سبحان الله يسرد الصوم ثمانية وسبعين سنة لا يفطر إلا في العيدين وأيام التشريق.
(٤٩) صوم السكن ابن جميع
أبي محمد. قال: سردت الصوم ولي ثمان وعشرون سنة ولي الآن سبع وثمانون سنة، وكذا سرد الصوم أبي وجدي (١) .
وهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه ... ويزرع إلا في منابته النخل
(٥٠) صوم الصوري
الإمام الحافظ البارع الحجة أبي عبد الله محمد بن علي بن رحيم الشامي الصوري تلميذ الحافظ عبد الغني.
كان ﵀ يسرد الصوم إلا الأعياد (٢) .
(٥١) صوم الدوني
الشيخ العالم الزاهد أبي محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني.
وهو آخر من روى كتاب "المجتبى" من سنن النسائي.
قرأ عليه السلفي كتاب النسائي.
قال السلفي: قال ابنه أبو سعد لي: لوالدي خمسون سنة ما أفطر النهار (٣)(٥٢) صوم العماد المقدسي
العالم، الإمام، الزاهد، القدوة، بركة الوقت، عماد الدين أبو إسحاق إبراهيم المقدسي أخو الحافظ عبد الغني.
стр. 142
كان الشيخ الموفق يقول: ما نقدر نعمل مثل العماد.
قال الضياء: لم أر أحداً أحسن صلاة منه ولا أتم خشوع وخضوع، قيل: كان يسبح عشراً يتأنى فيها، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان إذا دعا كان القلب يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه، ومن دعائه المشهور: "اللهم اغفر لأقسانا قلباً، وأكبرنا ذنباً، وأثقلنا ظهراً، وأعظمنا جرماً".
"يا دليل الحيارى دلنا على طريق الصادقين واجعلنا من عبادك الصالحين".
قال عنه الموفق: ما أعلم أنني رأيت أشد خوفاً منه (١) .
(٥٣) صوم ثابت البناني
المتعبد الناحل، والمتهجد الذابل أبي محمد.
قال عنه أنس: إن للخير مفاتيح, وإن ثابتاً مفتاح من مفاتيح الخير.
قال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في يوم وليلة، ويصوم الدهر.
قال بكر بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني فما أدركت الذي هو أعبد منه، إنه ليظل في اليوم المعمعاني (٢) الطويل ما بين طرفيه صائماً يروح ما بين جبهته وقدمه (٣) .
وكان ﵀ يقول: لا يسمى عابد أبداً عابداً، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان، الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه (٤) .
قال المبارك بن فضالة: دخلت على ثابت البناني في مرضه وهو في علوله، وكان لا يزال يذكر أصحابه فلما دخلنا عليه، قال: يا إخوتاه لم أقدر أن أصلي البارحة كما كنت أصلي، ولم أقدر أن أصوم كما كنت أصوم، ولم أقدر أن أنزل
стр. 143
إلى أصحابي فأذكر الله كما كنت أذكره معهم، ثم قال: اللهم إذ حبستني عن ثلاث فلا تدعني في الدنيا ساعة، [أو قال] إذ حبستني أن أصلي كما أريد وأصوم كما أريد وأذكرك كما أريد فلا تدعني في الدنيا ساعة، فمات من وقته ﵀ (١) .
يرحم الله ثابتا.. وأقر عينه في جناته.
(٥٤) صوم سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فقيه العصر، صائم الدهر، المتعبد القارئ، الكاسي العاري سعد بن إبراهيم الزهري.
قال شعبة: كان سعد بن إبراهيم يصوم الدهر (٢) .
كان ﵀ يحتبي فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن.
قال إبراهيم بن سعد: كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين لم يفطر، حتى يختم القرآن، وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة، وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة، وكان كثيراً إذا أفطر يرسلني إلى مساكين يأكلون معه (٣) .
(٥٥) صوم وكيع بن الجراح
النصّاح والمفهم المفصاح أبو سفيان وكيع بن الجراح!، الإمام الحافظ الرؤاسي محدث العراق، كان من بحور العلم وأئمة الحفظ.
قال يحيى بن معين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه.
стр. 144
قال الإمام أحمد: ما رأيت قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع.
وقال عنه وكيع: إمام المسلمين في زمانه.
قال له الفضيل بن عياض: ما هذا السمن، وأنت راهب العراق؟ قال: هذا من فرحي بالإسلام فأفحمه (١) .
قال يحيى بن أكثم: صحبت وكيعاً في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة (٢) .
قال الذهبي: "رضي الله عن وكيع وأين مثل وكيع" (٣) .
قال ابن عمار: كان وكيع يصوم الدهر، ويفطر يوم الشك والعيد (٤) .
* كان وكيع لا ينام حتى يقرأ جزءه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.
قال أبو جعفر الجمّال: أتينا وكيعاً فخرج بعد ساعة، وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به، فزعنا من النور الذي يتلألأ من وجهه، فقال رجل بجنبي: أهذا ملك؟ فتعجبنا من ذلك النور (٥) .
(٥٦) صوم أبي بكر بن عيّاش
القارئ الهشاش، العابد البشاش أبو بكر بن عياش كان في العداد واحداً، وفى العبادة شاهداً (٦) .
كان ﵀ يقول: يا ملكيّ ادعوا الله لي فإنكما أطوع لله مني وكان
стр. 145
رحمه الله يقول: إن أحدهم لو سقط منه درهم لظل يوم يقول: إنا لله، ذهب درهمي، ولا يقول ذهب يومي ما عملت فيه (١) .
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (١/٧٩) : "هو الإمام المجمع على فضله".
روينا عن ابنه إبراهيم قال: قال لي أبي: إن أباك لم يأت بفاحشة قط، وإنه يختم القرآن منذ ثلاثين سنة كل يوم مرة.
وروينا عنه أنه قال لابنه: يا بنيّ إياك أن تعصي الله في هذه الغرفة، فإني ختمت فيها اثني عشر ألف ختمة.
وروينا عنه أنه قال لبنته عند موته وقد بكت: يا بنية لا بتكي، أتخافين أن يعذبني الله تعالى وقد ختمت في هذه الغرفة أربع وعشرين ألف ختمة.
قال الحافظ ابن حجر في ترجمته:
"ولد سنة ٩٥ أو ٩٦، ومات سنة ١٩٣، وكان قد صام سبعين سنة وقامها، وكان لا يعلم له بالليل نوم" (٢) .
(٥٧) صوم جعفر بن الحسن الدرزيجاني المقرئ
الزاهد الفقيه الحنبلي.
قال عنه الحافظ ابن رجب: "كان من عباد الله الصالحين، أمّاراً بالمعروف، نهّاء عن المنكر، وله المقامات المشهورة في ذلك.
كان مداوماً على الصيام والتهجد والقيام، وله ختمات كثيرة جداً، كل ختمة منها في ركعة، توفي في الصلاة ساجداً سنة ٥٠٦ رحمه الله تعالى (٣) .
стр. 146
(٥٨) صوم رحلة العابدة مولاة معاوية
عن سعيد بن عبد العزيز قال: ما بالشام ولا بالعراق أفضل من رحلة ودخل عليها نفر من القرّاء، فكلموها في الرفق بنفسها فقالت: "ما لي وللرفق بها؟ فإنما هي أيام مبادرة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غداً، والله يا إخوتاه لأصلين ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي" ثم قالت: أيكم يأمر عبده بأمر فيحب أن يقصر فيه، ولقد قامت رحمها الله حتى أقعدت، وصامت حتى اسودت، وبكت حتى عمشت، وكانت تقول "علمي بنفسي قرّح فؤادي، وكلم قلبي، والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئاً مذكوراً".
وكانت رحمها الله تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين فى سبيل الله (١) .
(٥٩) صوم ميمونة بنت الأقرع
عابدة زاهدة كتبت عن الإمام أحمد بن حنبل أشياء، وأخبر المروزي فقال: ذكرت لأحمد بن حنبل ميمونة بنت الأقرع فقلت له: "إنها أرادت أن تبيع غزلها فقالت للغزال: إذا بعت هذا الغزل فقل إني ربما كنت صائمة فأرخي يدي فيه، ثم ذهبت ورجعت فقالت: رد عليّ الغزل أخاف ألا تبين للغزال هذا" (٢) .
(٦٠) صوم أبي حنيفة
عن الحسن بن عمارة أنَّه غسل حين توفي وقال: غفر الله له، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة (٣) .
стр. 147
(٦١) صوم محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي وهب
قال الواقدي: كان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة، فلو قيل له أن القيامة تقوم غداً ما كان فيه يزيد الاجتهاد، وقال أخوه: أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ثم سرده (١) .
(٦٢) صوم الملك العادل نور الدين محمود زنكي
الشهيد بن الشهيد والقسيم بن القسيم.
قال ابن كثير: "صاحب بلاد الشام وغيرها من البلدان الكثيرة الواسعة، كان مجاهداً في الفرنج، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، محباً للعلماء والفقراء والصالحين، مبغضاً للظلم، صحيح الاعتقاد، مؤثراً لأفعال الخير، لا يجسر أحد أن يظلم أحداً في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع، وكان مدمناً لقيام الليل، يصوم كثيراً ويمنع نفسه من الشهوات، وكان يحب التيسير على المسلمين، ويرسل البر إلى العلماء الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، وليست الدنيا عنده بشيء ﵀ وبلّ ثراه بالرحمة والرضوان".
قال ابن الجوزي: استرجع نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى من أيدي الكفار نيفاً وخمسين مدينة.
"وكان قد عزم على فتح بيت المقدس شرفه الله فوافته المنية في شوال من هذه السنة (٥٦٩ هـ) والأعمال بالنيات فحصل له أجر ما نوى" (٢) .
"وكان نور الدين يأمر الولاة والأمراء في الموصل ألا يفعلوا أمراً حتى يعلموا به الشيخ عمر الملا من الموصل وكان من الصالحين الزهاد، وكان نور الدين يستقرض
стр. 148
منه في كل رمضان ما يفطر عليه، وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق فيفطر عليه جميع رمضان" (١) .
يرحم الله نور الدين لا يطعم ولا يفطر في رمضان على طعام المملكة بل يفطر على طعام شيخه.
وهو الذي قال عنه ابن الأثير: "لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحريّاً للعدل والإنصاف منه، وكان مقتصداً في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم، فكان يقتات منها".
كتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا: "إن المفسدين قد كثروا، ويحتاج إلى سياسة، ومثل هذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب، وإذا أخذ إنسان في البرية من يجيء ويشهد له؟ فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه: إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم، فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب وجعل يقول انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك، وكتاب الملك إلى الزاهد".
فألبس الله هاتيك العظام وإن ... بلين تحت الثرى عفوا وغفرانا
سقى ثرى أودعوه رحمة ملأت ... مثوى قبورهم روحاً وريحاناً
ويرحم الله من يقول:
ومدرسة ستدرس كل شيء ... وتبقى في حمى علم ونسك
تضوع ذكرها شرقاً وغرباً ... بنور الدين محمود بن زنكي (٢)
стр. 149
(٦٣) صوم الشيخ الورع علي العياش: يصوم يوماً ويفطر يوما
"الشيخ الصالح الورع المجدّ على العبادة ليلا ونهارا. كان من أجل أصحاب سيدي أبي العباس الغمري وسيدي إبراهيم المتبولي كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" (١) .
ونختم بختام المسك من آل هاشم.
(٦٤) صوم السيدة المكرمة الصالحة نفيسة ابنة الحسن بن زيد ابن السيد سبط النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ العلوية الحسنية
"كانت رحمها الله وأكرمها بين الصالحات العوابد، زاهدة، تقية نقية، تقوم الليل، وتصوم النهار حتى قيل لها: "ترفقي بنفسك" لكثرة ما رأوا منها فقالت: "كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟ " حجت ثلاثين حجة وكانت تحفظ القرآن وتفسيره (٢) .
قال عنها ابن كثير: "كانت عابدة زاهدة كثيرة الخير".
"توفيت رحمها الله تعالى وهي صائمة، فألزموها الفطر، فقالت: "واعجباه! أنا منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائمة، أأفطر الآن هذا لا يكون" وخرجت من الدنيا، وقد انتهت قراءتها إلى قوله: (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة) (٣) .
ويرحم الله من قال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم [علي] حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
стр. 150
إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا ... مُرزَّءون بهاليل إذا حشدوا
محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا
قال عمر: "أحسن، وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله ﷺ وقرابتهم منه" (١) .
ونختم سادات الصائمين بالعجب العجاب:
(٦٥) زيد بن بندار بن زيد أبو النخاني يصوم هو وابنه وامرأته نحو أربعين سنة
رحم الله أبا جعفر زيد بن بندار بن زيد أبو النخاني.. "كان من العابدين" (٢) ، قال عنه أبو نعيم الأصبهاني: "من الفقهاء، صام نحو أربعين سنة هو وابنه وامرأته توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين" (٣) .
أخي: هل سمعت بأعجب من هذا ... ﵏ أهل بيت عابدين ... ما سمعنا بمثل قصتهم هذه أبدا.
***
стр. 151
الباب السادس
بين يدي رمضان
стр. 152
إذا العشرون من شعبان ولت
يا إخوتاه ليس من رغب إلى الله كمن رغب عن الله -ليس من بقي مع الله كمن بقي عن الله- ليس من عمره كله رمضان كمن عمره كله للجشاء والطعام فمن الناس قوم قبل رمضان يأخذون بحظ أنفسهم من الشهوات والأكل ويقولون هي أيام توديع للأكل والطعام.
وربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة بل يتعدى إلى المحرمات وهذا هو الخسران المبين، وأنشد لبعضهم:
إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار
ونرد عليه:
إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل ذكر ليلك بالنهار
وقال آخر:
جاء شعبان منذراً بالصيام ... فاسقياني راحا بماء الغمام
ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه وله نصيب من قوله: (وقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها) الآية وربما تكره كثير منهم بصيام رمضان حتى أن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعراً:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.
стр. 153
وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام.
وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان فيطول عليه ويشق على نفسه مفارقتها لمألوفها فهو يعد الليالي ليعود إلى المعصية وهؤلاء مصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.
كما يقول قائلهم أحمد شوقي:
رمضان ولى هاتها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق
وحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة وقد رويت من وجوه وهو أنه كان مصرّاً على شرب الخمر فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنوراً فحملها فألقاها في التنور فاحترقت وكان بعد ذلك قد تاب وتعبد فرؤي له في النوم أن الله قد غفر للحاج كلهم سواه، فمن أراد الله به خيراً حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فصار من الراشدين، ومن أراد به شرّاً خلى بينه وبين نفسه فأتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين - فالحذر الحذر من المعاصي فكم سلبت من نعم وكم جلبت من نقم وكم خربت من ديار وكم أخلت ديارا من أهلها فما بقي منهم ديّار، كم أخذت من العصاة بالثمار، كم محت لهم من آثار.
يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه ... عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر
فكل نفس ستجزى بالذي كسبت ... وليس للخلق من ديانهم وزر (١)
فيا من ذنوبه كثيرة لا تُعدّ، ووجه صحيفته بمخالفته قد اسودّ، كم ندعوك إلى الصيام وتأتي إلى الصدّ، أما الموت قد سعى نحوك وجدّ، أما عزم أن يلحق بالأب والجد، أما ترى منعما أترب الثرى منه الخد، فاحذر أن يأتي على العاصي فإنه إذا أتى أبى الرد.
стр. 154
ألم يأن تركي ما عليّ ولا ليَا ... وعَزْمي على ما فيه إصلاح حاليا
وقد نال مني الدهر وابيض مفرقي ... بكرّ الليالي والليالي كما هيا
أصوّتُ بالدنيا وليست تجيبني ... أحاول أن أبقى وكيف بقائيا
وما تبرح الأيام تحذف مدتي ... بعد حساب لا كعدّ حسابيا
أليس الليالي غاصباتي مهجتي ... كما غصبت قبلي القرون الخواليا
وتسكنني لحداً لدى حفرة بها ... يطول إلى أخرى الليالي ثُوائيا
فيا ليتني من بعد موتي ومبعثي ... أكون ترابًا لا عليّ ولا ليَا
فاغتنموا إخواني زمنكم، وبادروا بالصحة سقمكم، واحفظوا أمانة التكليف لمن أمنكم، وكأنكم بالحميم وقد دفنكم، وبالعمل في القبر قد ارتهنكم (١) ؟
أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ليلهم قيام ونهارهم صيام؟!
باع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتها فقالوا نتهيأ لصيام رمضان فقالت وأنتم لا تصومون إلا رمضان! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني عليهم.
باع الحسن بن صالح جارية له فلما انتصف الليل قامت فنادتهم يا أهل الدار الصلاة الصلاة، قالوا طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة!! ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني إلى قوم لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني.
قيل لبشر إن قوماً يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقط فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقّاً إلا في رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها.
وقيل لأحد الصالحين أيهما أفضل رجب أو شعبان فقال: كن ربانيّاً ولا تكن شعبانيّاً.
قال بعض السلف: صم الدنيا، واجعل فطرك الموت، الدنيا كلها شهر
стр. 155
رمضان، المتقون يصومون فيه عن الشهوات المحرمات فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.
وقد صمت عن لذّاتِ دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجّل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته. شاهد ذلك قوله: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) [الأحقاف: ٢٠] (١) .
التهنئة بقدوم رمضان
"كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما أخرجه الإمام أحمد، والنسائي فعن أبي قلابة عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ يبشر أصحابه "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" (٢) .
قال ابن رجب: "هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان.
من أين يشبه هذا الزمان زمان؟!
قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم.
وقال يحيى بن أبي كثير: "كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا".
стр. 156
بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه.
عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "كان رجلان من بلى من قضاعة أسلما مع النبي ﷺ واستشهد أحدهما وأُخِّر الآخر سنة قال طلحة بن عبيد الله: فأريت الجنة فرأيت فيها المؤخر منهما أدخل قبل الشهيد فعجبت لذلك فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أو ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة أو كذا وكذا ركعة صلاة السنة" (١) .
عن أبي سلمة، عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين من بَليِّ قدما على رسول الله ﷺ وكان إسلامهما جميعا: فكان أحدهما أشد اجتهاداً من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي.
قال طلحة: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إلي فقال: أرجع فإنك لم يأن لك بعد.
فأصبح طلحة يحدث الناس فعجبوا لذلك فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وحدثوه الحديث: فقال: من أيِّ ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهاداً ثم استشهد ودخل هذا الآخر الجنة قبله فقال رسول الله ﷺ : "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى: قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : "فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض" (٢) .
من رحم في رمضان فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم.
أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد
стр. 157
فأد حقوقه قولاً وفعلاً ... وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوّه نادماً يوم الحصاد
وقال الشاعر:
إذا رمضان أتى مقبلاً ... فأقبل بالخير يستقبل
لعلك تخطئه قابلاً ... وتأتي بعذر فلا يقبل
كم ممن أمّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر، كم من مستقبل يوماً لا يستكمله، ومؤمل غداً لا يدركه، إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبان
فاحمل على جسد ترجوه النجاة له ... فسوف تضرم أجساد بنيران
كم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم ... حيا فما أقرب القاصي من الداني
ومعجب بثياب العيد يقطعها ... فأصبحت في غد أثواب أكفان
حتى متى يعمر الإنسان مسكنه ... يصير مسكنه قبر لإنسان (١)
اعلم يا أخي أن الناصح لنفسه لا تخرج عنه مواسم الطاعات وأيام القربات عطلاً لأن الأبرار ما نالوا البر إلا بالبر.
يضع نصب عينيه قول رسول الله ﷺ : "افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده" (٢) .
وقوله ﷺ : "إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه
стр. 158
منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً".
فيتعرض لإحسان مولاه، سبحانه من كريم أضحت رحالنا بباب كرمه مطروحة ورمضان سيد الشهور وتاج على مفرق الأيام والدهور.
رمضان ربيع التقي وقد فاح فواحه ... رمضان يوسف الزمان في عين يعقوب الإيمان.
فمرحى بشهر طيب كريم مبارك.
* شهر نزول القرآن والكتب السماوية، شهر الشفاعة بالصيام والقرآن.
* شهر التراويح والتهجد.
* شهر التوبة وتكفير الذنوب.
* شهر تصفيد الشياطين.
* شهر غلق أبواب الجحيم.
* شهر فتح أبواب الجنان.
* شهر الجود والإحسان.
* شهر العتق من النيران.
* شهر ليلة القدر.
* شهر الدعاء.
* شهر الجهاد.
* شهر مضاعفة الحسنات.
* شهر الصبر والشكر.
فهلم يا باغيَ الخير إلى شهر يضاعف فيه الأجر للأعمال، فَنصَبَ المجتهدين في خدمة مولاهم في هذا الشهر هو الراحة.
стр. 159
بين الجوانح في الأعماق سكناه ... فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
وكيف أنسى حبيباً كنت من صغري ... أسير حسن له جلت مزاياه
ولم أزل في هواه، ما نقضتُ له ... عهداً ولا مَحَتِ الأيام ذكراه
قد شاخ جسمي ولكن في محبته ... ما زال قلبي فتىً في عشق معناه
في كل عام لنا لقيا محببة ... يهتز كل كياني حين ألقاه
بالعين والقلب بالآذان أرقبه ... وكيف لا وأنا بالروح أحياه
والليل تحلو به اللقيا وإن قصرت ... ساعاتها ما أُحيلاها وأحلاه
فنوره يجعل الليل البهيم ضحى ... فما أجل وما أجلى محياه
ألقاه شهراً ولكن في نهايته ... يمضي كطيف خيال قد لمحناه
في موسم الطهر في رمضان الخير، تجمعنا ... محبة الله لا مال ولا جاه
من كل ذي خشية لله ذي ولع ... بالخير تعرفه دوماً بسيماه
قد قدروا موسم الخيرات فاستبقوا ... والاستباق هنا المحمود عقباه
صاموه قاموه إيماناً ومحتسبا ... أحيوه طوعاً وما في الخير إكراه
وكلهم بات بالقرآن مندمجاً ... كأنه الدم يسري في خلاياه
فالأذن سامعة والعين دامعة ... والروح خاشعة والقلب أوّاه
* هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب في رمضان وسعى
سمسار الوعظ للمهجورين في الصلح ووصلت البشارة للمنقطعين بالوصل، وللمذنبين بالعفو والمستوجبين النار بالعتق، لما سلسل الشيطان في شهر رمضان، وخمدت نيران الشهوات بالصيام، انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل، فكم يبق للعاصي عذر.
стр. 160
يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشّعي، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي، يا عيون المجتهدين لا تهجعي، يا ذنوب التائبين لا ترجعي، يا أرض الهوى ابلعي ماءك ويا سماء النفوس اقلعي، يا بروق العشاق للعشاق المعي، يا خواطر العارفين ارتعي، يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي قد مدّت في هذه الأيام موائد الأنعام للصوّام فما منكم إلا مَنْ دعي (يا قومنا أجيبوا داعي الله) [الأحقاف: ٣١] .
ويا همم المؤمنين أسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طُرد عن الباب وما دعي.
ليت شعري إن جئتهم قبلوني ... أم تراهم عن بابهم يصرفوني
أم تراني إذا وقفت لديهم ... يأذنوا بالدخول أم يطردوني (١)
يا من طالت غيبته عن مولاه، قد قربت أيام المصالحة، يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، كم ينادي حي على الفلاح وأنت خاسر، وكم تدعى إلى الصلاح وأنت على الفساد مثابر.
من لم يربح في رمضان ففي أي وقت يربح، ومن لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح.
يتلذذون بذكره في ليلهم ... ويكابدون لدى النهار صياما
فسيغنمون عرائساً بعرائس ... ويُبَوءون من الجنان خياما
وتقر أعينهم بما أخفى لهم ... وسيسمعون من الجليل سلاماً (٢)
***
стр. 161
رمضان
أضيف أنتَ حَلَ على الأنَامِ ... وأقسَم أَنْ يُحيا بالصيام؟!
قطعتَ الدهر جَواباً وفياً ... يَعودُ مَزارَهُ في كل عام
تُخيم.. لا يَحدُّ حماكَ ركن ... فكل الأرض مهدٌ للخيام
نسَخْتَ شعائرَ الضيفان، لما ... قنعتَ من الضيافة بالمقامِ
ورُحت تَسُنُّ للأجوادِ شرعاً ... من الإحسان عُلوي النظام،
بأن الجودَ حرمَان وزُهْد ... أعزُّ منَ الشراب أو الطعَام!!
أشهر أنتَ أم رُؤْيا مَتاب ... تألق طيفُها مثل الشهاب؟
تَمرغَ في ظلالِكَ كل عاص ... وكلُّ مَرَجَّس دَنِس الإهابِ
فأنتَ محير الآثام.. تَجْري ... فتَلْحقها بأحلام العذابِ
تَراكَ شفيعَ تَوْبتَها، فتَخْزى؛ ... وتُوأَدُ تحت أجنحة الشباب!
وأنتَ مَنارة الغُفْران، يأوِي ... إليك اليائسون من المتاب
وعندَ الله سُؤْلُك مستَجابٌ ... ولو حُملتَ أوزارَ التُّراب!!
وقفتَ خُطاكَ عندَ البائسينا ... فكنتَ للَيلهم فلقاً مُبينا
تُساقُ إليكَ أمواجُ التحايا ... فتدفَعُهَا لباب المُعوزينا
فكم آهات محْروم حَدَاها ... إليك البؤسُ! فانقَلَبتْ رَنيناً
فأنتَ مفزع البُخالْ.. تَجْري ... خُطاكَ على حجارتِهِم مَعينا
وأَنتَ مُلَقن الأيدي نَداها ... ومُكسبُها التراحُم والحْنينا
يخَافكَ كلُّ قارون شحيح ... فيخْجلُ أنْ يُردَّ السائلينا
стр. 162
ومُنْذُ تَهِل ترهَبُكَ الذُّنوبُ ... وتَخَتشِعُ السرائرُ والقلوبُ
وتفزعُ أن تُقابلك المعَاصي ... فتُهْرَعُ أو تُقَنعُ، أو تذُوبُ
ويُجفل أنْ يراك أخو هَواها ... ولو قَتَلَتْ مشاعره العُيوبُ
كأنَّكَ فارسُ الأيام، تَبدُو ... فيصعقها مُهنَّدُكَ الغَضُوبُ
كأنَّ بكفِّك البيضاء سرّاً ... من النَّجْوى تَكتَّمُهُ الغيوبُ
تُجابهُ كلهَ غَيَّان عَنيد ... فيَكتَتِمُ الغِوايةَ أو يَتُوِبُ
جعلتَ النَّاس في وقت المغيبِ ... عبيدَ ندائكَ العاتي الرَّهيبِ
كم ارتقَبُوا الأذانَ كأنَّ جُرحاً ... يُعذبُهمْ تَلَفتْ للطَّبيب
وأتلَعَتِ الرِّقاب بهم، فلاحوا ... كَرُكْبان علَى بلَد غَريبِ
عُتاةُ الإنسِ، أنتَ نسخْتَ منهم ... تَذَلُّلَ أَوْجُهِ وضنى جُنوبِ
فيا.. من لقْمة، حفيف ماءِ ... يُقِّلب روحَه فوقَ اللهيب
علامَ البغْيء والطغيان؟! إِنِّي ... كفَرتُ بمنطق الدُّنْيا العَجيبِ!
تَلفتْ للمآذِنِ حاليات ... كَحُورِيَّات خلْد سافِراتِ
تفوحُ مباخرُ النُّسَّاك منها ... فتحسبُها غُصوناً عاطراتِ
تلألأ حولها أطواق نور
كأنكَ حامل وحياً إليها ... وقَفْنَ لسِحرِه متلهفاتِ
إِذا صاحَ الأذانُ بها أَرنَّتْ ... بإلهام كموْج البَحرِ عاتِ
يذكَّرُ بالهِدايةِ كل ناس ... ويُوقِظُ كلِّ غاف في الحيَاةِ!
وهذا المعُجِزُ العالي الرَّخيمُ ... أَذانُ الله، والذْكر الحكيم
تَلَاهُ في سكون اللَّيل تال ... فكاد لِهَوله تَهْوِي النجومُ
стр. 163
نِداء تفزَغُ الأفلاك منه ... ويخشعَ في مساريه السَّديمُ
على سمْع الهُداة يَضُوعُ عطراً ... وتُقذَفُ منه للغاوي رُجُومَ
أصاخ الكونُ مسحوراً إليه ... وخَر لبأسِه الأزلُ القَديمُ
تَنَزلَ فوق صدرِكَ منْ علاه ... يشيرُ الوَحْي، والدِّينُ القَويمُ
سلاماً ناسَكَ الزمنِ القَوِيِّ ... منَ القلبِ الحزين الشاعري
حملتُ إليك أشواقي وسري ... لتَحْمِلَها إلى الأُفُق العَلِي
أمُر بها على زمنى غريباً ... كطَير تاهَ في ظُلَم العَشي
وأعزِفُ للصبائحِ والأَماسي ... فينتَفضُ الغناءُ لِكُلِّ حَي
كأني ما ذرفتُ أسىَ زماني ... ولا أَفضَى صَداي بأيِّ شَيء!!
طَلعْتَ منوِّراً فوق العباد ... فأيقظْ من تشبثَ بالرقاد
وقل للشرق: إن الكون يَمْشي ... على سُبُل مغيبة الرَّشاد
فخُذ لزمانكَ الزَّاد المرَجّى ... من الخلقِ القويم والاتحاد
ولا يوقفْكَ في التيار هولٌ ... فنارُ الهوْل، نورٌ للجهاد
لقد ملَّتْ تقلبنا الليالي ... على وَضَرِ التنعمِ والفَسَاد
شَدَا لكَ بالأذان خميلُ مصرِ ... فَقُمْ.. وانشُر صَداهُ على البَوادِي!! (١)
***
стр. 164
مدرسة الثلاثين يوماً
"شهر للثورة" (*)
* يقول الأديب الفاضل مصطفى صادق الرافعي ﵀.
"لم أقرأ لأحد قولاً شافياً في فلسفة الصوم وحكمتِه؛ أما منفعتُه للجسم، وأنه نوعٌ من الطب له، وبابٌ من السياسة في تدبيره؛ فقد فرغ الأطباءُ من تحقيق القول في ذلك؛ وكأن أيامَ هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثون حبةً تؤخذُ في كل سنة مرةً لتقوية المعدة وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم؛ ولكنا الآن لسنا بصدد من هذا، وإنما نستوحي تلك الحقيقة الإسلامية الكبرى التي شَرعت هذا الشرع لسياسة الحقائق الأرضية الصغيرة، عاملة على استمرارِ الفكرة الإنسانية فيها، كي لا تتبدَّل النفس على تغير الحوادث وتَبَدُّلِها، ولكيلا تجهل الدنيا معاني الترقيع إذا أتت على هذه الدنيا معاني التمزيق.
من معجزات القرآن الكريم أنه يدَّخرُ في الألفاظ المعروفة في كل زمن، حقائقَ غيرَ معروفة لكل زمن، فيُجلِّيها لوقتها حين يَضِج الزمانُ العلمي في مَتَاهَتِه وحَيرَته، فيَشغَبُ على التاريخ وأهله مستَخِفّاً بالأديان، ويذهبُ يتتبعُ الحقائق، ويستقصي في فنون المعرفة، ليستخلصَ من بيِن كُفرٍ وإيمان ديناً طبيعيّاً سائغاً، يتناولُ الحياة أول ما يتناولُ فيضبطها بأسرار العلم، ويوجِّهُها بالعلم إلى غايتها الصحية، ويضاعف قُواها بأساليبه الطبيعية، ليحقِّق في إنسانية العالم هذه الشيئية المجهولة التي تتوهمُها المذاهبُ الاجتماعية ولم يهتد إليها مذهبُ منها ولا قاربَها؛ فما برحت سعادةُ الاجتماع كالتجربة العلمية بين يَدي علمائها: لم يحققوها ولم ييأسوا منها، وبقيت تلك المذاهبُ كعقارب الساعة في دورَتها: تبدأ من حيثُ تبدأ ثم لا تنتهي إلا إلى حيثُ تبدأ..
يضطرب الاشتراكيون في أوربا وقد عجزوا عجز من يحاول تغيير الإنسان
стр. 165
بزيادة ونقص في أعصابه؛ ولا يزال مذهبهُم في الدنيا كُتُب ورسائل؛ ولو أنهم تدَبروُا حكمة الصوم في الإسلام، لرأوا هذا الشهر نظاما عمليّا من أقوى وأبدع الأنظمة الصحيحة: فهذا الصومُ فَقر إجباريّ تَفرضه الشريعةُ على الناس فرضاً ليتساوَى الجميع في بواطنهم، سواء منهم من مَلَك المليونَ من الدنانير، ومن ملك القرش الواحد، ومن لم يملك شيئاً؛ كما يتساوى الناسُ جميعا في ذهاب كبريائهم الإنساني بالصلاة التي يفرضُها الإسلام على كل مسلم؛ وفي ذهاب تَفاوُتِهم الاجتماعي بالحج الذي يفرضُه على من استطاع.
فقرُ إجباريٌ يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة.
ولو حققت رأيت الناس لا يختلفون في الإنسانية بعقولهم، ولا بأنسابهم، ولا بمراتبهم، ولا بما ملكوا؛ وإنما يختلفون ببطونهم وإحكام هذه البطون على العقل والعاطفة؛ فمن البطن نكبةُ الإنسانية، وهو العقلُ العملي على الأرض؛ وإذا اختلف البطنُ والدماغُ في ضرورةٍ، مد البطنُ مدَّهُ من قَوَى الهضم فلم يبقِ ولم يَذَر.
ومن ههنا يتناولُه الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب، ويجعل الناس فيه سواء: ليس لجميعهم إلا شعورٌ واحد وحس واحد وطبيعة واحدة؛ ويُحكم الأمر فيحولُ بين هذا البطن وبين المادة، ويبالغ في إحكامه فيمسك حواشيه العصبية في الجسم كله يمنعُها تغذيتها ولذتها.
وبهذا يضَعُ الإنسانيةَ كلَّها في حالة نفسية واحدة تَتَلبسُ بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويُطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يُعلم الرحمة ويدعو إليها، فيُشبعُ فيها بهذا الجوعِ فكرة معينة هي كل ما في مذهب الاشتراكية (١) من الحق، وهي تلك الفكرةُ التي يكون عنها مساواة الغني للفقير من طبيعته، واطمئنان
стр. 166
الفقير إلى الغني بطبيعته؛ ومن هذين: (الاطمئنان والمساواة) ، يكون هدوءُ الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلبُ والإيجابُ في هذا الاجتماع الإنساني؛ وإذا أنت نزعتَ هذه الفكرة من الاشتراكية بقى هذا المذهبُ كلُّه عَبثاً من العَبث في محاولة جعلِ التاريخ الإنساني تاريخاً لا طبيعة له.
من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعضُ السر الاجتماعي العظيم في الصوم، إذ يبالغ أشدَ المبالغة، ويدقق كلَّ التدقيق، في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدةً آخرها آخر الطاقة؛ فهذه طريقةٌ عملية لتربية الرحمة في النفس، ولا طريقة غيرُها إلا النكباتُ والكوارث؟ فهما طريقتان كما ترى مُبصرةٌ وعمياء، وخاصةٌ وعامة، وعلى نظام وعلى فجأة.
ومتى تحققت رحمةُ الجائع الغني للجائع الفقير، أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانُها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة؛ فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول: "أعطي" ثم لا يسمع منه طلباً من الرجاء، بل طلباً من الأمر لا مفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يُواسي المبتلى من كان في مثل بلائه.
أية معجزة إصلاحية أعجبُ من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أن يحذفَ من الإنسانية كلها تاريخُ البطن ثلاثين يوماً في كل سنة، ليحِل في محله تاريخُ النفس (١) ؟ وأنا مُستيقن أن هناك نسبة رياضية هي الحكمة في جعل هذا الصوم شهراً كاملاً من كل اثني عشر شهراً، وأن هذه النسبة متحقِّقةٌ في أعمال النفس للجسم، وأعمال الجسم للنفس؛ كأنه الشهرُ الصِّحي الذي يفرضه الطبُّ في كل سنة للراحة والاستجمام وتغيير المعيشة، لإحداث الترميم العصبي في الجسم، ولعل ذلك آتٍ من العلاقة بين دورة الدم في الجسم الإنساني وبين القمر منذ يكون هلالاً إلى أن يدخل في المحاق؛ إذ تنتفخُ العروقُ وتَربوا في النصف الأول من الشهر، كأنها في (مَدّ) من نور القمر ما دام هذا النورُ إلى زيادة، ثم يراجعُها (الجزرُ) في
стр. 167
النصف الثاني حتى كأن للدم إضاءة وظلاماً. وإذا ثبت أن للقمر أثراً في الأمراض العصبية، وفي مدّ الدم وجَزرِه (١) ، فهذا من أعجب الحكمة في أن يكون الصيام شهراً قمريّا دون غيره.
وفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر، وهو -مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها- إثباتُ الإرادة وإعلانُها، كأنما انبعث أولُ الشعاع السماوي في التنبيه الإنساني العامّ لفروض الرحمة والإنسانية والبرّ.
وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عملُه في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يُدرّبُ الصائم على أن يمتنع باختياره من شهوَاته ولذّةِ حيوانيته، مُصِرّاً على الامتناع، مُتهَيئاً له بعزيمته، صابراً عليه بأخلاق الصبر، مُزاولاً في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسَخُ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة.
وإدراكُ هذه القوة من الإدراك العملية منزلةُ اجتماعية سامية، هي في الإنسانية فوق منزلة الذكاء والعلم، ففي هذين تعرض الفكرةُ مارّة مُرورهَا، ولكنها في الإرادة تعرِض لتستقرّ وتتحقَّق، فانظر في أي قانون من القوانين، وفي أية أمة من الأمم، تجد ثلاثين يوماً من كل سنة قد فُرِضت فرضاً لتربية إرادة الشعب ومزاولتِه فكرة نفسيّةً واحدةً بخصائصها ومُلابساتها حتى تستقر وترسخ وتعودَ جزءاً من عمل الإنسان، لا خيالاً يمر برأسه مَراً.
أليست هذه هي إتاحةَ الفرصة العملية التي جعلوها أساساً في تكوين الإرادة؟
وهل تبلغ الإرادةُ فيما تبلغ، أعلى من منزلتها حين تجعل شهوات المرء مُذعنَة لفكرهِ، منقادة للوازع النفسي فيه، مُصَرفَة بالحس الديني المسيطِرِ على النفس ومشاعِرِها.
أما والله لو عم هذا الصومُ الإسلامي أهلَ الأرض جميعاً، لآل معناه أن يكون إجماعاً من الإنسانية كلِّها على إعلان الثورة شهراً كاملاً في السنة، لتطهير العالم
стр. 168
من رذائله وفساده، ومَحق الأثَرَة والبخل فيه، طرح المسألة النفسية ليتَدراسَهَا أهلُ الأرض دراسةَ عمليةَ مدة هذا الشهر بطوله، فيَهبطُ كلُّ رجُل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها، ليختبرَ في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر وليفهم في طبيعة جسمه -لا في الكتب- معاني الصبر والثبات والإرادة، وليبلغَ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان؛ فيُحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة.
شهرٌ هو أيام قلبيةٌ في الزمن؛ متى أشرفَت على الدنيا قال الزمنُ لأهله: هذه أيامُ من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي؛ فيُقبلُ العالم كلُّه على حالة نفسية بالغة السموّ، ويتعهدُ فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعَت من طعامها اليومي كما جاع هو، وكأنما أُفرغَتْ من خَسائسِها وشهواتها كما فَرَغَ هو، وكأنما أُلزِمَت معانيَ التقوى كما أُلزِمَها هو وما أجملَ وأبدع أن تَظهَر الحياةُ في العالم كله -ولو يوماً واحداً- حاملةً في يده السبحة..! فكيف بها على ذلك شهراً من كل سنة؟
إنها والله طريقة عملية لرسوخ فكرة الخير والحق في النفس؛ وتطهير الاجتماع من خسائس العقل الماديّ؛ ورد هذه الطبيعة الحيوانية المحكومة في ظاهرها بالقوانين، والمحررةِ من القوانين في باطنها - إلى قانون من باطنها نفسه يُطهرُ مَشاعرَها، ويسمو بإحساسها، ويصرفها إلى معاني إنسانيتها، ويُهذب من زياداتها، ويحذف كثيراً من فُضُولها، حتى يرجع بها إلى نحو من براءة الطفولة، فيجعلها صافية مُشرقة بما يجتذبُ إليها من معاني الخير والصفاء والإشراق؛ إذ كان من عمل الفكرة الثابتة في النفس أن تدعوَ إليها ما يلائمها ويتصل بطبيعتها من الفكر الأخرى والنفسُ في هذا الشهر مُحتَبَسَة في فكرة الخير وحدها، فهي تبني بناءَها من ذلك ما استطاعت.
هذا على الحقيقة ليس شهراً من الأشهر، بل هو فصلٌ نَفساني كفصول الطبيعة في دَورَانها؛ ولَهو والله أشبهُ بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو الذي من
стр. 169
طبيعته السحُبُ والغيث، ومن عمله إمدادُ الحياة بوسائل لها ما بعدها إلى آخر السنة، ومن رياضته أن يكسبِهَا الصلابة والانكماش والخفة، ومن غايته إعداد الطبيعة للتفتح عن جمال باطنها في الربيع الذي يتلوه.
وعجيب جدّاً أن هذا الشهر الذي يَدَّخر فيه الجسمُ من قواه المعنوية فيودِعُها مَصرِفَ روحانيته، ليجدَ منها عند الشدائد مَدَدَ الصبر والثبات والعزم والجلَد والخشونة.
وسحر العظائم في هذه الدنيا إنما يكون في الأمة التي تعرف كيف تدَّخر هذه القوّة وتوفِّرها لتستمدّها عند الحاجة، وذلك هو سِر أسلافنا الأولين الذين كانوا يجدون على الفقر في دمائهم وأعصابهم ما تجدُ الجيوش العظمى اليوم في مخازن العتَاد والأسلحة والذخيرة.
كلُّ ما ذكرتُه في هذا المقال من فلسفة الصوم، فإنما استخرجته من هذه الآية الكريمة: (كُتِبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قَبلِكم لعلكم تتقون) [البقرة: ١٨٣] .
وقد فهمها العلماء جميعاً على أنها معنى "التقوى"، أما أنا فأوّلتُها من "الاتّقَاء"؛ فبالصوم يَتقي المرءُ على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعتُه مَعِدَتُه، وألا يُعامِلَ الدنيا إلا بمواد هذه الشريعة؛ ويتقي المجتمعُ على إنسانيته وطبيعته مثل ذلك، فلا يكون إنسانٌ مع إنسان كحمار مع إنسان يبيعه القوة كلَّها بالقليل من العَلَف.
وبالصوم يتقى هذا وهذا ما بين يديه وما خلفه، فإن ما بين يديه هو الحاضرُ من طباعه وأخلاقه، وما خَلَفَه هو الجيلُ الذي سيرثُ من هذه الطّباع والأخلاق، فيعمل بنفسه في الحاضر، ويعمل بالحاضر في الآتي (١) .
стр. 170
وكلُّ ما شرحناه فهو اتقاءُ ضرر لجلب منفعة، واتقاءُ رذيلة لجلب فضيلة؛ ولهذا التأويل تتوجه الآية الكريمةُ جهةً فلسفيةً عاليةً، لا يأتي البيانُ ولا العلمُ ولا الفلسفةُ بأوجزَ ولا أكمل من لفظها؛ ويتوج الصيامُ على أنه شريعة اجتماعية إنسانيةٌ عامة؛ يتقى بها الاجتماعُ شرورَ نفسِه؛ ولن يتهذّبَ العالَم إلا إذا كان له مع القوانين النافذة هذا القانونُ العام الذي اسمُهُ الصومُ، ومعناه "قانونُ البطن" ...
ألا ما أعظمَكَ يا شهر رمضان! لو عَرَفَكَ العالَمُ حقّ معرفتِك لسَماكَ: "مدرسة الثلاثين يوماً".
***
стр. 171
الباب السابع
فضائل رمضان
стр. 172
رمضان شهر نزول القرآن
والكتب السماوية
يا له من شهر طيب اختاره الله لنزول الكتب السماوية فيه.
عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ : "أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشر خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" (١) .
قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) [البقرة: ١٨٥] ، وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [القدر:١] .
وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) [الدخان: ٣] .
قال ابن جرير الطبري: "نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد ﷺ على ما أراد الله إنزاله إليه".
عن ابن عباس قال: "أنزل القرآن جملة من الذكر (٢) ، في ليلة أربع وعشرين من رمضان (٣) فجعل في بيت العزة.
وعن سعيد بن جبير: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان فجعل في سماء الدنيا.
وعن ابن عباس: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا، جملة واحدة، ثم فرّق في السنين بعدُ. قال: وتلا ابن عباس هذه الآية. (فلا أقسم بمواقع النجوم) [الواقعة: ٧٥] قال: نزل مفرقاً (٤) .
стр. 173
أنزل القرآن بفرض صيامه قاله مجاهد والضحاك.
أنزل في فضله القرآن: قاله سفيان بن عيينة (١) .
والقرآن: "كتاب هذه الأمة الخالد، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور فأنشأها النشأة وبدَّلها من خوفها أمناً، ومكَّن لها في الأرض، ووهبها مقوماتها التي بها صارت أمة، ولم تكن من قبل شيئاً، وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض، ولا ذكر في السماء، فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم الشهر الذي نزل في القرآن" (٢) .
القرآن كتاب هذه الأمة، هو روحها وباعثها، وقوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها، هو بيانها وترجمانها، هو دستورها ومنهجها، وهو زاد الطريق.
ولكن ستظل هناك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا، ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود حقيقي، ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة، وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك.
سيظل هناك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة، لا علاقة لها بواقع الحياة البشرية، بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوساً ووقائع وأحداثاً حية، لقد خاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كلها معها، ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة الأخيرة لمواجهة الجماعة المسلمة في شئونها الجارية وفي صراعها الراهن، وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير" (٣) .
"آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند
стр. 174
الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه أعراف الضمائر فابتز أنفالها" (١) .
كم صدوا عن سبيله صدّاً، ومن ذا يدافع السيل إذا أهدر؟ واعترضوه بالألسنة ردّاً، ولعمري من يرد على الله القدر؟
ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا لانت فأنفاس الحياة الآخرة متى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسن ترعد من حمى القلوب.
معانٍ هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان، ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أرواجها من معاني العبرة معنى العبير.
يجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فإنما يمد لها بسبب إلى السماء.
ألفاظ لم تعهد كلم أحداقها، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقها، ونور عليه رونق الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم، وماء يتلألأ من النور فكأنما عصر من النجوم.
وهل رأوا إلا كلاماً تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح، يريدون أن يطفئوا نور الله وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه! وهيهات هيهات دون ذلك درج الشمس وهي أم الحياة في كفن وإنزالها بالأيدى وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.
لا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت
стр. 175
آياته تلقف ما يأفكون، (فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون) (١) [الأعراف: ١١٨] .
نزول القرآن على قلب نبينا ﷺ أعظم النعم
قال تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) الآية [العنكبوت:٥١] .
أولم يكفهم أن يعيشوا مع السماء بهذا القرآن، يشعرهم أن عين الله عليهم، وأنه معني بهم يتنزل عليهم، يحدثهم بما في نفوسهم، وهم هذا الخلق الصغير الضئيل التائه في ملكوت الله الكبير.
والله بعد ذلك يكرمهم حتى لينزل عليهم كلماته تتلى عليهم ثم هم لا يكتفون إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون.
الذين يؤمنون هم الذين يجدون مس هذه الرحمة في نفوسهم، وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم منته على البشرية بهذا التنزيل، ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إلى حضرته وإلى مائدته وهو العلي الكبير.
وهم الذين ينفعهم هذا القرآن، لأنه يحيا في قلوبهم، ويفتح لهم عن كنوزه، ويمنحهم ذخائره ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور.
الإيمان بكلام الله والعيش معه طمأنينة في القلب واستقامة على الطريق، وثبات على الدرب، وثقة بالسند، واطمئنان للحمى، ويقين بالعاقبة.
قال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) [يونس: ٥٨] .
وقال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) [الزمر: ٢٣] .
стр. 176
الحياة في ظلال القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتذكيه.
أي تكريم للإنسان يفوق هذا التكريم العلوي الجليل.
(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) [الكهف:١] . أي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن.. نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة.
أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل، أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان القليل الصغير خالقه الكريم.
قال تعالى: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً) الآية [النساء: ١١٣] .
هي منة الله على الإنسان في هذه الأرض.. المنة التي ولد الإنسان معها ميلاداً جديداً، ونشأ بها الإنسان نشأة جديدة.
المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية لترقى بها في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة على طريق المنهج الرباني الفريد العجيب.
المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام والجاهلية جاهلية الماضي والحاضر.
وإذا كانت منة يذكر الله بها رسوله ﷺ فلأنه أول من عرفها، وذاقها وأكبر من عرفها وذاقها، وأعرف من عرفها وذاقها، قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) الهدى حقيقته، والهدى طبيعته، والهدى كيانه، والهدى ماهيته، القلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة، قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة، قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده، قيمة الدرب المستقيم بدلاً من التخبط في المنعرجات المظلمة، كما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ.
стр. 177
وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة، وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال" (١) .
لقد سمى الله كتابه روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه "واعجبا للناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد وموت القلوب بالبعد عن علام الغيوب".
وسماه نوراً لأن القلوب لا تضيء ولا تشرق إلا بالقرآن.
قال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى: ٥٢] .
وقال تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) [المائدة: ١٥، ١٦] .
ليس أدق ولا أصدق ولا أدل على القرآن من أنه نور، نور تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف.. ويشرق به كل شيء أمام ثقلة الطين في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم، وعرامة الشهوة والنزوة، كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى، تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة.
واللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه.. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى.. يتضح الهدف ويستقيم الطريق إليه وتستقيم النفس على الطريق (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) [المائدة: ١٦] .
هو ما يسكبه (القرآن) والدين في الحياة كلها.. سلام الفرد، وسلام الجماعة، وسلام العالم.. سلام الضمير ... وسلام العقل، وسلام الجوارح.. سلام
стр. 178
البيت والأسرة، وسلام المجتمع والأمة، وسلام البشر والإنسانية.. السلام مع الحياة، والسلام مع الكون، والسلام مع الله رب الكون والحياة.. السلام الذي لا تجده البشرية.. -ولم تجده يوماً- إلا في هذا الدين؛ وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، (سبل السلام) سبل السلام كلها في هذه الجوانب جميعها.. ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشيء من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير.. وحرب القلق الناشيء من شرائع الجاهلية وتخبطها في أعماق الحياة.
ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا، ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطم أخلاقنا وسلوكنا، وتحطم مجتمعنا وشعوبنا.. بينما نملك الدخول في السلم الذي منحه الله لنا؛ حين نتبع رضوانه؛ ونرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنا! إننا نعاني من ويلات الجاهلية، والقرآن منا قريب.. نعاني من حرب الجاهلية وسلام القرآن في متناول أيدينا لو نشاء.. فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟
(ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه) [المائدة: ١٦] .
والجاهلية كلها ظلمات، ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات، وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه، وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين (ويهديهم إلى صراط مستقيم) [المائدة: ١٦] .
مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها.. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه، مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات (١) .
(ألا بذكر الله تطمئن القلوب) [الرعد: ٢٨] .
"ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين
стр. 179
خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم.. يعرفونها ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها، لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام.
وليس أشقى على وجه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتور الصلة بما حوله في الكون، لأنه انفصم من العروة التي تربطه بالله، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه وحيداً شارداً في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.
(ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً) [الرعد: ٣١] .
هذا القرآن العجيب، الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يكلم به الموتى، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات، ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء.
ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثاراً في أقدار الحياة، بل أبعد أثراً في شكل الأرض ذاته، فكم غير الإسلام والمسلمون من وجه الأرض، إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ.
الذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال وهو تاريخ الأمم والأجيال وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد، وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام (١) .
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الإسراء: ٩] .
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بين ظاهر الإنسان وباطنه، في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، في علاقات الناس بعضهم ببعض.
стр. 180
(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) [الإسراء: ٨٢] .
في القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان فأشرقت، وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان.
في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيرضى ويستروح الرضا من الله والرضى عن الحياة، والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان.
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير فهو يعصم العقل من الشطط.
وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء المجتمعات (١) .
(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) [الزخرف: ٣٦] .
"وأسوأ ما يصنعه قرين بقرين أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيتوب؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم، حتى تفاجئهم النهاية وهم سادرون، هنا يفيقون كما يفيق المخمور، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال.
والعذاب كامل لا تخففهُ الشركة، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون" (٢) .
(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) [طه: ١٢٤] .
الحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة؛ ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع.