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ بِدْعَةٍ مُسْتَمِعًا، وَلِكُلِّ مُسْتَغْوٍ مُتَّبِعًا.
فصل في أحكام القطائع
قد نص أحمد على جواز القطائع التي أقطعها الصحابة، وتوقف عن قطائع غيرهم من الأئمة. وإنما توقف في ذلك لأن منهم من أقطع ما لا يجوز إقطاعه.
فقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن قطائع البصرة والكوفة؟ فقال: تجعل قطائع أصحاب رسول الله ﷺ مثل قطائع هؤلاء؟ ".
стр. 209
وقال في رواية يعقوب بن بختان " ما أقطع هؤلاء فلا يعجبي". والقطائع ضربان: إقطاع تمليك، فَتَنْقَسِمُ فِيهِ الْأَرْضُ الْمُقْطَعَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مَوَاتٌ، وَعَامِرٌ، وَمَعَادِنُ. فَأَمَّا الْمَوَاتُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: ما لم يزل مواتا على الدهر، لم يجز فيه عمارة، ولا يثبت عليه ملك، وهذا الَّذِي يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْطَعَهُ مَنْ يُحْيِيهِ ويعمره، ويكون المقطع أحق الناس بإحيائه روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر " أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: أعطوه من حيث بلغ السوط. الضرب الثَّانِي مِنْ الْمَوَاتِ مَا كَانَ عَامِرًا فَخَرِبَ وصار مواتا عاطلا، فذلك ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ جَاهِلِيًّا، كَأَرْضِ عَادٍ وثمود، فهو كَالْمَوَاتِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عِمَارَةٌ، وَيَجُوزُ إقطاعه، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " عادى الأرض لله ولرسوله، ثم هل لكم مني ". يعني أرض عاد. الضرب الثاني: ما كان إسلاميا حرى عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ خَرِبَ حَتَّى صَارَ مواتا عاطلا ففيه روايتان: إحداهما: لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ سَوَاءٌ عَرَفَ أَرْبَابُهُ أَوْ لم يعرفوا. والثانية: إنْ عَرَفَ أَرْبَابُهُ لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ لم يعرف ملك بالإحياء. فإن قلنا بالرواية الأولى، وأنه لا يملك بالإحياء، فهل يجوز إقطاعه؟ نظرت. فإن عرف
стр. 210
أَرْبَابُهُ لَمْ يَجُزْ إقْطَاعُهُ، وَكَانُوا أَحَقَّ بِبَيْعِهِ وَإِحْيَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا جَازَ إقْطَاعُهُ وَكَانَ الإقطاع شرطا في جواز إحيائه، ولا يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ. فَإِنْ شَرَعَ في الإحياء صَارَ بِكَمَالِ الْإِحْيَاءِ مَالِكًا لَهُ، وَإِنْ أَمْسَكَ عن إحيائه لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فِيهِ وَأَقَرَّ فِي يَدِهِ إلَى زَوَالِ عُذْرِهِ. وَإِنْ كَانَ غير معذور ومضى، زمان يقدر على إحيائه، قيل له: إما أن تُحْيِيهِ فَيُقَرَّ فِي يَدِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهُ لِيَعُودَ إلَى حَالِهِ قَبْلَ إقْطَاعِهِ.
فإن تَغَلَّبَ عَلَى هَذَا الْمَوَاتِ الْمُسْتَقْطَعِ مُتَغَلِّبٌ فَأَحْيَاهُ كان محييه أحق به من مستقطعه. وأما العامر فضربان أحدهما: ما تعين مالكوه، فَلَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أو لذمي، فإن كان في دار الحرب التي لم يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا يَدٌ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُقْطِعَهَا لِيَمْلِكَهَا الْمُقْطَعَ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهَا جَازَ. وَقَدْ سَأَلَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْطِعَهُ عُيُونَ الْبَلَدِ الذي كان فيه بِالشَّامِ قَبْلَ فَتْحِهِ فَفَعَلَ. وَسَأَلَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ أَنْ يُقْطِعَهُ أَرْضًا كَانَتْ بِيَدِ الرُّومِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ " أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ؟ فقال: والذي بعثك بالحق لتفتحن عليك. فكتب له بذلك كتابا، وكذلك لو استوهب أحد من من سببها وَذَرَارِيِّهَا لِيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ إذَا فَتَحَهَا جَازَ وصحت العطية منه مع الجهالة بها لتعقلها بالأمور العامة. وقد روى الشعبي أن خريم بن أوس بن حارثة الطائي قال لرسول الله ﷺ : " إنْ فَتَحَ اللَّهُ عليك الحيرة فأعطني بنت بقيلة. فَلَمَّا أَرَادَ خَالِدٌ صُلْحَ أَهْلِ الْحِيرَةِ قَالَ له خريم: أن رسول الله ﷺ جعل لي بنت بقيلة، فلا تدخلها
стр. 211
فِي صُلْحِكَ، وَشَهِدَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ ومحمد بْنُ مَسْلَمَةَ فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ الصُّلْحِ وَدَفَعَهَا إلَى خريم، فاشتريت منه بألف درهم، وكانت عجوزا". وَإِذَا صَحَّ الْإِقْطَاعُ وَالتَّمْلِيكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نظر حال الفتح، فإن كان صلحا حصلت الْأَرْضُ لِمُقْطِعِهَا وَكَانَتْ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الصُّلْحِ بِالْإِقْطَاعِ السَّابِقِ. وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ عَنْوَةً كَانَ المقطع وَالْمُسْتَوْهِبُ أَحَقَّ بِمَا اسْتَقْطَعَهُ وَاسْتَوْهَبَهُ مِنْ الْغَانِمِينَ. وانظر فِي الْغَانِمِينَ، فَإِنْ عَلِمُوا بِالْإِقْطَاعِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَيْسَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِ مَا اُسْتُقْطِعَ وَوُهِبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى فُتِحُوا عَاوَضَهُمْ الإمام بِمَا يَسْتَطِيبُ بِهِ نُفُوسَهُمْ، كَمَا يَسْتَطِيبُ نُفُوسَهُمْ عن غير ذلك من الغنائم. وقد قيل: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِهِمْ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أخذه.
الضرب الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُوهُ، ولم يتميز مستحقوه، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: ما اصطفاه الأئمة لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ فُتُوحِ الْبِلَادِ، إمَّا بِحَقِّ الخمس فيأخذه باستحقاق في أَهْلِهِ لَهُ، وَإِمَّا بِأَنْ يَصْطَفِيَهُ بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الغانمين عنه، فقد اصطفى عمر مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ أَمْوَالَ كِسْرَى وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَمَا هَرَبَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ أَوْ هَلَكُوا، فَكَانَ مبلغ غلته تِسْعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ يَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْهَا، ثُمَّ إن عثمان أَقْطَعَهَا لِأَنَّهُ رَأَى إقْطَاعَهَا أَوْفَرَ لِغَلَّتِهَا مِنْ تَعْطِيلِهَا، وَشَرَطَ عَلَى مَنْ أَقْطَعَهَا إيَّاهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّ الْفَيْءِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إقْطَاعَ إجَارَةٍ لَا إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ فَتَوَفَّرَتْ غَلَّتُهَا حتى بلغت على
стр. 212
ما قبل خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَ مِنْهَا صَلَاتُهُ وَعَطَايَاهُ، ثُمَّ تَنَاقَلَهَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ فَلَمَّا كَانَ عام الجماجم سنة اثنين وَثَمَانِينَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَحْرَقَ الدِّيوَانَ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَامِرِ لَا يَجُوزُ إقْطَاعُ رَقَبَتِهِ، لِأَنَّهُ قد صار باصطفائه لبيت الْمَالَ الْمَوْضُوعَ فِي حُقُوقِهِ، وَالسُّلْطَانُ فِيهِ بِالْخِيَارِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فِي الْأَصْلَحِ بَيْنَ أَنْ يستغله لبيت المال كما فعل عمر، وبين أن يتخير له من ذوي القدرة والمكنة وَالْعَمَلِ مَنْ يَقُومُ بِعِمَارَةِ رَقَبَتِهِ بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عليه مقدرا، ويكون الخراج أجرة يصرف في وُجُوهِ الْمَصَالِحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا بِالْخُمُسِ فَيُصْرَفُ فِي أَهْلِ الْخُمُسِ., فَإِنْ كَانَ مَا وَضَعَهُ مِنْ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً عَلَى الشَّطْرِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ جَازَ فِي النَّخْلِ. كَمَا سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خيبر على النصف من ثمار النخل. وجوازه في الزروع معتبر باختلاف الفقهاء في جواز المخابرة /، أَجَازَهَا أَجَازَ الْخَرَاجَ بِهَا، وَمَنْ مَنَعَ مِنْهَا مَنَعَ مِنْ الْخَرَاجِ بِهَا. وَقِيلَ بَلْ يَجُوزُ الخراج بها وإن منع من المخابرة عليها، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَتَّسِعُ حُكْمُهَا عَنْ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ، وَيَكُونُ العشر واجبا في الزروع دون الثمرة، لأن الزرع ملك لزراعه، وَالثَّمَرَةُ مِلْكٌ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِمْ.
