← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان]ـ المؤلف: أبو التراب سيد بن حسين بن عبد الله العفاني قدم له: أبو بكر الجزائري - محمد صفوت نور الدين - محمد عبد المقصود توزيع: دار ماجد عسيري - جدة [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

إهداء إلى الرجال حين يعزّ الرجال.. إلى الضخام بذلا وعطاء.. * إلى الوالد المفضال.. الذي إذا رُؤي ذكر الله تعالى برؤيته الشيخ الربّاني مقدم أهل السنة بمصر الشيخ/ محمد صفوت نور الدين. * إلى تيار الفرات.. الذي غمرني بإحسانه ونواله وكرمه.. الكريم المفضال الذي جعل الله له في قلوب المؤمنين ودا.. إلى من كانت له اليد الطُولى في نشر كتب ابن تيمية في مكتبته "مكتبة ابن تيمية" الشيخ/ عبد الفتاح الزيني. انشر علوم السابقين وداونا ... لله درك من فتى رباني * وإلى سمي البخاري.. الرباني.. الشيخ محمد إسماعيل. يا زهر آمال البلاد وحبها ... يا حادي الغرباء للأوطان وسمي حبر وطب هدى نبينا ... أعني البخاري العظيم الشان يا ابن إسماعيل ويا بقية سلفنا ... إرو الغليل بشيخنا الألباني ياحسن عود للحجاب كتبته ... من نبض قلبك في حلى التبيان لا تنسنا من طيب صالح دعوة ... بظهر الغيوب لحبك العفاني ***

стр. 3

مقدمة الطبعة الثانية بقلم فضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري شيخ المسجد النبوي بالمدينة النورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة تقريظ لأبي بكر جابر الجزائري قال عفا الله عنه: بعد حمد الله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه أجمعين أقول: لقد أهداني العلّامة ذو الفقه والبصيرة الدكتور سيد بن حسين العفاني حفظه الله وأطال عمره، وأفاض الخير عليه وعلى محبيه. أهداني كتابه "نداء الريّان في فقه الصوم وفضل رمضان" وتصفّحت الكتاب فوجدته قد جمع فأوعى، ورفع مؤلفه فأعلى. إنه كتاب من مجلدين بلغت صفحاته سبعاً وعشرين ومائة وألف صفحة، ما ترك شاردة ولا واردة، ولا نافلة، ولا فريضة، ولا كبيرة، ولا صغيرة، في باب الصيام وأحكامه وفضائله، وكمال أهله إلا ذكرها بأسلوب الأدب الرفيع والحكمة البالغة. وقبل أن أدعوَ له بخير الدارين أنصح لكل طالب علم أن يقتني هذا الكتاب ويكبّ عليه ويقرأه، وينشر طِيبه بين المسلمين. فاللهم زد عبدك سيد باسمه علماً وفقهاً ونوراً، ولا تحرمنا مما آتيته إنك ولينا ووليّه آمين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. أبو بكر جابر الجزائري في ٤/٩/١٤١٧هـ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبعة الثانية بقلم فضيلة الشيخ: محمد صفوت نور الدين رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر لنداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان تقديم الحمد لله رب العالمين، اختص سبحانه بعض خلقه بالتكريم والتعظيم، وأصلي وأسلم على من اختصه الله بالرسالة الخاتمة، فبلغها فكان إمام المتقين وإمام العابدين وإمام الأنبياء وخاتم المرسلين، وأصلي وأسلم على آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وأصلي وأسلم على سائر الأنبياء وجميع المرسلين. وبعد،،، فإن شريعة الله في الصوم عمت كل الأمم السابقة وصارت عونا للمؤمنين لسلوك طريق المتقين لذا قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وكان الصوم من أجل الأعمال التي يعملها السالكون لذا جاء في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه أنه قال: "كل عمل ابق آدم له. الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" فكان قوله: "فإنه لي" أعظم شرف للعمل وهو الصيام وخير شرف للعامل وهو الصائم.

стр. 5

وقد فضل الله سبحانه شهر رمضان بفضائل عظيمة جليلة فهو القائل: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ، وهو الذي جعل فيه ليلة القدر، وقال عنها سبحانه: (ليلة القدر خير من ألف شهر) . والله جعل رمضان شهر الصبر وشهر النصر، تغل فيه الشياطين، وشهر يغفر فيه لمن تتبع أسباب المغفرة بالصيام والقيام وتلمس ليلة القدر، والله جعل البركة في كل رمضان والصيام حتى جعل أبسط ما فيه وهو السحور بركة فقال رسول الله ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة". والله ﵎ جعل رمضان شهر الجنة، فللجنة باب اسمه الريان يدخل منه الصائمون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد وجعل رمضان شهر القرب، ففي الحديث: "بعد من أدرك رمضان ولم يغفر له" فالبركة والخير والإلف والمحبة والصالحات من الأعمال والقرآن والصدقة والجود وحسن الخلق وغير ذلك إنما يكون من ثمرات من عمل في رمضان ومن تعبد الله بالصيام في رمضان وبعده. كل هذا شحذ قريحة أخينا الحبيب الدكتور سيد حسين العفاني جزاه الله خير الجزاء وصنف موسوعة تاريخية فقهية حديثية طبية وعظية قصصية واقعية يحتاجها المدرس والكاتب والمؤرخ والصائم، ويحتاجها قاسي القلب ليلين قلبه، ويحتاجها الشارد ليقرب والقريب ليزداد قربا، ويحتاجها الباحث والطبيب الذي يعالج أمراض الأبدان، والواعظ الذي يغذي القلوب والأرواح وهذه الكلمات القليلة أسوقها على استحياء لتقديم هذه الموسوعة الطيبة (نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان) والله أسأل أن ينفع بها وأن يجعلها ذخرا لكل من صنف وقدم وقرأ وعمل، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. وكتبه محمد صفوت نور الدين

