الحياة في ظلال القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتذكيه.
أي تكريم للإنسان يفوق هذا التكريم العلوي الجليل.
(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) [الكهف:١] . أي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن.. نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة.
أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل، أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان القليل الصغير خالقه الكريم.
قال تعالى: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً) الآية [النساء: ١١٣] .
هي منة الله على الإنسان في هذه الأرض.. المنة التي ولد الإنسان معها ميلاداً جديداً، ونشأ بها الإنسان نشأة جديدة.
المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية لترقى بها في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة على طريق المنهج الرباني الفريد العجيب.
المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام والجاهلية جاهلية الماضي والحاضر.
وإذا كانت منة يذكر الله بها رسوله ﷺ فلأنه أول من عرفها، وذاقها وأكبر من عرفها وذاقها، وأعرف من عرفها وذاقها، قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) الهدى حقيقته، والهدى طبيعته، والهدى كيانه، والهدى ماهيته، القلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة، قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة، قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده، قيمة الدرب المستقيم بدلاً من التخبط في المنعرجات المظلمة، كما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ.
стр. 177
وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة، وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال" (١) .
لقد سمى الله كتابه روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه "واعجبا للناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد وموت القلوب بالبعد عن علام الغيوب".
وسماه نوراً لأن القلوب لا تضيء ولا تشرق إلا بالقرآن.
قال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى: ٥٢] .
وقال تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) [المائدة: ١٥، ١٦] .
ليس أدق ولا أصدق ولا أدل على القرآن من أنه نور، نور تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف.. ويشرق به كل شيء أمام ثقلة الطين في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم، وعرامة الشهوة والنزوة، كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى، تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة.
واللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه.. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى.. يتضح الهدف ويستقيم الطريق إليه وتستقيم النفس على الطريق (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) [المائدة: ١٦] .
هو ما يسكبه (القرآن) والدين في الحياة كلها.. سلام الفرد، وسلام الجماعة، وسلام العالم.. سلام الضمير ... وسلام العقل، وسلام الجوارح.. سلام
стр. 178
البيت والأسرة، وسلام المجتمع والأمة، وسلام البشر والإنسانية.. السلام مع الحياة، والسلام مع الكون، والسلام مع الله رب الكون والحياة.. السلام الذي لا تجده البشرية.. -ولم تجده يوماً- إلا في هذا الدين؛ وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، (سبل السلام) سبل السلام كلها في هذه الجوانب جميعها.. ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشيء من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير.. وحرب القلق الناشيء من شرائع الجاهلية وتخبطها في أعماق الحياة.
ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا، ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطم أخلاقنا وسلوكنا، وتحطم مجتمعنا وشعوبنا.. بينما نملك الدخول في السلم الذي منحه الله لنا؛ حين نتبع رضوانه؛ ونرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنا! إننا نعاني من ويلات الجاهلية، والقرآن منا قريب.. نعاني من حرب الجاهلية وسلام القرآن في متناول أيدينا لو نشاء.. فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟
(ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه) [المائدة: ١٦] .
والجاهلية كلها ظلمات، ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات، وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه، وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين (ويهديهم إلى صراط مستقيم) [المائدة: ١٦] .
مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها.. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه، مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات (١) .
(ألا بذكر الله تطمئن القلوب) [الرعد: ٢٨] .
"ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين
стр. 179
خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم.. يعرفونها ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها، لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام.
وليس أشقى على وجه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتور الصلة بما حوله في الكون، لأنه انفصم من العروة التي تربطه بالله، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه وحيداً شارداً في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.
(ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً) [الرعد: ٣١] .
هذا القرآن العجيب، الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يكلم به الموتى، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات، ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء.
ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثاراً في أقدار الحياة، بل أبعد أثراً في شكل الأرض ذاته، فكم غير الإسلام والمسلمون من وجه الأرض، إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ.
الذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال وهو تاريخ الأمم والأجيال وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد، وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام (١) .
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الإسراء: ٩] .
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بين ظاهر الإنسان وباطنه، في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، في علاقات الناس بعضهم ببعض.
стр. 180
(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) [الإسراء: ٨٢] .
في القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان فأشرقت، وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان.
في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيرضى ويستروح الرضا من الله والرضى عن الحياة، والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان.
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير فهو يعصم العقل من الشطط.
وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء المجتمعات (١) .
(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) [الزخرف: ٣٦] .
"وأسوأ ما يصنعه قرين بقرين أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيتوب؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم، حتى تفاجئهم النهاية وهم سادرون، هنا يفيقون كما يفيق المخمور، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال.
والعذاب كامل لا تخففهُ الشركة، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون" (٢) .
(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) [طه: ١٢٤] .
الحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة؛ ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع.
стр. 181
إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال بالله والاطمئنان إلى حماه.... ضنك الحيرة والقلق والشك.... ضنك الحرص والحذر: الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت.... ضنك الجري وراء بارق المطالع والحسرة على كل ما يفوت.
لقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه فألقى بالهدى من بين يديه، وهو أنفس ثراء وذخر (١) .
قال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة: ٤٤] .
إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن؛ وليس أبشع من تفريط المستحفظ؛ وليس أخس من تدليس المستشهد.. يخونون ويفرطون ويدلسون، فيسكتون على العمل لتحكيم ما أنزل الله ويحرفون الكلم عن مواضعه، لموافاة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله.
(فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) [المائدة: ٤٨] .
(أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [المائدة: ٥] .
أجل؛ فمن أحسن من الله حكماً؟!!.
"من ذا الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس ويحكم فيهم، خيراً مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم، وأي حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض؟!
أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟! أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس؟! أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه - وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير، ويجعل رسوله ﷺ خاتم النبيين،
стр. 182
ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد كان -سبحانه وحاشاه- يجهل أن أحوالاً ستطرأ، وأن حاجات ستستجد، وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان؟!
ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية، وحكم الجاهلية، ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب، أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟!
ما الذي يستطع أن يقوله.. وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟! الظروف؟! الملابسات؟! عدم رغبة الناس؟! الخوف من الأعداء؟! ألم يكن كل هذا في علم الله، قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة؛ والأوضاع المتجددة، والأحوال المتغلبة؟ ألم يكن ذلك في علم الله.
يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء.. ولكن المسلم.. أو من يدعون الإسلام.. ما الذي يقولون عن هذا كله؛ ثم يبقون على شيء من الإسلام؟ أو يبقى لهم شيء من الإسلام؟ إنه مفرق الطريق الذي لا معدى عنده من الاختيار، ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال إما إسلام وإما جاهلية إما حكم الله وإما حكم الجاهلية (١) .
(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) [الحديد: ١٦] .
لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد، فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة، وأن يشرق فيه النور وأن يخشع لذكر الله، فالله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبض بالحياة، وتزخر بالنبت والزهر، وتمنح الأكل والثمار، وكذلك القلوب حين يشاء الله.
وفي هذا القرآن ما يُحيي القلوب كما تحيا الأرض وما يمدها بالغذاء والري والدفء" (٢) .
стр. 183
يا أصحاب السورة ويا أصحاب السورتين ماذا غرس القرآن في قلوبكم إن القرآن ربيع قلب المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، إن الغيث قد ينزل على الحبة في الحش، ما يمنعه نتن موضعها من أن تزهر وتثمر وتربو فماذا غرس القرآن في قلوبكم؟!
قال تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) (١) الآية [الحشر: ٢١] .
إن لهذا القرآن لثقلاً وسلطاناً وأثراً مزلزلاً لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته، والذين أحسّوا شيئاً من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقاً لا يعبر عنه إلا هذا النص القرآني المشع الموحي".
(وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) [الإسراء: ١٠٥] .
لقد أنزل الله هذا القرآن قائماً على الحق منزل ليقر الحق في الأرض ويثبته.. (وبالحق نزل) فالحق مادته والحق غايته، ومن الحق قوامه، وبالحق اهتمامه.. الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود (٢) .
(قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً) [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] .
"هم لا يسجدون ولكن (يخرون للأذقان سجداً) لا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ.
"هذا أثر القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه، العارفة بطبيعته وقيمته".
"إني لأعجب لقرّاء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رُزقوا".
стр. 184
في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة".
قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان".
وفى حديث فاطمةَ ﵍ عن أبيها ﷺ : أنه أخبرها أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين.
وفي حديث ابن عباس ﵄ أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً) [المزمل: ٦] . (١) فكتاب الله أفضل مؤانس وسميرك إذا احلولكت ظلمة الحنادس.
نعم السمير كتاب الله إن له ... حلاوة هي أحلى من جني الضرب
به فنون المعاني قد جمعن فما ... تفتّر من عجب إلَّا إلى عجب
أمر ونهي وأمثال وموعظة ... وحكمة أودعت في أفصح الكتب
لطائف يجتليها كل ذي بصر ... وروضة يجتنيها كل ذي أدب
قال تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور) [فاطر: ٢٩-٣٠] .
قال ﷺ : "أوصيك بتقوى الله تعالى؛ فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه
стр. 185
رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض" (١) .
قال ﷺ : "خياركم من تعلم القرآن وعلمه" (٢) .
وقال ﷺ : "من سرَّه أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف" (٣) .
وقال ﷺ : "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" (٤)
وقال ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه وهو عليك شاق له أجران" (٥) .
وقال ﷺ : "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة، اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد لكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه" (٦) .
وقال ﷺ : "يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيُلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق، ويزاد بكل آية حسنة" (٧) .
وقال ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يُقرأ فيه سورة البقرة" (٨) .
стр. 186
وقال ﷺ : "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس" (١) .
وقال ﷺ : "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (٢) .
وقال ﷺ : "إن الله تعالى يرفع بهذا الكلام أقواماً ويضع به آخرين" (٣) .
وقال ﷺ : "إن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" (٤) .
وقال ﷺ : "أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله" (٥) .
وقال ﷺ : "إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله" (٦) .
وقال ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" (٧) .
وقال ﷺ : "من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة" (٨) .
قال ابن رجب: "كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها".
"كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان في كل ست ليال" (٩) .
стр. 187
"كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة" (١) .
"وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث" (٢) .
والشافعي قال عنه ربيع بن سليمان: "كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة".
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: كنت أختم القرآن في رمضان ستين مرة.
وقال الحميدي: كان الشافعي يختم القرآن كل يوم ختمة، وعن أبي حنيفة نحوه" (٣) .
"وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الرجوي يختم كل يوم".
وأبو العباس بن عطاء: قال عنه أبو الحسين محمد بن علي صاحب الجنيد: "صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدباً بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات".
قال النووي: "روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهداً ﵀ كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء" وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل" (٤) .
وعن منصور: "كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان" (٥) .
стр. 188
قال ابن رجب: وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان.
وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.
قال ابن الحكم. كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.
قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.
وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت.
وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه.
"وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصاً في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد، وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره" (١) .
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه يشير إلى سهره وطول تهجده.
قال وهيب بن الورد: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي.
قال أحمد بن الحواري: إني لأقرأ القرآن وانظر في آية فيحير عقلي بها،
стр. 189
وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا.