القسم الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ أَرْضُ الْخَرَاجِ، فَلَا يَجُوزُ إقطاع رقابها تمليكا، لأنها تنقسم على ضربين. ضرب تكون رقابها وقفا وخراجها أجرة، وتمليك الْوَقْفِ لَا يَصِحُّ بِإِقْطَاعٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا هبة. وضرب تكون رِقَابُهَا مِلْكًا وَخَرَاجُهَا جِزْيَةً، فَلَا يَصِحُّ إقْطَاعُ مملوك لغير مالكه. فأما إقطاع خراجها فسنذكره من بعد إقطاع الاستغلال. وقد قال أحمد في رواية الأثرم ومحمد بن حرب - وقد ذكر له أن عثمان أقطع عبد الله وخبابا، فقال: " هذا يقوي أن أرض السواد ليست بملك من هي في يده، فلو كان عمر ملكها من هي في يديه لم يقطع عثمان". فقد نص على أنه لا يجوز إقطاع رقبة مملوكة. القسم الثَّالِثُ مَا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وارث بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ، فَيَنْتَقِلُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مصروفا في مصالح المسلمين، لا على طريق الميراث. وقد قال أحمد في رواية المروزي " في الأرض الميتة إذا كانت لم تملك، فإن ملكت فهي فيء للمسلمين، مثل من مات وترك مالا لا يعرف له وارث".
стр. 213
فقد بين أن الأرض التي مات أربابها ولا وارث لها هي فيء للمسلمين. فأما ما انتقل إلى بيت المال في رقاب الأموال، فهل يصير وقفا بنفس الانتقال إليه؟ على وجهين: أحدهما: قد صار وقفا بعموم مصرفه الذي لا يتخصص بجهة، فعلى هذا لا يجوز بيعها. وهذا ظاهر كلام أحمد في أرض السواد " أنها صارت وقفا بنفس الفتح". وكذلك قال في رواية حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم وأضافوا عليها وظيفة فتلك جارية". والثاني: لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا إذَا رَأَى بَيْعَهَا أصلح لبيت مال المسلمين، وَيَكُونُ ثَمَنُهَا مَصْرُوفًا فِي عُمُومِ الْمَصَالِحِ، وَفِي ذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَأَهْلِ الصَّدَقَاتِ. وقد قال أحمد في رواية عبد الله " الأرض إذا كانت عنوة هي لمن قاتل عليها، إلا أن يكون وقفها من فتحها على المسلمين كما فعل عمر بالسواد". فاعتبر إيقافه.
فأما إقْطَاعُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ قِيلَ بِجَوَازِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إلَى مَنْ يَرَاهُ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَأَرْبَابِ الْمَصَالِحِ جَازَ إقْطَاعُهَا لَهُ، وَيَكُونُ تَمْلِيكُ رَقَبَتِهَا كَتَمْلِيكِ ثمنها. وقيل: لا يجوز إقطاعها وَإِنْ جَازَ بَيْعُهَا لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ، وَهَذَا الإقطاع صلة وفيه ضعف فهذا الكلام في التمليك. وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُ إقْطَاعِهِ بِاخْتِلَافِ حَالِ مقطعه، وله ثلاث أحوال: أحدها: أن يكون من أهل الصدقة فيجوز، لأنه صرف الفيء في أهل الصدقة.
стр. 214
وقد ذكرنا ذلك، وقال قوم: لا يجوز صرف الفيء إلى أَهْلُ الصَّدَقَةِ، كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ أَهْلُ الفيء. الحالة الثانية: أن يكونوا مِنْ أَهْلِ الْمَصَالِحِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ رِزْقٌ مفروض. فلا يصح أن يقطعوه على الإطلاق وإن جاز أن يقطعوه من مال الخراج، لأن ما يعطونه إنَّمَا هُوَ مِنْ صِلَاتِ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ جُعِلَ لهم مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ شَيْءٌ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْحَوَالَةِ وَالتَّسَبُّبُ، لَا حُكْمُ الْإِقْطَاعِ، فَيُعْتَبَرُ فِي جَوَازِهِ شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ وقد وَجَدَ سَبَبَ اسْتِبَاحَتِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَالُ الخراج قد حل ووجب ليصح بالتسبب عليه والحوالة به، فيخرج بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ عَنْ حُكْمِ الْإِقْطَاعِ. وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أن يكونوا من أهل فرض أهل الديوان وهم الجيش، فهم أحق النَّاسِ بِجَوَازِ الْإِقْطَاعِ، لِأَنَّ لَهُمْ أَرْزَاقًا مُقَدَّرَةً تصرف إليهم مصرف الاستحقاق، لأنها أعواض عَمَّا أَرْصَدُوا نُفُوسَهُمْ لَهُ مِنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ، والذب عن الحريم. وإذا صَحَّ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْإِقْطَاعِ رُوعِيَ حينئذ مال الخراج. فإن له حالتين: حَالٌ يَكُونُ جِزْيَةً، وَحَالٌ يَكُونُ أُجْرَةً فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ جِزْيَةً فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَى التَّأْبِيدِ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مَعَ بَقَاءِ الْكُفْرِ، وَزَائِلٌ مَعَ حُدُوثِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِاسْتِحْقَاقِهِ بَعْدَهَا. فَإِنْ أَقْطَعَهُ سَنَةً بَعْدَ حُلُولِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ صَحَّ، وَإِنْ أَقْطَعَهُ فِي السَّنَةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لم يجز لأنه مَضْرُوبٌ لِلْوُجُوبِ. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْخَرَاجِ أُجْرَةً، فَهُوَ مُسْتَقِرُّ الْوُجُوبِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَيَصِحُّ إقطاعه سنين.
