Полный текст (289 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فِي صُلْحِكَ، وَشَهِدَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ ومحمد بْنُ مَسْلَمَةَ فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ الصُّلْحِ وَدَفَعَهَا إلَى خريم، فاشتريت منه بألف درهم، وكانت عجوزا". وَإِذَا صَحَّ الْإِقْطَاعُ وَالتَّمْلِيكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نظر حال الفتح، فإن كان صلحا حصلت الْأَرْضُ لِمُقْطِعِهَا وَكَانَتْ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الصُّلْحِ بِالْإِقْطَاعِ السَّابِقِ. وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ عَنْوَةً كَانَ المقطع وَالْمُسْتَوْهِبُ أَحَقَّ بِمَا اسْتَقْطَعَهُ وَاسْتَوْهَبَهُ مِنْ الْغَانِمِينَ. وانظر فِي الْغَانِمِينَ، فَإِنْ عَلِمُوا بِالْإِقْطَاعِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَيْسَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِ مَا اُسْتُقْطِعَ وَوُهِبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى فُتِحُوا عَاوَضَهُمْ الإمام بِمَا يَسْتَطِيبُ بِهِ نُفُوسَهُمْ، كَمَا يَسْتَطِيبُ نُفُوسَهُمْ عن غير ذلك من الغنائم. وقد قيل: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِهِمْ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أخذه.
الضرب الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُوهُ، ولم يتميز مستحقوه، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: ما اصطفاه الأئمة لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ فُتُوحِ الْبِلَادِ، إمَّا بِحَقِّ الخمس فيأخذه باستحقاق في أَهْلِهِ لَهُ، وَإِمَّا بِأَنْ يَصْطَفِيَهُ بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الغانمين عنه، فقد اصطفى عمر مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ أَمْوَالَ كِسْرَى وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَمَا هَرَبَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ أَوْ هَلَكُوا، فَكَانَ مبلغ غلته تِسْعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ يَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْهَا، ثُمَّ إن عثمان أَقْطَعَهَا لِأَنَّهُ رَأَى إقْطَاعَهَا أَوْفَرَ لِغَلَّتِهَا مِنْ تَعْطِيلِهَا، وَشَرَطَ عَلَى مَنْ أَقْطَعَهَا إيَّاهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّ الْفَيْءِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إقْطَاعَ إجَارَةٍ لَا إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ فَتَوَفَّرَتْ غَلَّتُهَا حتى بلغت على
стр. 212
ما قبل خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَ مِنْهَا صَلَاتُهُ وَعَطَايَاهُ، ثُمَّ تَنَاقَلَهَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ فَلَمَّا كَانَ عام الجماجم سنة اثنين وَثَمَانِينَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَحْرَقَ الدِّيوَانَ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَامِرِ لَا يَجُوزُ إقْطَاعُ رَقَبَتِهِ، لِأَنَّهُ قد صار باصطفائه لبيت الْمَالَ الْمَوْضُوعَ فِي حُقُوقِهِ، وَالسُّلْطَانُ فِيهِ بِالْخِيَارِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فِي الْأَصْلَحِ بَيْنَ أَنْ يستغله لبيت المال كما فعل عمر، وبين أن يتخير له من ذوي القدرة والمكنة وَالْعَمَلِ مَنْ يَقُومُ بِعِمَارَةِ رَقَبَتِهِ بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عليه مقدرا، ويكون الخراج أجرة يصرف في وُجُوهِ الْمَصَالِحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا بِالْخُمُسِ فَيُصْرَفُ فِي أَهْلِ الْخُمُسِ., فَإِنْ كَانَ مَا وَضَعَهُ مِنْ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً عَلَى الشَّطْرِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ جَازَ فِي النَّخْلِ. كَمَا سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خيبر على النصف من ثمار النخل. وجوازه في الزروع معتبر باختلاف الفقهاء في جواز المخابرة /، أَجَازَهَا أَجَازَ الْخَرَاجَ بِهَا، وَمَنْ مَنَعَ مِنْهَا مَنَعَ مِنْ الْخَرَاجِ بِهَا. وَقِيلَ بَلْ يَجُوزُ الخراج بها وإن منع من المخابرة عليها، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَتَّسِعُ حُكْمُهَا عَنْ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ، وَيَكُونُ العشر واجبا في الزروع دون الثمرة، لأن الزرع ملك لزراعه، وَالثَّمَرَةُ مِلْكٌ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِمْ.
القسم الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ أَرْضُ الْخَرَاجِ، فَلَا يَجُوزُ إقطاع رقابها تمليكا، لأنها تنقسم على ضربين. ضرب تكون رقابها وقفا وخراجها أجرة، وتمليك الْوَقْفِ لَا يَصِحُّ بِإِقْطَاعٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا هبة. وضرب تكون رِقَابُهَا مِلْكًا وَخَرَاجُهَا جِزْيَةً، فَلَا يَصِحُّ إقْطَاعُ مملوك لغير مالكه. فأما إقطاع خراجها فسنذكره من بعد إقطاع الاستغلال. وقد قال أحمد في رواية الأثرم ومحمد بن حرب - وقد ذكر له أن عثمان أقطع عبد الله وخبابا، فقال: " هذا يقوي أن أرض السواد ليست بملك من هي في يده، فلو كان عمر ملكها من هي في يديه لم يقطع عثمان". فقد نص على أنه لا يجوز إقطاع رقبة مملوكة. القسم الثَّالِثُ مَا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وارث بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ، فَيَنْتَقِلُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مصروفا في مصالح المسلمين، لا على طريق الميراث. وقد قال أحمد في رواية المروزي " في الأرض الميتة إذا كانت لم تملك، فإن ملكت فهي فيء للمسلمين، مثل من مات وترك مالا لا يعرف له وارث".
стр. 213
فقد بين أن الأرض التي مات أربابها ولا وارث لها هي فيء للمسلمين. فأما ما انتقل إلى بيت المال في رقاب الأموال، فهل يصير وقفا بنفس الانتقال إليه؟ على وجهين: أحدهما: قد صار وقفا بعموم مصرفه الذي لا يتخصص بجهة، فعلى هذا لا يجوز بيعها. وهذا ظاهر كلام أحمد في أرض السواد " أنها صارت وقفا بنفس الفتح". وكذلك قال في رواية حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم وأضافوا عليها وظيفة فتلك جارية". والثاني: لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا إذَا رَأَى بَيْعَهَا أصلح لبيت مال المسلمين، وَيَكُونُ ثَمَنُهَا مَصْرُوفًا فِي عُمُومِ الْمَصَالِحِ، وَفِي ذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَأَهْلِ الصَّدَقَاتِ. وقد قال أحمد في رواية عبد الله " الأرض إذا كانت عنوة هي لمن قاتل عليها، إلا أن يكون وقفها من فتحها على المسلمين كما فعل عمر بالسواد". فاعتبر إيقافه.
فأما إقْطَاعُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ قِيلَ بِجَوَازِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إلَى مَنْ يَرَاهُ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَأَرْبَابِ الْمَصَالِحِ جَازَ إقْطَاعُهَا لَهُ، وَيَكُونُ تَمْلِيكُ رَقَبَتِهَا كَتَمْلِيكِ ثمنها. وقيل: لا يجوز إقطاعها وَإِنْ جَازَ بَيْعُهَا لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ، وَهَذَا الإقطاع صلة وفيه ضعف فهذا الكلام في التمليك. وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُ إقْطَاعِهِ بِاخْتِلَافِ حَالِ مقطعه، وله ثلاث أحوال: أحدها: أن يكون من أهل الصدقة فيجوز، لأنه صرف الفيء في أهل الصدقة.
стр. 214
وقد ذكرنا ذلك، وقال قوم: لا يجوز صرف الفيء إلى أَهْلُ الصَّدَقَةِ، كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ أَهْلُ الفيء. الحالة الثانية: أن يكونوا مِنْ أَهْلِ الْمَصَالِحِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ رِزْقٌ مفروض. فلا يصح أن يقطعوه على الإطلاق وإن جاز أن يقطعوه من مال الخراج، لأن ما يعطونه إنَّمَا هُوَ مِنْ صِلَاتِ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ جُعِلَ لهم مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ شَيْءٌ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْحَوَالَةِ وَالتَّسَبُّبُ، لَا حُكْمُ الْإِقْطَاعِ، فَيُعْتَبَرُ فِي جَوَازِهِ شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ وقد وَجَدَ سَبَبَ اسْتِبَاحَتِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَالُ الخراج قد حل ووجب ليصح بالتسبب عليه والحوالة به، فيخرج بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ عَنْ حُكْمِ الْإِقْطَاعِ. وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أن يكونوا من أهل فرض أهل الديوان وهم الجيش، فهم أحق النَّاسِ بِجَوَازِ الْإِقْطَاعِ، لِأَنَّ لَهُمْ أَرْزَاقًا مُقَدَّرَةً تصرف إليهم مصرف الاستحقاق، لأنها أعواض عَمَّا أَرْصَدُوا نُفُوسَهُمْ لَهُ مِنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ، والذب عن الحريم. وإذا صَحَّ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْإِقْطَاعِ رُوعِيَ حينئذ مال الخراج. فإن له حالتين: حَالٌ يَكُونُ جِزْيَةً، وَحَالٌ يَكُونُ أُجْرَةً فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ جِزْيَةً فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَى التَّأْبِيدِ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مَعَ بَقَاءِ الْكُفْرِ، وَزَائِلٌ مَعَ حُدُوثِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِاسْتِحْقَاقِهِ بَعْدَهَا. فَإِنْ أَقْطَعَهُ سَنَةً بَعْدَ حُلُولِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ صَحَّ، وَإِنْ أَقْطَعَهُ فِي السَّنَةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لم يجز لأنه مَضْرُوبٌ لِلْوُجُوبِ. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْخَرَاجِ أُجْرَةً، فَهُوَ مُسْتَقِرُّ الْوُجُوبِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَيَصِحُّ إقطاعه سنين.
ولايلزم الاقتصار عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ الَّتِي لَا تستقر. وإذا كان كذلك لم يخل حَالُ إقْطَاعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يكون مقدرا سِنِينَ مَعْلُومَةً، كَإِقْطَاعِهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَيَصِحُّ إذَا رُوعِيَ فِيهِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رِزْقُ الْمُقْطَعِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ لَمْ يَصِحَّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْخَرَاجِ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُقْطَعِ وَعِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ. فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُمَا أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْخَرَاجِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
стр. 215
إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَاسَمَةً أَوْ مِسَاحَةً، فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً، فَمَنْ جَوَّزَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَضْعَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ جَعَلَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي يَجُوزُ إقْطَاعُهُ. وَمَنْ مَنَعَ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ على المقاسمة جعله منالمجهو الذي لا يجوز إقطاعه. وإن كان الخراج مساحة فهو على ضربين: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ فَهَذَا مَعْلُومٌ يَصِحُّ إقْطَاعُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ، فَيُنْظَرُ رِزْقُ مُقْطَعِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي مقابلة أعلى الخراجين صح إقطاعه، لأنه بِنَقْصٍ إنْ دَخَلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ أَقَلِّ الْخَرَاجَيْنِ لَمْ يَصِحَّ إقْطَاعُهُ، لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّهَا. ثُمَّ يُرَاعِي بَعْدَ صِحَّةِ الْإِقْطَاعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ حَالَ الْمُقْطَعِ فِي مُدَّةِ الْإِقْطَاعِ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَبْقَى إلَى انقضائها على السَّلَامَةِ، فَهُوَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْإِقْطَاعِ إلَى انْقِضَاءِ المدة. الحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَيُبْطِلَ الْإِقْطَاعَ فِي الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَعُودَ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ دَخَلُوا فِي إعْطَاءِ الذَّرَارِيِّ لَا فِي أَرْزَاقِ الأجناد وكان ما يعطونه تسبيبا لا إقطاعا. الحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُحْدِثَ بِهِ زَمَانَةً، فَيَكُونَ بَاقِي الحياة مفقود الصحة، ففي بقاء إقطاعه بد زمانته احتمالان: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ إذا قيل إن رزقه بالزمانة لا يسقط. والثاني: يرتجع منه إذا قيل إذا إنَّ رِزْقَهُ بِالزَّمَانَةِ قَدْ سَقَطَ. فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إذَا قُدِّرَ الْإِقْطَاعُ فِيهِ بِمُدَّةٍ معلومة.
القسم الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِهِ أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثم لورثته وعقبه بعد موته، فهذا الإقطاع باطل، لأنه خرج بهذا الإقطاع عن حقوق بيت المال إلى الأملاك الموروثة، فإذا أبطل كَانَ مَا اجْتَبَاهُ مِنْهُ مَأْذُونًا فِيهِ عَنْ عقد فاسد، فبرئ أهل الخراج بقبضه وحسب به مِنْ جُمْلَةِ رِزْقِهِ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ رَدَّ الزيادة، وإن كان أقل بالباقي، وأظهر السلطان فساد الإقطاع حتى يمتنع ن القبض ويمتنع أَهْلُ الْخَرَاجِ مِنْ الدَّفْعِ، فَإِنْ دَفَعُوهُ بَعْدَ إظهار ذلك لم يبرءوا منه. القسم الثَّالِثُ أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَفِي صِحَّةِ الإقطاع احتمالان: أحدهما: أنه صحيح إذا قِيلَ إنَّ حُدُوثَ زَمَانَتِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ رزقه. والثاني: أنه باطل إذا قيل إن حدوث زمانته موجب لسقوط رزقه.
стр. 216
وَإِذَا صَحَّ الْإِقْطَاعُ فَأَرَادَ السُّلْطَانُ اسْتِرْجَاعَهُ مِنْ مَقْطَعِهِ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي هي فِيهَا، وَيَعُودُ رِزْقُهُ إلَى دِيوَانِ الْعَطَايَا، فَأَمَّا فِي السَّنَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَيَنْظُرُ، فَإِنْ حَلَّ رِزْقُهُ فِيهَا قَبْلَ حُلُولِ خَرَاجِهَا لَمْ يسترجع منه في سننه لِاسْتِحْقَاقِ خَرَاجِهَا فِي رِزْقِهِ، وَإِنْ حَلَّ خَرَاجُهَا قَبْلَ حُلُولِ رِزْقِهِ جَازَ اسْتِرْجَاعُهُ مِنْهُ، لِأَنَّ تعجيل المؤجل وإن كان جائزا فليس بلازم. فأما أرزاق من عَدَا الْجَيْشَ إذَا أَقْطَعُوا بِهَا مَالَ الْخَرَاجِ فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: من يرزق عَلَى عَمَلٍ غَيْرِ مُسْتَدِيمٍ: كَعُمَّالِ الْمَصَالِحِ، وَجُبَاةِ الْخَرَاجِ، فَالْإِقْطَاعُ بِأَرْزَاقِهِمْ لَا يَصِحُّ، وَيَكُونُ مَا حصل لهم من مال الخراج تسبيبا وحوالة بعد استحقاق الرزق وحلول الخراج. القسم الثاني: من يرزق على عمل مستديم يجري رزقه مجرى الجعالة وهم الناظرون في أعمال البر التي يصح التطوع بها إذا تزقوا عليها كالمؤذنين والأئمة، فيكون ما جعل لهم في أرزاقهم تسبيبا وحوالة عليه ولا يكون إقطاعا. القسم الثَّالِثُ: مَنْ يُرْتَزَقُ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَدِيمٍ وَيَجْرِي رِزْقُهُ مَجْرَى الْإِجَارَةِ، وَهُوَ مَنْ لَا يَصِحُّ نَظَرُهُ إلَّا بِوِلَايَةٍ وَتَقْلِيدٍ: مِثْلُ الْقُضَاةِ، وَالْحُكَّامِ وَكُتَّابِ الدَّوَاوِينِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقْطَعُوا بِأَرْزَاقِهِمْ خَرَاجَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ إقْطَاعِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَالْجَيْشِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِمَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْعَزْلِ وَالِاسْتِبْدَالِ. وَأَمَّا إقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَهِيَ الْبِقَاعُ الَّتِي أَوْدَعَهَا الله تعالى الجواهر في الأرض، فهي ضربان: ظاهرة، وباطنة. أما الظاهرة فما كَانَ جَوْهَرُهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا بَارِزًا كَمَعَادِنِ الْكُحْلِ، والملح، والنفظ. فهو كَالْمَاءِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إقْطَاعُهُ، وَالنَّاسُ فِيهِ شرع يأخذه من ورد إليه. وقد نص عليه في رواية حرب وقد سئل عن حديث النبي ﷺ " أنه أقطع رجلا معدن الملح الذي بمأرب فقيل له: إنه بمنزلة الماء العد، فرد النبي ﷺ فقال: " معدن ملح ينتابه الناس في الصحراء يأخذون الملح ليس هو بملك أحد، أخذه السلطان فأقطعه رجلا فمنع الناس منه، فكرهه وقال: هذا للمسلمين".
стр. 217
فإن أقطعت هذا الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ لَمْ يَكُنْ لِإِقْطَاعِهَا حُكْمٌ، وَكَانَ المنقطع وغيره فيها سواء، وجميع من ورد أسوة يشتركون فِيهَا، فَإِنْ مَنَعَهُمْ الْمُقْطِعُ مِنْهَا كَانَ بِالْمَنْعِ مُتَعَدِّيًا، وَكَانَ لِمَا أَخَذَهُ مَالِكًا، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بالمنع لا بالأخذ، وكف عَنْ الْمَنْعِ وَصُرِفَ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ لِئَلَّا يثبته إقطاعا بالصحة، أو يصير معه في حكم الأملاك المستقرة. وَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ فَهِيَ مَا كَانَ جَوْهَرُهَا مستكنا فيها لا يوصل إلَّا بِالْعَمَلِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ، فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَعَادِنُ بَاطِنَةٌ، سَوَاءٌ احْتَاجَ المأخوذ منها إلى سبك وتصفية وتخليص أو لم يحتج، فلا يجوز إقطاعها كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع. فإن أحيى مواتا بإقطاع او غير فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَعَادِنُ بَاطِنَةٌ، سَوَاءٌ احْتَاجَ المأخوذ منها إلى سبك وتصفية وتخليص أو لم يحتج، فلا يجوز إقطاعها كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع. فإن أحيى مَوَاتًا بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِ إقْطَاعٍ فَظَهَرَ فِيهِ، بِالْإِحْيَاءِ مَعْدِنٌ ظَاهِرٌ أَوْ بَاطِنٌ، مَلَكَهُ الْمُحْيِي عَلَى التَّأْبِيدِ كَمَا يَمْلِكُ مَا اسْتَنْبَطَهُ مِنْ العيون واحتفره من الآبار.
فصل في وضع الديوان، وذكر أحكامه
والديوان موضوع لِحِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ، مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنْ الْجُيُوشِ وَالْعُمَّالِ.
стр. 218
والديوان بالفارسية: اسم للشياطين، فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور ووقوفهم منها عَلَى الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ وَجَمْعِهِمْ لِمَا شَذَّ وَتَفَرَّقَ، ثُمَّ سُمِّيَ مَكَانُ جُلُوسِهِمْ بِاسْمِهِمْ، فَقِيلَ دِيوَانٌ. وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الدِّيوَانَ فِي الْإِسْلَامِ عُمَرُ بن الخطاب. فأما سبب وضعه فروى أن عمر استشار الناس في تدوين الدواوين، فقال علي بن أبي طالب " تُقَسِّمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إلَيْكَ مِنْ الْمَالِ وَلَا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا " وَقَالَ عُثْمَانُ بن عفان " أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لَمْ يُحْصُوا حَتَّى يُعْرَفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لم يأخذ حشيت أَنْ يَنْتَشِرَ الْأَمْرُ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ " قد كنت بالشام فرأيت ملوكها دَوَّنُوا دِيوَانًا وَجَنَّدُوا جُنُودًا فَدَوِّنْ دِيوَانًا وَجَنِّدْ جُنُودًا" فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ. وَدَعَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، وكانوا من نبهاء قريش وأعلمهم بأنسابهم فقال " اُكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ " فَبَدَءُوا بِبَنِي هَاشِمٍ فَكَتَبُوهُمْ ثُمَّ أَتْبَعُوهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْمَهُ ثُمَّ عُمَرَ وَقَوْمَهُ، وَكَتَبُوا الْقَبَائِلَ وَوَضَعُوهَا عَلَى الْخِلَافَةِ، ثم دفعوه إلَى عُمَرَ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ قَالَ: " لَا، وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ هَكَذَا، وَلَكِنْ ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَقْرَبَ ثم الأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى، فشكره العباس على ذلك وقال " وصلتك رحم".
فروى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ بَنِي عَدِيٍّ جَاءُوا إلَى عُمَرَ فَقَالُوا: إنَّك خَلِيفَةُ رسول الله ﷺ وَخَلِيفَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ الله ﷺ فلو جعلت نفسك حيث جعلك هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَتَبُوا؟ فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ، أَرَدْتُمْ الْأَكْلَ عَلَى ظَهْرِي وأن أهب حسناتي لكم، لا والله حتى تأتيكم الدعوة وإن انطبق عليكم الدفتر، يعني لو أن تُكْتَبُوا آخِرَ النَّاسِ- إنَّ لِي صَاحِبِينَ سَلَكَا طريقا، فإن خالفتهما خولف بي، والله ما أدركنا الفضل في الدنيا، ولانرجو الثواب في الآخرة عَلَى عَمَلِنَا إلَّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ شَرَفُنَا، وَقَوْمُهُ أَشْرَفُ الْعَرَبِ، ثُمَّ الأقرب بالأقرب، ووالله لَئِنْ جَاءَتْ الْأَعَاجِمُ بِعَمَلٍ وَجِئْنَا بِغَيْرِ عَمَلٍ لهم أولى برسول الله ﷺ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فإن من قصر به عمله لم يسرع به نسبه".
стр. 219
وروى عامر الشعبي " أن عمر " حِينَ أَرَادَ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ: بِمَنْ أَبْدَأُ؟ فقال له عبد الرحمن ابن عوف: ابدأ بنفسك، فقال عمر: أذكرتني، حضرت رسول الله ﷺ وهو يبدأ ببني هاشم وبني الْمُطَّلِبِ، فَبَدَأَ بِهِمْ عُمَرُ، ثُمَّ بِمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، حَتَّى اسْتَوْفَى جَمِيعَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ انْتَهَى إلَى الْأَنْصَارِ، فَقَالَ عُمَرُ: ابْدَءُوا بِرَهْطِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ من الأوس، ثم الأقرب فالأقرب لسعد". فلما استقر ترتيب الناس في الديوان على تعدد النَّسَبِ الْمُتَّصِلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ عَلَى قَدْرِ السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقُرْبَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَلَا يَرَى التفضيل بالسابقة، وكذلك كان رأي على ابن أبي طالب فِي خِلَافَتِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ، وَكَانَ رأي عمر التفضيل بالسابقة في الدين، وكذلك كان رأي عثمان بعده، وبه أخذ أحمد وأبو حنيفة وفقهاء العراق.
وقد ناظر عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ حِينَ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ " أَتُسَوِّي بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَصَلَّى القبلتين، ومن أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ خَوْفَ السَّيْفِ؟ " فَقَالَ لَهُ أبو بكر " إنما عملوا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ " فقال عُمَرُ: " لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ " فلما وضع الديوان فضل بالسابقة. ففرض لكل واحد شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عوف، وَفَرَضَ لِنَفْسِهِ مَعَهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، لِمَكَانِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقِيلَ: بَلْ فَضَّلَ الْعَبَّاسَ وَفَرَضَ لَهُ سبعة آلَافِ دِرْهَمٍ، إلَّا عَائِشَةَ فَإِنَّهُ فَرَضَ لَهَا اثني عشر ألف درهم، وألحق بهم جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَصَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، وَقِيلَ بل فرض لكل واحدة منهما ستة آلاف درهم، وفرض لمن هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم لكل رجل، ولمن أسلم بعد الفتح ألفي دِرْهَمٍ لِكُلِّ رَجُلٍ، وَفَرَضَ لِغِلْمَانٍ أَحْدَاثٍ مِنْ أولاد المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الْفَتْحِ. وَفَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، لِأَنَّ أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ " لِمَ تُفَضِّلُ عُمَرَ عَلَيْنَا وَقَدْ هَاجَرَ آبَاؤُنَا، وَشَهِدُوا بَدْرًا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أُفَضِّلُهُ لِمَكَانِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلِيَأْتِ الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة". وَفَرَضَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وفرض لعبد الله بن عمر ثلاثة آلاف درهم، فقال عبد الله بن عمر " فرضت لأسامة في أربعة آلاف درهم، وفرضت لي في ثلاثة آلاف، وَقَدْ شَهِدْت مَا لَمْ يَشْهَدْ أُسَامَةُ. فَقَالَ عُمَرُ: زِدْته لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ، وَكَانَ أبوه أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من أبيك".
стр. 220
ثُمَّ فَرَضَ لِلنَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ الْقُرْآنَ وجهادهم في سبيل الله.
وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَقَيْسٍ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، لِكُلِّ رجل من ألفين إلى ألف وخمسمائة إلى ثلثمائة، وَلَمْ يُنْقِصْ أَحَدًا مِنْهَا وَقَالَ " لَئِنْ كَثُرَ الناس المال لأفرضين لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ: أَلْفًا لِفَرَسِهِ، وَأَلْفًا لِسِلَاحِهِ، وَأَلْفًا لِسَفَرِهِ، وَأَلْفًا يُخْلِفُهَا فِي أَهْلِهِ". وَفَرَضَ لِلْمَنْفُوسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِذَا تَرَعْرَعَ بَلَغَ بِهِ مِائَتِي دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَ زَادَهُ. وَكَانَ لَا يَفْرِضُ لِمَوْلُودٍ شَيْئًا حَتَّى يُفْطَمَ، إلى أن سمع ذات ليلة امرأة تُكْرِهُ وَلَدَهَا عَلَى الْفِطَامِ وَهُوَ يَبْكِي، فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: إنَّ عُمَرَ لَا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حتى يفطم وأنا أُكْرِهُهُ عَلَى الْفِطَامِ حَتَّى يَفْرِضَ لَهُ، فَقَالَ " يا ويل عمر، كم احتمل مِنْ وِزْرٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ "، ثُمَّ أَمَرَ فنادى " لا تعجلوا أولادكم بالفطام، فإنه يفرض لِكُلِّ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَام". ثُمَّ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْعَوَالِي - وَكَانَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ الْقُوتَ - فَأَمَرَ بِجَرِيبٍ مِنْ الطَّعَامِ فَطُحِنَ، ثُمَّ خُبِزَ، ثُمَّ ثرد بزيت، ثم دعا بثلاثين رجلا فأكلوا منه غداءهم حَتَّى أَصَدَرَهُمْ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الْعَشَاءِ مِثْلَ ذلك، فقال " يكفي الرجل جريبان كل شهر". وكان يرزق الرجل والمرأة والمملوك جريبين جَرِيبَيْنِ فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَكَانَ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ لَهُ: رفع الله عنك جريبك. فكان الديوان موضوعا على دعوة العرب. وترتيب الناس فيه معتبرا بالنسب، وتفضيل العطاء معتبر بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَحُسْنِ الْأَثَرِ فِي الدِّينِ، ثُمَّ رُوعِيَ فِي التَّفْضِيلِ عِنْدَ انْقِرَاض أَهْلِ السوابق: التقدم في الشجاعة، والبلاء في الجهاد. فَهَذَا حُكْمُ دِيوَانِ الْجَيْشِ فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِهِ على الدعوة العربية والترتيب الشرعي.
стр. 221
وقد حكى أحمد اختلاف الصحابة، وأخذ بقول من فضل. فقال في رواية المروزي " أما أبو بكر فلم يفضل أحدا على أحد، وعمر قد أعطى أزواج النبي ﷺ وفضلهن، وأعطى عبد الرحمن بن عوف وفضله، وأعطي المهاجرين الأولين وفضلهم على من سواهم، وأنا عثمان فأعطى وفضل، وأما علي فلم يفضل. وكذلك عمر فضل، فلما كان عثمان مضى ست سنين على الأمر، ثم فضل قوما " فهذا حكايته عنهم الاختلاف.
وأما اختياره التفضيل فقال في رواية الحسن بن علي بن الحسن الاسكافي " الفيء للمسلمين عامة، إلا أن الإمام يفضل قوما على قوم". وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه: " لكل المسلمين فيه حق وهو على ما يرى الإمام، أليس عمر قد فرض لأمهات المؤمنين في ألفين ولأبناء المهاجرين سوى العطاء؟ فإذا كان الإمام عادلا أعطى منه على ما يرى فيه، يجتهد". فأما الذي يشتمل عليه ديوان السلطنة فينقسم أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ بِالْجَيْشِ مِنْ إثْبَاتٍ وَعَطَاءٍ. وَالثَّانِي: مَا يَخْتَصُّ بِالْأَعْمَالِ مِنْ رُسُومٍ وَحُقُوقٍ. وَالثَّالِثُ: مَا يَخْتَصُّ بِالْعُمَّالِ مِنْ تَقْلِيدٍ وَعَزْلٍ. وَالرَّابِعُ: مَا يَخْتَصُّ بِبَيْتِ الْمَالِ من دخل وخرج. أما القسم الأول فيما يختص بالجيش مِنْ إثْبَاتٍ وَعَطَاءٍ: فَإِثْبَاتُهُمْ فِي الدِّيوَانِ مُعْتَبَرٌ بثلاثة شروط: أحدها: الوصف الذي يجوز به إثباتهم. والثاني: النسب الذي يستحقون به ترتيبهم. والثالث: الحال الذي يتقدم به عطاؤهم.
стр. 222
فَأَمَّا شَرْطُ جَوَازِ إثْبَاتِهِمْ فِي الدِّيوَانِ فَيُرَاعَى فيه خمسة أوصاف: أحدها: البلوغ، فإن الصبب من جملة الذراري. والثاني: الحرية، وأصله: أنه لا يجوز إفراد العبيد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو قول عمر، وهو طاهر كلام أحمد في رواية المروزي، وذكر حديث عمر قال " ما أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيب، إلا العبيد، فليس لهم فيه شيء". وبه قال الشافعي. وحكى عن بعض العراقيين إفراد العبيد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو قول أبي بكر. وَالثَّالِثُ: الْإِسْلَامُ، لِيَدْفَعَ عَنْ الْمِلَّةِ بِاعْتِقَادِهِ، وَيُوَثِّقَ بنصحه واجتهاده، فإن أثبت فيهم ذمي لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ ارْتَدَّ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ سَقَطَ. وهذا قياس قول أحمد، لأنه منع أن يستعان بالكفار في الجهاد. الرابع: السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْقِتَالِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَمِنًا، وَلَا أَعْمَى، وَلَا أقطع، ويجوز أن يكون أخرس وأصم، فَأَمَّا الْأَعْرَجُ، فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أُثْبِتَ، وَإِنْ كان راجلا أسقط.
الخامس: أن يكون منه إقْدَامٌ عَلَى الْحُرُوبِ، وَمَعْرِفَةٌ بِالْقِتَالِ، فَإِنْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ عَنْ الْإِقْدَامِ، أَوْ قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ، لِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ. فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ كَانَ إثْبَاتُهُ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ مَوْقُوفًا عَلَى الطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ، فَيَكُونُ مِنْهُ الطَّلَبُ إذَا تَجَرَّدَ عن كل عمل، ويكون من ولي الأمر الإجابة، إذا دعت إليه الحاجة، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ الِاسْمِ نَبِيهَ الْقَدْرِ لَمْ يَحْسُنْ إذَا أُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ أَنْ يُحَلَّى فيه أو ينعتـ وإن كَانَ مِنْ الْمَغْمُورِينَ فِي النَّاسِ حُلِّيَ وَنُعِتَ، فذكر سنه، وقدره، ولونه، وحلي وجهه، ووصف بما يتميز عن غيره، لئلا تتفق الأسماء أة يدعي وَقْتَ الْعَطَاءِ، وَضُمَّ إلَى نَقِيبٍ عَلَيْهِ أَوْ عريف له يكون مأخوذا بدركه. وَأَمَّا تَرْتِيبُهُمْ فِي الدِّيوَانِ إذَا أُثْبِتُوا فِيهِ فَمُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَامٌّ، وَالْأُخَرُ خَاصٌّ. فَأَمَّا الْعَامُّ: فَهُوَ تَرْتِيبُ الْقَبَائِلِ وَالْأَجْنَاسِ، حَتَّى يتميز كُلُّ قَبِيلَةٍ عَنْ غَيْرِهَا، وَكُلُّ جِنْسٍ عَمَّنْ يخالفه، فلا يجمع فيه بين المختلفين، لا يفرق بين المؤتلفين، لتكون دعوة الديوان على نسق معروف السبب يزول معه التَّنَازُعُ وَالتَّجَاذُبُ. وَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا. فَإِنْ كَانُوا عَرَبًا تَجْمَعُهُمْ أَنْسَابٌ وَتُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ أنساب، ترتبت قبائلها بِالْقُرْبَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كما فعل عمر حِينَ دَوَّنَهُمْ فَيُبْدَأُ بِالتَّرْتِيبِ فِي أَصْلِ النَّسَبِ، ثم مما تفرع عنه.
стр. 223
والعرب: عدنان وقحطان، فيقدم عَدْنَانُ عَلَى قَحْطَانَ، لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَعَدْنَانُ يجمع ربيعة ومضر، فيقدم مُضَرُ عَلَى رَبِيعَةَ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَمُضَرُ يجمع قريشا وغير قريش، فيقدم قريشا لأن النبوة فيهم، وقريش تجمع بني هاشم وغيرهم، فيقدم بني هَاشِمٍ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ. فَيَكُونُ بَنُو هَاشِمٍ قطب الترتيب، ثم من يليهم من أقرب الأنساب إليهم، حتى يستوعب قريشا، ثم من يَلِيهِمْ فِي النَّسَبِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ مُضَرَ، ثم من يليهم حتى يستوعب جميع عدنان. وَإِنْ كَانُوا عَجَمًا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى نَسَبٍ، فالذي يجمعهم عند فقد النسب أحد أمرين: إمَّا أَجْنَاسٌ، وَإِمَّا بِلَادٌ.
فَالْمُتَمَيِّزُونَ بِالْأَجْنَاسِ، كَالتُّرْكِ، والهند، ثم يتميز التُّرْكُ أَجْنَاسًا، وَالْهِنْدُ أَجْنَاسًا، وَالْمُتَمَيِّزُونَ بِالْبِلَادِ، كَالدَّيْلَمِ، والجبل، ثم يتميز الديلم بلدانا، والجيل بلدانا. فإذا تَمَيَّزُوا بِالْأَجْنَاسِ أَوْ الْبُلْدَانِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ سابقة قدم فِي الْإِسْلَامِ تَرَتَّبُوا عَلَيْهَا فِي الدِّيوَانِ، وَإِنْ لم يكن لَهُمْ سَابِقَةٌ تَرَتَّبُوا بِالْقُرْبِ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وإن تساووا فالسبق إلَى طَاعَتِهِ. وَأَمَّا التَّرْتِيبُ الْخَاصُّ، فَهُوَ تَرْتِيبُ الواحد بعد الواحد، فيرتب بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنْ تَكَافَئُوا فِي السَّابِقَةِ تَرَتَّبُوا بِالدَّيْنِ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهِ تَرَتَّبُوا بِالسِّنِّ، فإن تقاربوا في السن تَرَتَّبُوا بِالشَّجَاعَةِ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهَا فَوَلِيُّ الْأَمْرِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ يُرَتِّبَهُمْ على رأيه واجتهاده. وأما تقدير العطاء فعتبر بِالْكِفَايَةِ حَتَّى يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الْتِمَاسِ مَادَّةٍ تَقْطَعُهُ عَنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ. وَالْكِفَايَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثلاثة أوجه: أحدها: عدة مَنْ يَعُولُهُ مِنْ الذَّرَارِيِّ وَالْمَمَالِيكِ. وَالثَّانِي: عَدَدُ مَا يَرْتَبِطُهُ مِنْ الْخَيْلِ وَالظَّهْرِ. وَالثَّالِثُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّهُ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، فَيُقَدِّرُ كِفَايَتَهُ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ لِعَامِهِ كُلِّهِ، فَيَكُونُ هَذَا المقدر في عطائه، ثم يعرض حَالُهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَإِنْ زَادَتْ رَوَاتِبُهُ الماسة زيد وإن نقصت نقص.
стр. 224
وإذا تَقَدَّرَ رِزْقُهُ بِالْكِفَايَةِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عليها إذا اتسع المال؟ ظاهر كلام أحمد: أنه يجوز زِيَادَتَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا اتَّسَعَ الْمَالُ لَهَا، لأنه قال في رواية أبي النضر العجلي: " والفيء بين الغني والفقير". فقد جعل للغني فيها حقا، والغني إنما يكون فيما فضل عن حاجته، وهو قول أبي حنيفة، خلافا للشافعي في قوله: لا يجوز ذلك. وَيَكُونُ وَقْتُ الْعَطَاءِ مَعْلُومًا يَتَوَقَّعُهُ الْجَيْشُ عِنْدَ الاستحقاق. وهو معتبر بالوقت الذي يستوفي فِيهِ حُقُوقُ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّنَةِ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتَيْنِ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مرتين.
وإن كانت تستوفي كُلِّ شَهْرٍ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ، لِيَكُونَ الْمَالُ مَصْرُوفًا إلَيْهِمْ عِنْدَ حُصُولِهِ فَلَا يُحْبَسُ عَنْهُمْ إذَا اجْتَمَعَ، وَلَا يُطَالِبُونَ به إذا تأخر. وإذا تأخر العطاء عنهم عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ، وَكَانَ حَاصِلًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، كَانَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ كَالدُّيُونِ الْمُسْتَحَقَّةِ. وَإِنْ أَعْوَزَ بَيْتُ الْمَالِ - لِعَوَارِضَ - أَبْطَلَتْ حُقُوقَهُ، أَوْ أَخَّرَتْهَا كَانَتْ أَرْزَاقُهُمْ دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ: وَلَيْسَ لَهُمْ مُطَالَبَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِهِ، كَمَا لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مُطَالَبَةُ مَنْ أَعْسَرَ بِدَيْنِهِ. وَإِذَا أَرَادَ وَلِيُّ الْأَمْرِ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجَيْشِ بسبب أَوْجَبَهُ أَوْ لِعُذْرٍ اقْتَضَاهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ سَبَبٍ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُمْ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ فِي الذَّبِّ عَنْهُمْ. وَإِذَا أَرَادَ بَعْضُ الْجَيْشِ إخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْ الدِّيوَانِ جَازَ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إلَّا أن يكون معذورا. وإذا جرد الجيش للقتال، فامتنعوا - وهم أكفاء من جاربهم - سقطت أرزاقهم. وإن ضعفوا عنه لَمْ تَسْقُطْ. وَإِذَا نَفَقَتْ دَابَّةُ أَحَدِهِمْ فِي حَرْبٍ عُوِّضَ عَنْهَا، وَإِنْ نَفَقَتْ فِي غَيْرِ حَرْبٍ لَمْ يُعَوَّضْ. وَإِذَا اُسْتُهْلِكَ سِلَاحُهُ فِيهَا عوض عنه إن لم يَدْخُلُ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَلَمْ يُعَوَّضْ إنْ دَخَلَ فِيهِ. وَإِذَا جُرِّدَ لِسَفَرٍ أُعْطِيَ نَفَقَةَ سفره، وإن لم يدخل في تقدير عطائه، ولم يعط إن دخل فيه. وإذا مات أحدهم أو قتل وكان ما استحقه مِنْ عَطَائِهِ مَوْرُوثًا عَنْهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ دَيْنٌ لِوَرَثَتِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فأما استيفاء نَفَقَاتِ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ عَطَائِهِ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ فيحتمل أن تسقط نَفَقَتُهُمْ مِنْ دِيوَانِ الْجَيْشِ لِذَهَابِ مُسْتَحَقِّهِ. وَيُحَالُونَ على مال الغنيمة والصدقة من سهم الفقراء والمساكين. ويحتمل أن يَسْتَبْقِي مِنْ عَطَائِهِ نَفَقَاتِ ذُرِّيَّتِهِ، تَرْغِيبًا لَهُ في المقام، وبعثا له على الإقدام. فإن حدث به زمانة، فهل يسقط عطاؤه؟ يحتمل أن يَسْقُطُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ قَدْ عُدِمَ، ويحتمل أنه باق في العطاء ترغيبا في التجنيد والارتزاق.
стр. 225
وأما القسم الثاني فيما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق فتشتمل عَلَى سِتَّةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا تَحْدِيدُ الْعَمَلِ بِمَا يتميز به عن غَيْرِهِ، وَتَفْصِيلُ نَوَاحِيهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا، فَيَجْعَلُ لكل بلد حدا لا يشارك غيره فيه.
وتفصيل نَوَاحِيَ كُلِّ بَلَدٍ إذَا اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ نَوَاحِيهِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الضِّيَاعِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ فُصِلَتْ ضِيَاعُهُ. كَتَفْصِيلِ نَوَاحِيهِ. وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ اقتصر على تفصيل النواحي دون الضياع.
الفصل الثاني أن يذكر حال البلد، هل فتحت عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا؟ وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ أَرْضِهِ: مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ، وَهَلْ اخْتَلَفَتْ أحكام نواحيه أَوْ تَسَاوَتْ؟ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ أَرْضَ عُشْرٍ، أو يكون جَمِيعُهُ أَرْضَ خَرَاجٍ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُهُ عُشْرًا وَبَعْضُهُ خَرَاجًا. فَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ أَرْضَ عُشْرٍ لَمْ يَلْزَمْ إثْبَاتُ مَسَائِحِهِ، لِأَنَّ الْعُشْرَ عَلَى الزَّرْعِ دُونَ الْمِسَاحَةِ. وَيَكُونَ مَا اُسْتُؤْنِفَ زَرْعُهُ مَرْفُوعًا إلَى دِيوَانِ الْعُشْرِ، لَا مُسْتَخْرَجًا مِنْهُ. وَيَلْزَمُ تَسْمِيَةُ أَرْبَابِهِ عِنْدَ رَفْعِهِ إلَى الدِّيوَانِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْعُشْرِ فِيهِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَابِهِ دُونَ رِقَابِ الْأَرْضِينَ. وَإِذَا رُفِعَ الزَّرْعُ بِأَسْمَاءِ أَرْبَابِهِ ذُكِرَ مَبْلَغُ كَيْلِهِ وَحَالُ سَقْيِهِ بِسَيْحٍ أَوْ عمل، لاختلاف حكمه، ويستوفي عَلَى مُوجِبهِ. وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ أَرْضَ خَرَاجٍ لَزِمَ إثْبَاتُ مَسَائِحِهِ، لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمِسَاحَةِ وإن كان الخراج في حكم الأجرة لم يلزم أرباب تَسْمِيَةُ أَرْبَابِ الْأَرْضِينَ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِإِسْلَامٍ وَلَا كُفْرٍ. وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الجزية لزم تسمية أربابه ووصفهم بإسلام أو كفر لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِ بِاخْتِلَافِ أَهْلِهِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ عُشْرًا وَبَعْضُهُ خَرَاجًا فُصِلَ فِي دِيوَانِ الْعُشْرِ مَا كَانَ مِنْهُ عُشْرًا. وَفِي دِيوَانِ الْخَرَاجِ ما كان خراجا، لاختلاف الحكم فيهما، وَأُجْرِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَخْتَصُّ بحكمه.
الفصل الثَّالِثُ أَحْكَامُ خَرَاجِهِ وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَى مَسَائِحِهِ. هَلْ هُوَ مُقَاسَمَةٌ عَلَى زَرْعِهِ، أَوْ هُوَ ورق مقدر على جريانه؟ فإن كان مقاسمة لزم إذا خرجت مسائح أرضين مِنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهَا مَبْلَغُ الْمُقَاسَمَةِ: مِنْ رُبْعٍ أَوْ ثُلُثٍ، أَوْ نِصْفٍ، وَيُرْفَعُ إلَى الدِّيوَانِ مَقَادِيرُ الْكُيُولِ، لِتُسْتَوْفَى الْمُقَاسَمَةُ على موجبها.
стр. 226
وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ وَرِقًا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَسَاوِيًا مَعَ اخْتِلَافِ الزُّرُوعِ، أَوْ مختلفا فإن تساوى مَعَ اخْتِلَافِ الزُّرُوعِ أُخْرِجَتْ الْمَسَائِحُ مِنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ لِيَسْتَوْفِيَ خَرَاجَهَا. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ إلَّا مَا قُبِضَ مِنْهَا.
وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ لَزِمَ إخْرَاجُ الْمَسَائِحِ من ديوان الخراج. وإن لم يرفع إليه أجناس الزروع استوفى خَرَاجَ الْمِسَاحَةِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الزَّرْعِ.
الفصل الرابع ذكر من في كل ناحية من أخل الذِّمَّةِ، وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ، فإن كانت مختلفة باليسار والإعسار سموا الدِّيوَانِ مَعَ ذِكْرِ عَدَدِهِمْ، لِيُخْتَبَرَ حَالُ يَسَارِهِمْ وَإِعْسَارِهِمْ. وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ جاز الاقتصاد عَلَى ذِكْرِ عَدَدِهِمْ، وَوَجَبَ مُرَاعَاتُهُمْ فِي كُلِّ عام، ليثبت من بلغ، ويسقط مات أو أسلم، ليحصر بذلك ما يستحق من جزيتهم.
الفصل الْخَامِسُ إنْ كَانَ مِنْ بُلْدَانِ الْمَعَادِنِ: أَنْ يذكر أجناس معادنه، وعدد كل جنس، لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّ الْمَعْدِنِ مِنْهَا. وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِمِسَاحَةٍ، وَلَا يَنْحَصِرُ بِتَقْدِيرٍ لِاخْتِلَافِهِ، وَإِنَّمَا ينضبط الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إذَا أَعْطَى وَأَنَالَ. وَلَا يَلْزَمُ فِي أَحْكَامِ الْمَعَادِنِ أَنْ يُوصَفَ فِي الدِّيوَانِ أحكام فتوحها، وهل هي أرض عشر أو أرض خَرَاجٍ؟ لِأَنَّ الدِّيوَانَ فِيهَا مَوْضُوعٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقَّ مِنْ نِيلِهَا، وَحَقُّهَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ فُتُوحِهَا وأحكام أرضها. وإنما يختلف ذلك باختلاف العاملين فيها والآخذين لها، فلزم تسميتهم ووصفهم. وقد تقدم القول في أجناس ما يؤخذ حق المعدن منها وفي قدر المأخوذ منها. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَقَ لِلْأَئِمَّةِ فِيهَا حكم اجتهد والي الوقت رأيه فِي الْجِنْسِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ، وَفِي الْقَدْرِ المأخوذ منه، وعمل عليه في الأمرين جميعا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ قَدْ اجْتَهَدَ رأيه في الجنس الذي يجب فيه، وقي القدر المأخوذ منه وحكم به فيهما حكما أيده وأمضاه استقر حُكْمُهُ فِي الْأَجْنَاسِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا حَقُّ الْمَعْدِنِ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَعْدِنِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْجِنْسِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَعْدِنِ الْمَوْجُودِ، وَحُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَعْدِنِ المفقود.
الفصل السَّادِسُ إنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا يُتَاخِمُ دَارَ الحرب، وكانت أموالهم إذا دَخَلَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ مَعْشُورَةً عَنْ صُلْحٍ اسْتَقَرَّ معهم، أثبت في الديوان عَقْدِ صُلْحِهِمْ، وَقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ: مِنْ عُشْرٍ، أو خمس، أو زيادة عليه، أو نقصان منه.
стр. 227
وإن كَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ فُصِلَتْ فِيهِ، وَكَانَ الدِّيوَانُ مَوْضُوعًا لِإِخْرَاجِ رُسُومِهِ وَلِاسْتِيفَاءِ مَا يُرْفَعُ إلَيْهِ مِنْ مَقَادِيرِ الْأَمْتِعَةِ الْمَحْمُولَةِ إلَيْهِ. فأما أَعْشَارُ الْأَمْوَالِ الْمُنْتَقِلَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَمُحَرَّمَةٌ لَا يُبِيحُهَا شَرْعٌ، وَلَا يُسَوِّغُهَا اجْتِهَادٌ وَلَا هِيَ مِنْ سِيَاسَاتِ العدل، وقلما تكون إلا في البلاد الجائرة، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لا يدخل الجنة صاحب مكس " وفي لفظ آخر " إن صاحب المكس في النار " يعني العاشر. وفي لفظ آخر" إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه". وروي أبو عبيدة هذه الأخبار في كتاب الأموال. فإذا غَيَّرَتْ الْوُلَاةُ أَحْكَامَ الْبِلَادِ وَمَقَادِيرَ الْحُقُوقِ فِيهَا، اُعْتُبِرَ مَا فَعَلُوهُ. فَإِنْ كَانَ مُسَوِّغًا فِي الِاجْتِهَادِ لِأَمْرٍ اقْتَضَاهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرْعُ مِنْهُ، لحدوث سبب سوغ الشرع لأجله الزيادة أو النقصان. جَازَ، وَصَارَ الثَّانِي هُوَ الْحَقَّ الْمُسْتَوْفَى دُونَ الأول. فإذا استخرجت حَالُ الْعَمَلِ مِنْ الدِّيوَانِ، جَازَ أَنْ يُقْتَصَرَ على إخراج الحالة الثانية دون الأولة، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُخْرِجَ الْحَالَيْنِ، لِجَوَازِ أَنْ يَزُولَ السَّبَبُ الْحَادِثُ، فَيَعُودَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ كَانَ ما أحدثه الْوُلَاةُ مِنْ تَغْيِيرِ الْحُقُوقِ غَيْرَ مُسَوَّغٍ فِي الشَّرْعِ، وَلَا لَهُ وَجْهٌ فِي الِاجْتِهَادِ كَانَتْ الحقوق على الحكم الأول، وكان الثاني حيفا مردودا، سواء غيروه إلى الزيادة أَوْ نُقْصَانٍ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ظُلْمٌ فِي حُقُوقِ الرَّعِيَّةِ، وَالنُّقْصَانَ ظُلْمٌ فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ. فإذا استخرجت حال العمل من الديوان وجب على رافعها مِنْ كُتَّابِ الدَّوَاوِينِ إخْرَاجُ الْحَالَيْنِ، إنْ كَانَ الْمُسْتَدْعِي لِإِخْرَاجِهَا مِنْ الْوُلَاةِ لَا يَعْلَمُ حَالَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا لَمْ يلزم إخراج الحالة الأولة إلَيْهِ، لِأَنَّ عِلْمَهُ بِهَا قَدْ سَبَقَ وَجَازَ الاقتصار على إخراج الحالة الثانية مع وصفها بأنها مستحدثة.
стр. 228
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِيمَا اخْتَصَّ بِالْعُمَّالِ مِنْ تَقْلِيدٍ وَعَزْلٍ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا ذكر من يصح منه تقليد العمالة، وهو معتبر بنفوذ الأمر، وجواز النظر، وكل مَنْ جَازَ نَظَرُهُ فِي عَمَلٍ نَفَذَتْ فِيهِ أَوَامِرُهُ، وَصَحَّ مِنْهُ تَقْلِيدُ الْعُمَّالِ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةٍ: إمَّا مِنْ السُّلْطَانِ المستولي على كل الأمور ن وَإِمَّا مِنْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ، وَإِمَّا مِنْ عَامِلِ عام العمالة، كعامل إقليم، أو مصر عظيم، يقلد في خصوص الأعمال عملا. فَأَمَّا وَزِيرُ التَّنْفِيذِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ تَقْلِيدُ عامل إلا بعد المطالعة والاستثمار.
الفصل الثَّانِي مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْعِمَالَةَ، وَهُوَ مَنْ اسْتَقَلَّ بِكِفَايَتِهِ، وَوُثِقَ بِأَمَانَتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عمالة تفويض تفتقر إلَى اجْتِهَادٍ، رُوعِيَ فِيهَا الْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ. وَإِنْ كَانَتْ عِمَالَةَ تَنْفِيذٍ لَا اجْتِهَادَ لِلْعَامِلِ فِيهَا، لم تفتقر إلى الحرية ولا الإسلام.
الفصل الثالث ذكر العمل الذي يتقلده، وَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: تَحْدِيدُ النَّاحِيَةِ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا. وَالثَّانِي: تَعْيِينُ الْعَمَلِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِهِ فِيهَا: مِنْ جباية، أو خراج، أو عشر. الثالث: الْعِلْمُ بِرُسُومِ الْعَمَلِ وَحُقُوقِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَنْتَفِي عَنْهُ الْجَهَالَةُ. فَإِذَا اُسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ في عمل علم بها المولي والمولى صح التقليد ونفذ.
الفصل الرابع في النظر، ولا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقدر بِمُدَّةٍ مَحْصُورَةِ الشُّهُورِ أَوْ السِّنِينَ. فَيَكُونُ تَقْدِيرُهَا بهذه المدة مجوزا النظر فيها، ومانعا من النظر بعد تقضيها. فلا يكون النظر في المدة المقدرة لازما من جهة المولي، وله صرفه والاستبدال بِهِ إذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا. فَأَمَّا لُزُومُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ الْمُوَلَّى فَمُعْتَبَرٌ بِحَالٍ جَارِيَةٍ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ الْجَارِي مَعْلُومًا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْأُجُورُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي الْمُدَّةِ إلَى انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْعِمَالَةَ فِيهَا تَصِيرُ مِنْ الْإِجَارَاتِ الْمَحْضَةِ، وَيُؤْخَذُ الْعَامِلُ فِيهَا بِالْعَمَلِ إلَى انْقِضَائِهَا إجبارا.
стр. 229
والفرق بينهما في تخيير المولي والإجبار المولى أَنَّهَا فِي جَنْبَةِ الْمُوَلِّي مِنْ الْعُقُودِ الْعَامَّةِ لنيابته فيها عن الكافة فروعي فيها حكم الْأَصْلَحُ فِي التَّخْيِيرِ، وَهِيَ فِي جَنْبَةِ الْمُوَلَّى مِنْ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ لِعِقْدِهِ لَهَا فِي حَقِّ نفسه، فيجرى عليها حكم اللزوم في الإجبار. وإن لم تقدر جَارِيهِ بِمَا يَصِحُّ فِي الْأُجُورِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْمُدَّةُ، وَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْعَمَلِ إذَا شاء بد أن ينتهي إلَى مُولِيهِ حَالَ تَرْكِهِ، حَتَّى لَا يَخْلُوَ عمله من ناظر فيه. الحالة الثانية: أن يقدر بالعمل. فيقول المولي: قلدتك خراج ناحية كذا في هذا السَّنَةِ، أَوْ قَلَّدْتُكَ صَدَقَاتِ بَلَدِ كَذَا فِي هذا العام، فتكون مدة نظه مقدرة بفراغه من عمله، فإذا فرغ منه انعزل، وه٨وقبل فراغه منه عَلَى مَا ذَكَرْنَا، يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَلِّي، وعزله لنفسه معتبر بصحة جارية وفساده. الحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا، فَلَا يُقَدَّرُ بمدة ولا عمل، فيقول: قَدْ قَلَّدَتْكَ خَرَاجَ الْكُوفَةِ، أَوْ أَعْشَارَ الْبَصْرَةِ، أَوْ حِمَايَةَ بَغْدَادَ، فَهَذَا تَقْلِيدٌ صَحِيحٌ وَإِنْ جهلت مدته لأن المقصود منه الإذن بجواز النَّظَرِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ اللُّزُومَ الْمُعْتَبَرَ فِي عقود الإجارات. وَإِذَا صَحَّ التَّقْلِيدُ وَجَازَ النَّظَرُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَدِيمًا أَوْ مُنْقَطِعًا، فَإِنْ كَانَ مُسْتَدِيمًا، كَالنَّظَرِ في الجباية والقضاء، وحقوق المعادن، صح نَظَرُهُ فِيهَا عَامًا بَعْدَ عَامٍ، مَا لَمْ يُعْزَلْ. وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْهُودَ الْعَوْدِ فِي كل عام كالمولي على قسمة غنيمة فيعزل بعد فراعه مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِي قِسْمَةِ غَيْرِهَا من الغنائم. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَائِدًا فِي كُلِّ عَامٍ، كالخراج الذي إذا استخراج في عام عاد فيما يليه، فهل يكون تَقْلِيدِهِ مَقْصُورًا عَلَى نَظَرِ عَامِهِ، أَوْ مَحْمُولًا على كل عام ما لم يعزل؟. يحتمل أن يكون مقصور النظر عَلَى الْعَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. فَإِذَا اسْتَوْفَى خَرَاجَهُ، أَوْ أَخَذَ أَعْشَارَهُ انْعَزَلَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعَامِ الثَّانِي إلَّا بتقليد مستجد اقتصارا على التعيين.
ويحتمل أن يحمل على حوالة النظر في كل عام ما لم ينعزل، اعتبارا بالعرف.
الفصل الْخَامِسُ فِي جَارِي الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ، وَلَا يخلو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسَمِّيَ مَعْلُومًا. وَالثَّانِي: أَنْ يُسَمِّيَ مَجْهُولًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يسمي بمعلوم ولا مجهول. فَإِنْ سَمَّى مَعْلُومًا اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى إذَا وَفَّى الْعِمَالَةَ حَقَّهَا، فَإِنْ قَصَّرَ فِيهَا رُوعِيَ تَقْصِيرُهُ. فَإِنْ كَانَ لِتَرْكِ بَعْضِ الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ جَارِيَ مَا قَابَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لِخِيَانَةٍ مِنْهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ، اسْتَكْمَلَ جَارِيَهُ وَارْتَجَعَ مَا خان فيه.
стр. 230
وَإِنْ زَادَ فِي الْعَمَلِ رُوعِيَتْ الزِّيَادَةُ، فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي حُكْمِ عَمَلِهِ كَانَ نَظَرُهُ فِيهَا مَرْدُودًا لَا يَنْفُذُ. وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَهُ فِي حُكْمِ نَظَرِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَهَا بِحَقٍّ أو ظلم. فإن أَخَذَهَا بِحَقٍّ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِهَا لَا يَسْتَحِقُّ لَهَا زِيَادَةً عَلَى الْمُسَمَّى فِي جَارِيهِ. وَإِنْ كانت ظُلْمًا وَجَبَ رَدُّهَا عَلَى مَنْ ظَلَمَ بِهَا، وكان عدوانا من العامل يؤخذ بجريرته. وإن سمى جارية مجهولا استحق جاري مثله في مثل عمله فإن كان جاري العمل مقررا فِي الدِّيوَانِ وَعَمِلَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُمَّالِ صَارَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ جَارِيَ الْمِثْلِ، وَإِنْ لم يعمل إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مَأْلُوفًا فِي جاري المثل. وإن لم يسم جاريه بمعلوم ولا مجهول، فهل يستحق الأجرة على عمله قياس المذهب أنه إنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ فله جاري مثله، وإن لم يشتهر بأخذ الجاري عليه فَلَا جَارِيَ لَهُ. وَإِذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ مال يجتبي فجاريه يستحق فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ فَجَارِيهِ في بيت المال يستحق في أسهم المصالح. الفصل السادس فيما يصح به التقليد نظرت فإن كان نطقا تلفظ به المولي صح التقليد، كما يصح في سَائِرُ الْعُقُودِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَوْقِيعِ الْمُوَلِّي بِتَقْلِيدِهِ خَطًّا لَا لَفْظًا صَحَّ التَّقْلِيدُ وَانْعَقَدَتْ بِهِ الْوِلَايَاتُ السُّلْطَانِيَّةُ إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ شَوَاهِدُ الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ بِهِ الْعُقُودُ الْخَاصَّةُ اعتبارا بالعرف الجاري فيه مع أن في العقود نظرا. هذا إذا كان التقليد مقصورا عليه ما يتعداه إلى استنابة غيره فيه ولا يصح إن كان عَامًّا مُتَعَدِّيًا.
فَإِذَا صَحَّ التَّقْلِيدُ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ، وَكَانَ الْعَمَلُ قَبْلَهُ خَالِيًا مِنْ نَاظِرٍ تَفَرَّدَ هَذَا الْمُوَلِّي بِالنَّظَرِ وَاسْتَحَقَّ جَارِيَهُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ نَظَرِهِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي العمل ناظر قبل تقليده للعمل
стр. 231
نَظَرَ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يصح فيه الاشتراك كَانَ تَقْلِيدُهُ الثَّانِيَ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ رُوعِيَ الْعُرْفُ الْجَارِي فيه، فإن لم يجز بالاشتراك فِيهِ كَانَ تَقْلِيدُهُ الثَّانِيَ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ. وَإِنْ جَرَى الْعُرْفُ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدُ الثَّانِي عَزْلًا لِلْأَوَّلِ وَكَانَا عَامِلَيْنِ عَلَيْهِ وَنَاظِرَيْنِ فِيهِ. فَإِنْ قُلِّدَ عَلَيْهِ مُشْرِفٌ كَانَ الْعَامِلُ مُبَاشِرًا لِلْعَمَلِ وَكَانَ الْمُشْرِفُ مُسْتَوْفِيًا لَهُ، يَمْنَعُ من زيادة عليه أو نقصان فيه، أو تفرد به. وحكم المشرف مخالف لحكم صَاحِبِ الْبَرِيدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ دُونَ الْمُشْرِفِ وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ دُونَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ. وَالثَّانِي: أَنَّ لِلْمُشْرِفِ مَنْعَ الْعَامِلِ مِمَّا أَفْسَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْبَرِيدِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ المشرف لا يلزمه الْإِخْبَارُ بِمَا فَعَلَهُ الْعَامِلُ مِنْ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ إذا انتهى عنه، ويلزم صاحب البريد أن يخبر بما فعله مِنْ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، لِأَنَّ خَبَرَ الْمُشْرِفِ اسْتِعْدَاءٌ وَخَبَرَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ إنْهَاءٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ خَبَرِ الْإِنْهَاءِ وَخَبَرِ الِاسْتِعْدَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ خَبَرَ الْإِنْهَاءِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ، وَخَبَرَ الاستعداء يختص بِالْفَاسِدِ دُونَ الصَّحِيحِ. وَالثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ الْإِنْهَاءِ فِيمَا رَجَعَ عَنْهُ الْعَامِلُ وَفِيمَا لَمْ يَرْجِعْ عنه، وخبر الاستعداء يختص بِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، دُونَ مَا رَجَعَ عَنْهُ. وَإِذَا أَنْكَرَ الْعَامِلُ اسْتِعْدَاءَ الْمُشْرِفِ أَوْ إنْهَاءَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ، لَمْ يَكُنْ قَوْلُ وَاحِدٍ منهما مقبولا عليه حتى يبرهن عليه. فإن اجتمعا على الاستعداء والإنهاء صارا شاهدين فيقبل قولهما عليه إذا كانا مأمونين لم يظهر بينهم عداوة أو خصام. وَإِذَا طُولِبَ الْعَامِلُ بِرَفْعِ الْحِسَابِ فِيمَا تَوَلَّاهُ، لَزِمَهُ رَفْعُهُ فِي عِمَالَةِ الْخَرَاجِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَفْعُهُ فِي عِمَالَةِ الْعُشْرِ، لِأَنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفَ الْعُشْرِ إلَى أَهْلِ الصدقات.
وعند أبي حنيفة: رفع الْحِسَابِ فِي الْمَالَيْنِ لِاشْتِرَاكِ مَصْرِفِهِمَا عِنْدَهُ. وَإِذَا ادَّعَى عَامِلُ الْعُشْرِ صَرْفَ الْعُشْرِ فِي مُسْتَحَقِّهِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ. وَلَوْ ادَّعَى عَامِلُ الْخَرَاجِ دَفْعَ الْخَرَاجِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِتَصْدِيقٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ الْعَامِلُ أن يستخلف على عمله فذلك على ضربين: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ مَنْ يَنْفَرِدُ بِالنَّظَرِ فيه دونه، فهذا غير جائز، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِبْدَالِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ غَيْرَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ جَازَ لَهُ عَزْلُ نفسه. والثاني: أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ مُعِينًا لَهُ فَيُرَاعَى مَخْرَجُ التقليد، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
стр. 232
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَضَمَّنَ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ، فَيَجُوزَ لَهُ أن يستخلفه، ويكون من استخلفه نائبا عنه ينعزل بعزله، وإن لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي الْإِذْنِ، فَإِنْ سَمَّى له من يستخلفه فهل ينعزل بعزله؟ قد قيل: ينعزل، وقيل: لَا يَنْعَزِلُ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَضَمَّنَ التَّقْلِيدُ نَهْيًا عَنْ الِاسْتِخْلَافِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ فِيهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَانَ التَّقْلِيدُ فَاسِدًا، فَإِنْ نَظَرَ مَعَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ صَحَّ نظره فيما اختص بالإذن من أمر أو نهي، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ مَا اخْتَصَّ بِالْوِلَايَةِ مِنْ عَقْدٍ وَحَلٍّ. وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا لَا يَتَضَمَّنُ إذْنًا وَلَا نَهْيًا، فَيُعْتَبَرُ حال العمل فإن قدر على النظر فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لم يقدر على التفرد بالنظر فيه كان لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يجز أن يستخلف فيما قدر عليه. وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِيمَا اخْتَصَّ بِبَيْتِ الْمَالُ مِنْ دَخْلٍ وَخَرْجٍ. فَهُوَ: أَنَّ كُلَّ مَالٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مِنْهُمْ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا قُبِضَ صَارَ بِالْقَبْضِ مُضَافًا إلَى حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال، سَوَاءٌ أُدْخِلَ إلَى حِرْزِهِ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ عِبَارَةٌ عَنْ الْجِهَةِ لَا عَنْ الْمَكَانِ.
وَكُلُّ حَقٍّ وَجَبَ صَرْفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ حَقٌّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا صرف في وجه صَارَ مُضَافًا إلَى الْخَرَاجِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، سواء أخرج مِنْ حِرْزِهِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ، لِأَنَّ مَا صَارَ إلَى عُمَّالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ خَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَحُكْمُ بَيْتِ الْمَالِ جَارٍ عَلَيْهِ فِي دخله إليه وخرجه عنه. وإذا كان كذلك في الأموال الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْلِمُونَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: فَيْءٌ، وغنيمة، وصدقة. فأما الفيء ففي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ مَصْرِفَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى رأي الإمام. وَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ لأنها مستحقة للغانمين الذين تعينوا بحضور الوقعة لا يختلف مصرفها برأي الإمام ولا اجتهاده في منعهم، فلم تصر من حقوق بيت المال إلا في الأرضين. فقد حكينا فيها روايتين: إحداهما: أنه لا رأي له فيها كغيرها من الأموال. والثانية: له فيها رأي في وقفها وفيء قسمتها. فأما خُمُسُ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ سهم الرسول المصروف في المصالح العامة، الموقوف مَصْرِفِهِ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ.
стр. 233
وقسم منه لا يكون لَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِجَمَاعَتِهِمْ فَتَعَيَّنَ مالكوه، وخرج عن حقوق بيت المال بخروجه عن اجتهاد الإمام. وقسم منه يكون بيت المال فيه حافظا له على أهله وَهُوَ سَهْمُ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إنْ وَجَدُوا دُفِعَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ فَقَدُوا أُحْرِزَ لَهُمْ. وأما الصدقة فضربان أحدهما: صَدَقَةُ مَالٍ بَاطِنٍ: فَلَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ لِجَوَازِ أَنْ يَنْفَرِدَ أَرْبَابُهُ بِإِخْرَاجِ زكاته في أهله. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: صَدَقَةُ مَالٍ ظَاهِرٍ، كَأَعْشَارِ الزُّرُوعِ والثمار، وصدقات المواشي. فذهب أحمد إلى أنه ليس من حقوق بيت المال أيضا، لأنه لجهات معينة لا يجوز مصرفه في غير جهاته، ولا هو محل لإحرازه عند تعذر جهاته، لأنه لا يجب دَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إليه. وقد نقل جعفر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله قيل له " يشتري الصدقات والعشر من السلطان؟ قال: لا بأس، إذا كان على وجهه".
وقال في موضع آخر " لا تعد في صدقتك. قيل له: فإن كانت صدقة غيرى؟ قال: لا بأس، إذا كان على وجهه". فظاهر هذا أنه [من حقوق بيت المال] . وَأَمَّا الْمُسْتَحَقُّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ فِيهِ حِرْزًا، فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَوْجُودًا فِيهِ كان مصرفه في جهاته مستحقا وعدمه مسقط لاستحقاقه. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْتُ الْمَالِ لَهُ مُسْتَحِقًّا، فهو عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحِقًّا عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، كَأَرْزَاقِ الْجُنْدِ، وَأَثْمَانِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، فَاسْتِحْقَاقُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْوُجُودِ، وَهُوَ مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ مَعَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ. فَإِنْ كَانَ موجودا عجل دفعه كالديوان مَعَ الْيَسَارِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا وَجَبَ فِيهِ الإنظار كالديوان مع الإعسار.
стр. 234
وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحِقًّا عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَالْأَرْفَاقِ دُونَ الْبَدَلِ، فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي بيت المال وجب فيه وسقط فرضه على المسلمين، وإن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال. وكان - وإن عَمَّ ضَرَرُهُ - مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَقُومَ بِهِ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ كَالْجِهَادِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعُمُّ ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس غيره طريقا بَعِيدًا، أَوْ انْقِطَاعِ شُرْبٍ يَجِدُ النَّاسُ غَيْرَهُ شُرْبًا فَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ بالعدم سقط وجوبه عن الكافة لِوُجُودِ الْبَدَلِ. فَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ حَقَّانِ، ضَاقَ عَنْهُمَا وَاتَّسَعَ لِأَحَدِهِمَا صُرِفَ فِيمَا يصير منهما دينا فيه. ولو ضاق عن كل واحد منهما كان لولي الأمر إذا خاف الضرر والفساد أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مَا يَصْرِفُهُ في الديون دون الأرفاق، وَكَانَ مَنْ حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ الْوُلَاةِ مَأْخُوذًا بِقَضَائِهِ إذَا اتَّسَعَ لَهُ بَيْتُ الْمَالِ. وَإِذَا فَضُلَتْ حُقُوقُ بَيْتِ الْمَالِ عَنْ مَصْرِفِهَا فَقَدْ قيل: إنها تدخر فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حادث، وقيل: إنها تفرق على من يعم به صلاح المسلمين ولا تدخر، لأن النوائب يتعين فَرْضُهَا عَلَيْهِمْ إذَا حَدَثَتْ. فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ التي وضعت عليها قواعد الديوان.
فأما كاتب الديوان وهو صاحب زمامه فَالْمُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ شَرْطَانِ: الْعَدَالَةُ، وَالْكِفَايَةُ. أما الْعَدَالَةُ، فَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ وَالرَّعِيَّةِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِي الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ على صفات المؤتمنين. وقد قال في كاتب القاضي " يكون عدلا". وَأَمَّا الْكِفَايَةُ فَلِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِعَمَلٍ يَقْتَضِي أَنْ يكون في القيام به، مستقلا بكفاية المباشرين. فإذا صح التقليد فَاَلَّذِي نُدِبَ لَهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: حِفْظُ الْقَوَانِينِ، واستيفاء الحقوق، وإثبات الرقوع، ومحاسبات العمال، وإخراج الأموال، وَتَصَفُّحُ الظَّلَّامَاتِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا وَهُوَ حِفْظُ الْقَوَانِينِ عَلَى الرُّسُومِ الْعَادِلَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تتحيف يها الرعية، أو نقصان يثلم به
стр. 235
حَقُّ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ قُرِّرَتْ فِي أَيَّامِهِ ببلاد استؤنف فتحها أو لموات ابتدئ بإحيائه أثبتها في ديوان الناحية وديوان الناحية وديوان بيت المال الجامع على الحكم المستقر فيهما. وَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ الْقَوَانِينُ الْمُقَرَّرَةُ فِيهَا رَجَعَ فِيهَا إلَى مَا أَثْبَتَهُ أُمَنَاءُ الْكُتَّابِ إذَا وَثِقَ بخطوطهم، وتسلمه من أمنائهم تحت ختومهم، وَكَانَتْ الْخُطُوطُ الْخَارِجَةُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ مُقْنِعَةً فِي جَوَازِ الْأَخْذِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا فِي الرسوم الديوانية، والحقوق السلطانية، وإن لم يقنع بها في أحكام القضاء والشهادات، عتبارا بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهَا، كَمَا يَجُوزُ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يروي ما وجده من سماعه بالخط الذي يثق به، ولأن القضاء والشهادة من الحقوق الخاصة التي يكثر المباشرة لها والقيام بها فلم يضق عليه الحفظ لها بالقلب، فلذلك لم يجز أن يعول فيها على مجر الْخَطِّ، وَأَنَّ الْقَوَانِينَ الدِّيوَانِيَّةَ مِنْ الْحُقُوق الْعَامَّةِ التي يقل المباشر لها مع كثرة انتشارها فَضَاقَ حِفْظُهَا بِالْقَلْبِ، فَلِذَلِكَ جَازَ التَّعْوِيلُ فِيهَا على مجرد الخط، وكذلك رواية الحديث، مع أن الرواية مختلفة عن أحمد في الشاهد إذا عرف خطه، والحاكم إذا وجد في ديوانه حكما جاز الحكم والشهادة. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ، فَهُوَ عَلَى ضربين: أحدهما: استيفاؤها ممن وجبت عَلَيْهِ مِنْ الْعَامِلِينَ.
وَالثَّانِي: اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْقَابِضِينَ لَهَا مِنْ الْعُمَّالِ. فَأَمَّا اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعَامِلِينَ فيعمل فيه على إقرار العمال بقبضها. فأما الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى خُطُوطِ الْعُمَّالِ بِقَبْضِهَا، فَاَلَّذِي عَلَيْهِ كُتَّابُ الدَّوَاوِينِ: أَنَّهُ إذَا عُرِفَ الْخَطُّ كان حجة بالقبض، سواء اعترف العامل أنه خَطُّهُ أَوْ أَنْكَرَهُ إذَا قِيسَ بِخَطِّهِ الْمَعْرُوفِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ العامل أنه خطه أو أنكره لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي الْقَبْضِ، ولا يجوز أَنْ يُقَاسَ بِخَطِّهِ فِي الْإِلْزَامِ إجْبَارًا، وَإِنَّمَا يُقَاسُ بِخَطِّهِ إرْهَابًا لِيَعْتَرِفَ بِهِ طَوْعًا، وَإِنْ اعترف بالخط وأنكر القبض فإنه يَكُونُ فِي الْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ خَاصَّةً حُجَّةً لِلْعَامِلَيْنِ بالدفع وحجة على العمال بالقبض، اعتبارا بالعرف.
стр. 236
وَأَمَّا اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعُمَّالِ، فَإِنْ كَانَتْ خَرَاجًا إلَى بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهَا إلَى تَوْقِيعِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَكَانَ اعْتِرَافُ صَاحِبِ بَيْتِ الْمَالِ بِقَبْضِهَا حُجَّةً فِي بَرَاءَةِ الْعُمَّالِ مِنْهَا. والكلام في خطه إذَا تَجَرَّدَ عَنْ إقْرَارِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ في خطوط العمال أنه يكون حجة. وَإِنْ كَانَتْ خَرَاجًا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ولم تكن خراجا إليه لم يمض للعمال إلَّا بِتَوْقِيعِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَكَانَ التَّوْقِيعُ إذَا عُرِفَتْ صِحَّتُهُ حُجَّةً مُقْنِعَةً فِي جَوَازِ الدَّفْعِ. فأما في الاحتساب به، فيحتمل أَنْ يَكُونَ الِاحْتِسَابُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى اعْتِرَافِ صاحب الحق الْمُوَقَّعِ لَهُ بِقَبْضِ مَا تَضَمَّنَهُ، لِأَنَّ التَّوْقِيعَ حُجَّةٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي الْقَبْضِ منه. ويحتمل: أن يحتسب به للعامل فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ أَنْكَرَ صَاحِبُ التَّوْقِيعِ الْقَبْضَ حَاكَمَ الْعَامِلَ فِيهِ، وَأَخَذَ الْعَامِلُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَدِمَهَا أُحْلِفَ صَاحِبُ التَّوْقِيعِ وَأَخَذَ الْعَامِلُ بِالْغُرْمِ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَخَصُّ بعرف الديوان، والأول أَشْبَهُ بِتَحْقِيقِ الْفِقْهِ. فَإِنْ اسْتَرَابَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ بالتوقيع لم يحتسب به للعامل على الاحتمالين مَعًا حَتَّى يُعْرِضَهُ عَلَى الْمُوَقِّعِ فَإِنْ اعْتَرَفَ به صح ن وكان في الاحتساب عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ لِلْعَامِلِ.
وَنُظِرَ فِي وَجْهِ الْخَرَاجِ، فَإِنْ كان في حاضر مَوْجُودٍ رَجَعَ بِهِ الْعَامِلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ في جهات لا يمكن الرجوع فيها سأل إحلاف الموقع على إنكاره، فإن لم يعرف صحة الخراج لم يكن للعامل إحلاف الموقع، لَا فِي عُرْفِ السَّلْطَنَةِ وَلَا فِي حُكْمِ القضاء، وإن علم صحة الخراج فهو في عرف السلطنة ممنوع عَنْ إحْلَافِ الْمُوَقِّعِ، وَفِي حُكْمِ الْقَضَاءِ يُجَابُ إليه. وأما الثالث وهو إثبات الرقوع. فينقسم ثلاثة أقسام: رقوع مساحة، ورقوع قبض واستيفاء: ورقوع خرج ونفقة فأما رقوع الْمِسَاحَةِ وَالْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَتْ أُصُولُهَا مُقَدَّرَةً فِي الديوان، اعتبر صحة الدفع بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ وَأُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ إنْ وَافَقَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الدِّيوَانِ أُصُولٌ عُمِلَ فِي إثْبَاتِهَا عَلَى قَوْلِ رَافِعِهَا. وَأَمَّا رقوع الْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ، فَيُعْمَلُ فِي إثْبَاتِهَا عَلَى مُجَرَّدِ قول رافعها، لأنه مقر على نفسه به لا لها. وأما رقوع الْخَرَاجِ وَالنَّفَقَةِ، فَرَافِعُهَا مُدَّعٍ لَهَا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إلَّا بِالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، فَإِنْ احْتَجَّ بِتَوْقِيعَاتِ ولاة الأمر استعرضها، وكان الحكم فيها على ما قدمناه مِنْ أَحْكَامِ التَّوْقِيعَاتِ
стр. 237
وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ مُحَاسَبَةُ الْعُمَّالِ، فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا باختلاف ما تقلدوه، وقد قدمنا القول فيه. فَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّالِ الْخَرَاجِ لَزِمَهُمْ رَفْعُ الْحِسَابِ، وَوَجَبَ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا رَفَعُوهُ. وَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّالِ العشر لم يلزم عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَفْعُ الْحِسَابِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعُشْرَ عند صَدَقَةٌ لَا يَقِفُ مَصْرِفُهَا عَلَى اجْتِهَادِ الْوُلَاةِ. ولو انفرد أهلها بمصرفها أَجْزَأَتْ، وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَفْعُ الْحِسَابِ. وَيَجِبُ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ: لأن عنده أن مصرف العشر والخراج مشترك. فإذا حوسب من وجبت مُحَاسَبَتُهُ مِنْ الْعُمَّالِ نُظِرَ. فَإِنْ لَمْ يَقَعْ بين العامل وكاتب الديوان خلف كَانَ كَاتِبُ الدِّيوَانِ مُصَدَّقًا فِي بَقَايَا الْحِسَابِ. فَإِنْ اسْتَرَابَ بِهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ كَلَّفَهُ إحْضَارَ شَوَاهِدِهِ، فَإِنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ عَنْهُ سَقَطَتْ الْيَمِينُ فيه.
وإن لم تزل الريبة أراد ولي الأمر الإحلاف عليه أُحْلِفَ الْعَامِلُ دُونَ كَاتِبِ الدِّيوَانِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى الْعَامِلِ دُونَ الْكَاتِبِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْحِسَابِ نُظِرَ. فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي دَخْلٍ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وإن كان اختلافهما في خرج فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْكَاتِبِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنْ كان اختلافهما في مساحة يمكن إعادتها أعيدت بعد الاختلاف وعمل فيها بما يخرج به صحيح الاعتبار، وإن لم يمكن إعادتها أحلف عليها رب المال دون الماسح. وأما الخامس وهو إخراج الأموال، فَهُوَ اسْتِشْهَادُ صَاحِبِ الدِّيوَانِ عَلَى مَا ثَبَتَ فيه من قوانين وحقوق، فصار كالشهادة فاعتبر فِيهِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنْ الْأَمْوَالِ إلَّا مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ، كَمَا لَا يشهد حتى يستشهد، والمستدعي لإخراج الأموال مَنْ نَفَذَتْ تَوْقِيعَاتُهُ، كَمَا أَنَّ الْمَشْهُودَ عِنْدَهُ من نفذت أحكامه. فإذا أخرج حالا ما لزم الموقع بإخراجها الأخذ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا، كَمَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ تَنْفِيذُ الحكم بما شهد بِهِ الشُّهُودُ عِنْدَهُ. فَإِنْ اسْتَرَابَ الْمُوَقِّعُ بِإِخْرَاجِ الحال جاز أن يسأله من أين أخرجها وَيُطَالِبُهُ بِإِحْضَارِ شَوَاهِدِ الدِّيوَانِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يجز للحاكم أن يسأل الشاهد عَنْ سَبَبِ شَهَادَتِهِ.
стр. 238
فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَوَقَعَ فِي النَّفْسِ صِحَّتُهَا زَالَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ، وَإِنْ عَدِمَهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا من حفظه، لتقدم علمه بها، صار معلوما القول، والموقع مخير في قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ رَدِّهِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِخْلَافُهُ. وَأَمَّا السَّادِسُ وَهُوَ تَصَفُّحُ الظَّلَّامَاتِ، فهو مختلف بحسب اختلاف المتظلم وَلَيْسَ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُتَظَلِّمُ مِنْ الرَّعِيَّةِ أَوْ مِنْ الْعُمَّالِ. فَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ مِنْ الرَّعِيَّةِ تَظَلَّمَ مِنْ عَامِلٍ تَحَيَّفَهُ فِي معاملة، كَانَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ فِيهَا حَاكِمًا بَيْنَهُمَا، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ الظَّلَّامَةَ وَيُزِيلَ التَّحَيُّفَ، سَوَاءٌ وقع الناظر إليه بذلك أو لم يوقع، لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِحِفْظِ الْقَوَانِينِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، فَصَارَ بعقد الولاية مستحقا لتصفح الظلامات، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا امْتَنَعَ وَصَارَ عَزْلًا عَنْ بَعْضِ مَا كَانَ إلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ عاملا جوزف في حسابه، أو غولط في معاملته فصار صاحب الديوان فيها خصما، فكان المتصفح لها ولي الأمر.
فصل في أحكام الجرائم
الجرائم: محظورات بالشرع، زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ. وقد قيل: إن حالها عند التهمة بها، وقيل: ثبوتها وصحتها معتبرة بحال الناظر فيها. فإن كان حاكما رفع إليه من قَدْ اُتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ، أَوْ زِنًا، لَمْ يَكُنْ للتهمة بها تأثيرا عنده، ولم يجز حبسه لكشف ولا لإستبراء ولا أخذه بأسباب الإقرار إجبارا. ولا تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إلَّا مِنْ خَصْمٍ مستحق لما قرف بسرقته، ويعتبر بعد ذلك إقرار المتهوم أو إنكاره. وإن اتهم بالزنا لم تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ التي زنى بها ويصف الفعل الموجب للحد، فإن أقر أخذه بموجبه، وإن أنكر سمع إنكاره واستحلفه فيما كان حقا لآدمي دون حق الله تعالى. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا المتهوم أميرا، أو من ولاة الأحداث كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالِاسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ، وَذَلِكَ من تسعة أوجه:
стр. 239
أحدها: أنه يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أعوان الإمارة من غير تحقيق للدعوى المفسرة. وَيَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لا؟ فإن برأوه من مثل ذلك خفت التهمة وضعفت وَعُجِّلَ إطْلَاقُهُ وَلَمْ يُغْلَظْ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَرَفُوهُ بأمثاله غلظت التهمة، وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا سَنَذْكُرُهُ، وليس هذا للقضاة.
الثاني: أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ، وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتْ التهمة بزنا، وكان المتهوم متصنعا لِلنِّسَاءِ، ذَا فُكَاهَةٍ وَخِلَابَةٍ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ. وَإِنْ كَانَتْ التُّهْمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ، أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارُ ضَرْبٍ، أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مِنْقَبٌ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضعفت وليس هذا للقضاء أيضا.
الثالث: أن للأمير تعجيل حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالِاسْتِبْرَاءِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حبسه فقيل: حَبْسَهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لَا يتجاوزه. وقيل: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإمام واجتهاده. وظاهر كلام أحمد ﵀ ورضي عنه: أن للقضاة الحبس في التهمة. فقال في رواية حنبل" إذا قامت عليه البينة أو الاعتراف أقيم عليه الحد، ولا يحبس بعد إقامة الحد، وقد حبس النبي ﷺ في تهمة وذلك حتى يتبين للحاكم أمره. ثم يخليه بعد إقامة الحد". ولفظ الحديث: ما روى أبو بكر الخلال في أول كتاب الشهادات بإسناده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، " أن النبي ﷺ حبس في تهمة". وبإسناده عن أبي هريرة " أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة استظهارا واحتياطا". ويشهد لذلك قوله تعالى (٢٤: ٨ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله) . وحملنا العذاب على الحبس لقوة التهمة في حقها بامتناعها من اللعان.
стр. 240
الرابع: أنه يَجُوزَ لِلْأَمِيرِ، مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ، أَنَّ يَضْرِبَ ضرب تعزير لا ضرب حدّ ليأخذه بالصدق عن حاله الذي قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اُعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ. فَإِنْ ضُرِبَ ليقر لم يصح الإقرار، وإن ضرب ليصدق عن حاله فأقر تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إقْرَارُهُ، فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالْإِقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ , لم تضيق عليه أن يعمل بإقراره الأول وإن كرهناه.
الخامس: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ - فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ - أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ، حَتَّى يَمُوتَ بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكُسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرُهُ عَنْ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذل للقضاة.
السادس: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ إحْلَافُ الْمَتْهُومِ، اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَلَا نضيق عليه أن يحلفه بالطلاق والعتاق والصدقة، كالإيمان في البيعة السلطانية.
وليس للقضاء إحْلَافُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلَا أَنْ يتجاوز الإيمان بالله تعالى إلى طلاق أو عتق.
стр. 241
السابع: أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إجبارا، ويظهر عليهم من الوعيد ما يقودهم إليها طوعا ولا نضيق عليه الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ لِأَنَّهُ وَعِيدُ إرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إلى حيز التعزير".
الثامن: أنه يجوز للأمير أن يسمع شهادات أهل المهن وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إذا كثر عددهم.
التاسع: أَنَّ لِلْأَمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ، وَإِنْ لَمْ توجب غُرْمًا وَلَا حَدًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وإن كان بأحدهما أثر، فقد قيل: يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الْأَثَرُ وَلَا يُرَاعِي السَّبْقَ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا، وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِحَسَبِ اختلافهما في الاقتراف. والثاني: بحسب اختلافهما في الهيئة وَالتَّصَاوُنِ. وَإِذَا رَأَى مِنْ الصَّلَاحِ فِي رَدْعِ السَّفَلَةِ أَنْ يُشْهِرَهُمْ وَيُنَادِيَ عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ له ذلك. فقد وقع الفرق بين الأمراء والقضاة في حال الاستبراء وقبول ثبوت الحق، لاختصاص الأمراء بالسياسة، واختصاص القضاة بالأحكام. فأما بَعْدَ ثُبُوتِ جَرَائِمِهِمْ، فَيَسْتَوِي فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ عليهم أحوال الأمراء والقضاة. وثبوتها عليهم من وجهين: إقرار، وبينة. فَأَمَّا الْحُدُودُ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. فَأَمَّا الْمُخْتَصَّةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا وَجَبَ فِي تَرْكِ مَفْرُوضٍ. والثاني: ما وجب بارتكاب محظور.
стр. 242
أما ما وجب في ترك مفروض فكتارك الصلاة حتى يخرج وقتها يسئل عَنْ تَرْكِهِ لَهَا. فَإِنْ قَالَ: لِنِسْيَانٍ أُمِرَ بِهَا قَضَاءً فِي وَقْتِ ذِكْرِهَا، وَلَمْ يَنْتَظِرْ بها مثل وقتها قال ﷺ " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وقتها لا كفارة لهم غيره". وَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ صَلَّاهَا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ: مِنْ جلوس، أو اضطجاع.
وَإِنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا كَانَ كَافِرًا حُكْمُهُ حكم المرتد يقتل بالردة، إن لَمْ يَتُبْ وَإِنْ تَرَكَهَا اسْتِثْقَالًا لِفِعْلِهَا، مَعَ اعترافه بوجوبها، ففيه روايتان. إحداهما: يصير بتركها كافرا يقتل بالردة. والثانية: لا يكفر بتركها ويقتل حَدًّا، وَلَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا وَلَا يُقْتَلُ إلَّا بعد استتابة، فَإِنْ تَابَ وَأَجَابَ إلَى فِعْلِهَا تُرِكَ وَأُمِرَ بِهَا. فَإِنْ قَالَ: أُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِي وُكِّلَتْ إلَى أَمَانَتِهِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى فِعْلِهَا بِمَشْهَدٍ من الناس. فإن امْتَنَعَ مِنْ التَّوْبَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَى فِعْلِ الصلاة لم يقتل إلا بعد ثلاثة أيام. ويقتل بوحي السيف نص على ضرب عنقه في رواية الجماعة: صالح، وحنبل وأبي الحارث. وأما الصلوات الفوائت إذا امتنع من قضائها، فإنه يقتل بها كالمواقيت. وأما تارك الصيام فقال في رواية الميموني " من قال: أعلم أن الصوم فرض ولا أصوم، يستتاب، فإن تاب ,إلا ضربت عنقه، فقد نص على أنه يقتل بترك الصوم، كالصلاة. وقال في رواية أبي طالب: إذا قال: الصوم فرض ولا أصوم، ليس الصوم مثل الصلاة والزكاة لم يجئ فيه شيء، فلم يجعله مثل الصلاة والزكاة.
стр. 243
وقال أيضا في رواية الأثرم: وقد سئل عن تارك صوم رمضان مثل تارك الصلاة؟ فقال، الصلاة آكد، إنما جاء في الصلاة، وليست كغيرها". وظاهر هذا: أنه فرق بين الصلاة وبين الصوم، بأنه لا يقتل ويترك إلى أمانته. وأما تارك الزكاة فيأخذها الإمام منه قهرا، فإن تعذر أخذها منه لِامْتِنَاعِهِ حُورِبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَفْضَى الْحَرْبُ إلَى قَتْلِهِ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُ كَمَا حَارَبَ أَبُو بكر ﵁ مانعي الزكاة، وإن قتل في حال قتله، فهل يقتل كافرا مرتدا؟ فقال في رواية الميموني: فيمن منع الزكاة: " يقاتل، قيل له: فيورث، ويصلى عليه قال: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر وقاتلوا عليها: لم يورث ولم يصلى عليه، وإن منع الزكاة، يعني من بخل أو تهاون، لم يقاتل ولم يحارب على المنع، بل يقاتل عليها ويورث ويصلى عليه".
فقد نص على أنه إن منعها وقاتل عليها قوتل، وإن قتل كافرا، لا يصلى عليه ولا يورث، وإن لم يقاتل عليها لكن منعها شحا وبخلا، لم يحكم بكفره. فإن تعذر أخذها منه لعدم الوصول إلى ماله، ولم يوجد منه قتال عليها استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل، ولم يحكم بكفره. نص عليه في رواية أبي طالب في رجل قال: الزكاة على، ولا أزكي، " يقال له مرتين أو ثلاثا: زك، فإن لم يزك يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". وروى أبو حفص العكبري في هذه الرواية زيادة قلت: فلان روى عنك أنك قلت في الزكاة: يضرب عنقه على المكان، ولا يستتاب، قال: لم يحفظ". وما الحج ففرض عند أحمد على الفور، فيتصور تأخيره عن وقته. وقد قال أحمد في رواية الجماعة: منهم عبد الله، وإسحاق، وإبراهيم، وأبو الحارث " ومن كان موسرا وليس به أمر يحبسه فلم يحج لا تجوز شهادته". وهذا مبالغة في الفور، لأنه قد أسقط عدالته في الموضع الذي يسوغ فيه الاجتهاد. وهل يقتل بتأخيره؟ قال أبو بكر في مسائل البغاة من كتاب الخلاف " الحج والزكاة والصيام، والصلاة سواء، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل". ويشهد لهذا ما حكيناه عن أحمد " أنه لا تقبل شهادته". وظاهر هذا أنه لا يسوغ الاجتهاد في تأخيره، ويحتمل أن لا يقتل لأنه بفعله بعد الوقت يكون أَدَاءً لَا قَضَاءً.
стр. 244
فَإِنَّ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ. وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ من ديون، وغيرها، فتؤخذ جبرا إذا أمكنت، وَيُحْبَسُ بِهَا إذَا تَعَذَّرَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بها معسرا فينظر إلى ميسرته. فأما مَا وَجَبَ بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: حد الزنا، وحد الخمر، وقطع السرقة، وحد المحاربين. والضرب الثاني: ما كان من حقوق الآدميين وهو شيئان: أحدهما: حد القذف بالزنا. والثاني: القود في الجنايات. أما حد الزنا فيجب بغيبوبة حشفة ذكر البالغ العاقل فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ: مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، ممن لا عصمة بينهما لا شبهة.
ويستوي في حكم الزِّنَا حُكْمُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالَتَانِ: بِكْرٌ، وَمُحْصَنٌ. أَمَّا الْبِكْرُ فَهُوَ الَّذِي لم يطأ زوجته بِنِكَاحٍ، فَيُحَدُّ إنْ كَانَ حُرًّا، مِائَةَ سَوْطٍ تُفَرَّقُ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْمَقَاتِلَ، ليأخذ كل عضو حقه، بسوط لا جديد فيقتل، ولا خلق فلا يؤلم. ويغربا عاما عن بلدهما إلى مسافة تقصر فيها الصلاة وحد المسلم والكافر سواء في الجلد، والتغريب، فأما الْعَبْدُ وَمَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّقِّ مِنْ الْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، فَحَدُّهُمْ فِي الزِّنَا خمسون جلدة على النصف من حد الحر، ولا يغرب. وأما المحصن الذي أصاب زوجته بعقد نكاح، فحده الرجم بالأحجار وما قَامَ مَقَامَهَا، حَتَّى يَمُوتَ، وَلَا يَلْزَمُ تَوَقِّي مَقَاتِلِهِ، بِخِلَافِ الْجَلْدِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّجْمِ الْقَتْلُ.
стр. 245
واختلفت الرواية عن أحمد: هل يجلد مع الرجم فروي عنه " لا يجلد" وروي " يجلد مائة". وليس الإسلام شرطا في الحصانة ويرجم الكافر كالمسلم. فأما الحرية فهي من شروط الحصانة. فإذا زنا الْعَبْدُ لَمْ يُرْجَمْ، وَإِنْ كَانَ ذَا زَوْجَةٍ جلد خمسين جلدة. وَاللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ زِنًا، يُوجِبُ جَلْدَ الْبِكْرِ، ورجم المحصن. وروي عن أحمد " يوجب الفعل في حق البكر والثيب". وروى عن أحمد رواية في إتيان البهائم " لا حد، وفيه تعزير". وإذا زنى البكر بمحصنة، أو زنى المحصن ببكر، جُلِدَ الْبِكْرُ مِنْهُمَا وَرُجِمَ الْمُحْصَنُ. وَإِذَا عَاوَدَ الزنا بعد الحد حد: وإذا زنا مِرَارًا قَبْلَ الْحَدِّ حُدَّ لِلْجَمِيعِ حَدًّا وَاحِدًا. وَالزِّنَا يَثْبُتُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا بِإِقْرَارٍ، أَوْ بينة: أما الإقرار البالغ العاقل مختارا أربع دفعات وجب عليه الحد: وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ رَجَعَ عنه قبل الحد سقط عنه الحد. وأما البينة: فهي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عدول، يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا دُخُولَ ذَكَرِهِ فِي الْفَرْجِ، كَدُخُولِ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ: فَإِنْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذلك على هذه الصفة لم تكن شهادة. ومن شرط الشهادة: اجتماع الشهود في الأداء: فإن تفرقوا كانوا قذفة. وإذا شهدوا بالزنا بعد حين قبلت شهادتهم.
وَإِذَا لَمْ يُكْمِلْ شُهُودُ الزِّنَا أَرْبَعَةً فَهُمْ قذفة، يحدون: نص عليه.
стр. 246
وإن شهدوا بالزنا أربعة فساق أو عبيد، أو عميان ففيه روايتان: إحداهما: أنهم قذفة يحدون. والثانية: لا حد عليهم، لأن لكمال العدد تأثيرا في إسقاط الحد عن الشهود مع الحكم برد شهادتهم. وإذا شهد أربعة بالزنا، وشهد نساء ثقات بأنها بكر، لم يجب الحد على المرأة، ولا على الشهود، ولو نقص عددهم وجب الحد، ولأن العدد قد كمل، وهم من أهل الشهادة في الجملة، لأن العبيد والعميان عند أحمد ﵀ من أهلها في الجملة، وأما الفسق فطريقه الاجتهاد، فقد يرد شهادتهم حاكم ويقبلها آخر، فهو غير مقطوع عليه، ونقصان العدد مقطوع عليه. والثالثة: أنهم إن كانوا عميانا وجب عليهم الحد، وإن كانوا عبيدا أو أحدهم عبدا لم يحدوا لأنا على كذب العميان، لأن الزنا طريقة المشاهدة: والعبيد لا يمكن القطع على كذبهم، نقلها سندي بن عبد الله الجوهري. وإذا شهدت البينة على إقراره بالزنا، لم يجز الاقتصار على شاهدين، ولا يجوز أقل من أربعة. وإذا رجم الزاني لم يحفر له بئر عند رجمه ويحفر للمرأة. وإذا رجم الزاني فهرب: نظرت. فإن رجم بالبينة اتبع حتى الموت بالرجم، وإن رجم بإقراره لم يتبع. وإذا ثبت الرجم بشهادة لم يجب علىالشهود حضور الرجم والبداءة به: وكذلك إن ثبت بإقراره، لم يجب على الإمام حضور الرجم والبداءة به ذكره أبو بكر. ولا تحد الحامل حَتَّى تَضَعَ: وَلَا بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يُوجَدَ لولدها من يرضعه. وَإِذَا ادَّعَى فِي الزِّنَا شُبْهَةً مُحْتَمَلَةً: مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ، أَوْ جهل تحريم الزنا، وهو حديث عهد بالإسلام، درء بها سنة الحد.
стр. 247
وإذا أصاب ذات محرم بنكاح حُدَّ، وَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ مَعَ تَحْرِيمِهَا بِالنَّصِّ شبهة في درء الحد. وَإِذَا تَابَ الزَّانِي بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ سقط عنه الحد، وكذلك السارق والمحارب.
والمنصوص عنه في السارق في رواية أبي الحارث، وحنبل " إذا تاب قبل أن يقدر عليه ولم يقطع". وقد نقل الميموني عنه لفظين في الزاني، فقال: " إذا أقر أربع مرات ثم تاب قبل أن يقام عليه الحد، تقبل توبته، ولا يقام عليه الحد ". وقال: أي الميموني وناظرته في مجلس آخر فقال: " إذا رجع عما أقر به لم يرجم، فإن تاب فمن توبته أن يطهر بالرجم". فاللفظ الأول يقتضي قبول توبته بعد القدرة عليه، لأن إقراره إنما يكون عند الحاكم، واللفظ الثاني لا تقبل توبته بعد القدرة عليه، لأنه قال " من توبته أن يطهر بالرجم" ويحتمل أن يكون هذا بعد القدرة عليه. وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ فِي إسْقَاطِ الحد عَنْ زَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَشْفُوعِ إليه أن يشفع فيه. فأما قطع السرقة فكل مال بلغت قيمته نصابا إذاسرقه بَالِغٌ عَاقِلٌ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْمَالِ، وَلَا فِي حِرْزِهِ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، مِنْ مِفْصَلِ الْكُوعِ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيَةً بَعْدَ قَطْعِهِ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبِ، فَإِنْ سرق ثالثة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يقطع فيهما. والثانية: تقطع في الثالثة يده اليسرى، وتقطع في الرابعة رجله اليمنى، فإن سرق الخامسة عزر ولم يقتل. وإذا سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ الْقَطْعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قطع واحد. والنصاب الذي يقطع فيه مقدر بأحد شيئين: ربع دينار فصاعدا من غالب الدنانير الجيدةن أو ثلاثة دراهم من غالب الدراهم الجيدة، أو قيمة ثلاثة دراهم من جميع الأشياء. والمال الذي تقطع فيه اليد: كل ما يتمول في العادة، وإن كان أصله مباحا: كالصيد والحشيش والحطب، وكذلك في الطعام الرطب لايقطع سارقه ويقطع بسرقته أستار
стр. 248
الكعبة وقناديل المساجد، والمنصوص عنه ستارة الكعبة. وَإِذَا سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ، أَوْ أعجميا لا يفهم، قطع. ولو سرق حرا لم يقطع: نص عليه. ونقل صالح عنه إذا سرق صبيا صغيرا عليه قطع.
والحرز معتبر في وجوب القطع، ويختلف بحسب اختلاف الأموال، اعتبارا بالعرف فيخفف الْحِرْزُ فِيمَا قَلَّتْ قِيمَتُهُ مِنْ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ، ويغلظ فيما كثرت قيمته من الفضة والذهب: فلا يجعل حرز الخشب كحرز الذهب، فَيُقْطَعُ سَارِقُ الْخَشَبِ مِنْهُ. وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُ الفضة والذهب مِنْهُ. وَيُقْطَعُ نَبَّاشُ الْقُبُورِ إذَا سَرَقَ أَكْفَانَ الموتى. ويقطع جاحد العارية. وإذا شد رجل متاعه على بهيمة سائرة - كما جرت بمثلة العادة - فَسَرَقَ سَارِقٌ مِنْ الْمَتَاعِ مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ربع دينار: قطع، وَلَوْ سَرَقَ الْبَهِيمَةَ وَمَا عَلَيْهَا: لَمْ يُقْطَعْ لأنه سرق الحرز والمحرز. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: في الصناديق التي في السوق " هي حرز، فإن حمله كما هو أو أدخل يده فيه فهو سارق، عليه القطع". وَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ قطع، وإن كان استعماله محظورا، لأنه مختلف في اتخاذها.
стр. 249
ويفارق هذا آلة اللهو أنه لا يقطع بسرقتها، لأنه متفق على تحريم اتخاذها، ومتفق على أنه لا قيمة للتالف منها، ومختلف في ضمان الصنعة في الأواني. وإذا اشترك جماعة في نقب ودخلوا الحرز وأخرج بعضهم نصابا، ولم يخرج الآخر. فالقطع على جماعتهم. وإذا اشترك اثنان في نقب، ودخل أحدهما فأخرج المسروق، وناوله الآخر خارج الحرز، فالقطع على الداخل دون الخارج، وهكذا إذا رمى به إليه فأخذه. فإن اشترك اثنان في النقب، فدخل أحدهما وترك المتاع بقرب النقب، وأدخل الآخر يده فأخذه، قطعا جميعا. فإن اشْتَرَكَ اثْنَانِ، فَنَقَبَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْخُذْ، وَأَخَذَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَنْقُبْ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وإذا هتك الحرز ودخله واستهلك المال فيه، أغرم وَلَمْ يُقْطَعْ. وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالْمَالُ بَاقٍ رُدَّ عَلَى مَالِكِهِ، فَإِنْ عَادَ السَّارِقُ بَعْدَ قطعه فسرقه ثانية بعد إحرازه، قطع. فإن استهلك السارق ما سرقه قطع وأغرم، وَإِذَا وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ القطع وَإِذَا عَفَا رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْقَطْعِ، لَمْ يسقط. وَيَسْتَوِي فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ. وَلَا يُقْطَعُ صَبِيٌّ وَلَا مجنون.
ويقطع السكران إذا سرق في سكره وَلَا يُقْطَعُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا سَرَقَ فِي إغْمَائِهِ. وَلَا يُقْطَعُ عَبْدٌ سَرَقَ مِنْ مَالِ سيده، ولا أب سرق من مال ولده. ويقطع الأقارب بسرقة بعضهم من بعض، سوى الوالدين والمولودين. وأما حدّ الخمر فكل ما أسكر كثيره من خمر أو نبيذ، حُدَّ شَارِبُهُ، سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يسكر.
стр. 250
وفي قدر الحد روايتان: إحداهما: ثمانون، والثانية: أربعون بالسوط، كسائر الحد. وقيل: بِالْأَيْدِي وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ. وَيُبَكَّتَ بِالْقَوْلِ الْمُمِضِّ، وَالْكَلَامِ الرادع. ولو حد ثمانون، أو أربعون - على اختلاف الروايتين - فإن حدّ زيادة على ذلك فَمَاتَ، ضُمِنَتْ نَفْسُهُ. وَفِي قَدْرِ مَا يُضْمَنُ وجهان، خرجهما أبو بكر. أحدهما: جميع ديته، لأن نصف حده نص، ونصف حده مزيد، والأول أشبه بكلام أحمد، لأنه قد نص في الإجارة " إذا أخذ أجرة حمل أرطال معلومة، فزاد عليها: ضمن القيمة، ولم يسقط الضمان". ولو شربها لعطش، حد، لأنها لا تروي، وكذلك لو شربها لدواء لأنه ممنوع من شربها للدواء، لما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد " أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر، وقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: إنها ليست بدواء، ولكن داء". وَإِذَا اعْتَقَدَ إبَاحَةَ النَّبِيذِ حُدَّ، وَإِنْ كَانَ على عَدَالَتِهِ. وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يُقِرَّ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ مختارا، وهو يعلم أنه مسكر.
следующие страницы →