وأنشد ذو النون المصريّ:
منع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها لا تهجع
فهموا عن الملك الكريم كلامه ... فهماً تذل له الرقاب وتخضع (١)
رمضان والشفاعة:
لأنه شهر الصيام والقرآن وهما يشفعان للعبد يوم القيامة قال ﷺ . "القرآن شافع مشفع، ماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار" (٢) .
وقال ﷺ : "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه" (٣) .
وقال ﷺ : "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان" (٤) .
عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك" (٥) .
стр. 190
قال ابن رجب (١) : "فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها أولا يختص كشهوة فضول الكلام المحرمة، والنظر المحرم والسماع المحرم، والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواته، فأما من ضيّع صيامه ولم يمنعه مما حرمه الله عليه فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني.
قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن يقال للملك: شم رأسه قال: أجد في رأسه القرآن، فيقال: شم قلبه، فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه حفظه الله .
وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له، أما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، فإنه ينتصب القرآن خصماً له يطالبه بحقوقه التي ضيعها كما جاء في حديث سمرة ابن جندب عن النبي ﷺ : "إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وقالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا ورجع إليه حتى يصحّ رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى" ... الحديث وفيه: "أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة" (٢) .
يا من ضيّع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة (٣) .
стр. 191
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه ... والصور في يوم القيامة ينفخ
يا إخوتاه:
"هذا عباد الله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وفي بقيته للعابدين مستمتع وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويُسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع، ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار، أفمالنا فيهم أسوة؟ ما بيننا وبين حال الصفا أبعد مما بين الصفا والمروة، كلما حسنت منا الأقوال ساءت الأعمال.
يا نفس فاز الصالحون بالتقى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عمي
يا حسنهم والليل قد جنهم ... ونورهم يفوق نورالأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب بالترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ منتظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القسم
ويحك يا نفس ألا تيقظ ... ينفع قبل أن تزل قدمي
مضى الزمان في ثوان وهوى ... فاستدركي ما قد بقى واغتنمي (١)
стр. 192
" سجع "
إخواني:
"هذه الأيام تصان، هي كالتاج على رأس الزمان، وصل توقيع القِدم من الرحيم الرحمن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) [البقرة: ١٨٥] .
* قد ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة والشمس والقمر بحسبان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
* يا واقفاً في مقام التحيّر هل أنت على عزم التغيّر؟ إلى متى ترمني بالنزول في منزل الهوان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
* هل مضى من يومك يوم صالح، سلمت فيه من جرائم القبائح، تالله لقد سبق المتقي الرابح وأنت راض بالخسران (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
* عينك مطلقة في الحرام، ولسانك منبسط في الآثام، ولأقدامك على الذنوب إقدام والكل مثبت في الديوان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
* تالله لو غفلت حالك أو ذكرت ارتحالك، أو تصورت أعمالك لبنيت بيت الأحزان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
* سيشهد رمضان عليك، بنطق لسانك ونظر عينيك، وسيشار يوم الجمع إليك، شقى فلان وسعد فلان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
* في كل لحظة تُقرَّب من قبرك، فانظل لنفسك في تدبير أمرك، وما أراك إلا كأول شهرك، الأول والآخر سيان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
* زنوا أفعالكم في هذا الشهر بميزان، واشتروا خلاصكم بما عزَّ وهان، فإن عجزتم فسلوا المعين وقد أعان، إن كان في الماضي قد قبح الوصف فقم الآن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .
стр. 193
"سجع"
صاموا النهار بلا فتور نصبوا الأقدام في الدَّيجور، ببكاء مطرود مهجور، فامتلأت بالخيرات الجحور (يرجون تجارة لن تبور) .
رفضوا الدنيا شغلاً عن الزينة، وأذلوا أنفسهم فعادت مسكينة، وعلموا الدنيا سفينة فتهيأوا للعبور (يرجون تجارة لن تبور) .
يؤثرون بالطعام ويؤثرون الصيام، يأملون فضل الإنعام، فما كانت إلا أيام حتى اخضرت البذور (يرجون تجارة لن تبور) .
العليل عليل، والأنين طويل، والعيون تسيل، وما مضى إلا القليل حتى فرح الصبور (يرجون تجارة لن تبور) (١) .
بخلوف عبد مسكين نالوا المقام الأمين، وانشعب قلب الحزين بأكمل الحبور (يرجون تجارة لن تبور) .
سبحان من قضى لقوم سروراً، وعلى آخرين ثبوراً فما لهم من نور (يرجون تجارة لن تبور) (٢) .
رمضان شهر التراويح والتهجد
شهر رمضان شهر المصالح، شهر التهجد والتراويح، واهاً لأوقاته من زواهر ما أشرفها، ولساعاته التي كالجواهر ما أظرفها، أشرقت لياليها بصلاة التراويح، وأنارت أيامها بالصيام والتسبيح، حليتها الإخلاص والصدق، وثمرتها الخلاص والعتق.
فطوبى لعبد صام نهاره، وقام أسحاره ... يا حسنه ومصابيح النجوم تزهر، والناس قد ناموا وهو في الخير يسهر، غسل وجهه من ماء عينه وعَين العين أطهر.
стр. 194
وكم من فوائد ومعان في التراويح:
(١) قيام رمضان من الإيمان، ومغفرة لسالف الذنوب:
قال رسول الله ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) .
وزاد مسلم في أوله: كان رسول الله ﷺ يُرغِّبُ في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمته ثم يقول: "من قام رمضان ... " (٢) .
قال الألباني: "هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تغفر له بسبب هذه العبادات، فإن لم يكن للإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب" (٣) .
(٢) استحقاق قائمة اسم الصديقين والشهداء:
وهذا فيض الكريم وجوده يسوقه ﷺ ، وفيه الغنم كل الغنم: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذ شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فَمِمن أنا؟ قال: "من الصديقين والشهداء" (٤) .
