* وقال رسول الله ﷺ : "الصيام جنة، وهو حصن من حصون المؤمن، وكل عمل لصاحبه إلا الصيام، يقول الله: الصيام لي، وأنا أجزي به" (١) .
قال المناوي: "أجزي به صاحبه جزاء كثيراً، وأتولى الجزاء عليه بنفسي فلا أكله إلى ملك مقرب ولا غيره لأنه سرّ بيني وبين عبدي، لأنه لما كف نفسه عن شهواتها جوزي بتولي الله سبحانه إحسانه" (٢) .
الصوم في سبيل الله يباعد من النار:
قال ابن الجوزي: "إذا أطلق ذكر سبيل الله، فالمراد به الجهاد".
وقال القرطبي: سبيل الله: طاعة الله، فالمراد من صام قاصداً وجه الله.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإنْ حُمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت والأول أقرب ومن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين.
* وقال ملا عليّ القاريء في "مرقات المفاتيح" (٤/٣٠٢) :
في سبيل الله: أي في الجهاد أو في طريق الحج أو العمرة أو طلب العلم أو ابتغاء مرضاة الله".
* وقال المناوي في "فيض القدير" (٦/١٦١) في سبيل الله أي لله ولوجهه أو في الغزو أو الحج.
قال ﷺ : "صيام المرء في سبيل الله يبعده من جهنم مسيرة سبعين عاماً" (٣) .
стр. 37
* وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام" (١) .
* وقال رسول الله ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام" (٢) .
* وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله منه جهنم سبعين عاماً" (٣) .
* وقال رسول الله ﷺ : "لا يصوم يوماً عبد في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً" (٤) .
* وقال ﷺ : " من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفاً" (٥) .
* وقال ﷺ : "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً" (٦) .
* قال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله بَعَد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" (٧) .
قال المناوي (٦/١٦١) : "أي نجاه منها أو عجل إخراجه منها قبل أوان الاستحقاق، عبر عنه بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان مبعداً عن عدوه بهذا القدر لا يصل إليه ألبتة".
(سبعين خريفاً) : سنة أي نحّاه وباعده منها مسافة تقطع في سبعين سنة إذ كل ما مرّ خريف انقضت سنة، فهو من إطلاق اسم البعض على الكل، وذكر الخريف من ذكر الجزء وإرادة الكل، وخصه دون غيره من الفصول لأنه وقت بلوغ الثمار وحصول سعة
стр. 38
العيش، وذلك لأنه تحمّل مشقة الصوم ومشقة الغزو فاستحق هذا التشريف".
* وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً" (١) .
* وقال ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض" (٢) .
أخي: إذا كانت أعزّ أمنية لآخر أهل النار خروجاً منها -وهو من يخرج منها حبواً- صرف وجهه عن النار قبل الجنة لا يسأل مولاه غير ذلك، فكيف إذا باعد الله وجهه وجعل بينه وبين النار خندقاً مسافة خمسمائة عام هذا بصيام يوم واحد نفلاً، فما ظنك بصيام شهر رمضان وهو الفريضة؟!
الفضيلة العاشرة
الصوم في الصيف يورث السقيا يوم العطش
عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك، قد رفعوا الشراع (٣) في ليلة مظلمة، إذا هاتف (٤) فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله ﵎ قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف، سقاه الله يوم العطش (٥) .
* وعن أبي موسى بنحوه إلَّا أنه قال فيه. قال: "إن الله قضى على نفسه أنّ من عطّش
стр. 39
نفسه لله في يوم حار كان حقّا على الله أن يُرويه يوم القيامة".
قال: فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حرّاً فيصومه (١) .
صيام نهار الصيف من خصال الإيمان لطول نهار الصيف وشدة حره.
قال ابن رجب: "عن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضع للصوّام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم وقاموا ونمتم".
وما بكى العباد على شيء عند موتهم إلا على ما يفوتهم من ظمأ الهواجر.
قال معاذ بن جبل عند موته: "مرحباً بالموت، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللَّهم كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللَّهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر" (٢) .
الفضيلة الحادية عشر
الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة
* قال رسول الله ﷺ : "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة" (٣) .
يا أخي: قال عمر بن الخطاب: "الشتاء غنيمة العابدين" (٤) .
стр. 40
قال الحسن: نعم زمان المؤمن الشتاء: ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه.
وقال قتادة: إن الملائكة تفرح بالشتاء للمؤمن يقصر النهار فيصومه ويطول الليل فيقومه.
وكان عبيد بن عمير الليثي إذا جاء الشتاء يقول: "يا أهل القرآن، قد طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصومكم".
يا أخي: الشتاء ربيع المؤمن.
قال ابن رجب: "لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه كما ترتع البهائم في مرعى الربيع فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسّر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش فإن نهاره قصير بارد فلا يحس فيه بمشقة الصيام" (١) .
قال المناوي: "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة" أي الغنيمة التي تحصل بغير مشقة والعرب تستعمل البارد في شيء ذي راحة، والبرد ضد الحرارة لأن الحرارة غالبة في بلادهم فإذا وجدوا برداً عدّوه راحة، وقيل الباردة: الثابتة من برد لي على فلان كذا أي ثبت، أو الطيبة من برد الهواء إذا طاب، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب وأيضاً فإن الهواء والماء لما كان طيبها ببردهما سيما في بلاد تهامة والحجاز قيل هواء بارد وماء بارد على سبيل الاستطابة ثم كثر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة ذكره الزمخشري.
قال الطيبي: والتركيب من قلب التشبيه لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة وفيه من المبالغة أن الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال زيد كالأسد فإذا عكس وقيل الأسد يجعل الأصل كالفرع والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسه مشقة الجوع" (٢) .
فبادر أخي إلى صيام الشتاء تحصّل الغنائم وتكن من السعداء.
стр. 41
الفضيلة الثانية عشر
نداء الريان لعاشر الصوام
* "في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون" (١) .
* عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة باباً يقال له (الريَّان) ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحد" (٢) .
وزاد الترمذي: "ومن دخله لم يظمأ أبداً"
* وعند ابن خزيمة قال ﷺ : "للصائمين باب في الجنة يقال له الريَّان، لا يدخل (فيه) منه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق، ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً"
* عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من أبواب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة"، فقال أبو بكر ﵁ : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم" (٣) .
* ذكر ابن حبان: أن كل طاعة لها من الجنة أبواب يدعى أهلها منها إلا الصيام، فإن له باباً واحداً.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من أبواب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من أبواب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من أبواب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان". فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على أحد من ضرورة من
стр. 42
أيها دُعي، فهل يدعى أحد منها كلها يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم" (١) .
قال أبو حاتم: "عسى" من الله واجب، و"أرجو" من النبي حق.
* وقال ﷺ : "في الجنة باب يقال له الريان أعد للصائمين، فإذا دخل آخراهم أغلق" "إن في الجنة باباً".
قال الزين بن المنير: إنما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم والراحة ما في الجنة فيكون أبلغ في التشوق إليه.
"فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد" كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيداً.
قال عز الدين بن عبد السلام: "أما تخصيص دخولهم الجنة بباب الريّان فإنهم ميزوا بذلك الباب لتميز عبادتهم وشرفها" (٢) .
قال ابن حجر عن الريان: "وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين".
قال القرطبي: "اكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع" (٣) .
قال القاري: "الريان" إما لأنه بنفسه ريَّان لكثرة الأنهار الجارية إليه، والأزهار والثمار الطريدة لديه، أو لأن من وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة، ويدوم له الطراوة والنظافة في دار المقامة.
قال الزركشي: الريان فعلان كثير الري نقيض العطش سمي به لأنه جزاء للصائمين على عطشهم وجوعهم.
ليس المراد به المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة النوافل من ذلك وكثرتها" (٤) .
стр. 43
قال المناوي في "فيض القدير" (٢/٤٦٤) : "ولا يناقضه أن المتشهد عقب الوضوء تفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء لجواز أن يصرف الله مشيئة ذلك المتشهد عن دخول باب الريان إن لم يكن من مكثري الصوم".
الريَّان: مسمى الباب يبعث على الراحة.
انظر يا أخي كيف قابل الله ظمأهم وعطشهم بباب مسماه يبعث على الراحة فما ظنك بالداخل وريّه.
الفضيلة الثالثة عشر
الصوم سبيل إلى الجنات
قال رسول الله ﷺ : ... ... ... ... (١) .
قال المناوي: "أي من ختم عمره بصيام يوم بأن مات وهو صائم أو بعد فطره من صومه دخل الجنة مع السابقين الأولين، أو من غير سبق عذاب" (٢) .
وعن حذيفة ﵁ قال: أسندت النبي ﷺ إلى صدري فقال: "من قال لا إله إلا الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن تصدّق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة" (٣) .
ورواه الأصبهاني ولفظه: "يا حذيفة من ختم له بصيام يوم يريد به وجه الله أدخله الله الجنة"
* قال ابن خزيمة: "إيجاب الله الجنة للصائم يوماً واحداً إذا جمع مع صومه صدقة، وشهود جنازة وعيادة مريض".
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائماً؟ " فقال أبو بكر: أنا، فقال: "من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ " قال أبو بكر: أنا،
стр. 44
فقال: "من تبع منكم اليوم جنازة؟ " فقال أبو بكر: أنا، قال: "من عاد منكم اليوم مريضاً؟ " قال أبو بكر: أنا".
فقال رسول الله ﷺ : " ما اجتمعت هذه الخصال قط في رجل إلا دخل الجنة" (١) قال ابن خزيمة: " هذه فضائل لهذه الأعمال لا كما يدعي من لا يفهم العلم ولا يحسنه" (٢) .
* وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعد الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" (٣) .
وعند ابن خزيمة عن أبي معانق، أو أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرفة قد يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألين الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" (٤) .
الغرفات معدة للصائمين يا أخي، وما أدراك ما الغرفات؟
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة كما تراءون الكواكب في السماء" (٥) .
أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" (٦) .
стр. 45
لبعدهم ورفعتهم وصفاء لونهم وخلوص نورهم.
قال تعالى: (كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية)
قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين.
من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله يرجو عنده عوض ذلك في الجنة ... من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً مما تركه.
فكيف بمن قلصت شفاهه عطشاً؟!
قال يعقوب بن يوسف الحنفي: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وجفت بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم.
وقال الحسن: تقول الحوراء لوليّ الله وهو متكئ معها على نهر العسل تعاطيه الكأس: إن الله نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش فباهى بك الملائكة وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته وشهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي اشهدوا أني قد غفرت له فغفر لك يومئذ وزوجنيك.
* كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات، فرآه بعض أصحابه الصالحين في المنام فسأله عن حاله فضحك وأنشد:
قد كسى حلة البهاء وطافت ... بالأباريق حوله الخدام
ثم حلى وقيل يا قاريء أرقه ... فلعمرك لقد براك الصيام
ياما خبأنا للصائمين:
أخي: من ترك لله في الدنيا طعاماً وشراباً وشهوة مدة يسيرة عوّضه الله عنده طعاماً وشراباً لا ينفد وأزواجاً لا يمتن أبداً" (١) .
مهور الحور العين طول التهجد وكثرة الصيام.
стр. 46
"كان بعض الصالحين كثير التهجد والصيام فصلى ليلة في المسجد ودعا فغلبته عيناه فرأى في منامه جماعة علم أنهم ليسوا من الآدميين بأيديهم أطباق عليها أرغفة بياض الثلج فوق كل رغيف در كأمثال الرمَّان فقالوا: كل، فقال: إني أريد الصوم، قالوا له: يأمرك صاحب هذا البيت أن تأكل، قال: فأكلت وجعلت آخذ ذلك الدر لاحتمله فقالوا له: دعه نغرسه لك شجراً ينبت لك خيراً من هذا، قال: أين؟ قالوا: في دار لا تخرب، وثمر لا يتغير، وملك لا ينقطع، وثياب لا تبلى، فيها رضوى، وعيناً، وقرة أعين، أزواج رضيات، مرضيات راضيات لا يغرن ولا يغرن فعليك بالانكماش فيما أنت، فإنما هي غفوة حتى ترتحل فتنزل الدار فما مكث بعد هذه الرؤيا إلا جمعتين حتى توفي، فرآه ليلة وفاته في المنام بعض أصحابه الذين حدّثهم برؤياه وهو يقول: لا تعجب من شجر غرس لي في يوم حدثتك، وقد حمل، فقال له: ما حمل؟ قال: لا تسأل لا يقدر أحد على صفته لم ير مثل الكريم إذا حلَّ به مطيع" (١) .
يا قوم ألا خاطب في الصوم إلى الرحمن، ألا راغب فيما أعده الله للطائعين في الجنان، ألا طالب لما أخبر به من النعيم المقيم مع أنه ليس الخبر كالعيان.
من يرد ملك الجنان ... فيلدع عنه التواني
وليقم في ظلمة الليـ ... ـل إلى نور القرآن
وليصل صوماً بصوم ... إن هذا العيش فاني
إنما العيش جوار الله في دار الأمان
* أخي أتطلب الحور العين ولا تصوم، وتنام!
أتطلب مثلي وعني تنام ... ونور المحبين عنا حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ ... كثير الصلاة براه الصيام
стр. 47
الفضيلة الرابعة عشر
شفاعة الصيام يوم القيامة لصاحبه
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي إني منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فُيشَفَّعَان" (١) .
قال الألباني: "أي يشفعهما الله فيه ويدخله الجنة".
قال المناوي: "وهذا القول يحتمل أنه حقيقة بأن يجسد ثوابهما ويخلق الله فيه النطق (والله على كل شيء قدير) ويحتمل أنه على ضرب من المجاز والتمثيل".
قلت: "والأول هو الصواب الذي ينبغي الجزم به هنا وفي أمثاله من الأحاديث التي فيها تجسيد الأعمال ونحوها كمثل تجسيد الكنز شجاعاً أقرع، ونحوه كثير.
وتأويل مثل هذه النصوص ليس من طريقة السَلف ﵃، بل هو طريقة المعتزلة ومن سلك سبيلهم من الخلف، وذلك مما ينافي أول شروط الإيمان (الذين يؤمنون بالغيب) فحذار أن تحذو حذوهم، فتضل وتشقى، والعياذ بالله تعالى (٢) .
الفضيلة الخامسة عشر
دعوة الصائم لا ترد
قال رسول الله ﷺ : "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر" (٣) .
стр. 48
* وقال ﷺ : "ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر" (١) .
وعند البيهقي: "دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر"
* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم" (٢) .
فأعظم به من دعاء تنطق به شفاة ذابلة من الصيام يصعد إلى السموات فما يرده -بكرمه- الرحمن.
الفضيلة السادسة عشر
الصيام شعار الأبرار
قال ﷺ : "جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأئمة ولا فجار" (٣) .
قال المناوي (٣/٣٤٨) : "والظاهر أن المراد بالصلاة هنا الدعاء من قبيل دعائه لقوم أفطر عندهم قوله "صلت عليكم الملائكة".
فانظر إلى شعار الأبرار كما وصفهم رسول الله ﷺ : قيامهم بالليل وصيامهم بالنهار، والأبرار سادات المتقين.
الفضيلة السابعة عشر
للصائم فرحتان
قال ﷺ : "للصائم فرحتان، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه" (٤) .
стр. 49
وفي الحديث: "وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه".
وفي الحديث: ".. إن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله تعالى فجزاه فرج".
قال العلامة ابن رجب: "أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحا بإباحة ما مُنعت منه خصوصاً عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً فإن كان ذلك محبوباً لله كان محبوباً شرعاً، والصائم عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات فقد أذن له فيها في ليل الصيام بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل وآخره فأحب عباده إليه أعجلهم فطراً، والله وملائكته يصلون على المتسحرين، فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقرباً إلى الله وطاعة له ويبادر إليها في الليل تقرباً إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله فإنه يرجى له المغفرة أو بلوغ الرضوان بذلك، وفي الحديث: "إن الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها"، وربما استجيب دعاؤه عند ذلك، وإن نوى جمله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثاباً على ذلك.
قال أبو العالية: الصائم في عبادة وإن كان نائماً على فراشه فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي فالصائم في ليله ونهاره في عبادة ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره فهو في نهاره صائم صابر وفي ليله طاعم شاكر.
وفي الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر"، ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره، فإنّ فطره على الوجه المشار إليه من فضله ورحمته فيدخل في قول الله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) .
وأما فرحه عند لقاء ربه: فبما يجده عند الله من ثواب الصيام مدّخراً فيجده أحوج ما كان إليه كما قال تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا)
стр. 50
وقال تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً)
وقال: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) ، وقد تقدم قول ابن عيينة "إن ثواب الصيام لا يأخذه الغرماء في المظالم، بل يدخره الله عنده للصائم حتى يدخله به الجنة".
وعن عيسى ابن مريم ﵇ قال: "إن هذا الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تضعون فيهما، فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشر، وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها، فالمتقون يجدون في خزائنهم العز والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والندامة.
والصائمون على طبقتين:
إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله يرجو عنده عوض ذلك فهذا قد تاجر الله وعامله والله تعالى يقول: "لا نضيع أجر من أحسن عملاً" ولا يخيب معه من عامله بل يربح عليه أعظم الربح.
والطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عمّا سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته.
أهل الخصوص من الصوام صومهم ... صون اللسان عن البهتان والكذب
والعارفون وأهل الأنس صومهم ... صون القلوب عن الأغيار والحجب
* العارفون لا يسليهم عن رؤية مولاهم قصر، ولا يرويهم دون مشاهدته نهر، هممهم أجل من ذلك.
كبرت همة عبد ... طمعت في أن تراك
من يصم عن المفطرات ... فصيامي عن سواك
يا معشر التائبين: صوموا اليوم عن شهوات الهوى، لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، لا يطولن عليكم الأمل باستبطاء الأجل فإن معظم نهار الصيام قد ذهب وعيد اللقاء قد اقترب.
стр. 51
إن يوماً جامعاً شملى بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه (١)
الفضيلة الثامنة عشر
خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، والصيام لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٢) .
فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى الله فرح بصومه" (٣) .
قال أبو حاتم: شعار المؤمنين في القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقاً بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طِيبُ خلوفهم أطيب من ريح المسك ليعرفوا بين ذلك الجمع بذلك العمل، نسأل الله بركة ذلك اليوم.
خلوف الصائم قد يكون أطيب من ريح المسك في الدنيا:
عن أبي هريرة (رضى الله عنه) عن النبي ﷺ قال: "كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله إلا الصوم، فهو لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي، والشراب من أجلي، وشهوته من أجلي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك" (٤) .
стр. 52
وفي الحديث في فضل هذه الأمة في رمضان: "وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك" (١) .
إن للطاعات يوم القيامة ريحاً تفوح، فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك.
وهل هو في الدنيا أم في يوم القيامة؟
قال ابن حجر: "هذه المسألة إحدى المسائر التي تنازع فيها ابن عبد السلام، وابن الصلاح، فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد واستدل بالرواية التي فيها "يوم القيامة"، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا واستدل بما تقدم وأن جمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك.
ويؤخذ من قوله "أطيب من ريح المسك" أن الخلوف أعظم من دم الشهيد لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصوم أفضل من الشهادة لما لا يخفى، ولعل سبب ذلك النظر إلى أصل كل منهما فإن أصل الخلوف طاهر وأصل الدم بخلافه، فكان ما أصله طاهر أطيب ريحاً (٢) .
يا هذا تأمل العبارة..
"فَضّل ما ينكره الناس من الصيام على أطيب ما يستلذ من جنسه" (٣) .
ليقاس عليه ما فوقه من آثار الصوم ونتائجه إن كان هذا حال الخلوف فكيف بأثر الإخلاص في الصوم.
قال الحافظ ابن رجب "خلوف الفم: رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة لخلو المعدة من الطعام بالصيام، وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدنيا لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته وابتغاء مرضاته، كما أن دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثغب دماً لونه لون الدم وريحه ريح المسك، وبهذا استدل من كره السواك للصائم أوْ لمْ يستحبه
стр. 53
من العلماء وأول من علمناه استدل بذلك عطاء بن أبي رباح، وروي عن أبي هريرة أنه استدل به لكن من وجه لا يثبت وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء وإنما كرهه من كرهه في آخر نهار الصوم لأنه وقت خلو المعدة وتصاعد الأبخرة. وهل يدخل وقت الكراهة بصلاة العصر؟ أو بزوال الشمس؟ أو بفعل صلاة الظهر في أول وقتها؟ على ثلاثة أقوال: والثالث هو المنصوص عند أحمد.
وفي طيب ريح خلوف الصائم عند الله معنيان:
أحدهما: أن الصيام لماّ كان سراً بين العبد وبين ربه في الدنيا أظهره الله في الآخرة علانية للخلق ليشتهر بذلك أهل الصيام ويُعرفون بصيامهم بين الناس جزاءً لإخفائهم صيامهم في الدنيا.
قال مكحول: يُروّح على أهل الجنة برائحة فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحاً منذ دخلنا الجنة أطيب من هذا الريح فيقال: هذه رائحة أفواه الصوام.
وقد تفح رائحة الصيام في الدنيا وتستنشق قبل الآخرة.
وهو نوعان:
أحدهما: ما يُدرك بالحواس الظاهرة، كان عبد الله بن غالب -الحداني- من العباد المجتهدين في الصلاة والصيام فلما دُفِن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك فرؤي في المنام فسُئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ.
والنوع الثانيْ: ما تستنشقه الأرواح والقلوب فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة والمحبة في قلوب المؤمنين.
لماّ كان أمر المخلصين بصيامهم لمولاهم سرّاً بينه وبينهم أظهر الله سرّهم لعباده فصار علانية فصار هذا التجلي والإظهار جزاء لذلك الصون والإسرار، في الحديث "ما أسرّ أحد سريرة إلَّا ألبسه الله رداءها علانية".
قال يوسف بن أسباط: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء قل لقومك يخفون لي أعمالهم وعلي إظهارها لهم.
стр. 54
تذلل أرباب الهوى في الهوى عزّ ... وفقرهُم نحو الحبيب هو الكنزُ
وسترهُم فيه السرائر شهرة ... وغير تلاف النفس فيه هو العجز
والمعنى الثاني: أن من عبد الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله بل هي محبوبة له وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته فإخباره بذلك للعاملين في الدنيا فيه تطيب لقلوبهم لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا.
كل شيء ناقص في عرف الناس في الدنيا حتى إذا انتسب إلى طاعة الله ورضاه فهو الكامل في الحقيقة، خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك، عُري المحرمين لزيارة ييته أجمل من لباس الحلل.... نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح.... انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر.... ذل الخائفين من سطوته هو العز.... تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر.... بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة.... جوع الصائمين لأجله هو الشبع.... عطشهم في طلب مرضاته هو الري.... نصب المجتهدين في خدمته هو الراحة.
ذل الفتى في الحب مكرمةٌ ... وخضوعه لحبيبه شرف (١)
قال المناوي (٤/٢٥٠) : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" فإذا كان هذا بتغير ريح فمه فما ظنك بصلاته وقراءته وسائر عباداته.
قال ابن جماعة: "وفيه أن خلوف فم الصائم أفضل من دم الجريح في سبيل الله لأن النبي ﷺ قال في الشهيد إن ريحه ريح المسك، وقال في خلوف الصائم أنه أطيب منه، ووجهه أن الجريح يظهر أمره للناس فربما دخله رياء، والصائم لا يعلم بصومه إلا الله، فلعدم دخول الرياء فيه صار أرفع".
* قال رسول الله ﷺ : " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فكأنه أبطأ بهنّ، فأوحى الله إلى عيسى: إما أن يبلغهن، أو تبلغهن فأتاه
стр. 55
عيسى فقال له: إنك أُمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال له: يا روُح الله إني أخشى أن سبقتني أن أُعذب أو يُخسف بي، فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن:
وأولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، فإنّ مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم أسكنه داراً، فقال له: اعمل وارفع إليِّ، فجعل العبد يعمل ويرفع إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً.
وأمركم بالصلاة، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يقبل بوجهه على عبده ما لم يلتفت.
وأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه صُرّة مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وأمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكّ نفسه.
وأمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعاً في أثره فأتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله.
وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهنّ: الجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجعِ، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثاء جهنم، وإن صام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله" (١) .
стр. 56
الفضيلة التاسعة عشر
الصوم جُنَّة
قال ﷺ : "الصوم جُنَّة" (١)
وقال ﷺ : "الصوم جنة"
* وقال ﷺ : "الصيام جنة، وإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث (٢) ، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، [يقول الله: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها] "
* وفي حديث جابر: "يا كعب بن عجرة، الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة، والصلاة برهان -أو قال: قربان- يا كعب بن عُجْرة، الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها" (٣)
* وقال ﷺ : "خصاء أمتي الصيام" رواه أحمد، والطبراني في "الكبير" عن ابن عمرو وصححه الألباني.
* وقال ﷺ : "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (٤) .
قال ابن حجر: "الجنة الوقاية والستر، وتبين بالروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر، وأما صاحب "النهاية" فقال: معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات".
стр. 57
وقال القرطبي: جنة أي سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه عن ما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث"، ويصح أن يراد أن ستره بحسب فائدة وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله "يدع شهوته"، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات.
وقال عياض في "الإكمال": معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي.
وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة باالشهوات.
ولأحمد من حديث أبي عبيدة "الصيام جنة ما لم يخرقها".
وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام، وقال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم، وأفرط ابن حزم فقال. يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كان فعلاً أو قولاً لعموم قوله فلا يرفث ولا يجهل، والجمهور خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع.
وأشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال: حسبك أن يكون الصيام جنة من النار.
قال الشيخ عمر الأشقر: "الصيام جنة ووقاية يقي العبد الذنوب والمعاصي، والبغيض من الكلام والسيء من الفعال، وبذلك يتقي العبد النار".
"والصيام حصن منيع، يحصن الإنسان من الشيطان وخطواته ويمنع صاحبه من أن ينزلق في الأقذار والأرجاس" (١) .
قال القسطلاني في كلامه عن فضائل الصوم: "تهذيب النفس برياضتها وكسر شهواتها".
стр. 58
وقال: "تقليله لما يعرض من سلطان النزعات وشيطان التبعات".
وقد قال ﷺ : "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مسالكه بالجوع" (١) .
قال المناوي في "فيض القدير" (٤/٢٤٢) : "الصوم وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان فإن الشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان ولهذا قال ﵊: "ما ملأ آدمي وعاء شرّاً من بطنه" فإذا ملأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته، وقد يقع في مداحض فيروغ عن الحق، وغلب عليه الكسل والنعاس فيمنعه عن وظائف العبادات، وقويت قوى بدنه، وكثرت المواد والفضول فينبعث غضبه وشهوته وتشتد مشقته لدفع ما زاد على ما يحتاجه بدنه فيوقعه ذلك في المحارم.
قال بعض الأعلام: صوم العوام عن المفطرات، وصوم الخواص عن الغفلات، وصوم العوام جنة عن الإحراق، وصوم الخواص جنة لقلوبهم عن الحجب والافتراق".
* قال القارئ في "مرقاة المفاتيح" (٤/٢٢٩) :
"ثالث أركان الإسلام شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجباً لشيئين أحدهما ناشئ عن الآخر: سكون النفس الأمارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها، والناشيء عن هذا صفاء القلب عن الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيهما، وبصفائه تناط المصالح والدرجات".
الفضيلة العشرون
قطع أسباب التعبد لغير الله
اعلم يا أخي أن إلف الإنسان لطعامه وشرابه ونكاحه "متى طال أمده فإنه يعبد الإنسان لهواه وشهوته وينسيه الغاية التي خلقه الله من أجلها، والتي من أجلها أوجد الله له الطعام والشراب كي يستعين به على طاعة الله، فإذا أصبحت الأمور من طعام وشراب
стр. 59
ونكاح همّ العبد وشاغله، أسرته وأذلته وصار عبداً لها، وبذلك يتحقق فيه قول الرسول ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش" وما أحسن ما قاله العلامة المناوي في كتابه "فيض القدير" موضحاً لهذه الحكمة: "إنما شرع الصوم كسراً لشهوات النفوس، وقطعاً لأسباب الاسترقاق والتعبد للأشياء، فإنهم لو داوموا على أغراضهم لاستعبدتهم الأشياء، وقطعتهم عن الله، والصوم يقطع أسباب التعبد لغيره، ويورث الحرية من الرق للمشتهيات، لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء لا تملكه، فإذا ملكته فقد قلب الحكمة، وصير الفاضل مفضولاً والأعلى أسفلاً، (أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين) [الأعراف: ١٤] ، والهوى إله معبود، والصوم يورث قطع أسباب التعبد لعبده" انتهى (١) .
الفضيلة الواحد والعشرون
الصوم شكر للمنعم عالم الخفيات
قال عز الدين بن عبد السلام: "وأما شكر عالم الخفيات: إذا صام عرف نعمة الله عليه في الشبع والريّ، فشكرها لذلك، فإن النعم لا تعرف مقدارها إلا بفقدها" (٢) .
وقال القسطلاني وهو يتحدث عن مقاصد الصوم وفضائله: "تكثيره لشكر النعم، واعترافه بما سبق له من نعمة الشبع عند جوعه وعطشه فيجتهد في الشكر فإن الشيء إنما يعرف ما كان عليه بضده" (٣) كما قيل:
ضدان لما استجمعا حَسُنا ... والضد يُظهر حسنه الضِّدُّ
الفضيلة الثانية والعشرون
توفير الطاعات وتحريض على المثوبات
قال عز الدين بن عبد السلام: "وأما توفير الطاعات: فلأنه تذكر جوع أهل النار وظمأهم، فيحثه ذلك على تكثير الطاعات، لينجو بها من النار.
стр. 60
وأما الانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات: فلأن النفس إذا شبعت طمحت إلى المعاصي وتشوّفت إلى المخالفات، وإذا جاعت وظمئت تشوفت إلى المطعومات والمشروبات.
وطموح النفس إلى المناجات واشتغالها بها خير من تشوفها إلى المعاصي والزلات، ولذلك قدّم بعض السلف الصوم على سائر العبادات، فسُئل عن ذلك؟ فقال: "لأن يطلع الله على نفسي وهي تنازعني إلى الطعام والشراب أحب إلي من أن يطلع عليها وهي تنازعني إلى معصيته إذا شبعت" (١) .
قال القسطلاني في "فضائل الصوم":
"زجره عن الخواطر الذميمة: الموقعة في المآثم المقيمة، إذا الجوع يكبح النفس بلجام الجفوة للهفوة الموجبة للغلظة والقسوة، والشبع مما يقودها إلى الطماح والجماح، ويذودها عن السعي في قص ما زاد من جناح الجناح، ويوقعها في الجرأة والفظاظة والانكباب على ارتكاب المناهي.
والجوع يجسم مواد الفساد من هذه العلل ويقللها حتى يقتصر فكر الجائع على مأكول ومشروب يدفع به ما هو فيه؛ فتنصرف فكرته إلى المباح السالم من تعاطاه عن الأذى والإثم، فظهر أنه أولى من الشبع الذي يؤدي إلى المحرم أو المكروه، والله أعلم.
ثم قال: "حثه على فعل الطاعات وتحريضه على تحصيل المثوبات: لأن المعدة إذا خلت من الأغذية ضعف من الجسد ما هو فيه من القوى النفسانية وقويت منه الروحانية، فأشرق في القلب نور القدس، ولاح في الروح ضياء القدس، وخشعت الجوارح لفعل القربات، ولانت الجلود لإتيانها بالطاعات؛ فأقبلت على خدمة الله تعالى بقلب منيب، وأعرضت عن عصيانه ومخالفته.
التذكر لتعداد نعم الله في الدارين: إذ نعمته بلذاذة هذه العبادة عاجلاً بتذكر حال أهل النار آجلاً، ومآل أمرهم من الجوع والعطش كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله:
стр. 61
(أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) فيحدوه ذلك على كثرة الشكر، والاجتهاد في الطاعة بالعمل والذكر والفكر" (١) .
الفضيلة الثالثة والعشرون
تكثير الصدقات، والإحسان إلى ذوي الحاجات
قال عز الدين بن عبد السلام: "وأما تكثير الصدقات، فلأن الصائم إذا جاع تذكر ما عنده من الجوع، فيحثه ذلك على إطعام الجائع "فإنما يرحم العشّاق من عشقا"، وقد بلغنا أن سليمان أو يوسف ﵉ لا يأكل حتى يأكل جميع المتعلقين به، فسُئل عن ذلك؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع" (٢) .
قال القسطلاني: "إعانته على بذل الصدقات فإن الصائم يجوع؛ فيعرف قدر ألم الجوع، فيحرضه ذلك على حرصه في الإحسان إلى الجياع، ويحمله على تدبر ما هم فيه من ضرر العجز والانقطاع، وإنما يجد ذوق التعب مَنْ نازله، ويعرف قدر الضرر مَنْ واصله، وفي مثل ذلك قيل:
لا يعرف الشوق إلا مَنْ يُكابِدُه ... ولا الصبابة إلَّا من يُعانيها (٣)
قال القاري في "مرقاة المفاتيح": "ومنها كونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين فإنه لمّا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات فتسارع إلى الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحياناً وفي ذلك رفع حاله عند الله كما حكي عن بشر الحافي أنه دخل عليه رجل في الشتاء فوجده جالساً يرعد وثوبه معلق على المشجب، فقال له: في مثل هذا الوقت تنزع الثوب أو معناه، فقال: يا أخي الفقراء كثير، وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمل البرد كما يتحملون. انتهى.
стр. 62
ولهذا كان يقول بعض الأولياء العارفين عند كل أكلة: "اللهمَّ لا تؤاخذني بحق الجائعين"، وقد ثبت أن سيدنا يوسف ﵇ ما كان يشبع من الطعام في سنة القحط مع كثرة المأكول عنده في ذلك العام لئلا ينسى أهل الجوع والفاقة وليتشبه بهم في الخاصة والحاجة" (١) .
قال أحمد شوقي أمير الشعراء: "الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع، لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة، ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وعرف المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع".
يقول المنفلوطي: "فتّشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحاً أو متلافا، أما الأول فلو كان جار البيت فاطمة ﵂ وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديْها من الجوع ما مدّ أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه المتحجر لا تنفذه أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان، وأما الثاني: فمالُه بين ثغر الحسناء، وثغر الصهباء، فعلى يد أي رجل من هذين الرجلين تدخل الفضيلة قصور الأغنياء" (٢) .
ويقول ﵀: "لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سُقماً ولا ألماً، لقد كان جديراً به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويُطفي غلته، ولكنه كان محباً لنفسه مغالياً بها فضمّ إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير فعاقبه الله على قسوته بالبِطنة حتى لا يَهنيءَ للظالم ظلمه ولا يطب له عيشه، وهكذا يصدق المثل القائل: بطنة الغني انتقام لجوع الفقير.
ما ضنّت السماء بمائها، ولا شحّت الأرض بنباتها، ولكن حسد القوي الضعيف عليهما فزواهما عنه واحتجنهما (٣) دونه فأصبح فقيراً معدماً، شاكياً متظلماً، غرماؤه المياسير الأغنياء لا الأرض والسماء".
стр. 63
ثم يقول يرحمه الله: "لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسناً، لأني لا أعتمد فصلاً صحيحاً بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة، رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلاً إلى الإحسان إلى نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه ولا يُحسن إلى غيره، وهو الشره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذَبح في سبيله الناس جميعاً.
ورجل لا يُحسن إلى نفسه ولا إلى غيره، وهو البخيل الأحمق الذي يجيع بطنه ليشبع صندوقه، أما الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه، فلا أعلم له مكاناً ولا أجد إليه سبيلاً، وأحسب أنه هو ذلك الذي كان يفتّش عنه الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي حينما سئل ما يصنع بمصباحه وكان يدور به في بياض النهار، فقال: أفتش عن إنسان" (١) .
يقول المنفلوطي ﵀ في مقالة "الرحمة":
"سأكون في هذه المرة شاعراً بلا قافية ولا بحر لأني أريد أن أخاطب القلب وجهاً لوجه ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر.
إن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها وجعل عاليها سافلها، وكذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزائه، وبلغت سويدائه، ولا محراث للقلب غير الشِعر، أيها الرجل السعيد كن رحيماً أَشعِر قلبك الرحمة، ليكن قلبُك الرحمةَ بعينها.
ستقول إني غير سعيد لأن بين جنبيّ قلباً يُلم به من الهمّ ما يلم بغيره من القلوب، أجل فليكن ذلك كذلك، ولكن أطعم الجائع واكس العاري وعزّ المحزون، وفرّج كربة المكروب يكن لك من هذا المجتمع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك فالبدر لا يطلع إلا إذا شقّ رداء الليل، والفجر لا يَدْرُج إلا من مهد الظلام.
стр. 64
لقد بَليت اللذات كلها ورثت حبالها وأصبحت أثقل على النفس من الحديث المعاد ولم يبق ما يعزى الإنسان عنها إلا لذة واحدة هي لذة الإحسان.
إن منظَر الشاكر منظر جميل جذاب ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع وأعذب.
أحسن إلى الفقراء والبائسين وأعدك وعداً صادقاً أنك ستمر في بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك منه أنك أكرم مخلوق وأشرف إنسان ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله خير بما فعلت فيدعو صاحبه بدعائه، ويرجو برجائه، وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها بهذا الذكر الجميل في هذه الهيئة الخاملة ما يجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ الأعلى.
ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود فنبتسم سروراً ببكائك، واغتباطً بدموعك، لأن الدموع التي تتحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء أنك إنسان.
إن السماء تبكي بدموع الغمام ويخفُق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر، وما بكاءُ السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطيعة فلنجارها في بكائها وحنينها.
إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تُريق الدماء، والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقَر البطون، فالمحسن أفضل من القائد، وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي.
إن الرحمة كلمة صغيرة ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظَرها والشمس في حقيقتها.
إذا وَجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء.
لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمةُ الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.
стр. 65
لم يخلق الإنسان ليقتّر عليه رزقه ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعاً، بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض وتحت ظلال السماء ما يكفيه مؤونته، ويسد حاجته، ولكن سلبه الرحمة فبغى بعضه على بعض وغدر القوي بالضعيف واحتجن دونه رزقَه فتغير نظام القسمة العادلة وتشوه وجهها الجميل، ولو كان للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل.
الفرد هو المجتمع وإنما يتعدد بتعدد الصور، أتدري متى يكون الإنسان إنساناً؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة وأشعرها نفسَ فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها انفرد عنها واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس مأخذَ الإنسان المجتمع، فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.
وجِماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان واحد إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملَك الرحيم، والشيطان الرجيم.
إن من الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل، فإذا مشى مشى متدفعاً مندلثاً (١) لا يلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراق في الضحك سخرية به وببذاذة ثوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب دِرتهم (٢) ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يقربها ولا يُطعمها ولا يَسقيها إلا لما يترقب من الربح في الاتجار بألبانها وأصوافها، ولو استطاع أن يهدم بيتاً ليربح حجراً لفعل، وإن من الناس من لا حديث له إلا الدينار وأين مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسه والوقوفِ في وجهه والحيطة لفراره، ويبيت ليله حزيناً كئيباً لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يرى في منامه أنه سيأتيه فلم يُقيض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب بذلك لنفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضرّي (٣) نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة
стр. 66
إليه، حتى لو لم يبق في العالَم شخص غيره لكانت نفسُه مدبَّ عقاربه وغرض سهامه، وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية أو عن قلبه رأيت حجراً صلداً من أحجار الغرانيت لا يبض (١) بقطرة من الرحمة، ولا تَخْلُص إليه نسمة من العظة.
فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله من أن تكون واحداً من هؤلاء فإنهم سباع مفترسة وذئاب ضارية، بل أعظك ألا تدنو من أحدهم أو تعترض طريقَه فربما بدا له أن يأكلك فأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك.
أيها الإنسان: ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، ارحمها قبل أن ينال منها ويعبث الهم بقلبها فتفضل الموت على الحياة.
أيها السعداء، أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض ورحمكم من في السماء.
الفضيلة الرابعة والعشرون
رقة القلب وصيانة الجوارح
مراد الله من الناس رقة قلوبهم وأكرم بها من نعمة.
قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير" (٢) .
يقول القسطلاني معدداً لثمرات الصوم: "رقة القلب وغزارة الدمع وذلك من أسباب السعادة فإن الشبع مما يذهب نور العرفان ويقضي بالقسوة والحرمان".
ثم يقول في ثمرات الصوم أيضاً:
"صيانة جوارحه عن استرسالها في المخالفات وهذا هو أعظم ثمرات الصوم، بل هو الأصل في تحقيق المعنى، فإن النفس إذا مسّها ألم الجوع ذلت وانقادت، وأذعنت، واشتغلت بما هي فيه عن امتداد أملها إلى الفِكَر الدنية، فتسكن جوارحها عن الحركات
стр. 67
الردية، وتمتنع عن انتهاك المحارم المردية، والجوارح سبع: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، والنفس هي الممدِّة لهذه الجوارح، وهي الأصل عند الاعتبار، فإذا ضعف الأصل ضعف الفرع، وهذا هو سر الصوم، ولأجل ذلك قيل:
إذا ما المرء صام عن الخطايا ... فكل شهوره شهر الصيام
فإن قصّر في حفظها، أو حفظ شيء منها ربما أداه إلى الدخول إلى جهنم من سعة أبوابها، فإنه ما يستحق أحد جهنم إلا بعصيانه بأحد هذه الجوارح فمن رعاها في صيامه، أمّنه الله في الآخرة من انتقامه" (١) .
الفضيلة الخامسة والعشرون
الصيام فدية لبعض الأعمال ، أو بدلا منها، أو كفارة لها
من فضائل الصوم أن الله "جعله في شريعة الإسلام فدية لبعض الأعمال، أو بدلا عنها، أو كفارة لها" (٢) ، وهذا ليس لأي عبادة إلا الصوم:-
أولا: فقد جعل الله الصيام فدية لحلق شعر الرأس الذي هو من محظورات الإحرام في الحج والعمرة وبدلاً عن هدي واجب لمن عجز عن الهدي، فقد قال الله (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤءسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) [البقرة: ١٩٦] .
ثانيا: جعل الله الصيام معادلاً للهدي وإطعام المساكين في كفارة قتل الصيد بالنسبة للمحرم، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما كل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو
стр. 68
عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام) [المائدة: ٩٥] .
ثالثا: جعل الله صيام ثلاثة أيام بدل كفارة اليمين عند العجز عنها وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، على التخيير بين هذه الثلاثة. قال تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
رابعا: جعل الله كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار عتق رقبة مؤمنة، هذه هي الكفارة الأساسية، فمن لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها فعليه أن يصوم بدلا عنها شهرين متتابعين ... فسبحان من جعل الصوم ينوب عن عتق الرقاب عند العجز ويجعله كفارة القتل الخطأ.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: ٩٢] .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المجادلة: ٣-٤] .
فجعل الله الصيام ولم يجعل الصلاة أو الحج ... وهذه خاصية للصوم فأنعم به من عبادة.
ثمرات الصيام
أما ثمراته فأنواع:
أحدها: "صحة الأبدان" (١)
стр. 69
النوع الثاني: سلامة الأذهان وتصحيح أفكارها فإن الحرارة الغرورية يثيرها الجوع والعطش فيقوى إدراكها لفهم المعاني ويكثر تدبرها لما من الأعمال الصالحة تعاني.
النوع الثالث: نهضة القوة الحافظة وتقليل نسيانها فإن كثرة الأكل تكثر الرطوبة في الجسد وتوجب البلادة في الطبع.
النوع الرابع: خفة حركة الأعضاء للطاعات فإن الشبع يرخي الجسد ويقتضي التثاقل عن العبادة والإبطاء عن الإجابة إليها.
النوع الخامس: خذلان أعوان الشيطان ونصر أجناد الرحمن.
النوع السادس: رقة القلب وغزارة الدمع.
النوع السابع: إجابة الدعاء وذلك من علامة اللطف والاعتناء.
النوع الثامن: فرحه عند لقاء ربه بصومه.
النوع التاسع: فرحه عند فطره، وليس المراد بأكله وشربه، وإنما المراد فرحه بتوفير أجره عند تمام صومه وسلامته عند قاطع يقطعه عليه.
النوع العاشر: صيانة جوارحه عن استرسالها في المخالفات.
النوع الحادي عشر: المباهاة به يوم القيامة.
النوع الثاني عشر: اختصاصه بالدخول إلى الجنة من باب الريان" (١) .
فهذا ما يتعلق بفضائله وثمراته وهي أكثر من أن تُحصى ولله الحمد والمنة.
***
стр. 70
الباب الثالث
صوم الجاهلية
موضوع تحت قدمي
"أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي"
من حديث رسول الله ﷺ -
стр. 71
إياكم وبنيات الطريق
قُطّاع الطريق إلى الله وإلى الدار الآخرة من حاد عن طريق الله.
قال ﷺ : "أسرق الناس الذي يسرق صلاته: لا يتم ركوعها ولا سجودها وأبخل الناس من بخل بالسلام" (١) .
من يسرق من صلاته، ومن يسرق من صيامه على دربه ... من يفطر من غير عذر ومن يفطر قبل تحلة صومه.
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينما أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقال: إنا سنسهله لك، فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم" (٢) .
قال المنذري: قبل تحلة صومهم: يفطرون قبل وقت الإفطار ذكر الإمام ابن خزيمة "باب ذكر تعليق المفطرين قبل وقت الإفطار بعراقيبهم وتعذيبهم في الآخرة بفطرهم قبل تحلة صومهم".
عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلاً وعراً، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة
стр. 72
صومهم، فقال: خابت اليهود والنصارى فقال سليمان (١) : ما أدري أسمعه أبو أمامة من رسول الله ﷺ أم شيء من رأيه، ثم انطلق فإذا بقوم أشد شيء انتفاخاً، وأنتنه ريحاً، وأسوأه منظراً، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلق بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخاً وأنتنه ريحاً كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني، ثم انطلق بي، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيّات، قلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن، ثم انطلق بي فإذا أنا بالغلمان يلعبون بين نهرين، قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذراري المؤمنين، ثم شرف شرفاً فإذا أنا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جعفر وزيد وابن رواحة، ثم شرفني شرفاً آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة، قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينظروني" (٢) .
هذا فعل الله بمن تهاونوا في أداء الفرائض، فكيف بمن حرّفوها.
وأوّلوا معانيها تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان.
كيف بمن قالوا بإسقاط التكاليف من الصوفية ودجاجلة الشيعة، والاتحادية وأصحاب وحدة الوجود ودجالهم ابن عربي النكرة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه" (٣) .
قال ابن تيمية: فقوله في هذا الحديث: "ومبتع في الإسلام سنة جاهلية"، يندرج فيه كل جاهلية، مطلقة، أو مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئية أو وثنية أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ ، وإن كان لفظ الجاهلية لا يقع غالباً إلَّا على حال العرب التي كانوا عليها، فإن المعنى واحداً" (٤) .
صوم المارقين المرتدين:
١٧- صوم البهائية.
١٨- صوم القاديانية.
صوم مشركي أهل الكتاب:
١٩- صوم النصارى.
٢٠- صوم اليهود.
بدع الرافضة:
قال عبد القاهر البغدادي عن أصول أهل السنة:
"وقالوا بوجوب صوم رمضان، وحزموا الفطر فيه إلا بعذر: صغر، أو جنون، أو مرض، أو سفر، أو نحو ذلك من الأعذار.
وقالوا باعتبار شهر الصيام من رؤية هلال رمضان، أو بكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولم يفطروا في آخره إلا برؤية هلال شوال، أو بكمال أيام رمضان ثلاثين يوماً، وضللوا من صام من الروافض قبل الهلال بيوم وأفطر قبل الفطر بيوم" (١) .
١- الجناحية من الرافضة وصومها:
من غلاتهم "الجناحية" وهي فرقة خارجة ومرتدة عن الإسلام "استحلوا الخمر والميتة والزنى واللواط وسائر المحرمات، وأسقطوا وجوب العبادات، وتأولوا العبادات على أنها كنايات عمن تجب موالاتهم من أهل بيت عليّ، وقالوا في المحرمات المذكورة في القرآن إنها كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة" (٢) .
стр. 75
٢- الخطابية:
هناك طوائف من الشيعة مرتدون غلاة، أنكر الشيعة أنفسهم نسبة تلك الفرق الغالية إليهم وإلى الإسلام ولكن كتاب الفرق الإسلامية جميعاً يثبتون علاقة وطيدة بين هذه الفرق الغالية وبين التيار الشيعي العام" (١) منهم الخطابية: "أصحاب أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي".
"كان أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة أتوه وقالوا: يا أبا الخطاب خفف علينا فيأمرهم بتركها حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم" (٢) .
والتحلل من الشريعة وعدم الالتزام بأوامرها ونواهيها تكاد كل الفرق الغالية -كالسيئة والغرابية، والبيانية، والمغيرية، والهاشمية، والكيسانية، والنعمانية، واليونسية، والنصيرية، والخطابية- تقول به وتنتهي إليه.
وجعلوا الفرائض التي فرض الله تعالى رجالاً سموهم وأنهم أمروا بمعرفتهم وولايتهم، وجعلوا المعاصي رجالاً، أمروا بالبراءة منهم ولعنهم واجتنابهم وتأولوا على ما استحلوا من ذلك قول الله : (يريد الله أن يخفف عنكم) وقالوا: خفف عنا بأبي الخطاب ووضع عنّا به الأغلال والآصار يعنون الصلاة والزكاة والصيام والحج, فمن عرف الرسول النبي الإمام فذلك عنه موضوع فليصنع ما أحب.
* والمعمرية من الخطابية: دانوا بترك الفرائض ومنها الصوم فخرجوا من ملة الإسلام.
برئت إلى الرحمن من كل رافض ... بصير بباب الكفر في الدين أعورا
إذا كف أهل الحق عن بدعة مضى ... عليها، وإن يمضوا إلى الحق قصّرا
ولو قيل إن الفيل ضب لصدقوا ... ولو قيل زنجي تحول أحمرا
واخلف من بول العبير فإنه ... إذا هو للإقبال وجه أدبرا