تمهيد:
هذه الطبعة
شغلت بهذا البحث منذ أربعة عشر عامًا، وهو أحب البحوث إلى قلبي، فبعد اثني عشر عاما من حصولي على الدكتوراة١، وثماني سنوات من عملي في كلية البنات مدرسا للبلاغة العربية٢، لم يكن لي منهج واضح، ولا طريق مدروس، ولا سمة علمية محددة. كنت موزعا بين البلاغة التقليدية التي تربيت في أحضانها، ودرستها في الجامعة، وبين البلاغة الحديثة التي أطوق إلى تطبيقها، وتحقيق ما تعلمته منها على يد البلاغي المجدد، شيخ الأمناء الجليل: الشيخ أمين الخولي، والفاضل الأستاذ العلامة الدكتور مصطفى الجويني، والفاضل الأديب الشاعر العالم الدكتور يوسف خليف، والحجة، سيوطي العصر الحديث، الأستاذ الدكتور شوقي ضيف.
ولكني كنت عاجزا عن تكوين شخصية علمية، قادرة على الاختيار والإضافة، واعية بمسالك الطريق ومزالقه.
ومرت بي أزمة فكرية نفسية طاحنة، أريد أن أحقق شيئا ولكني لا أدري كيف أمسك به، كيف أتحكم فيه؟ كيف أعلنه بشكل علمي جدير بالالفتات إليه؟ فما كنت بمستطيع أن أكون بلاغيا تقليديا أردد كلاما يغيظني، وأملي أن أجدد، لكن قلمي عاجز.
فهداني الله سبحانه أن أبدأ بداية صغيرة محدودة تضعني على الطريق، وتحول الحلم إلى حقيقة، فكان هذا البحث٣.
стр. 2
الجديد فيه أكثر من التقليدي، والحلم فيه أكبر من الواقع، والخطأ فيه وارد، ولكنه يقول شيئا واضحا: إن هذا البلاغي يريد أن يجدد، ويعد نفسه ليضيف شيئا في الدرس البلاغي، إن أخفق فلا ترجموه، فسيقوم من عثرته، ويحاول تصحيح خطته.
وأعتقد أن هذا ما حدث، فقدت خطوت خطوات لا بأس بها في الدرس البلاغي، وتمثل لي منهج واضح المعالم "التأصيل والتجديد" الذي صار سمة معروفة لي، وهدفا أسعى إلى تحقيقه بإصرار، وما زلت أواصل الدرس، والمحاولة، والخطأ، والتجريب، والتصحيح.
واليوم أعود إلى هذا البحث الحبيب إلى قلبي، الذي شهد بداية الطريق وترقب النتائج، والخوف من التحطيم، أعود إليه بعدما نفد من المكتبات، واحتاج الباحثون أن يطلعوا عليه، ويناقشوا ما ورد فيه، فرأيت أن أغير في ترتيب الفصول، وكنت أتمنى أن أعيد الانشغال به ثانية، وأن أتوسع فيه، وأنقيه من الشوائب، وأن أضيف إضافات حقيقية، ولكني مشغول ببحث عن "بديع التراكيب في شعر أبي تمام" بعد أن انتهيت من إعادة طبع "البديع في شعر المتنبي" باسم "تشبيهات المتنبي ومجازاته"، وأواصل البحث والدرس والإشراف على الرسائل العلمية من خلال منهج "التأصيل والتجديد في البلاغة العربية"، فهذا دَيْنٌ في رقبتي للبلاغة العربية، أن أمسك التراث البلاغي بيميني، والتجديد الحقيقي بشمالي، ومعي كوكبة من خيرة شباب مصر والعالم العربي، إلى أن يقضي الله أمره، فيكمل تلاميذي المسيرة:
تأصيل بلا تعقيد، وتجديد بلا تخريب.
والله من وراء القصد
منير سلطان
٦٨ ش السيد محمد كريّم, الجمرك, الإسكندرية, ١٩٩٧م.
стр. 3
٢- حياة المصطلح
١- مرحلة عدم استقرار المصطلح.
٢- مرحلة الاستقرار.
٣- مرحلة تشعب المصطلح.
مقدمة:
المصطلح هو المسمى المتفق عليه بين جمهور الدارسين رمزا لموضوع بعينه، وهو ضرب من الإيجاز يغني عن الشرح والتفصيل بما يدل عليه من مقاصد وغايات.
ومن المتوقع ألا ينشأ المصطلح جامعًا مانعا متفقا عليه بين الجمهور، إنما يمر بمرحلة الاختلاف في صلاحيته، ثم تأتي مرحلة الاتفاق المجمع عليه، وقد يستمر بحاله هذه وقد يتشعب إلى مصطلحات منبثقة منه.
وبعض المصطلحات تنبت في علم من العلوم ملبية غرضا من أغراضه، وتكون وقفا عليه، كما نرى في مصطلحات علم الكلام وأصول الفقه والنحو والصرف وعلم القراءات والنقد والأدب والبلاغة، وبعضها يستعار من علم آخر لتشابه المضمون وتقارب المدلول في العلمين.
ومدلول الفصل والوصل وجد في علم الخط العربي والنحو وعلم القراءات بالإضافة إلى وجوده في البلاغة. وقد تختلف المسميات ولكنها في النهاية تعني بالفصل: القطع سواء في رسم اللفظ أو في المعنى، وتعني بالوصل: الربط سواء بين حروف اللفظ أو بين الألفاظ أو بين معنى ومعنى آخر.
ففي علم الخط العربي نرى الفصل والوصل، متمثلا في رسم الكلمة حين تكتب موصولة الحروف أو مفصولا بعضها عن بعض١، في "همزة الوصل
стр. 4
وهمزة القطع"، وفي علامات الترقيم: "الفاصلة: لفصل بعض أجزاء الكلام عن بعض، والفصلة المنقوطة: ليقف القارئ عندها وقفة أطول من وقفة الفاصلة، والنقطتان: للتوضيح والتبيين، أما النقطة: وتسمى "الوقفة" فتوضع بعد نهاية الجملة التي تم معناها واستوفت كل مقوماتها"١.
وفي البرهان للزركشي "ت ٧٩٤هـ" فصل بعنوان "في الفصل والوصل" يتكلم فيه عن وصل الكلمات في الخط وعن فصلها يقول: "اعلم أن الموصول في الوجود توصل كلماته في الخط. كما توصل حروف الكلمة الواحدة، والمفصول معنى في الوجود يفصل في الخط كما تفصل كلمة عن كلمة، فمنه "إنما" بالكسر، كله موصول إلا واحدا ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ﴾ ٢ لأن حرف "ما" هنا وقع على مفصل، فمنه خير موعود به لأهل الخير ومنه شر موعود به لأهل الشر، فمعنى "ما" مفصول في الوجود والعلم ... "٣.
وقبل الزركشي كتب الصولي "ت ٣٣٦هـ" في كتابه "أدب الكُتَّاب" فصلا بعنوان "ما يقطع وما يوصل" من الكلمات، يقول فيه: "يكتبون: أُحِب "أن لا" تفعل كذا، بألف ونون، وتكون "لا" مقطوعة منها وهو أجود؛ لأن القارئ ربما احتاج أن يقف على النون، والكتَّاب على الوقف، فمنهم من يكتب بألف ولام موصولة؛ لأن النون ترغم في اللام إذا نطق بها وكتبت على اللفظ٤.