ولفظ ابن خزيمة: "جاء رسول الله ﷺ رجل من قضاعة، فقال له: إن شهدت ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات وصمت الشهر وقمت رمضان، وآتيت الزكاة؟ فقال النبي ﷺ : "من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء".
стр. 195
وما زاد الصحابي الجليل على أركان الإسلام الخمسة إلا قيام رمضان واستحق بهذه الزيادة اسم الصديقين والشهداء.
كان عمر بن الخطاب إذا دخل أول ليلة من رمضان يصلي المغرب ثم يقول:
"أما بعد، فإن هذا الشهر كُتب عليكم صيامه، ولم يُكتب عليكم قيامه، فمن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير التي قال الله" (١) .
* وقال أحدهم: ما على أحدكم أن يقول: الليلة ليلة القدر، فإذا جاءت أخرى قال: الليلة ليلة القدر".
وكان ابن عون إذا جاء شهر رمضان جاء برمل فألقاه في المسجد، ثم يقول لبنيه: "ما تبتغون بعد شهر رمضان وكان لا ينام" (٢) .
(٣) من قام مع إمامه كتب له قنوت ليلة:
جاء في حديث أبي ذر قوله ﷺ : "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة" (٣) .
قال الألباني: [والشاهد من هذا الحديث قوله: "من قام مع الإمام ... " فإنه ظاهر الدلالة على فضيلة قيام رمضان مع الإمام] .
قال صاحب عون المعبود: "حصل له ثواب قيام ليلة تامة".
وعن أبي إسحاق الهمداني: خرج علي بن أبي طالب في أول ليلة من رمضان، والقناديل تزهر في المسجد، وكتاب الله يتلى فجعل ينادي: نوّر الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نوّرت مساجد الله بالقرآن" (٤) .
стр. 196
فاتق الله في عمرك، وأقبل على صلاة التراويح يقبل الله عليك وانظر إلى سلفك من الصحابة.
عن السائب بن يزيد أنه قال: "أمر عمر بن الخطاب أبيّ بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنّا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر" (١) خشية أن يفوتنا الفلاح: السحور (٢) .
والله ما صلاح الأجساد إلا بانتصابها في القيام والتراويح وهو شفاء من أمراض الأجساد والقلوب ورفعة للدرجات عند علاَّم الغيوب وهذا طريق الصالحين من قبلنا.
قال ﷺ : "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد" (٣) .
في بحث أعدته الدكتورة "سلوى محمد رشدي" جامعة حلوان كلية التربية الرياضية وموضوعه "صلاة التراويح وأثرها على مرونة العمود الفقري والكفاءة الوظيفية للقلب بعد الستين".
تقول الدكتورة سلوى: "إن هذه الدراسة تهدف إلى التعرف على أهمية صلاة التراويح للمسلم، وأثر ذلك على الكفاءة الوظيفية للقلب، ودرجة المرونة في العمود الفقري ... وقد أجريت هذه الدراسة على عينة مكونة من ستين رجلاً وامرأة مقسمين إلى ثلاثين ممن قاموا بتأدية التراويح في شهر رمضان عام ١٤٠٥هـ،
стр. 197
وثلاثين من المصلين الذين لم يقوموا بتأديتها، وقد طبعت عليهم اختبارات لمعرفة مرونة العمود الفقري من الأوضاع المختلفة، وكذلك اختبار الكفاءة الوظيفية باستخدام العملية الأرجومترية.. وقد أظهرت هذه الدراسة أن هناك فروقاً كبيرة بين المصلين التراويح وغير المصلين، في درجة مرونة العمود الفقري، وكذلك في الكفاءة الوظيفية للقلب، وقالت الدكتورة سلوى رشدي: لقد أوصيت في هذه الدراسة بتشجيع المسلم على تأدية الصلاة عموماً، وعلى صلاة التراويح على وجه الخصوص لما لها من فائدة على الجهاز الدوري والتنفسي، ومرونة مفاصل الجسم وخاصة العمود الفقري، حيث أن كبار السن في حاجة إلى القيام بتأدية التمرينات التي تحافظ على اللياقة البدنية، واللياقة الوظيفية للقلب" (١) .
وقد كان صحابة رسول الله يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها من طول القيام في التراويح.
قال ابن رجب: "إن جمع ثلاثة قرآء فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس ثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرين ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه خفف".
قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه: كم يقرأ في شهر رمضان؟ فلم يرخص في دون عشر آيات، فقيل له: إنهم لا يرضون، فقال: لا رضوا، فلا تؤمنَّهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من (البقرة) ، يعني في كل ركعة، وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات.
وقال الإمام أحمد: إنما الأمر على ما يحتمله الناس.
وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفاء، اقرأ خمساً، ستاً، سبعاً: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين.
стр. 198
وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم، وقاله أيضاً غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم (١) .
قال ﷺ : "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين" (٢) .
قوله: "من المقنطرين" أي: ممن كتب له قنطار من الأجر.
وقال الحافظ ابن حجر: "من سورة (تبارك الذي بيده الملك) إلى آخر القرآن ألف آية والله أعلم".
قال ابن رجب: "وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث، وبعضهم في كل سبع، منهم قتادة، وبعضهم في كل عشرة، منهم أبو رجاء العطاردي" فرحم الله رجلاً قدم لآخرته، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وقدم مهره فإنما مهر الحور الحسان طول التهجد بالقرآن، ولا تكن مِمّن يعظم الخطة ويسيء المهر".
بادر يا أخي فإنه مبادر بك.
كان أبو الدرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يوماً شديداً حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير" (٣) .