ولايلزم الاقتصار عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ الَّتِي لَا تستقر. وإذا كان كذلك لم يخل حَالُ إقْطَاعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يكون مقدرا سِنِينَ مَعْلُومَةً، كَإِقْطَاعِهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَيَصِحُّ إذَا رُوعِيَ فِيهِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رِزْقُ الْمُقْطَعِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ لَمْ يَصِحَّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْخَرَاجِ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُقْطَعِ وَعِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ. فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُمَا أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْخَرَاجِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
стр. 215
إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَاسَمَةً أَوْ مِسَاحَةً، فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً، فَمَنْ جَوَّزَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَضْعَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ جَعَلَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي يَجُوزُ إقْطَاعُهُ. وَمَنْ مَنَعَ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ على المقاسمة جعله منالمجهو الذي لا يجوز إقطاعه. وإن كان الخراج مساحة فهو على ضربين: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ فَهَذَا مَعْلُومٌ يَصِحُّ إقْطَاعُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ، فَيُنْظَرُ رِزْقُ مُقْطَعِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي مقابلة أعلى الخراجين صح إقطاعه، لأنه بِنَقْصٍ إنْ دَخَلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ أَقَلِّ الْخَرَاجَيْنِ لَمْ يَصِحَّ إقْطَاعُهُ، لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّهَا. ثُمَّ يُرَاعِي بَعْدَ صِحَّةِ الْإِقْطَاعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ حَالَ الْمُقْطَعِ فِي مُدَّةِ الْإِقْطَاعِ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَبْقَى إلَى انقضائها على السَّلَامَةِ، فَهُوَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْإِقْطَاعِ إلَى انْقِضَاءِ المدة. الحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَيُبْطِلَ الْإِقْطَاعَ فِي الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَعُودَ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ دَخَلُوا فِي إعْطَاءِ الذَّرَارِيِّ لَا فِي أَرْزَاقِ الأجناد وكان ما يعطونه تسبيبا لا إقطاعا. الحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُحْدِثَ بِهِ زَمَانَةً، فَيَكُونَ بَاقِي الحياة مفقود الصحة، ففي بقاء إقطاعه بد زمانته احتمالان: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ إذا قيل إن رزقه بالزمانة لا يسقط. والثاني: يرتجع منه إذا قيل إذا إنَّ رِزْقَهُ بِالزَّمَانَةِ قَدْ سَقَطَ. فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إذَا قُدِّرَ الْإِقْطَاعُ فِيهِ بِمُدَّةٍ معلومة.
القسم الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِهِ أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثم لورثته وعقبه بعد موته، فهذا الإقطاع باطل، لأنه خرج بهذا الإقطاع عن حقوق بيت المال إلى الأملاك الموروثة، فإذا أبطل كَانَ مَا اجْتَبَاهُ مِنْهُ مَأْذُونًا فِيهِ عَنْ عقد فاسد، فبرئ أهل الخراج بقبضه وحسب به مِنْ جُمْلَةِ رِزْقِهِ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ رَدَّ الزيادة، وإن كان أقل بالباقي، وأظهر السلطان فساد الإقطاع حتى يمتنع ن القبض ويمتنع أَهْلُ الْخَرَاجِ مِنْ الدَّفْعِ، فَإِنْ دَفَعُوهُ بَعْدَ إظهار ذلك لم يبرءوا منه. القسم الثَّالِثُ أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَفِي صِحَّةِ الإقطاع احتمالان: أحدهما: أنه صحيح إذا قِيلَ إنَّ حُدُوثَ زَمَانَتِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ رزقه. والثاني: أنه باطل إذا قيل إن حدوث زمانته موجب لسقوط رزقه.
следующие страницы →