ولابن قتيبة "ت ٢٧٦هـ" حديث في كتابه "أدب الكاتب" عن ألف الوصل في الأسماء "يقول " ... فتكتب "بسم الله" إذا افتتحت بها كتابا أو
стр. 5
ابتدأت بها كلاما بغير ألف ... " وله حديث آخر عن "ألف الفصل" ويقصد بها الألف التي تزاد بعد واو الجمع مخافة التباسها بواو النسق في مثل "ردوا، وكفروا" يقول " ... ألا ترى أنهم لو لم يدخلوا الألف بعد الواو ثم اتصلت بكلام بعدها ظن القارئ أنها "كفر وفعل" و"رد وفعل" فحيزت الواو لما قبلها بألف الفصل، ولما فعلوا ذلك في الأفعال التي تنقطع واوها من الحروف قبلها نحو "ساروا وجاءوا" فعلوا ذلك في الأفعال التي تتصل واوها بالحروف قبلها نحو "كانوا وباتوا" ليكون حكم هذه الواو في كل موضع حكما واحدا"١.
وفي النحو يبرز "الفصل والوصل" في درس العطف والتوكيد وعطف البيان والحال وضمائر الفصل وضمائر الوصل وأنواع الجمل وأدوات الربط ومعاني الحروف وغير ذلك من ضوابط.
أما علم القراءات فهو عماد "الفصل والوصل". وهو العلم الذي أعار المصطلح للبلاغة لأن المجال متصل، ما كتب يحتاج إلى الفصل أو الوصل ليقرأ بعيدا عن اللبس، وليفهم ويتذوق بعيدا عن الغموض والجفاف.
وسنعرض الآن كيف كان علم القراءات مصدرا لمصطلح "الفصل والوصل" وماذا حدث له حين انتقل إلى الدرس البلاغي.
стр. 6
٣- مصطلح "الفصل والوصل" مصدره علم القراءات:
ودليلي على ذلك سبق وجوده في علم القراءات، وتعريف علماء القراءات به، وتشابه المدلول والغرض، فالقراءة أيًّا كان نوعها تحويل للألفاظ المكتوبة إلى أصوات منطوقة تؤدي نفس الدلالات، وفي أداء "نفس الدلالات" تكمن المشكلة، القارئ الذي لا يفهم معنى ما يقرأ ولا يتذوقه، سيقرؤه بطريقة تؤدي إلى إفساد معناه مهما كان عميقا رائعا، والخطيب إذا لم يكن متمكنا من لغته ومن معانيه التي يريد أن يوصلها إلى المستمع سيكون إلقاؤه مساعدا على تفتيت معانيه وتشتيت ذهن من يستمع له.
وإذا كان الأمر كذلك في القراءة والخطابة فهو في القرآن أشد أهمية وأعظم ضرورة.
يقول الزركشي "ت ٧٩٤هـ" في كتابه البرهان "النوع الرابع والعشرون"، في معرفة "الوقف والابتداء"، "وهو فن جميل وبه يعرف كيف أداء القرآن، ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة، وبه يتبين معاني الآيات، ويؤمن الاحتزاز في الوقوع في المشكلات، وقد صنف فيه "الزجاج" قديما كتاب "القطع والاستئناف" وابن الأنباري وابن عباد والداني وغيرهم، وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا يعلمون ما ينبغي أن يوقف عنده كما يتعلمون القرآن، وروى ابن عباس ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ١ قال: فانقطع الكلام"٢.
ولم يكن الأمر مقصورا على مؤلفات القراءات، فقد وجدت مصطلحات "الوقف والوصل"، و"القطع والابتداء"، و"الوقف والابتداء"، و"القطع والوصل" في كتب النحو والتفسير، ولن نتعقب هذه الظاهرة ويكفينا بعض الأمثلة، فنجد سيبويه "ت ١٨٠هـ" يتكلم عن "الحروف
стр. 7
التي يسمع معها الصوت والنفخة في الوقف لا يكونان في الوصل إذا سكن لأنك لا تنظر أن ينبو لسانك ولا يفتر الصوت حتى تبتدئ صوتا"١.
والفراء "ت ٢٠٧هـ" يستعمل مصطلح "القطع والابتداء"٢ و"الوقف والاستئناف"٣ و"الوقف والوصل"٤. والطبري "ت ٣١٠هـ" في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ٥ يتكلم عن الهاء الزائدة في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ " ... فإن العرب قد تصل الكلام بزائد فتنطق به على نحو منطقها به في حالة القطع، فيكون وصلها إياه وقطعها سواء، وذلك من فعلها دلالة على صحة قراءة من قرأ جميع ذلك بإثبات الهاء في الوصل والوقف ... "٦. وابن مجاهد "ت ٣٢٤هـ" في كتابه "السبعة في القراءات" يورد مصطلح "الوصل والوقف"٧، وكذا ابن جني "ت ٣٩٢هـ" في الخصائص٨. أما الزمخشري "ت ٥٣٨هـ" فقد استعمل مصطلح "الوقف والابتداء"٩ و"الوقف والوصل"١٠ و"القطع والوصل"١١. ففي تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ يقول وقرئ: (ثُمَّ هْوَ) بسكون الهاء كما قيل "عضْد" في "عضُد"، تشبيها
стр. 8
للمنفصل بالمتصل، وسكون الهاء في "فهو وهو ولهو" أحسن؛ لأن الحرف لا ينطق به وحده فهو كالمتصل"١.
ويعرف ابن الجزري "الوقف" بأنه: عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمنا، يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة، إما بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله ويأتي في رءوس الآي وأوساطها، ولا يأتي في وسط كلمة وفيما اتصل رسما ولا بد من التنفس معه"٢. وفي الفرق بين الوقف والقطع والسكت يقول: هذه العبارات جرت عند كثير من المتقدمين مرادا بها الوقف غالبا، ولا يريدون بها غير الوقف إلا مقيدة٣".
وينقسم الوقف عنده إلى اختياري واضطراري، لأن الكلام إما أن يتم أو لا، فإن تم كان اختياريا، وكونه تاما، لا يخلو إما أن لا يكون له تعلق بما بعده ألبتة، أي: لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فهو الوقف الذي اصطلح عليه الأئمة بـ "التمام" لتمامه المطلق، يوقف عليه ويبتدأ بما بعده٤ وإن كان له تعلق فلا يخلو هذا التعلق إما أن يكون من جهة المعنى فقط، وهو الوقف المصطلح عليه بـ "الكافي" للاكتفاء عما بعده واستغناء ما بعده عنه. وهو كالتام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده٥، وإن كان التعلق من جهة اللفظ فهو الوقف المصطلح عليه بـ "الحسن" لأنه في نفسه حسن مفيد، يجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي٦، وإن لم يتم الكلام كان
стр. 9
الوقف عليه اضطراريا وهو المصطلح عليه بـ "القبيح" ولا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة مِن انقطاع نفس أو نحوه لعدم الفائدة أو لفساد معنى١.
فالوقف بأنواعه، أو القطع أو الفصل، إنما يعني شيئا واحدا هو "الوقف" وتراه هنا يدور حول تمام المعنى واكتفائه بنفسه عن أن يوصل بما بعده وإن لم يتوافر التمام المطلق، فالشبيه بالتمام، أي: أن يكون المعنى الثاني له فضل تعلق بالمعنى الأول، وهذا هو "الوقف الكافي" و"الوقف الحسن"، وكأننا نقرأ عن "كمال الانقطاع" و"شبه كمال الانقطاع".
ومن الطريف أن يشير ابن الجزري إلى أن القراءة الصحيحة البليغة هي القراءة التي تراعي مواضع الفصل والوصل، بقول: "من الأوقاف ما يتأكد استحبابه لبيان المعنى المقصود، وهو ما لو وصل طرفاه لأوهم معنى غير المراد، فمن التام: الوقف على قوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ والابتداء ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ٢؛ لئلا يوهم أن ذلك من قولهم. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ عند الجمهور، وعلى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٣ مع وصله عند الآخرين لما تقدم. وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ والابتداء ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ ٤ لئلا يوهم العطف. ونحو قوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ والابتداء ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ ٥ لئلا يوهم النعت. وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ والابتداء ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦ لئلا يوهم وصل "ما" وعطفها ... "٧.
стр. 10
١- مرحلة عدم استقرار المصطلح:
مر بنا كيف استأثر علم القراءات وعلم الخط العربي بمصطلح "الوقف والابتداء" و"الوقف والوصل" و"الفصل والوصل" ويبدو -فيما أرى- أن هذا ما أخر استقلال مصطلح "الفصل والوصل" في البلاغة بمفهومه المتعارف عليه، فالاهتمام بقراءة القرآن وكيفية كتابته أسبق من تدوين المصطلحات البلاغية والمؤلفات البلاغية نفسها.
وإلى أن استقرت الحال على مصطلح "الفصل والوصل" عنوانا على ربط المعاني وقطعها لأغراض بلاغية مرت مرحلة أسميها مرحلة "عدم استقرار المصطلح"، والسبب في ذلك أن النحويين والمفسرين والبلاغيين كانوا متأرجحين بينالأخذ بالمصطلح النحوي "العطف وتركه" والأخذ بمصطلح القراءات "الوصل والقطع" وبين شرح الفكرة بغض البصر عن المصطلح، لأن علم القراءات قد استحوذ على "الفصل والوصلط ولأن المضمون كان في أذهان هؤلاء العلماء أهم من المصطلح، ولنر ما حدث:
فسيبويه "ت ١٨٠هـ" يتكلم عن الوصل فيقول: " ... لم يجز أن تدخل الفاء، ... ولو قلتها بالواو حسنت"١ ويستعمل مصطلح "قطع" للفصل، يقول "باب بدل المعرفة من النكرة، والمعرفة من المعرفة وقطع المعرفة من المعرفة المبتدأة"٢ بينما يستعمل "الفصل" بمعناه اللغوي مع ضمائر الفصلن يقول "باب ما يكون فيه "هو وأنت وأنا ونحن وأخواتهن فصلا"٣ وينقل أبو حيان عن سيبويه "جواز عطف المختلفتين بالاستفهام والخبر"٤.
стр. 11
والفراء "ت ٢٠٧هـ" يتكلم عن "يُذَبِّحُون" و"ويُذَبِّحُون" يقول: فمعنى الواو أنه ... ، ومعنى طرح الواو كأنه طرح لصفات العذاب ... وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملا في كلمة ثم فسرته فاجعله بغير الواو.
وإذا كان أوله غير آخره فبالواو١.
ويستعمل للجملة الثانية المستأنفة عبارة "الكلام المكتفى يأتي له جواب".
ويشرحه: "لأنه جواب يستغنى أوله عن آخره بالوقفة عليه، فيقال: ماذا قال لك؟ فيقول: قال كذا وكذا، وكأن حسن السكوت يُجَوَّزُ به طرح الفاء ... ٢.
والجاحظ "ت ٢٥٥هـ" ينفرد بذكر مصطلح "الفصل والوصل" وأن معرفتهما هي البلاغة"٣.
وابن وهب "ت ٢٧٢هـ" في كتابه "البرهان" يفرد بابا بعنوان في "القطع والعطف" ويقصد به الفصل بالجمل المعترضة"٤.
والمبرد "ت ٢٨٥هـ" يتكلم عن الفصل بأنه "بغير الواو" والوصل "بالواو" ثم يستعمل مصطلح "القطع والاستئناف" في قوله: "فإذا قلت: مررت بزيدٍ عمرو في الدار، فهو محال، إلا على قطع خبر واسئناف آخر"٥.
وعن الاستثناء المنقطع يقول الطبري "ت ٣١٠هـ" "إنما يكون ذلك
стр. 12
كذلك في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان "إلا" "لكن"، فيعلم حينئذ انقطاع معنى الثاني عن معنى الأول"١.
والصولي "ت ٣٣٦هـ" يقف أمام بيت امرئ القيس:
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل
يقول: "ألا ترى أن قوله: "الله أنجح ما طلبت به" كلام مستغن بنفسه وكذلك باقي البيت على أن في البيت واوا عطفت جملة على جملة، وما ليس فيه واو عطف أبلغ٢.
والجرجاني "ت ٣٩٢هـ" أبو الحسن علي بن عبد العزيز في شرح ما أنكره العلماء على المتنبي في بيته:
جللا كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح٣
يقول: ... وأنكر أصحاب المعاني قطع المصراع الثاني عن الأول في اللفظ والمعنى، فقال المحتج عنه يسوغ الإنكار، لو قطع قبل الإتمام وابتدأ بالثاني وقد غادر من الأول بقية، فأما أن يستوفى مراده ثم ينتقل إلى غيره فليس بعيب ... ٤.
ويتكلم ابن جني "ت ٣٩٣هـ" عن "حذف حرف العطف" في نحو
стр. 13
قولهم: "أكلت لحما سمكا تمرا"١، ويقول: "وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد معهم، لأن الشيء لا يعطف على نفسه"٢.
والعسكري "ت ٢٩٥هـ" في "الصناعتين" يخصص الباب العاشر لـ "ذكر المقاطع والقول في الفصل والوصل" ويقصد بالمقاطع الوقوف عند مقاطع الكلام، أما "الفصل والوصل" عنده فله جانبان؛ أحدهما: مرتبط بالوقوف والابتداء في الخطابة، والآخر مرتبط بكتابة الرسائل ووضع الفواصل بين الكلام٣.
وفي هجوم الباقلاني "ت ٤٠٣هـ" على البحتري في أبياته:
لمحمد بن علي الشرف الذي ... لا يلحظ الجوزاء إلا من عل
وسحابة لولا تتابع مُزْنِها ... فينا لراح غير منخل
والجود يعذله عليه حاتم ... سرفا ولا جود لمن لم يعذل
يقول " ... البيت الأول منقطع عما قبله على ما وصفنا به شعره من قطعه المعاني وفصله بينها وقلة تأتيه لتجويد الخروج والوصل وذلك نقصان في الصناعة وتخلف في البراعة"٤.
وفي مقدمة كتابه يتكلم عن الوجه الثالث من وجوه إعجاز القرآن قائلا "والوجه الثالث: أنه بديع النظم عجيب التأليف ... فالذي يشمل عليه بديع
стр. 14
نظمه المتضمن للإعجاز وجوه: منها ... و ... وأن كلام الفصحاء يتفاوت تفواتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول"١.
والقاضي عبد الجبار "ت ٤١٥هـ" يفسر آية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قائلا: "إن الأولى أن يكون "والراسخون" عطفا على ما تقدم"٢، ويردد الشريف المرتضى "ت ٤٥٦هـ" هذا الرأى في نفس الآية الكريمة٣، وابن رشيق القيرواني "ت ٤٥٦هـ" يتكلم عن المقاطع والمطالع قائلا: اختلف أهل المعرفة في المقاطع والمطالع، فقال بعضهم: هي الفصول والوصول بعينها، فالمقاطع: أواخر الفصول والمطالع أوائل الوصول -وهذا القول هو الظاهر من فحوى الكلام، والفصل آخر جزء من القسيم الثاني: وقال غيرهم: المقاطع منقطع الأبيات، وهي القوافي، والمطالع أوائل الأبيات٤".
أقول: إن مرحلة عدم استقرار المصطلح قد استمرت طوال فترة ما قبل الجرجاني، والذي أبهم المسألة أن الفصل بما تغذى به من معان في علم القراءات كان شِبْهَ واضح في أذهان المتحدثين عنه في البلاغة، لكن لم يتصد واحد منهم ويفصله عن معانيه في علم القراءات وعلم الخط، تلك التي لا تحتاج إليها بلاغة الأسلوب، ثم يحاول رسم الحدود وإبراز المضمون، لم يفعل ذلك سوى عبد القاهر الجرجاني. حتى ابن سنان الخفاجي "ت ٤٦٦هـ" معاصر الجرجاني، راح يدافع عن أن البلاغة قد لا تكون في معرفة الفصل
стр. 15
والوصل١ ثم يشير من بعد إلى أن أحد الأصول في حسن التأليف وضع الألفاظ موضعها حقيقة ... فمن وضع الألفاظ موضعها ألا يكون في الكلام تقديم وتأخير ... أو سلوك الضرورات حتى يفصل فيه بين ما يقبح فصله في لغة العرب كالصلة والموصول وما أشبههما وبين الصلة والموصوف، والأمر وجوابه ... ٢.
وتناول الجرجاني "ت ٤٧١هـ" مصطلح الفصل والوصل.
٢- مرحلة استقرار المصطلح:
جعل الجرجاني المصطلح النحوي قاعدة له، وانطلق منها إلى رحاب البلاغة مطبقا منهجه في "النظم"، فحافظ على قواعد "عطف النسق" واستمد منها ما يخدم "الفصل والوصل".
فالباب المخصص لهذا الحديث في كتابه "الدلائل" مصدر بـ "القول في الفصل والوصل"٣ ومقدمته توضح أن الذي ينبغي "أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض، أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة، تستأنف واحدة منها بعد الأخرى، من أسرار البلاغة٤ تلك التي لا يفهمها إلا "الأعراب الخلص" و"الأقوام طبعوا على البلاغة" و"الأفراد في ذوق الكلام" أما الذين إذا "رأوا جملة قد ترك فيها العطف قالوا: إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك، قد غفلوا غفلة شديدة"٥.
فـ "الفصل والوصل" هو "العطف وترك العطف" من الوجهة البلاغية -وهذه مرحلة دقيقة يمر بها المصطلح البلاغي، فالصل والوصل قد
стр. 16
انطلق -مستندا إلى العطف النحوي- يستشف الأسرار الجمالية للتراكيب والمفردات.
وقد التزم الجرجاني أن ينطلق من القاعدة النحوية، ولكنه لم يسمح لها أن تستولي على مساحة أكبر من المقدر لها.
أ- الأساس النحوي في المصطلح البلاغي عند الجرجاني:
يقول: "واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد ثم نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرف حالها ... "١ و"معلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول، وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب، نحو أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله ... "٢ و"إذا كان هذا أصله في المفرد فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين ... ٣ و"اعلم أنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف العطف، وذاك لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن "الفاء" توجب الترتيب من غير تراخ و"ثم" ... ٤ و"اعلم أنه كما كان في الأسماء ... ، وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد، كذلك يكون في الجمل ... ٥.
وفي هذه النصوص ما يكفي لإثبات التزام الجرجاني بالأساس النحوي لدراسة الفصل والوصل، ومهما يكن من صرامة القواعد وجورها أحيانا فغالبا ما تضفي على الدرس سمة الوضوح ومعرفة الحدود فيسهل الفهم.
стр. 17
ب- الأساس الفني في المصطلح البلاغي عند الجرجاني:
لم يغفل الجرجاني مناسبة إلا ويوضح أن الأمر ليس "عطف جملة على جملة"، وإنما هو وصل معنى بمعنى لاعتبارات جمالية. ففصل معنى عن آخر، ووصل معنى بآخر يحتاج إلى أقوام ذوي ذوق، هم به أفراد، ويحتاج إل تأمل ونظر، لذا نراه في تحليله الجمالي يستند إلى معرفة "الجاري في العرف والعادة" وإلى "ما يحرك السامعين لأن يعملوا" و"يحرك السامع لأن يسأل" وإلى أن "المعاني كالأشخاص" بالإضافة إلى صبره المعروف في تحليل خيوط نسيج كل تركيب.
جـ- المصطلحات التي وردت في بحث الجرجاني:
لا يفوتني أن أوضح هنا أن الجرجاني كان متكلما أشعريا نحويا بلاغيا، وهذا -مع أسباب أخرى- أدى إلى وجود الجانب الجدلي والجانب التعليمي في تحليله للنكت البلاغية، وقد خففت براعته من جفاف الجانب التعليمي، واستمر هذا بدرجة مقبولة عند الزمخشري، حتى إذا جاءت المدرسة السكاكية انطلق الجفاف لا يلوي على شيء.
فترى الجرجاني يصدر معظم فقراته بـ "اعلم أن" ويكثر من سوق الشواهد على ما يقول، ثم ينهى شرحه بقوله " ... فاعرفه" أو " ... فاعرف ذلك" وفي نهاية الفصل يلخص ما عرضه في صفحات من فصل ووصل قائلا: "وإذا قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها فاعلم أنَّا ... " ثم يعيد تلخيص التلخيص قائلا "فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية، أو للاتصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حاليين فاعرفه".
أرأيت
وقد خص الجرجاني الفصل والوصل بـ "العطف وترك العطف" فصار
стр. 18
المصطلح علما على ذلك. وتحددت معالمه وأبقى على مصطلح "القطع" ومصطلح "الاستئناف" وعرف الاستئناف بأنه جعل الكلام جوابا في التقدير، ثم حدد سبب ترك العطف بأنه، يكون إما "للاتصال إلى الغاية" وهذا ما سمي بعد ذلك بـ "كمال الاتصال" و"الانفصال إلى الغاية" وهذا ما سمي بـ "كمال الانفصال" وحدد سبب العطف لما هو واسطة بين الأمرين وكان له حال بين حالتين وهذا ما سمي بعد ذلك بـ "التوسط بين الكمالين".
٣- مرحلة تشعب المصطلح:
ليست القضية تشعب المصطلح أو ندرته، إنما هي مدى حاجتنا إلى المصطلح وإلى تشعبه. أما الجرجاني "ت ٤٧١هـ" فلم يشغل نفسه في البحث عن مصطلحات بقدر ما انشغل بما وراء وصل الموصول وفصل المفصول من أغراض ومبررات منطقية ونفسية وجمالية، حتى القانون الذي وضعه في النهاية لم يضع له مصطلحا، مكتفيا بتخصيص المصطلح العام "الفصل والوصل" بالموضوع وما يندرج تحته من أفكار.
وجاء الزمخشري ولم يكن يفصل بين "الفصل والوصل" في القراءات و"الفصل والوصل" في البلاغة. ووضح ذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ١ إذ رأى أن "الفصل: التمييز بين الشيئين، ومعنى فصل الخطاب: البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه، ومن فصل الخطاب وملخصه أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل، فلا يقف في كلمة الشهادة على المستثنى منه، ولا يتلو قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُصَلِّين﴾ ٢ إلا موصولا بما بعده. ولا ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ﴾ ٣ حتى يصله بقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ ونحو ذلك، وكذلك مظان
стр. 19
العطف وتركه، والإضمار والإظهار والحذف والتكرار، وإن شئت كان الفصل بمعنى الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والصواب والخطأ١.
وكأنه يرى أن ما يؤدي فصله إلى فساد وخلل وجب فيه الوصل، وما يؤدي وصله إلى فساد وخلل وجب فيه الفصل، في القراءات كان أو في البلاغة.
ولم يكن الزمخشري -شأنه شأن الجرجاني- في أثناء تطبيقه الفني لنظرية النظم منشغلا بالبحث عن "مصطلح" لأنه لا حاجة له فيه. وحين انتهت ممارسة التطبيق على يد الزمخشري، صارت مهمة السكاكي -الذي لم يجد في نفسه قدرة الجرجاني أو الزمخشري على الإبداع والإمتاع٢- أن ينظم ويرتب هذا البناء الشامخ. ومن طبيعة التنظيم والترتيب أن تجمع الجزئيات بعضها إلى بعض، وكذا الأشباه والنظائر ويستغنى عن الفضول والاستطراد وهنا يحتاج الأمر إلى المصطلح الذي يوجز الإطناب ويوفر الجهد ويساعد على الاستذكار، وقد كان.
وأطلق السكاكي "ت ٦٢٦هـ" مصطلح "كمال الاتصال" على ما سماه الجرجاني "الاتصال إلى الغاية" وذلك إذا كانت الجملة الثانية موضحة للأولى أو مبينة لها أو مؤكدة لها ومقررة، ويجب فيها الفصل٣ وأبقى على مصطلح "القطع" وجعله نوعين؛ أحدهما: أن يكون للكلام السابق حكم وأنت لا تريد أن تشركه الثاني في ذلك فتقطع، وثانيهما: أن يكون الكلام السابق بفحواه كالمورد للسؤال، فتنزل ذلك منزلة الواقع ويطلب بهذا الثاني وقوعه جوابا له فيقطع عن الكلام السابق لذلك -ثم قسم النوع الأول من
стр. 20
القطع إلى قطع على وجه الاحتياط وقطع على وجه الوجوب، وأبقى على الثاني اسمه، وهو "الاستئناف"١.
وأطلق مصطلح "كمال الانقطاع" على ما سماه الجرجاني "الانفصال إلى الغاية" وهو أن تختلف الجملتان خبرًا وطلبًا أو أن تتفقا خبرًا٢.
وأطلق مصطلح "التوسط بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع" على ما سماه الجرجاني "ما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين الحالين" وذلك إذا اختلفت الجملتان خبرًا وطلبًا"٣.
وخرج ابن الأثير "ت ٦٣٧هـ" عن دائرة "الفصل والوصل" وكمال الاتصال وكمال الانقطاع، لأنه قد اعتد بكتاب "سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي "ت ٤٦٦هـ" الذي كان يبحث في شروط الفصاحة في اللفظة الواحدة وشروطها في الألفاظ، وهاجم من يرى البلاغة في معرفة الفصل من الوصل٤ فقط وفي حديث ابن الاثير عن "الحروف العاطفة والجارة" يقول: "هذا موضع لطيف المأخذ دقيق المغزى وما رأيت أحدا من علماء هذه الصناعة تعرض له، وما أقول إنهم لم يعرفوه"٥! ثم يحلل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ٦ مستعملا للفصل عبارة "حذف الواو" وللوصل "إثباتها"٧.
وجاء القزويني "ت ٧٣٩هـ" وهو رجل سيطرت عليه النزعة التعليمية، فأحال البلاغة إلى قواعد يحفظها الدارسون٨ فأضاف مصطلحين
стр. 21
جديدين هما "شبه كمال الاتصال" و"شبه كمال الانقطاع" وذلك في أثناء حديثه في تلخيصه عن مواطن الفصل يقول: "فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية فالفصل نحو ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ الآية، وإلا، فإن كان بينهما كمال الانقطاع بلا إيهام أو كمال الاتصال أو شبه أحدهما، فكذلك، وإلا، فالوصل١ ويقصد بـ "شبه كمال الانقطاع" أن تكون الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى لكون عطفها عليها موهمًا لعطفها على غيرها٢ ويقصد بـ "شبه كمال الاتصال" أن تكون الثانية بمنزلة المتصلة بالأولى لكونها جوابا عن سؤال اقتضته الأولى٣.
والطريف أن القزويني لم يلتزم بهذين المصطلحين في كتاب "الإيضاح" إنما الذي روج لهما هم شراح التلخيص٤.
وبهذا صار لدينا مصطلح "الفصل والوصل" وخمسة مصطلحات تشعبت منه.
وأرى أننا لسنا بحاجة إلى هذه المصطلحات الخمسة فهي ليست جامعة مانعة، وقد تشكلت تلبية للحاجة التعليمية، وكانت ترجمة لمنهج البلاغة المتفلسفة العقيمة، وأرى أن نقتصر منها على المصطلح الأساسي "الفصل والوصل" ويكون:
الفصل: هو قطع معنى عن معنى بأداة لغرض بلاغي.
والوصل: هو ربط معنى بمعنى بأداة لغرض بلاغي.
стр. 22
الفصل الأول: الفصل والوصل قبل الجرجاني
مدخل
...
الفصل الأول: الفصل والوصل قبل الجرجاني:
من الطبيعي ألا تكون مادة "الفصل والوصل" من ابتكارات الجرجاني، إنما وجد الرجل تراثا مبعثرا فجمع شتاته وضم أوصاله، وأضاف ما أضاف حتى استوى فن "الفصل والوصل" شكلا بارزا له أبعاده وبناء متماسكا له قسماته.
وقد رجع الجرجاني في كتابيه "الدلائل" و"الأسرار" إلى العديد من العلماء ومنهم من تكلم في "الفصل والوصل" من مثل سيبويه والمبرد والجاحظ والعسكري والقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني والصولي، ومعهم غيرهم١.
وسأعرض هنا للجهد الذي بذله بعض السابقين للجرجاني "ت ٤٧١هـ" من نحويين من مثل سيبويه "ت ١٨٠هـ" والفراء "ت ٢٠٧هـ" والمبرد "ت ٢٨٥هـ" وابن جني "ت ٣٩٢هـ" وبلاغيين ونقاد مثل: الجاحظ "ت ٢٥٥هـ" وابن وهب إسحاق بن إبراهيم "ت ٢٧٢هـ" والصولي "ت ٣٣٦هـ" والعسكري أبي هلال "ت ٣٩٥هـ" وابن سنان الخفاجي "ت ٤٦٦هـ" ومفسرين مثل الطبري "ت ٣١٠هـ" والشريف المرتضى "ت ٤٣٦هـ" ومتكلمين مثل القاضي عبد الجبار "ت ٤١٥هـ".
ولا أقصد إلى تعقب التأثير والتأثر فيما بين هؤلاء أو فيما بين بعض منهم وعبد القاهر الجرجاني، فالذي يهمني رصد ما يمكن رصده من شذرات "الفصل والوصل" التي تبعثرت في مختلف البحوث ثم تحولت بطريق مباشر أو غير مباشر -على يد الجرجاني إلى شكل بارز وبناء متماسك يتميز بظهور روح الجرجاني وفنه وفكره.
стр. 23
أولا: في الفصل:
أ- قد يكون الفصل في موضع أبلغ من الوصل:
يروي المرزباني عن الصولي "ت ٣٣٦هـ" تعليقه على بيت امرئ القيس:
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل
يقول الصولي: "ألا ترى أن قوله: "الله أنجح ما طلبت به" كلام مستغن بنفسه، وكذلك باقي البيت، على أن في البيت واو عطف عطفت جملة على جملة، وما ليس فيه واو عطف أبلغ في هذا وأجود، وهو مثل قوله النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المذهب١
فقوله في أول البيت: كلام مستغن بنفسه، وكذلك آخره، حتى لو ابتدأ مبتدئ فقال: "أي الرجال المهذب" لاعتذار أو غيره لأتى بكلام مستوفى لا يحتاج إلى سواه"٢.
ب- للفصل أدوات منها:
-ضمير الفصل
يقول سيبويه في باب ما يكون فيه "هو وأنت وأنا ونحن وأخواتهن، فصلا": "اعلم أنهن لا يكن فصلا إلا في الفعل ولا تكون كذلك إلا في كل اسم، الاسم الذي بعده بمنزلته في حال الابتداء، واحتياجه إلى ما بعده كاحتياجه إليه في الابتداء، إعلامًا بأنه قد فصل الاسم، وإنه فيما ينتظر المحدث ويتوقعه منه، مما لا بد له أن يذكره المحدث لأنك إذا ابتدأت الاسم فإنما تبتدئه لما
стр. 24
بعده، فإذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدأ لا بد منه وإلا فسد الكلام"١.
وضرب المبرد مثلا لضمير الفصل "كان زيد هو العاقل"٢ ويسمه الكوفيون "العماد" لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ تبين أن الثاني خبر لا تابع٣ وضرب الفراء مثلا لذلك قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ... ﴾ ٤ أما الطبري فضرب مثلا آخر. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ٥.
-الجملة المعترضة:
ويفرد ابن جني للجملة المعترضة بابًا في الخصائص فهي من طرق الفصل بين أركان الجملة الواحدة، وبين الجملة والجملة يقول: اعلم أن هذا القبيل من العلم كثير قد جاء في القرآن وفصيح الشعر ومنثور الكلام، وهو جار عندهم مجرى التوكيد، فلذلك لا يشنع عليهم ولا يستنكر عندهم أن يعترض به بين الفعل وفاعله، وغير ذلك، مما لا يجوز الفصل فيه بغيره إلا شاذا أو متأولا، قال : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ﴾ ٦ فهذا فيه اعتراضان، أحدهما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ... والآخر قوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ، فذانك
стр. 25
اعتراضان كما ترى، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لوجب أن يكون، فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم١."
ومثله ما أشار إليه ابن وهب صاحب البرهان في باب "في القطع والعطف" ويقصد به الفصل بالجمل المعترضة يقول: "مما قطع الكلام فيه وأخذ في فن آخر من القول ثم عطف عليه بتمام القول الأول، قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ ... ﴾ ٢ ثم قطع وأخذ في كلام آخر، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ثم رجع إلى الكلام الأول فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣ ومثل ذلك ما حكاه عن لقمان في وصيته لابنه٤.
الاستثناء المنقطع:
ويذكر الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ ٥ يقول: ويخرج "بإلا" ما بعدها من معنى ما قبلها ومن صفته وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه، ويسمى ذلك بعض أهل العربية "استثناء منقطعًا" لانقطاع الكلام الذي يأتي بعد "إلا" عن معنى ما قبلها، وإنما يكون ذلك في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان "إلا" "لكن" فيعلم حينئذ انقطاع معنى الثاني عن معنى الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ ثم أردت وضع "لكن" مكان "إلا" وجدت الكلام صحيحا معناه صحته وفيه "إلا" وذلك إذا قلت: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب لكن أماني يعني لكنهم يتمنون،
стр. 26
وكذلك يتبعون الظن، وكذلك جميع هذا النوع من الكلام على ما وصفنا"١.
طرح الواو
وهو المشهور.
حـ- قد يكون الفصل ...
للتفسير:
وذكره الفراء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ٢ وقد جاءت جملة "يذبحون" مرة بالواو ومتصلة بما قبلها٣ وأخرى بدون واو ومنفصلة عما قبلها، ويفسر الفراء معنى طرح الواو: كأنه طرح لصفات العذاب، وإذا كان الخبر من العذاب، وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملا في كلمة ثم فسرته فاجعله بغير الواو، وإذا كان أوله غير آخره فبالواو"٤.
للإيجاز:
وذلك بإبدال ما هو أعرف بما هو أعرف منه، يقول سيبويه في باب "بدل المعرفة من النكرة، والمعرفة من المعرفة، وقطع المعرفة من المعرفة مبتدأة" ... أما بدل المعرفة من النكرة فقولك: "مررت برجل عبد الله" فكأنه قيل له: بمن مررت؟ أو يظن أنه يقال له ذلك، فأبدل مكانه ما هو أعرف منه، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ ٥ ... ، وكذلك قول الشاعر:
стр. 27
ولقد خبطن بيوت يشكر خبطة ... أخوالنا وهم بنو الأعمام١
كأنه حين قال: خبطن بيوت يشكر، قيل: ما هم؟ فقال: أخوالنا وهم بنو الأعمام، وقد يكون: مررت بعبد الله أخوك، كأنه قيل له من هو؟ أو من عبد الله؟ فقال "أخوك" ... ، وتقول: ومررت برجل الأسد شدة، كأنك قلت: مررت برجل كامل، لأنك أردت أن ترفع شأنه، وإن شئت استأنفت، كأنه قيل له: ما هو؟ ٢.
ومثله ما ذكره الفراء في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣ فإسقاط الفاء من ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ وهو كثير في القرآن بغير الفاء، وذلك لأنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه فيقال: ماذا قال لك؟ فيقول القائل: قال كذا كذا. فكأن حسن السكوت يجوز معه طرح الفاء وأنت تراه في رءوس الآيات لأنها فصول، حسنًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا ... ﴾ ٤ وقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٥ وغير ذلك فيما لا أحصيه٦.
ويرى الجاحظ: أن آية ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ٧ جواب لقول القائل: خبرني عن أهل الجنة بأي شيء يتشاغلون؟ ٨.
стр. 28
ويضرب المبرد لذلك مثلا: آية ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ فكأنه قيل: فإذا قال لكما ما شانكما؟ فقولا ذلك٢.
والفصل للإيجاز يكون بين المفردات أيضا:
ويكمل الفراء حديثه في الكلام المكتفي يأتي له جواب متمثلا في المفردات أيضا، في آية التوبة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ... ﴾ ٣ وذلك بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ... ﴾ ٤ ثم يعلق: "فاعرف بما جرى تفسير ما بقي، فإنه لا يأتي إلا على الذي أنبأتك به من الفصول، أو الكلام المكتفى يأتي له جواب٥.
ويذكر ابن جني مثلا آخر لحذف الواو بين الذي هو أعرف والذي هو أعرف منه، (البدل والمبدل منه) ... ما أنشده ابن الأعرابي:
وكيف لا أبكي على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي٦
أي: صبائحي وغبائقي وقيلاتي. ويجوز أن يكون بدلا، أي: كيف لا أبكي على علاتي التي هي صبائحي وهي غبائقي وهي قيلاتي، فيكون هذا من بدل الكل٧.
للإيضاح
من ذلك ما قاله الشريف المرتضى في "أماليه"، في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يقول: ويمكن أيضا على هذا الوجه مع عطف "الراسخين" على ما تقدم وإثبات العلم بالمتشابه لهم، أن يكون قوله: "يقول آمنا به" استئناف جملة استغني فيها عن حرف العطف، كما استغني في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ﴾ ٨ ونحو ذلك مما للجملة الثانية فيه التباس في الجملة الأولى، فيستغنى به عن حرف العطف، ولو عطف بحرف العطف، كان يُنَزِّل الملتبس منزلة غير الملتبس٩.
стр. 29
٢ في الوصل:
"أ" للواو موضع لا تصلح فيه الفاء:
يقول سيبويه في وصل المفردات، لو قلت: "مررت بزيد أخيك وصاحبك" كان حسنًا، ولو قلت: مررت بزيد أخيك فصاحبك، والصاحب زيد لم يجز، وكذلك لو قلت: زيد أخوك فصاحبك ذاهب، لم يجز، ولو قلتها بالواو حسنت، كما أنشد كثير من العرب لأمية ابن أبي عائذ:
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعث مراضيع مثل السعالي١
ولو قلت: فشعث، قَبُح٢.
стр. 30
ويعلل "الأعلم" سبب الحسن مع وجود الواو، وسبب القبح مع دخول الفاء لقوله: "حمل شعث على عطل لأنهما صفتان ثابتتان معا في الموصوف. فعطفت إحداهما على الأخرى بالواو، لأن الواو معناها الاجتماع ولو عطفت بالفاء لم يجز لأن الفاء للتفرقة١.
"ب" الجملة تأتي موصولة مرة ومفصولة أخرى للتفسير:
وذلك في قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ٢. فجملة "يذبحون" جاءت مرة بالواو ومتصلة بما قبلها، وأخرى بدون الواو ومنفصلة عما قبلها٣، ويفسر الفراء ذلك بقوله: "فمعنى الواو أنه يمسهم العذاب غير التذبيح، كأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح، ومعنى طرح الواو، كأنه طرح لصفات العذاب، وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملا في كلمة ثم فسرته، فاجعله بغير الواو، وإذا كان أوله غير آخره فبالواو٤، ويضرب مثلا آخر للمجمل قوله : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ٥، فالآثام فيه نية العذاب قليله وكثيره، ثم فسره بغير الواو فقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٦، ولو كان غير مجمل لم يكن ما ليس به تفسيرا له، ألا ترى أنك تقول: عندي دابتان بغل وبرذون ولا يجوز: عندي دابتان وبغل وبرذون، وأنت تريد تفسير الدابتين بالبغل والبرذون. ففي هذا كفاية عما نترك من ذلك فقس عليه٧.
стр. 31
"ج" جواز وصل الجملة الخبرية بالجملة الإنشائية خلافًا للمشهور:
ذكر السبكي أن الشيخ "أبا حيان" نقل عن سيبويه جواز عطف المختلفتين بالاستفهام والخبر مثل: هذا زيد ومن عمرو؟ وقد تكلموا على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ١، ويعقب السبكي "لا خلاف بين الفريقين لأنه عند من جوزه يجوز لغة ولا يجوز بلاغة"٢.
ويعلق الدكتور عبد القادر حسين "ولا ندري لماذا لم يأخذ البلاغيون بجواز عطف الإنشاء على الخبر أو العكس، وإن وجدوا شيئا من ذلك أولوه، وقدروا عطف خبر على خبر أو إنشاء على إنشاء٣، ولماذا لم يكن شأن البلاغيين شأن النحاة في قبول هذا الرأي ولو كان البلاغيون رفضوا هذا النوع لأنهم لم يجدوا إلا أمثلة من صنع النحاة لالتمسوا لهم العذر في هذا الرفض. ولكن القرآن شاهد بهذه الآية على وجود هذه الصورة، ولا نقتنع بقول السبكي: إن هذا يجوز لغة ولا يجوز بلاغة ... وقد ساورني الشك أول الامر على اعتبار أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ربما تكون للحال وليست للعطف فتخرج الآية عن صحة الاستدلال بها في عطف الخبر على الإنشاء ... ففتشت في تفسير الطبري والكشاف والقرطبي والبيضاوي فما وجدت أحدًا قد عرض لهذه الواو في كونها للعطف أو للحال"٤.
"د" قد يكون الوصل
- لأمن اللبس:
ذكر الجاحظ القصة المشهورة عن أبي بكر. قال: ومر رجل بأبي بكر رضي الله تعالى عنه ومعه ثوب. فقال: أتبيع الثوب؟ فقال: لا عافاك الله، فقال
стр. 32
أبو بكر: لقد علمتم، لو كنتم تعلمون، قل: لا وعافاك الله١، وكذا قصة المجاشعي، أن الحسن البصري كان يخطب في دم كان فيهم، فأجابه رجل بأن قال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم، فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم وآجرك الله٢.
- للتمييز تشريفًا:
ولا يبيح ابن جني عطف الخاص على العام إلا لميزة يتمتع بها ذلك الخاص، لأنه يدخل في جملة العام، والشيء لا يعطف على نفسه، يقول: "وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد معهم، لأن الشيء لا يعطف على نفسه. كذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ٣ لا يكون جبريل وميكال داخلين في جملة الملائكة، لأنهما معطوفان عليهم، فلا بد أن يكونا خارجين منهم، مازَ "جبريل" و"ميكال" من جملة الملائكة تشريفًا لهما٤، وقد وضح هذا المغزى البلاغي قبل ابن جني أستاذه أبو علي الفارسي "٣٧٧هـ" مستشهدا في بيانه بعديد من الآيات القرآنية٣.
- لتوكيد تفرد العلم الإلهي بالتأويل:
يقف القاضي عبد الجبار أمام القصد من عطف ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وكيف لا يتعارض علم هؤلاء الراسخين بتأويل متشابه القرآن مع تفرده سبحانه بالعلم الإلهي، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
стр. 33
تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ١، يقول القاضي: "اعلم أن الأولى في معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أن يكون عطفا على ما تقدم، ودالا على أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله بإعلام الله تعالى إياهم، ونصبه الأدلة على ذلك، فيكون قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ﴾ دلالة على أنهم برسوخهم في العلم يجمعون بين الاعتراف والإقرار، وبين المعرفة، لأنه تعالى مدحهم بذلك ولا يتكامل مدحهم إلا بضم الإيمان والتصديق وإظهار ذلك، إلى المعرفة بتأويله"٢.
هذا لو كان واو "الراسخون" للعطف، ولكن كبيرا من شيوخ المعتزلة رأى أنها للاستئناف، ولو كانت عطفا لشارك الراسخون ربهم -سبحانه- في العلم بالتأويل. فيجيب القاضي: فإن قال "قائل" أليس قد قال كبير من شيوخكم: إن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يقتضي تمام الكلام، وأنه تعالى المتفرد بعلم تأويله، ثم استأنف قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا﴾ ، ولذلك علق بذكرهم خبرا، ولو كان عطف على ما تقدم لم يصح ذلك فيه، أفما يدلكم ذلك على بطلان ما قدمتم، قيل له: إن من يذهب في تأويله الآية إلى هذه الطريقة "يقصد ذلك المعتزلي" لا يمنع من أن يعلم العلماء المراد بالمتشابه، لكنه يقول: إنه أراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ على نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ ٣، أراد بالتأويل المتأول، وهو المتفرد بالعلم بالمتأول وأوقاته وأحواله"٤.
وبعد، فهذا ما تمكنت من جمعه من نصوص تبعثرت في ثنايا البحوث المختلفة بعضها في الفصل والآخر في الوصل، ولم أقصد أن أقول: إن الجرجاني تأثر بها
стр. 34
هي في ذاتها بقدر ما أحاول أن أرصد حركة المادة نفسها، شكل الحياة التي عاشتها قبل أن تمتد إليها يد الجرجاني، بغض النظر عن تأثره بها في ذاتها أو بغيرها الذي لم يصل إلينا أو وصل، لأنه لم ينص على شيء في ذلك.
والظاهرة الملموسة فيما عرضت من جهود أنها تميل إلى رصد القاعدة، وأنها عَدَّدَتْ أدوات الفصل، ولم تقصره على طرح الواو فقط، وأنها لم تتوقف عند التحليل الجمالي بقدر ما كانت تحاول الشرح وضرب الأمثلة، بالإضافة إلى أنها كانت تعرض للفصل والوصل بالقدر الذي يحتاجه الموضوع الرئيسي الذي يعالجه صاحبه من تفسير أو نحو أو كلام أو موضوعات بلاغية، ولم يلتفت أي منهم إلى ضم الأجزاء وعرضها في سياق متصل كما فعل الجرجاني، وبالرغم من ذلك فإن لهم فضل السبق والتمهيد.
стр. 35
الفصل الثاني: الفصل والوصل والجرجاني
أولا: إعادة التشكيل
مادة الفصل
...
أولا: إعادة التشكيل:
"أ" مادة الفصل:
"أ" الجرجاني يعيد تشكيل مادة الفصل:
سأعتمد هنا نفس ألفاظ الجرجاني مع إيجاز الإطناب، والتقديم والتأخير بما يخدم عرض الموضوع، ناظرًا بعين الاعتبار لما عرضت سابقًا من جهود العلماء السابقين على الجرجاني.
١- الجرجاني يعرف بالفصل والوصل ويبين أهميتهما:
يقول: "الوصل في الجمل عطف بعضها على بعض، والفصل ترك العطف فيها، والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد الأخرى"١، ثم يقول: "إن معرفة الفصل من الوصل مما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا للأعراب الخلص وإلا قوم طبعوا على البلاغة، وأوتوا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد"٢، و" ... اعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: "إنه خفي غامض، ودقيق صعب" إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب"٣.
٢- من أدوات الفصل عند الجرجاني:
"أ" ضمير الفصل: ... في مثل:
وأرضى بها من بحر آخر إنه ... هو الري أن ترضى النفوس ثمادها٤
"ب" الفصل بالجملة المعترضة: في مثل قول الشاعر:
وإني "على إشفاق عيني من العدا ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق٥
стр. 36
"ج" طرح الواو وهو المشهور.
٣- الفصل في المفردات مدخل إلى الفصل في الجمل:
يقول: "كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغنى بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه، وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكَّد، كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغنى بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها. فإذا قلت: "جاءني زيد الظريف" و"جاءني القوم كلهم" لم يكن "الظريف" و"كلهم" غير زيد وغير القوم١.
٤- الفصل في الجمل:
ويكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغنى بربط معناها لها عن حرف عطف بربطها وهي:
"أ" كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف، والتأكيد غير المؤكد، ومثال ما هو من الجمل كذلك. مثل قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٢ قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ بيان وتوكيد وتحقيق لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ وزيادة تثبيت له وبمنزلة أن نقول: "هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب"٣.
ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
стр. 37
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ توكيد ثانٍ أبلغ من الأول٢.
- وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ٣، إنما قال: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ولم يقل: "ويخادعون" لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم "آمنا" من غير أن يكونوا مؤمنين. فهو إذن، أُكِّد به كلام آخر هو في معناه وليس شيئا سواه٤.
٥- الجمل المفصولة المؤكدة للجمل المنفية:
"ومما جاء فيه الإثبات بـ "إن وإلَّا" على هذا الحد قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٦.
أفلا ترى أن الإثبات في الآيتين جميعا تأكيد وتثبيت لنفي ما نفي، فإثبات ما علمه النبي ﷺ وأوحى إليه ذكرًا وقرآنًا تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون قد علم الشعر -وكذلك إثبات ما يتلوه عليهم وحيًا من الله تعالى تأكيد وتقرير لنفي أن يكون نطق به عن هوى"٧.
стр. 38
٦- جمل الحال المفصولة:
"أ" فصل جمل الحال الاسمية:
إن كان الخبر في جملة من المبتدأ والخبر ظرفًا، ثم كان قُدِّم على المبتدأ كقولنا: "عليه سيف" و"في يده سوط" كثر فيها أن تجيء بغير واو. فمما جاء منه قول بشار في مدح خالد بن برمك:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي على سواد
يعني: علي بقية من الليل
وقد يجيء ترك "الواو" فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ذلك قولهم: "كلمته فوه إلى في"، و"رجع عوده على بدئه" في قول "من رفع" ومنه بيت الإصلاح١.
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدرى٢
"ب" فصل جمل الحال الفعلية:
١- جملة الحال ذات المضارع المثبت:
وهذه لا تكاد تجيء بالواو، بل ترى الكلام على مجيئها عارية من الواو، كقولك: "جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه"، وكقول الشاعر:
وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قُدَيْدِيمَة الجوزاء مسموم٣
стр. 39
٢- ذات المضارع المنفي:
ومع هذه يتغير الحكم، فتجيء الواو، وتترك كثيرا، وذلك مثل قولهم:
"كنت ولا أخشى بالذئب"١، وقول مالك بن رفيع وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير:
بغاني مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد
أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد٢
فأما مجيء المضارع منفيًا حالا من غير الواو، فيكثر أيضا ويحسن، فمن ذلك قوله:
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر٣
٣- ذات الماضي:
ولا تقع حالا إلا مع "قد" مظهرة أو مقدرة -أما مجيئها "بالواو"، فالكثير الشائع، كقولك: "أتاني وقد جهده السير"، وأما بغير "الواو"، فكقوله:
متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل٤
стр. 40
ب- مادة الوصل:
١- منزلة الواو بين أدوات الوصل:
إنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف، وذاك، كما يقول الجرجاني - لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن "الفاء" توجب الترتيب من غير تراخ، و"ثم" توجبه مع تراخ، و"أو" تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا بعينه ... وليس "للواو" معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول ... ولا يتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه، وإذا كان كذلك -ثبت إشكال المسألة١.
٢- الواو تصل بين الأشباه والنظائر:
وذلك ألا تقول: "زيد قائم وعمرو قاعد" حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني، وجملة الأمر، أنها لا تجيء حتى يكون المعنى لِفْقًا لمعنى في الآخر، ومضاما له، مثل، زيد وعمرو، إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة، فلو قلت: "خرجت اليوم من داري" ثم قلت: "وأحسن الذي يقول بيت كذا" قلت ما يضحك منه، ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله:
لا والذي هو عالم أن النوى صبر ... وأن أبا الحسين كريم
وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ولا تعلق لأحدهما بالآخر٢.