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلاً
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذا الأحزان فرحان جاذلا
* * *
стр. 199
رمضان شهر تكفير الذنوب
أنعم الكريم على الأمة بتمام إحسانه، وعاد عليها بفضله وامتنانه، وجعل شهرها هذا مخصوصاً بعميم غفرانه.
يا إخوتاه: أيام رمضان أيام محو ذنوبكم فاستغيثوا إلى مولاكم من عيوبكم.
هي أيام الإنابة فيها تفتح أبواب الإجابة، فأين اللائذ بالجناب، أين المتعرّض بالباب، أين الباكي على ما جنى، أين المستغفر لأمر قد دنا.
كم منقول في هذه الليلة من ديوان الأحياء عن قريب يفاجأ بالممات وهو مقيم على السيئات، ألا رب فَرِح بما يؤتى قد خرج اسمه مع الموتى ألا رب غافل عن تدبير أمره قد انفصمت عُرَى عمره، ألا رب مُعْرض عن سبيل رشده قد آن أوان شق لحده، ألا رُبّ رافل في ثوب شبابه قد أزف فراقه لأحبابه، ألا رب مقيم على جهله قد ترب رحيله عن أهله، ألا رب مشغول بجمع ماله قد حانت خيبة آماله، ألا ربّ ساع في جمع حطامه قد دنا تشتت عظامه، ألا ربّ مُجدّ في تحصيل لذاته قد آن خراب ذاته.
أين المعتذر مما جناه فقد اطلع عليه مولاه، أين الباكي على تقصيره قبل تحسره في مصيره.
يا مطروداً ما درى، تعاتب ولا تفهم ما جرى، متى تُرَى على الباب تُرَى.
تعالوْ كلّ من حضرا ... لنطرق بابه سحرا
ونبكي كلنا أسفا ... على من بات قد هجرا
عن جابر بن سمرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل، فقال: يا محمد، من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، قال: يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات ولم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، قال: ومن ذُكرت عنده فلم يُصل عليك فمات فدخل النار فأبعده
стр. 200
الله، قل: آمين، فقلت: آمين" (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رغم أنف (٢) رجل ذُكرت عنده فلم يصل على، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" (٣) .
قال المناوي. "رغم أنف من علم أنه لو كفّ نفسه عن الشهوات شهراً في كل سنة، وأتى بما وُظفَ له فيه من صيام وقيام غفر له ما سلف من الذنوب فقصّر ولم يفعل حتى انسلخ الشهر ومضى، فمن وجد فرصة عظيمة بأن قام فيه إيماناً واحتساباً عظّمه الله، ومنْ لم يعظِّمه الله حقَّره وأهانه" (٤) .
"والغفران مشروط بشرطين: الإيمان والاحتساب، وهما مدار الفرق بين العادة والعبادة فبدونهما يكون الصوم إرثاً وتقليداً قلّما يدفع صاحبه إلى الخير وينهاه عن الشر" (٥) .
* وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (٦) ، "وما تأخر".
قال الحافظ ابن حجر: زاد أحمد "وما تأخر"، ووقعت هذه الزيادة في رواية الزهري عن أبي سلمة، وقد وقعت هذه الزيادة أيضاً في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن، وقد استوعبت الكلام على طرقه في
стр. 201
"كتاب الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة" (١) .
وقال الساعاتي في "الفتح الرباني" (٩/٢٥) : "رواه أحمد بالزيادة بعد ذكر الصوم إسناد حسن، وقال المنذري: انفرد بهذه الزيادة قتيبة بن سعيد عن سفيان وهو ثقة ثبت وإسناده على شرط الصحيح" ا. هـ.
وفي رواية النسائي: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
* وقال ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
قال الخطابي: " (إيماناً واحتساباً) أي نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق والرغبة في ثوابه، طيبة به نفسه غير كاره له، ولا مستثقل لأيامه لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب".
وقال البغوي: "احتساباً" أي طلباً لوجه الله وثوابه: يقال فلان يحتسب الأخبار ويتحسبّها: أي يتطلبها.
قال المناوي: "أي صام أيامه كلها إيماناً بفرضيته ومصدقاً طلباً للثواب".
قال الحافظ ابن حجر: ظاهره يتناول الصغائر والكبائر وبه جزم ابن المنذر.
وقال النووي: "المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، وقال بعضهم. ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة".
وقال المناوي: "غفر له ما تقدم من ذنبه" لكنْ خصه الجمهور بالصغائر والتصديق والاحتساب وهو الطواعية شرط لنيل الثواب والمغفرة في صوم رمضان، فينبغي الإتيان به بنية خالصة وطويّة صافية امتثالاً لأمره تعالى واتكالاً على وعده من غير كراهية وملالة لما يصيبه من أذى الجوع والعطش وكلفة الكفّ عن قضاء الوطر، بل يحتسب النصب والتعب في طول أيامه، ولا يتمنى ساعة انصرافه ويستلذ مضاضيته".
стр. 202
وقال: "علم من الأدلة الخارجية أن حقوق الخلق لابدّ فيها من رضا الخصم فهو عام خصّ بحق الله إجماعاً، بل وبالصغائر عند قوم، وظاهره أن ذلك لا يحصل إلا بصومه كله، فإن صام بعضه وأفطر بعضه لعذر كمرض -وكان لولاه لصام- جاز الثواب ذكره ابن جماعة" (١) .
* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٢) .
* عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احضروا المنبر" فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: "آمين"، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: "آمين"، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: "آمين" فلما نزل قلنا: يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، قال: (إن جبريل عرض لي فقال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: (آمين) ، فلما ترقيت الثانية قال: بَعُد من ذُكرت عنده فلم يصل عليك فقلت: (آمين) ، فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: (آمين) (٣) .