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة بقلم فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد بن عبد المقصود العفيفي . إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) ، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) . أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فإنه ليشرفني أن أقدم إلى المكتبة الإسلامية هذا المؤلَّف الجليل، والذي يُعد بحق موسوعةً ضخمة جدّاً في الصيام وكل ما يتعلق به، ومؤلفه الأخ الأستاذ الدكتور سيد حسين، ذكر فيها فضائلَ الصيام وآثاره، وصيام الصالحين، وصيام أهل البدع، وفوائد الصيام، وفضائل شهر رمضان، والغزوات التي وقعت في شهر رمضان، حتى الفتاوى الطبية المتعلقة بشهر رمضان، وكتب الطب التي ألفتْ فيما يتعلق بموضوع

стр. 7

هذا الكتاب -وهو الصوم- وفتاوى العلماء قديماً وحديثاً، وكذلك الأشعار التي وردت في شهر رمضان وكتبها. فهذا في الحقيقة جهد كبير جدّاً بذله حضرة المؤلف الاستاذ الدكتور سيد حسين -أصلح الله حاله، وجعله في ميزان حسناته- وذلك ليقدم إلى الناس هذه الموسوعة القيمة. والحقيقة قد طلب مني حضرة المؤلف الدكتور سيد حسين أن أقدم للكتاب. وأنا أقولها لله : الفروض أن يقدِّمَ هو لي لا أن أقدم أنا له، وقد زدنا بالكتاب شرفاً، ولم يزد المؤلف ولا كتابه منا شيئا. وسيتضح لك هذا أيها القارئ الكريم حين تعيش مع صفحات هذا الكتاب ستقف على كمّ المراجع التي رجع إليها واستخدمها، ليقدم لك هذه المادة، وهي متنوعة، فمنها مراجع في الفقه ومراجع في التاريخ ومراجع في الحديث، بل وكتب الأشعار وكتب الطب ... كتب كثيرة جدّاً حتى يجمع لك مادة هذا الكتاب نفعنا الله به. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لقراءة هذا الكتاب، والعمل بما فيه، وأن ندعو الناس لاتباع الخير الكثير الذي فيه، وأن يجعل الله ذلك في ميزان حسناتنا (يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم) . وكتبها د. محمد بن عبد المقصود العفيفي

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [آل عمران: ١٠٢] . (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) [النساء: ١] . (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيمًا) (١) [الأحزاب: ٧٠-٧١] . أما بعد: فإن الله تعالى أعظم على عباده المنِّة، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه، ورد أمله وخيب ظنه، إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجُنَّة، وفتح لهم به أبواب الجنَّة، وعرفهم أنَّ وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنَّة، وأنَّ بقمعها

стр. 9

تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنَّة (١) . وأعظم بعبادة متميزة بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان، وجاوز ثوابها قانون التقدير والحسبان، فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغاً، ويجازف جزافاً فلا يدخل تحت وهم وتقدير. وناهيك بعبادة يباهي الله بها ملائكته، والله غني وهو الكريم يا أخي عن تجويع القوم.. فافهم من الخلوف معنى الصوم فأنت المراد من هذا الكون. فكم من ملائكة كرام ما ذاقوا طعاما ولا شربوا شراباً ليس لهم مرتبة "ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك". فيا إخوتاه البدار البدار، كلوا من طعام الجد، واشربوا دموع الأسف، تناولوا من طعام الاستغفار ولو جرعة، صاح مُمسك قنديل الأمل، لرؤية فجر الأجل. رحم الله أقواماً رمضانهم دائم وشوالهم صائم. في رضاكم رمضان عمره ... ينقضي ما بين إدبار وطيّ وعلى الطرف الآخر آخر أحواله تشبه شهور السنة "ماله في باب الإيثار المحرم، وقلبه من الذكر صفر، وهواه وشهواته ربيعان وكفاه في البذل جُمادَيَان، وسمعه عن المواعظ رجب، وهمه في شبابه شعبان" (٢) ، فكن كما شئت فإنما تجني ما تغرس. ولا يدرك ألطاف وعطايا الربَّانية إلا من ربَّى للصوم نيَّة. غرس القوم نخل العزائم من نهر باب الريان ونبات عزمك نبات الكشوت (٣) يروى من ماء صديد.

стр. 10

أخي: ليس الصوم صوم جماعة الطّغام عن الجماع والطعام إنما الصوم صوم الجوارح عن الآثام، وصمت اللسان عن فضول الكلام، وغض العين عن النظر إلى الحرام، وكفّ الكفّ عن أخذ الحطام، ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام. إن المطلوب من الصوم التقلل ليسبق المضمّر، وهم يستوفون وقت الإفطار الحِمْل، ويجعلون السحور علاوة، فيقف جمل التعبد. المراد من التجويع خلوف الفم، والذين عندهم جُشَاء التَّخم يصبحون وبهم من الطعام بَشَم (١) ، ومن الماء بغر (٢) ، "جاعوا بالنهار وما يفهمون كيف صاموا، وشبعوا بالليل فناموا وما قاموا" (٣) . قال ﷺ : "إنما الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته" (٤) . فاتق الله في أمانته عندك. ولكل عبادة ظاهراً وباطناً، وقشراً ولبّاً، ولقشرها درجات، ولكل درجة طبقات، فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أرباب الألباب. فطوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الكامل طوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر طوبى لمن ترك شهوات حياة عاجلة لموعد غيب لم يره متى اشتد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري الكامل وقل: قد عيل صبر الطبع في سنيِّه العجاف، فعجِّل لي العام الذي فيه أغاثُ وأعصر. أخي: -وبعد أن أطلنا- هذه أوراق جمعناها في الصوم وفضله وثماره

стр. 11

وسادات الصائمين، ورمضان وجزيل نعمه وحُسنه، وضممنا إلى ذلك آداباً في الصوم وفصلاً في الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الصوم ثم فقه الصوم والاعتكاف وزكاة الفطر وسنن العيد، وعقدنا فصلا للصوم عند الشعراء فاللَّهم تقبل عملي هذا، واسقني يا جواد من كأس كان مزاجها كافوراً واجعل الريَّان ري قلبي الظمآن (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) . وكتبه سيد بن حسين العفاني بني عفان - غرة جمادى الآخرة ١٤١٥هـ ***

стр. 12

الباب الأول من معاني الصوم "الصوم لا رياء فيه" (الإمام أحمد بن حنبل)

стр. 13

الصوم عبادة السادات، وعبادة السادات سادات العبادات، وشيم الأحرار أحرار الشيم. نصوم فإن الصوم من علم التقى ... وإن طويل الجوع يوماً سيشبع فما الغاية العظمى؟.. وما أهم معاني الصوم؟ أ- الإخلاص عنوان الصوم أحلى أعطيات الصوم وأغلى معانيه الإخلاص، والإخلاص لله خلاص وتجرد بعيداً بعيداً عن أوحال الأرض. والصوم هو العبادة الوحيدة التي خُصَّت بالنسبة إلى الله "إلا الصيام فإنه لي" (١) . وكما قال الإمام أحمد: لا رياء في الصوم، فلا يدخله الرياء في فعله، من صفى صفى له، ومن كَدَّر كدر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، وإنما يُكال للعبد كما كال. والجنة لا تطلب إلا قلباً خالصاً لله (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) [يوسف:٧٩] . والصوم يعلم الناس الإخلاص، فما صام منافق مرائي. والغاية الواحدة في مصطلح القرآن هي الإخلاص وهي محور دعوات الرسل، يقول ﵎: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين..) [الزمر: ٢] الآية، (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ... ) [الزمر: ١١] الآية، (قل الله أعبد مخلصاً له ديني..) [الزمر: ١٤] الآية، (وادعوه مخلصين له الدين ... ) [الأعراف: ٢٩] الآية، (فادعوا الله مخلصين له الدين) [غافر: ١٤] الآية. والإخلاص: التعري عما دون الله ونسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.. أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة وإخراج الخلق عن معاملة الرب.

стр. 14

والإخلاص أشد شيء على النفس لأنه ليس لها فيه نصيب كما قال سهل. والصدق في الإخلاص من أشد الأمور على النفوس، يقول سفيان الثوريّ: "ما عالجت شيئاً عليّ أشد من نيّتي، إنها تتقلب عليّ". والإخلاص هو الحرية في أرقى صورها وأكمل مراتبها، لا لا يا قيود الأرض. تفيض نفوس بأوصابها ... وتكتم عوادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي ... جواها إلى غير أحبابها "شجرة الإخلاص أصلها ثابت، لا يضرها زعزع (أين شركائي) ، وأما شجرة الرياء فاجتثت عند نسمة (وقفوهم) ، لريح المخلصين عطرية القبول، وللمرائي سموم النسيم، نفاق المنافقين صيّر المسجد مزبلة (لا تقم فيه أبداً) وإخلاص المخلصين رفع قدر الوسخ "رُبَّ أشعث أغبر"، فيا أسفا ذهب أهل الإخلاص والتحقيق وبقيت بنيَّات الطريق، رحل والله السادة وبقي قرناء الرياء والوسادة. ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام يا إخوتاه: الإخلاص مسك مصون في مسك القلب، تنبه ريحه.. العمل صورة والإخلاص روح. الإخلاص اليسير كثير، وخليج صاف أنفع من بحر كدر، أتحدو ومالك بعير؟!، أتمد القوس وما لها وتر؟!، أتتجشأ من غير شبع؟!. كم بذل نفسه مراء لتمدحه الخلائق فذهبت والمدح، ولو بذلها للحق لبقيت والذكر، المرائي يحشو جراب العمل رملاً فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام القلوب. لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تتشبه وقالت: لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز: ولكن نسجي أردية بنات الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس النسيجين يبين الفرق.

стр. 15

"إذا اشتبكت دموع في خدود تبينَّ من بكى ممن تباكا" (١) . والأمة أحوج ما تكون إلى إخلاص أبنائها، قال ﷺ : "إنما ينصر الله هذه الأمه بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم" (٢) ، وفيه خلاص الأمة ورفعتها، فعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بشِّر هذه الأمة بالسناء والدين، والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" (٣) ، وفي رواية للبيهقيّ قال رسول الله ﷺ : "بشر هذه الأمة بالتيسير والسناء، والرفعة بالدين والتمكين في البلاد والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب". ما أحوجنا إلى الصيام والإخلاص: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما يبعث الناس على نياتهم" (٤) ، وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما يحشر الناس على نياتهم" (٥) . ما أحوجنا إلى الفرار من الرياء والصيام خير عون، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سمَّع الناس بعمله سمَّع الله به مسامع خلقه وصغره وحقَّره" (٦) ، وقال ﷺ : (ثلاث لا يُغَل عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم" (٧) . ولو لم يكن في الإخلاص إلَّا طرد الخيانة والحقد من القلب لكفاه شرفاً، فكيف والأعمال ميتة بدونه، وقشر خالٍ من اللباب سواه. ومن هنا تأتي أهمية الصوم ومعناه الكبير! إذ كل عبادة سواه قد يدخلها الرياء وإرادة

стр. 16

وجه المخلوقين حتى الصلاة خير الأعمال قد يدخلها الرياء. عَن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال" فقلنا: بلى يا رسول الله! فقال: "الشرك الخفي: أن يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" (١) . وعن محمود بن لبيد ﵁ خرج النبي ﷺ فقال: "يا أيها الناس! إياكم وشرك السرائر" قالوا: يا رسول الله! وما شرك السرائر! قال: "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر" (٢) . والجهاد والصدقة وقراءة القرآن قد يدخلها الرياء، فدل ذلك على خطره وفظاعته وشناعته، وإليك هذا الحديث لترى خوف الصحابة من الرياء وعلى ضوء ذلك ترى المعنى الجليل الذي يورثه الصيام لأصحابه وهو الإخلاص. عن عقبة بن مسلم أن شُفَيّاً الأصبحيّ حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال مَن هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه؛ وهو يحدث الناس، فلمَّا سكت وخلا، قلت له: أسألك بحقِّ وبحقِّ، لماَّ حدَّثتني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ وعَقِلْتَه وعَلِمْتَه، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدَّثنيه رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، ثم نشغ (٣) أبو هريرة نشغة فمكثنا قليلاً ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق، ومَسح عن وجهه فقال: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ثم مال خارّاً على وجهه فأسندته طويلاً ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله ﷺ إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل على العباد ليقضي

стр. 17

بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يُدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فما عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله : كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال فلان قاريء وقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد، قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: فيم قتلت؟ فيقول: أي رب أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريئ فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتيّ، فقال: "يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة", قال الوليد أبو عثمان المديني: وأخبرني عقبة أن شُفَيّاً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حاتم أنه كان سيّافاً لمعاوية، قال: فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس ثم بكى معاوية بكاءً شديداَّ حَتى ظننا أنه هالك، وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلَّا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) [هود: ١٥ - ١٦] (١) . فكيف بمن بقي من الناس ... لا نجاة إلا بالإخلاص. فياللصوم من عبادة أسها ولحمتها وسداها الإخلاص وفيه من النيران الخلاص. ***

стр. 18

(ب) التقوى حكمة الصوم العليا قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة: ١٨٣] . إن الغاية الأولى هي إعداد القلوب للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله تعالى، "هكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم.. إنها التقوى.. فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفاً وضيئاً يتجهون إليه عن طريق الصيام (لعلكم تتقون) ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات، فليس فريضة العمر وتكليف الدهر، ومع هذا فقد أعفى من أدائه المرضى حتى يصحِّوا، والمسافرون حتى يقيموا تخفيفاً وتيسيراً. وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد، فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر، وهذا هو الأولى في فهم النص القرآني، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومع الضرر لإرادة اليسر بالناس لا العسر. فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات، إنما يقودهم بالتقوى وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى. والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء، لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق. وهذا الدين دين الله لا دين الناس، والله أعلم بتكامل هذا الدين، بين مواضع الترخص ومواضع التشدد، وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها، بل لابد أن يكون الأمر كذلك، ومن ثم أمر رسول الله ﷺ أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخص لهم.

стр. 19

وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال، فإن صلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام، ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع، وسد للذرائع، فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف، إذ هي حساب بين العبد والرب، والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب، وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت، ولم يستخدم الرخصة إلى حيث يرتضيها قلبه، ويراها وهى الأولى (١) . (جـ) ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون "هذه غاية من غايات الفريضة.. أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة، وهم مكفوفو القلب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها.. وهم شاعرون بالهدى ملموساً محسوساً، ليكبروا الله على هذه الهداية، وليشكروه على هذه النعمة، ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة، كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام "لعلكم تتقون" وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقّاً على الأبدان والنفوس، وتتجلى الغاية التربوية منه، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير" (٢) . "وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم، وأنه منزَّه عن ضراوة الأصنام" (٣) . "ولعلكم تشكرون" تعليل آخر وهو أعم من مضمون جملة "ولتكبروا الله ... " فإن التكبير تعظيم يتضمن شكراً والشكر أعم لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله ويكون

стр. 20

بفعل القرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر" (١) . (د) الصوم وإعداد الأمة لقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة به على البشرية، وللشهادة على الناس، فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها واحتمال ضعفها وثقلها، إيثاراً لما عند الله من الرضى والمتاع، وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك؛ والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات؛ والذي تهتف بالسالكيه آلاف المغريات" (٢) . (هـ) الصوم رياضة للنفس على ترك الشهوات إذا كان من المتعذر على الإنسان بما هو مستودع فيه أن يتجرد عن شهوة الجسد، إذ من المتعذر عليه الانقطاع البات عن إمداد جسده بما فطره الله فيه، فكان من اللازم لتطلب ارتقاء نفسه أن يتدرج به في الدرجات الممكنة من تهذيب شهوته وتخليصه من التوغل فيها بقدر الإمكان، لذلك كان الصوم من أهم مقومات هذا الغرض، لأن فيه خصلتين عظيمتين؛ هما: الاقتصاد في إمداد القوى الحيوانية وتعود الصبر بردها عن دواعيها "وبذلك يحصل للإنسان دُربة على ترك شهواته، فيتأهل للتخلق بالكمال، فإن الحائل بينه وبين الكمالات والفضائل هو ضعف التحمل للانصراف عن هواه وشهواته. إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم يَنْه قلباً غاوياً حيث يَمَّما فيوشك أن تلقى له الدهر سبة ... إذا ذكرت أمثالُها تملأُ الفما (٣)

стр. 21

"الصوم يعد نفس الصائم لتقوى الله بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالاً لأمره واحتساباً للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال ﷺ : "الصيام نصف الصبر". وهذا معنى دلالة "لعل" على الترجي، فالرجاء إنما يكون فيه، وقعت أسبابه وموضحه هنا الخاطبون لا المتكلم، ومَن لم يصم النية وقصد القربى لا ترجى له هذه الملكة في التقوى، فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها. قال شيخنا: إن الوثنيين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم، أو لإرضائها واستمالتها في بعض، الشئون والأغراض، وكانوا يعتقدون أن إرضاء الآلهة أو التزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب حتى جاء الإسلام ويعلمنا أن الصوم إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وإن الله غني عنا وعن عملنا وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا" (١) . أشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي، فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية، يحاول أن يطمس بهذه على تلك، وأن يغلِّب الحيوانية على الروحانية، فإذا أتى الصوم كفَّه وأمات أكثر نزعاته، ووضع لكل حاجة حدّاً ونهاية. الصوم يصنع الإنسان صناعة جديدة، تخرجه من ذات نفسه وتكسر القالب الأرضي الذي صُبّ فيه، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه، فلا تغره الدنيا ولا يمسكه الزمان ولا تخضعه المادة، إذا كانت هذه هي صفات المستعبد بأهوائه لا الحرّ فيها، والخاضع بنفسه لا المستقل بها، والمقبور في إنسانيته لا الحيّ فوق إنسانيته؛ ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل شيء اتصالاً مبتوراً ينتهي في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه، والصوم يطلق من سلطان نفسه، وينقح الآدمية فيه يجعله يجد نفسه، وموضع نفسه" (٢) .

стр. 22

(و) الصوم والمراقبة ومعنى "لعل" الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأناً، وأنصعها برهاناً، وأظهرها أثراً، وأعلاها خطراً وشرفاً أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرف له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع له لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظاً عند عروض كل رغيبة له -من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجة أو جمالها الداعي إلى ملابستها- أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها فلا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى، والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس مؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا ولسعادتها في الآخرة. كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضاً، انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟ هل يسهل عليه أن يراه الله آكلاً لأموالهم بالباطل؟ هل يحتال على الله في منع الزكاة؟ هل يحتال على أكل الربا؟ هل يقترف المنكرات جهاراً؟ هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستاراً؟ كلا! إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى وإذا نسي وألمّ بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) [الأعراف: ٢٠١] . فالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء؛ فأجدر بالصائم أن يكون حرّاً يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبداً للشهوات، إنما روح الصيام وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة".

стр. 23

رقيب حيّ في قلبه لا يرائيه ولا يجامله، ولا يخدع من تأويل ولا يُغرّ بفلسفة ولا تزين ولا يسكته ما تسول النفس، ولا يزال دائماً يقول للنفس: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك. أين هذا من حال أولئك الغافلين عن الله وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمداً, أو الأدنياء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، الذين يأكلون ولو في بيوت الأخلية حيث تأكل الجرذ، وما قذف بهؤلاء وأمثالهم ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه، والسر الذي أفشيناه، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل، وما كل إنسان يتحمل العقوبة راضياً مختاراً" (١) . ***

стр. 24

الباب الثاني فضائل الصوم

стр. 25

فضائل الصوم أَنْعِم بالصوم عبادة بها رفع الدرجات، وتكفير الخطيئات، وكسر الشهوات وتكثير الصدقات، وتوفير الطاعات، وشكر عالم الخفيات، والانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات، والبعد عن النار سمومها واللفحات، وقرع أبواب الجنات، وكم للصوم من فضائل وفضائل.. وإليك طرف منها: الفضيلة الأولى: الصائمون هم السائحون قال تعالى: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) [التوبة: ١١٢] . قال ابن جرير: أمَّا قوله "السائحون" فإنهم الصائمون. وهو قول أبي هريرة، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وعطاء. قالت عائشة: سياحة هذه الأمة: الصيام. وقال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة: هم الصائمون. وقال أبو عمرو العبدي: الذين يديمون الصيام من المؤمنين. وقال الضحاك: كل شيء في القرآن (السائحون) فإنه الصائمون. وقال ابن عيينة: "إذا ترك الطعام والشراب والنساء فهو السائح" (١) . * قال تعالى: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً) [التحريم: ٥] . "قال ابن عباس: سائحات: صائمات. وهو قول قتادة والضحاك.

стр. 26

وكان بعض أهل العربية يقول: نرى أن الصائم إنما سمي سائحاً، لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام فكأنه أخذ من ذلك" (١) . الفضيلة الثانية: الصوم لا مثل له * عن أبي أمامة، قال: أنشأ رسول الله ﷺ جيشاً، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، قال: "اللَهمَّ سَلمهم وغَنِّمهم" فغزونا، فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال: ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله، إني أتيتك تترى ثلاث مرات، أسألك أن تدعو لي بالشهادة، فقلت: "اللَّهمَّ سلمهم وغنمهم"، فسلمنا وغنمنا يا رسول الله، فمرني بعمل أدخل به الجنة، فقال: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له". قال: فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهاراً إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان، عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف" (٢) . * وعن أبي أمامة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم، فإنه لا عدل له". قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له" (٣) . وللحاكم وصححه، وفي رواية للنسائي قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، مرني بأمر ينفعني الله به، قال: "عليك بالصيام؛ فإنه لا مثل له" الفضيلة الثالثة إضافته لله تعالى تشريفاً لقدره وتعريفاً بعظيم فخره * عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : كل

стр. 27

عمل ابن آدم له، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخب، فإنْ سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (١) . وفي رواية للبخاري: "يترك طعامه وشرابه من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها". * الرواية الثانية: قال ﷺ : "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" (٢) . * وفي أخرى له أيضاً ولابن خزيمة: "وإذا لقي الله فجزاه فرح...." (٣) الحديث. * وعند الترمذي. قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ربكم يقول: كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصوم لي، وأنا أجزي به، والصوم جنة من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإنْ جَهِل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل: إني صائم، إني صائم (٤) . * وعند ابن خزيمة قال رسول الله ﷺ : "قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، الصيام جُنة، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (٥) .

стр. 28

قال: " كل عمل ابن آدم له حسنة بعشر أمثالها, إلى سبعمائة ضعف, قال الله: إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به, يدع الطعام من أجلي يدع الشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلى، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك, وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه". الصيام لي: قال ابن عبد البر: كفى بقوله: "الصوم لي" فضلاً للصيام على سائر العبادات وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: "الصيام لي وأنا أجزي به" مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال:- أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره. قال أبو عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس، وهذا وجه الحديث عندي". قال القرطبي: "لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يَطّلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: "يدع شهوته من أجلي". وعند مالك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، فالصيام لي بزيادة الفاء وهي للسببية، أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي. وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم. وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لمَّا كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً، يعني في الصورة الظاهرة. ومعنى: "لا رياء في الصوم" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء

стр. 29

بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها. وقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم فقال: إن الذكر بلا إله إلا الله يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصة دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن للذاكر أن يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون بذلك" (١) . الفضيلة الرابعة: رفعة الدرجات (٢) قال الحافظ ابن حجر: "المراد بقوله: "وأنا أجزي به" أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق رواية الموطأ، وكذا رواية الأعمش عن أبى صالح حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله" قال الله: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" أي أجازي عليه جزاءً كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) انتهى, والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال قلت: وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (٣) . قال المناوي: "وأنا أجزي به" إشارة إلى عظم الجزاء عليه وكثرة الثواب لأن الكريم إذا أخبر بأنه يعطي العطاء بلا واسطة اقتضى سرعة العطاء وشرفه" (٤) .

стр. 30

* قال ابن رجب الحنبلي: "يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشر امثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد بل يضاعفه الله أضعافاً كثيرة بغير حصر عدد. فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون) الآية، ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه سمى رمضان شهر الصبر، وقال ﷺ : "الصوم نصف الصبر" والصبر على ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على الأقدار المؤلمة. وتجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبراً على طاعة الله، وصبراً عما حرّم الله على الصائم من الشهوات، وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن، وهذا الألم الناشئ من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه كما قال الله تعالى في المجاهدين: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطأً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) (١) . قال ابن حجر: "يأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام المراد أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلا الله تعالى". ويؤيده أيضاً العرف المستفاد من قوله: "أنا أجزي به" لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه". قال عز الدين بن عبد السلام: "أنا أجزي به" معناه تعظيم جزائه بأنه هو المتولي لإسدائه، وإن كان هو المجازي على الطاعات" (٢) . الفضيلة الخامسة: الصيام مناسب لصفة من صفات الحق الله هو الغني، وهو القيوم، وهو الصمد.

стр. 31

والصمد هو الذي لا يحتاج إلى الطعام والشراب. قال الحافظ: "والاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب ﷻ ، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقال القرطبي: إن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي" (١) . وكذلك المعنى بالنسبة إلى الملائكة لأن ذلك من صفاتهم. الفضيلة السادسة جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام في رواية للبخاري: "عن ربكم قال: لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به" (٢) ومعناها أن لكل عمل من المعاصي كفارة من الطاعات. ورواه أحمد عن أبي هريرة رفعه "كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به" ورواه أبو داود الطيالسي: "قال ربكم ﵎: كل العمل كفارة إلا الصوم" قال ابن رجب: "الاستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال، ومن أحسن ما قيل في ذلك ما قاله سفيان بن عيينة قال: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها: "إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة" خرَّجه البيهقي في "شعب الإيمان" وغيره وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصيام لله فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصيام لله بل أجره مدخر لصاحبه عند الله ، وحينئذ فقد يقال: إن سائر الأعمال قد يكفر بها ذنوب صاحبها فلا يبقى لها أجر فإنه روى "أنه يوازن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات ويقص بعضها من بعض، فإن بقي من الحسنات حسنة دخل بها صاحبها إلى الجنة" قال سعيد بن جبير وغيره، وفيه حديث مرفوع خرّجه

стр. 32

الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعاً فيحتمل أن يقال في الصوم: إنه لا يسقط ثوابه بمقاصة ولا غيرها بل يوفر أجره لصاحبه حتى يدخل الجنة فيوفى أجره فيها" (١) . يقول ابن حجر بعد ذكره لقول ابن عيينة: "قال القرطبي: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكرت في حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: "المفُلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا" الحديث وفيه "فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاته فطرحت عليه، ثم طرح في النار" فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك، قلت: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك". ثم قال: "والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند فإنه يعارضه حديث حذيفة "فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة". وقال بعدها ابن حجر: "فقد لا يعارض الحديث وهو كون الأعمال كفارة إلا الصوم لأنه يحمل في الإثبات على كفارة شيء مخصوص، وفي النفي على كفارة شيء آخر. وعلى هذا فقوله: "كل العمل كفارة إلا الصيام" يحتمل أن يكون المراد إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة على ثواب الكفارة، ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصاً سالماً من الرياء والشوائب والله أعلم" (٢) . الفضيلة السابعة الصوم كفارة للخطيئات قال ﷺ : "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٣) .

стр. 33

قال المناوي: "فتنة الرجل: أي ضلاله ومعصيته أو ما يعرض له من الشر ويدخل عليه من المكروه في أهله مما يعرض له معهم من نحو هّم وحزن، أو شغل بهم عن كثير من الخير وتفريطه فيما يلزمه من القيام بحقهم وتأديبهم وتعليمه و (ماله) بأن يأخذه من غير حله ويصرفه في غير حله ووجهه أو بأن يشغله لفرط محبته له عن كثير من الخيرات. وفتنته في (نفسه) بالركون إلى شهواتها ونحو ذلك، وفتنته في (ولده) بفرط محبته والشغل به عن المطلوبات الشرعية، وفي (جاره) بنحو حسد وفخر ومزاحمة في حق وإهمال في تعهد. ونبه بالأربع على ما سواها. (يكفرها) أي الفتنة المتصلة بما ذكر (الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) لأن الحسنات يذهبن السيئات، ونبه به على ما عداها، فنبه بالصلاة والصوم على العبادة الفعلية، وبالصدقة على المالية، وبالأمر والنهي على القولية، فهي أصول المكفرات والمراد الصغائر فقط. ويحتمل أن يكون كل واحد من الصلاة وما بعدها يكفر المذكورات كلها لا كل واحد منها! وخص الرجل لأنه غالباً صاحب الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم" (١) . * وقال ﷺ : "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢) . * وقال ﷺ : "صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة" (٣) . * وقال ﷺ : "صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده، وصيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" (٤) .

стр. 34

قال المناوي: "أي أرجو منه. قال ابن الأثير: الاحتساب على الله البدار إلى طلب الأجر وتحصيله باستعمال أنواع البر. قال الطيبي: وكان القياس: أرجو من الله فوضع محله أحتسب وعدّاه بعلى التي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة في تحقق حصوله. (يكفر السنة التي قبله) : يعني الصغائر المكتسبة فيها. (والسنة التي بعده) بمعنى أنه تعالى يحفظه أن يذنب فيها، أو يعطى من الثواب ما يكون كفارة لذنوبها، أو يكفرها حقيقة ولو وقع فيها ويكون المكفِّر مقدماً على المكفَّر. قال صاحب العدة: وذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات" (١) . الفضيلة الثامنة تشريف الله والملائكة له بالصلاة عليه قال ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (٢) . وعن عبد الله بن عمرو موقوفاً: "الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة" (٣) . فإنْ كان الله وملائكته يصلون على المتسحرين، والسحور عون على الصيام فما ظنك بالصيام؟ فأكرم بها من عبادة يصلي الله عليك بها والملأ الأعلى. يا هذا: تبيع صلاة الله والملائكة بشبع وتخمة، ولا تصوم عن لقمة!! "إنما يريد العاقل أن يأكل ليحيا لا أن يحيا ليأكل". وإن خير المطاعم ما استُخدِمت، وإن شرها ما خُدمت، وهل عالج الحجامة وفصد الفصاد إلا خارج عن حد الاقتصاد" (٤) .

стр. 35

الفضيلة التاسعة الصيام جنة من النار * قال رسول الله ﷺ : "الصوم جُنَّة من عذاب الله" (١) . وقال ﷺ : " الصوم جُنَّة يستجن بها العبد من النار" (٢) . وقال ﷺ : "الصيام جُنَّة من النار، كجنة أحدكم من القتال" (٣) . وقال ﷺ : "الصيام جُنَّة وحصن حصين من النار" (٤) . وقال ﷺ : "قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به" (٥) . قال المناوي: "وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة وحفظ الجوارح وفي الآخرة من النار". وقال: "الصوم جنة من عذاب الله فليس للنار عليه سبيل كما لا سبيل لها على مواضع الوضوء لأن الصوم يغمر البدن كله فهو جنة لجميعه برحمة الله من النار" (٦) . قال ابن عبد البر: حسبك بهذا فضلاً للصائم.

стр. 36

* وقال رسول الله ﷺ : "الصيام جنة، وهو حصن من حصون المؤمن، وكل عمل لصاحبه إلا الصيام، يقول الله: الصيام لي، وأنا أجزي به" (١) . قال المناوي: "أجزي به صاحبه جزاء كثيراً، وأتولى الجزاء عليه بنفسي فلا أكله إلى ملك مقرب ولا غيره لأنه سرّ بيني وبين عبدي، لأنه لما كف نفسه عن شهواتها جوزي بتولي الله سبحانه إحسانه" (٢) . الصوم في سبيل الله يباعد من النار: قال ابن الجوزي: "إذا أطلق ذكر سبيل الله، فالمراد به الجهاد". وقال القرطبي: سبيل الله: طاعة الله، فالمراد من صام قاصداً وجه الله. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك. وقال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإنْ حُمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت والأول أقرب ومن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين. * وقال ملا عليّ القاريء في "مرقات المفاتيح" (٤/٣٠٢) : في سبيل الله: أي في الجهاد أو في طريق الحج أو العمرة أو طلب العلم أو ابتغاء مرضاة الله". * وقال المناوي في "فيض القدير" (٦/١٦١) في سبيل الله أي لله ولوجهه أو في الغزو أو الحج. قال ﷺ : "صيام المرء في سبيل الله يبعده من جهنم مسيرة سبعين عاماً" (٣) .

стр. 37

* وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام" (١) . * وقال رسول الله ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام" (٢) . * وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله منه جهنم سبعين عاماً" (٣) . * وقال رسول الله ﷺ : "لا يصوم يوماً عبد في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً" (٤) . * وقال ﷺ : " من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفاً" (٥) . * وقال ﷺ : "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً" (٦) . * قال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله بَعَد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" (٧) . قال المناوي (٦/١٦١) : "أي نجاه منها أو عجل إخراجه منها قبل أوان الاستحقاق، عبر عنه بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان مبعداً عن عدوه بهذا القدر لا يصل إليه ألبتة". (سبعين خريفاً) : سنة أي نحّاه وباعده منها مسافة تقطع في سبعين سنة إذ كل ما مرّ خريف انقضت سنة، فهو من إطلاق اسم البعض على الكل، وذكر الخريف من ذكر الجزء وإرادة الكل، وخصه دون غيره من الفصول لأنه وقت بلوغ الثمار وحصول سعة

стр. 38

العيش، وذلك لأنه تحمّل مشقة الصوم ومشقة الغزو فاستحق هذا التشريف". * وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً" (١) . * وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض" (٢) . أخي: إذا كانت أعزّ أمنية لآخر أهل النار خروجاً منها -وهو من يخرج منها حبواً- صرف وجهه عن النار قبل الجنة لا يسأل مولاه غير ذلك، فكيف إذا باعد الله وجهه وجعل بينه وبين النار خندقاً مسافة خمسمائة عام هذا بصيام يوم واحد نفلاً، فما ظنك بصيام شهر رمضان وهو الفريضة؟! الفضيلة العاشرة الصوم في الصيف يورث السقيا يوم العطش عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك، قد رفعوا الشراع (٣) في ليلة مظلمة، إذا هاتف (٤) فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله ﵎ قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف، سقاه الله يوم العطش (٥) . * وعن أبي موسى بنحوه إلَّا أنه قال فيه. قال: "إن الله قضى على نفسه أنّ من عطّش

стр. 39

نفسه لله في يوم حار كان حقّا على الله أن يُرويه يوم القيامة". قال: فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حرّاً فيصومه (١) . صيام نهار الصيف من خصال الإيمان لطول نهار الصيف وشدة حره. قال ابن رجب: "عن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضع للصوّام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم وقاموا ونمتم". وما بكى العباد على شيء عند موتهم إلا على ما يفوتهم من ظمأ الهواجر. قال معاذ بن جبل عند موته: "مرحباً بالموت، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللَّهم كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللَّهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر" (٢) . الفضيلة الحادية عشر الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة * قال رسول الله ﷺ : "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة" (٣) . يا أخي: قال عمر بن الخطاب: "الشتاء غنيمة العابدين" (٤) .

стр. 40

قال الحسن: نعم زمان المؤمن الشتاء: ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه. وقال قتادة: إن الملائكة تفرح بالشتاء للمؤمن يقصر النهار فيصومه ويطول الليل فيقومه. وكان عبيد بن عمير الليثي إذا جاء الشتاء يقول: "يا أهل القرآن، قد طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصومكم". يا أخي: الشتاء ربيع المؤمن. قال ابن رجب: "لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه كما ترتع البهائم في مرعى الربيع فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسّر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش فإن نهاره قصير بارد فلا يحس فيه بمشقة الصيام" (١) . قال المناوي: "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة" أي الغنيمة التي تحصل بغير مشقة والعرب تستعمل البارد في شيء ذي راحة، والبرد ضد الحرارة لأن الحرارة غالبة في بلادهم فإذا وجدوا برداً عدّوه راحة، وقيل الباردة: الثابتة من برد لي على فلان كذا أي ثبت، أو الطيبة من برد الهواء إذا طاب، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب وأيضاً فإن الهواء والماء لما كان طيبها ببردهما سيما في بلاد تهامة والحجاز قيل هواء بارد وماء بارد على سبيل الاستطابة ثم كثر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة ذكره الزمخشري. قال الطيبي: والتركيب من قلب التشبيه لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة وفيه من المبالغة أن الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال زيد كالأسد فإذا عكس وقيل الأسد يجعل الأصل كالفرع والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسه مشقة الجوع" (٢) . فبادر أخي إلى صيام الشتاء تحصّل الغنائم وتكن من السعداء.
следующие страницы →