"وعن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه، عن جده قال:
صعد رسول الله ﷺ المنبر فلما رقى عتبة قال: "آمين" ثم رقى أخرى فقال: "آمين"، ثم رقى عتبة ثالثة فقال: "آمين"، ثم قال: "أتاني جبريل فقال: يا محمد! من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، فقلت: (آمين) ، قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله، فقلت: (آمين) ، قال: ومن ذُكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله، فقلت: (آمين) " (٤) .
стр. 203
"وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين"، قيل: يا رسول الله! إنك صعدت المنبر فقلت: "آمين، آمين، آمين" فقال: "إن جبرائيل ﵇ أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: (آمين) ، فقلت: (آمين) ... الحديث (١) .
يا إخوتاه.. قال ابن مسعود: وددت لو أن الله غفر لي ذنباً واحداً وأن لا يعرف لي نسب، وقال: وددت أني عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنباً واحد.
فما ظنك بغفران الذنوب في رمضان.
أخي
* يا مضيعاً اليوم تضييعه أمس، تيقظ.... ويحك ... فقد قتلت النفس، وتنبه للسحور فإلى كم نحس، واحفظ بقية العمر فقد بعت الماضي بالبخس.
* يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه، يا مؤثراً الهوى على التقى لقد ضاع حزمه، يا معتقداً صحته فيما هو سقمه، يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا طويل الأمل وقد رق عظمه (٢) .
يا لديغ الأمل قد بالغ فيه سمه.... حبال الأمل رثاث، وساحر الهوى نفّاث، رحل العصاة إلى ظلام الأجداث، باتوا شباعاً من المعاصي فإذا هم غِراث (٣) .
يا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه، يا من سيجمعه اللحد عن قليل ويضمّه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه. كيف يُوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه؟! (٤) .
стр. 204
أخى
من ناله داءٌ دو بذنوبه ... فليأت في رمضان باب طبيبة
فخُلُوف هذا الصوم يا قوم اعملوا ... أشهى من المسك السحيق وطيبه
أو ليس هذا القول قول مليككم ... الصوم لي وأنا الذي أجزي به
أين من كان معكم في رمضان الماضي؟، أما أفنته المنون القواضي، أين من كان يصلي التراويح في الظلم؟ سافر عن داره منذ زمان ولِمَ؟ أين من صبر على الجوع والظّمَا، غاب فما آب ومضى فما، أين الذين ارتفعت أصواتهم بالأدعية خرجت تلك الجواهر من تلك الأدعية.
* أيُّها الغافل اعرف زمانك، يا كثير الحديث فيما يؤذي احفظ لسانك، يا مسئولاً عن أعماله اعقل شأنك، يا متلوناً بالزلل اغسل بالتوبة أدرانك، يا مكتوباً عليه كل قبيح تصفح ديوانك.
* أخي؟ يا من أكثر عمره مع الذنوب قد مضى....، إن كان ما فرط يوجب السخط فاطلب في هذا الشهر الرضا، يا كثير القبائح غداً تنطق الجوارح، فأين الدموع السوافح، يا ذا الداء الشديد الفاضح سُدَّ أبواب اللهو والممازح (١) .... أيها الرائح، كيف حالك في الضرائح، من لك إذا أوثقك الذابح؟!.
* يا من قد سارت بالمعاصي أخباره، يا من قد قَبُح إعلانه وإسراره، أتؤثر الخسران -قل لي- وتختاره؟ يا كثير الذنوب وقد دنا إحضاره، نقدك بهرج إذا حُك معياره.
قد ضاعت في الذنوب الأعمار، فأين يكون لهذا الغرس إثمار؟!.
إخواني: اعرفوا قَدْر مَنْ قدر، تذكروا كيف عصيتم وستر، وايم الله لو قمتم على البصر، وسجدتم شكراً على الإبر، ما وفيتم بشكر نعيم محتقر، أما طوى
стр. 205
القبيح وكل الجميل نشر، أما بعض نعمه السمع والبصر.
بك أستجير ومن يجير سواكا ... فأجر ضعيفْاً يحتمي بحماكا
يا غافر الذنب العظيم وقابلا ... للتوب قلب تائب ناجاكا
أترده وترد صادق توبتي ... حاشاك تطرد لائذا حاشاكا
أنا كنت يا ربي أسير غشاوة ... رانت على قلبي فضل سناكا
واليوم يا رب محوت غشاوتي ... وبدأت بالقلب البصير أراكا
ذقت الهوى مرّاً ولم أذق الهوى ... يا رب حلواً قبل أن أهواكا
* أيها المجتهد هذا ربيع جِدِّك، أيها الطالب هذه أوقات رِفدك، تيقظ أيها الغافل من سنة البطالة، تحفظ أيها الجاهل من شبه الضلالة، اغتنم سلامتك في قبرك قبل انقراض مدتك وعزم عدتك، وإزماع فوتك وانقطاع صوتك، وعثور قدمك وظهور ندمك؟ فإن العمر ساعات تذهب وأوقات تنهب، وكلها معدودة عليك، والموت يدنو كل لحظة إليك.
قال السري السقطي: "السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العباد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطّافها".
هذه الأشهر الثلاث المعظمة كالجمرات الثلاث، فرجب كأول جمرة تحمي بها العزائم، وشعبان كالثانية تذوب فيها مياه العيون، ورمضان كالثالثة تورق فيها أشجار المجاهدات، وأي شجرة لم تورق في الربيع قطعت للحطب.
فيا منْ قد ذهبت عنه هذه الأشهر وما تغير أحسن الله عزاءك!
ياهذا:
لو قيل لأهل القبور تَمنَّواْ لتمنوا يوماً من رمضان، وأنت كلما خرجت من ذنوب دخلت في أخر، يا قليل الصفا إلى كم هذا الكدر، أنت في رمضان كما
стр. 206
كنت في سفر، أما تنفعك العبر، أَصُمّ السمعُ أمْ غُشِي البصر، آن الرحيل وأنت على خطر، ودنا السفر وتأمن الغِيَر؟!، وعند الممات يأتيك الخبر.
أنا العبد الذي كسب الذنوبا ... وصدته الأماني أن يتوبا
أنا العبد الذي أضحى حزينا ... على زلاته قلقاً كئيباً
أنا العبد الذي سطرت عليه ... صحائف لم يخف فيها الرقيبا
أنا العبد المسيء عصيت سرّاً ... فمالي الآن لا أبدي النحيبا
أنا العبد المفرط ضاع عمري ... فلم أرع الشبيبة والمشيبا
أنا العبد الغريب بلج بحر ... أصيح لربما ألقى مجيبا
أنا العبد السقيم من الخطايا ... وقد أقبلت ألتمس الطبيبا
أنا العبد المخلف عن أناس ... حووا من كل معروف نصيبا
أنا العبد الفقير مددت كفي ... إليكم فارفعوا عني الخطوبا
أنا الغدار كم عاهدت عهداً ... وكنت على الوفاء به كذوبا
أنا المقطوع فارحمني وصلني ... ويسر منك لي فرجاً قريباً
أنا المضطر أرجوا منك عفواً ... ومن يرجو رضاك فلن يخيبا
فيا أسفي على عمر تقضى ... ولم أكسب به إلا الذنوبا
وأحذر أن يعاجلني ممات ... يحير هول مصرعه اللبيبا
ويا حزناه من حشري ونشري ... بيوم يجعل الولدان شيبا
تفطرت السماء به ومارت ... وأصبحت الجبال به كثيباً
إذا ما قمت حيراناً ظميئا ... حسير الطرف عرياناً سليبا
ويا خجلاه من قبح اكتسابي ... إذا ما أبدت الصحف العيوبا
стр. 207
وذلة موقف وحساب عدل ... أكون به على نفسي حسيبا
ويا حذراه من نار تلظى ... إذا زفرت وأقلقت القلوبا
تكاد إذا بدت تنشق غيظاً ... على مَنْ كان ظلاماً مريبا
فيا من مَدّ في كسب الخطايا ... خطاه أما آن الأوان لأن تتوبا (١)
أخي:
يا صاحب الخطايا أين الدموع الجارية؟!.
يا كثير المعاصي ابك على الذنوب الماضية، يا مبارزاً بالقبائح أتصبر على الهاوية، أسفاً لك إذا جاءك رمضان وما أنبت، واحسرةً لك إذا دعيت إلى التوبة فما أجبت، كيف تصنع إذا نودي بالرحيل وما تأهبت، ألست الذي بارزت بالكبائر وما راقبت.
قد مضى في اللهو عمري ... وتناهى فيه أمري
شمر الأكياس وأنا ... واقف قد شيب أمري
بان ربح الناس دوني ... ولحيني بان خسري
ليتني أقبل وعظي ... ليتني أسمع زجرى
كل يوم أنا رهن ... بين آثامي ووزري
ليت شعري هل أرى لي ... هِمة في فك أسري
أو أُرى في توبة صدق ... قبل أن أنزل قبري
ويح قلبي من تناسيه ... مقامي يوم حشري
واشتغالي عن خطايا ... أثقلت والله ظهري
стр. 208
يا إخوتاه:
مآثم المذنبين ما تنقضى ... آخر الدهر أو يحلوا اللحودا
وحقيق أن ينوحوا ويبكوا ... قد عصوا ماجداً رءوفا ودودا
كل ثكلى أحزانها لنفاد.. ولنا الحزن قد نراه جديدا
كيف تفنى أحزان من ... عاهد الله مراراً وخان منه العهودا
ويح نفسي ما أقول إذا ما ... أحضر الله رُسله لي شهودا
ثم قال اقرأ ماذا عملت وجاوز ... ت بما كان منك الحدودا
ثم تخفي لما استترت من الخلـ ... ـق وبارزتني وكنت شهيدا
* "أيها التائب لا تستصحب إلا حزيناً يبكيك، ما يصلح لمرافقة الثكلى إلا مثلها، لما خرجت أزهار الربيع طلب الورد رفيقاً من النبات يأنس به، لما نبت، فأبت كلها عن صحبته، وقالت: أنت ملول لا تقيم على مودة، فصاح به الياسمين أنت صاحبي قد اشتركت في قصر العمر، فأشر أنت إلى التائب باحمرار الخجل، حتى أشير أنا إلى الخائف باصفرار الوجل، لو علم الورد قصر عمره ما تبسم وكذا الوغد، أيها المذنب قف بالباب إذا نام الناس، وابسط لسان الاعتذار، ونكس الرأس وقل ليس عندي سوى الفقر والإفلاس.
يا سندي وسيدي ومددي ... قد أوهن طردكم وبعدي جلدي (١)
التائبون العابدون "سجع "
* سبحان من وفّق للتوبة أقواماً، ثبت لهم على صراطها أقداماً، كفوا الأكف عن المحارم احتراماً، فكفر عنهم ذنوباً وآثاماً ونشر لهم بالثناء على ما عملوا أعلاماً، فهم على رياض المدائح بترك القبائح يتقلبون "التائبون العابدون".
стр. 209
* ندموا على الذنوب فَنُدبوا، وسافروا إلى المطلوب فاغتبروا، وسَقَوا غرس الخوف دمع الأسف وشربوا، فإذا أقلقهم الحذر طاشوا وهربوا، وإذا هبّ عليهم نسيم الرجاء عاشوا وطربوا، فتأمل أرباحهم وتلمّح ما كسبوا، واعلم أن نيل النصيب بالنصيب يكون "التائبون العابدون".
* نظروا إلى الدنيا بعين الاعتبار، فعلموا أنها لا تصلح للقرار، فنغصوا بالصيام لذة الهوى بالنهار، وبالأسحار هم يستغفرون "التائبون العابدون".
* أبدانهم قلقى من الجوع والضرر، وأجفانهم قد حالفت في الليل السهر، ودموعهم تجري كدائمة المطر، تأهب القوم فهم على أقدام السهر، عبروا عليكم ومروا لديكم وما عندكم خبر، وترنمت حداتهم لو تسمعون "التائبون العابدون".
يا رب سِر بنا في سَرب النجابة، ووفقنا للتوبة والإنابة، وافتح لأدعيتنا أبواب الإجابة، يا من إذا سأله المضطر أجابه، يا من يقول للشيء كن فيكون.
"التائبون العابدون".
* * *
стр. 210
رمضان شهر الجود والإحسان
يا إخوتاه: هذا شهر الجود والمواسات، والجود من معالي الأخلاق.
قال ﷺ : "إن الله كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجودة، يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها" (١) .
وقال ﷺ : "إن الله تعالى جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها" (٢) .
وقال ﷺ : (إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها" (٣) .
وفي حديث أبي ذر عن النبي ﷺ عن ربه قال: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر"
والله أجود الأجودين، وجُوده يتضاعف في أوقات خاصة: كشهر رمضان، وفيه أنزل: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) الآية.
رمضان شهر العتق من النيران:
ومن سابغ جود الله وعظيم كرمه تفضله في هذا الشهر بعتق عباده من النيران.
стр. 211
وفي حديث أبي هريرة: " ... وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة".
وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لله عند كل فطر عتقاء" (١) .
رسول الله ﷺ أجود الناس:
وقد جبل الله نبيه ﷺ على أكمل الأخلاق وأشرفها، وكان ﷺ فيّ أجود بني آدم.
في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وزاد أحمد في آخره "لا يسأل عن شيء إلى أعطاه".
قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٣٩) : "قال الزين بن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته ﷺ بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أيْ فيعم خيره وبره مَنْ هو بصفة الفقر والحاجة، ومَنْ هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعمّ الغيث الناشئة عن الريح المرسلة".
* وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس، وأجود الناس.
"وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام
стр. 212
جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولم يزل ﷺ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافاً كثيرة.
* وفي "صحيح مسلم" عن أنس قال: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".
وفي رواية: "يعطي عطاء ما يخاف الفقر".
قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
وفيه أيضاً عن صفوان بن أمية قال: "لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليّ فما برح يعطني حتى إنه لأحب الناس إليّ".
قال ابن شهاب أعطاه يوم حنين مائة من الغنم ثم مائة ثم مائة.
* وفي مغازي الواقدي: أن النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ وادياً مملوءً إبلاً ونعماً فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.
* وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أن الأعراب علقوا بالنبي ﷺ مرجعه من
حنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال: "لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً".
وفيهما عن جابر قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً فقال لا، وأنه قال لجابر: "لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا وقال بيديه جميعاً".
* وخرج البخاري من حديث سهل بن سعد أن شملة أهديت للنبي ﷺ فلبسها وهو يحتاج إليها فسأله إياها رجل فأعطاه فلامه الناس وقالوا كان محتاجاً
стр. 213
إليها وقد علمت أنه لا يرد سائلاً فقال: إنما سألتها لتكون كفني فكانت كفنه (١) .
* وعن ابن مسعود قال: دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صُبرة من تمر فقال: "ما هذا يا بلال؟ " قال: أعد ذلك لأضيافك، قال: "أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم؟! أنفق بلال! ولا تخشى من ذي العرش إقالاً" (٢) .
وعند الطبراني قال: "أما تخشى أن يفور له بخار في نار جهنم؟! ".
وعن أنس أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ لا يدخر شيئاً لغد (٣) .
وعن سمرة بن جندب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إني لألج هذه الغرفة ما ألجها إلا خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه" (٤) .
قال ابن رجب:
"كان جوده ﷺ كله لله وفي ابتغاء مرضاته فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقدْ في بيته نار وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان قد أتاه سبي فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت وطلبت منه خادماً يكفيها مؤنة بيتها فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها وقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع" (٥) .
стр. 214
وقال أيضاً: "كان ﷺ بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك، فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇ وهو أفضل الملائكة وأكرمهم ويدارسه الكتاب الذي جاء به وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلقاً بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه فلهذا كان يتضاعف جوده وأفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇ وكرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم والجود، ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقاً من المخالطة.
كان بعض الشعراء قد امتدح ملكاً جواداً فأعطاه جائزة سنية فخرج بها من عنده وفرّقها كلها على الناس وأنشد:
لمستُ بكفي كفه أبتغي الغنا ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فبلعْ ذلك الملك فأضعف له الجائزة.
وقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله ﷺ :
تعوّد بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
سمع الشبلي قائلاً يقول: يا الله ... يا جواد، فتأوه وصاح وقال: "كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقول في شكله فذكر هذه الأبيات ثم بكى، وقال: بلى يا جواد فإنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم فأنت الجواد كل الجود. فإنهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حد له ولا صفة، فيا جوادا يعلوا
стр. 215
كل جواد وبه جاد كل من جاد" (١) .
* وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
* منها شرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه.
* ومنها إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم.
وفي حديث زيد بن خالد ﵁، قال رسول الله ﷺ : "من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" (٢) .
وفي حديث آخر: عن زيد بن خالد ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "من فطر صائماً، أو جهز غازياً، فله مثل أجره" (٣) .
* ومنها أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لا سيما في ليلة القدر.
والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قال ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل.
* ومنها أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما جاء في حديث علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة غرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله قال: لمن طيّب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام"، وهذه الخصال كلها كون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام.